← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

الدليل الثالث: ما رواه أبو داود (١٥٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ محمد بن داود مجهول، وسليمان بن موسى قال فيه الحافظ ابن حجر: "فيه لين". وجعفر بن سعد قال فيه ابن عبد البر: "ليس بالقوي". وخبيب وأبوه لم يوثقهما معتبر. الدليل الرابع: ما رواه أحمد (٢١٥٩٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، بَلَغَهُ عَنْهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ الْنَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ ابن جريج لم يسمع هذا الحديث من عمران. قَالَ الْحَافِظُ التِّرْمِذِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٢٠٧): «سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: ابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس، يقول: حدثت عن عمران بن أبي أنس» اهـ. والعلة الأخرى الانقطاع بين عمران ومالك بن أوس.

стр. 3467

ورواه الْدَارَقُطْنِي (١٩٣٢، ١٩٣٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٠، ٧٣٩١) مِنْ طَرِيْقِ موسى بن عبيدة قال عن عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان به. قُلْتُ: وموسى بن عبيدة هذا شديد الضعف. وقد أسقطه الحاكم في [مُسْتَدْرَكَهِ] (١٤٣١)، والصواب إثباته. الدليل الخامس: ما رواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١١٧٨)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٨٦) مِنْ طَرِيْقِ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: «فَكَانَ إِذَا خَرَجَ الْعَطَاءُ جَمَعَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ حَسَبَهَا شَاهِدَهَا وَغَائِبَهَا، فَأَخَذَ الزَّكَاةَ مَنْ شَاهَدَ الْمَالَ عَنِ الْغَائِبِ وَالشَّاهِدِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لعنعنة ابن إسحاق. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٥٥٧، ١٠٥٥٨)، والشافعي كما في [الْمُسْنَد] (٦٣٣)، من طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٢) و [الْمَعْرِفَة] (٢٥٠٨)، والبغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (١٥٨٤)، ورواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١١٧٩)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٨٧) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنْ أَبَا عَمْرِو بْنَ حِمَاسٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حِمَاسًا كَانَ يَبِيعُ الْأَدَمَ وَالْجِعَابَ، وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: «يَا حِمَاسُ أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ»، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لِي مَالٌ إِنَّمَا أَبِيعُ الْأَدَمَ وَالْجِعَابَ، فَقَالَ: «قَوِّمْهُ وَأَدِّ زَكَاتَهُ». ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٠٩٩) لكنه قال عبد الملك بن أبي سلمة والصواب عبد الله كما سبق.

стр. 3468

قُلْتُ: أبو عمرو بن حماس عابد من العباد لا يعرف حاله. الدليل السادس: ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٥٦٠)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٤)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٨٨) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَيْسَ فِي الْعُرُوضِ زَكَاةٌ إِلَّا فِي عَرْضٍ فِي تِجَارَةٍ فَإِنَّ فِيهِ زَكَاةٌ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٦٩٠) ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَا كَانَ مِنْ مَالٍ فِي رَقِيقٍ أَوْ فِي دَوَابٍّ أَوْ فِي بَزٍّ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ عَامٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١٧/ ١٢٥): «وممن رأى الزكاة في الخيل والرقيق وسائر العروض كلها إذا أريد بها التجارة عمر وابن عمر ولا مخالف لهما من الصحابة وهو قول جمهور التابعين بالمدينة والبصرة والكوفة وعلى ذلك فقهاء الْأمصار بالحجاز والعراق والشام وهو قول جماعة أهل الحديث. وقد روي عن ابن عباس وعائشة أنَّه لا زكاة في العروض قال سفيان عن ابن أبي ذئب عن القاسم عن عائشة قالت: ليس في العروض صدقة وهذا لو صح كان معناه عندنا أن لا زكاة في العروض إذا لم يرد بها التجارة» اهـ. الدليل السابع: الإجماع:

стр. 3469

قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عُبَيْدٍ ﵀ في [الْأَمْوَالِ] (١/ ٥٢٥): «فعلى هذا أموال التجار عندنا، وعليه أجمع المسلمون أنَّ الزكاة فرض واجب فيها، وأمَّا القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٤١٤): «قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أجمع أهل العلم على أنَّ في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول. روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس. وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، وطاووس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وحكي عن مالك، وداود، أنَّه لا زكاة فيها» اهـ. الدليل الثامن: وهو دليل نظري وتحريره أن يقال: إنَّ عروض التجارة أصلها أثمان مخفية في العروض أشبه ما لو كان له قرض عند آخر. فخفاء الأثمان في العروض كخفاء القرض في ذمة المستدين. ومما يدل على ذلك أنَّ صاحب عروض التجارة لا غرض له في العروض وإنَّما غرضه تنمية المال فحقيقتها أثمان مخفية في العروض أقيمت العروض لتنميتها. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (١٧/ ١٢٥ - ١٢٦): «لأنَّها إذا أريد بها التجارة جرت مجرى العين لأنَّ العين من الذهب والورق تحولت فيها طلباً للنماء فقامت مقامها وكذلك قول كل من روي عنه من التابعين لا زكاة في العروض على هذا محمله عندنا وعلى ما ذكرنا هذا مذهب جمهور

стр. 3470

الفقهاء لأنَّها اشتريت بالذهب والورق لترد إلى الذهب والورق ولا يحصل التصرف في العين إلَّا بذلك فلهذا قامت العروض مقام العين» اهـ. الدليل التاسع: ما احتج به الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ حيث قال في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ١٣٩): «قول الرسول ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وهذا أقوى دليل عندي، ونحن لو سألنا التاجر ماذا يريد بهذه الْأَمْوَالِ، لقال: أريد الذهب والفضة، فإذا اشتريت السلعة اليوم وربحت فيها غداً أو بعد غد بعتها، ليس لي قصد في ذاتها إطلاقاً» اهـ. قُلْتُ: وهذا المذهب هو الأرجح دليلاً والأقوى تعليلاً. والله أعلم. * * *

стр. 3471

١٦٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه. والعجماء: الدابة البهيم. قُلْتُ: معنى: «جُبَارٌ». أي: هدر كما ذكر المؤلف، وسميت البهيمة عجماء لأنَّها لا تتكلم. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - أنَّ ما تجنيه الدابة هدر ما لم يكن صاحبها أو غيره تسبب في ذلك أو كان مفرطاً. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ٢١ - ٢٤): «وأمَّا السائق للدابة أو راكبها أو قائدها فإنَّهم عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين ضامنون لما جنت الدابة من أجلهم وبسببهم وَقَالَ داود وأهل الظاهر: لا ضمان في جرح العجماء على أحد على أي حال كان برجل أو بمقدم لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جعل جرحها جباراً ولم يخص حالاً من حال. قالوا: فلا ضمان على أحد بسبب جناية عجماء إلَّا أن يكون حملها على ذلك وأرسلها عليه فتكون حينئذ كالآلة فيضمن بجناية نفسه وقصده إلى إفساد مال غيره والجناية عليه. قالوا: وكذلك إذا تعدى في إرسالها أو ربطها في موضع لا يجب له ربطها فيه، وأمَّا من لم يقصد إلى ذلك فلا يضمن جناية دابة وإن كان سبب ذلك إذا فعل من

