Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
ما رواه ابن ماجه (١٥٧٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ دِينَارٍ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ، فَقَالَ: «مَا يُجْلِسُكُنَّ» قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ، قَالَ: «هَلْ تَغْسِلْنَ» قُلْنَ: لَا، قَالَ: «هَلْ تَحْمِلْنَ»، قُلْنَ: لَا، قَالَ: «هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي»، قُلْنَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ فيه إسماعيل بن سلمان الأزرق وهو واهي الحديث، وشيخه وثقه وكيع وكذبه الخليلي.
ورواه أبو يعلى في [مُسْنَدِه] (٤٠٥٦، ٤٢٨٤) حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَى نِسْوَةً فَقَالَ: «أَتَحْمِلْنَهُ؟»، قَالَ: «أَتَدْفُنَّهُ؟»، قُلْنَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ».
قُلْتُ: الحارث جهله أبو حاتم.
ورواه الخطيب في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٦/ ٢٠٠) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ- إِمْلاءً- حدّثنا محمّد بن عبيد الله المنادي، حَدَّثَنَا أَبُو هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تبع جَنَازَةً فَإِذَا هُوَ بِنِسْوَةٍ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِنَّ وَهُوَ يَقُولُ: «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ، مُفْتِنَاتِ الأَحْيَاءِ، مُؤْذِيَاتِ الأَمْوَاتِ».
قُلْتُ: أبو هدبة هو إبراهيم بن هدبة قال فيه ابن معين: «كذاب خبيث».
стр. 3222
وَقَالَ أحمد بن حنبل: «إبراهيم بن هدبة لا شيء روى أحاديث مناكير». ذكر ذلك الخطيب ﵀ في [تَارِيْخِ بِغْدَاد] (٦/ ٢٠٠).
وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْجَرْحِ وَالْتَعْدِيْلِ] (٢/ ١٤٤): «سألت أبي عن أبي هدبة فقال: كذاب» اهـ.
وَقَالَ ابن الجوزي ﵀ في [الْضُعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِين] (١/ ٥٨):
«إبراهيم بن هدبة أبو هدبة الفارسي بصري يروي عن أنس قال أحمد بن حنبل: إبراهيم بن هدبة لا شيء روى أحاديث مناكير. وَقَالَ يحيى: كذاب خبيث. وكذبه علي وأبو حاتم الرازي وَقَالَ أبو عبد الرحمن النسائي والْدَارَقُطْنِي هو متروك. وَقَالَ ابن عدي: حدث بالبواطيل. وَقَالَ ابن حبان: دجال من الدجالين لا يحل لمسلم أن يكتب حديثه ولا يذكره إلا على جهة التعجب» اهـ.
ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٢٩٨) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُؤَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى النِّسَاءَ فَقَالَ: «أَتَحْمِلْنَهُ فِيمَنْ يَحْمِلُهُ؟» قُلْنَ: لَا قَالَ: «أَفَتُدِخُلُنَّهُ فِيمَنْ يُدْخِلُهُ؟» قُلْنَ: لَا قَالَ: «أَفَتُحْثِينَ التُّرَابَ فِيمَنْ يَحْثُو؟» قُلْنَ: لَا قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ، غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ».
قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ وفي سنده مبهم. وأخشى أن يرجع أن يعود الإسناد إلى الحارث.
قُلْتُ: واحتجوا أيضاً بما رواه أحمد (٦٥٧٤، ٧٠٨٢)، والنسائي (١٨٨٠) مِنْ طَرِيْقِ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ بَصُرَ بِامْرَأَةٍ لَا
стр. 3223
نَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا، فَلَمَّا تَوَجَّهْنَا الطَّرِيقَ، وَقَفَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵂، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيْتِكِ يَا فَاطِمَةُ؟» قَالَتْ: أَتَيْتُ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ، فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ وَعَزَّيْتُهُمْ، فَقَالَ: «لَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى؟» قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا مَعَهُمْ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ قَالَ: «لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ فيه ربيعة بن سيف الراجح فيه الضعف. وقد سبق الحديث.
قُلْتُ: وخلاصة القول في هذه المسألة أنَّ دليل المنع من زيارة النساء للقبور دليل صريح، وأدلة من أجاز ذلك ليست بصريحة فالراجح هو القول بمنع النساء من زيارة القبور. والله أعلم.
ويدخل في عموم النهي عن زيارة النساء للقبور قبر النبي ﷺ وصاحبيه على الصحيح من أقوال العلماء وبهذا أفتى جماعة من أهل العلم.
فقد جاء في [فَتَاوَى وَرَسَائِلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آلَ الشَّيْخِ] (٦/ ١١٣):
«١٣٦٨ - س: زيارة النساء لقبر الرسول، والسلام عليه في القبر؟
جـ: الأصل في الأحاديث عموم النهي، فعلى القائل الدليل، ولا دليل. هذا بالنسبة إلى الزيارة.
أمَّا السلام فلا يقدر عليه، لا يتوصل الرجال ولا النساء للسلام عليه في القبر، لأنَّه لا يوصل إليه. وقيل بالمنع مطلقاً» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٣/ ٣٣٣):
стр. 3224
«س: هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي ﷺ ؟
ج: لا يجوز لهن ذلك؛ لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي ﷺ مشهور ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة؛ لأنَّ الرسول ﷺ لم يستثن قبره ولا قبر غيره، بل نهاهن نهيا عاما، ولعن من فعل ذلك منهن، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره والله ولي التوفيق» اهـ.
وفيه (١٧/ ٤١٩): «س: هل يجوز للنساء زيارة قبر النبي ﷺ ؟
ج: لا يجوز لهن ذلك لعموم الأحاديث الواردة في نهي النساء عن زيارة القبور ولعنهن على ذلك، والخلاف في زيارة النساء لقبر النبي ﷺ مشهور، ولكن تركهن لذلك أحوط وأوفق للسنة؛ لأنَّ الرسول ﷺ لم يستثن قبره ولا قبر غيره، بل نهاهن نهياً عاماً، ولعن من فعل ذلك منهن، والواجب الأخذ بالتعميم ما لم يوجد نص يخص قبره بذلك وليس هناك ما يخص قبره. والله ولي التوفيق» اهـ.
وجاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٧/ ٢٠٤):
«س ٥٧٢ سئل فضيلة الشيخ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ما الفرق بين زيارة النساء لقبر النبي ﷺ وغيره؟ وهل النهي عام أم يستثنى منه قبر النبي ﵇؟
стр. 3225
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك ما يدل على تخصيص قبر النبي ﵊ بإخراجه من النهي عن زيارة القبور بالنسبة للنساء، ولهذا نرى أن زيارة المرأة لقبر الرسول ﵊ كزيارتها لأي قبر آخر، والمرأة يكفيها والحمد لله أنها تسلم على النبي ﵊ في صلاتها، وإذا سلمت فإن تسليمها يبلغ النبي ﵊ أينما كانت» اهـ.
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٩/ ١٠٢ - ١٠٣):
«أمَّا بالنسبة للنساء فزيارة القبور منهن عموماً ومنها قبر النبي ﷺ منهي عنها، وليست من السنة، بل لا يجوز لهن زيارة قبره ﷺ ولا سائر القبور؛ لما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄: "أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، ولما رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لعن زوارات القبور"، وَقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صحيح.
وما ثبت من قول النبي ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" فخطاب للرجال فقط، وأذن لهم في زيارتها، لا يدخل فيه النساء لتخصيص ذلك بأحاديث لعن زائرات القبور، التي جاءت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عن ثلاثة من الصحابة ﵃، وما روي عن عائشة ﵂ في زيارة النساء للقبور منسوخ بالأحاديث الصحيحة التي ذكرت.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
стр. 3226
عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وقد ذهب بعض علماء الحنابلة إلى استثناء قبر النبي ﷺ وصاحبيه واعتمدوا على عموم حديث لا يثبت وهو: «من حج ولم يزرني فقد جفاني». وهو حديث موضوع وانظر كلام العلامة الألباني حوله في [الضَّعِيْفَةِ] (٤٥).
وقد جاء في [شَرِحِ مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ] (٣/ ١١):
«"وتكره" زيارة قبور "لنساء" لحديث أم عطية "نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا" متفق عليه "وإن علمن" أي النساء "أنَّه يقع منهن محرم" بزيارتهن "حرمت" زيارتهن لها لأنها وسيلة للمحرم "إلا" زيارة النساء "لقبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه" أبي بكر وعمر "فتسن" كالرجال، لعموم "من حج فزارني" ونحوه» اهـ.
٤ - وفي الحديث ما يدل على النهي قد يأتي للكراهة.
* * *
стр. 3227
١٥٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا إنْ تَكُ صَالِحَةً: فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ. وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ: فَشَرٌّ: تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب الإسراع في السير بالجنازة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٥١):
«قال: الجنازة والجنازة - بالفتح والكسر - بمعنى واحد ويقال: بالفتح هو الميت وبالكسر: النعش الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل فعلى هذا يليق الفتح في قوله ﵇: "أسرعوا بالجنازة" يعني بالميت فإنَّه المقصود بأن يسرع به والسنة الإسراع كما جاء في الحديث وذلك بحيث لا ينتهي الإسراع إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت وقد جعل الله لكل شيء قدراً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٠١):
«لا خلاف بين الأئمة ﵏ في استحباب الإسراع بالجنازة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٧١):
«واتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة ألا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأنى» اهـ.
وَقَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٢٩٠): «وذهب ابن حزم الظاهري إلى وجوبه تمسكاً بظاهر الْأمر وهو شاذ» اهـ.
стр. 3228
وفي الباب ما رواه أبو داود (٣١٨٢) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا، فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ فَرَفَعَ سَوْطَهُ، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَرْمُلُ رَمَلًا».
ورواه (٣١٨٣) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، ح وحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ، عَنْ عُيَيْنَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَا: فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَقَالَ: فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ بَغْلَتَهُ وَأَهْوَى بِالسَّوْطِ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وقد تابع مسلم بن إبراهيم الربيع بن يحي المرئي كما روى ذلك الفسوي في [الْمَعْرِفَة] (١/ ٧٣)، وخالفهما محمد بن جعفر المدائني أخرج حديثه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٧٣٣).
قُلْتُ: وقد خالف شعبة في ذكره لجنازة عثمان بن أبي العاص كل من:
١ - خالد بن الحارث عند أبي داود كما سبق والنسائي (١٩١٢).
٢ - عيسى بن يونس عند أبي داود أيضاً.
٣ - يحيى بن سعيد القطان عند أحمد (٢٠٤١٦).
٤ - محمد بن إبراهيم بن أبي عدي عند البزار (٣٦٨٠).
٥ - أبو داود الطيالسي في [الْمُسْنَد] (٩٢٤).
٦ - عبد الله بن يزيد المقري عند الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٥٨٧٧).
٧ - وكيع بن الجراح عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٣٥٩)، وهو عند أحمد (٢٠٣٩١) لكن من غير تسمية للميت.
стр. 3229
٨ - إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم عند ابن حبان (٣٠٤٣).
٩ - يزيد بن هارون عند البخاري في [الْأَوْسَطِ] (٣٧٤)، [الصَّغِيْرِ] (١/ ١٢٧).
١٠ - إسماعيل بن علية عند النسائي (١٩١٣) مختصراً، وعند ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٣٤/ ٤١٨) مطولة.
فروا جميعاً عن عيينة، وقالوا: في جنازة عبد الرحمن بن سمرة. وهذا هو المحفوظ في الحديث. والله أعلم.
وقد قال البخاري ﵀ في [الْأَوْسَطِ] (١/ ٦٦٩):
«وَقَالَ شعبة عن عيينة، عن أبيه جنازة عثمان بن أبي العاص، وعثمان وهم» اهـ.
