Полный текст (8 095 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قلت: وعموم هذا الحديث يرد هذا القول والله أعلم.
٧ - وعموم الحديث يدل على جواز السواك الرطب للصائم.
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٧/ ٧١):
«واختلفوا في السواك بالعود الرطب للصائم، فرخصت فيه طائفة، روى ذلك عن ابن عمر، وإبراهيم، وابن سيرين، وعروة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وكرهت طائفة السواك الرطب، روى ذلك عن الشعبي، وقتادة، والحكم، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والحجة لمن أجاز الرطب أمره ﵇، بالسواك عند كل وضوء، كما لم يخص الصائم من غيره بالإباحة، كذلك لم يخص السواك الرطب من غيره بالإباحة، فدخل في عموم الإباحة كل جنس من السواك رطباً أو يابساً، ولو افترق حكم الرطب واليابس في ذلك لبينه ﵇، لأنَّ الله فرض عليه البيان لأمته، وحديث عثمان في الوضوء حجة واضحة في ذلك وهو انتزاع ابن سيرين حين قال: لا بأس بالسواك الرطب، قيل: له طعم. قال: والماء له طعم، وأنت تتمضمض به، وهذا لا انفكاك منه، لأنَّ الماء أرق من ريق المتسوك وقد أباح الله المضمضة بالماء في الوضوء للصائم، وإنَّما كرهه من كرهه خشية من ألاَّ يعرف أن يحترس من ازدراد ريقه، قال ابن حبيب: من استاك بالأخضر ومج من فيه ما اجتمع في فيه، فلا شيء عليه، ولا بأس به للعالم الذي يعرف كيف يتقي ذلك، ومن وصل من ريقه إلى حلقه شيء فعليه القضاء» اهـ.
٨ - وفيه شفقة النبي ﷺ على أمته.
* * *
стр. 317
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٨ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ».
قوله: «يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [مقدمة الفتح] ص (١٩٠):
«أي يدلكه أو يحكه، وقيل الشوص الغسل، وقيل الشوص الاستياك بالعرض وهو قول الأكثر، وقال وكيع بل بالطول من سفل إلى علو».
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١/ ١٣٧ - ١٣٨):
«وأما قوله: " يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ " فهو بفتح الياء وضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة، والشوص دلك الأسنان بالسواك عرضاً، قاله ابن الأعرابي، وإبراهيم الحربي، وأبو سليمان الخطابي وآخرون، وقيل: هو الغسل، قال الهروي وغيره، وقيل: التنقية، قاله أبو عبيد والداودي، وقيل: هو الحك قاله أبو عمر بن عبد البر تأوله بعضهم أنَّه بأصبعه. فهذه أقوال الأئمة فيه، وأكثرها متقاربة، وأظهرها الأول وما في معناه. والله أعلم» اهـ.
وقال ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (١/ ١٥٠): «والصحيح الأول» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
стр. 318
١ - استحباب السواك عند القيام من النوم؛ لأنَّ النوم مقتض لتغير الفم. لكن جاءت في رواية عند البخاري (١١٣٦)، مسلم (٢٥٥): «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ».
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ٩٩):
«وقوله: " إذا قام من الليل " ظاهره: يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام ويحتمل أن يراد: إذا قام من الليل للصلاة فيعود إلى معنى الحديث الأول» اهـ.
٢ - الحديث يدل على استحباب التسوك عرضاً، وهذا على تفسير أكثر العلماء لمعنى «الشوص».
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (١/ ١٥٤ - ١٥٥):
«وهذا الحكم الذي ذكره وهو استحباب الاستياك عرضاً يستدل له أنَّه يخشى في الاستياك طولاً إدماء اللثة وإفساد عمود الاسنان، وأمَّا الحديث الذي اعتمده المصنف فلا اعتماد عليه ولا يحتج به، وهذا الذي ذكرناه من استحباب الاستياك، عرضاً هو المذهب الصحيح الذي قطع به الأصحاب في الطريقتين إلاَّ إمام الحرمين والغزالي فإنَّهما قالا: يستاك عرضاً وطولاً فإن اقتصر فعرضاً، وهذا الذي قالاه شاذ مردود مخالف للنقل والدليل: وقد صرح جماعة من الاصحاب بالنهي عن الاستياك طولاً منهم الماوردي والقاضي حسين وصاحب العدة وغيرهم.
وصرح صاحب الحاوي بكراهة الاستياك طولاً فلو خالف واستاك طولاً حصل السواك وإن خالف المختار. وصرح به أصحابنا» اهـ.
стр. 319
٣ - الحديث على اللفظ الآخر يدل على استحباب السواك لصلاة النافلة.
٤ - واحتج به من أجاز التسوك بالأصبع الخشنة.
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٧/ ٢٠٢):
«وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْأَصْبُعَ تُغْنِي مِنَ السِّوَاكِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِأُصْبُعِهِ وَيَسْتَجْزِي بِذَلِكَ مِنَ السِّوَاكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قلت: وهذا الاستدلال لا معنى له ولا وجه له من الحديث.
* * *
стр. 320
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَصَرَهُ. فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ، فَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَفَعَ يَدَهُ - أَوْ إصْبَعَهُ - ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى - ثَلاثاً - ثُمَّ قَضَى. وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي».
وَفِي لَفْظٍ: «فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَعَرَفْتُ: أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ.
قولها: «يَسْتَنُّ بِهِ» أي: يستاك، أصله من السَن بالفتح أو السِن بالكسر، ومنه المسن الذي يسن عليه الحديد. وأطلق عليه ذلك من السن بالكسر، أو الفتح إمَّا لأنَّ السواك يمر على الأسنان، أو لأنَّه يسنها أي يحددها.
قولها: «فَأَبَدَّهُ» أي: مد نظره إليه.
قولها: «فَقَضَمْتُهُ» القضم بالمعجمة وهو العض بالأسنان.
قال القاضي عياض ﵀ في [مشارق الأنوار] (٢/ ١٨٨):
стр. 321
«وفي كتاب التميمي فقضمته بالضاد المكسورة أي قطعت رأسه بأسناني والقضم العض» اهـ.
قلت: وذهب العلامة ابن الأثير ﵀ إلى أنَّ المراد بـ"القضم" هو التليين بالأسنان فقال في [النهاية] (٤/ ١٢٤): «أي مَضَغَتْه بأسنانها ولَيَّنَتْه» اهـ.
قلت: الصحيح ما ذكره القاضي عياض ﵀ فقد جاء الحديث بلفظ "فقصمته" بالصاد المهملة كما روى ذلك البخاري (٨٩٠) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْطَانِيهِ فَقَصَمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ وَهْوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِي».
قَالَ الحافِظُ ابِنُ حَجَرٍ ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٧٧):
«وَقَوْلُهَا فِيهِ "فَقَصَمْتُهُ" بِقَافٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ لِلْأَكْثَرِ أَيْ كَسرته وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وابن السَّكَنِ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَالْقَضْمُ بِالْمُعْجَمَةِ الْأَكْلُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَان.
قَالَ ابن الْجَوْزِيِّ وَهُوَ أَصَحُّ. قُلْتُ: وَيُحْمَلُ الْكَسْرُ عَلَى كَسْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِيَاكِ فَلَا يُنَافِي الثَّانِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ عَلَى مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ بِأَنَّ تَعْيِينَ عَائِشَةَ مَوْضِعَ الِاسْتِيَاكِ بِالْقَطْعِ وَأَجَابَ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَغَتْهُ وَافٍ بِالْمَقْصُودِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِطْلَاقٌ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ فَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْغَيْرِ بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُعَاف أَثَرُ فَمِهِ إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ مَا غَيَّرَتْهُ عَائِشَةُ وَلَا يُقَالُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ اسْتِعْمَالٌ لِأَنَّ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ يَسْتَنُّ بِهِ» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٨/ ١٢٨):
стр. 322
«يروي: "فقصمته" بفتح الصاد المهملة، أي: كسرته، فأبنت منه الموضع الذي كان استن به عبد الرحمن، والقصامة: ما يكسر من رأس السواك.
هذا هو الذي ذكره الخطابي، وقال: أصل القصم: الدق.
ويروى: "فقضمته"، بكسر الضاد المعجمة، من القضم، وهو العض بالأسنان، ومنه: الحديث: "فيقضمهما كما يقضم الفحل"» اهـ.
قولها: «فَطَيَّبْتُهُ» أي: بالماء.
وروى أبو داود (٥٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ الْحَاسِبُ، حَدَّثَنِي كَثِيرٌ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَسْتَاكُ، فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ».
قلت: في إسناده كثير وهو ابن عبيد مجهول جهالة حال.