стр. 3472

ركوبها وسياقتها وقيادتها وإرسالها ماله فعله فلا يضمن إلَّا الفاعل القاصد إلَّا أن يجمعوا على غيره في موضع ما فيجب التسليم لإجماعهم في ذلك الموضع خاصة. قال أبو عمر: لا خلاف علمته أنَّ ما جنت يد الإنسان خطأ أنَّه يضمنه في ماله فإن كان دماً فعلى عاقلته تسليماً للسنة المجتمع عليها وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ضمان السائق والراكب والقائد على الأصل الذي قدمنا فافهمه وجاء عن عمر بن الخطاب أنَّه ضمن الذي أجرى فرسه عقل ما أصاب الفرس. وذكر ابن وهب قال أخبرني يونس وابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنَّه سئل عن رجل قاد بدنة فأصابت طيراً فقتلته فقال: "إن كان يقودها أو يسوقها حتى أصابت الطير فقد وجب عليه جزاء ما قتلت وإن لم يكون يقودها ولا يسوقها فليس يجب عليه جزاء ما أصابت". وَقَالَ ابن سيرين: "كانوا لا يضمنون من النفحة ويضمنون من رد العنان" وَقَالَ حماد: "لا يضمن النفحة إلَّا أن ينخس الإنسان الدابة". وعن شريح مثله وَقَالَ حماد أيضاً: "إذا ساق المكاري حماراً عليه امرأة فتخر فلا شيء عليه". وَقَالَ الشعبي: "إذا ساق الدابة أتعبها فهو ضامن لما أصابت وإن كان مسترسلاً لم يضمن". وذكر إسماعيل القاضي قال: حدثنا الهروي قال: حدثنا أشعث عن ابن سيرين عن شريح أنَّه كان يضمن الفارس ما أوطأت دابته بيد أو رجل ويبرئ من النفحة. قال إسماعيل وقاله الحسن والنخعي وذلك لأنَّ الراكب كان سببه. وَقَالَ مالك: "إن فزعها الراكب أو عنتها ضمن ما أصابت برجلها وإن لم يفزعها ولم يعنتها لم يضمن ما أصابت برجلها ويضمن ما أصابت بمقدمها على

стр. 3473

كل حال". وَقَالَ أبو حنيفة وأصحابه في نفحة الدابة برجلها: "إذا كان صاحبها يسير عليها فالضمان عليه". وقد روي عن شريح أنَّه أبطل النفحة بالرجل قال الطحاوي: "لا يمكن التحفظ من الرجل والذنب فهو جبار على كل حال ويمكنه التحفظ من اليد والفم فعليه ضمانه". وَقَالَ أبو حنيفة وأصحابه: "لا ضمان على أصحاب البهائم فيما تفسد وتجنى عليه لا في الليل ولا في النهار إلَّا أن يكون راكباً أو سائقاً أو قائداً أو مرسلاً". وَقَالَ الشافعي: الضمان عن البهائم على وجهين: أحدهما: ما أصابت من الزرع بالليل فأفسدته. والوجه الثاني: إذا كان الرجل راكباً فما أصابت بيدها أو رجلها أو فمها أو ذنبها من نفس أو جرح فهو ضامن لأنَّ عليه منعها في تلك الحال من كل ما تتلف به شيئاً. قال: وكذلك إذا كان سائقاً أو قائداً وكذلك الإبل المقطرة بالبعير لأنَّه قائدها. قال: ولا يجوز في هذا إلَّا ضمان كل ما أصابت به الدابة تحت الراكب أو لا يضمن إلَّا ما حملها عليه لا يصح إلَّا أحد هذين القولين فأمَّا من ضمن عن يدها ولم يضمن عن رجلها فهو تحكم. قال: وأمَّا ما روي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من أنَّ الرجل جبار فهذا خطأ لأنَّ الحفاظ لم يحفظوه هكذا. قال: ولو أوقفها في موضع ليس له أن يوقفها فيه ضمن ولو أوقفها في ملكه لم يضمن. قال: ولو جعل في داره كلباً عقوراً أو حبالة فدخل إنسان فقتله الكلب لم يكن عليه شيء. قال المزني: سواء عندي أذن لذلك الإنسان أن يدخل الدار أو لم يأذن.