وَقَالَ ابن أبي حاتم ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٣٧١):
«فسمعت أبي يقول: روى هذا الحديث هشيم، ووكيع، وأبو داود الطيالسي، وسعدان بن يحيى، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، وَقَالَ فيه: فحمل عليهم أبو بكرة، بدل عثمان بن أبي العاص، وهذا أصح» اهـ.
قُلْتُ: وقد روى الحديث هشيم عن عيينة ولم يسم الميت كما روى ذلك أحمد (٢٠٤٠٤)، والنسائي (١٩١٣).
قُلْتُ: وقد عارض هذا ما رواه أحمد (١٩٧١٠)، وابن ماجه (١٤٧٩)
مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ رَأَى جِنَازَةً يُسْرِعُونَ بِهَا، فَقَالَ: «لِتَكُنْ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ».
قُلْتُ: وفيه ليث بن أبي سليم لا يحتج بحديثه.
стр. 3230
ورواه البزار في [مُسْنَدِه] (٣١٤٧)، والروياني في [مُسْنَدِه] (٤٩٤) مِنْ طَرِيْقِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ أَهْلُهَا يُسْرِعُونَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ».
قال البزار: وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَلَا نَعْلَمُ لَهُ إِلَّا هَذَا الطَّرِيقَ اهـ.
ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٣٧٧) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ بِنْتِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ به.
٢ - وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على الإسراع بتجهيزها بعد موتها لئلا تتغير.
قُلْتُ: ذكر الرقاب يدل على الإسراع بالمشي لا الإسراع بالتجهيز.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [الْتَمْهِيْدِ] (١٦/ ٣٣):
«تأول قوم في هذا الحديث تعجيل الدفن لا المشي وليس كما ظنوا وفي قوله شر تضعونه عن رقابكم ما يرد قولهم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٣٦٢):
«وهذا الذي ذكرناه من استحباب الإسراع بالمشي بها وأنَّه مراد الحديث هو الصواب الذي عليه جماهير العلماء. ونقل القاضي عن بعضهم أنَّ المراد الإسراع بتجهيزها إذا استحق موتها، وهذا قول باطل مردود بقوله ﷺ : "فشر تضعونه عن رقابكم"» اهـ.
стр. 3231
قُلْتُ: ويدل على الإسراع بتجهيز الميت ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٣٤٣٨)، والبيهقي في [شُعَبِ الْإِيْمَانِ] (٨٨٥٤) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَابْلُتِّيُّ، ثنا أَيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ».
قُلْتُ: يحيى بن عبد الله البابلتي ضعيف، وأيوب بن نهيك ضعفه أبو حاتم وَقَالَ فيه أبو زرعة منكر الحديث.
وروى أبو داود (٣١٥٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ الرُّؤَاسِيُّ أَبُو سُفْيَانَ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عِيسَى - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ ابْنُ يُونُسَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَلَوِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ، أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ، مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إِلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا فَإِنَّهُ، لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ».
قُلْتُ: هذا حديث مسلسل بالجاهيل.
وهذه الأدلة وإن كانت لم تصح لكن يمكن أن يحتج بالعلة التي من أجلها رغب النبي ﷺ بالإسراع بالجنازة على استحباب التعجيل بتجهيز الميت فإنَّ ذلك من الخير الذي نقدمه للميت إن كان من الصالحين فإنَّ الآخرة خير له من الأولى، ومن الشر الذي يصرف عن الأحياء إن كان الميت بخلاف ذلك. والله أعلم.
стр. 3232
٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ١٣):
«ويؤخذ منه ترك صحبة أهل البطالة غير الصالحين» اهـ.
٤ - وفيه أنَّ الآخرة خير للمؤمن من الدنيا، والعكس بالعكس.
٥ - وفي الحديث حمل الجنازة على الرقاب.
ومثله ما رواه البخاري (١٣٨٠) عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ».
قُلْتُ: وقد استنكر العلامة الألباني ﵀ حمل الجنازة على السيارات فقال في [أَحْكَامِ الْجَنَائِزِ] (٧٦ - ٧٧): «وأمَّا حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز، وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات، فهذه الصورة لا تشرع البتة، وذلك لأمور:
الأول: أنَّها من عادات الكفار، وقد تقرر في الشريعة أنَّه لا يجوز تقليدهم فيها.
وفي ذلك أحاديث كثيرة جداً، كنت أستوعبتها وخرجتها في كتابي "حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة"، بعضها في الْأمر والحض على مخالفتهم في عباداتهم وأزيائهم وعاداتهم، وبعضها من فعله ﷺ في مخالفتهم في ذلك، فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه.
стр. 3233
الثاني: أنَّها بدعة في عبادة، مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة، وكل ما كان كذلك من المحدثات، فهو ضلالة اتفاقاً.
الثالث: أنَّها تفوت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكر الآخرة، كما نص على ذلك رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم في أول هذا الفصل بلفظ: " … واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة ".
أقول: إن تشييعها على تلك الصورة مما يفوت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتاً كاملاً أو دون ذلك، فإنه ممالا يخفى على البصير أن حمل الميت على الأعناق، ورؤية المشيعين لها وهي على رؤوسهم، أبلغ في تحقيق التذكر والاتعاظ من تشييعها على الصورة المذكورة، ولا أكون مبالغاً إذا قُلْتُ: إن الذي حمل الأوربيين عليها إنما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكر به، بسبب تغلب المادة عليهم، وكفرهم بالآخرة!.
الرابع: أنها سبب قوي لتقليل المشيعين لها والراغبين في الحصول على الأجر الذي سبق ذكره في المسألة (٤٥) من هذا الفصل، ذلك لأنه لا يستطيع كل أحد أن يستأجر سيارة ليشيعها.
الخامس: أن هذه الصورة لا تتفق من قريب ولا من بعيد مع ما عرف عن الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات، لا سيما في مثل هذا الْأُمر الخطير: الموت! والحق أقول: إنه لو لم يكن في هذه البدعة إلاَّ هذه المخالفة، لكفى ذلك في ردها فكيف إذا انضم إليها ما سبق بيانه من المخالفات والمفاسد وغير ذلك مما لا أذكره!» اهـ.
