Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٣ - ٣٩٥):
«القسم الثاني، أن يجده في ملكه المنتقل إليه، فهو له في أحد الوجهين؛ لأنَّه مال كافر مظهور عليه في الإسلام، فكان لمن ظهر عليه كالغنائم، ولأنَّ الركاز لا يملك بملك الأرض، لأنَّه مودع فيها، وإنَّما يملك بالظهور عليه، وهذا قد ظهر عليه، فوجب أن يملكه.
والرواية الثانية، هو للمالك قبله إن اعترف به، وإن لم يعترف به فهو للذي قبله كذلك إلى أول مالك.
وهذا مذهب الشافعي لأنَّه كانت يده على الدار، فكانت على ما فيها.
وإن انتقلت الدار بالميراث، حكم بأنَّه ميراث، فإن اتفق الورثة على أنَّه لم يكن لموروثهم، فهو لأول مالك فإن لم يعرف أول مالك، فهو كالمال الضائع الذي لا يعرف له مالك.
والأول أصح، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ الركاز لا يملك بملك الدار، لأنَّه ليس من أجزائها وإنَّما هو مودع فيها، فينزل منزلة المباحات من الحشيش والحطب والصيد يجده في أرض غيره، فيأخذه، فيكون أحق به، لكن إن ادعى المالك الذي انتقل الملك عنه أنَّه له، فالقول قوله؛ لأنَّ يده كانت عليه، لكونها على محله، وإن لم يدعه، فهو لواجده.
وإن اختلف الورثة، فأنكر بعضهم أن يكون لمورثهم، ولم ينكره الباقون، فحكم من أنكر في نصيبه حكم المالك الذي لم يعترف به، وحكم المعترفين حكم المالك المعترف.
стр. 3502
القسم الثالث، أن يجده في ملك آدمي مسلم معصوم أو ذمي، فعن أحمد ما يدل على أنَّه لصاحب الدار؛ فإنَّه قال، في من استأجر حفاراً ليحفر في داره، فأصاب في الدار كنزاً عادياً: فهو لصاحب الدار.
وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن.
ونقل عن أحمد ما يدل على أنَّه لواجده؛ لأنَّه قال في مسألة من استأجر أجيراً ليحفر له في داره، فأصاب في الدار كنزاً: فهو للأجير. نقل ذلك عنه محمد بن يحيى الكحال.
قال القاضي هو الصحيح. وهذا يدل على أنَّ الركاز لواجده. وهو قول الحسن بن صالح، وأبي ثور.
واستحسنه أبو يوسف.
وذلك لأنَّ الكنز لا يملك بملك الدار، على ما ذكرنا في القسم الذي قبله، فيكون لمن وجده، لكن إن ادعاه المالك.
فالقول قوله؛ لأنَّ يده عليه بكونها على محله. وإن لم يدعه، فهو لواجده.
وَقَالَ الشافعي: هو لمالك الدار إن اعترف به، وإن لم يعترف به، فهو لأول مالك، لأنَّه في يده.
ويخرج لنا مثل ذلك، لما ذكرناه من الرواية في القسم الذي قبله.
وإن استأجر حفاراً ليحفر له طلباً لكنز يجده، فوجده، فلا شيء للأجير، ويكون الواجد له هو المستأجر؛ لأنَّه استأجره لذلك، فأشبه ما لو استأجره ليحتش له أو يصطاد، فإنَّ الحاصل من ذلك للمستأجر دون الأجير.
стр. 3503
وإن استأجره لأمر غير طلب الركاز، فالواجد له هو الأجير.
وهكذا قال الأوزاعي: إذا استأجرت أجيراً ليحفر لي في داري، فوجد كنزاً، فهو له.
وإن قُلْتُ: استأجرتك لتحفر لي هاهنا رجاء أن أجد كنزاً، فسميت له، فله أجره، ولي ما يوجد» اهـ.
٨ - وعموم الحديث يقتضي أنَّه لا فرق في الركاز بين القليل والكثير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٧):
«إذا ثبت هذا فإنَّ الخمس يجب في قليله وكثيره، في قول إمامنا، ومالك، وإسحاق وأصحاب الرأي، والشافعي في القديم.
وَقَالَ في الجديد: يعتبر النصاب فيه؛ لأنَّه حق مال يجب فيما استخرج من الأرض، فاعتبر فيه النصاب، كالمعدن والزرع.
ولنا، عموم الحديث، ولأنَّه مال مخموس، فلا يعتبر له نصاب، كالغنيمة» اهـ.
٩ - ويدل أيضاً أنَّه لا يعتبر في الركاز مضي الحول.
١٠ - ويدل بعمومه على أنَّه لا يختص بالذهب والفضة بل يشمل سائر الْأموال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٧):
«الفصل الثالث، في صفة الركاز الذي فيه الخمس، وهو كل ما كان مالاً على اختلاف أنواعه، من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس والآنية وغير ذلك.
стр. 3504
وهو قول إسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعي، والقول الآخر: لا تجب إلَّا في الأثمان.
ولنا، عموم قوله ﵇: "وفي الركاز الخمس".
ولأنَّه مال مظهور عليه من مال الكفار، فوجب فيه الخمس مع اختلاف أنواعه، كالغنيمة» اهـ.
١١ - وقوله: «وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». الألف والام التي في "الخمس" للعهد أي الخمس المعهود في الإسلام وهو خمس الغنيمة ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ مصرف الخمس مصرف الفيء وهو الصحيح من أقوال العلماء وهناك من جعل مصرفه مصرف الزكاة كما ذهب إلى ذلك الْإِمَام الشافعي ورواية عن أحمد رحمهما الله.
قُلْتُ: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لما سبق بيانه ولأنَّ مشابهة الركاز للفيء أعظم من مشابهته للزكاة، وذلك في عدم اعتبار الحول والنصاب، وفي عدم اختصاصه بشيء معين من دفين الجاهلية، ومن أوجه المشابهة للفيء المشابهة في مقدار ما يجب إخراجه وهو الخمس. والله أعلم.
١٢ - ويدل الحديث بعمومه أنَّ الخمس يخرج من الركاز مطلقاً سواء كان واجده من الأحرار أو العبيد أو من الكبار أو الصغار، أو من الذكور أو الإناث، أو من المسلمين أو من أهل الذمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٤٠٠):
«الفصل الخامس، في من يجب عليه الخمس.