стр. 3474

وَقَالَ ابن شبرمة وابن أبي ليلى: يضمن ما أتلفت الدابة برجلها إذا كان عليها أو قادها أو ساقها كما يضمن ما أتلفت وهو عليها بغير رجلها كقول الشافعي سواء. وَقَالَ الأوزاعي والليث بن سعد في هذا الباب كله كقول مالك لا يضمن ما أصابت الدابة برجلها من غير صنعه ويضمن ما أصابت بيدها ومقدمها إذا كان راكباً عليها أو سائقاً لها أو قائداً» اهـ. إلى أن قال ﵀ (٧/ ٢٧ - ٢٨): «لا أعلم خلافاً عن مالك وأصحابه وسائر فقهاء الْأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام أنَّ من أوقف دابته في موضع ليس له أن يوقفها فيه ولا يجوز له ذلك مِنْ طَرِيْقِ ضيق أو غير ذلك مما ليس له أن يفعله فجنت جناية أنَّه ضامنها وإن أوقفها في موضع يعرف الناس مثله توقف فيه الدواب أو يوقف فيه مثل دابته قال ابن حبيب نحو دار نفسه أو باب المسجد أو دار العالم أو القاضي أو ما أشبه ذلك فلا ضمان عليه فيما جنت وكذلك إذا أرسلها في موضع ليس له أن يرسلها فيه ضمن ما جنت» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٨/ ٥٦٠): «وإنَّما جعلت هدرًا إذا كانت منفلتة ليس لها قائد ولا راكب. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وأجمع العلماء أنَّه ليس على صاحب الدابة المنفلتة ضمان فيما أصابت» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ في [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٥٩ - ٢٦٠):

стр. 3475

«والحديث يقتضي: أنَّ جرح العجماء جبار بنصه فيحتمل أن يراد بذلك: جناياتها على الأبدان والْأموال ويحتمل أن يراد: الجناية على الأبدان فقط وهو أقرب إلى حقيقة الجرح وعلى كل تقدير فلم يقولوا بهذا العموم أمَّا جناياتها على الْأموال: فقد فصل في المزارع بين الليل والنهار وأوجب على المالك ضمان ما أتلفته بالليل دون النهار وفيه حديث عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يقتضي ذلك. وأمَّا جناياتها على الأبدان: فقد تكلم فيها إذا كان معها الراكب والسائق والقائد وفصلوا فيه القول واختلفوا في بعض الصور فلم يقولوا بالعموم في إهدار جناياتها فيمكن أن يقال: إنَّ جنايتها هدر إذا لم يكن ثمة تقصير من المالك أو ممن هي تحت يده وينزل الحديث على ذلك» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٥٦): «قوله: "وَقَالَ ابن سيرين كانوا لا يضمنون" بالتشديد "من النفحة" بفتح النون وسكون الفاء ثم حاء مهملة أي الضربة بالرجل يقال نفحت الدابة إذا ضربت برجلها ونفح بالمال رمى به ونفح عن فلان ونافح دفع ودافع. قوله: "ويضمنون من رد العنان" بكسر المهملة ثم نون خفيفة هو ما يوضع في فم الدابة ليصرفها الراكب كما يختار. والمعنى أنَّ الدابة إذا كانت مركوبة فلفت الراكب عنانها فأصابت برجلها شيئاً ضمنه الراكب وإذا ضربت برجلها من غير أن يكون له في ذلك تسبب لم يضمن» اهـ. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ جمهور العلماء لا يرون الضمان في النَفْحة وهو ما ضربته الدابة برجلها لعدم التقصير في ذلك من جهة السائق ولتعسر اتقاء ذلك وهذا الذي يظهر لي رجحانه والله أعلم.

стр. 3476

وأمَّا ما أتلفته البهائم من مزارع الناس فيضمن أصحاب المواشي ما جنته مواشيهم في الليل دون النهار، ويدل على ذلك قضاء نبي الله سليمان ﵊ الذي قصه لنا ربنا في كتابه بقوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. والنفش الرعي ليلاً. وكان من قضاء سليمان في ذلك أنَّه ضمن أصحاب الماشية ما أتلفته ما شيتهم، وذلك أنَّه أعطى أصحاب الحرث الماشية ينتفعون بها ودفع الحرث لأصحاب الغنم يقومون به حتى يعود كما كان ويستردون غنمهم. وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٣٥)، ومن طريقه أحمد (٢٣٧٤١)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ. فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا». قُلْتُ: هَذَا مُرْسَلٌ. وقد تابع مالكاً الليث بن سعد عند ابن ماجه (٢٣٣٢). وسفيان بن عيينة عند أحمد (٢٣٧٤٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٤٦١). والنعمان بن راشد عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٥٣٣٧).