قُلْتُ: وفي [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (١٧/ ٩٩):
стр. 3234
«سئل فضيلة الشيخ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أيهما أفضل: حمل الجنازة على الأكتاف أو على السيارة؟
وأيهما أفضل: السير أمامها أو خلفها سواء كان ماشياً أو راكباً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل حملها على الأكتاف، لما في ذلك من المباشرة بحمل الجنازة، ولأنه إذا مرت الجنازة بالناس في الأسواق عرفوا أنَّها جنازة ودعوا لها، ولأنَّه أبعد عن الفخر والأبهة، إلَّا أن يكون هناك حاجة، أو ضرورة فلا بأس أن تحمل على السيارة، مثل: أن تكون أوقات أمطار، أو حر شديد، أو برد شديد، أو قلة المشيعين .... » اهـ.
قُلْتُ: ومن جملة الحاجات بعد المقبرة.
قُلْتُ: وحمل الجنازة من فروض الكفايات، واستحب بعض العلماء الحمل بين العمودين لما رواه البيهقي في [الْسُّنَنِ الْصَّغِيْرِ] (١٠٤٩)، و [الْكُبْرَى] (٦٨٣٥)، و [الْمَعْرِفَةِ] (٧٤٧٣) مِنْ طَرِيْقِ الشَّافِعِيِّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَائِمًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَاضِعًا السَّرِيرَ عَلَى كَاهِلِهِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١١٨٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَغُنْدَرٌ، وَشُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ سَعْدًا عِنْدَ قَائِمَةِ سَرِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ يَقُولُ: «وَاجَبَلَاهْ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
стр. 3235
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١١٨٢)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٦٣٨١)، والشافعي في [الْمُسْنَدِ] (٥٨٨)، و [الْأُمِ] (١/ ٣٠٧) مِنْ طَرِيْقِ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ وَاضِعًا السَّرِيرَ كَاهِلَهُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٦٩ - ٢٧٠):
«قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ لِحَمْلِ الجنازة كيفيتان:
أحدهما: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلٌ فَيَضَعَ الْخَشَبَتَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ وَهُمَا الْعَمُودَانِ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَالْخَشَبَةَ الْمُعْتَرِضَةَ بَيْنَهُمَا عَلَى كَاهِلِهِ وَيَحْمِلُ مُؤَخَّرَ النَّعْشِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالْآخَرُ مِنْ الْأَيْسَرِ وَلَا يَتَوَسَّطُ الْخَشَبَتَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ لَوْ تَوَسَّطَ لَمْ يَرَ مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ بِخِلَافِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ لَمْ يستقل الْمُتَقَدِّمُ بِالْحَمْلِ أَعَانَهُ آخَرَانِ خَارِجَ الْعَمُودَيْنِ يَضَعُ كل واحد منها واحداً مِنْهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ فَتَكُونُ الْجِنَازَةُ مَحْمُولَةً بِخَمْسَةٍ.
وَالْكَيْفِيَّةُ الثَّانِيَةُ: التَّرْبِيعُ وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ فيضع أحدهما العمودين الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَيَضَعَ الْآخَرُ الْعَمُودَ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَكَذَلِكَ يَحْمِلُ الْعَمُودَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي آخِرِهَا رَجُلَانِ فَتَكُونُ الْجِنَازَةُ مَحْمُولَةً بِأَرْبَعَةٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَالْأَصْحَابُ ﵏: مَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِحَمْلِ الْجِنَازَةِ مِنْ جَوَانِبِهَا الْأَرْبَعَةِ بَدَأَ بِالْعَمُودِ الْأَيْسَرِ مِنْ مُقَدِّمِهَا فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إلَى غَيْرِهِ وَيَأْخُذُ الْعَمُودَ الْأَيْسَرَ مِنْ مُؤَخَّرِهَا فَيَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ أَيْضًا ثُمَّ يَتَقَدَّمُ أَيْضًا فيمر بين يديها ولا يجئ مِنْ وَرَائِهَا لِئَلَّا يَكُونَ مَاشِيًا مِنْ خَلْفِهَا
стр. 3236
فَيَأْخُذَ الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ مِنْ مُقَدِّمِهَا عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ مِنْ مُؤَخَّرِهَا عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ أَيْضًا وَلَا يُمْكِنُهُ هَذَا إلَّا إذَا حُمِلَتْ الْجِنَازَةُ عَلَى هَيْئَةِ التَّرْبِيعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏: وَكُلُّ وَاحِدَةٍ من كيفية التربيع واحمل بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ.
وَالثَّانِي: التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ هُوَ ضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّالِثُ: هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ ﵀.
