← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أمَّا المفصل فالجواب عن الوجه الأول من وجهين: أحدهما: لا نسلم أنَّ العلة في الأصل أنَّه بول وروث وما ذكروه من تنبيه النصوص فقد سلف الجواب بأنَّ المراد بها بول الإنسان. وما ذكروه من المناسبة فنقول: التعليل: إمَّا أن يكون بجنس استخباث النفس واستقذارها، أو بقدر محدود من الاستخباث والاستقذار. فإن كان الأول: وجب تنجيس كل مستخبث مستقذر فيجب نجاسة المخاط والبصاق والنخامة؛ بل نجاسة المني الذي جاء الأثر بإماطته من الثياب؛ بل ربما نفرت النفوس عن بعض هذه الأشياء أشد من نفورها عن أرواث المأكول من البهائم مثل مخطة المجذوم إذا اختلطت بالطعام، ونخامة الشيخ الكبير إذا وضعت في الشراب، وربما كان ذلك مدعاة لبعض الأنفس إلى أن يذرعه القيء. وإن كان التعليل بقدر موقت من الاستقذار فهذا قد يكون حقاً لكن لا بد من بيان الحد الفاصل بين القدر من الاستخباث الموجب للتنجيس وبين ما لا يوجب ولم يبين ذلك، ولعل هذه الأعيان مما ينقض بيان استقذارها الحد المعتبر. ثم إنَّ التقديرات في الأسباب والأحكام إنَّما تعلم من جهة استقذارها عن الشرع في الأمر الغالب، فنقول: متى حكم بنجاسة نوع علمنا أنَّه مما غلظ استخباثه، ومتى لم يحكم بنجاسة نوع علمنا أنَّه لم يغلظ استخباثه فنعود مستدلين بالحكم على المعتبر من العلة فمتى استربنا في الحكم فنحن في العلة أشد استرابة فبطل هذا. وأمَّا الشاهد بالاعتبار فكما أنَّه شهد لجنس الاستخباث شهد للاستخباث الشديد والاستقذار الغليظ. وثانيهما أن نقول: لم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل

стр. 282

أنَّه بول ما يؤكل لحمه؟ وهذه علة مطردة بالإجماع منَّا ومن المخالفين. في هذه المسألة والانعكاس إن لم يكن واجباً فقد حصل الغرض، وإن كان شرطاً في العلل فنقول فيه ما قالوا في اطراد العلة وأولى حيث خولفوا فيه وعدم الانعكاس أيسر من عدم الاطراد. وإذا افترق الصنفان في اللحم والعظم واللبن والشعر فلم لا يجوز افتراقهما في الروث والبول وهذه المناسبة أبين؛ فإنَّ كل واحد من هذه الأجزاء هو بعض من أبعاض البهيمة أو متولد منها فيلحق سائرها قياساً لبعض الشيء على جملته. فإن قيل: هذا منقوض بالإنسان فإنَّه طاهر ولبنه طاهر وكذلك سائر أمواهه وفضلاته ومع هذا فروثه وبوله من أخبث الأخباث فحصل الفرق فيه بين البول وغيره. فنقول: اعلم أنَّ الإنسان فارق غيره من الحيوان في هذا الباب طرداً وعكساً فقياس البهائم بعضها ببعض وجعلها في حيز يباين حيز الإنسان وجعل الإنسان في حيز هو الواجب، ألا ترى أنَّه لا ينجس بالموت على المختار وهي تنجس بالموت، ثم بوله أشد من بولها، ألا ترى أنَّ تحريمه مفارق لتحريم غيره من الحيوان لكرم نوعه وحرمته حتى يحرم الكافر وغيره وحتى لا يحل أن يدبغ جلده مع أنَّ بوله أشد وأغلظ فهذا وغيره يدل على أنَّ بول الإنسان فارق سائر فضلاته أشد من مفارقة بول البهائم فضلاتها إمَّا لعموم ملابسته حتى لا يستخف به أو لغير ذلك مما الله أعلم به، على أنَّه يقال في عذرة الإنسان وبوله من الخبث والنتن والقذر ما ليس في عامة الأبوال والأرواث. وفي الجملة فإلحاق الأبوال باللحوم في الطهارة والنجاسة أحسن طرداً من غيره والله أعلم. وأمَّا الوجه الثاني: فنقول ذلك الأصل في الآدميين مسلم والذي جاء عن السلف إنَّما جاء فيهم من الاستحالة في أبدانهم وخروجه من الشق الأعلى، أو

стр. 283

الأسفل فمن أين يقال كذلك سائر الحيوان؛ وقد مضت الإشارة إلى الفرق ثم مخالفوهم يمنعونهم أكثر الأحكام في البهائم؛ فيقولون: قد ثبت أنَّ ما خبث لحمه خبث لبنه ومنيه؛ بخلاف الآدمي فبطلت هذه القاعدة في الاستحالة: بل قد يقولون: إنَّ جميع الفضلات الرطبة من البهائم حكمها سواء فما طاب لحمه طاب لبنه وبوله وروثه ومنيه وعرقه وريقه ودمعه. وما خبث لحمه خبث لبنه وريقه وبوله وروثه ومنيه وعرقه ودمعه وهذا قول يقوله أحمد في المشهور عنه وقد قاله غيره. وبالجملة فاللبن والمني يشهد لهم بالفرق بين الإنسان والحيوان شهادة قاطعة وباستواء الفضلات من الحيوان ضرباً من الشهادة؛ فعلى هذا يقال للإنسان يفرق بين ما يخرج من أعلاه وأسفله لما الله أعلم به فإنَّه منتصب القامة نجاسته كلها في أعاليه. ومعدته التي هي محل استحالة الطعام والشراب في الشق الأسفل. وأمَّا الثدي ونحوه فهو في الشق الأعلى وليس كذلك البهيمة. فإن ضرعها في الجانب المؤخر منها وفيه اللبن الطيب ولا مطمع في إثبات الأحكام بمثل هذه الحزورات. وأمَّا الوجه الثالث: فمداره على الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات فإن فصل بنوع الاستقذار بطل بجميع المستقذرات التي ربما كانت أشد استقذاراً منه، وإن فصل بقدر خاص فلا بد من توقيته وقد مضى تقرير هذا. وأمَّا الجواب العام فمن أوجه ثلاثة: أحدها: أنَّ هذا قياس في مقابلة الآثار المنصوصة وهو قياس فاسد الوضع ومن جمع بين ما فرقت السنة بينه فقد ضاهى قول الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ

стр. 284

الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥] ولذلك طهرت السنة هذا ونجست هذا. الثاني: أنَّ هذا قياس في باب لم تظهر أسبابه وأنواطه ولم يتبين مأخذه وما بل الناس فيه على قسمين: إمَّا قائل يقول هذا استعباد محض وابتلاء صرف فلا قياس ولا إلحاق ولا اجتماع ولا افتراق، وإمَّا قائل يقول: دقت علينا علله وأسبابه وخفيت علينا مسالكه ومذاهبه وقد بعث الله إلينا رسولًا يزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة بعثه إلينا ونحن لا نعلم شيئا فإنَّما نصنع ما رأيناه يصنع والسنة لا تضرب لها الأمثال ولا تعارض بآراء الرجال والدين ليس بالرأي ويجب أن يتهم الرأي على الدين والقياس في مثل هذا الباب ممتنع باتفاق أولي الألباب. الثالث: أن يقال: هذا كله مداره على التسوية بين بول ما يؤكل لحمه وبول ما لا يؤكل لحمه وهو جمع بين شيئين مفترقين فإنَّ ريح المحرم خبيثة وأمَّا ريح المباح فمنه ما قد يستطاب: مثل أرواث الظباء وغيرها. وما لم يستطب منه فليس ريحه كريح غيره وكذلك خلقه غالباً فإنَّه يشتمل على أشياء من المباح وهذا لأنَّ الكلام في حقيقة المسألة وسنعود إليه إن شاء الله في آخرها. الدليل الثاني: الحديث المستفيض أخرجه أصحاب الصحيح وغيرهم حديث أنس بن مالك: " أنَّ ناساً من عكل أو عرينة قدموا المدينة فاجتووها فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الذود ". وذكر الحديث.