стр. 3477

وتابع حراماً سعيد بن المسيب عند أحمد (٢٣٧٤٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٤٦١). ورواه أحمد (١٨٦٢٩)، وأبو داود (٣٥٧٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٥٣) مِنْ طَرِيْقِ الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب هكذا موصولاً. وقد تابع الأوزاعي في ذلك عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري عند ابن ماجه (٢٣٣٢)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٨٦)، وإسماعيل بن أمية عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٥٧٥٢). قُلْتُ: وقد اختلف أصحاب الأوزاعي عليه فرواه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني عنه مرسلاً وقد أخرج حديثه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٧٤٥٤). وتابعه محمد بن كثير بن أبي عطاء وحديثه عند الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٥٧٨٤). ورواه عنه موصولاً أيوب بن سويد، ومحمد بن يوسف الفريابي، ومحمد بن مصعب، عمرو بن عثمان بن الوليد. قُلْتُ: رواية مالك ومن تابعه هو المحفوظ في حديث الزهري. والله أعلم. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٥/ ٤٦٤) - بعد كلامه على رواية الأوزاعي والاختلاف عنه فيه -: «ثم رجعنا إلى رواية الأثبات في الزهري الذين لا أمثال لهم فيها لنقف على روايتهم إياه عنه، كيف هي؟

стр. 3478

فوجدنا المزني قد حدثنا، قال: حدثنا الشافعي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة، أنَّ ناقة، للبراء دخلت حائط رجل، فأفسدت فيه، ثم ذكر بقية الحديث. ووجدنا المزني قد حدثنا، قال: حدثنا الشافعي، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وحرام بن سعد بن محيصة: أنَّ ناقة، للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، ثم ذكر بقية الحديث. فعاد الحديث إلى الانقطاع، كما رواه مالك، وابن عيينة عليه، عن الزهري، وكان ما رواه عنه عبد الله بن عيسى، وإسماعيل بن أمية، عن الزهري، وإن كان مقدارهما مقداراً جليلاً، لا يجب أن يضاد به ما رواه الحجة في الزهري، مما يخالف ما روياه» اهـ. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٤٣٧)، ومن طريقه أحمد (٢٣٧٤٧)، وأبو داود (٣٥٧١) ثنا معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه. قُلْتُ: وهذا مما شذ به عبد الرزاق. قَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ فِي [سُنَنِه] (٤/ ١٩١): «خالفه وهيب وأبو مسعود الزجاج عن معمر فلم يقولا عن أبيه» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١١/ ٨١ - ٨٢): «ولم يتابع عبد الرزاق على ذلك وأنكروا عليه قوله فيه عن أبيه. حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار قال سمعت أبا داود يقول لم يتابع أحد عبد الرزاق على قوله في هذا الحديث عن أبيه.

стр. 3479

هكذا قال أبو داود لم يتابع عبد الرزاق قال محمد بن يحيى الذهلي لم يتابع معمر على ذلك فجعل محمد بن يحيى الخطأ فيه من معمر وجعله أبو داود من عبد الرزاق على أنَّ محمد بن يحيى لم يرو حديث معمر هذا ولا ذكره في كتابه في علل حديث الزهري إلَّا عن عبد الرزاق لا غير. ثم قال محمد بن يحيى: اجتمع مالك الأوزاعي ومحمد بن إسحاق وصالح بن كيسان وابن عيينة على رواية هذا الحديث عن الزهري عن حرام لم يقولوا عن أبيه إلَّا معمراً فإنَّه قال فيه عن أبيه فيما حدثنا عنه عبد الرزاق إلَّا أنَّ ابن عيينة جمع إلى حرام سعيد بن المسيب. قال: وأما حديث كسب الحجام فمحفوظ فيه عن أبيه وَقَالَ فيه محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده هذا كله كلام محمد بن يحيى. قال أبو عمر: هذا الحديث وإنَّ كان مرسلاً فهو حديث مشهور أرسله الأئمة وحدث به الثقات واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول وجرى في المدينة به العمل وقد زعم الشافعي أنَّه تتبع مراسيل سعيد بن المسيب فألفاها صحاحا وأكثر الفقهاء يحتجون بها وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث» اهـ. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ الصحيح في هذا الحديث الإرسال. لكنه مرسل يتقوى بمجيئه من وجهين: وهما: مرسلا حرام وابن المسيب ويتقوى بالتلقي بالقبول وجريان عمل أكثر العلماء عليه. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٨٩ - ٣٩٠): «وإن لم تكن يد أحد عليها، فعلى مالكها ضمان ما أفسدته من الزرع، ليلاً دون النهار.

