Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
٣ - تحريم أن يدعو الإنسان بدعوى الجاهلية. ويدخل في ذلك النياحة، والْدُعَاء بالهلاك، وغير ذلك.
قال العلامة الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (٢/ ٦٣):
«ودعوى الجاهلية هنا: هي النياحة، وندبة الميت، والْدُعَاء بالويل، والنعي، وإطراء الميت بما لم يكن فيه؛ كما كانت الجاهلية تفعل» اهـ.
ومما يدخل في دعوى الجاهلية الدعوة إلى العصبية.
فقد روى البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».
ومن ذلك التفاخر بالآباء.
روى أحمد (٢١٢٣٣) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعَضَّهُ، وَلَمْ يُكَنِّهِ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي فِي أَنْفُسِكُمْ، إِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا أَنْ أَقُولَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا: «إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَعْتَزِي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعِضُّوهُ، وَلَا تَكْنُوا».
وفي رواية له (٢١٢١٨) عَنْ أُبَيٍّ،: أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى فَأَعَضَّهُ أُبَيٌّ بِهَنِ أَبِيهِ. فَقَالُوا: مَا كُنْتَ فَحَّاشًا قَالَ: «إِنَّا أُمِرْنَا بِذَلِكَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 3257
٤ - البراءة من ذلك تدل على أنَّ هذه الأفعال من كبائر الذنوب.
* * *
стр. 3258
١٦٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ. وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ». قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ».
وَلِمُسْلِمٍ: «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ».
وفي الحديث مسائل منها:
١ - استحباب شهود الجنازة من عند أهلها إلى أن تدفن.
٢ - وفيه أنَّ حصول القيراط الأول لا يتم إلَّا بالصلاة عليها.
٣ - ويدل الحديث على أنَّ من شهد الجنازة بعد الصلاة عليها إلى أن تدفن فله قيراط واحد.
٤ - وفيه عظيم الأجر في اتباع الجنائز.
٥ - وفيه ما يدل على أنَّ الله شكور يجزي العبد بأكثر مما فعل.
٦ - وفيه أنَّ القيراط يتفاوت من حيث الكبر والصغر.
قُلْتُ: وصغر القيراط يرجع لفوات بعض الشهود فإنَّ من شهدها من بيت أهلها حتى يصلى عليها كان له أعظم ممن اكتفى بمجرد الصلاة عليها، ومما يدل على أنَّ من صلى عليها لا يخرج ثوابه من القيراط وإن صغر ما رواه مسلم (٩٤٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ وَلَمْ يَتْبَعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ»، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ».
стр. 3259
٧ - وهذا الفضل مخصوص بشهود جنازة المسلمين إيماناً واحتساباً لما رواه البخاري (٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ١٩٧): «وأمَّا التقييد بالإيمان والاحتساب فلا بد منه لأنَّ ترتب الثواب على العمل يستدعى سبق النية فيه فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة المجردة أو على سبيل المحاباة والله أعلم» اهـ.
٨ - ويدل الحديث أنَّ القيراط الثاني يكتمل بالانتهاء من دفن الميت.
ويدل عليه أيضاً رواية لمسلم (٩٤٥) بلفظ: «حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا».
قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على حصول القيراط بمجرد وضع الميت في اللحد ففي لفظ لمسلم (٩٤٥) في هذا الحديث: «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ».
قُلْتُ: والجمع بين هذه الأدلة أن يقال بتفاوت القيراط فمن شهد الجنازة حتى يُنتهى من دفنها فله أكمل القيراط، ومن شهدها حتى يوضع الميت في اللحد فله دون ذلك من القيراط.
٩ - ويدل الحديث على عظيم كرامة المسلم عند الله حيث جعل هذا الثواب العظيم لمن شهد جنازته.
١٠ - قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ في [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٣/ ٢١٨):
стр. 3260
«ودليل هذا الحديث: أنَّ المصلى على الجنازة لا يحتاج إذا دُفنت إلى إذن، وهو المروى عن جماعة من الصحابة والسلف، وكافة أئمة الفتوى، والعلم، ومشهور مذهب مالك، وروى عن جماعة من الصحابة أنَّهم لا ينصرفوا عن الجنازة إلَّا بإذن، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك قال: إلَّا أن يطول ذلك» اهـ.
قُلْتُ: روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٥٣١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِنَافِعٍ، أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْجِعُ مِنَ الْجِنَازَةِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ؟ قَالَ: «مَا كَانَ يَرْجِعُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ».
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٦٥٢١) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ: «لَا يَقُومُ إِذَا شَهِدَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ إِذَا صَلَّى عَلَيْهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٥٤٠) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ مَا بَدَا لَهُ، وَيَرْجِعُ إِذَا بَدَا لَهُ».
ورواه (١١٥٤١) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلَهُ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
وهناك آثار ضعيفة في الباب أعرضت عنها.
١١ - قوله: «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ». يدل على قرب المتبع لها من الجنازة وهكذا يدل على ذلك الأدلة الواردة بلفظ اتباع الجنازة.
قَالَ في [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٢٨٦):
стр. 3261
«في هذا اللفظ ما يشعر بكون الماشي أمام الجنازة يكون بقربها إذا لم يكن قريباً منها لم يصح نسبته إليها ولا صدق في العرف كونه أمامها وبهذا صرح أصحابنا وغيرهم فقالوا الأفضل أن يكون قريباً منها بحيث لو التفت رآها ولا يتقدمها إلى المقبرة» اهـ.
١٢ - وفيه أنَّ بدن الميت المسلم يدفن. ودفن الميت من الواجبات الكفائية.
قُلْتُ: وليس الدفن مختصاً بميتة المسلم بل تعم المسلم والكافر.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١].
وروى أحمد (٧٥٩، ١٠٩٣)، وأبو داود (٣٢١٤)، والنسائي (١٩٠، ٢٠٠٦) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ: «انْطَلِقْ فَوَارِهِ، وَلا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي» قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَوَارَيْتُهُ. فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ دَعَا لِي بِدَعَوَاتٍ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِنَّ مَا عَرُضَ مِنْ شَيْءٍ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ وهو صحيح لغيره. وقد صرَّح أبو إسحاق بالسماع عند أحمد والنسائي.
ورواه أحمد (٨٠٧) ثنا إبراهيم بن أبي العباس ثنا الحسن بن يزيد الأصم قال سمعت السدي إسماعيل يذكره عن أبي عبد الرحمن السلمي عن على ﵁ قال: فذكره.
قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
стр. 3262
وروى مسلم (٢٨٧٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا» ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ. وأصل الحديث في البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤) من حديث ابن مسعود ﵁.
* * *
стр. 3263
فصل: في ذكر بعض المسائل المتعلقة بالقبور.
المسألة الأولى: يستحب إعماق وتوسيع وتحسين القبر.
لما رواه أحمد (١٦٢٩٩، ١٦٣٠٠، ١٦٣٠٣، ١٦٣٠٥)، أبو داود (٣٢١٦)، والنسائي (٢٠١٠، ٢٠١٥، ٢٠١٨) مِنْ طَرِيْقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ»، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا»، قَالَ: فَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
وفي رواية عندهم: «وَأَوْسِعُوا». وليس عند أحمد ذكر الإعماق.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وقد اختلف في إسناده:
فرواه أيوب، وأبو إسحاق الفزاري وسليمان بن المغيرة عن حميد كما سبق.
واختلف فيه على أيوب فرواه عنه ابن عيينة، وإسماعيل بن علية، ومعمر كما سبق. ورواه عنه عبد الوارث بن سعيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن أبي الدهماء عن هشام بن عامر. رواه أحمد (١٦٣٠٦)، والترمذي (١٧١٣)، والنسائي (٢٠١٧)، وابن ماجه (١٥٦٠). ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن سعد بن هشام بن عامر عن أبيه هكذا رواه النسائي (٢٠١٦).
قُلْتُ: حديث سفيان بن عيينة وإسماعيل بن علية ومعمر أصح.
ورواه أحمد (١٦٣٠٨)، والنسائي (٢٠١١) مِنْ طَرِيْقِ جرير بن حازم يحدث هذا الحديث عن حميد بن هلال وزاد فيه عن سعد بن هشام.