стр. 285

فوجه الحجة أنَّه أذن لهم في شرب الأبوال ولا بد أن يصيب أفواههم وأيديهم وثيابهم وآنيتهم فإذا كانت نجسة وجب تطهير أفواههم وأيديهم وثيابهم للصلاة وتطهير آنيتهم فيجب بيان ذلك لهم: لأنَّ تأخير البيان عن وقت الاحتياج إليه لا يجوز، ولم يبين لهم النبي ﷺ أنَّه يجب عليهم إماطة ما أصابهم منه فدل على أنَّه غير نجس ومن البين أن لو كانت أبوال الإبل كأبوال الناس لأوشك أن يشتد تغليظه في ذلك. ومن قال: إنَّهم كانوا يعلمون أنَّها نجسة وإنَّهم كانوا يعلمون وجوب التطهير من النجاسات فقد أبعد غاية الإبعاد وأتى بشيء قد يستيقن بطلانه لوجوه: أحدها: أنَّ الشريعة أول ما شرعت كانت أخفى وبعد انتشار الإسلام وتناقل العلم وإفشائه صارت أبدى وأظهر، وإذا كنا إلى اليوم لم يستبن لنا نجاستها بل أكثر الناس على طهارتها وعامة التابعين عليه بل قد قال أبو طالب وغيره: إنَّ السلف ما كانوا ينجسونها ولا يتقونها. وقال أبو بكر بن المنذر: وعليه اعتماد أكثر المتأخرين في نقل الإجماع والخلاف وقد ذكر طهارة الأبوال عن عامة السلف. ثم قال: قال الشافعي: الأبوال كلها نجس. قال: ولا نعلم أحداً قال قبل الشافعي إنَّ أبوال الأنعام وأبعارها نجس. قلت: وقد نقل عن ابن عمر أنَّه سئل عن بول الناقة فقال: اغسل ما أصابك منه. وعن الزهري فيما يصيب الراعي من أبوال الإبل قال: ينضح. وعن حماد بن أبي سليمان في بول الشاة والبعير يغسل. ومذهب أبي حنيفة نجاسة ذلك على تفصيل لهم فيه، فلعل الذي أراده ابن المنذر القول بوجوب اجتناب قليل البول والروث وكثيره. فإنَّ هذا لم يبلغنا عن أحد من

стр. 286

السلف، ولعل ابن عمر أمر بغسله كما يغسل الثوب من المخاط والبصاق والمني ونحو ذلك، وقد ثبت عن أبي موسى الأشعري أنَّه صلى على مكان فيه روث الدواب والصحراء أمامه. وقال هاهنا وهاهنا سواء. وعن أنس بن مالك لا بأس ببول كل ذي كرش. ولست أعرف عن أحد من الصحابة القول بنجاستها؛ بل القول بطهارتها؛ إلاَّ ما ذكر عن ابن عمر إن كان أراد النجاسة فمن أين يكون ذلك معلوماً لأولئك. وثانيها: أنَّه لو كان نجساً فوجوب التطهر من النجاسة ليس من الأمور البينة قد أنكره في الثياب طائفة من التابعين وغيرهم فمن أين يعلمه أولئك؟. وثالثها: أنَّ هذا لو كان مستفيضاً بين ظهراني الصحابة لم يجب أن يعلمه أولئك؛ لأنَّهم حديثو العهد بالجاهلية والكفر فقد كانوا يجهلون أصناف الصلوات وأعدادها وأوقاتها وكذلك غيرها من الشرائع الظاهرة فجهلهم بشرط خفي في أمر خفي أولى وأحرى لا سيما والقوم لم يتفقهوا في الدين أدنى تفقه ولذلك ارتدوا ولم يخالطوا أهل العلم والحكمة؛ بل حين أسلموا وأصابهم الاستيخام أمرهم بالبداوة فيا ليت شعري من أين لهم العلم بهذا الأمر الخفي. ورابعها: أنَّ النبي ﷺ لم يكن في تعليمه وإرشاده واكلاً للتعليم إلى غيره؛ بل يبين لكل واحد ما يحتاج إليه وذلك معلوم لمن أحسن المعرفة بالسنن الماضية. وخامسها: أنَّه ليس العلم بنجاسة هذه الأرواث أبين من العلم بنجاسة بول الإنسان الذي قد علمه العذارى في حجالهن وخدورهن ثم قد حذر منه

стр. 287

للمهاجرين والأنصار الذين أوتوا العلم والإيمان. فصار الأعراب الجفاة أعلم بالأمور الخفية من المهاجرين والأنصار بالأمور الظاهرة فهذا كما ترى. وسادسها: أنَّه فرق بين الأبوال والألبان وأخرجهما مخرجاً واحداً والقران بين الشيئين إن لم يوجب استواءهما فلا بد أن يورث شبهة فلو لم يكن البيان واجباً لكانت المقارنة بينه وبين الطاهر موجبة للتمييز بينهما إن كان التمييز حقاً. وفي الحديث دلالة أخرى فيها تنازع وهو أنه أباح لهم شربها ولو كانت محرمة نجسة لم يبح لهم شربها ولست أعلم مخالفاً في جواز التداوي بأبوال الإبل. كما جاءت السنة؛ لكن اختلفوا في تخريج مناطه فقيل: هو أنَّها مباحة على الإطلاق للتداوي وغير التداوي. وقيل: بل هي محرمة وإنَّما أباحها للتداوي. وقيل: هي مع ذلك نجسة والاستدلال بهذا الوجه يحتاج إلى ركن آخر وهو أنَّ التداوي بالمحرمات النجسة محرم والدليل عليه من وجوه: أحدها: أنَّ الأدلة الدالة على التحريم مثل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (٣)﴾ [المائدة: ٣] و: "كل ذي ناب من السباع حرام" و: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠] عامة في حال التداوي وغير التداوي فمن فرق بينهما فقد فرق بين ما جمع الله بينه وخص العموم؛ وذلك غير جائز. فإن قيل: فقد أباحها للضرورة والمتداوي مضطر فتباح له أو أنا نقيس إباحتها للمريض على إباحتها للجائع بجامع الحاجة إليها. يؤيد ذلك أنَّ المرض يسقط الفرائض من القيام في الصلاة والصيام في شهر رمضان والانتقال من الطهارة بالماء إلى الطهارة بالصعيد فكذلك يبيح المحارم؛ لأنَّ الفرائض والمحارم من واد واحد.

стр. 288

يؤيد ذلك أنَّ المحرمات من الحلية واللباس مثل الذهب والحرير قد جاءت السنة بإباحة اتخاذ الأنف من الذهب وربط الأسنان به ورخص للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير من حكة كانت بهما فدلت هذه الأصول الكثيرة على إباحة المحظورات حين الاحتياج والافتقار إليها. قلت: أمَّا إباحتها للضرورة فحق؛ وليس التداوي بضرورة لوجوه: أحدها: أنَّ كثيراً من المرضى أو أكثر المرضى يشفون بلا تداو لا سيما في أهل الوبر والقرى والساكنين في نواحي الأرض يشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل أو دعوة مستجابة أو رقية نافعة أو قوة للقلب وحسن التوكل إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة غير الدواء وأمَّا الأكل فهو ضروري ولم يجعل الله أبدان الحيوان تقوم إلاَّ بالغذاء فلو لم يكن يأكل لمات فثبت بهذا أنَّ التداوي ليس من الضرورة في شيء. وثانيها: أنَّ الأكل عند الضرورة واجب. قال مسروق: من اضطر إلى الميتة فلم يأكل فمات دخل النار والتداوي غير واجب ومن نازع فيه: خصمته السنة في المرأة السوداء التي خيرها النبي ﷺ بين الصبر على البلاء ودخول الجنة وبين الدعاء بالعافية. فاختارت البلاء والجنة. ولو كان رفع المرض واجباً لم يكن للتخيير موضع كدفع الجوع وفي دعائه لأبي بالحمى وفي اختياره الحمى لأهل قباء وفي دعائه بفناء أمته بالطعن والطاعون وفي نهيه عن الفرار من الطاعون. وخصمه حال أنبياء الله المبتلين الصابرين على البلاء حين لم يتعاطوا الأسباب الدافعة له: مثل أيوب ﵇ وغيره. وخصمه حال السلف

стр. 289

الصالح؛ فإنَّ أبا بكر الصديق ﵁ حين قالوا له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: قد رآني قالوا: فما قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد. ومثل هذا ونحوه يروى عن الربيع بن خيثم المخبت المنيب الذي هو أفضل الكوفيين أو كأفضلهم وعمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الهادي المهدي وخلق كثير لا يحصون عدداً. ولست أعلم سالفاً أوجب التداوي وإنَّما كان كثير من أهل الفضل والمعرفة يفضل تركه تفضلاً واختياراً؛ لما اختار الله ورضى به وتسليماً له وهذا المنصوص عن أحمد وإن كان من أصحابه من يوجبه ومنهم من يستحبه ويرجحه. كطريقة كثير من السلف استمساكاً لما خلقه الله من الأسباب وجعله من سنته في عباده. وثالثها: أنَّ الدواء لا يستيقن بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض؛ إذ لو اطرد ذلك لم يمت أحد بخلاف دفع الطعام للمسغبة والمجاعة فإنَّه مستيقن بحكم سنة الله في عباده وخلقه. ورابعها: أنَّ المرض يكون له أدوية شتى فإذا لم يندفع بالمحرم انتقل إلى المحلل ومحال أن لا يكون له في الحلال شفاء أو دواء والذي أنزل الداء أنزل لكل داء دواء إلا الموت ولا يجوز أن يكون أدوية الأدواء في القسم المحرم وهو سبحانه الرؤوف الرحيم. وإلى هذا الإشارة بالحديث المروي: " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " بخلاف المسغبة فإنَّها وإن اندفعت بأي طعام اتفق إلاَّ أن الخبيث إنَّما يباح عند فقد غيره فإن صورت مثل هذا في الدواء فتلك صورة نادرة؛ لأنَّ المرض أندر من الجوع بكثير وتعين الدواء المعين وعدم غيره نادر فلا ينتقض هذا. على أنَّ في الأوجه السالفة غنى.