стр. 3480

وهذا قول مالك، والشافعي، وأكثر فقهاء الحجاز. وَقَالَ الليث: يضمن مالكها ما أفسدته ليلاً ونهاراً بأقل الْأمرين؛ من قيمتها، أو قدر ما أتلفته، كالعبد إذا جنى. وَقَالَ أبو حنيفة: لا ضمان عليه بحال؛ لقول النبي ﷺ : "العجماء جرحها جبار". يعني هدراً. ولأنَّها أفسدت وليست يده عليها، فلم يلزمه الضمان. كما لو كان نهاراً، أو كما لو أتلفت غير الزرع. ولنا، ما روى مالك، عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة، أنَّ ناقة للبراء دخلت حائط قوم، فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ أنَّ على أهل الْأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم. قال ابن عبد البر: إن كان هذا مرسلاً، فهو مشهور حدث به الأئمة الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول. ولأنَّ العادة من أهل المواشي إرسالها في النهار للرعي، وحفظها ليلاً، وعادة أهل الحوائط حفظها نهاراً دون الليل، فإذا ذهبت ليلًا كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت عادة الحفظ، وإن أتلفت نهاراً، كان التفريط من أهل الزرع، فكان عليهم، وقد فرق النبي ﷺ بينهما، وقضى على كل إنسان بالحفظ في وقت عادته.

стр. 3481

وأمَّا غير الزرع، فلا يضمن؛ لأنَّ البهيمة لا تتلف ذلك عادة، فلا يحتاج إلى حفظها، بخلاف الزرع. فصل: قال بعض أصحابنا: إنَّما يضمن مالكها ما أتلفته ليلاً، إذا كان التفريط منه، بإرسالها ليلاً، أو إرسالها نهاراً، ولم يضمنها ليلاً، أو ضمنها بحيث يمكنها الخروج. أمَّا إذا ضمنها فأخرجها غيره بغير إذنه، أو فتح عليها بابها، فالضمان على مخرجها، أو فاتح بابها؛ لأنَّه المتلف. قال القاضي: هذه المسألة عندي محمولة على موضع فيه مزارع ومراع، أمَّا القرى العامرة التي لا مرعى فيها إلَّا بين قراحين، كساقية وطريق وطرف زرع، فليس لصاحبها إرسالها بغير حافظ عن الزرع، فإن فعله، فعليه الضمان؛ لتفريطه، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي» اهـ. قُلْتُ: وهل يضمن صاحب الماشية ما أتلفته بالقيمة أو بالمثل؟ الذي يظهر لي أنَّ الضمان يكون بالمثل لأنَّه الأصل وهو قضاء سليمان ﵊. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٣٣٢ - ٣٣٣): «فإنَّه إذا أتلف له ثياباً أو حيواناً أو عقاراً ونحو ذلك: فهل يضمنه بالقيمة؟ أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء. وهما قولان في مذهب الشافعي وأحمد. فإنَّ الشافعي قد نص على أنَّه إذا هدم داره بناها كما كانت فضمنه بالمثل. وقد روي عنه في الحيوان نحو ذلك وكذلك أحمد يضمن أولاد المغرور بجنسهم في المشهور عنه وإذا اقترض حيواناً رد مثله في المنصوص عنه.