قوله: «فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى» قيل: هو المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع جبريل، وميكائيل، وإسرافيل.
وقال الجوهري: الرفيق الأعلى الجنة.
وقيل: بل الرفيق هنا اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه، والمراد الأنبياء ومن ذكر في الآية. وقد ختمت بقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩].
وقيل: المراد بالرفيق الأعلى الله لأنَّه من أسمائه لما رواه مسلم (٢٥٩٣) عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 323
وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ».
وعند البخاري (٦٩٢٧) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ». قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا، قَالَ: «قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ».
قلت: تفسير الرفيق الأعلى بالمذكورين في آية النساء هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء لما رواه البخاري (٤٤٣٥)، ومسلم (٢٤٤٤) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
«كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩] الآيَةَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ».
قلت: ومعنى كونهم رفيقاً تعاونهم على طاعة الله وارتفاق بعضهم ببعض.
قولها: «مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي» الحاقنة: ما سفل من الذقن، والذاقنة ما علا منه. أو الحاقنة: نقرة الترقوة، وهما حاقنتان. ويقال: إنَّ الحاقنة المطمئن من الترقوة والحلق. وقيل ما دون الترقوة من الصدر، وقيل: هي تحت السرة. وقال ثابت: الذاقنة طرف الحلقوم. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (٨/ ١٦١ - ١٦٢).
وقال ابن منظور ﵀ في [لسان العرب] (١٣/ ١٢٥):
стр. 324
«والحاقنة المعدة صفة غالبة لأنَّها تحقن الطعام، قال المفضل: كلما ملأت شيئاً، أو دسسته فيه فقد حقنته، ومنه سميت الحقنة، والحاقنة ما بين الترقوة والعنق، وقيل: الحاقنتان ما بين الترقوتين وحبلي العاتق، وفي التهذيب: نقرتا الترقوتين والجمع الحواقن، وفي الصحاح: الحاقنة النقرة التي بين الترقوة وحبل العاتق وهما حاقنتان، وفي المثل لألزقن حواقنك بذواقنك، حواقنه ما حقن الطعام من بطنه، وذواقنه أسفل بطنه وركبتاه، وقال بعضهم الحواقن ما سفل من البطن، والذواقن ما علا. قال ابن بري: ويقال الحاقنتان الهزمتان تحت الترقوتين، وقال الأزهري: في هذا المثل لألحقن حواقنك بذواقنك، وروي عن ابن الأعرابي: الحاقنة المعدة والذاقنة الذقن، وقيل: الذاقنة طرف الحلقوم، وفي حديث عائشة ﵂ توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، وبين حاقنتي وذاقنتي، وبين شجري، وهو: ما بين اللحيين.
الأزهري: الحاقنة الوهدة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق» اهـ.
وقال ابن الأثير ﵀ في [النهاية] (٢/ ٤٠٨): «الذاقنة: الذقن. وقيل طرف الحلقوم. وقيل ما يناله الذقن من الصدر».
وجاء في البخاري (١٣٨٩)، ومسلم (٢٤٤٣) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ أَيْنَ أَنَا غَدًا اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَدُفِنَ فِي بَيْتِي».
قلت: السحر الرئة وما تعلق بها.
وفي الحديث مسائل منها:
стр. 325
١ - مشروعية التسوك بسواك الغير.
٢ - قضم وتطييب السواك إذا كان للغير قبل استعماله.
٣ - شدة عناية النبي ﷺ بالسواك، وذلك أنَّه لم يشغله ما هو فيه من المرض عن استعماله.
٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (٨/ ١٦٢): «وهذا الحديث يعارض ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق "أنَّ النبي ﷺ مات ورأسه في حجر علي" وكل طريق منها لا يخلو من شيعي، فلا يلتفت إليهم» اهـ.
٥ - قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٧٠)
«وفي الحديث: دليل على أنَّ الاستياك سنة في جميع الأوقات، عند إرادة الصلاة وغيرها، فإنَّ استياك النبي ﷺ بهذا السواك كان في مرض موته عند خروج نفسه، ولم يكن قاصداً حينئذ لصلاة ولا تلاوة.
وقد قيل: إنَّه قصد بذلك التسوك عند خروج نفسه الكريمة؛ لأجل حضور الملائكة الكرام، ودنوهم منه لقبض روحه الزكية الطاهرة الطيبة» اهـ.
قلت: وقد كان النبي ﷺ إذا دخل بيته بدأ بالسواك فروى مسلم (٢٥٣) عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ».
وقد كان النبي ﷺ يحث أصحابه على السواك لأهميته ويكثر عليهم في ذلك فروى البخاري (٨٨٨) عن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ».
стр. 326
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٨/ ١٢٥):
«المراد بإكثاره عليهم في السواك: كثرة حثهم عليه؛ وترغيبهم فيهِ، بذكر فضله» اهـ.
٦ - جاءت رواية للبخاري (٤٤٥١): «وَفِي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ»، وهي تدل على الاستياك بجريد النخل.
وقد جاء ما يدل على استياك النبي ﷺ بعود الأراك، فروى أبو يعلى (٥١٨٩)، والحميدي (٥١٨٩)، وابن حبان (٧٠٦٩)، والبزار (١٨٢٧)، والطيالسي (٣٥٣) بإسناد حسن عن ابن مسعود ﵁ قال:
«كُنْتُ أَجْتَنِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ، وَكَانَ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، وَكَانَ فِي سَاقِي شَيْءٌ فَضَحِكَ الْقَوْمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا يُضْحِكُكُمْ؟ "، قَالُوا: دِقَّةُ سَاقَيْهِ، قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ "».
٧ - وقوله: «فَقَضَمْتُهُ» فيه ما دل على أنَّ السواك لم يكن سميكاً، وذلك أنَّ السواك السميك يتعسر قضمه بالفم.
وليس لطول السواك حد معلوم.
* * *
стр. 327
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَسْتَاكُ بِسِوَاكٍ رَطْبٍ، قَالَ: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أُعْ، أُعْ، وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ».
قوله: «أُعْ، أُعْ» المراد بذلك حكاية صوت المتقيء.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - مشروعية التسوك على اللسان.
٢ - المبالغة في التسوك.
٣ - استحباب التسوك بالسواك الرطب، وفي هذا رد على من استحب اليابس لقوته في القلع.
لكن لفظة: «بِسِوَاكٍ رَطْبٍ» لا أصل لها في الصحيحين، ولا في شيء من كتب السنة فيما أعلم.
٤ - مشروعية التسوك مع حضور من يراه.
فائدة: الأفضل في الاستياك أن يكون باليد اليسرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٠٨ - ١١٣):
стр. 328
«الحمد لله رب العالمين، الأفضل أن يستاك باليسرى؛ نص عليه الإمام أحمد في رواية ابن منصور الكوسج ذكره عنه في مسائله وما علمنا أحداً من الأئمة خالف في ذلك. وذلك لأنَّ الاستياك من باب إماطة الأذى فهو كالاستنثار والامتخاط؛ ونحو ذلك مما فيه إزالة الأذى وذلك باليسرى كما أنَّ إزالة النجاسات كالاستجمار ونحوه باليسرى وإزالة الأذى واجبها ومستحبها باليسرى.
والأفعال نوعان: أحدهما: مشترك بين العضوين. والثاني: مختص بأحدهما. وقد استقرت قواعد الشريعة على أنَّ الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى: تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة؛ كالوضوء والغسل والابتداء بالشق الأيمن في السواك؛ ونتف الإبط؛ وكاللباس؛ والانتعال والترجل ودخول المسجد والمنزل والخروج من الخلاء ونحو ذلك. وتقدم اليسرى في ضد ذلك كدخول الخلاء وخلع النعل والخروج من المسجد.
والذي يختص بأحدهما: إن كان من باب الكرامة كان باليمين كالأكل والشرب والمصافحة؛ ومناولة الكتب وتناولها ونحو ذلك. وإن كان ضد ذلك كان باليسرى كالاستجمار ومس الذكر والاستنثار والامتخاط ونحو ذلك.
فإن قيل: السواك عبادة مقصودة تشرع عند القيام إلى الصلاة وإن لم يكن هناك وسخ وما كان عبادة مقصودة كان باليمين. قيل: كل من المقدمتين ممنوع؛ فإن الاستياك إنَّما شرع لإزالة ما في داخل الفم وهذه العلة متفق عليها بين العلماء؛ ولهذا شرع عند الأسباب المغيرة له كالنوم والإغماء وعند العبادة التي يشرع لها
стр. 329
تطهير كالصلاة والقراءة ولما كان الفم في مظنة التغير شرع عند القيام إلى الصلاة كما شرع غسل اليد للمتوضئ قبل وضوئه؛ لأنَّها آلة لصب الماء. وقد تنازع العلماء فيما إذا تحقق نظافتها: هل يستحب غسلها؟ على قولين مشهورين. ومن استحب ذلك - كالمعروف في مذهب الشافعي وأحمد - يستحب على النادر بل الغالب وإزالة الشك باليقين. وقد يقال مثل ذلك في السواك إذا قيل باستحبابه مع نظافة الفم عند القيام إلى الصلاة مع أنَّ غسل اليد قبل المضمضة المقصود بها النظافة فهذا توجيه المنع للمقدمة الأولى.