стр. 290

وخامسها: وفيه فقه الباب: أنَّ الله تعالى جعل خلقه مفتقرين إلى الطعام والغذاء لا تندفع مجاعتهم ومسغبتهم إلاَّ بنوع الطعام وصنفه فقد هدانا وعلمنا النوع الكاشف للمسغبة المزيل للمخمصة. وأمَّا المرض فإنَّه يزيله بأنواع كثيرة من الأسباب: ظاهرة وباطنة روحانية وجسمانية فلم يتعين الدواء مزيلاً. ثم الدواء بنوعه لم يتعين لنوع من أنواع الأجسام في إزالة الداء المعين. ثم ذلك النوع المعين يخفى على أكثر الناس بل على عامتهم دركه ومعرفته الخاصة المزاولون منهم هذا الفن أولوا الأفهام والعقول يكون الرجل منهم قد أفنى كثيراً من عمره في معرفته ذلك ثم يخفى عليه نوع المرض وحقيقته ويخفى عليه دواؤه وشفاؤه ففارقت الأسباب المزيلة للمرض الأسباب المزيلة للمخمصة في هذه الحقائق البينة وغيرها فكذلك افترقت أحكامها كما ذكرنا. وبهذا ظهر الجواب عن الأقيسة المذكورة والقول الجامع فيها يسقط ويباح للحاجة والضرورة ما حضرني الآن. أمَّا سقوط ما يسقط من القيام والصيام والاغتسال؛ فلأنَّ منفعة ذلك مستيقنة بخلاف التداوي. وأيضاً فإنَّ ترك المأمور به أيسر من فعل المنهي عنه قال النبي ﷺ "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فانظر كيف أوجب الاجتناب عن كل منهي عنه وفرق في المأمور به بين المستطاع وغيره وهذا يكاد يكون دليلاً مستقلاً في المسألة. وأيضاً: فإن الواجبات من القيام والجمعة والحج تسقط بأنواع من المشقة التي لا تصلح لاستباحة شيء من المحظورات وهذا بين بالتأمل. وأمَّا الحلية: فإنَّما أبيح الذهب للأنف وربط الأسنان؛ لأنَّه اضطرار وهو يسد الحاجة يقيناً كالأكل في المخمصة. وأمَّا لبس الحرير: للحكة والجرب إن سلم ذلك فإنَّ الحرير

стр. 291

والذهب ليسا محرمين على الإطلاق فإنَّهما قد أبيحا لأحد صنفي المكلفين وأبيح للصنف الآخر بعضهما وأبيح التجارة فيهما وإهداؤهما للمشركين. فعلم أنَّهما أبيحا لمطلق الحاجة والحاجة إلى التداوي أقوى من الحاجة إلى تزين النساء بخلاف المحرمات من النجاسات. وأبيح أيضاً لحصول المصلحة بذلك في غالب الأمر. ثم الفرق بين الحرير والطعام: أنَّ باب الطعام يخالف باب اللباس لأنَّ تأثير الطعام في الأبدان أشد من تأثير اللباس على ما قد مضى. فالمحرم من الطعام لا يباح إلاَّ للضرورة التي هي المسغبة والمخمصة والمحرم من اللباس يباح للضرورة وللحاجة أيضاً هكذا جاءت السنة ولا جمع بين ما فرق الله بينه. والفرق بين الضرورات والحاجات معلوم في كثير من الشرعيات وقد حصل الجواب عن كل ما يعارض به في هذه المسألة. الوجه الثاني: أخرج مسلم في صحيحه " أنَّ رسول الله ﷺ سئل عن الخمر أيتداوى بها؟ فقال: إنَّها داء وليست بدواء " فهذا نص في المنع من التداوي بالخمر رداً على من أباحه وسائر المحرمات مثلها قياساً خلافاً لمن فرق بينهما فإنَّ قياس المحرم من الطعام أشبه من الغراب بالغراب؛ بل الخمر قد كانت مباحة في بعض أيام الإسلام وقد أباح بعض المسلمين من نوعها الشرب دون الإسكار والميتة والدم بخلاف ذلك. فإن قيل: الخمر قد أخبر النبي ﷺ أنَّها داء وليست بدواء فلا يجوز أن يقال: هي دواء بخلاف غيرها. وأيضاً ففي إباحة التداوي بها إجازة

стр. 292

اصطناعها واعتصارها وذلك داع إلى شربها ولذلك اختصت بالحد بها دون غيرها من المطاعم الخبيثة لقوة محبة الأنفس لها. فأقول: أمَّا قولك: لا يجوز أن يقال: هي دواء. فهو حق وكذلك القول في سائر المحرمات على ما دل عليه الحديث الصحيح " إنَّ الله لم يجعل شفاءكم في حرام" ثم ماذا تريد بهذا؟ أتريد أنَّ الله لم يخلق فيها قوة طبيعية من السخونة وغيرها؟ جرت العادة في الكفار والفساق أنَّه يندفع بها بعض الأدواء الباردة. كسائر القوى والطبائع التي أودعها جميع الأدوية من الأجسام. أم تريد شيئاً آخر؟ فإن أردت الأول فهو باطل بالقضايا المجربة التي تواطأت عليها الأمم وجرت عند كثير من الناس مجرى الضروريات بل هو رد لما يشاهد ويعاين. بل قد قيل: إنَّه رد للقرآن: لقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩] ولعل هذا في الخمر أظهر من جميع المقالات المعلومة من طيب الأبدان. وإن أردت أنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّها داء للنفوس والقلوب والعقول وهي أم الخبائث والنفس والقلب هو الملك المطلوب صلاحه وكماله وإنَّما البدن آلة له وهو تابع له مطيع له طاعة الملائكة ربها فإذا صلح القلب صلح البدن كله وإذا فسد القلب فسد البدن كله فالخمر هي داء ومرض للقلب مفسد له مضعضع لأفضل خواصه الذي هو العقل والعلم وإذا فسد القلب فسد البدن كله كما جاءت به السنة فتصير داء للبدن من هذا الوجه بواسطة كونها داء للقلب. وكذلك جميع الأموال المغصوبة والمسروقة فإنَّه ربما صلح عليها البدن ونبت وسمن لكن يفسد عليها القلب فيفسد البدن بفساده. وأمَّا المصلحة: التي فيها

стр. 293

فإنَّها منفعة للبدن فقط ونفعها متاع قليل فهي وإن أصلحت شيئاً يسيراً فهي في جنب ما تفسده كلا إصلاح. وهذا بعينه معنى قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩] فهذا لعمري شأن جميع المحرمات فإنَّ فيها من القوة الخبيثة التي تؤثر في القلب ثم البدن في الدنيا والآخرة ما يربي على ما فيها من منفعة قليلة تكون في البدن وحده في الدنيا خاصة. على أنَّا وإن لم نعلم جهة المفسدة في المحرمات فإنَّا نقطع أنَّ فيها من المفاسد ما يربي على ما نظنه من المصالح. فافهم هذا فإنَّ به يظهر فقه المسألة وسرها. وأمَّا إفضاؤه إلى اعتصارها: فليس بشيء لأنَّه يمكن أخذها من أهل الكتاب على أنَّه يحرم اعتصارها وإنَّما القول إذا كانت موجودة أن هذا منتقض بإطفاء الحرق بها ودفع الغصة إذا لم يوجد غيرها. وأمَّا اختصاصها بالحد: فإنَّ الحسن البصري يوجب الحد في الميتة أيضاً والدم ولحم الخنزير لكن الفرق أنَّ في النفوس داعياً طبعياً وباعثاً إرادياً إلى الخمر فنصب رادع شرعي وزاجر دنيوي أيضاً ليتقابلا ويكون مدعاة إلى قلة شربها وليس كذلك غيرها مما ليس في النفوس إليه كثير ميل ولا عظيم طلب. الوجه الثالث: ما روى حسان بن مخارق قال: قالت أم سلمة: اشتكت بنت لي فنبذت لها في كوز فدخل النبي ﷺ وهو يغلي فقال: "ما هذا؟ " فقلت: إنَّ بنتي اشتكت فنبذنا لها هذا فقال: "إنَّ الله لم يجعل شفاءكم في حرام" رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه، وفي رواية "إنَّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" وصححه بعض الحفاظ وهذا الحديث نص في المسألة.