стр. 3264
قُلْتُ: حديث الجماعة أصح.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٣٥٣/ ١٠٤٣):
«وسألت أبي عن حديث؛ رواه حميد بن هلال في قتلى يوم أحد، فقال النبي ﷺ : "احفروا، وأعمقوا، وقدموا أكثرهم قرآناً".
قال أبي: ورواه سليمان بن المغيرة، وأيوب، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر.
وَقَالَ جرير بن حازم: عن حميد بن هلال، عن سعد بن هشام.
ورواه غيرهما، فقال: عن حميد بن هلال، عن أبي الدهماء، أو غيره، عن هشام بن عامر.
فقلت لأبي: أيهما أصح؟
فقال: أيوب، وسليمان بن المغيرة أحفظ من جرير بن حازم» اهـ.
قُلْتُ: وليس المراد بتحسين القبر تزينه بالجص ونحو ذلك فهذا مما نهي عنه، وإنَّما المراد بتحسينه تسوية قعر القبر وإزالة التراب والقذى والحجارة ونحو ذلك، ومنهم من حمل التحسين إلى الميت أي أحسنوا إليه عند دفنه، والأول أظهر فإنَّ سياق الحديث وارد في القبر.
واختلف العلماء في مقدار تعميق القبر فمنهم من ذهب إلى أنَّه يعمق إلى الصدر وهو مذهب الْإِمَام أحمد، ومنهم من قال مقدار قامة وبسطة وهو مقدار رفع اليدين، وهو مذهب الْإِمَام الشافعي، ومنهم من قال إلى السرة وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، والنخعي، وكان مالك يقول: "لم يبلغني في عمق قدر الميت شيء
стр. 3265
موقوف عليه، وأحب إلي أن لا يكون عميقة جداً، ولا قريبة من أعلى الأرض جداً".
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه يستحب تعميق القبر بحيث يشق على النباش أو الحيوان إخراج الميت أو كفنه، وبحيث لا ينبعث من القبر رائحة منتنة.
المسألة الثانية: اللحد أفضل من الشق.
لأنَّ هذا هو الذي فعل بالنبي ﷺ فروى مسلم (٩٦٦) عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: «الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ».
ولما رواه أبو داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥)، والنسائي (٢٠٠٩)، وابن ماجه (١٥٥٤) مِنْ طَرِيْقِ حَكَّامِ بْنِ سَلْمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ لغيره. عبد الأعلى هو ابن عامر لين الحديث، لكن هناك ما يشهد لهذا الحديث فقد رواه أحمد (١٩١٨١) من حديث جرير بن عبد الله البجلي وفي إسناده الحجاج بن أرطأة، ورواه أحمد أيضاً (١٩١٩٩) من حديثه وفيه أبو جناب يحيى بن أبي حية وهو ضعيف الحديث. ورواه أيضاً (١٩٢٣٣) وابن ماجه (١٥٥٥)، وفيه أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلي الذي يظهر لي أنَّه لا يعتبر بحديثه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٤/ ٤٥٠):
стр. 3266
«فصل: والسنة أن يلحد قبر الميت، كما صنع بقبر النبي ﷺ قال سعد بن أبي وقاص: "الحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً، كما صنع برسول الله ﷺ " رواه مسلم ومعنى اللحد، أنَّه إذا بلغ أرض القبر حفر فيه مما يلي القبلة مكاناً يوضع الميت فيه، فإن كانت الأرض رخوة جعل له من الحجارة شبه اللحد.
قال أحمد ولا أحب الشق.
لما روى ابن عباس أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "اللحد لنا، والشق لغيرنا" رواه أبو داود والنسائي، والترمذي وقال: هذا حديث غريب.
فإن لم يمكن اللحد شق له في الأرض، ومعنى الشق أن يحفر في أرض القبر شقاً يضع الميت فيه، ويسقفه عليه بشيء، ويضع الميت في اللحد على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة بوجهه، ويضع تحت رأسه لبنة، أو حجراً، أو شيئاً مرتفعاً، كما يصنع الحي» اهـ.
المسألة الثالثة: يوضع الميت في قبره على جنبه الأيمن مستقبلاً للقبلة.
قُلْتُ: وهذا هو الْأُمر الجاري في مقابر المسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى أيامنا هذا ولا أعلم في ذلك نزاعاً بين أهل العلم.
وهذا خاص بقبور المسلمين، وأمَّا الكافر فيوضع على أي حال من الأحوال، وقد أمر النبي ﷺ بالمشركين في يوم أحد فألقوا في قليب بدر إلقاءً.
المسألة الرابعة: بيان ما يقال عند وضع الميت في اللحد.
стр. 3267
روى أحمد (٤٨١٢، ٤٩٩٠، ٥٢٣٣، ٥٣٧٠، ٦١١١)، وأبو داود (٣٢١٣) مِنْ طَرِيْقِ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
قُلْتُ: والصحيح في هذا الحديث الوقف على ابن عمر.
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٢/ ٤١٠):
«يرويه قتادة، واختلف عنه؛ فرواه هشام، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
حدث به عنه يزيد بن هارون، وسعيد بن عامر، وحجاج بن منهال، وهدبة.
واختلف عن وكيع: فرواه أحمد بن أبي رجاء المصيصي، عن وكيع، عن همام، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن ابن عمر، ووهم فيه.
وخالفه سريج بن يونس وغيره؛ رووه عن وكيع، عن همام، عن قتادة، عن أبي الصديق، وهو الصواب.
وقيل: عن سعيد بن عامر، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
والمحفوظ عن هشام موقوفاً، من قول ابن عمر، وفعله.
وكذلك رواه مسلم بن إبراهيم، ومعاذ بن هشام، عن هشام.
وكذلك رواه شعبة، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن ابن عمر موقوفاً. وهو المحفوظ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ٥٥):
стр. 3268
«والحديث يتفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد وهو ثقة إلَّا أن شعبة وهشام الدستوائي روياه عن قتادة موقوفاً على ابن عمر» اهـ.
قُلْتُ: حديث شعبة رواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٨١٦)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١٠٩٢٨)، وفي [عَمَلِ الْيَّوْمِ وَاللَّيْلَةِ] (١٠٨٩)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٣٥٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣١١)، والطبراني في [الْدُعَاء] (١٢٠٩).
وحديث هشام الدستوائي رواه الطبراني في [الْدُعَاء] (١٢٠٨)
وروى ابن ماجه (١٥٥٠) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ، قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» وَقَالَ أَبُو خَالِدٍ مَرَّةً: إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي لَحْدِهِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ»، وَقَالَ هِشَامٌ فِي حَدِيثِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ».
ورواه الترمذي (١٠٤٦) مِنْ طَرِيْقِ خالد الأحمر به.
قُلْتُ: في الإسناد الأول ابن عياش وليث وهما ضعيفان، وفي الآخر الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف.
قُلْتُ: وطريق ابن أرطأة الصحيح فيها الوقف.
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (١٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩):
стр. 3269
«يرويه حجاج بن أرطاة، واختلف عنه: فرواه أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ .
وغيره يرويه عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يفعل غير مرفوع. وهو الصواب» اهـ.
وروى البزار في [مُسْنَدِه] (٥٨٢٥)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٥٧٠)، وفي [الْأَوْسَطِ] (٧٣٤٧) مِنْ طَرِيْقِ سوار بن سَهْل الضبعي، حَدَّثنا سَعِيد بن عامر، حَدَّثنا سَعِيد بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نافعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَر، عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقَبْرِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى سنةِ رَسُولِ اللهِ».
قُلْتُ: سعيد بن أبي عروبة مختلط.
وروى ابن ماجه (١٥٥٣)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٨٥٣)، و [الْدُعَاء] (١٢١٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٨٥٣) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكَلْبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الْأَوْدِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: حَضَرْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ، فَلَمَّا وَضَعَهَا فِي اللَّحْدِ، قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» فَلَمَّا أُخِذَ فِي تَسْوِيَةِ اللَّبِنِ عَلَى اللَّحْدِ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَجِرْهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهَا، وَصَعِّدْ رُوحَهَا، وَلَقِّهَا مِنْكَ رِضْوَانًا» قُلْتُ: يَا ابْنَ عُمَرَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَمْ قُلْتَهُ بِرَأْيِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي إِذًا لَقَادِرٌ عَلَى الْقَوْلِ، بَلْ شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
قُلْتُ: حماد ضعيف وشيخه إدريس مجهول.