هَذَا إذَا أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى إحْدَاهُمَا فَأَمَّا الْأَفْضَلُ مُطْلَقًا فَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَرَأَيْت نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَيْضًا وَغَيْرُهُ وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ ثُمَّ صِفَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي قَوْلِهِ السُّنَّةُ أَنْ يَحْمِلَ الْجِنَازَةَ خَمْسَةٌ أَرْبَعَةٌ مِنْ جَوَانِبِهَا وَوَاحِدٌ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ صِفَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنْ يُحْمَلَ تَارَةً كَذَا وَتَارَةً كَذَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَيْفِيَّتَيْنِ جَائِزَتَانِ والجمع بينهما أفضل من الاقتصار علي إحداهما فَإِنْ اقْتَصَرَ فَالْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ صَرِيحٌ فِي بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَكَلَامُهُ هُنَا يُتَأَوَّلُ عَلَى ذَلِكَ فَقَوْلُهُ الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ يَعْنِي إنْ اقْتَصَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ
стр. 3237
الْأَفْضَلِ مُطْلَقًا ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُوَضِّحْ صُورَةَ التَّرْبِيعِ عَلَى وَجْهِهَا وَخَلَطَ صِفَةَ التَّرْبِيعِ بِمَسْأَلَةِ مَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِحَمْلِهَا مِنْ الْجَوَانِبِ كُلِّهَا وَصَوَابُ الْمَسْأَلَةِ مَا أَوْضَحْنَاهُ أَوَّلًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَلَوْ حَمَلَ النَّعْشَ عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يَكُنْ حَامِلًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ صِفَةَ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَنْ يَحْمِلَهَا ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ مِنْ مُؤَخَّرِهَا وَوَاحِدٌ مِنْ مُقَدَّمِهَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ إلَّا الدَّارِمِيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ فَإِنَّهُ حُكِيَ فِي الاستذكار عن أبي إسحاق الْمَرْوَزِيِّ ﵀ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِاثْنَيْنِ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ حَمْلِ الْجِنَازَةِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَمْلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُغَلِّسِ الداوودي، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وأحمد وإسحاق التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٥٧):
«مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى إلَى الرِّجْلِ، ثُمَّ الْكَتِفِ الْيُسْرَى إلَى الرِّجْلِ) التَّرْبِيعُ هُوَ الْأَخْذُ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، وَهُوَ سُنَّةٌ فِي حَمْلِ الْجِنَازَةِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إذَا تَبِعَ أَحَدُكُمْ جِنَازَةً، فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ لْيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ لِيَذَرْ، فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ". رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ ". وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَصِفَةُ التَّرْبِيعِ الْمَسْنُونِ أَنْ يَبْدَأَ فَيَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى، مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ يَضَعَ الْقَائِمَةَ الْيُسْرَى مِنْ عِنْدِ الرِّجْلِ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى،
стр. 3238
ثُمَّ يَعُود أَيْضًا إلَى الْقَائِمَةِ الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ فَيَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ ﵀، أَنَّهُ يَدُورُ عَلَيْهَا فَيَأْخُذُ بَعْدَ يَاسِرَةِ الْمُؤَخِّرَةِ يَامِنَةَ الْمُؤَخِّرَةِ ثُمَّ الْمُقَدِّمَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَيُّوبَ وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِمُقَدَّمِهِ كَالْأَوَّلِ.
فَأَمَّا الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ وَسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا بَيْنَ عَمُودَيْ السَّرِيرِ. وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قَدْ فَعَلُوهُ، وَفِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ تَوْقِيتٌ يَحْمِلُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ.
وَنَحْوُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاتِّبَاعُ الصَّحَابَةِ، ﵃، فِيمَا فَعَلُوهُ وَقَالُوهُ، أَحْسَنُ وَأَوْلَى» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن مسعود رواه ابن أبي شيبة [مُصَنَّفِهِ] (١١٢٨١) حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ بِسْطَامٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي جِنَازَةٍ فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهِ، فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ لَهُ لِيَتَطَوَّعَ، ثُمَّ لِيَدَعَ».
стр. 3239
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥١٧) عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَمَعْمَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «إِذَا اتَّبَعَ أَحَدُكُمُ الْجِنَازَةَ، فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِهَا كُلِّهَا، فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ لِيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ يَتْرُكْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود لكن مرسله عن أبيه صحيح عند جماعة من حفاظ الحديث لعلمه بأحاديث أبيه وتلقيه لأحاديثه عن أهل بيته.
وقوله في رواية ابن أبي شيبة عُبَيْدُ بْنُ بِسْطَامٍ، صوابه نسطاس كما في رواية عبد الرزاق.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٢٠) عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنِ الْأَزْدِيِّ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ حَمَلَ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ قَالَ: بَدَأَ بِمَيَامِنِهَا ثُمَّ تَنَحَّى عَنْهَا فَكَانَ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ مُزْجِرِ الْكَلْبِ».
ورواه ابن أبي شيبة [مُصَنَّفِهِ] (١١٢٧٧) حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ به.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. والأزدي هو علي بن عبد الله الأزدي البارقي.
* * *
стр. 3240
١٦٠ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْت وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ فِي وَسَطِهَا».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - فيه أنَّ صلاة الجنازة تقام على النفساء وإن كانت لا تصلي.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٤٥):
«أنَّ دم النفاس وإن كانَ يمنع النفساء، من الصلاة فلا يمنع من الصلاة عليها إذا ماتت فيهِ، وكذلك دم الحيض، فإنَّه يصلى على الحائض والنفساء إذا ماتتا في دمهما، كما يصلى على الجنب إذا مات، وكل منهم يغسل ويصلى عليهِ، إلَّا أن يكون شهيداً في معركة» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ النفساء وإن كانت من جملة الشهداء إلَّا أنَّه يفعل بها كما يفعل بسائر الموتى.
٣ - وفيه أنَّ السنة في الوقوف على المرأة يكون في وسطها.
وقد تنازع العلماء في موضع الوقوف من الرجل والمرأة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٨٩):
«لا يختلف المذهب في أنَّ السنة أن يقوم الْإِمَام في صلاة الجنازة حذاء وسط المرأة، وعند صدر الرجل أو عند منكبيه، وإن وقف في غير هذا الموقف خالف سنة الموقف، وأجزأه.
стр. 3241
وهذا قول إسحاق، ونحوه قول الشافعي إلَّا أن بعض أصحابه قال: يقوم عند رأس الرجل.
وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد؛ لما روي عن أنس أنَّه صلى على رجل، فقام عند رأسه، ثم صلى على امرأة فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم.
فلما فرغ، قال: احفظوا. قال الترمذي: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ أبو حنيفة: يقوم عند صدر الرجل والمرأة؛ لأنَّهما سواء، فإذا وقف عند صدر الرجل فكذا المرأة.
وَقَالَ مالك: يقف من الرجل عند وسطه؛ لأنَّه يروى مثل هذا عن ابن مسعود، ويقف من المرأة عند منكبيها؛ لأنَّ الوقوف عند أعاليها أمثل وأسلم.