стр. 294

الوجه الرابع: ما رواه أبو داود في السنن: أنَّ رجلاً وصف له ضفدع يجعلها في دواء فنهى النبي ﷺ عن قتل الضفدع وقال: "إنَّ نقنقتها تسبيح" فهذا حيوان محرم ولم يبح للتداوي وهو نص في المسألة. ولعل تحريم الضفدع أخف من تحريم الخبائث غيرها فإنَّه أكثر ما قيل فيها أن نقنقتها تسبيح فما ظنك بالخنزير والميتة وغير ذلك. وهذا كله بين لك استخفافه بطلب الطب واقتضائه وإجرائه مجرى الرفق بالمريض وتطييب قلبه ولهذا قال الصادق المصدوق لرجل: قال له: أنَّا طبيب قال: "أنت رفيق والله الطبيب". الوجه الخامس: ما روي أيضاً في سننه "أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن الدواء الخبيث" وهو نص جامع مانع وهو صورة الفتوى في المسألة. الوجه السادس: الحديث المرفوع: "ما أبالي ما أتيت - أو ما ركبت - إذا شربت ترياقاً أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من نفسي" مع ما روي من كراهة من كره الترياق من السلف على أنَّه لم يقابل ذلك نص عام ولا خاص يبلغ ذروة المطلب وسنام المقصد في هذا الموضع ولولا أنِّي كتبت هذا من حفظي لاستقصيت القول على وجه يحيط بما دق وجل والله الهادي إلى سواء السبيل. الدليل الثالث: وهو في الحقيقة رابع: الحديث الصحيح الذي خرجه مسلم وغيره من حديث جابر بن سمرة وغيره أنَّ رسول الله ﷺ سئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: "صلوا فيها فإنَّها بركة". وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؛ فقال: "لا تصلوا فيها فإنَّها خلقت من الشياطين". ووجه الحجة من وجهين:

стр. 295

أحدهما: أنَّه أطلق الإذن بالصلاة ولم يشترط حائلاً بقي من ملامستها والموضع موضع حاجة إلى البيان. فلو احتاج لبينه وقد مضى تقرير هذا. وهذا شبيه بقول الشافعي: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. فإنَّه ترك استفصال السائل: أهناك حائل يحول بينك وبين أبعارها؟ مع ظهور الاحتمال؛ ليس مع قيامه فقط وأطلق الإذن بل هذا أوكد من ذلك: لأنَّ الحاجة هنا إلى البيان أمس وأوكد. والوجه الثاني: أنَّها لو كانت نجسة كأرواث الآدميين لكانت الصلاة فيها: إمَّا محرمة كالحشوش والكنف أو مكروهة كراهية شديدة لأنَّها مظنة الأخباث والأنجاس. فأمَّا أن يستحب الصلاة فيها ويسميها بركة ويكون شأنها شأن الحشوش أو قريباً من ذلك فهو جمع بين المتنافيين المتضادين. وحاشا الرسول ﷺ من ذلك. ويؤيد هذا ما روي أنَّ أبا موسى صلى في مبارك الغنم وأشار إلى البرية وقال: هاهنا وثم سواء. وهو الصاحب الفقيه العالم بالتنزيل الفاهم للتأويل. سوى بين محل الأبعار وبين ما خلا عنها فكيف يجامع هذا القول بنجاستها. وأمَّا نهيه عن الصلاة في مبارك الإبل فليست اختصت به دون البقر والغنم والظباء والخيل إذ لو كان السبب نجاسة البول لكان تفريقاً بين المتماثلين. وهو ممتنع يقيناً. الدليل الرابع: وهو في الحقيقة سابع: ما ثبت واستفاض من أنَّ رسول الله ﷺ طاف على راحلته وأدخلها المسجد الحرام الذي فضله الله على جميع بقاع الأرض وبركها حتى طاف أسبوعاً. وكذلك إذنه لأم سلمة أن

стр. 296

تطوف راكبة ومعلوم أنَّه ليس مع الدواب من العقل ما تمتنع به من تلويث المسجد المأمور بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود. فلو كانت أبوالها نجسة لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس مع أنَّ الضرورة ما دعت إلى ذلك وإنَّما الحاجة دعت إليه ولهذا استنكر بعض من يرى تنجيسها إدخال الدواب المسجد الحرام وحسبك بقوله بطلانا رده في وجه السنة التي ريب فيها. الدليل الخامس وهو الثامن: ما روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "فأمَّا ما أكل لحمه فلا بأس ببوله" وهذا ترجمة المسألة؛ إلاَّ أنَّ الحديث قد اختلف فيه قبولاً ورداً. فقال أبو بكر عبد العزيز: ثبت عن النبي ﷺ ، وقال غيره هو موقوف على جابر. فإن كان الأول فلا ريب فيه وإن كان الثاني فهو قول صاحب وقد جاء مثله عن غيره من الصحابة أبي موسى الأشعري وغيره فينبني على أنَّ قول الصحابة أولى من قول من بعدهم وأحق أن يتبع. وإن علم أنَّه انتشر في سائرهم ولم ينكروه فصار إجماعاً سكوتياً. الدليل السادس وهو التاسع: الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود أنَّ رسول الله ﷺ كان ساجداً عند الكعبة فأرسلت قريش عقبة بن أبي معيط إلى قوم قد نحروا جزوراً لهم فجاء بفرثها وسلاها فوضعهما على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد ولم ينصرف حتى قضى صلاته فهذا أيضاً بين في أنَّ ذلك الفرث والسلى لم يقطع الصلاة ولا يمكن حمله فيما أرى إلاَّ على أحد وجوه ثلاثة: إمَّا أن يقال هو منسوخ وأعني بالنسخ أنَّ هذا الحكم مرتفع وإن لم يكن قد ثبت لأنَّه بخطاب كان بمكة. وهذا ضعيف جداً لأنَّ النسخ لا يصار إليه إلاَّ بيقين؛ وأمَّا بالظن فلا يثبت النسخ. وأيضاً فإنَّا ما علمنا أنَّ اجتناب

стр. 297

النجاسة كان غير واجب ثم صار واجباً لا سيما من يحتج على اجتناب النجاسة بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] وسورة المدثر في أول المنزل فيكون فرض التطهير من النجاسات على قول هؤلاء من أول الفرائض. فهذا هذا. وإمَّا أن يقال: هذا دليل على جواز حمل النجاسة في الصلاة وعامة من يخالف في هذه المسألة لا يقول بهذا القول فيلزمهم ترك الحديث. ثم هذا قول ضعيف لخلافه الأحاديث الصحاح في دم الحيض وغيره من الأحاديث. ثم إنِّي لا أعلمهم يختلفون أنَّه مكروه وأنَّ إعادة الصلاة منه أولى فهذا هذا. لم يبق إلاَّ أن يقال: الفرث والسلى ليس بنجس وإنَّما هو طاهر؛ لأنَّه فرث ما يؤكل لحمه وهذا هو الواجب إن شاء الله تعالى لكثرة القائلين به وظهور الدلائل عليه. وبطلان الوجهين الأولين يوجب تعين هذا. فإن قيل ففيه السلى وقد يكون فيه دم. قلنا: يجوز أن يكون دماً يسيراً بل الظاهر أنَّه يسير والدم اليسير معفو عن حمله في الصلاة. فإن قيل فالسلى لحم من ذبيحة المشركين وذلك نجس وذلك باتفاق. قلنا: لا نسلم أنَّه قد كان حرم حينئذ ذبائح المشركين بل المظنون أو المقطوع به أنَّها لم تكن حرمت حينئذ فإنَّ الصحابة الذين أسلموا لم ينقل أنَّهم كانوا ينجسون ذبائح قومهم. وكذلك النبي ﷺ لم ينقل عنه أنَّه كان يجتنب إلاَّ ما ذبح للأصنام. أمَّا ما ذبحه قومه في دورهم لم يكن يتجنبه ولو كان تحريم ذبائح المشركين قد وقع في صدر الإسلام لكان في ذلك من المشقة على النفر القليل الذين أسلموا ما لا قبل لهم به فإنَّ عامة أهل البلد مشركون وهم لا يمكنهم أن

стр. 298

يأكلوا ويشربوا إلاَّ من طعامهم وخبزهم. وفي أوانيهم لقلتهم وضعفهم وفقرهم. ثم الأصل عدم التحريم حينئذ فمن ادعاه احتاج إلى دليل. الدليل السابع وهو العاشر: ما صح عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن الاستجمار بالعظم والبعر وقال: "إنَّه زاد إخوانكم من الجن" وفي لفظ قال: "فسألوني الطعام لهم ولدوابهم فقلت: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يعود أوفر ما يكون لحماً وكل بعرة علف لدوابكم" قال النبي ﷺ " فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن ". فوجه الدلالة أنَّ النبي ﷺ نهى أن يستنجى بالعظم والبعر الذي هو زاد إخواننا من الجن وعلف دوابهم ومعلوم أنّه إنَّما نهى عن ذلك لئلا ننجسه عليهم ولهذا استنبط الفقهاء من هذا أنَّه لا يجوز الاستنجاء بزاد الإنس. ثم إنَّه قد استفاض النهي في ذلك والتغليظ حتى قال: "من تقلد وترا أو استنجى بعظم أو رجيع فإن محمداً منه بريء" ومعلوم أنَّه لو كان البعر في نفسه نجساً لم يكن الاستنجاء به ينجسه ولم يكن فرق بين البعر المستنجى به والبعر الذي لا يستنجى به وهذا جمع بين ما فرقت السنة بينه. ثم إنَّ البعر لو كان نجساً لم يصلح أن يكون علفاً لقوم مؤمنين فإنَّها تصير بذلك جلالة ولو جاز أن تصير جلالة لجاز أن تعلف رجيع الإنس ورجيع الدواب فلا فرق حينئذ. ولأنَّه لما جعل الزاد لهم ما فضل عن الإنس ولدوابهم ما فضل عن دواب الإنس من البعر شرط في طعامهم كل عظم ذكر اسم الله عليه فلا بد أن يشرط في علف دوابهم نحو ذلك وهو الطهارة. وهذا يبين لك أنَّ قوله في حديث ابن مسعود لما أتاه بحجرين وروثة فقال: "إنَّها ركس" إنَّما كان لكونها روثة آدمي ونحوه على أنَّها قضية عين