стр. 3270
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٣٦٣): «قال أبي: الحديث منكر» اهـ.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٥٨٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ الْحَلَبِيُّ، ثنا أَبِي، ح وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دُحَيْمٍ الدِّمَشْقِيُّ، ثنا أَبِي، ح وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، قَالُوا: ثنا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: «يَا بُنَيَّ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَلْحِدْنِي، فَإِذَا وَضَعْتَنِي فِي لَحْدِي فَقُلْ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ، ثُمَّ سِنَّ عَلَيَّ الثَّرَى سِنًّا، ثُمَّ اقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِي بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ».
قُلْتُ: عبد الرحمن بن العلاء وأبو لم يوثقهما معتبر.
وروى الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٧٦١٧)، وفي [مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ] (٣٤٠١) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ شَبَابَةَ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَكْرٍ الشَّيْبَانِيُّ، ثنا بِسْطَامُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْأُرُزِّيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ »، وَوَضَعَ خَلْفَ قَفَاهُ مَدَرَةً، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ مَدَرَةً، وَبَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْ وَرَائِهِ أُخْرَى.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ شَدِيْدِ الضَّعْفِ إبراهيم بن بكر الشيباني متروك الحديث وشيخه مجهول.
стр. 3271
وروى أحمد (٢٢٢٤١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: لَمَّا وُضِعَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَبْرِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ، وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]»، قَالَ: ثُمَّ لَا أَدْرِي أَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ أَمْ لَا، فَلَمَّا بَنَى عَلَيْهَا لَحْدَهَا طَفِقَ يَطْرَحُ لَهُمُ الْجَبُوبَ وَيَقُولُ: «سُدُّوا خِلَالَ اللَّبِنِ». ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَكِنَّهُ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْحَيِّ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ في [الْمَجْرُوحِيْنَ] (٢/ ٦٣):
«وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلى ابن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة» اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِه] (٣٠٤٦٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَدْخَلَ الْمَيِّتَ فِي قَبْرِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَصْدِيقِ كِتَابِكَ، وَرُسُلِكَ، وَالْيَقِينِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، اللَّهُمَّ ارْحَبْ عَلَيْهِ قَبْرَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ جبير لم أعرفه ولم يسم من حدثه.
стр. 3272
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَفِه] (٦٤٦٤) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، كَانَ يَقُولُ إِذَا أَدْخَلَ الْمَيِّتَ اللَّحْدَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالْيَقِينِ بِالْبَعْثِ بَعْدِ الْمَوْتِ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ لانقطاعه بين إسماعيل والصديق.
وروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٣٥٥)، ومن طريقه البيهقي في [الدَّعَوَاتِ] (٦٣٥) حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، ثنا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَابْنُ بُكَيْرٍ، قَالَا: ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ مَوْلَى الْغِفَارِيِّينَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَيَاضِيُّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ فَلْيَقُلِ الَّذِينَ يَضَعُونَهُ حِينَ يُوضَعُ فِي اللَّحْدِ: بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
المسألة الخامسة: استحب كثير من العلماء لمن حضر الدفن أن يحثو على القبر.
فقد روى ابن ماجه (١٥٦٥) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُلْثُومٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: العباس فيه لين. وقد تابعه أبو زرعة عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٦٤)، و [الْأَوْسَطِ] (٤٦٧٣).
стр. 3273
قُلْتُ: لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ١٦٩/ ٤٨٣): «وسمعت أبي، وحدثنا: عن عباس الخلال، عن يحيى بن صالح الوحاظي، عن سلمة بن كلثوم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلى على جنازة فكبر عليها أربعاً، ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثاً".
قال أبي: هذا حديث باطل» اهـ.
وروى الشافعي في [الْأُمِّ] (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، ومن طريقه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (٢٣٢٣)، والبغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (١٥١٥): أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ شَدِيْدُ الْضَّعْفِ إبراهيم بن محمد هو ابن أبى يحيى متروك الحديث، وقد كذبه غير واحد من علماء الحديث.
وروى الْدَارَقُطْنِي (١٨٣٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٥٢١) مِنْ طَرِيْقِ عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ الْمَدَائِنِيُّ، ثنا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ دُفِنَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ صَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَحَثَى عَلَى قَبْرِهِ بِيَدِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنَ التُّرَابِ وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ رَأْسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ وَاهٍ القاسم متروك الحديث ورماه أحمد بالكذب. وعاصم بن عبيد الله ضعيف.
стр. 3274
وروى العقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٢١٥٢) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ رُزَيْقٍ الْمَالِكِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مَنَ، يَقُولُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَثَا عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ مَسْلَمَةٍ احْتِسَابًا كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ ثَرَاةٍ حَسَنَةً».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ والهيثم قال فيه العقيلي في [الْضُعَفَاءِ] (٤/ ٣٥٤): «الهيثم بن رزيق المالكي عن الحسين. ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلَّا به» اهـ، ولم يذكر من حدثه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وروى أبو داود في [الْمَرَاسِيْلِ] (٣٩٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زِيَادٍ يَعْنِي ابْنَ ثَعْلَبٍ، عَنْ أَبِي الْمُنْذِرِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَثَا فِي قَبْرٍ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لجهالة زياد وقد اختلف في اسمه، وجهالة أبي المنذر وإرساله.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٣٩٩، ١١٨٣٦)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣١٥١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ثَوْرٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ حَبِيبٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِّ، قَالُوا: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «مِنْ تَمَامِ أَجْرِ الْجِنَازَةِ أَنْ يُشَيِّعَهَا مِنْ أَهْلِهَا وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عامر وأبي الدرداء.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٦٩٧٨) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 3275
حِمْيَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَلَمْ تُصَبْ لَهُ حَسَنَةٌ، إِلَّا ثَلَاثُ حَثَيَاتٍ حَثَاهَا فِي قَبْرٍ فَغُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ». وَهَذَا مَوْقُوفٌ حَسَنٌ فِي هَذَا الْبَابِ اهـ.
قُلْتُ: نعيم بن حماد ضعيف الحديث مع إمامته في السنة.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِه] (٦٤٨٠)، ومن طريقه ابن المنذر في [الْأَوْسَطِ] (٣١٥٠)، ورواه أيضاً ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٨٣٤) مِنْ طَرِيْقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، «أَنَّ عَلِيًّا حَثَى عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُكَفَّفِ». قَالَ: «هُوَ أَوْ غَيْرُهُ ثَلَاثًا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين مالك بن مغول وعمير بن سعد.
ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٨٣٣) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، «أَنَّ عَلِيًّا، حَثَى فِي قَبْرِ ابْنِ الْمُكَفَّفِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف حجاج وهو ابن أرطأة وللانقطاع الذي بينه وبين عمير.
وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١١٨٣٨) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، «أَنَّ عَلِيًّا، حَثَى فِي قَبْرِ ابْنِ الْمُكَفَّفِ».
قُلْتُ: ولا يثبت هذا الأثر لضعف يزيد، وعمه لم أعرفه.
وروى البزار في [مُسْنَدِه] (٤٨٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: نا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الصُّدَائِيُّ، عَنْ سَعْدَانَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ الْمَشْيُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ أَوْ أَمَامَهَا؟ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ وَمَثَلُكَ يَسْأَلُ عَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: وَمَنْ يَسْأَلُ
стр. 3276
عَنْ هَذَا إِلَّا مَثَلِي؟ إِنِّي رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَمْشِيَانِ أَمَامَهَا، فَقَالَ: رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُمَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعَا كَمَا سَمِعْنَا وَلَكِنَّهُمَا كَانَا سَهْلَيْنِ يُحِبَّانِ السُّهُولَةَ، يَا أَبَا سَعِيدٍ إِذَا مَشَيْتَ خَلْفَ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ، فَأَنْصِتْ وَفَكِّرْ فِي نَفْسِكِ كَأَنَّكَ قَدْ صِرْتَ مِثْلَهُ، أَخُوكَ كَانَ يُشَاحُّكَ على الدُّنْيَا خَرَجَ مِنْهَا حَرِيبًا سَلِيبًا، لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا تَزَوَّدَ مِنْ عَمِلٍ صَالِحٍ، فَإِذَا بَلَغْتَ الْقَبْرَ، فَجَلَسَ النَّاسُ، فَلَا تَجْلِسْ، وَلَكِنْ قُمْ عَلَى شَفِيرِ قَبْرِهِ، فَإِذَا دُلِّيَ فِي حُفْرَتِهِ فَقُلْ: "بِسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، اللَّهُمَّ عَبْدُكَ نَزَلَ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، خَلَّفَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَاجْعَلْ مَا قَدِمَ عَلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَلَّفَ، فَإِنَّكَ قُلْتَ: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، ثُمَّ احْثُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ"».