وأمَّا الثانية: فإذا قدر أنَّه عبادة مقصودة فما الدليل على أنَّ ذلك مستحب باليمنى؟ وهذه مقدمة لا دليل عليها بل قد يقال: العبادات تفعل بما يناسبها ويقدم فيها ما يناسبها. ثم قول القائل: إنَّ ذلك عبادة مقصودة: إن أراد به أنَّه تعبد محض لا تعقل علته: فليس هذا بصواب لاتفاق المسلمين على أنَّ السواك معقول ليس بمنزلة رمي الجمار. وإن أراد أنَّها مقصودة أنَّه لا بد فيها من النية كالطهارة وأنَّها مشروعة مع تيقن النظافة ونحو ذلك: فهذا الوصف إذا سلم لم يكن في ذلك ما يوجب كونها باليمنى إذ لا دليل على ذلك؛ فإنَّ كونها منوية أو مشروعة مع تيقن النظافة لا ينافي أن يكون من باب الكرامة تختص بها اليمنى بل يمكن ذلك فيها مع هذا الوصف ألا ترى أنَّ الطواف بالبيت من أجل العبادات المقصودة؟ ويستحب القرب فيه من البيت؛ ومع هذا فالجانب الأيسر فيه أقرب إلى البيت لكون الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على اليسرى فلما كان الإكرام في ذلك للخارج جعل لليمين ولم ينقل إذا كانت مقصودة فينبغي تقديم اليمنى فيها إلى البيت؛ لأنَّ إكرام اليمين في ذلك أن تكون هي الخارجة. وكذلك
стр. 330
الاستنثار جعله باليسرى إكرام لليمين وصيانة لها وكذلك السواك. ثم إذا قيل: هو في الأصل من باب إزالة الأذى وإذا قيل: إنَّه مشروع فيه العدول عن اليمنى إلى اليسرى أعظم في إكرام اليمين بدون ذلك: لم يمنع أن يكون إزالة الأذى فيه ثابتة مقصودة كالاستجمار بالثلاث عند من يوجبه كالشافعي وأحمد فإنَّهم يوجبون الحجر الثالث مع حصول الإنقاء بما دونه. وكذلك التثليث والتسبيع في غسل النجاسات حيث وجب وعند من يوجبه يأمر به وإن حصلت الإزالة بما دونه. وكذلك التثليث في الوضوء مستحب وإن تنظف العضو بما دونه مع أنَّه لا شك أنَّ إزالة النجاسة مقصودة في الاستنجاء بالماء والحجر.
فكذلك إماطة الأذى من الفم مقصودة بالسواك قطعاً وإن شرع مع عدمه تحقيقاً لحصول المقصود؛ وذلك لا يمنع من أن يجعل باليسرى كما أنَّ الحجر الثالث في الاستجمار يكون باليسرى والمرة السابعة في ولوغ الكلب تكون باليسرى ونحو ذلك مما كان المقصود به في الأصل إزالة الأذى وإن قيل: يشرع مع عدمه تكميلاً للمقصود به وإزالة للشك باليقين إلحاقاً للنادر بالغالب؛ ولأنَّ الحكمة في ذلك قد تكون خفية فعلق الحكم فيها بالمظنة إذ زوال الأذى بالكلية قد يظنه الظان من غير تيقن ويعسر اليقين في ذلك فأقيمت المظنة فيه مقام الحكمة فجعل مشروعاً للقيام إلى الصلاة مع عدم النظر إلى التغير وعدمه؛ لأنَّ العبادة حصول التغير. فهذا إذا قيل به فهو من جنس أقوال العلماء وذلك لا يخرج جنس هذا الفعل أن يكون من باب إزالة الأذى وإن كان عبادة مقصودة تشرع فيها النية وحينئذ يكون باليسرى كالاستنثار والاستنجاء بالأحجار ومباشرة محل الولوغ
стр. 331
بالدلك ونحوه بخلاف صب الماء فإنَّه من باب الكرامة ولهذا كان المتوضئ يستنشق باليمنى ويستنثر باليسرى والمستنجي يصب الماء باليمين ويدلك باليسرى. وكذلك المغتسل والمتوضئ من الماء كما فعل النبي ﷺ يدخل يده اليمنى في الإناء فيصب بها على اليسرى مع أنَّ مباشرة العورة في الغسل باليسرى وهكذا غاسل مورد النجاسة يصب باليمنى وإذا احتاج إلى مباشرة المحل باشره باليسرى وشواهد الشريعة وأصولها على ذلك متظاهرة. والله أعلم» اهـ.
стр. 332
باب المسح على الخفين
٢١ - عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ"، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا».
قوله: «فَأَهْوَيْتُ» أي مددت يدي، أو قصدت الهوي من القيام إلى القعود، أو ملت.
قوله: «خُفَّيْهِ» مثنى خف وهو ما يلبس على القدمين ساتراً للكعبين، وسمي بذلك لخفته، وليس في الحيوان شيء له خف إلَّا البعير والنعامة.
وفي الحديث مسائل:
١ - الحديث يدل على مشروعية المسح على الخفين بشرط تقدم الطهارة الكاملة للقدمين قبل إدخالهما في الخفين. وهذا مذهب جمهور العلماء. والمراد بالطهارة طهارة الماء لا التيمم، لأنَّ التيمم لا يقوم بالقدمين، ولا يظهر لي فرق بين من تيمم لإعواز الماء أو لغير ذلك كالمريض.
وهذا مذهب الجمهور، وذهبت الشافعية إلى التفصيل في ذلك، وهو أنَّ التيمم إن كان لفقدان الماء فلا يجوز المسح بعد وجود الماء لأنَّ طهارة التيمم تزول بوجدان الماء والواجب عليه حينئذ نزع الخفين والوضوء الكامل، وإن كان بغير ذلك فيصح المسح على الخفين لأنَّ طهارته لا تزول بوجود الماء.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٥١٦):
стр. 333
«وَحُكْمُ سَلِسِ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَمَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ وَجُرْحٌ سَائِلٌ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى مَا سَبَقَ وَكَذَا الْوُضُوءُ الْمَضْمُومُ إلَيْهِ التَّيَمُّمَ لِجُرْحٍ أَوْ كَسْرٍ لَهُ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَإِذَا شُفِيَ الْجَرِيحُ لَزِمَهُ النَّزْعُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ صَرَّحَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ وَإِمَامُ الحرمين وغيرهما: وأمَّا التيمم الَّذِي مَحَّضَ التَّيَمُّمَ وَلَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ فَإِنْ كَانَ تَيَمُّمُهُ لَا بِإِعْوَازِ الْمَاءِ بَلْ بِسَبَبٍ آخَرَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَثَّرُ بِوُجُودِ الْمَاءِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ فَصَارَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بَلْ إذَا وُجِدَ الْمَاءُ وَجَبَ الْوُضُوءُ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ هُوَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ فَتَسْتَبِيحُ فَرِيضَةً وَنَوَافِلَ كَمَا سَبَقَ وَالْمَذْهَبُ الْفَرْقُ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ لَا تَسْتَمِرُّ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ فَنَظِيرُهُ مِنْ الْمُسْتَحَاضَةِ أَنْ يَنْقَطِعَ دَمُهَا والله أعلم» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٨٣)
«وأمَّا إذا لبسه على طهارة تيمم لم يكن له المسح عليه؛ لأنَّ التيمم لا يرفع الحدث بعد لبسه مع بقاء الحدث؛ ولأنَّه إذا وجد الماء ظهر حكم الحدث السابق قبل لبسه فيكون في التقدير قد لبس وهو محدث؛ لأنَّه إنَّما جعلناه متطهراً في ما لا يستمر حكمه كالصلاة والطواف ومس المصحف للضرورة، ولا إلى المسح بعد وجود الماء؛ لأنَّه يتمكن من غسل رجليه ولبس الخف حينئذ، وهذا إنَّما يكون فيمن يتيمم لعدم الماء، وأمَّا من تيمم خوف الضرر باستعماله لجرح أو قرح فإنَّه إذا لبس الخف على هذه الطهارة ينبغي أن يكون كالمستحاضة، وتعليل أصحابنا يقتضي ذلك» اهـ.