стр. 299

فيحتمل أن تكون روثة ما يؤكل لحمه وروثة ما لا يؤكل لحمه فلا يعم الصنفين ولا يجوز القطع بأنَّها مما يؤكل لحمه مع أنَّ لفظ الركس لا يدل على النجاسة لأنَّ الركس هو المركوس أي المردود وهو معنى الرجيع ومعلوم أنَّ الاستنجاء بالرجيع لا يجوز بحال إمَّا لنجاسته وإمَّا لكونه علف دواب إخواننا من الجن. الوجه الثامن وهو الحادي عشر: أنَّ هذه الأعيان لو كانت نجسة لبينه النبي ﷺ ولم يبينه فليست نجسة وذلك لأنَّ هذه الأعيان تكثر ملابسة الناس لها ومباشرتهم لكثير منها خصوصاً الأمة التي بعث فيها رسول الله ﷺ فإنَّ الإبل والغنم غالب أموالهم ولا يزالون يباشرونها ويباشرون أماكنها في مقامهم وسفرهم مع كثرة الاحتفاء فيهم حتى أنَّ عمر ﵁ كان يأمر بذلك: تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة وانتعلوا. ومحالب الألبان كثيراً ما يقع فيها من أبوالها وليس ابتلاؤهم بها بأقل من ولوغ الكلب في أوانيهم فلو كانت نجسة يجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها وعدم مخالطته ويمنع من الصلاة مع ذلك ويجب تطهير الأرض مما فيه ذلك إذا صلى فيها والصلاة فيها تكثر في أسفارهم وفي مراح أغنامهم ويحرم شرب اللبن الذي يقع فيه بعرها وتغسل اليد إذا أصابها البول أو رطوبة البعر إلى غير ذلك من أحكام النجاسة لوجب أن يبين النبي ﷺ بياناً تحصل به معرفة الحكم ولو بين ذلك لنقل جميعه أو بعضه فإنَّ الشريعة وعادة القوم توجب مثل ذلك فلما لم ينقل ذلك علم أنَّه لم يبين لهم نجاستها.

стр. 300

وعدم ذكر نجاستها دليل على طهارتها من جهة تقريره لهم على مباشرتها وعدم النهي عنه والتقرير دليل الإباحة. ومن وجه أنَّ مثل هذا يجب بيانه بالخطاب ولا تحال الأمة فيه على الرأي لأنَّه من الأصول لا من الفروع. ومن جهة أنَّ ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه لا سيما إذا وصل بهذا الوجه. الوجه التاسع وهو الثاني عشر: وهو أنَّ الصحابة والتابعين وعامة السلف قد ابتلي الناس في أزمانهم بأضعاف ما ابتلوا في زمن النبي ﷺ ولا يشك عاقل في كثرة وقوع الحوادث المتعلقة بهذه المسألة. ثم المنقول عنهم أحد شيئين: إمَّا القول بالطهارة أو عدم الحكم بالنجاسة مثل ما ذكرناه عن أبي موسى وأنس وعبد الله بن مغفل أنَّه كان يصلي وعلى رجليه أثر السرقين. وهذا قد عاين أكابر الصحابة بالعراق، وعن عبيد بن عمير قال: إنَّ لي غنماً تبعر في مسجدي وهذا قد عاين أكابر الصحابة بالحجاز، وعن إبراهيم النخعي فيمن يصلي وقد أصابه السرقين قال: لا بأس. وعن أبي جعفر الباقر، ونافع مولى ابن عمر أنَّه أصابت عمامته بول بعير فقالا جميعاً: لا بأس. وسألهما جعفر الصادق وهو أشبه بالدليل على أنَّ ما روي عن ابن عمر في ذلك من الغسل إمَّا ضعيف أو على سبيل الاستحباب والتنظيف فإنَّ نافعاً لا يكاد يخفى عليه طريقة ابن عمر في ذلك ولا يكاد يخالفه والمأثور عن السلف في ذلك كثير.

стр. 301

وقد نقل عن بعضهم ألفاظ إن ثبتت فليست صريحة بنجاسة محل النزاع مثل ما روي عن الحسن أنَّه قال: البول كله يغسل، وقد روي عنه أنَّه قال: لا بأس بأبوال الغنم فعلم أنَّه أراد بول الإنسان الذكر والأنثى والكبير والصغير، وكذلك ما روي عن أبي الشعثاء أنَّه قال: الأبوال كلها أنجاس فلعله أراد ذلك إن ثبت عنه وقد ذكرنا عن ابن المنذر وغيره أنَّه لم يعرف عن أحد من السلف القول بنجاستها ومن المعلوم الذي لا شك فيه أنَّ هذا إجماع على عدم النجاسة بل مقتضاه أنَّ التنجيس من الأقوال المحدثة فيكون مردوداً بالأدلة الدالة على إبطال الحوادث لا سيما مقالة محدثة مخالفة لما عليه الصدر الأول ومن المعلوم أنَّ الأعيان الموجودة في زمانهم ومكانهم إذا أمسكوا عن تحريمها وتنجيسها مع الحاجة إلى بيان ذلك كان تحريمها وتنجيسها ممن بعدهم بمنزلة أن يمسكوا عن بيان أفعال يحتاج إلى بيان وجوبها لو كان ثابتاً فيجيء من بعدهم فيوجبها. ومتى قام المقتضي للتحريم أو الوجوب ولم يذكروا وجوباً ولا تحريماً كان إجماعاً منهم على عدم اعتقاد الوجوب والتحريم وهو المطلوب. وهذه الطريقة معتمدة في كثير من الأحكام وهي أصل عظيم ينبغي للفقيه أن يتأملها ولا يغفل عن غورها؛ لكن لا يسلم إلاَّ بعدم ظهور الخلاف في الصدر الأول فإن كان فيه خلاف محقق بطلت هذه الطريقة والحق أحق أن يتبع. الوجه العاشر وهو الثالث عشر في الحقيقة: أنَّا نعلم يقينا أنَّ الحبوب من الشعير والبيضاء والذرة ونحوها كانت تزرع في مزارع المدينة على عهد النبي

стр. 302

ﷺ وأهل بيته ونعلم أنَّ الدواب إذا داست فلا بد أن تروث وتبول ولو كان ذلك ينجس الحبوب لحرمت مطلقاً أو لوجب تنجيسها. وقد أسلمت الحجاز واليمن ونجد وسائر جزائر العرب على عهد رسول الله ﷺ . وبعث إليهم سعاته وعماله يأخذون عشور حبوبهم من الحنطة وغيرها وكانت سمراء الشام تجلب إلى المدينة فيأكل منها رسول الله ﷺ والمؤمنون على عهده وعامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع وكان يعطي المرأة من نسائه ثمانين وسق شعير من غلة خيبر وكل هذه تداس بالدواب التي تروث وتبول عليها فلو كانت تنجس بذلك لكان الواجب على أقل الأحوال تطهير الحب وغسله ومعلوم أنه ﷺ لم يفعل ذلك ولا فعل على عهده فعلم أنَّه ﷺ لم يحكم بنجاستها. ولا يقال: هو لم يتيقن أنَّ ذلك الحب الذي أكله مما أصابه البول والأصل الطهارة؛ لأنَّا نقول: فصاحب الحب قد تيقن نجاسة بعض حبه واشتبه عليه الطاهر بالنجس فلا يحل له استعمال الجميع؛ بل الواجب تطهير الجميع؛ كما إذا علم نجاسة بعض البدن أو الثوب أو الأرض وخفي عليه مكان النجاسة غسل ما يتيقن به غسلها وهو لم يأمر بذلك. ثم اشتباه الطاهر بالنجس نوع من اشتباه الطعام الحلال بالحرام فكيف يباح أحدهما من غير تحر؟ فإن القائل: إمَّا أن يقول يحرم الجميع وإما أن يقول بالتحري فأمَّا الأكل من أحدهما بلا تحر فلا أعرف أحداً جوزه وإنَّما يستمسك بالأصل مع تيقن النجاسة ولا محيص عن هذا الدليل إلاَّ إلى أحد أمرين:

стр. 303

إما أن يقال: بطهارة هذه الأبوال، والأرواث، أو أن يقال: عفي عنها في هذا الموضع للحاجة. كما يعفى عن ريق الكلب في بدن الصيد على أحد الوجهين وكما يطهر محل الاستنجاء بالحجر في أحد الوجهين إلى غير ذلك من مواضع الحاجات. فيقال: الأصل فيما استحل جريانه على وفاق الأصل فمن ادعى أنَّ استحلال هذا مخالف للدليل؛ لأجل الحاجة فقد ادعى ما يخالف الأصل فلا يقبل منه إلاَّ بحجة قوية وليس معه من الحجة ما يوجب أن يجعل هذا مخالفاً للأصل. ولا شك أنَّه لو قام دليل يوجب الحظر لأمكن أن يستثنى هذا الموضع فأمَّا ما ذكر من العموم الضعيف والقياس الضعيف فدلالة هذا الموضع على الطهارة المطلقة أقوى من دلالة تلك على النجاسة المطلقة على ما تبين عند التأمل. على أن ثبوت طهارتها والعفو عنها في هذا الموضع أحد موارد الخلاف فيبقى إلحاق الباقي به بعدم القائل بالفرق. ومن جنس هذا: الوجه الحادي عشر وهو الرابع عشر: وهو إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم في كل عصر ومصر على دياس الحبوب من الحنطة وغيرها بالبقر ونحوها مع القطع ببولها وروثها على الحنطة ولم ينكر ذلك منكر ولم يغسل الحنطة لأجل هذا أحد ولا احترز عن شيء مما في البيادر لوصول البول إليه. والعلم بهذا كله علم اضطراري ما أعلم عليه سؤالاً ولا أعلم لمن يخالف هذا شبهة.