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدْخُلُ فِي مُسْنَدِ عَلِيٍّ لِمَا قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعَا كَمَا سَمِعْنَا وَلَكِنَّهُمَا كَانَا يُسَهِّلَانِ. وَلَا نَعْلَمُ رَوَى عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ اهـ.
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ الصدائي لين الحديث، والعوفي ضعيف الحديث.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٨٣٧) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى، زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ «حَثَا فِي قَبْرِهِ ثَلَاثَ حُثًا».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ الأحلافي ذكره البخاري في "التاريخ الْكَبِيْر" ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولم يذكر الأحلافي من حدثه عن زيد
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَفِه] (١١٨٤١) حَدَّثَنَا ابْنُ دُكَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مِنْ جُهَيْنَةَ، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي جِنَازَةٍ فَحَثَى فِي قَبْرِهِ».
стр. 3277
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ ضَعِيْفٌ الحكم فيه لين وقد أبهم من حدثه.
قُلْتُ: وخلاصة القول في هذه المسألة أني لم أقف على ما يعتمد عليه في ذلك من حديث ولا أثر، والمشاركة في دفن الميت بالقليل أو الكثير من الأعمال الصالحة وأمَّا تقييد ذلك بثلاث حثيات فلا دليل يثبت في ذلك حسب علمي، والله أعلم.
المسألة السادسة: مشروعية دفن أكثر من ميت في القبر الواحد إذا دعت الضرورة.
وسبق في ذلك ما رواه أحمد (١٦٢٩٩، ١٦٣٠٠، ١٦٣٠٣، ١٦٣٠٥)، أبو داود (٣٢١٦)، والنسائي (٢٠١٠، ٢٠١٥، ٢٠١٨) مِنْ طَرِيْقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ»، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا»، قَالَ: فَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٢٠):
«فَصْلٌ: وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، إلَّا لِضَرُورَةٍ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ. قَالَ: أَمَّا فِي مِصْرٍ فَلَا، وَأَمَّا فِي بِلَادِ الرُّومِ فَتَكْثُرُ الْقَتْلَى، فَيَحْفِرُ شِبْهَ النَّهْرِ، رَأْسُ هَذَا عِنْدَ رِجْلِ هَذَا، وَيَجْعَلُ بَيْنهمَا حَاجِزًا، لَا يَلْتَزِقُ وَاحِدٌ بِالْآخَرِ.
стр. 3278
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ فِي الْغَالِبِ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَبْرٍ فِي الْمِصْرِ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ غَالِبًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِي مَوْضِعِ الْمُعْتَرَكِ. وَإِنْ وُجِدَتْ الضَّرُورَةُ جَازَ دَفْنُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، حَيْثُمَا كَانَ مِنْ مِصْرٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَإِنْ مَاتَ لَهُ أَقَارِبُ بَدَأَ بِمَنْ يَخَافُ تَغَيُّرَهُ، وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ بَدَأَ بِأَقْرَبِهِمْ إلَيْهِ، عَلَى تَرْتِيبِ النَّفَقَاتِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ قَدَّمَ أَنْسَبَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
وبهذا يتبين خطأ ما يسمى بالمجنات، وهي عبارة عن حفيرة فيها عميقة في أعلاها باب وفيها عدة غرف ويوضع في الغرفة الواحدة أكثر من ميت.
وتسمى في عرف من مضى الْخَشْخَاشَةُ، أو الْفَسْقِيَّةُ.
وقد أنكرها بعض العلماء فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِ الْمَالِكِي ﵀ في [الْمَدْخَلِ] (٣/ ٢٦٧ - ٢٧٢): «وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا بَعْضُ مَنْ لَا يَعْتَنِي بِحِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَإِشَارَاتِهِ، وَهِيَ إدْخَالُ الْمَيِّتِ فِي الْفَسْقِيَّةِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَهِيَ بِدْعَةٌ فِي نَفْسِهَا فَكَيْفَ بِمَا يُفْعَلُ فِيهَا. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَفْرِشُونَ فِيهَا تَحْتَ الْمَيِّتِ طَرَّاحَةً أَوْ قَطِيفَةً أَوْ غَيْرَهُمَا، وَيَضَعُونَ تَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةً وَيُغَطُّونَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُضْطَجِعٌ فِي بَيْتِهِ وَيَجْعَلُونَ عِنْدَهُ مِنْ الْمَشْمُومِ مَا أَمْكَنَهُمْ مِنْ الْيَاسَمِينِ وَالرَّيْحَانِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُبَيِّتُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِيهَا وَمَوْضِعُ الْفَسْقِيَّةِ فِيهِ ظُلْمَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ يَدْخُلُ مِنْهُ الضَّوْءُ إلَّا مِنْ مَوْضِعِ بَابِهَا، وَهُوَ ضَيِّقٌ، فَيَحْتَاجُونَ فِي غَالِبٍ إلَى دُخُولِ الضَّوْءِ مَعَهُمْ.
стр. 3279
وَذَلِكَ فِيهِ تَفَاؤُلٌ بِدُخُولِ النَّارِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ يُوقِدُ الشَّمْعَ وَيَتْرُكُهُ مَوْقُودًا عِنْدَهُ؛ لِئَلَّا يَبْقَى فِي الظَّلَامِ، وَيَسُدُّ عَلَيْهِ بَابَ الْفَسْقِيَّةِ، فَهَذَا فِيهِ إضَاعَةُ الْمَالِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفَاؤُلِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ أَنْ يُطْفَأَ فَيَحْرِقُهُ، أَوْ يَحْرِقَ مَا عَلَيْهِ أَوْ يَحْرِقَ غَيْرَهُ إنْ كَانَ مَعَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْوَقُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُومُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَحْذُورَاتِ؛ لِأَنَّ الْفَسْقِيَّةَ إذَا سُدَّ بَابُهَا امْتَنَعَ دُخُولُ الْهَوَاءِ إلَيْهَا، وَالنَّارُ لَا تَتَّقِدُ إلَّا مَعَ وُجُودِ الْهَوَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَمَدَتْ فِي الْغَالِبِ لَكِنْ قَدْ لَا تَخْمَدُ حَتَّى يَجْرِيَ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ الْمَوْتَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَرِيقِ، وَلِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ خَشَاشٍ وَهَوَامَّ.
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُكَلَّفَ أَنْ يُطْفِئَ الْمِصْبَاحَ قَبْلَ نَوْمِهِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ نَارًا وَالنَّوْمُ هُوَ الْوَفَاةُ الْصُغْرَى، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مَعَهُ فَلَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْكُبْرَى مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَجَعْلُ الْمَيِّتِ فِي الْفَسْقِيَّةِ يُمْنَعُ لِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ فِي تَرْكِ الدَّفْنِ وَكَفَى بِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ هُوَ فِي الْفَسْقِيَّةِ غَيْرُ مَدْفُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ جَعْلِهِ فِي الْفَسْقِيَّةِ أَوْ فِي بَيْتٍ وَيُغْلَقُ عَلَيْهِ، فَهَذَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَدْفُونٌ فَقَدْ تَرَكُوا الدَّفْنَ وَهُوَ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ عَلَيْنَا بِالدَّفْنِ فَقَالَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] فَالسَّتْرُ فِي الْحَيَاةِ مَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْإِنْسَانُ مِنْ ضَرُورَاتِ الْبَشَرِيَّةِ فِي خَلْوَتِهِ مِمَّا يَكْرَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِهِ وَالسَّتْرُ فِي الْمَمَاتِ سَتْرُ جِيَفِ الْأَبَدَانِ، وَلَوْلَا نِعْمَةُ
стр. 3280
الْقُبُورِ لَكَانَ شَنَاعَةً بَيْنَ الْأَشْكَالِ، وَيُقَالُ مَا فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ أَشَدُّ كَرَاهَةً مِنْ رَائِحَةِ جِيفَةِ الْآدَمِيِّ فَسَتَرَهُ اللَّهُ بِالدَّفْنِ إكْرَامًا لَهُ وَتَعْظِيمًا. وَمَنْ وَضَعَ فِي الْفَسْقِيَّةِ فَقَدْ تَرَكَ مَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةِ الدَّفْنِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ يَعُودُهُ فَقَالَ ﵊ إنِّي لَأَرَى أَبَا طَلْحَةَ حَدَثَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَإِذَا تُوُفِّيَ عَجِّلُوا بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ.