стр. 3505
وهو كل من وجده، من مسلم وذمي، وحر وعبد ومكاتب، وكبير وصغير، وعاقل ومجنون، إلَّا أنَّ الواجد له إذا كان عبداً فهو لسيده؛ لأنَّه كسب مال، فأشبه الاحتشاش والاصطياد، وإن كان مكاتباً ملكه، وعليه خمسه؛ لأنه بمنزلة كسبه، وإن كان صبياً أو مجنوناً فهو لهما، ويخرج عنهما وليهما.
وهذا قول أكثر أهل العلم.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أنَّ على الذمي في الركاز يجده الخمس.
قاله مالك، وأهل المدينة، والثوري، والأوزاعي، وأهل العراق، وأصحاب الرأي، وغيرهم.
وَقَالَ الشافعي: لا يجب الخمس إلَّا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنَّه زكاة.
وحكي عنه في الصبي والمرأة أنَّهما لا يملكان الركاز.
وَقَالَ الثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد: إذا كان الواجد له عبداً، يرضخ له منه، ولا يعطاه كله.
ولنا، عموم قوله ﵇: "وفي الركاز الخمس".
فإنَّه يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل ركاز يوجد، وبمفهومه على أنَّ باقيه لواجده من كان، ولأنَّه مال كافر مظهور عليه، فكان فيه الخمس على من وجده وباقيه لواجده، كالغنيمة، ولأنه اكتساب مال، فكان لمكتسبه إن كان حراً، أو لسيده إن كان عبداً، كالاحتشاش، والاصطياد.
ويتخرج لنا أن لا يجب الخمس إلَّا على من تجب عليه الزكاة، بناء على قولنا إنَّه زكاة. والأول أصح» اهـ.
стр. 3506
١٣ - وظاهر الحديث وجوب إخراج الخمس من الركاز أظهره أو كتمه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (٣/ ٣٤١):
«والواجب فيه الخمس، سواءٌ أظهره أو كتمه.
وقال أبو حنيفة: "هو بالخيار: بين أن يكتمه ولا شيء عليه، وبين أن يظهره ويخرج منه الخمس"» اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ] (٢/ ١٢٩)
«وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: "المَعْدِنُ رِكَازٌ، مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ المَعْدِنُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ قِيلَ لَهُ، قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ، ثُمَّ نَاقَضَ، وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ"» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٥٦):
«وأمَّا قول البخاري عن أبي حنيفة، ثم ناقض، فقال: لا بأس أن يكتمه ولا يؤدى الخمس، فهو تعسف منه، وليس بمناقضة، لأنَّ الطحاوي حكى عن أبي حنيفة أنَّه قال: من وجد ركازًا فلا بأس أن يعطى الخمس للمساكين، وإن كان محتاجًا جاز له أن يأخذه لنفسه، وإنَّما أراد أبو حنيفة أنَّه تأول أنَّ له حقًا في بيت المال، وله نصيب في الفيء، فذلك جاز أن يأخذ الخمس لنفسه عوضًا من ذلك، لا أنَّ أبا حنيفة أسقط الخمس من المعدن بعد ما أوجبه فيه، فتأول عليه البخاري غير ما أراده، وبالله التوفيق» اهـ.
стр. 3507
وأجاب قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ عن ابن بطال فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٦٥) فَقَال: «وَقَدْ نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ الْمَسْأَلَة الَّتِي ذكرهَا بن بَطَّالٍ وَنَقَلَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِ مَعْدِنًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَبِهَذَا يَتَّجِهُ اعْتِرَاضُ الْبُخَارِيِّ» اهـ.
* * *
стр. 3508
١٧٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ. فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ الْنَّبِيِّ اللَّهِ ﷺ .
فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ، إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيراً: فَأَغْنَاهُ اللَّهُ؟ وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً. وَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأَمَّا الْعَبَّاسُ: فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا. ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ"».
قوله: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ، إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيراً: فَأَغْنَاهُ اللَّهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٦١):
«والحديث يقتضي: أنَّه لا عذر له في الترك فإنَّ نقم بمعنى أنكر وإذا لم يحصل له موجب للمنع إلَّا أن كان فقيراً فأغناه الله فلا موجب للمنع وهذا مما تقصده العرب في مثله النفي على سبيل المبالغة بالإثبات كما قال الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب
لأنَّه إن لم يكن فيهم عيب إلَّا هذا - وهذا ليس بعيب - فلا عيب فيهم فكذلك هنا إذا لم ينكر إلَّا كون الله أغناه بعد فقره فلم يكن منكراً أصلاً» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٣٣):
«قوله: "ما ينقِم" بكسر القاف أي ما ينكر أو يكره وقوله: "فأغناه الله ورسوله" إنَّما ذكر رسول الله ﷺ نفسه لأنَّه كان سبباً لدخوله في
стр. 3509
الإسلام فأصبح غنياً بعد فقره بما أفاء الله على رسوله وأباح لأمته من الغنائم وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم لأنَّه إذا لم يكن له عذر إلَّا ما ذكر من أنَّ الله أغناه فلا عذر له» اهـ.
قُلْتُ: ومعنى: «احْتَبَسَ». أي أوقف.
وقوله: «أَدْرَاعَهُ». جمع درع وهو ما يلبس من الحديد في الحرب للوقاية من الرماح وطعنات السيوف.
وقوله: «وَأَعْتَادَهُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤١٦): «قال أهل اللغة: الأعتاد: آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها، والواحد عتاد بفتح العين، ويجمع أعتاداً وأعتدة» اهـ.
وقوله: «صِنْوُ أَبِيهِ». أي مثله وقريبه وأصله النخلتان تخرجان عن أصل واحد ومنه صنوان كما في قول الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - بعث السعاة لجبي الصدقة، والذي يظهر لي أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يبعثهم في شهر معين ولا يراعي اختلاف الناس في أحوالهم لما في ذلك من الحرج الْكَبِيْر فإنَّ أحوال الناس لا تكاد تجتمع في شهر معين، ويدل على ذلك رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٩٣)، وعبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٨٦)، وابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٦٥٨) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عُثْمَانَ
стр. 3510
بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ. فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ. حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ».
قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وقد صرح ابن شهاب بالتحديث عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٦) على أنَّ عنعنته مقبولة عند أهل الحديث.
وأصله في البخاري (٧٣٣٨) مختصراً. وقد سبق هذا الأثر في شرحنا لأول أحاديث الزكاة.
ويقال: إنَّ هذا الشهر هو شهر رمضان.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀ فِي [الأَمْوَالِ] (ص: ٥٣٤) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ، حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَمَنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا تَطَوُّعًا، وَمَنْ أُخِذَ مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الشَّهْرُ مِنْ قَابِلٍ». قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَرَاهُ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ جَاءَنَا فِي بَعْضِ الْأَثَرِ وَلَا أَدْرِي عَنْ مَنْ هُوَ أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ الَّذِي أَرَادَهُ عُثْمَانُ هُوَ الْمُحَرَّمُ اهـ.
قُلْتُ: فهذا الأثر صريح الدلالة في أنَّ عثمان ﵁ كان يجعل للناس شهراً معيناً يجبي فيه زكاة أموالهم.
وهذا في غير الصامت كالذهب والفضة وما ألحق بهما من سائر الأثمان فإنَّه لا يجوز تأخير زكاتها عن الحول إلَّا لعذر شرعي لأنَّها ليست من الْأموال التي تجبيها السعاة فلا معنى لتأخيرها عن حولها.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀ في [الْأَمْوَالِ] (٤٦٧):
стр. 3511
«وإذا حال الحول على مائتي درهم لرجل، ثم ضاع منها بعضها، فإنَّ عليه أن يزكي الباقي بحسابه، وليس يشبه الخمس من الإبل، هذا إذا مات منها واحد بعد الحول، وإنَّما اختلفا؛ لأنَّ الصامت إنَّما يزكيه صاحبه لشهر معلوم عنده، وليس ذلك لرب الماشية؛ لأنَّ حكمها إلى السلطان، إنَّما يبعث في كل عام مرة من يزكيها، وقد تختلف أوقاته في ذلك، فإذا جاءه المصدق مع حلول الحول، وجبت عليه الصدقة حينئذ؛ فلهذا قال من قال: إنَّما تجب الصدقة في المواشي عند مجيء المصدقين. وفرقوا ما بينها وبين الدراهم والدنانير» اهـ.
٢ - فيه ذم من منع الزكاة الواجبة.
٣ - وفيه أنَّ مانع الزكاة لا يكفر.
قُلْتُ: وقد ذهب الْإِمَام أحمد ﵀ في رواية إلى تكفيره مطلقاً، وفي رواية أنَّه لا يكفر حتى يقاتل عليها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٨٨):
«وعن أحمد ما يدل على أنه يكفر بقتاله عليها، فروى الميموني عنه: إذا منعوا الزكاة كما منعوا أبا بكر، وقاتلوا عليها، لم يورثوا، ولم يصل عليهم.
قال عبد الله بن مسعود: ما تارك الزكاة بمسلم.
ووجه ذلك، ما روي أن أبا بكر ﵁ لما قاتلهم، وعضتهم الحرب، قالوا: نؤديها.
قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
ولم ينقل إنكار ذلك عن أحد من الصحابة، فدل على كفرهم» اهـ.
стр. 3512
قُلْتُ: وهذا هو الذي اختاره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فقد قال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٥١٩): «وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان. وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله. وقد حكي عنهم أنَّهم قالوا: إنَّ الله أمر نبيه بأخذ الزكاة بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وقد سقطت بموته» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٤١٢ - ٤١٣):
«وارتد بسبب موت الرسول ﷺ ولما حصل لهم من الضعف جماعات من الناس: قوم ارتدوا عن الدين بالكلية. وقوم ارتدوا عن بعضه فقالوا: نصلي ولا نزكي. وقوم ارتدوا عن إخلاص الدين الذي جاء به محمد ﷺ . فآمنوا مع محمد بقوم من النبيين الكذابين كمسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وغيرهما … » اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ اللهِ ابْنِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بِنِ عَبْدِ الوَّهَابِ الْنَجْدِيِّ رَحِمَهُما اللهُ فِي كِتَابِهِ [الْكَلِمَاتُ النَّافِعَةُ فِي الْمُكَفِرَاتِ الْوَاقِعَةِ] ص (٣١ - ٣٢) -ناقلاً عن شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀:
«وَقَالَ الشيخ ﵀، في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها، أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر ﵄: "والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها"، فجعل المبيح للقتال مجرد
стр. 3513
المنع، لا جحد وجوبها; وقد روي: أنَّ طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها.
ومع هذا، فسيرة الخلفاء فيهم سيرة واحدة، وهي: قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة; وكان من أعظم فضائل الصديق عندهم: أن ثبته الله على قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، حتى ناظرهم فرجعوا إلى قوله.
وأمَّا قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم؛ وهذه حجة من قال: إن قاتلوا الْإِمَام عليها كفروا، وإلَّا فلا؛ فإن كفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة، قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة، بخلاف من لم يقاتل الْإِمَام عليها، فإن في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قيل له: منع ابن جميل; فقال: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله"، فلم يأمر بقتله، ولا حكم بكفره; وفي السنن من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله". الحديث. انتهى.
فتأمل كلامه وتصريحه: بأنَّ الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة إلى الْأِمام، أنَّهم يقاتلون ويحكم عليهم بالكفر والردة عن الإسلام، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، وإن أقروا بوجوب الزكاة، وصلوا الصلوات الخمس، وفعلوا جميع شرائع الإسلام غير أداء الزكاة، وأن ذلك ليس بمسقط للقتال لهم، والحكم عليهم بالكفر والردة، وأن ذلك قد ثبت بالكتاب والسنة، واتفاق الصحابة ﵃، والله أعلم» اهـ.
стр. 3514
٤ - وفي الحديث تذكير من أساء بنعمة الله عليه.