ولنا، ما روى سمرة، قال: صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها. متفق عليه.
وحديث أنس الذي ذكرناه، والمرأة تخالف الرجل في الموقف، فجاز أن تخالفه هاهنا.
ولأنَّ قيامه عند وسط المرأة أستر لها من الناس، فكان أولى.
فأمَّا قول من قال: يقف عند رأس الرجل فغير مخالف لقول من قال بالوقوف عند الصدر؛ لأنَّهما متقاربان، فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر، والله أعلم» اهـ.
стр. 3242
قُلْتُ: الذي دلت عليه السنة بالنسبة للرجل هو الوقوف عند رأسه فقد روى أحمد (١٣١٣٦)، وأبو داود (٣١٩٤)، والترمذي (١٠٣٤)، وابن ماجه (١٤٩٤) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي غَالِبٍ الْخَيَّاطُ، قَالَ: شَهِدْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَلَمَّا رُفِعَتْ أُتِيَ بِجِنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَذِهِ جِنَازَةُ فُلَانَةَ ابْنَةِ فُلَانٍ، فَصَلِّ عَلَيْهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا، فَقَامَ وَسَطَهَا وَفِينَا الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْعَدَوِيُّ، فَلَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ قِيَامِهِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصنع يَقُومُ مِنَ الرَّجُلِ حَيْثُ قُمْتَ، وَمِنَ الْمَرْأَةِ حَيْثُ قُمْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا الْعَلَاءُ فَقَالَ: احْفَظُوا.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وإذا اجتمعت جنائز للرجال والنساء قدم الرجال وأخر جنائز النساء وجعل جنائز النساء محاذية لرؤوس الرجال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٩١):
«فصل: فإن اجتمع جنائز رجال ونساء، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما، يسوي بين رءوسهم.
وهذا اختيار القاضي، وقول إبراهيم وأهل مكة، ومذهب أبي حنيفة؛ لأنَّه يروى عن ابن عمر، أنَّه كان يسوي بين رءوسهم.
وروى سعيد، بإسناده عن الشعبي، أنَّ أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر توفيا جميعاً، فأخرجت جنازتاهما، فصلى عليهما أمير المدينة، فسوى بين رؤوسهما
стр. 3243
وأرجلهما حين صلى عليهما وبإسناده عن حبيب بن أبي ثابت، قال: قدم سعيد بن جبير على أهل مكة، وهم يسوون بين الرجل والمرأة إذا صلي عليهما، فأرادهم على أن يجعلوا رأس المرأة عند وسط الرجل، فأبوا عليه.
والرواية الثانية، أن يصف الرجال صفاً والنساء صفاً، ويجعل وسط النساء عند صدور الرجال.
وهذا اختيار أبي الخطاب؛ ليكون موقف الْإِمَام عند صدر الرجل ووسط المرأة.
وَقَالَ سعيد: حدثني خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي.
قال: حدثني أبي، قال: رأيت واثلة بن الأسقع يصلي على جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت، فيصف الرجال صفاً، ثم يصف النساء خلف الرجال، رأس أول امرأة يضعها عند ركبة آخر الرجال، ثم يصفهن، ثم يقوم وسط الرجال، وإذا كانوا رجالاً كلهم صفهم، ثم قام وسطهم.
وهذا يشبه مذهب مالك، وقول سعيد بن جبير.
وما ذكرناه أولى؛ لأنَّه مدلول عليه بفعل النبي ﷺ ولا حجة في قول أحد خالف فعله أو قوله، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عمر رواه النسائي (١٩٧٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَزْعُمُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى عَلَى تِسْعِ جَنَائِزَ جَمِيعًا «فَجَعَلَ الرِّجَالَ يَلُونَ الْإِمَامَ، وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ، فَصَفَّهُنَّ صَفًّا وَاحِدًا، وَوُضِعَتْ جَنَازَةُ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عَلِيٍّ امْرَأَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ وُضِعَا جَمِيعًا وَالْإِمَامُ يَوْمَئِذٍ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَفِي النَّاسِ ابْنُ عُمَرَ،
стр. 3244
وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ، فَوُضِعَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، فَنَظَرْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: «هِيَ السُّنَّةُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، لكن قوله: «هِيَ السُّنَّةُ». لا يصح لأنَّه من رواية رجل مبهم.
والأثر عند عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٣٣٧).
* * *
стр. 3245
١٦١ - عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِيءٌ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ».
قَالَ الْمُصَنَّفِ: الصَّالِقَةُ، الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ.
الحديث رواه البخاري (١٢٩٦) معلقاً فَقَالَ: وَقَالَ الحَكَمُ بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ: أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا شَدِيدًا، فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - النهي عن رفع الصوت عند المصيبة.
٢ - وفيه النهي عن حلق الشعر عند المصيبة.
٣ - وفيه النهي عن شق الثياب عند المصيبة.
٤ - وهذه الْأُمور نهي عنها لمنافاتها للصبر الواجب فيلحق بها ما شابهها.
٥ - وفيه أنَّ هذه الْأُمور من كبائر الذنوب فإنَّ البراءة تدل على ذلك.
٦ - وتخصيص النساء بالذكر مع أنَّ الحكم يعم الرجال أيضاً لأنَّ ذلك هو الغالب فيهنَّ لقلة صبرهنَّ.
* * *
стр. 3246
١٦٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ - وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ - فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ﷺ وَقَالَ:
«أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ».
في الحديث مسائل منها:
١ - تحريم بناء المساجد على القبور.
وقد جاء في تحريم ذلك أحاديث منها:
ما رواه البخاري (٥٨١٥)، ومسلم (١١٨٧) عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا.