стр. 334
قلت: وأمَّا المسح على طهارة ممسوح فله صور:
الصورة الأولى: أن يمسح الخف على طهارة مسح فيها على العمامة.
الصورة الثانية: أن يمسح الخف على طهارة مسح فيها على الجبيرة.
الصورة الثالثة: أن يمسح خفاً ثم يلبس عليه خفاً آخر ثم يمسح على الأعلى الذي لبسه على طهارة ممسوح.
الصورة الرابعة: أن ينزع خفه بعد المسح على الحدث ثم يلبسه قبل أن يحدث وقلنا هذا النزع لا يبطل الطهارة وهو الصحيح فيكون حينئذ لبس خفه على طهارة مسح.
والذي يظهر لي صحة الصورة الأولى والثانية وفساد غيرها.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٠٨):
«فَصْلٌ: إذَا لَبِسَ خُفَّيْنِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُمَا خُفَّيْنِ أَوْ جُرْمُوقَيْنِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى حَدَثٍ. وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ، ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا أَيْضًا. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ فِي تَجْوِيزِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلِ الْقَدَمِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ لَمْ يُزِلْ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ، فَكَأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى حَدَثٍ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ الْمَمْسُوحَ عَلَيْهِ بَدَلٌ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ، فَأَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ» اهـ.
وقد صحح العلامة النووي ﵀ والعلامة ابن عثيمين رحمهما الله الصورة الثالثة فقال النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٥٠٦):
стр. 335
«وإن لبس الخف على طهارة ثم أحدث ومسح عليه ثم لبس الجرموق علي طهارة المسح ففي جواز المسح عليه وجهان مشهوران وقد ذكرهما المصنف بعد هذا أحدهما: يجوز المسح لأنَّه لبسهما على طهارة، والثاني: لا لأنَّها طهارة ناقصة هكذا علله الأكثرون قال المحاملى وغيره: الوجهان مبنيان علي الخلاف في المسح على الخف هل يرفع الحدث عن الرجل. قال الروياني: الأصح منع المسح وهو قول الداركي. وقال غيره: الأصح الجواز وهو قول الشيخ أبي حامد ومقتضى كلام الرافعى وغيره ترجيحه وهو الأظهر المختار لأنَّه لبس على طهارة وقولهم إنَّها طهارة ناقصة غير مقبول» اهـ.
وقال العثيمين ﵀ في [الشَّرْحُ الممتع] (١/ ٢٥٧):
«فإِن لَبِسَ الأعلى بعد أن أحدث، ومسح الأسفل فالحكم للأسفل، كما لو لبس خُفًّا ثم أحدث، ثم مسح عليه، ثم لبس خفًّا آخر فوق الأوَّل وهو على طهارةِ مَسْحٍ عند لبسه للثاني، فالمذهب أنَّ الحكم للتَّحتاني؛ لأنَّه لبس الثاني بعد الحَدَث.
وقال بعض العلماء: إِذا لبس الثَّاني على طهارة؛ جاز له أن يمسح عليه؛ لأنَّه يصدق عليه أنَّه أدخل رجليه طاهرتين، وقد قال النبيُّ ﷺ : "فإني أدخلتهما طاهرتين"، وهو شامل لطهارتهما بالغسل والمسح، وهذا قول قويٌّ كما ترى. ويؤيِّدُه: أنَّ الأصحاب ﵏ نَصُّوا على أن المسح على الخُفَّين رافع للحدث، فيكون قد لَبِسَ الثَّاني على طهارة تامَّة، فلماذا لا يمسح؟» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مجموع] (١١/ ١٧٦ - ١٧٧):
стр. 336
«المعروف عند أهل العلم أنَّه إذا مسح أحد الخفين الأعلى أو الأسفل تعلق الحكم به ولا ينتقل إلى ثانٍ، ومنهم من يرى أنَّه يجوز الانتقال إلى الثاني إذا كان الممسوح هو الأسفل ما دامت المدة باقية.
وهذا هو القول الراجح. وعلى هذا فلو توضأ ومسح على الجوارب ثم لبس عليها جوارب أخرى، أو كنادر ومسح العليا، فلا بأس به على القول الراجح ما دامت المدة باقية، لكن تُحسب المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني» اهـ.
قلت: إذا جاز المسح على الجورب الملبوس على جورب قد مسح عليه ابتداءً لجاز لمن لبس جورباً أو خفاً ثم مسح عليه ثم خلعه ولبس آخر أن يمسح عليه باعتبار أنَّه لبسه على طهارة مسح - وهذا مبني على أنَّ نزع الخف لا ينقض الطهارة وهو الصحيح - والقول بجواز ذلك مؤداه المسح على الخفين من غير تقدير مدة بل على الدوام وهذا خلاف الأدلة.
وجاء في [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين] (١١/ ١٧٨ - ١٧٩):
«وسُئل فضيلة الشيخ: إذا نزع الإنسان الشراب وهو على وضوء ثم أعاداها قبل أن ينتقض وضوءه فهل يجوز له المسح عليها؟
فأجاب بقوله: إذا نزع الشراب ثم أعادها وهو على وضوئه فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون هذا الوضوء هو الأول، أي أنَّه لم ينتقض وضوءه بعد لبسه فلا حرج عليه أن يعيدها ويمسح عليها إذا توضأ.
стр. 337
الثانية: إذا كان هذا الوضوء وضوءاً مسح فيه على شرابه، فإنَّه لا يجوز له إذا خلعها أن يلبسها ويمسح عليها، لأنَّه لا بد أن يكون لبسهما على طهارة بالماء، وهذه طهارة بالمسح، هذا ما يعلم من كلام أهل العلم ولكن إن كان أحد قال بأنَّه إذا أعادها على طهارة ولو طهارة المسح، له أن يمسح ما دامت المدة باقية، فإنَّ هذا قول قوي، ولكنني لم أعلم أن أحداً قال به، فالذي يمنعني من القول به هو أنني لم أطَّلع على أحد قال به، فإن كان قال به أحد من أهل العلم فهو الصواب عندي، لأن طهارة المسح طهارة كاملة، فينبغي أن يُقال إنه إذا كان يمسح على ما لبسه على طهارة غسل، فليمسح على ما لبسه على طهارة مسح، لكنني ما رأيت أحداً قال بهذا. والعلم عند الله» اهـ.
قلت: مؤدى هذا كما سبق أنَّ المسح ليس له مدة ينتهي إليه، وبيان ذلك أنَّ كل شخص يستطيع أن يخلع خفيه قبل انتهاء مدة المسح أو بعد انتهائها ثم يعيده قبل أن يحدث وتبتدئ له مدة جديدة، ويفعل هذا باستمرار إلى أن يأتيه الموت فلا يغسل قدميه أبداً.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٠٩):
«فَصْلٌ: وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ بَعْدَ طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْعِمَامَةِ، أَوْ الْعِمَامَةَ بَعْدَ طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْخُفِّ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ مَمْسُوحٍ فِيهَا عَلَى بَدَلٍ، فَلَمْ يَسْتَبِحْ الْمَسْحَ بِاللُّبْسِ فِيهَا، كَمَا لَوْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى خُفٍّ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ جَوَازَ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ الْمَلْبُوسِ عَلَى خُفٍّ مَمْسُوحٍ عَلَيْهِ» اهـ.
стр. 338
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٨١ - ١٨٤):
«وَالطَّهَارَةُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: غَسْلٌ، وَمَسْحٌ، وَتَيَمُّمٌ، وَطَهَارَةُ الْمُسْتَحَاضَةِ، فَإِذَا لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةِ غَسْلٍ فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ وَإِذَا لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةِ مَسْحٍ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ الْخُفِّ مِثْلَ أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا أَوْ جَوْرَبًا فَيَمْسَحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَلْبَسَ فَوْقَهُ خُفًّا أَوْ جُرْمُوقًا فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ لَا يُمْسَحُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مَحْسُوبٌ مِنَ الْمُدَّةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا أَبَاحَ الْمَسْحَ عَلَى طُهْرٍ مَسْحَ ثَلَاثٍ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ التَّحْتَانِيَّ بَدَلٌ عَنِ الرِّجْلِ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ أَنْ " يُحْدِثَ " فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ الْبَدَلِ فَجَازَ أَنْ يَمْسَحَ وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَمْسَحَ التَّحْتَانِيَّ وَيَدَعَهُ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَغْسِلَ الرِّجْلَ فِي الْخُفِّ، وَإِذَا مَسَحَ الْفَوْقَانِيَّ ثُمَّ نَزَعَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَدَتْ رِجْلُهُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لَأَنَّ الْمَسْحَ تَعَلَّقَ بِالْفَوْقَانِيِّ وَحْدَهُ فَصَارَ التَّحْتَانِيُّ "كَاللِّفَافَةِ" بِخِلَافِ مَا إِذَا نَزَعَهُ قَبْلَ الْمَسْحِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ، فَإِنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِ جَائِزٌ وَلُبْسُ الْفَوْقَانِيِّ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٌ، وَفِي الْأُخْرَى لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ بَلْ يَتَطَهَّرُ عَلَيْهِ إِمَّا بِمُجَرَّدِ مَسْحِهِ أَوْ تَكْمِيلِ الطَّهَارَةِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمَمْسُوحَ دُونَ الْفَوْقَانِيِّ، وَلَوْ لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ وَقَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى التَّحْتَانِيِّ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ "عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ".