وَمَنْ جُعِلَ فِي الْفَسْقِيَّةِ، فَأَهْلُهُ يَكْشِفُونَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَاتَ لَهُمْ مَيِّتٌ، فَقَدْ يَعْرِفُونَ مَا تَغَيَّرَ مِنْ حَالِ مَنْ كَشَفُوا عَلَيْهِ مِنْ مَوْتَاهُمْ وَيَشُمُّونَ الرَّوَائِحَ الْكَرِيهَةَ مِنْهُ، وَهُوَ يَكْرَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ أَنْ يُشَمَّ مِنْهُ بَعْضُ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَسْقِيَّةِ أَوْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ فَيُمْنَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ خَرْقِ حُرْمَتِهِ؛ لِأَنَّ هُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ بِمَيِّتٍ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ مِمَّنْ قَبْلَهُ كَشَفُوا وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ النَّتْنِ وَالدُّودِ وَغَيْرِهِمَا، حَتَّى لَقَدْ حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً نَزَلَتْ فَسْقِيَّةً لِوَضْعِ مَيِّتٍ لَهَا فِيهَا فَوَجَدَتْ ابْنَةً لَهَا كَانَتْ قَدْ دُفِنَتْ مِنْ مُدَّةٍ فَرَأَتْ رَأْسَهَا وَوَجْهَهَا يَغْلِيَانِ دُودًا فَذَهَبَ عَقْلُهَا.
وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ بَابَ الْفَسْقِيَّةِ ضَيِّقٌ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَرْئِيٌّ وَتُحْبَسُ فِيهِ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ، فَإِذَا فُتِحَ لِجَعْلِ مَيِّتٍ آخَرَ، وَكَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ مِمَّنْ قَبْلَهُ خَرَجَتْ تِلْكَ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ طَرِيًّا فَآذَتْ كُلَّ مَنْ حَضَرَ الْجِنَازَةَ.
стр. 3281
وَأَمَّا مَنْ يَنْزِلُ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ الْكُلْفَةِ وَالْمَشَقَّةِ النِّهَايَةَ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَرَضِهِ أَوْ مَوْتِهِ أَوْ هُمَا مَعًا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ يُدْخِلُونَهُ مَنْكُوسًا عَلَى رَأْسِهِ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْقُبْحِ حِينَ إدْخَالِ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ، فَهُوَ فِي الْفَسْقِيَّةِ أَجْدَرُ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ بَابَهَا أَضْيَقُ مِنْ الشِّقِّ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ فِي الْقَبْرِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ أَلْحَدَ مَيِّتًا وَسَقَطَتْ مِنْهُ فِي الْقَبْرِ نَفَقَةٌ أَوْ لُؤْلُؤَةٌ أَوْ شَيْءٌ لَهُ قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ فَلَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ أُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ أَوْ بَعْضُهُ هَلْ يَكْشِفُ مَا أُهِيلُ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ وَيَأْخُذُ مَا سَقَطَ مِنْهُ؛ لِأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَتَرْكُهُ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ أَوْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَشْفًا عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ مُوَارَاتِهِ بِالتُّرَابِ، وَذَلِكَ خَرْقٌ لِحُرْمَتِهِ وَلِمَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ حَالُهُ إلَى أَمْرٍ مُغَيَّبٍ عَنَّا فَيَكْشِفُ عَلَيْهِ وَيَنْتَهِكُ سِتْرَهُ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ لَهُ قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ فَمَا بَالُك بِمَنْ يُكْشَفُ عَنْهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَهَذَا أَجْدَرُ بِالْمَنْعِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ بِهَتْكِ السِّتْرِ عَمَّنْ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْفَسْقِيَّةِ قَدْ يَتَغَيَّرُونَ عَنْ آخِرِهِمْ، وَهُوَ الْغَالِبُ، وَيَنْكَشِفُونَ فَيَبْقَوْنَ عُرَاةً بِمَرْأًى مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّاسِ، وَذَلِكَ كَشْفَةٌ لَهُمْ وَهَتْكٌ لِحُرْمَتِهِمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ ظَاهِرٌ. حَتَّى لَقَدْ رُئِيَ بَعْضُ أَهْلِ الْفَسَاقِيِ، وَحِمَارٌ مَيِّتٌ قَدْ طُرِحَ عَلَيْهِمْ. فَانْظُرْ بِعَيْنِ الْإِنْصَاف مَا أَشْنَعَ هَذَا وَأَقْبَحَهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْلِ، فَكَيْفَ وَالشَّرِيعَةُ قَدْ نَهَتْ عَنْهُ
стр. 3282
وَذَمَّتْهُ، فَلَا هُمْ مُمْتَثِلُونَ لِأَمْرِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ، وَلَا هُمْ يَرْجِعُونَ لِمُقْتَضَى الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَأْبَى ذَلِكَ أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: مَا حَرَمَهُمْ الشَّيْطَانُ مِنْ بَرَكَةِ الدَّفْنِ وَمَا فِيهِ مِنْ السَّتْرِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَدْفُونَ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ الْفَضَلَاتُ شَرِبَتْهَا الْأَرْضُ فَيَبْقَى نَظِيفًا فِي قَبْرِهِ، وَمَنْ وُضِعَ فِي الْفَسْقِيَّةِ يَنْمَاعُ فِي النَّجَاسَاتِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَتَحَلَّلُ مِنْ جَسَدِهِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ إدْخَالَهُ فِي الْفَسْقِيَّةِ فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ الْفَخْرِ وَالْكِبْرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ مَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْمُتَكَبِّرُونَ، وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ ذُلٍّ وَافْتِقَارٍ وَاضْطِرَارٍ وَإِظْهَارِ مَسْكَنَةٍ وَاحْتِيَاجٍ لَا إظْهَارِ الْعِزِّ وَالْكِبْرِ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَبْلِيطِ الْفَسْقِيَّةِ، وَذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لَا يَنْبَغِي فَمَا بَالُك بِهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ إذْ أّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَبْنِ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، فَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَمْتَثِلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: مَا زَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَبْيِيضِ دَاخِلِ الْفَسْقِيَّةِ حَتَّى تَبْقَى كَالْبُيُوتِ الَّتِي يَتَفَاخَرُ بِهَا أَبْنَاءُ الدُّنْيَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي حَالِ الْحَيَاةِ. وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّبْلِيطِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ بَلْ هَذَا أَشَدُّ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ مَا يَفْعَلُونَهُ سَبَبٌ لِانْبِعَاثِ الْحَشَرَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْمَاعُ فِي قَبْرِهِ فَتَكْثُرُ الرَّوَائِحُ لِعَدَمِ التُّرَابِ، وَالْحَشَرَاتُ تَتْبَعُ الرَّوَائِحَ حَيْثُ كَانَتْ، وَكَذَلِكَ الْكِلَابُ وَالسِّبَاعُ وَالذِّئَابُ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الْقَبْرِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْفَضَلَاتِ مِنْ الْمَيِّتِ.