٥ - وفي قوله: «وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً. وَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». ما يدل على أنَّ المال الموقوف لا زكاة فيه وهذا على أحد الأقوال في تأويل الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤١٦):
«ومعنى الحديث: أنَّهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظناً منهم أنَّها للتجارة، وأنَّ الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم علي، فقالوا للنبي ﷺ : إنَّ خالداً منع الزكاة، فقال لهم: إنَّكم تظلمونه؛ لأنَّه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها. ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشح بها؛ لأنَّه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعاً فكيف يشح بواجب عليه؟» اهـ.
قُلْتُ: وهناك قول آخر في معنى الحديث وهو أنَّ خالداً أخرج أدراعه وعتاده عن زكاة ماله.
٦ - فيه مشروعية الوقف.
٧ - وفيه جواز وقف المنقول.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٣/ ٤١٦):
«وفيه دليل على صحة الوقف، وصحة وقف المنقول، وبه قالت الْأُمة بأسرها إلَّا أبا حنيفة وبعض الكوفيين» اهـ.
стр. 3515
٨ - واحتج به بعض العلماء على زكاة التجارة لأنَّ ما عند خالد من الدواب والسلاح لا زكاة في أعيانها فدل ذلك على أنَّهم أرادوا أنَّه منع زكاة التجارة فإنَّها هي التي تجب في قيمة ما لا زكاة في عينه.
قُلْتُ: وليس فيه ذلك الظهور.
٩ - واحتج به الْإِمَام البخاري على إخراج العروض في الزكاة. فقد قال ﵀ في "صَحِيْحِهِ":
«باب العرض في الزكاة.
وَقَالَ طاووس قال معاذ، ﵁، لأهل اليمن ائتوني بعرض ثياب خميص، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي ﷺ بالمدينة.
وَقَالَ النبي ﷺ : "وأمَّا خالد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله".
وَقَالَ النبي ﷺ : "تصدقن ولو من حليكن" فلم يستثن صدقة الفرض من غيرها فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها ولم يخص الذهب والفضة من العروض» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو مذهب أبي حنيفة ﵀.
والذي يظهر لي أنَّ الأصل في الزكاة الإخراج من الجنس إلَّا إذا دعت إلى ذلك المصلحة الراجحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٤/ ٢٥٣):
стр. 3516
«ويجوز أيضاً أن يخرج عن النقود عروضاً من الأقمشة والأطعمة وغيرها، إذا رأى المصلحة لأهل الزكاة في ذلك مع اعتبار القيمة، مثل أن يكون الفقير مجنوناً أو ضعيف العقل أو سفيهاً أو قاصراً، فيخشى أن يتلاعب بالنقود، وتكون المصلحة له في إعطائه طعاماً أو لباساً ينتفع به من زكاة النقود بقدر القيمة الواجبة، وهذا كله في أصح أقوال أهل العلم» اهـ.
١٠ - واحتج به على إخراج الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية وهذا على تقدير أنَّ خالداً أخرج أدرعه وأعتاده في زكاة ماله وجعلها في سبيل الله وهو أحد المصارف الثمانية.
قُلْتُ: وقد سبق الكلام على هذه المسألة في أول حديث من أحاديث الزكاة.
١١ - وفيه الدفاع عن عرض المسلم إذا ظن به سوءً.
١٢ - وفيه الأخذ بقياس الأولى وهذا مبني على أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أخبرهم بأنَّ خالداً قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله مع أنَّ هذا لا يجب عليه فمن باب أولى أن لا يمتنع مما وجب عليه من الزكاة الواجبة.
١٣ - وقوله في الحديث: «وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا». هذه رواية مسلم وهي تدل على أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ تحملها على عمِّه العباس ويدل على ذلك قوله في آخر الحديث: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ». فإنَّ هذا كالتعليل لتحملها عن عمه العباس ﵁.
قُلْتُ: وقد جاء الحديث عند البخاري (١٤٦٨) بلفظ: «فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا».
стр. 3517
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٥/ ١٩):
«لفظ مسلم وأبي داود: "فهي علي ومثلها معها" وفيه قولان:
أحدهما: أنَّه كان تسلف منه صدقة عامين.
والثاني: أنَّه تحملها عنه يؤديها عنه.
ولفظ البخاري والنسائي: "فهي عليه صدقة ومثلها معها" وفيه قولان: أحدهما: أنَّه جعله مصرفاً لها وهذا قبل تحريمها على بني هاشم.
والثاني: أنَّه أسقطها عنه عامين لمصلحة كما فعل عمر عام الرمادة.
ولفظ ابن إسحاق: "هي عليه ومثلها ومعها" حكاه البخاري وفيه قولان: أحدهما: أنَّه أنظره بها ذلك العام إلى القابل فيأخذها ومثلها.
والثاني: أنَّ هذا مدح للعباس وأنَّه سمح بما طلب منه لا يمتنع من إخراج ما عليه بل يخرجه ومثله معه.
وَقَالَ موسى بن عقبة: "فهي له ومثلها معها" ذكره ابن حبان وفيه قولان: أحدهما: أنَّ له بمعنى عليه كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾.
والثاني: إطلاقها له وإخراج النبي ﷺ عنه من عنده براً به ولهذا قال: "أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه"» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٣٣):
«قوله: "فهي عليه صدقة ومثلها معها" كذا في رواية شعيب ولم يقل ورقاء ولا موسى بن عقبة "صدقة" فعلى الرواية الأولى يكون ﷺ ألزمه
стр. 3518
بتضعيف صدقته ليكون أرفع لقدره وأنبه لذكره وأنفى للذم عنه فالمعنى فهي صدقة ثابتة عليه سيصدق بها ويضيف إليها مثلها كرماً» اهـ.
قُلْتُ: أخذ النبي ﷺ لزكاة العباس جاءت فيه أحاديث منها:
ما رواه الترمذي (٦٧٩) حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ الحَكَمِ بْنِ جَحْلٍ، عَنْ حُجْرٍ العَدَوِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُمَرَ: «إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ العَبَّاسِ عَامَ الأَوَّلِ لِلْعَامِ».
وَفِي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، إلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وَحَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الحَجَّاجِ عِنْدِي أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلاً.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مَحِلِّهَا، فَرَأَى طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: أَنْ لَا يُعَجِّلَهَا، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ لَا يُعَجِّلَهَا، وقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنْ عَجَّلَهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ اهـ.