стр. 339
وَلَا يُشَبَّهُ بِهَذَا أَنْ يَخِيطَ عَلَى الْخُفِّ جِلْدَةً؛ لِأَنَّ هُنَا خُفَّيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْخُفَّانِ صَحِيحَيْنِ، فَإِنْ كَانَ التَّحْتَانِيُّ مُخَرَّقًا وَالْفَوْقَانِيُّ صَحِيحًا مَسَحَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَبِسَهُ عَلَى لِفَافَةٍ، وَإِنْ كَانَ التَّحْتَانِيُّ صَحِيحًا وَالْفَوْقَانِيُّ مُخَرَّقًا فَالْمَنْصُوصُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ خُرُوقَهُ مَسْتُورَةٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ لِفَافَةٌ، وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْجَوَارِبِ مَعَ النَّعْلِ فَإِنْ ثَبَتَ الصَّحِيحُ بِالْمَخْرُوقِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَوْرَبِ مَعَ النَّعْلِ، وَإِنْ ثَبَتَ الصَّحِيحُ بِنَفْسِهِ مَسَحَ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَا مُخَرَّقَيْنِ، وَقُلْنَا يَمْسَحُ عَلَى الْمُخَرَّقِ فَوْقَ الصَّحِيحِ فَهُنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُمْسَحُ أَيْضًا كَالْجَوْرَبِ الثَّابِتِ بِنَعْلٍ.
وَالثَّانِي: لَا يُمْسَحُ كَالْمُخَرَّقِ فَوْقَ اللِّفَافَةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا أَوْ عِمَامَةً عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ الْجَبِيرَةِ فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْغَسْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَيْهَا وَالْجَبِيرَةُ بِمَنْزِلَةِ جِلْدِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ الْعِمَامَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ يَشُدَّ جَبِيرَةً عَلَى طَهَارَةِ مَسْحِ أَحَدِهِمَا، وَنَقُولُ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي الْجَبِيرَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهُ لُبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ نَاقِصَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى خُفٍّ مَمْسُوحٍ أَوْ لَبِسَ الْعِمَامَةَ عَلَى قَلَنْسُوَةٍ مَمْسُوحَةٍ، وَجَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَيْهَا.
стр. 340
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْمَسْحِ تَرْفَعُ الْحَدَثَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالنَّصُّ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ بِعُمُومِهِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ فِي الْمَلْبُوسِ مَعَ الْمَمْسُوحِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْبَدَلِ، وَلِبَعْضِ الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا إِذَا لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةِ تَيَمُّمٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بَعْدَ لُبْسِهِ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ ظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ قَبْلَ لُبْسِهِ فَيَكُونُ فِي التَّقْدِيرِ قَدْ لَبِسَ وَهُوَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مُتَطَهِّرًا فِي مَا لَا يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا إِلَى الْمَسْحِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ غَسْلِ رِجْلَيْهِ وَلُبْسِ الْخُفِّ حِينَئِذٍ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَنْ يَتَيَمَّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ تَيَمَّمَ خَوْفَ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ لِجُرْحٍ أَوْ قُرْحٍ فَإِنَّهُ إِذَا لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى هَذِهِ الطَّهَارَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَتَعْلِيلُ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الطُّهْرُ الَّذِي مَعَهُ حَدَثٌ دَائِمٌ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا إِذَا لَبِسَتِ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَتِهَا تَمْسَحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْحَضَرِ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ فِي السَّفَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِالْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ كَطَهَارَةِ ذِي الْحَدَثِ الْمُنْقَطِعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ كَامِلَةٌ فِي حَقِّهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فَرْضٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ اللُّبْسِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ حِينَ ابْتَدَأَهُ وَقَدْ كَانَتْ طَهَارَتُهُ حُكْمًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ الْمَاءُ زَالَتْ ضَرُورَتُهُ فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ، وَمَظِنَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَنْقَطِعَ دَمُهَا فِي ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ الِانْقِطَاعَ الْمُعْتَبَرَ فَإِنَّ ضَرُورَتَهَا قَدْ زَالَتْ فَكَذَلِكَ قُلْنَا
стр. 341
هُنَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهَا مِنْ أَصْلِهَا حَتَّى يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ ظَهَرَ عَمَلُهُ كَمَا يَلْزَمُ الْمُتَيَمِّمَ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: "إِنَّمَا تَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ مَا دَامَتْ فِي الْوَقْتِ فَتَنْتَفِعُ بِذَلِكَ لَوْ أَحْدَثْتَ بِغَيْرِ الْحَدَثِ الدَّائِمِ، فَأَمَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا تَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ كَمَا لَا تَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ".
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قَالَ أَحْمَدُ: " الْمُسْتَحَاضَةُ تَمْسَحُ عَلَى خُفِّهَا " وَقَالَ أَيْضًا: " الَّذِي بِهِ الرُّعَافُ إِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ "» اهـ.
قلت: ومذهب الشافعي في مسح المستحاضة حرره العلامة النووي ﵀ فقال في [المجموع] (١/ ٥١٤ - ٥١٦):
«هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَفِي صُورَتِهَا فِي الْمُهَذَّبِ بَعْضُ الْخَفَاءِ فَصُورَتُهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنْ تَتَوَضَّأَ الْمُسْتَحَاضَةُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ فَرِيضَةٍ وَتَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ عَلَى تِلْكَ الطَّهَارَةِ ثُمَّ تُحْدِثُ بِغَيْرِ حَدَثِ الِاسْتِحَاضَةِ كَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَلَمْسٍ قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ تِلْكَ الْفَرِيضَةَ فَإِذَا تَوَضَّأَتْ جَازَ لَهَا الْمَسْحُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ وَتُصَلِّي بِالْمَسْحِ هَذِهِ الْفَرِيضَةَ وَمَا شَاءَتْ مِنْ النَّوَافِلِ فَإِنْ أَحْدَثَتْ مَرَّةً أُخْرَى فَلَهَا الْمَسْحُ لِاسْتِبَاحَةِ النَّوَافِلِ وَلَا يَجُوزُ لِفَرِيضَةٍ أُخْرَى وَلَوْ تَوَضَّأَتْ وَلَبِسَتْ الْخُفَّ وَصَلَّتْ فَرِيضَةَ الْوَقْتِ ثُمَّ أَحْدَثَتْ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَمْسَحَ فِي حَقِّ فَرِيضَةٍ أَصْلًا لَا فَائِتَةٍ وَلَا مُؤَدَّاةٍ وَلَكِنْ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ لِمَا شَاءَتْ مِنْ النَّوَافِلِ.
وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِكَوْنِهَا لَا تَمْسَحُ لِغَيْرِ فَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ بِأَنَّ طَهَارَتَهَا فِي الْحُكْمِ مَقْصُورَةٌ عَلَى اسْتِبَاحَةِ فَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ وَهِيَ مُحْدِثَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ
стр. 342
فَكَأَنَّهَا لَبِسَتْ عَلَى حَدَثٍ بَلْ لَبِسَتْ عَلَى حَدَثٍ حَقِيقَةً فَإِنَّ طَهَارَتَهَا لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الْمَذْهَبِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ فِي الطُّرُقِ وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁: وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ لَهَا الْمَسْحُ أَصْلًا لَا لِفَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالدَّارِمِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَبِهِ قَطَعَ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ لِأَنَّهَا مُحْدِثَةٌ وَإِنَّمَا جُوِّزَتْ لَهَا الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ الدَّائِمِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى مَسْحِ الْخُفِّ بَلْ هِيَ رُخْصَةٌ بِشَرْطِ لُبْسِهِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ: وَالْوَجْهُ الْآخَرُ إنَّهَا تَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ فِي السَّفَرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً فِي الْحَضَرِ وَلَكِنَّهَا تجدد الطهارة ما سحة لِكُلِّ فَرِيضَةٍ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَاحْتِمَالٍ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى فَرِيضَةٍ وَمَذْهَبُ زُفَرَ وَأَحْمَدَ ﵄ أَنَّهَا تَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ سَفَرًا وَيَوْمًا وَلَيْلَةً حَضَرًا وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ لَا تَزِيدُ عَلَى فَرِيضَةٍ بِالْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مَذْهَبُ زُفَرَ وَأَحْمَدَ وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي جَوَازِ مَسْحِهَا لِفَرِيضَةٍ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ طَهَارَتَهَا هَلْ تَرْفَعُ الْحَدَثَ وَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَخْرِيجُهُ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا مَعَ جَرَيَانِهِ دَائِمًا وَكَذَا قَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْمُسْتَظْهَرَيْ هَذَا الْبِنَاءُ فَاسِدٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا مَعَ دَوَامِهِ وَاتِّصَالِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ» اهـ.