стр. 3283
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَيْسِيرِ السَّرِقَةِ عَلَى مَنْ أَرَادَهَا، وَالسَّرِقَةُ مَعْصِيَةٌ كُبْرَى إذَا كَانَتْ فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ فَمَا بَالُك بِهَا فِي حَقِّ الْمَوْتَى، فَوَضْعُ الْمَيِّتِ فِي الْفَسْقِيَّةِ فِيهِ تَيْسِيرٌ عَلَى مَنْ اُبْتُلِيَ بِنَبْشِ الْقُبُورِ إذْ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى كَبِيرِ كُلْفَةٍ فِي الدُّخُولِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَفْتَحُ الْبَابَ لَيْسَ إلَّا وَيَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مَا يُرِيدُهُ، وَفَاعِلُ الْمَعْصِيَةِ وَمَنْ يُيَسِّرُهَا عَلَيْهِ شَرِيكَانِ فِي الْإِثْمِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشْرَ: أَنَّ مَنْ يَتَحَفَّظُ مِنْهُمْ مِنْ التَّيْسِيرِ عَلَى النَّبَّاشِ يَحْتَاجُونَ إلَى الْبِنَاءِ الْحَصِينِ وَالْأَبْوَابِ الْمَانِعَةِ وَالْحُرَّاسِ وَمَنْ يَسْكُنُ فِيهَا أَوْ إلَى جَانِبِهَا وَيَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ، وَالسَّرَابُ سَرِيعٌ سَرَيَانُهُ تَحْتَ الْأَرْضِ فَيَئُولُ ذَلِكَ إلَى تَنْجِيسِ مَنْ هُنَاكَ مِنْ الْمَوْتَى بِنَجَاسَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الرَّدِيئَةِ يَحْتَاجُ إلَى كُلْفَةٍ مِنْ تَحْصِيلِ دُنْيَا لِأَجْلِ الْبَوَّابِ وَالْقَيِّمِ وَالْخَادِمِ وَمَنْ يَحْرُسُ وَجَعْلِ صِهْرِيجٍ لَهُمْ فَتَزِيدُ النَّدَاوَةُ بِذَلِكَ فَيَنْمَاعُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، وَقَدْ حَكَمَتْ السُّنَّةُ بِالدَّفْنِ فِي الصَّحْرَاءِ لِلسَّلَامَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: مَا فِي فِعْلِهَا مِنْ ارْتِكَابِ النَّهْيِ؛ لِأّنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ. وَمَا كَانَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَسَرَى ذَلِكَ إلَى بَعْضِ النَّاسِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَا يَشْعُرُونَ بِارْتِكَابِ هَذَا النَّهْيِ الصَّرِيحِ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ مَنْ دُفِنَ فِي الْقُبُورِ عَلَى مَا أَحْكَمَتْهُ الشَّرِيعَةُ لَهُ حُرْمَةٌ لِكَوْنِ قَبْرِهِ ظَاهِرًا فَلَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ حَفْرُهُ وَلَا أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ وَلَا أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ سَرَابًا بِخِلَافِ الْفَسْقِيَّةِ، فَإِنَّهَا فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ غَيْرَ مُرْتَفِعَةٍ كَالْقَبْرِ فِي الْغَالِبِ، وَلَيْسَ
стр. 3284
لِلْمَيِّتِ عَلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ أَثَرٌ يُعْرَفُ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى الْبِنَاءِ عَلَيْهَا حَيْثُ دَثَرُوهَا أَوْ غَيْرُهُ مِنْ إرْسَالِ سَرَابٍ أَوْ جَعْلِ مِرْحَاضٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّهَا قَدْ تَنْخَسِفُ وَهُوَ الْغَالِبُ فَيَتَضَرَّرُ بِهَا مَنْ تَنْخَسِفُ بِهِ، وَقَدْ يَهْلَكُ ثُمَّ تَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مَعْبَرَةً لِمَنْ يَمُرُّ بِهَا وَشُنْعَةً عَلَى مَنْ فِيهَا حَتَّى إنَّ بَعْضَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الشَّرْعَ لَيُطِيلُ النَّظَرَ فِيهَا حَتَّى يَعْرِفَ الذَّكَرَ مِنْ الْأُنْثَى، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ سِيَّمَا إنْ وَقَعَ السَّيْلُ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَعْظَمَ فِي الْكَشَفَةِ وَهَتْكِ السِّتْرِ وَذَهَابِ حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ.
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: مَنْ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي فَسْقِيَّةٍ فَإِنَّهُ لَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ بَيْتٌ فَقَالَ: لَا وَلَا كَرَامَةَ. فَالْمَنْعُ هُنَا مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّهَا تَبْقَى مَأْوَى اللُّصُوصِ وَمَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَخْتَبِئُونَ فِيهَا وَيَجْعَلُونَ فِيهَا مَا يَخْتَارُونَ مِنْ السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى يَتَصَرَّفُوا فِي ذَلِكَ وَكَانَتْ سَبَبًا لِلسَّتْرِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْفَسْقِيَّةَ تُمْسِكُ مَوَاضِعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَوْتَى، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ وَقْفًا فَيَكُونُ غَاصِبًا لِمَا عَدَا مَوْضِعَ جَسَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لِلْغَيْرِ مِمَّنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا إلَّا قَدْرَ ضَرُورَتِهِ، وَهُوَ مَا يُوَارِيهِ مِنْهَا إذَا مَاتَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِي ﵀ في [تَحْفَةِ الْمُحْتَاجِ] (٣/ ١٧٣):
стр. 3285
«يَحْرُمُ فَتْحُ الْفَسْقِيَّةِ لِلدَّفْنِ فِيهَا إنْ كَانَ هُنَاكَ هَتْكٌ لِحُرْمَةِ مَنْ بِهَا كَأَنْ تَظْهَرَ رَائِحَتُهُ كَأَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالدَّفْنِ وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ هَتْكٌ إلَّا لِحَاجَةٍ كَأَنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ مَكَانٌ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كما في [الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ الْكُبْرَى] (٢/ ١٤):
«وَأَمَّا الدَّفْنُ فِي الْفَسَاقِي فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي الْكَلَامَ عَلَى أَقَلِّ الْقَبْرِ وَهُوَ حُفْرَةٌ تَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسَّبُعَ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِمَا إنْ كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ بَيَانُ فَائِدَةِ الدَّفْنِ وَإِلَّا فَبَيَانُ وُجُوبِ رِعَايَتِهِمَا وَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا اهـ قَالَ غَيْرُهُ وَظَاهِرٌ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَعَلَيْهِ فَالْفَسَاقِي الَّتِي لَا تَكْتُمُ الرَّائِحَةَ وَتَمْنَعُ السَّبُعَ لَا يَكْفِي الدَّفْنُ فِيهَا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ السُّبْكِيّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْفَسَاقِيِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِكَتْمِ الرَّائِحَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى هَيْئَةِ الدَّفْنِ الْمَعْهُودِ شَرْعًا قَالَ: وَقَدْ أَطْلَقُوا تَحْرِيمَ إدْخَالِ مَيِّتٍ عَلَى مَيِّتٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْأَوَّلِ وَظُهُورِ رَائِحَتِهِ فَيَجِبُ إنْكَارُ ذَلِكَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ عَلِيُ بْنُ سُلْطَانَ ﵀ في [مِرْقَاةِ الْمَفَاتِيْحِ] (٣/ ١٢١٩):
«أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ أَيْ: وَقْتَ انْتِهَاءِ غَزْوَتِهِ عِنْدَ إِرَادَةِ دَفْنِ الشُّهَدَاءِ. "احْفُرُوا" بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، وَأَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنَعُوا الدَّفْنَ فِي الْفَسَاقِيِّ، وَبَيَّنُوا أَنَّ فِيهِ مَفَاسِدَ فَلْيُجْتَنَبْ مَا أَمْكَنَ» اهـ.
وَجَاءَ فِي [حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِيْنَ] (٢/ ٢٣٣):
«قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَلَا يُحْفَرُ قَبْرٌ لِدَفْنِ آخَرَ إلَّا إنْ بَلِيَ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَظْمٌ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ فَتُضَمُّ عِظَامُ الْأَوَّلِ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ. وَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الْفَسَاقِيِ اهـ وَهِيَ كَبَيْتٍ مَعْقُودٍ بِالْبِنَاءِ يَسَعُ جَمَاعَةً قِيَامًا لِمُخَالَفَتِهَا السُّنَّةَ إمْدَادٌ.