стр. 3482

وقصة داود وسليمان هي من هذا الباب؛ فإنَّ داود ﵇ قد ضمن أهل الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم بالقيمة وأعطاهم الماشية مكان القيمة. وسليمان ﵇ أمرهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان وينتفعوا بالماشية بدل ما فاتهم من منفعة الحرث. وبهذا أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز لما كان قد اعتدى بعض بني أمية على بستان له فقلعوه وسألوه ما يجب في ذلك؟ فقال: يغرسه كما كان. فقيل له: إنَّ ربيعة وأبا الزناد قالا: تجب القيمة فتكلم الزهري فيهما بكلام مضمونه: أنَّهما خالفا السنة. ولا ريب أنَّ ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إلى العدل من ضمانه بغير جنسه وهو الدراهم والدنانير مع اعتبار القيمة؛ فإنَّ القيمة معتبرة في الموضعين والجنس مختص بأحدهما ولا ريب أنَّ الأغراض متعلقة بالجنس وإلَّا فمن له غرض في كتاب أو فرس أو بستان ما يصنع بالدراهم؟ فإن قيل: يشتري بها مثله قيل: الظالم الذي فوته ماله هو أحق بأن يضمن له مثل ما فوته إياه؛ أو نظير ما أفسده من ماله» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧): «وعلى هذا الأصل تبتني الحكومة المذكورة في كتاب الله التي حكم فيها النبيان الكريمان داود وسليمان صلى الله عليهما وسلم إذ حكما في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم والحرث هو البستان وقد روي أنَّه كان بستان عنب وهو المسمى بالكرم والنفش رعي الغنم ليلاً فحكم داود بقيمة المتلف فاعتبر الغنم فوجدها بقدر القيمة فدفعها إلى أصحاب الحرث إمَّا لأنَّه لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها ورضوا بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلاً عن القيمة وأمَّا سليمان

стр. 3483

فقضى بالضمان على أصحاب الغنم وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان ولم يضيع عليهم مغله من الإتلاف إلى حين العود بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم وقد اعتبر النمائين فوجدهما سواء وهذا هو العلم الذي خصه الله به وأثنى عليه بإدراكه. وقد تنازع علماء المسلمين في مثل هذه القضية على أربعة أقوال: أحدها: موافقة الحكم السليماني في ضمان النفش وفي المثل وهو الحق وهو أحد القولين في مذهب أحمد ووجه للشافعية والمالكية والمشهور عندهم خلافه. والقول الثاني: موافقته في ضمان النفش دون التضمين بالمثل وهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد. والثالث: موافقته في التضمين بالمثل دون النفش كما إذا رعاها صاحبها باختياره دون ما إذا تفلتت ولم يشعر بها وهو قول داود ومن وافقه. والقول الرابع: أنَّ النفش لا يوجب الضمان بحال وما وجب من ضمان الراعي بغير النفش فإنَّه يضمن بالقيمة لا بالمثل وهذا مذهب أبي حنيفة. وما حكم به نبي الله سليمان هو الأقرب إلى العدل والقياس وقد حكم رسول الله ﷺ أنَّ على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضمان على أهلها فصح بحكمه ضمان النفش وصح بالنصوص السابقة والقياس الصحيح وجوب الضمان بالمثل وصح بنص الكتاب الثناء على سليمان بتفهيم هذا الحكم فصح أنَّه الصواب وبالله التوفيق» اهـ.

стр. 3484

قُلْتُ: وإذا أرسل البهائم في النهار بقرب زرع فدخلن فيه فما أتلفن منه فهو من ضمانه لتفريطه. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [الاخْتِيَارَاتِ] (٥٠٢): «ومن أمر رجلاً بإمساك دابة ضارية فجنت عليه ضمنه إن لم يعلمه بها. ويضمن جناية ولد الدابة إن فرط نحو أن يعرفه شموسًا وإلَّا فلا. والدابة إذا أرسلها صاحبها بالليل كان مفرطًا، فهو كما إذا أرسلها قرب زرع. ولو كان معها راكب أو قائد أو سائق فما أفسدت بفمها أو يدها فهو عليه؛ لأنَّه تفريط، وهو مذهب أحمد» اهـ. قُلْتُ: وغير الحرث إذا وقعت عليه البهائم في ليل أو نهار فلا ضمان فيه إلَّا إذا كانت يد مالكها عليها ففي ذلك تفصيل سبق ذكره. وإنَّما قلنا لا ضمان فيه لعموم حديث الباب، ولأنَّ البهيمة لا تتلف ذلك عادة، فلا يحتاج إلى حفظها، بخلاف الزرع. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٩١): «وإن أتلفت البهيمة غير الزرع لم يضمن مالكها ما أتلفته، ليلاً كان أو نهاراً، ما لم تكن يده عليها. وحكي عن شريح، أنَّه قضى في شاة وقعت في غزل حائك ليلاً، بالضمان على صاحبها، وقرأ شريح: ﴿إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾. قال: والنفش لا يكون إلَّا بالليل. وعن الثوري: يضمن، وإن كان نهاراً؛ لأنَّه مفرط بإرسالها.