стр. 304

وهذا العمل إلى زماننا متصل في جميع البلاد لكن لم نحتج بإجماع الأعصار التي ظهر فيها هذا الخلاف؛ لئلا يقول المخالف أنا أخالف في هذا وإنما احتججنا بالإجماع قبل ظهور الخلاف. وهذا الإجماع من جنس الإجماع على كونهم كانوا يأكلون الحنطة ويلبسون الثياب ويسكنون البناء فإنا نتيقن أن الأرض كانت تزرع ونتيقن أنهم كانوا يأكلون ذلك الحب ويقرون على أكله ونتيقن أن الحب لا يداس إلا بالدواب ونتيقن أن لا بد أن تبول على البيدر الذي يبقى أياما ويطول دياسها له وهذه كلها مقدمات يقينية. الوجه الثاني عشر وهو الخامس عشر: أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦] فأمر بتطهير بيته الذي هو المسجد الحرام وصح عنه ﷺ أنَّه أمر بتنظيف المساجد وقال: "جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً"، وقال: "الطواف بالبيت صلاة" ومعلوم قطعاً أنَّ الحمام لم يزل ملازماً للمسجد الحرام لأمنه وعبادة بيت الله وأنَّه لا يزال ذرقه ينزل في المسجد وفي المطاف والمصلى. فلو كان نجساً لتنجس المسجد بذلك ولوجب تطهير المسجد منه: إمَّا بإبعاد الحمام، أو بتطهير المسجد، أو بتسقيف المسجد ولم تصح الصلاة في أفضل المساجد وأمها وسيدها لنجاسة أرضه وهذا كله مما يعلم فساده يقيناً. ولا بد من أحد قولين: إما طهارته مطلقاً، أو العفو عنه. كما في الدليل قبله وقد بينا رجحان القول بالطهارة المطلقة.

стр. 305

الدليل الثالث عشر وهو في الحقيقة السادس عشر. مسلك التشبيه والتوجيه فنقول والله الهادي: اعلم أنَّ الفرق بين الحيوان المأكول وغير المأكول إنَّما فرق بينهما لافتراق حقيقتهما وقد سمى الله هذا طيباً وهذا خبيثاً. وأسباب التحريم: إمَّا القوة السبعية التي تكون في نفس البهيمة فأكلها يورث نبات أبداننا منها فتصير أخلاق الناس أخلاق السباع أو لما الله أعلم به وإمَّا خبث مطعمها كما يأكل الجيف من الطير أو لأنَّها في نفسها مستخبثة كالحشرات فقد رأينا طيب المطعم يؤثر في الحل وخبثه يؤثر في الحرمة كما جاءت به السنة في لحوم الجلالة ولبنها وبيضها فإنه حرم الطيب لاغتذائه بالخبيث وكذلك النبات المسقى بالماء النجس والمسمد بالسرقين عند من يقول به وقد رأينا عدم الطعام يؤثر في طهارة البول أو خفة نجاسته مثل الصبي الذي لم يأكل الطعام. فهذا كله يبين أشياء: منها أنَّ الأبوال قد يخفف شأنها بحسب المطعم كالصبي وقد ثبت أنَّ المباحات لا تكون مطاعمها إلاَّ طيبة فغير مستنكر أن تكون أبوالها طاهرة لذلك. ومنها أنَّ المطعم إذا خبث وفسد حرم ما نبت منه من لحم ولبن وبيض؛ كالجلالة والزرع المسمد وكالطير الذي يأكل الجيف فإذا كان فساده يؤثر في تنجيس ما توجبه الطهارة والحل فغير مستنكر أن يكون طيبه وحله يؤثر في تطهير ما يكون في محل آخر نجساً محرماً فإن الأرواث والأبوال مستحيلة مخلوقة في باطن البهيمة كغيرها من اللبن وغيره. يبين هذا ما يوجد في هذه الأرواث من مخالفتها غيرها من الأرواث في الخلق والريح واللون وغير ذلك من الصفات فيكون فرق ما بينها فرق ما بين اللبنين والمنبتين وبهذا يظهر خلافها للإنسان.

стр. 306

يؤكد ذلك ما قد بيناه من أن المسلمين من الزمن المتقدم وإلى اليوم في كل عصر ومصر ما زالوا يدوسون الزروع المأكولة بالبقر ويصيب الحب من أرواث البقر وأبوالها وما سمعنا أحداً من المسلمين غسل حباً ولو كان ذلك منجساً أو مستقذراً لأوشك أن ينهوا عنها وأن تنفر عنه نفوسهم نفورها عن بول الإنسان. ولو قيل هذا إجماع عملي لكان حقاً وكذلك ما زال يسقط في المحالب من أبعار الأنعام ولا يكاد أحد يحترز من ذلك. ولذلك عفا عن ذلك بعض من يقول بالتنجيس على أن ضبط قانون كلي في الطاهر والنجس مطرد منعكس لم يتيسر وليس ذلك بالواجب علينا بعد علمنا بالأنواع الطاهرة والأنواع النجسة. فهذه إشارة لطيفة إلى مسالك الرأي في هذه المسألة وتمامه ما حضرني كتابه في هذا المجلس والله يقول الحق وهو يهدي السبيل». ٥ - احتج بهذا الحديث القائلون باستحباب غرز الجريد الرطب على القبور، وقالوا: إنَّ النبات يسبح ما دام رطباً فإذا حصل التسبيح بحضرة الميت حصلت له بركته، فلهذا اختص بحالة الرطوبة. وقالوا: إنَّما خص الجريدتين للغرز على القبر من دون سائر النبات والثمار، والله أعلم، لأنَّها أطول الثمار بقاء، فتطول مدة التخفيف عنهما. وقد صح عن بريدة أنَّه أوصى بذلك كما ذكر ذلك البخاري معلقاً، ووصله ابن سعد في الطبقات. قلت: لا حجة في هذا الحديث على هذه المسألة بل الحديث محمول على أنَّه ﷺ سأل الشفاعة لهما فأجيبت شفاعته ﷺ بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا. ويؤيد هذا المعنى ما رواه مسلم (٣٠١٢) في

стр. 307

حديث جابر الطويل وفيه أنَّ النبي ﷺ قال: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ». ولأنَّه لو كان التخفيف من أجل تسبيح الجريدتين فلا فرق بين الرطب واليابس فإنَّ التسبيح حاصل منهما لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ [النور: ٤١]. وقال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]. وقال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١]. ٦ - واحتج به القائلون باستحباب القراءة والذكر عند القبور، فقالوا: في معنى الجريدة الذكر والقراءة عنده لأنَّه إذا رجا التخفيف بتسبيحها فالقراءة أولى. قلت: وهذا القول خطأ مبني على الخطأ السابق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٤/ ٣٠١ - ٣٠٢):

стр. 308

«والأئمة قد تنازعوا في القراءة عند القبر، فكرهها أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في أكثر الروايات ورخص فيها في الرواية الأخرى عنه: هو وطائفة من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك وتلاوته فبدعة منكرة لم يفعلها أحد من السلف. بل هي تدخل في معنى "اتخاذ المساجد على القبور" وقد استفاضت السنن عن النبي ﷺ في النهي عن ذلك حتى قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"- يحذر ما صنعوا-. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره؛ ولكن كره أن يتخذ مسجداً، وقال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ". ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. ومعلوم أنَّ المساجد بنيت للصلاة والذكر وقراءة القرآن فإذا اتخذ القبر لبعض ذلك كان داخلاً في النهي، فإذا كان هذا مع كونهم يقرءون فيها فكيف إذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها؟ ولا ينتفع بها لا حي ولا ميت، فإن هذا لا نزاع في النهي عنه. ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك لفعله السلف فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه وأسرع إلى فعل ذلك وتحريه» اهـ. وقال ﵀ (٣١/ ٤١ - ٤٢): «ولا قال أحد قط من علماء الأمة المتبوعين: إنَّ الصلاة أو القراءة عند القبر أفضل منها عند غيره؛ بل القراءة عند القبر قد اختلفوا في كراهتها فكرهها أبو حنيفة. ومالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين، وطوائف من السلف، ورخص فيها طائفة أخرى من أصحاب