стр. 3286
وَالْكَرَاهَةُ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ: عَدَمِ اللَّحْدِ، وَدَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَاخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ بِلَا حَاجِزٍ، وَتَجْصِيصِهَا، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا» اهـ.
مسألة: ويشرع الدفن في البيوت.
وذلك لأنَّ النبي ﷺ وصاحبيه دفنوا في حجرة عائشة.
لكن الأفضل الدفن في مقابرة المسلمين، لأنَّ النبي ﷺ دفن من مات من أهله وأصحابه فيها، وأمَّا النبي ﷺ فدفن في بيته خشية أن يتخذ مسجداً، ودفن معه صاحباه لقربهم منه في الدنيا والآخرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠):
«فَصْلٌ: وَالدَّفْنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَعْجَبُ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الدَّفْنِ فِي الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَأَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ، وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقْبَرُونَ فِي الصَّحَارِي. فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّبِيُّ ﷺ قُبِرَ فِي بَيْتِهِ، وَقُبِرَ صَاحِبَاهُ مَعَهُ؟ قُلْنَا: قَالَتْ عَائِشَةُ إنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ فِي الْبَقِيعِ، وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَصْحَابُهُ رَأَوْا تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُ رُوِيَ: "يُدْفَنُ الْأَنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ" وَصِيَانَةً لَهُمْ عَنْ كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِيُّ ﵀ فِي [الْمَجْمُوعِ] (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣):
стр. 3287
«يَجُوزُ الدَّفْنُ فِي الْبَيْتِ وفي المقبرة، والمقبرة أفضل بالاتفاق وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَفِي مَعْنَى الْبَيْتِ الْبُسْتَانُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَيْسَتْ فِيهَا مَقَابِرُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قُلْتُمْ الدَّفْنَ فِي الْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ وَالنَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا دُفِنَ فِي الْبَيْتِ؟
فَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَشْهُرُهَا وَهُوَ جَوَابُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَنَ أَصْحَابَهُ فِي الْمَقْبَرَةِ فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِهِ أَوْلَى.
وَإِنَّمَا دُفِنَ هُوَ ﷺ فِي الْحُجْرَةِ لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي مَدْفَنِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ فَادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ وَلِأَنَّهُمْ خَصُّوهُ بِالْحُجْرَةِ لِكَثْرَةِ زَائِرِيهِ وَقَاصِدِيهِ لِيُخِفَّ عَلَيْهِمْ بقربه.
الثاني: أجاب به المتولي أنهم مِنْ دَفْنِهِ ﷺ فِي بَعْضِ الْمَقَابِرِ التَّنَازُعُ وَالتَّنَافُسُ فِيهِ فَيَطْلُبُهُ كُلُّ قَبِيلَةٍ لِيُدْفَنَ عِنْدَهُمْ.
الثَّالِثُ: ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا وَهُوَ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ صِيَانَةً لِقَبْرِهِ لِئَلَّا يَزْدَحِمَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَيَنْتَهِكُوهُ وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الِازْدِحَامَ فِي الْمَسْجِدِ أَكْثَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ: لَوْ قَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ يُدْفَنُ فِي مِلْكِ الْمَيِّتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ دُفِنَ فِي الْمَقْبَرَةِ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَوْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ وَدَفَنَهُ فِي بَيْتِ الْمَيِّتِ قَالَ أَصْحَابُنَا كَانَ لِلْبَاقِينَ نَقْلُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُدْفَنُ فِي مِلْكِي لَمْ يَلْزَمْ الْبَاقِينَ قَبُولُهُ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ مِنَّةً فَلَوْ بَادَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَدَفَنَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ كَفَّنَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ قَالَ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يُنْقَلُ
стр. 3288
وَلَا يُنْزَعُ كَفَنُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَبَعِيَّتِهِ إسْقَاطُ حَقِّ أَحَدٍ وَفِي نَقْلِهِ هَتْكُ حُرْمَتِهِ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى دَفْنِهِ فِي مِلْكِ الْمَيِّتِ ثُمَّ بَاعَتْهُ الْوَرَثَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي نَقْلُهُ وَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ إنْ كَانَ جَاهِلًا بِدَفْنِهِ ثُمَّ إذَا بَلِيَ أَوْ اتَّفَقَ نَقْلُهُ فَهَلْ يَكُونُ الْمَدْفُونُ لِلْبَائِعَيْنِ أَمْ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ سَيَأْتِي نَظَائِرُهُمَا فِي الْبَيْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. مِنْهَا: لَوْ بَاعَ شَجَرَةً أَوْ بستانها وَاسْتَثْنَى مِنْهُ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا ثُمَّ قَلَعَهَا فَهَلْ يَبْقَى الْغَرْسُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ أَمْ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ وَجْهَانِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ هَلْ تَتْبَعُ الشَّجَرَةُ أَصَحُّهُمَا لَا تَتْبَعُهَا» اهـ.
قُلْتُ: روى البخاري (١٣٩٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا، أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ، قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلَأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ، قَالَ: لَهُ مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ: " مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي، فَادْفِنُونِي، وَإِلَّا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ"».
مسألة: في جمع الأقارب جنب بعض في قبور متجاورة.
روى أبو داود (٣٢٠٦) مِنْ طَرِيْقِ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ، عَنِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 3289
وَسَلَّمَ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، والمُطَّلِبُ هُوَ ابنُ عَبْدِ اللهِ بنِ حَنْطَبٍ وهو يروي الحديث عن صحابي لم يسمه والصحابة كلهم عدول ثقات.
وبوَّب عليه أبو داود بقوله: «بَابٌ فِي جَمْعِ الْمَوْتَى فِي قَبْرٍ وَالْقَبْرُ يُعَلَّمُ».
ولا يظهر صحة هذا وإنَّما المراد أنَّ من مات من أهله دفنه في قبر مجاور له.
وأخوة عثمان للنبي ﷺ قد يراد بها أخوة الإسلام أو أخوة الرضاع.
مسألة: في إعلام القبر.
ويدل الحديث الماضي على مشروعية إعلام القبر بحجر ونحوه حتى يميز عن غيره.
وقد بوَّب عليه البيهقي ﵀ في [الْكُبْرَى] (٣/ ٥٧٧) بقوله:
«بَابُ إِعْلَامِ الْقَبْرِ بِصَخْرَةٍ أَوْ عَلَامَةٍ مَا كَانَتْ».
قُلْتُ: ولا يدخل في هذا تحويط القبر بالحجارة فإنَّ هذا لا يشرع وهو من البناء على القبور.
وقد روى مسلم (٩٧٠) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ».
قَالَ الْعلَّامَةُ أَبُو مَحَمَدٍ الْقَيْرَوَانِي ﵀ فِي [النَّوَادِرِ] (١/ ٦٥٢):
стр. 3290
«من الْعُتْبِيَّة، من سماع ابن القاسم: وكره مالك أن يرصص على القبور بالحجارة والطين، أو يبنى عليها بطوب أو حجارة» اهـ.
وأمَّا ما ذكره ابْنُ عَابِدِيْنَ الْحَنَفِي ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٢/ ٢٣٧) من قوله:
«نَعَمْ فِي الْإِمْدَادِ عَنْ الْكُبْرَى: وَالْيَوْمَ اعْتَادُوا التَّسْنِيمَ بِاللَّبِنِ صِيَانَةً لِلْقَبْرِ عَنْ النَّبْشِ، وَرَأَوْا ذَلِكَ حَسَنًا. وَقَالَ ﷺ "مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ". اهـ» اهـ. فهو خطأ محض لمخالفته للسنة في النهي عن البناء على القبور.
مسألة: إدخال الميت من قبل رجلي القبر.
روى أبو داود (٣٢١١) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: أَوْصَى الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ الْقَبْرِ، وَقَالَ: «هَذَا مِنَ السُّنَّةِ».