стр. 3519
قُلْتُ: حجر العدوي مجهول ولعله حجية الآتي، فقد رواه أحمد (٨٢٢)، وأبو داود (١٦٢٤)، والترمذي (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٥) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ حُجَيَّةَ، عَنْ عَلِيٍّ، «أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ»، قَالَ مَرَّةً: فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدِيثُ هُشَيْمٍ أَصَحُّ اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٤/ ١١١):
«هذا حديث مختلف فيه على الحكم بن عتيبة فرواه إسماعيل بن زكريا عن حجاج عن الحكم هكذا وخالفه إسرائيل عن حجاج فقال عن الحكم عن حجر العدوي عن علي وخالفه في لفظه فقال قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لعمر: "إنَّا قد أخذنا من العباس زكاة العام عام الأول" ورواه محمد بن عبيد الله هو العرزمي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس في قصة عمر والعباس ﵄ ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم عن موسى بن طلحة عن طلحة. ورواه هشيم عن منصور بن زاذان عن الحكم عن الحسن بن مسلم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مرسلاً أنه قال لعمر ﵁ في هذه القصة: "إنا كنا قد تعجلنا صدقة مال العباس لعامنا هذا عام أول". وهذا هو الأصح من هذه الروايات وروي عن علي ﵁ من وجه آخر مرفوعاً» اهـ.
قُلْتُ: وقد سئل عن هذا الحديث الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ فقال في [الْعِلَلِ] (٣/ ١٨٧ - ١٨٩):
стр. 3520
«هو حديث يرويه الحكم بن عتيبة، واختلف عنه؛ فرواه الحجاج بن دينار، واختلف عن حجاج، فقال إسماعيل بن زكريا عنه: عن الحكم، عن حجية بن عدي، عن علي. وَقَالَ إسرائيل: عن الحجاج بن دينار، عن الحكم، عن حجر العدوي، عن علي.
وَقَالَ محمد بن عبيد الله العرزمي، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. وكلها وهم.
والصواب ما رواه منصور، عن الحكم، عن الحسن بن يناق مرسلاً، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ تعجل صدقة العباس».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي حَاتَمِ ﵀ في [الْعِلَلِ] (١/ ٢١٥):
«وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه أبو عون الزيادي، عن محمد بن ذكوان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: أن النبي ﷺ استعمل عمر على الصدقات، فأتى العباس فمنعه، فشكا عمر إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "عم الرجل صنو أبيه، وإنا تعجلنا من عباس صدقة ماله".
فقالا: هو خطأ، إنما هو منصور، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم بن يناق، أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ بعث عمر مرسل وهو الصحيح» اهـ.
стр. 3521
قُلْتُ: حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ]
(٩٩٨٥) و [الْأَوْسَطِ] (١٠٠٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْمَكِّيُّ، ثنا أَبُو عَوْنٍ الزِّيَادِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» «وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامَيْنِ فِي عَامٍ».
قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٥/ ١٥٧):
«يرويه محمد بن ذكوان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة
وهو وهم والصحيح عن منصور عن الحكم عن الحسن بن مسلم بن يناق مرسلاً» اهـ.
وروى الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٧٨٦٢)، الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢٠١٤) مِنْ طَرِيْقِ شَرِيكٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عُمَرَ سَاعِيًا فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبَّاسِ شَيْءٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ إِنَّ الْعَبَّاسَ أَسْلَفْنَا صَدَقَةَ الْعَامِ عَامِ الْأَوَّلِ».
قُلْتُ: شريك هو القاضي ضعيف الحديث، وإسماعيل هو ابن مسلم المكي ضعيف جداً، وسليمان الأحول لم يسمع من أبي رافع.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧١٥٩) أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أنبأ أَبُو عَلِيٍّ الرَّفَّاءُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ، ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ح وَأَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، أنبأ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثنا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ، يُحَدِّثُ عَنْ
стр. 3522
عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فَذَكَرَ قِصَّةً فِي بَعْثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عُمَرَ ﵁ سَاعِيًا وَمَنْعِ الْعَبَّاسِ صَدَقَتَهُ، وَأَنَّهُ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا صَنَعَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ يَا عُمَرُ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ إِنَّا كُنَّا احْتَجْنَا فَاسْتَسْلَفْنَا الْعَبَّاسَ صَدَقَةَ عَامَيْنِ». لَفْظُ حَدِيثِ الْقَطَّانِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامٍ أَوْ صَدَقَةَ عَامَيْنِ وَفِي هَذَا إِرْسَالٌ بَيْنَ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ وَعَلِيٍّ ﵁ اهـ.
قُلْتُ: وهناك طرق أخرى واهية أعرضت عن ذكرها.
وخلاصة القول أنَّ الحديث لا يثبت وأحسن طريق له طريق الحسن بن مسلم المرسلة. والله أعلم.
١٤ - وفيه عظيم حق العم وأنَّه بمنزلة الأب؛ لقوله: «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ».
وهذا اللفظ لمسلم دون البخاري.
* * *
стр. 3523
١٧١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ ﵁ قَالَ: «لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئاً. فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ. فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهُدَاكُمْ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمْ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي؟ ". كُلَّمَا قَالَ شَيْئاً، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: "مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: "لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا. أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً أَوْ شِعْباً لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا. الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ. إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ"».
وروى البخاري (٣١٤٧)، ومسلم (١٠٥٩) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالاً مِنْ قُرَيْشٍ الْمِئَةَ مِنَ الإِبِلِ فَقَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ قَالَ أَنَسٌ فَحُدِّثَ رَسُولُ اللهِ بِمَقَالَتِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ" قَالَ لَهُ فُقَهَاؤُهُمْ أَمَّا ذَوُو آرَائِنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا يَغْفِرُ
стр. 3524
اللَّهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُ الأَنْصَارَ وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي أُعْطِي رِجَالاً حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَ اللَّهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ" قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ رَضِينَا فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ عَلَى الْحَوْضِ"». قَالَ أَنَسٌ فَلَمْ نَصْبِرْ.
وفي لفظ للبخاري (٤٣٣٤)، ومسلم (١٠٥٩) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁، قَالَ: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: "إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى بُيُوتِكُمْ" قَالُوا بَلَى قَالَ: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ، أَوْ شِعْبَ الأَنْصَارِ"».