стр. 343
قلت: ومذهب الحنفية في ذلك أنَّهم يرون إذا لبست المستحاضة الخفين فإن كان الدم منقطعاً من حين توضأت إلى أن لبست الخفين فلها أن تمسح كمال مدة المسح؛ لأنَّ وضوءها رفع الحدث السابق ولم يقترن الحدث بالوضوء ولا باللبس فإنَّما طرأ أول الحدث بعد اللبس على طهارة تامة فأمَّا إذا توضأت والدم سائل أو سال بعد الوضوء قبل اللبس فلبست الخفين كان لها أن تمسح في الوقت إذا أحدثت حدثاً آخر ولم يكن لها أن تمسح بعد خروج الوقت.
ومذهب المالكية مشروعية مسح المستحاضة للخفين كغير المستحاضة.
والذي يظهر لي هو صحة المسح على طهارة الغسل ومن ذلك طهارة المستحاضة ويكون ذلك يوماً وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهنَّ للمسافر، وكون المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة لا يمنع من أخذها بمدة المسح المرخص فيه.
ولا يظهر لي صحة المسح على طهارة التيمم ولا المسح كما سبق.
٢ - ذهب أبو حنيفة إلى أنَّ من قدم غسل رجليه ولبس خفيه، ثم أتم وضوءه أنَّ له أن يمسح على خفيه إن أحدث بعد ذلك.
قلت: ولا متمسك له بهذا الحديث، فإنَّه لا طهارة للقدمين إلَّا برفع الحدث عنهما، وتقديم غسلهما على سائر الأعضاء لا يرفع الحدث عنهما. والله أعلم.
٣ - واختلفوا فيمن لبس الخف اليمنى قبل أن يغسل الرجل اليسرى.
فعند مالك والشافعي، وأحمد وإسحاق: لا يمسح، لأنَّه لبس الخف الأولى قبل تمام طهارته. وقد قال النبي ﷺ في هذا الحديث: «فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ».
стр. 344
وقال الثوري، وأبو حنيفة، والمزني، ويحيى بن آدم، وأبو ثور، وداود، ورواية عن أحمد: يجوز له أن يمسح عليهما، وهو قول مطرف.
وقال سحنون: لا يمسح إلَّا أن يخلع اليمنى فقط.
قلت: الصحيح مشروعية المسح في هذه الصورة، فإنَّ إيجاب نزع اليمنى بعد ذلك وإدخالها ليصح المسح عبث لا تأتي به الشريعة.
قال العلامة ابن حزم ﵀ في [المحلى] (٢/ ١٠٠): «مسألة - ومن توضأ فلبس أحد خفيه بعد أن غسل تلك الرجل ثم أنَّه غسل الأخرى بعد لباسه الخف على المغسولة ثم لبس الخف الآخر ثم أحدث فالمسح له جائز، كما لو ابتدأ لباسهما بعد غسل كلتي رجليه، وبه يقول أبو حنيفة وداود وأصحابهما، وهو قول يحيى بن آدم وأبي ثور والمزني، وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل: لا يمسح لكن إن خلع التي لبس أولاً ثم أعادها من حينه فإنَّ له المسح.
قال على: كلا القولين عمدة أهله علي قول رسول الله ﷺ : "دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ" فوجب النظر في أي القولين هو أسعد بهذا القول، فوجدنا من طهر إحدى رجليه ثم ألبسها الخف فلم يلبس الخفين، إنَّما لبس الواحد، ولا أدخل القدمين الخفين، إنَّما أدخل القدم الواحدة فلما طهر الثانية ثم ألبسها الخف الثاني صار حينئذ مستحقاً لأن يخبر عنه أنَّه ادخلهما طاهرتين ولم يستحق هذا الوصف قبل ذلك، فصح أنَّ له أن يمسح، ولو أراد رسول الله ﷺ ما ذهب إليه مالك والشافعي لما قال هذا اللفظ، وإنَّما كان يقول: دعهما فإنِّي ابتدأت إدخالهما في الخفين بعد تمام طهارتهما جميعاً، فإذ لم يقل عليه
стр. 345
السلام هذا القول فكل من صدق الخبر عنه بأنَّه أدخل قدميه جميعاً في الخفين وهما طاهرتان فجائز له أن يمسح إذا أحدث بعد الادخال، وما علمنا خلع خف وإعادته في الوقت يحدث طهارة لم تكن، ولا حكما في الشرع لم يكن، فالموجب له مدع بلا برهان.
وبالله تعالى التوفيق» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٠٩ - ٢١١):
«ولو غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم فعل بالأخرى مثل ذلك ففيه قولان هما روايتان عن أحمد: إحداهما: يجوز المسح. وهو مذهب أبي حنيفة. والثانية: لا يجوز. وهو مذهب مالك والشافعي.
قال هؤلاء: لأنَّ الواجب ابتداء اللبس على الطهارة؛ فلو لبسهما وتوضأ وغسل رجليه فيهما: لم يجز له المسح حتى يخلع ما لبس قبل تمام طهرهما فيلبسه بعده. وكذلك في تلك الصورة قالوا: يخلع الرجل الأولى ثم يدخلها في الخف واحتجوا بقوله: "إني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان" قالوا: وهذا أدخلهما وليستا طاهرتين. والقول الأول هو الصواب بلا شك. وإذا جاز المسح لمن توضأ خارجاً ثم لبسهما فلأن يجوز لمن توضأ فيهما بطريق الأولى؛ فإن هذا فعل الطهارة فيهما واستدامها فيهما وذلك فعل الطهارة خارجاً عنهما وإدخال هذا قدميه الخف مع الحدث وجوده كعدمه لا ينفعه ولا يضره. وإنَّما الاعتبار بالطهارة الموجودة بعد ذلك فإنَّ هذا ليس بفعل محرم كمس المصحف مع الحدث. وقول النبي ﷺ : "إنِّي أدخلتهما الخف وهما طاهرتان" حق؛ فإنَّه بيَّن أنَّ هذا علة لجواز
стр. 346
المسح فكل من أدخلهما طاهرتين فله المسح. وهو لم يقل: إنَّ من لم يفعل ذلك لم يمسح لكن دلالة اللفظ عليه بطريق المفهوم والتعليل فينبغي أن ينظر حكمة التخصيص: هل بعض المسكوت أولى بالحكم؟ ومعلوم أنَّ ذكر إدخالهما طاهرتين هو المعتاد؛ وليس غسلهما في الخفين معتاداً؛ وإلَّا فإذا غسلهما في الخف فهو أبلغ؛ وإلَّا فأي فائدة في نزع الخف ثم لبسه من غير إحداث شيء فيه منفعة؟ وهل هذا إلَّا عبث محض ينزه الشارع عن الأمر به؟ ولو قال الرجل لغيره: أدخل مالي وأهلي إلى بيتي - وكان في بيته بعض أهله وماله - هل يؤمر بأن يخرجه ثم يدخله ويوسف لما قال لأهله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾ [يوسف: ٩٩]، وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ (٢١)﴾ [المائدة: ٢١]، وقال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧] فإذا قدر أنَّه كان بمصر بعضهم أو كان بالأرض المقدسة بعض؛ أو كان بعض الصحابة قد دخل الحرم قبل ذلك: هل كان هؤلاء يؤمرون بالخروج ثم الدخول؟ فإذا قيل: هذا لم يقع. قيل: وكذلك غسل الرجل قدميه في الخف ليس واقعاً في العادة فلهذا لم يحتج إلى ذكره لأنَّه ليس إذا فعل يحتاج إلى إخراج وإدخال. فهذا وأمثاله من باب الأولى» اهـ.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٣/ ٤٦١): «إذا توضأ ولبس إحدى خفيه قبل غسل رجله الأخرى، ثم غسل رجله الأخرى وأدخلها في الخف، جاز له المسح على أصح القولين، وفيه قول آخر أنَّه لا يجوز؛ لأنَّه لم يلبس الأولى على طهارة كاملة؛ فالحيلة في جواز المسح أن ينزع خف الرجل
стр. 347
الأولى ثم يلبسه، وهذا نوع عبث لا غرض للشارع فيه، ولا مصلحة للمكلف؛ فالشرع لا يأمره به» اهـ.