وروى البخاري (١٣٣٠)، ومسلم (٥٢٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ - أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
стр. 3247
وروى البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
وروى مسلم (١١٨٨) عَنْ جُنْدَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١/ ١٦٣ - ١٦٤): «واتخاذ المكان مسجداً هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجداً إنَّما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين فحرم أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد وإن كان القاصد لذلك إنَّما يقصد عبادة الله وحده لأنَّ ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والْدُعَاء به والْدُعَاء عنده فنهى رسول الله عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله، والفعل إذا كان يفضى إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه» اهـ.
وَقَالَ ﵀: (٣/ ٣٩٨): «ونهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد فقال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا، قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجداً.
стр. 3248
وفي الصحيح عنه أنَّه قال قبل أن يموت بخمس: "إنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا بيتي عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنَّه لا يشرع بناء المسجد على القبور، ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول الصلاة عندها باطلة» اهـ.
وَقَالَ ﵀: (١٧/ ٤٦٣): «كذلك قال العلماء يحرم بناء المساجد على القبور ويجب هدم كل مسجد بني على قبر وإن كان الميت قد قبر في مسجد وقد طال مكثه سوى القبر حتى لا تظهر صورته فإنَّ الشرك إنَّما يحصل إذا ظهرت صورته، ولهذا كان مسجد النبي ﷺ أولاً مقبرة للمشركين، وفيها نخل وخرب فأمر بالقبور فنبشت وبالنخل فقطع وبالخرب فسويت فخرج عن أن يكون مقبرة فصار مسجداً» اهـ.
وَقَالَ ﵀: (٢٢/ ١٩٤ - ١٩٥): «الحمد لله اتفق الأئمة أنَّه لا يبنى المسجد على قبر لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" وأنَّه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير إمَّا بتسوية القبر وإمَّا بنبشه إن كان جديداً، وإن كان المسجد بني على القبر فإمَّا أن يزال المسجد وإمَّا أن تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنَّه منهي عنه» اهـ.
стр. 3249
وَقَالَ ﵀: (٢٧/ ٢٢٣): «فإنَّ من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] ص (١٠٩): «ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الْأُمة من بناء المساجد على القبور واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الْأمرين محرم ملعون فاعله بالمستفيض من السنة» اهـ.
قُلْتُ: واحتج عباد القبور على جواز بناية المساجد على القبور بقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].
قُلْتُ: وقد أجاب على ذلك الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فقال في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٩٧): «وقد دل القران على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الْأُمور، وذلك يشعر بأنَّ مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنَّه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام، بل من عمل اليهود والنصارى.
٣ - ويدل الحديث على تحريم الصور وهو مخصوص بذوات الأرواح.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٤٠٥):
стр. 3250
«فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين؛ للتبرك بها والاستشفاع بها محرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي ﷺ أنَّ أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم، وهو من الكبائر وفاعله من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، فإنَّه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، والله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله » اهـ.
٤ - وفيه أنَّ اليهود والنصارى الذين فعلوا ما ذكر في الحديث هم شرار الخلق.
٥ - وفيه ما يدل على أنَّ هذه الأفعال المذكورة في الحديث من كبائر الذنوب.
٦ - بناء المساجد على القبور وتصوير صور الصالحين هو أساس الشرك في الأرض؛ ولهذا بعث النبي ﷺ علياً بمحاربة هاذين الشيئين فقد روى مسلم (٩٦٩) عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ «أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ».
وفي لفظ لمسلم: «وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا».
٧ - وفيه حرص النبي ﵊ على إنكار المنكر مع ما يعانيه من المرض.
٨ - وفيه محاربة النبي ﷺ لوسائل الشرك.
٩ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥٢٥):
стр. 3251
«وفي الحديث جواز حكاية ما يشاهده المؤمن من العجائب» اهـ.
* * *
стр. 3252
١٦٣ - عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ إِلَّا أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية لعن غير المعين.
٢ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
والمراد بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد أي لا تتخذ مواضع للسجود. ويكون ذلك بالصلاة عندها كالصلاة إلى القبور أو على القبور والصلاة في المقبرة وإن لم يستقبل القبر، ويكون ذلك أيضاً ببناء المساجد عليها، أو بإدخالها إلى المساجد.
قُلْتُ: والصلاة في جميع هذه الحالات باطلة على الصحيح من أقوال أهل العلم لنهي النبي ﵊ عن ذلك والنهي يقتضي الفساد.
ولا فرق في الفساد بين أن يكون القبر في قبلة المسجد أو في أي جهة من جهاته ولو داخل سوره فكل ذلك داخل في نهي النبي ﷺ من اتخاذ القبور مساجد.
٣ - وفي معنى ذلك اتخاذ المقابر أماكن لقراءة القرآن والذكر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣): «وأمَّا جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك وتلاوته فبدعة منكرة لم يفعلها أحد من السلف بل هي تدخل في معنى اتخاذ المساجد على
стр. 3253
القبور، وقد استفاضت السنن عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في النهي عن ذلك حتى قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجداً.
وقال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
ومعلوم أنَّ المساجد بنيت للصلاة والذكر وقراءة القرآن فإذا اتخذ القبر لبعض ذلك كان داخلاً في النهي فإذا كان هذا مع كونهم يقرأون فيها فكيف إذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها ولا ينتفع بها لا حي ولا ميت فإن هذا لا نزاع في النهي عنه.
ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك لفعله السلف فإنَّهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه وأسرع إلى فعل ذلك وتحريه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ] ص (٤٠٢ - ٤٠٣): «فإنَّ نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن قصد الصلاة عندها وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء فإنَّهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور بل صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص.
واتفقوا أيضاً على أنَّه لا يشرع قصد الصلاة، والْدُعَاء عند القبور، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين إنَّ الصلاة عندها والْدُعَاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور، بل اتفق علماء المسلمين على أنَّ الصلاة والْدُعَاء في المساجد التي لم تبن على القبور أفضل من الصلاة والْدُعَاء في المساجد التي بنيت على القبور» اهـ.
стр. 3254
٤ - وفي الحديث تقرير قاعدة سد الذرائع.