وروى أحمد (١١٧٥٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ: "فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا
стр. 3525
سَعْدُ"؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي، وَمَا أَنَا؟ قَالَ: "فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ"، قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ، فَجَمَعَ الأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَرَكَهُمْ، فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ، فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ؟ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ"؟ قَالُوا: بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. قَالَ: "أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ" قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ. قَالَ: "أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلاً فَآسَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ" قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَفَرَّقُوا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - تفضيل المؤلفة قلوبهم بالعطاء من أجل أن يقوى إيمانهم.
стр. 3526
٢ - أنَّ للإمام أن يمنع الغانمين من الغنيمة ويضعها في المؤلفة قلوبهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٨٤ - ٤٨٦):
«فصل: وهذا العطاء الذي أعطاه النبي ﷺ لقريش، والمؤلفة قلوبهم، هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس، أو من خمس الخمس؟ فقال الشافعي ومالك: هو من خمس الخمس، وهو سهمه ﷺ الذي جعله الله له من الخمس، وهو غير الصفي وغير ما يصيبه من المغنم، لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ لم يستأذن الغانمين في تلك العطية، ولو كان العطاء من أصل الغنيمة، لاستأذنهم لأنَّهم ملكوها بحوزها والاستيلاء عليها، وليس من أصل الخمس، لأنَّه مقسوم على خمسة، فهو إذا من خمس الخمس، وقد نص الْإِمَام أحمد على أنَّ النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء هو من النفل، نفل النبي ﷺ به رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به وقومهم على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس، والربع بعده، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله، واستجلاب عدوه إليه، هكذا وقع سواء كما قال بعض هؤلاء الذين نفلهم: لقد أعطاني رسول الله ﷺ وإنَّه لأبغض الخلق إلى، فما زال يعطيني حتى إنَّه لأحب الخلق إلى، فما ظنك بعطاء قوى الإسلام وأهله، وأذل الكفر وحزبه، واستجلب به قلوب رؤوس القبائل والعشائر الذين إذا غضبوا، غضب لغضبهم أتباعهم، وإذا رضوا، رضوا لرضاهم. فإذا أسلم هؤلاء، لم يتخلف عنهم أحد من قومهم، فلله ما أعظم موقع هذا العطاء، وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله.
стр. 3527
ومعلوم: أنَّ الأنفال لله ولرسوله يقسمها رسوله حيث أمره لا يتعدى الْأمر، فلو وضع الغنائم بأسرها في هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة، لما خرج عن الحكمة والمصلحة والعدل، ولما عميت أبصار ذي الخويصرة التميمي وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة. قال له قائلهم: اعدل فإنك لم تعدل. وَقَالَ مشبهه:
إنَّ هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، ولعمر الله إنَّ هؤلاء من أجهل الخلق برسوله، ومعرفته بربه، وطاعته له، وتمام عدله، وإعطائه لله، ومنعه لله، ولله سبحانه أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملة كما منعهم غنائم مكة، وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يسلط عليها ناراً من السماء تأكلها، وهو في ذلك كله أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين، وما فعل ما فعله من ذلك عبثاً، ولا قدره سدى، بل هو عين المصلحة والحكمة والعدل والرحمة، مصدره كمال علمه، وعزته، وحكمته، ورحمته، ولقد أتم نعمته على قوم ردهم إلى منازلهم برسوله ﷺ يقودونه إلى ديارهم، وأرضى من لم يعرف قدر هذه النعمة بالشاة والبعير، كما يعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته، ويعطى العاقل اللبيب ما يناسبه، وهذا فضله، وليس هو سبحانه تحت حجر أحد من خلقه، فيوجبون عليه بعقولهم، ويحرمون، ورسوله منفذ لأمره.
فإن قيل: فلو دعت حاجة الْإِمَام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه، هل يسوغ له ذلك؟
قيل: الْإِمَام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم، وقيام الدين. فإن تعين ذلك للدفع عن الإسلام، والذب عن حوزته، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم، ساغ له ذلك، بل تعين عليه، وهل تجوز الشريعة غير
стр. 3528
هذا، فإنَّه وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين. وبالله التوفيق» اهـ.
قُلْتُ: وجاء في سعة عطاء النبي ﷺ ما رواه مسلم (٢٣١٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ».
٣ - وفي هذا الحديث بيان أنَّ نعمة الهداية إلى الإسلام هي أعظم النعم لابتداء النبي ﷺ بها، ثم بعد ذلك نعمة الاجتماع بعد التفرق، ثم نعمة الغنى بعد الفقر.
٤ - وفيه أنَّ الْإِمَام إذا فعل ما قد يستنكر لعدم معرفة وجهه فعليه أن يبيِّن وجه ما فعل حتى تطمئن النفوس لفعله ولا يظن به غير الحق.
٥ - وفيه اعتراف الأنصار ﵃ أجمعين بمنة الله ورسوله عليهم.
٦ - وفيه أنَّ رجوع الأنصار إلى ديارهم ومعهم رسول الله ﷺ أعظم من متاع الدنيا الزائل. ولهذا قال ﵊: «أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إلَى رِحَالِكُمْ؟».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٥١):
стр. 3529
«فنبههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من عرض الدنيا الفانية قوله بالشاة والبعير اسم جنس فيهما والشاة تقع على الذكر والأنثى وكذا البعير» اهـ.
٧ - وفيه حسن مخاطبة النبي ﷺ ومعاشرته وتواضعه.
٨ - وفيه فضل الأنصار.
٩ - محبة النبي ﷺ لموافقة الأنصار؛ لقوله ﵊: «وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً أَوْ شِعْباً لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا».
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ١٤):
«قوله ﷺ : "لسلكت شعب الأنصار"
قال الخليل: هو ما انفرج بين جبلين، وَقَالَ ابن السكيت: هو الطريق في الجبل.
وفيه: فضيلة الأنصار ورجحانهم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٧/ ١١٢):
«أراد بذلك حسن موافقتهم له لما شاهده من حسن الجوار والوفاء بالعهد وليس المراد أنَّه يصير تابعاً لهم بل هو المتبوع المطاع المفترض الطاعة على كل مؤمن» اهـ.