стр. 309

أبي حنيفة، والإمام أحمد وغيرهم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وليس عن الشافعي في ذلك كله نص نعرفه. ولم يقل أحد من العلماء: إنَّ القراءة عند القبر أفضل. ومن قال: إنَّه عند القبر ينتفع الميت بسماعها دون ما إذا بعد القارئ: فقوله هذا بدعة باطلة مخالفة لإجماع العلماء. والميت بعد موته لا ينتفع بأعمال يعملها هو بعد الموت: لا من استماع ولا قراءة ولا غير ذلك باتفاق المسلمين. وإنَّما ينتفع بآثار ما عمله في حياته كما قال النبي ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"» اهـ. * * *

стр. 310

باب السواك قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ». قوله: «لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» أي: باستعمال السواك. والسواك هو الآلة التي يستاك بها. قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٣٥): «قال أهل اللغة: السواك بكسر السين، وهو يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به، وهو مذكر، قال الليث: وتؤنثه العرب أيضاً قال الأزهري: هذا من غُدَدِ الليث أي من أغاليطه القبيحة، وذكر صاحب "المحكم" أنَّه يؤنث ويذكر، والسواك فعلك بالسواك، ويقال: ساك فمه يسوكه سوكاً فإن قلت: استاك: لم يذكر الفم، وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب وكتب، وذكر صاحب المحكم أنَّه يجوز أيضاً "سؤك" بالهمز، ثم قيل: إنَّ السواك مأخوذ من ساك إذا دلك، وقيل: من جاءت الإبل تساوك أي تتمايل هزالاً. وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان لتذهب الصفرة وغيرها عنها. والله أعلم» اهـ. قلت: وهو مشروع بكل ما يحصل به المقصود ولا ضرر فيه، واستثنى بعض العلماء ما يصبغ الفم منه.

стр. 311

قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٧/ ٢٠١ - ٢٠٢): «وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ السِّوَاكَ الَّذِي يُغَيِّرُ الْفَمَ وَيَصْبُغُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّبَهِ بِزِينَةِ النِّسَاءِ وَالسِّوَاكُ الْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَفِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ الْأَرَاكُ وَالْبَشَامُ، وَكُلُّ مَا يَجْلُو الْأَسْنَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبْغٌ وَلَوْنٌ فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ مَا خَلَا الرَّيْحَانَ وَالْقَصَبَ فَإِنَّهُمَا يُكْرَهَانِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْأَصْبُعَ تُغْنِي مِنَ السِّوَاكِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِأُصْبُعِهِ وَيَسْتَجْزِي بِذَلِكَ مِنَ السِّوَاكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: وقد انتشرت في هذه الأزمان ما يسمى بـ"المليم" وهي نوع من الحلوى الموضوعة على عود تلحس لحساً باللسان وفي بعضها شيء من الأصباغ التي تغير من لون الفم وهي بمعنى ما ذكره الحافظ ابن عبد البر ها هنا باعتبار صبغ الفم لكنَّها لا تدخل في معنى الاستياك. والله أعلم. وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٤٣): «وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَاكَ بِعُودٍ مُتَوَسِّطٍ لَا شَدِيدِ الْيُبْسِ يَجْرَحُ وَلَا رَطْبٍ لَا يُزِيلُ» اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٤/ ٢٩٦): «وَأَصْلَحُ مَا اتُّخِذَ السِّوَاكُ مِنْ خَشَبِ الْأَرَاكِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ شَجَرَةٍ مَجْهُولَةٍ، فَرُبَّمَا كَانَتْ سُمًّا، وَيَنْبَغِي الْقَصْدُ فِي اسْتِعْمَالِهِ، فَإِنْ بَالَغَ فِيهِ، فَرُبَّمَا أَذْهَبَ طَلَاوَةَ الْأَسْنَانِ وَصِقَالَتَهَا، وَهَيَّأَهَا لِقَبُولِ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ مِنَ الْمَعِدَةِ

стр. 312

وَالْأَوْسَاخِ، وَمَتَى اسْتُعْمِلَ بِاعْتِدَالٍ، جَلَا الْأَسْنَانَ، وَقَوَّى الْعَمُودَ، وَأَطْلَقَ اللِّسَانَ، وَمَنَعَ الْحَفَرَ، وَطَيَّبَ النَّكْهَةَ، وَنَقَّى الدِّمَاغَ وَشَهَّى الطَّعَامَ. وَأَجْوَدُ مَا اسْتُعْمِلَ مَبْلُولًا بِمَاءِ الْوَرْدِ، وَمِنْ أَنْفَعِهِ أُصُولُ الْجَوْزِ، قَالَ صَاحِبُ "التَّيْسِيرِ": زَعَمُوا أَنَّهُ إِذَا اسْتَاكَ بِهِ الْمُسْتَاكُ كُلَّ خَامِسٍ مِنَ الْأَيَّامِ، نَقَّى الرَّأْسَ، وَصَفَّى الْحَوَاسَّ، وَأَحَدَّ الذِّهْنَ. وَفِي السِّوَاكِ عِدَّةُ مَنَافِعَ: يُطَيِّبُ الْفَمَ، وَيَشُدُّ اللِّثَةَ، وَيَقْطَعُ الْبَلْغَمَ، وَيَجْلُو الْبَصَرَ، وَيَذْهَبُ بِالْحَفَرِ، وَيُصِحُّ الْمَعِدَةَ، وَيُصَفِّي الصَّوْتَ، وَيُعِينُ عَلَى هَضْمِ الطَّعَامِ، وَيُسَهِّلُ مَجَارِيَ الْكَلَامِ، وَيُنَشِّطُ لِلْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ، وَيَطْرُدُ النَّوْمَ، وَيُرْضِي الرَّبَّ، وَيُعْجِبُ الْمَلَائِكَةَ، وَيُكْثِرُ الْحَسَنَاتِ. وَيُسْتَحَبُّ كُلَّ وَقْتٍ، وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ، وَالِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ، وَتَغْيِيرِ رَائِحَةِ الْفَمِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُفْطِرِ وَالصَّائِمِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ، وَلِحَاجَةِ الصَّائِمِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَرْضَاتُهُ مَطْلُوبَةٌ فِي الصَّوْمِ» اهـ. وفي الحديث مسائل منها: ١ - الحديث يدل على استحباب السواك وعدم وجوبه، وذلك أنَّ "لولا" مركبة من " لو " الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره و"لا" النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة لأنَّ انتفاء النفي ثبوت فيكون الأمر منفياً لثبوت المشقة. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٣٢): «وإلى القول بعدم وجوبه صار أكثر أهل العلم، بل ادعى بعضهم فيه الإجماع، لكن حكى الشيخ أبو حامد وتبعه الماوردي عن إسحاق بن راهويه قال: هو

стр. 313

واجب لكل صلاة، فمن تركه عامداً بطلت صلاته. وعن داود أنَّه قال: وهو واجب لكن ليس شرطاً. واحتج من قال بوجوبه بورود الأمر به، فعند ابن ماجه من حديث أبي أمامة مرفوعا "تسوكوا" ولأحمد نحوه من حديث العباس، وفي الموطأ في أثناء حديث "عليكم بالسواك" ولا يثبت شيء منها» اهـ. وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٣٥): «ثم إنَّ السواك سنة، ليس بواجب في حال من الأحوال لا في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتد به في الإجماع، وقد حكى الشيخ أبو حامد الإسفرايني إمام أصحابنا العراقيين عن داود الظاهري أنَّه أوجبه للصلاة، وحكاه الماوردي عن داود وقال: هو عنده واجب لو تركه لم تبطل صلاته، وحكي عن إسحاق بن راهويه أنَّه قال: هو واجب فإن تركه عمداً بطلت صلاته، وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنَّه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون، وأمَّا إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه. والله أعلم» اهـ. ٢ - وفيه دليل على أنَّ الأمر للوجوب، وذلك لأنَّه جعل في الأمر مشقة عليهم وذلك إنَّما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه لأنَّه جائز الترك. ٣ - قوله: «عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ» يدل على استحبابه للفرائض والنوافل. ٤ - قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٤٣٣):

стр. 314

«وفيه جواز الاجتهاد منه فيما لم ينزل عليه فيه نص، لكونه جعل المشقة سبباً لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقفاً على النص لكان سبب انتفاء الوجوب عدم ورود النص لا وجود المشقة. قال ابن دقيق العيد: وفيه بحث، وهو كما قال، ووجهه أنَّه يجوز أن يكون إخباراً منه ﷺ بأنَّ سبب عدم ورود النص وجود المشقة، فيكون معنى قوله: "لأمرتهم" أي عن الله بأنَّه واجب» اهـ. ٥ - الحديث يدل على استحباب السواك للصائم بعد الزوال، لعموم قوله: "عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ " خلافاً للإمام الشافعي ﵀. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٨): «وَيُسْتَحَبُّ كُلَّ وَقْتٍ، وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ، وَالِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ، وَتَغْيِيرِ رَائِحَةِ الْفَمِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُفْطِرِ وَالصَّائِمِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ، وَلِحَاجَةِ الصَّائِمِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَرْضَاتُهُ مَطْلُوبَةٌ فِي الصَّوْمِ أَشَدُّ مِنْ طَلَبِهَا فِي الْفِطْرِ، وَلِأَنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، وَالطُّهُورُ لِلصَّائِمِ مَنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِهِ. وَفِي " السُّنَنِ ": عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَا أُحْصِي يَسْتَاكُ، وَهُوَ صَائِمٌ» وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «يَسْتَاكُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ». وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ يَتَمَضْمَضُ وُجُوبًا وَاسْتِحْبَابًا، وَالْمَضْمَضَةُ أَبْلَغُ مِنَ السِّوَاكِ، وَلَيْسَ لِلَّهِ غَرَضٌ فِي التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَلَا هِيَ مِنْ جِنْسِ مَا شُرِعَ التَّعَبُّدُ بِهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ طِيبُ الْخُلُوفِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَثًّا مِنْهُ عَلَى الصَّوْمِ، لَا حَثًّا عَلَى إِبْقَاءِ الرَّائِحَةِ، بَلِ الصَّائِمُ أَحْوَجُ إِلَى السِّوَاكِ مِنَ الْمُفْطِرِ.