قُلْتٌ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١):
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَيُدْخَلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ إنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ" الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ "رِجْلَيْهِ" يَعُودُ إلَى الْقَبْرِ. أَيْ: مِنْ عِنْدِ مَوْضِعِ الرِّجْلَيْنِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُوضَعَ رَأْسُ الْمَيِّتِ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ، ثُمَّ يُسَلُّ سَلًّا إلَى الْقَبْرِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُوضَعُ الْجِنَازَةُ عَلَى جَانِبِ الْقَبْرِ، مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يُدْخَلُ الْقَبْرَ مُعْتَرِضًا؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَلِأَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ
стр. 3291
رَأَى أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ يُدْخِلُونَ مَوْتَاهُمْ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَأَنَّ السَّلَّ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَلَنَا، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، "أَنَّ الْحَارِثَ أَوْصَى أَنْ يَلِيَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْقَبْرَ، فَأَدْخَلَهُ مِنْ رِجْلَيْ الْقَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا السُّنَّةُ".
وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا" وَمَا ذُكِرَ عَنْ النَّخَعِيِّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَنْ يُغَيِّرُوا سُنَّةً ظَاهِرَةً فِي الدَّفْنِ إلَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، أَوْ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ.
قَالَ: وَلَمْ يُنْقَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَوْ ثَبَتَ فَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ مُقَدَّمَةٌ عَلَى فِعْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَسْهَلُ عَلَيْهِمْ أَخْذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، أَوْ مِنْ رَأْسِ الْقَبْرِ، فَلَا حَرَجَ فِيهِ، لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ أَخْذِهِ مِنْ رِجْلَيْ الْقَبْرِ، إنَّمَا كَانَ طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ عَلَيْهِمْ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ فَإِذَا كَانَ الْأَسْهَلُ غَيْرَهُ كَانَ مُسْتَحَبًّا. قَالَ أَحْمَدُ ﵀: كُلٌّ لَا بَأْسَ بِهِ» اهـ.
مسألة: وضع القطيفة في القبر.
روى مسلم (٩٦٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ».
وقد قيل: إنَّ الذي ألقاها شقران ولا يثبت فروى ابن ماجه (١٦٢٨) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَعَثُوا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ،
стр. 3292
وَكَانَ يَضْرَحُ كَضَرِيحِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَبَعَثُوا إِلَى أَبِي طَلْحَةَ وَكَانَ هُوَ الَّذِي يَحْفِرُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَلْحَدُ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِمَا رَسُولَيْنِ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ خِرْ لِرَسُولِكَ، فَوَجَدُوا أَبَا طَلْحَةَ، فَجِيءَ بِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ جِهَازِهِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَالًا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغُوا أَدْخَلُوا النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا فَرَغُوا أَدْخَلُوا الصِّبْيَانَ، وَلَمْ يَؤُمَّ النَّاسَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ، لَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُحْفَرُ لَهُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: يُدْفَنُ فِي مَسْجِدِهِ، وَقَالَ قَائِلُونَ: يُدْفَنُ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ" قَالَ: فَرَفَعُوا فِرَاشَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ عَلَيْهِ، فَحَفَرُوا لَهُ، ثُمَّ دُفِنَ ﷺ ، وَسَطَ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ، وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَقُثَمُ أَخُوهُ وَشُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ وَهُوَ أَبُو لَيْلَى، لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَحَظَّنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: انْزِلْ، وَكَانَ شُقْرَانُ مَوْلَاهُ، أَخَذَ قَطِيفَةً كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَدَفَنَهَا فِي الْقَبْرِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَلْبَسُهَا أَحَدٌ بَعْدَكَ أَبَدًا، فَدُفِنَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
قُلْتُ: حسين بن عبد الله ضعيف.
ويقال إنَّ السبب في وضعها أنَّ المدينة أرض سبخة أي مالحة.
стр. 3293
فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١١٧٥٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «جُعِلَ فِي لَحْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ، كَانَ أَصَابَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ» قَالَ: فَجَعَلُوهَا لِأَنَّ الْمَدِينَةَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ إلى الحسن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٣/ ٣٧٧):
«وَيُسْتَحَبُّ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ، كَالْمِخَدَّةِ لِلْحَيِّ، وَهُوَ مُشَبَّهٌ بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَيُكْرَهُ قَطِيفَةٌ تَحْتَهُ، لِكَرَاهَةِ الصَّحَابَةِ. وَنَصُّهُ: لَا بَأْسَ بِهَا مِنْ عِلَّةٍ، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ شُقْرَانَ وَضَعَهَا تَحْتَ النَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ مِنْهُمْ، وَيُكْرَهُ مِخَدَّةٌ "و" وَالْمَنْصُوصُ: مُضَرَّبَةٌ "و" قَالَ أَحْمَدُ: مَا أُحِبُّهُمَا.
وَيُدْنِيهِ مِنْ قِبْلَةِ اللَّحْدِ، وَيُسْنَدُ مِنْ خَلْفِهِ، وَيُنْصَبُ عَلَيْهِ لَبِنٌ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٧/ ٣٤):
«هَذِهِ الْقَطِيفَةُ أَلْقَاهَا شُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ كَرِهْتُ أَنْ يَلْبَسَهَا أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ وَضْعِ قَطِيفَةٍ أَوْ مِضْرَبَةٍ أَوْ مِخَدَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ وَشَذَّ عَنْهُمُ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَالَ فِي كِتَابهِ التَّهْذِيبِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَالصَّوَابُ كَرَاهَتُهُ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ شُقْرَانَ انْفَرَدَ بِفِعْلِ ذَلِكَ لَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا عَلِمُوا ذَلِكَ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ شُقْرَانُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ مِنْ كَرَاهَتِهِ أَنْ يَلْبَسَهَا أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُهَا وَيَفْتَرِشُهَا فَلَمْ
стр. 3294
تَطِبْ نَفْسُ شُقْرَانَ أَنْ يَسْتَبْدِلَهَا أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فروى البيهقي عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْعَلَ تَحْتَ الْمَيِّتِ ثَوْبٌ فِي قَبْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَالْقَطِيفَةُ كِسَاءٌ له خمل» اهـ.
مسألة: في الكتابة على القبر.
جاء في النهي عن ذلك ما رواه الترمذي (١٠٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ أَبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُجَصَّصَ القُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرٍ " وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْهُمْ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ، فِي تَطْيِينِ القُبُورِ "، وقَالَ الشَّافِعِيُّ: «لَا بَأْسَ أَنْ يُطَيَّنَ القَبْرُ» اهـ.
ورواه أبو داود (٣٢٢٦) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ عُثْمَانُ: «أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ»، وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: «أَوْ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ: «أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «خَفِيَ عَلَيَّ مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ حَرْفُ وَأَنْ» اهـ.
ورواه ابن ماجه (١٥٦٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى الْقَبْرِ شَيْءٌ».
стр. 3295
وروى النسائي (٢٠٢٧) أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ يُجَصَّصَ» زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: «أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ».
قُلْتُ: الصحيح رواية حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر، وهذا إسناد منقطع بين سليمان وجابر.
قَالَ في [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٤/ ١٣٣):
«قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عَنِ الْكِتَابَةِ مُطْلَقًا كَكِتَابِ اسْمِ صَاحِبِ الْقَبْرِ وَتَارِيخِ وَفَاتِهِ أَوْ كِتَابَةِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ لِلتَّبَرُّكِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُوطَأَ أَوْ يَسْقُطَ عَلَى الْأَرْضِ فَيَصِيرَ تَحْتَ الْأَرْجُلِ.
قَالَ الْحَاكِمُ بَعْدَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ الْإِسْنَادُ صَحِيحٌ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ يَكْتُبُونَ عَلَى قُبُورِهِمْ وَهُوَ شَيْءٌ أَخَذَهُ الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ وَلَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ انْتَهَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ فِيهِ تَحْرِيمُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْقُبُورِ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ كِتَابَةِ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْقَبْرِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ اسْتَثْنَتِ الْهَادَوِيَّةُ رَسْمَ الِاسْمِ فَجَوَّزُوهُ لَا عَلَى وَجْهِ الزَّخْرَفَةِ قِيَاسًا عَلَى وَضْعِهِ ﷺ الْحَجَرَ عَلَى قَبْرِ عُثْمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مِنَ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ وَقَدْ قَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ لَا أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ كَمَا قَالَ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ وَلَكِنِ الشَّأْنُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْقِيَاسِ انْتَهَى» اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِ الْمَالِكِي ﵀ في [الْمَدْخَلِ] (٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣):
следующие страницы →