وَقَالَ الحافظ ﵀ في [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٥٢):
«وأراد ﷺ بهذا وبما بعده التنبيه على جزيل ما حصل لهم من ثواب النصرة والقناعة بالله ورسوله عن الدنيا ومن هذا وصفه فحقه أن يسلك طريقه ويتبع حاله قال الْخَطَّابِي لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب فإذا تفرقت في السفر الطرق
стр. 3530
سلك كل قوم منهم وادياً وشعباً فأراد أنَّه مع الأنصار قال ويحتمل أن يريد بالوادي المذهب كما يقال فلان في واد وأنا في واد» اهـ.
١٠ - ويدل الحديث على قرب الأنصار من رسول الله ﵊ لقوله: «الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ». فإنَّ الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد وسمي بذلك لملاقاته لشعر البدن، والدثار هو الثوب الذي فوق ذلك.
١١ - وفيه معجزة من معجزات النبي ﷺ حيث أخبر الأنصار بأنَّه سوف يستأثر الناس عليهم بالدنيا.
١٢ - وفيه الْأمر بالصبر على أولياء أمور المسلمين إذا استأثروا بالدنيا وأنَّ هذا الصبر يمتد بهم حتى يلاقوا النبي ﷺ على الحوض.
وفي الباب أحاديث منها:
وروى البخاري (٧٠٥٢)، ومسلم (١٨٤٣) عن عَبْدِ اللهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا». قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ».
وروى البخاري (٧٠٥٥، ٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩) عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهْوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَعَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ. فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا
стр. 3531
وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ».
وروى مسلم (١٨٣٦) عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ».
وروى مسلم (١٨٤٦) عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ"».
وروى مسلم (١٨٤٧) عَنْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: كَيْفَ قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ" قَالَ قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ: "تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ"».
١٣ - وفيه تسمية الغنيمة فيئاً وأصل الفيء المال الراجع من الكفار إلى المسلمين، فيطلق الفيء على هذا وعلى المال الذي رجع إلى المسلمين من غير قتال.
стр. 3532
١٤ - وفيه مشروعية الخطبة عند الْأمر الذي يحدث.
١٥ - ويحتج به على بقاء قسم المؤلفة قلوبهم في الصدقات قياساً على بقائهم في الغنائم فإنَّ غزوة حنين كانت في أواخر حياة النبي ﷺ .
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٣٩):
«وأحكامهم كلها باقية.
وبهذا قال الحسن والزهري وأبو جعفر محمد بن علي، وَقَالَ الشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: انقطع سهم المؤلفة بعد رسول الله ﷺ وقد أعز الله تعالى الإسلام وأغناه عن أن يتألف عليه رجال، فلا يعطى مشرك تالفاً بحال» اهـ.
وَقَالَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣١٥)
«مسألة؛ قال: "والمؤلفة قلوبهم، وهم المشركون المتألفون على الإسلام" هذا الصنف الرابع من أصناف الزكاة المستحقون لها.
وَقَالَ أبو حنيفة: انقطع سهمهم.
وهو أحد أقوال الشافعي؛ لما روي أَّن مشركاً جاء يلتمس من عمر مالاً، فلم يعطه، وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
ولم ينقل عن عمر ولا عثمان ولا علي أنَّهم أعطوا شيئاً من ذلك، ولأنَّ الله تعالى أظهر الإسلام، وقمع المشركين، فلا حاجة بنا إلى التأليف.
وحكى حنبل، عن أحمد، أنَّه قال: المؤلفة قد انقطع حكمهم اليوم.
والمذهب على خلاف ما حكاه حنبل، ولعل معنى قول أحمد: انقطع حكمهم.
стр. 3533
أي لا يحتاج إليهم في الغالب، أو أراد أنَّ الأئمة لا يعطونهم اليوم شيئاً، فأمَّا إن احتاج إليهم جاز الدفع إليهم، فلا يجوز الدفع إليهم إلَّا مع الحاجة.
ولنا، على جواز الدفع إليهم قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.
وهذه الآية في سورة براءة، وهي من آخر ما نزل من القرآن على رسول الله ﷺ .
وقد ثبت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعطى المؤلفة من المشركين والمسلمين.
وأعطى أبو بكر ﵁ عدي بن حاتم، وقد قدم عليه بثلاثمائة جمل من إبل الصدقة، ثلاثين بعيراً.
ومخالفة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، واطراحها بلا حجة لا يجوز، ولا يثبت النسخ بترك عمر وعثمان إعطاء المؤلفة، ولعلهم لم يحتاجوا إلى إعطائهم، فتركوا ذلك لعدم الحاجة إليه، لا لسقوطه» اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ الْبَسَّامُ ﵀ في [تَيْسِيْرِ الْعَلَّامِ] (١/ ٢٨٤):
«لم يظهر لي مناسبة واضحة لإيراد المؤلف هذا الحديث في كتاب الزكاة. ولعل ذلك متابعة لمسلم حيث أخرجه في باب الزكاة من صَحِيْحِهِ.
أو لعله أراد أن يبين أنَّ النبي ﷺ في آخر أيام رسالته، وبعد ما أعز الله الإسلام وقواه، أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنيمة.
فيقاس على الغنيمة أن يعطوا من الزكاة خلافاً لمن يرى من العلماء سقوط نصيبهم من الزكاة بعد أن أعز الله الإسلام، كأبي حنيفة وأصحابه.
стр. 3534
والصحيح، جواز إعطائهم تأليفاً لهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك وهو المشهور من مذهب الْإِمَام "أحمد" وهو من مفردات مذهبه.
وليس عند المسقطين لسهمهم ما يعارضون به فعل النبي ﷺ وآية " براءة " التي هي من آخر القرآن نزولاً» اهـ.
стр. 3535
* * *
باب صدقة الفطر.
١٧٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «فَرَضَ الْنَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ - أَوْ قَالَ رَمَضَانَ - عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ: صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ».
وَفِي لَفْظٍ: «أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلاةِ».
رواه البخاري (١٥١١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ - أَوْ قَالَ: رَمَضَانَ - عَلَى الذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالحُرِّ، وَالمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، يُعْطِي التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ، فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ، وَالكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لِيُعْطِي عَنْ بَنِيَّ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ».
ورواه (١٥١٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ».