٥ - وفيه حماية الله لقبر نبيه حيث لم يدفن في مقابر المسلمين حتى لا يتخذ قبره مسجداً.
* * *
стр. 3255
١٦٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ».
قُلْتُ: كان الأنسب تقديم هذا الحديث إلى بعد حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - تحريم ضرب الخدود عند نزول المصائب المؤلمة. وتخصيص الخد بالذكر من باب حكاية الْأمر الغالب وإلَّا فإنَّ ضرب غير الوجه من أجزاء البدن داخل في ذلك.
ولا يدخل في ذلك ضرب شيء من البدن عند حصول أمر ينكر. فقد روى البخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٧٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﵇ لَيْلَةً، فَقَالَ: «أَلَا تُصَلِّيَانِ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤].
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ في [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٣/ ٨٢):
«وفيه حجة لجواز الضرب على الفخذ عند الْأمر ينكر» اهـ.
٢ - تحريم شق الجيوب عند حلول المصيبة. والجيب هو مدخل الرأس والمراد بشقه الزيادة في ذلك.
стр. 3256
٣ - تحريم أن يدعو الإنسان بدعوى الجاهلية. ويدخل في ذلك النياحة، والْدُعَاء بالهلاك، وغير ذلك.
قال العلامة الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (٢/ ٦٣):
«ودعوى الجاهلية هنا: هي النياحة، وندبة الميت، والْدُعَاء بالويل، والنعي، وإطراء الميت بما لم يكن فيه؛ كما كانت الجاهلية تفعل» اهـ.
ومما يدخل في دعوى الجاهلية الدعوة إلى العصبية.
فقد روى البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».
ومن ذلك التفاخر بالآباء.
روى أحمد (٢١٢٣٣) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعَضَّهُ، وَلَمْ يُكَنِّهِ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي فِي أَنْفُسِكُمْ، إِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا أَنْ أَقُولَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا: «إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَعْتَزِي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعِضُّوهُ، وَلَا تَكْنُوا».
وفي رواية له (٢١٢١٨) عَنْ أُبَيٍّ،: أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى فَأَعَضَّهُ أُبَيٌّ بِهَنِ أَبِيهِ. فَقَالُوا: مَا كُنْتَ فَحَّاشًا قَالَ: «إِنَّا أُمِرْنَا بِذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 3257
٤ - البراءة من ذلك تدل على أنَّ هذه الأفعال من كبائر الذنوب.
* * *
стр. 3258
١٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ. وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ». قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ».
وَلِمُسْلِمٍ: «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب شهود الجنازة من عند أهلها إلى أن تدفن.
٢ - وفيه أنَّ حصول القيراط الأول لا يتم إلَّا بالصلاة عليها.
٣ - ويدل الحديث على أنَّ من شهد الجنازة بعد الصلاة عليها إلى أن تدفن فله قيراط واحد.
٤ - وفيه عظيم الأجر في اتباع الجنائز.
٥ - وفيه ما يدل على أنَّ الله شكور يجزي العبد بأكثر مما فعل.
٦ - وفيه أنَّ القيراط يتفاوت من حيث الكبر والصغر.
قُلْتُ: وصغر القيراط يرجع لفوات بعض الشهود فإنَّ من شهدها من بيت أهلها حتى يصلى عليها كان له أعظم ممن اكتفى بمجرد الصلاة عليها، ومما يدل على أنَّ من صلى عليها لا يخرج ثوابه من القيراط وإن صغر ما رواه مسلم (٩٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ وَلَمْ يَتْبَعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ»، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ».
стр. 3259
٧ - وهذا الفضل مخصوص بشهود جنازة المسلمين إيماناً واحتساباً لما رواه البخاري (٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٩٧): «وأمَّا التقييد بالإيمان والاحتساب فلا بد منه لأنَّ ترتب الثواب على العمل يستدعى سبق النية فيه فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة المجردة أو على سبيل المحاباة والله أعلم» اهـ.
٨ - ويدل الحديث أنَّ القيراط الثاني يكتمل بالانتهاء من دفن الميت.
ويدل عليه أيضاً رواية لمسلم (٩٤٥) بلفظ: «حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا».
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على حصول القيراط بمجرد وضع الميت في اللحد ففي لفظ لمسلم (٩٤٥) في هذا الحديث: «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ».
قُلْتُ: والجمع بين هذه الأدلة أن يقال بتفاوت القيراط فمن شهد الجنازة حتى يُنتهى من دفنها فله أكمل القيراط، ومن شهدها حتى يوضع الميت في اللحد فله دون ذلك من القيراط.
٩ - ويدل الحديث على عظيم كرامة المسلم عند الله حيث جعل هذا الثواب العظيم لمن شهد جنازته.
١٠ - قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ في [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٣/ ٢١٨):
стр. 3260
«ودليل هذا الحديث: أنَّ المصلى على الجنازة لا يحتاج إذا دُفنت إلى إذن، وهو المروى عن جماعة من الصحابة والسلف، وكافة أئمة الفتوى، والعلم، ومشهور مذهب مالك، وروى عن جماعة من الصحابة أنَّهم لا ينصرفوا عن الجنازة إلَّا بإذن، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك قال: إلَّا أن يطول ذلك» اهـ.
قُلْتُ: روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٥٣١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِنَافِعٍ، أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْجِعُ مِنَ الْجِنَازَةِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ؟ قَالَ: «مَا كَانَ يَرْجِعُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ».
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٢١) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ: «لَا يَقُومُ إِذَا شَهِدَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ إِذَا صَلَّى عَلَيْهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٥٤٠) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ مَا بَدَا لَهُ، وَيَرْجِعُ إِذَا بَدَا لَهُ».
ورواه (١١٥٤١) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلَهُ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
وهناك آثار ضعيفة في الباب أعرضت عنها.
١١ - قوله: «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ». يدل على قرب المتبع لها من الجنازة وهكذا يدل على ذلك الأدلة الواردة بلفظ اتباع الجنازة.
قَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٢٨٦):
следующие страницы →