٤ - ويحتج بالحديث على أنَّ من لبس خفين بعضهما على بعض أو جوربين ثم مسح على الأعلى منهما ثم خلع الأعلى أنَّ له أن يمسح على الأسفل لأنَّه أدخل نعليه فيهما طاهرتين.
وقد اختلف العلماء في مشروعية لبس خف على خف والأظهر جواز ذلك لأنَّ الحاجة داعية إليه لتدفئة القدم في المناطق الباردة وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، ومنع من ذلك مالك في إحدى الروايتين، والشافعي في الجديد.
وإذا كان الأسفل مخرقاً جاز المسح على الأعلى قولاً واحداً في مذهب الشافعي.
والذي يظهر لي أيضاً جواز مسح التحتاني لأنَّه لبسهما على طهارة غسل، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد القولين لأحمد، وأحد الوجهين للشافعية.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢٠٨):
«وَإِنْ لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي تَحْتَهُ صَحِيحًا أَوْ مُخَرَّقًا. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى لُبْسِهِ فِي الْغَالِبِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ، كَالْجَبِيرَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، أَشْبَهَ الْمُفْرَدَ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الَّذِي تَحْتَهُ مُخَرَّقًا، وَقَوْلُهُ: " الْحَاجَةُ لَا تَدْعُو إلَيْهِ ". مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْبِلَادَ الْبَارِدَةَ لَا يَكْفِي فِيهَا خُفٌّ وَاحِدٌ
стр. 348
غَالِبًا، وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِدَلِيلِهَا، وَهُوَ الْإِقْدَامُ عَلَى اللُّبْسِ، لَا بِنَفْسِهَا، فَهُوَ كَالْخُفِّ الْوَاحِدِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ مَسْحِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ، وَكَانَ لُبْسُهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ نَزَعَهُ بَعْدَ مَسْحِهِ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ، وَوَجَبَ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ؛ لِزَوَالِ مَحَلِّ الْمَسْحِ. وَنَزْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَنَزْعِهِمَا؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا، فَصَارَ كَانْكِشَافِ الْقَدَمِ، وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْفَوْقَانِيِّ، وَمَسَحَ الَّذِي تَحْتَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحَلٌّ لِلْمَسْحِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا، كَمَا يَجُوزُ غَسْلُ قَدَمِهِ فِي الْخُفِّ، مَعَ أَنَّ لَهُ الْمَسْحَ عَلَيْهِ. وَلَوْ لَبِسَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فِي إحْدَى الرِّجْلَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْخُفِّ الَّذِي فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ وَبِالْخُفِّ فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ شَيْءٌ» اهـ.
وقال العلامة ابن مفلح ﵀ في [الفروع] (١/ ٢١٦):
«وَإِنْ نَزَعَ خُفًّا فَوْقَانِيًّا مَسَحَهُ، فَعَنْهُ يَلْزَمُهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ، اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ فَيَتَوَضَّأُ، أَوْ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ عَلَى الْخِلَافِ "م" وعنه لا يلزمه "وهـ م" فيتوضأ أو يمسح التحتاني» اهـ.
وقال العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي الكبير] (١/ ٣٦٧):
«فَصْلٌ: وَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى فَلَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَلْبَسَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ عَلَى طَهَارَةٍ، فَإِنْ لَبِسَ الْأَسْفَلَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَالْأَعْلَى عَلَى حَدَثٍ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَلْبَسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ، فَيَمْسَحُ حِينَئِذٍ عَلَى الْأَعْلَى، فَلَوْ مَسَحَ
стр. 349
عَلَى الْأَعْلَى عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ، ثُمَّ نَزَعَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ طَهَارَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ طَهَارَتَهُ صَحِيحَةٌ كَمَنْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ مُبَطَّنٍ، ثُمَّ كَشَطَ أَعْلَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ طَهَارَتَهُ قَدْ فَسَدَتْ بِنَزْعِهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِحُكْمِهِ، وَصَارَ كَمَنْ نَزَعَ خُفَّهُ مِنْ رِجْلِهِ فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ وَالْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ الْأَسْفَلِ.
وَالثَّانِي: يَقْتَصِرُ عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ الْأَسْفَلِ وَحْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٥ - وقوله: «فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» فيه أنَّ المسح يكون في أعلى الخف.
وقد روى أبو داود (١٦٢) عن علي ﵁، قال: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ».
قلت: هذا حديث صحيح.
وهذا مذهب الإمامين أحمد وأبي حنيفة رحمهما الله.
وذهب الإمامان مالك والشافعي رحمهما الله إلى استحباب مسح أسفل الخف مع أعلاه.
واحتجا بما رواه أحمد (١٨٢٢٢)، وأبو داود (١٦٥)، والترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠) من طريق الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ».
قلت: هذا حديث معل لا يثبت.
стр. 350
قال الحافظ الترمذي ﵀ بعد روايته له: «وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ غَيْرُ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ.
وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ، وَمُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ رَوَى هَذَا عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ رَجَاءٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، مُرْسَلٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْمُغِيرَةُ» اهـ.
وقال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [العلل] (١/ ٣٨):
«وسألت أبي وأبا زرعة، عن حديث، رواه الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله وسلم.
فقالا: رواه الوليد هكذا! ورواه غيره، ولم يذكر المغيرة وأفسد هذا الحديث حديث الوليد وهذا أشبه والله أعلم» اهـ.
وقال ﵀ (١/ ٥٤):
«وسمعت أبي يقول في حديث؛ الوليد، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة، أنَّ النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله.
فقال: ليس بمحفوظ، وسائر الأحاديث عن المغيرة أصح» اهـ.
وقال الحافظ الدارقطني ﵀ في [العلل] (٧/ ١٠٩ - ١١١):
«يَروِيهِ ثَورُ بن يَزِيد، واختُلِف عَنهُ؛ فَرَواهُ الوَلِيد بن مُسلِمٍ، ومُحَمد بن عِيسَى بنِ سُمَيعٍ، عَنْ ثَورِ بنِ يَزِيد، عَنْ رَجاءِ بنِ حَيوَة، عَنْ كاتِبِ المُغِيرَةِ، عَنِ المُغِيرَةِ.
стр. 351
وَكَذَلِك رَواهُ الإِمامُ الشّافِعِيُّ، عَنْ بَعضِ أَصحابِهِ عَنْ ثَورٍ.
ورَواهُ عَبد الرَّحمَنِ بن مَهدِيٍّ، عَنِ ابنِ المُبارَكِ، عَنْ ثَورٍ، قال: حَدَّثتُ عَنْ رَجاءِ بنِ حَيوَة، عَنْ كاتِبِ المُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرسَلاً.
وَرُوِي هَذا الحَدِيثُ عَنْ عَبدِ المَلِكِ بنِ عُمَيرٍ، عَنْ ورّادٍ، عَنِ المُغِيرَةِ، لَم يَذكُر فِيهِ أَسفَل الخُفِّ.
وَرَواهُ الحَكَمُ بن هِشامٍ، وإِسماعِيلُ بن إِبراهِيم بنِ المُهاجِرِ، عَنْ عَبدِ المَلِكِ.
وَحَدِيثُ رَجاءِ بنِ حَيوَة الَّذِي فِيهِ ذَكَر أَعلَى الخُفِّ وأَسفَلَهُ لا يَثبُتُ لأَنّ ابن المُبارَكِ رَواهُ عَنْ ثَورِ بنِ يَزِيد مُرسَلاً» اهـ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ - بعد روايته للحديث -: «وَبَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ثَوْرُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَجَاءٍ» اهـ.