стр. 3536
ورواه مسلم (٩٨٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
وفي لفظ له: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ».
وفي لفظ له: «فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ رَمَضَانَ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
وفي لفظ له: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ».
وفي لفظ له: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ رَجُلٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - وجوب زكاة الفطر وهو قول عامة العلماء إلَّا من شذ وحكي عن بعض أهل العراق وبعض متأخري المالكية وبعض أصحاب داود أنَّها سنة مؤكدة وأنَّ معنى قوله: "فرض" قُدِّر كقولهم فرض القاضي نفقة اليتيم، وممن ذهب إلى عدم وجوبها ابنُ اللَّبَّانِ من الشافعية.
стр. 3537
قُلْتُ: والصحيح وجوبها وحمل الفرض على التقدير خلاف الظاهر، والأصل في استعمال الفرض أنَّه بمعنى الواجب كما قال الله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١].
وإنَّما تجب زكاة الفطر على من ملك ما يفضل عن قوت يومه وليلته في مذهب جمهور العلماء، وذهب أبو حنيفة إلى وجوبها على من ملك مائتي درهم، ومذهب الجمهور أقرب، والله أعلم.
٢ - وإضافة الصدقة إلى الفطر يدل على أنَّ ابتداء وجوب صدقة الفطر من حصول الفطر وذلك يكون من غروب شمس آخر يوم من رمضان، ودخول أول ليلة من ليالي الفطر.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [تَكْمِلَةِ طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣):
«وبهذا قال الشافعي في قوله الجديد وأحمد بن حنبل وهو إحدى الروايتين عن مالك وحكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه وحكاه ابن قدامة عن سفيان الثوري وَقَالَ أبو حنيفة: وقت وجوبها طلوع الفجر يوم العيد وهو إحدى الروايتين عن مالك وبه قال من أصحابنا مطرف وابن القاسم وابن الماجشون قال القاضي أبو بكر بن العربي وهو الصحيح اهـ وبه قال الشافعي في قوله القديم وحكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي وأبي ثور وحكاه ابن قدامة عن الليث بن سعد وزعم هؤلاء أنَّ طلوع الفجر هو وقت الفطر فإنَّه الذي تجدد فيه الفطر أمَّا الليل فلم يكن قط محلاً للصوم لا في رمضان ولا في غيره قال الشيخ تقي الدين في
стр. 3538
شَرْحِ الْعُمْدَةِ: وكلا الاستدلالين ضعيف؛ لأنَّ إضافتها إلى الفطر من رمضان لا يستلزم أنَّه وقت الوجوب بل يقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان فيقال حينئذ بالوجوب بظاهر لفظة فرض ويؤخذ وقت الوجوب من أمر آخر اهـ.
قُلْتُ: لا معنى لإضافتها للفطر إلَّا أنَّه وقت الوجوب. وَقَالَ ابن العربي إضافتها للتعريف وَقَالَ قوم إلى سبب وجوبها وأنا أقول إلى وقت وجوبها، وسبب وجوبها ما يجري في الصوم من اللغو ثم استدل على ذلك بما في سنن أبي داود عن ابن عباس قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم أو الصيام من اللغو والرفث وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات"» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في تقديمها قبل ذلك فأجاز الْإِمَام أحمد أن تقدم قبل الفطر بيوم أو يومين، وأجاز أبو حنيفة تقديمها من أول الحول، وأجاز الشافعي من أول الشهر.
وحجة من أجاز تقديمها قبل الفطر بيوم أو يومين ما رواه البخاري متصلاً (١٥١١) بحديث الباب: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ».
قُلْتُ: وأثر ابن عمر هذا فيه احتمالان:
стр. 3539
الاحتمال الأول: أنَّه كان يعطى صدقة الفطر الذين يقبلونها من الفقراء والمساكين فيتم الاستدلال به على مشروعية تقديمها على الفطر بمثل هذا المقدار من الزمن.
والاحتمال الآخر: أنَّه كان يعطيها للذين يتقبلونها وهم السعاة الذين وكلهم الْإِمَام بقبضها، وعلى هذا الاحتمال فلا يدل هذا الأثر على جواز تقديمها للفقراء قبل وقت فرضها بل غاية ما فيه أنَّه يجوز أن تدفع للسعاة قبل وجوبها.
ويترجح هذا الاحتمال ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٦٢٩) عَنْ نَافِعٍ، «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ، بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ».
ويدل على تعجيلها للسعاة ما رواه البخاري (٢٣١١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ». الحديث.
٣ - وفيه أنَّ زكاة الفطر على الذكر والأنثى والحر والمملوك، الصغير والْكَبِيْر.
وَقَالَ محمد بن الحسن: ليس في مال الصغير من المسلمين صدقة.
وَقَالَ الحسن، والشعبي: صدقة الفطر على من صام من الأحرار، وعلى الرقيق.
стр. 3540
وقد تنازع العلماء في الزوجة هل تجب زكاة الفطر في مالها، أو من مال زوجها على قولين، الأول مذهب أبي حنيفة، والثاني مذهب الجمهور.
قُلْتُ: جعل الجمهور صدقة الفطر متعلقة بالنفقة فمن وجبت نفقته وجبت عليه زكاة فطره، ودلت على ذلك أحاديث منها:
معضل جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
فروى الشافعي في [الْأُم] (٢/ ٦٢)، في [الْمُسْنَد] (٦٧٦)، و [السُّنَنِ الْمَأْثُوْرِةِ] (٣٧٥) ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٤٧١)، و [الْمَعْرِفَة] (٢٥٤٠) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِمَّنْ تَمُونُونَ».
قُلْتُ: هَذَا شَدِيْدُ الضَّعْفِ من أجل إبراهيم بن محمد وهو ابن أبي يحيى كما جاء مصرحاً به في "السنن المأثورة" وهو متروك الحديث، ومع ذلك فالإسناد معضل.
ورواه الْدَارَقُطْنِي (٢١٠٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَشْعَرِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ آبَائِهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِمَّنْ تَمُونُونَ».
قُلْتُ: إسماعيل بن همام ترجم له الحافظ ابن حجر ﵀ في "اللسان" ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً غير أنَّه من رجال الشيعة، وعلى بن موسى الرضا
следующие страницы →