стр. 315

وَأَيْضًا فَإِنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ أَكْبَرُ مَنِ اسْتِطَابَتِهِ لِخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَحَبَّتَهُ لِلسِّوَاكِ أَعْظَمُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِبَقَاءِ خُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ السِّوَاكَ لَا يَمْنَعُ طِيبَ الْخُلُوفِ الَّذِي يُزِيلُهُ السِّوَاكُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلْ يَأْتِي الصَّائِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَخُلُوفُ فَمِهِ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ عَلَامَةً عَلَى صِيَامِهِ، وَلَوْ أَزَالَهُ بِالسِّوَاكِ، كَمَا أَنَّ الْجَرِيحَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَوْنُ دَمِ جُرْحِهِ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِزَالَتِهِ فِي الدُّنْيَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْخُلُوفَ لَا يَزُولُ بِالسِّوَاكِ، فَإِنَّ سَبَبَهُ قَائِمٌ، وَهُوَ خُلُوُّ الْمَعِدَةِ عَنِ الطَّعَامِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ أَثَرُهُ، وَهُوَ الْمُنْعَقِدُ عَلَى الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ أُمَّتَهُ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ فِي الصِّيَامِ، وَمَا يُكْرَهُ لَهُمْ وَلَمْ يَجْعَلِ السِّوَاكَ مِنَ الْقِسْمِ الْمَكْرُوهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ، وَقَدْ حَضَّهُمْ عَلَيْهِ بِأَبْلَغِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَالشُّمُولِ، وَهُمْ يُشَاهِدُونَهُ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مِرَارًا كَثِيرَةً تَفُوتُ الْإِحْصَاءَ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقْتَدُونَ بِهِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ: لَا تَسْتَاكُوا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. ٦ - قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٦/ ١٦٨): «وقد أنكر طائفة من العلماء السواك عند إرادة الصلاة المفروضة في المسجد، وقالوا: ليس فيه نص عن النبي ﷺ ، وإنَّما كان النبي ﷺ إذا قام من الليل للتهجد في بيته. وحكي عن مالك، أنَّه يكره السواك في المساجد، والذي رأيناه في "تهذيب المدونة": أنَّه يكره أن يأخذ المعتكف من شعره أو أظفاره في المسجد، وإن جمعه وألقاه؛ لحرمة المساجد» اهـ.

стр. 316

قلت: وعموم هذا الحديث يرد هذا القول والله أعلم. ٧ - وعموم الحديث يدل على جواز السواك الرطب للصائم. قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (٧/ ٧١): «واختلفوا في السواك بالعود الرطب للصائم، فرخصت فيه طائفة، روى ذلك عن ابن عمر، وإبراهيم، وابن سيرين، وعروة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي ثور، وكرهت طائفة السواك الرطب، روى ذلك عن الشعبي، وقتادة، والحكم، وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق، والحجة لمن أجاز الرطب أمره ﵇، بالسواك عند كل وضوء، كما لم يخص الصائم من غيره بالإباحة، كذلك لم يخص السواك الرطب من غيره بالإباحة، فدخل في عموم الإباحة كل جنس من السواك رطباً أو يابساً، ولو افترق حكم الرطب واليابس في ذلك لبينه ﵇، لأنَّ الله فرض عليه البيان لأمته، وحديث عثمان في الوضوء حجة واضحة في ذلك وهو انتزاع ابن سيرين حين قال: لا بأس بالسواك الرطب، قيل: له طعم. قال: والماء له طعم، وأنت تتمضمض به، وهذا لا انفكاك منه، لأنَّ الماء أرق من ريق المتسوك وقد أباح الله المضمضة بالماء في الوضوء للصائم، وإنَّما كرهه من كرهه خشية من ألاَّ يعرف أن يحترس من ازدراد ريقه، قال ابن حبيب: من استاك بالأخضر ومج من فيه ما اجتمع في فيه، فلا شيء عليه، ولا بأس به للعالم الذي يعرف كيف يتقي ذلك، ومن وصل من ريقه إلى حلقه شيء فعليه القضاء» اهـ. ٨ - وفيه شفقة النبي ﷺ على أمته. * * *

стр. 317

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٨ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ». قوله: «يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [مقدمة الفتح] ص (١٩٠): «أي يدلكه أو يحكه، وقيل الشوص الغسل، وقيل الشوص الاستياك بالعرض وهو قول الأكثر، وقال وكيع بل بالطول من سفل إلى علو». وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (١/ ١٣٧ - ١٣٨): «وأما قوله: " يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ " فهو بفتح الياء وضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة، والشوص دلك الأسنان بالسواك عرضاً، قاله ابن الأعرابي، وإبراهيم الحربي، وأبو سليمان الخطابي وآخرون، وقيل: هو الغسل، قال الهروي وغيره، وقيل: التنقية، قاله أبو عبيد والداودي، وقيل: هو الحك قاله أبو عمر بن عبد البر تأوله بعضهم أنَّه بأصبعه. فهذه أقوال الأئمة فيه، وأكثرها متقاربة، وأظهرها الأول وما في معناه. والله أعلم» اهـ. وقال ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (١/ ١٥٠): «والصحيح الأول» اهـ. وفي الحديث مسائل منها:

стр. 318

١ - استحباب السواك عند القيام من النوم؛ لأنَّ النوم مقتض لتغير الفم. لكن جاءت في رواية عند البخاري (١١٣٦)، مسلم (٢٥٥): «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ». قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ٩٩): «وقوله: " إذا قام من الليل " ظاهره: يقتضي تعليق الحكم بمجرد القيام ويحتمل أن يراد: إذا قام من الليل للصلاة فيعود إلى معنى الحديث الأول» اهـ. ٢ - الحديث يدل على استحباب التسوك عرضاً، وهذا على تفسير أكثر العلماء لمعنى «الشوص». قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع شرح المهذب] (١/ ١٥٤ - ١٥٥): «وهذا الحكم الذي ذكره وهو استحباب الاستياك عرضاً يستدل له أنَّه يخشى في الاستياك طولاً إدماء اللثة وإفساد عمود الاسنان، وأمَّا الحديث الذي اعتمده المصنف فلا اعتماد عليه ولا يحتج به، وهذا الذي ذكرناه من استحباب الاستياك، عرضاً هو المذهب الصحيح الذي قطع به الأصحاب في الطريقتين إلاَّ إمام الحرمين والغزالي فإنَّهما قالا: يستاك عرضاً وطولاً فإن اقتصر فعرضاً، وهذا الذي قالاه شاذ مردود مخالف للنقل والدليل: وقد صرح جماعة من الاصحاب بالنهي عن الاستياك طولاً منهم الماوردي والقاضي حسين وصاحب العدة وغيرهم. وصرح صاحب الحاوي بكراهة الاستياك طولاً فلو خالف واستاك طولاً حصل السواك وإن خالف المختار. وصرح به أصحابنا» اهـ.

стр. 319

٣ - الحديث على اللفظ الآخر يدل على استحباب السواك لصلاة النافلة. ٤ - واحتج به من أجاز التسوك بالأصبع الخشنة. قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [التمهيد] (٧/ ٢٠٢): «وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْأَصْبُعَ تُغْنِي مِنَ السِّوَاكِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِأُصْبُعِهِ وَيَسْتَجْزِي بِذَلِكَ مِنَ السِّوَاكِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قلت: وهذا الاستدلال لا معنى له ولا وجه له من الحديث. * * *

стр. 320

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَصَرَهُ. فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَضَمْتُهُ، فَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَفَعَ يَدَهُ - أَوْ إصْبَعَهُ - ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى - ثَلاثاً - ثُمَّ قَضَى. وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي». وَفِي لَفْظٍ: «فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَعَرَفْتُ: أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ. قولها: «يَسْتَنُّ بِهِ» أي: يستاك، أصله من السَن بالفتح أو السِن بالكسر، ومنه المسن الذي يسن عليه الحديد. وأطلق عليه ذلك من السن بالكسر، أو الفتح إمَّا لأنَّ السواك يمر على الأسنان، أو لأنَّه يسنها أي يحددها. قولها: «فَأَبَدَّهُ» أي: مد نظره إليه. قولها: «فَقَضَمْتُهُ» القضم بالمعجمة وهو العض بالأسنان. قال القاضي عياض ﵀ في [مشارق الأنوار] (٢/ ١٨٨):
следующие страницы →