قلت: وأمَّا مقدار المسح فالأظهر المسح على أكثر أعلى الخف كما هو مذهب مالك وأحمد.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٥٢٢):
«وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلِّ جُزْءٍ مِنْ أَعْلَاهُ فَوَافَقَنَا عَلَيْهِ الثوري وأبو ثور وداود: وقال أبو حَنِيفَةَ ﵁ يَجِبُ مَسْحُ قَدْرِ ثَلَاثِ أَصَابِعَ. وَقَالَ أَحْمَدُ ﵁ يَجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ ظَاهِرِهِ وَعَنْ مَالِكٍ مَسْحُ جَمِيعِهِ إلَّا مَوَاضِعَ الْغُضُونِ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦):
«وَالْوَاجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِهِ فَلَا يُجْزِئُ مَسْحُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيُسَمَّى مَسْحًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَوْلُهُ: "إِنَّمَا أُمِرْتُ هَكَذَا مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى أَصْلِ
стр. 352
السَّاقِ". وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْبَيَانِ لِلْمَسْحِ الْمُسْقِطِ لِفَرْضِ الْغَسْلِ.
وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرِهِ "أَنَّهُ مَسَحَ بِكَفِّهِ" وَفِعْلُهُ هُوَ الْمُفَسِّرُ لِلْمَسْحِ الْمَفْرُوضِ، وَقَدْ كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي مَسْحَ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ مَغْسُولٍ فَكَانَ كَالْجَبِيرَةِ وَعُضْوَيِ التَّيَمُّمِ لَكِنْ سَقَطَ أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فَبَقِيَ ظَاهِرُهُ، وَالْأَكْثَرُ يُقَامُ مَقَامَ الْجَمِيعِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ بِخِلَافِ الْأَقَلِّ، وَالْمَفْرُوضُ مَسْحُ أَكْثَرِ ظَهْرِ الْقَدَمِ، فَلَوْ مَسَحَ بَدَلَ ذَلِكَ أَسْفَلَهُ أَوْ عَقِبَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ «عَنْ عُمَرَ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ بِالْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ إِذَا لَبِسَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ".
وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ؛ وَلِأَنَّ عَلِيًّا بَيَّنَ أَنَّ السُّنَّةَ قَدَّمَتْ ظَهْرَ الْخُفِّ عَلَى أَسْفَلِهِ مُخَالِفَةً لِلرَّأْيِ الَّذِي يُوجِبُ تَقْدِيمَ أَسْفَلِهِ، فَمَتَى مَسَحَ أَسْفَلَهُ فَقَدْ وَافَقَ الرَّأْيَ الْفَاسِدَ؛ وَلِأَنَّ فِعْلَهُ خَرَجَ امْتِثَالًا وَبَيَانًا لِسُنَّةِ الْمَسْحِ الْمَفْرُوضَةِ بَدَلًا عَنِ الْغَسْلِ» اهـ.
قلت: حديث جابر رواه ابن ماجه (٥٥١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُنْذِرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ يَتَوَضَّأُ، وَيَغْسِلُ خُفَّيْهِ، فَقَالَ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ دَفَعَهُ، "إِنَّمَا أُمِرْتَ بِالْمَسْحِ"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ هَكَذَا مِنْ أَطْرَافِ الأَصَابِعِ، إِلَى أَصْلِ السَّاقِ، وَخَطَّطَ بِالأَصَابِعِ».
стр. 353
وهذا حديث شديد الضعف.
قال العلامة ابن عبد الهادي ﵀ في [التنقيح] (١/ ٣٤٢):
«جرير- هذا-: ليس بمشهور، ولم يرو عنه غير بقية.
ومنذر: كأنَّه ابن زياد الطائي، وقد كذبه الفلاس، وقال الدارقطني: متروك.
ولم يخرج ابن ماجه لجرير ومنذر غير هذا الحديث، والله أعلم» اهـ.
تنبيه: ذُكر في الحديث شرط من شروط المسح على الخفين وهو أن يدخل قدميه الخفين وهما طاهرتان، وهناك شروط أخرى يذكرها العلماء منها:
١ - أن يكون الخف طاهراً فلا يجوز المسح على الخف النجس كالمصنوع من جلد الميتة قبل الدباغ، وهذا الشرط متفق عليه بين الأئمة الأربعة.
٢ - أن يكون الخف ساتر لمحل الفرض، وهو الموضع الذي يجب غسله من القدم.
واختلف العلماء في الخف المخرق، والأصح جواز المسح عليه ما دام يسمى خفاً ولا يضر كونه مخرقاً حتى لو كان الخرق في موضع المسح وذلك أنَّ كثيراً من الصحابة كانوا فقراء، والغالب في خفافهم أن تكون مخرقة ولم ينههم النبي ﷺ عن المسح عليها.
قال العلامة الماوردي ﵀ في [الحاوي الكبير] (١/ ٣٦٢ - ٣٦٤):
«اعْلَمْ أَنَّ خَرْقَ الْخُفِّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْقَدَمِ وَهُوَ أَنْ يكون من فوق الكعبين في ساق الخف، فَجَائِزٌ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ مَعَ هَذَا الْخَرْقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا لَا سَاقَ لَهُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْقَدَمِ، رَوَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ شَهِدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
стр. 354
عَوْفٍ يَسْأَلُ بِلَالًا عَنْ وضوء رسول الله ﷺ ، فَقَالَ كَانَ يَخْرُجُ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَآتِيهِ بِالْمَاءِ، فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ، وَالْمُوقَانِ: خُفَّانِ قَصِيرَانِ لَيْسَ لَهُمَا سَاقٌ، فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ فِي مَوْضِعِ الْقَدَمِ فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ لَمْ يَتَفَاحَشِ الْخَرْقُ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَفَاحَشَ لَمْ يَجُزْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ يَمْسَحُ مَا أَمْكَنَ الْمَشْيُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ أبو حنيفة يَمْسَحُ إِنْ كَانَ الْخَرْقُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ، فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَ أَصَابِعَ فَأَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ وَقَالَ أبو يوسف: سَأَلْتُ أبا حنيفة عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: لِأَنَّ الثَّلَاثَ أَكْثَرُ الْأَصَابِعِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ إِذَا ظَهَرَ مِنَ الْخَرْقِ شَيْءٌ مِنَ الْقَدَمِ، وَإِنْ قَلَّ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ مَعَ خَرْقِهِ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا "، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا أَطْلَقَ اسْمَ الْخُفِّ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ خَرْقٌ لَا يُبِيحُ لُبْسَهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ، قِيَاسًا عَلَى خُرُوقِ الْخَرَزِ، وَلِأَنَّ إِبَاحَةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، رِفْقٌ وَتَرْفِيهٌ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى لُبْسِهِ وَالْمَشَقَّةَ لَاحِقَةٌ فِي نَزْعِهِ، فَلَوْ كَانَتْ خُرُوقُ الْخُفِّ تَمْنَعُ مِنْ لُبْسِهِ وَتَدْعُو إِلَى نَزْعِهِ وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَنْوَاعِ الْخِفَافِ لَزَالَ مَعْنَى الرِّفْقِ، بِالتَّغْلِيظِ وَالتَّرْفِيهِ بِالْمَشَقَّةِ».
إلى أن قال ﵀: «فَصْلٌ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَرْقَ الْخُفِّ يَمْنَعُ مِنَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَدَّمِهِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ
стр. 355
﵁ خَرْقَ الْمُقَدَّمِ، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ خَرْقِ الْخُفِّ، لَا أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمَنْعِ مِنَ الْمَسْحِ هَذَا إِذَا كَانَ فِي ظِهَارَةِ الْخُفِّ وَبِطَانَتِهِ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي الْبِطَانَةِ دُونَ الظِّهَارَةِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا بِلَا بِطَانَةٍ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْخَرْقُ فِي ظِهَارَةِ الْخُفِّ دُونَ بِطَانَتِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْبِطَانَةُ جلوداً جاز مسحه عليه، وإن كانت خَرْقًا لَمْ يَجُزْ فَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ مُخَرَّقًا ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُ خُفًّا صَحِيحًا جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى وَحْدَهُ، وَكَانَ الْأَسْفَلُ كَاللِّفَافَةِ وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا صَحِيحًا ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُ مُخَرَّقًا مَسْحَ عَلَى الْأَسْفَلِ وَحْدَهُ دُونَ الْأَعْلَى» اهـ.
قلت: وقد حرر القول في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تحريراً نفيساً فقد جاء في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ١٧٢ - ١٨٣):
«سُئِلَ ﵀ عَنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ غَيْرَ مُخَرَّقٍ حَتَّى لَا يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ؟ وَهَلْ لِلتَّخْرِيقِ حَدٌّ؟ وَمَا الْقَوْلُ الرَّاجِحُ بِالدَّلِيلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] فَإِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ؟.
الْجَوَابُ:
فَأَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى مَا فِيهِ خَرْقٌ يَسِيرٌ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي حَدِّ ذَلِكَ وَاخْتَارَ هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: أَنَّهُ لَا
следующие страницы →