стр. 3485

ولنا، قول النبي ﷺ : "العجماء جرحها جبار". متفق عليه. أي هدر. وأمَّا الآية، فإن النفش هو الرعي بالليل، فكان هذا في الحرث الذي تفسده البهائم طبعاً بالرعي، وتدعوها نفسها إلى أكله، بخلاف غيره، فلا يصح قياس غيره عليه» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا السيارات الموجودة في هذه الأزمان فيضمن صاحبها إذا حصل منه تفريط أو تعدٍّ وإذا لم يحصل له شيء من ذلك فلا ضمان عليه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٠/ ٢١٥ - ٢١٦): «مسألة: نحن الآن ليس عندنا بهائم فيما يتعلق بالراكب والقائد والسائق، ولكن عندنا سيارات، فالسيارات الحكم فيها مبني على القاعدة، إن كان هناك تعدٍّ أو تفريط من السائق فعليه الضمان، وإن لم يكن تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه. لو فرض أن شخصاً أتى مسرعاً والسيارة تسير في طريقها ثم اصطدم بالسيارة بالجنب أو بالمؤخر فهل على السائق ضمان؟ فالجواب: ليس عليه ضمان أبداً؛ لأنَّه لم يتعدَّ ولم يفرط بل يمشي في الطريق مشياً معتاداً، وهذا هو الذي جاء مسرعاً واصطدم بالسيارة. ولو فرض أن رجلاً يمشي بسيارته في الطريق على العادة وإذا بشخص يقفز ويكون بين عجلتي السيارة، فهل عليه ضمان أو لا؟.

стр. 3486

الجواب: ليس عليه ضمان؛ لأنَّ الرجل لم يتعدَّ ولم يفرط، أمَّا لو رأى رجلاً قفز حتى صار في وسط الطريق وهو يملك السيارة ولكنه تهاون أو ظن أنَّه سوف يجتاز فهذا عليه الضمان، والفرق بينهما أنَّ هذا مفرط والأول غير مفرط» اهـ. قُلْتُ: وقد تكلم الفقهاء المتقدمون عن جملة من مسائل التصادم في السير بين البشر والحيوان والسفن فمن خلال النظر فيما ذكروه يمكن أن يتوصل الناظر إلى أحكام ذلك بالنسبة للمراكب الحديثة، ولذلك أمثلة أذكر بعضها منها: جاء في [الْمُغْنِي] لابن قدامة (٢٠/ ٣٩٩): «"وإذا اصطدم الفارسان، فماتت الدابتان، ضمن كل واحد منهما قيمة دابة الآخر" وجملته أنَّ على كل واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من الآخر، من نفس أو دابة، أو مال، سواء كانت الدابتان فرسين، أو بغلين، أو حمارين، أو جملين، أو كان أحدهما فرساً والآخر غيره، سواء كانا مقبلين، أو مدبرين. وبهذا قال أبو حنيفة، وصاحباه، وإسحاق. وَقَالَ مالك، والشافعي: على كل واحد منهما نصف قيمة ما تلف من الآخر؛ لأنَّ التلف حصل بفعلهما، فكان الضمان منقسماً عليهما، كما لو جرح إنسان نفسه، وجرحه غيره، فمات منهما. ولنا، أنَّ كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وإنَّما هو قربها إلى محل الجناية، فلزم الآخر ضمانها، كما لو كانت واقفة بخلاف الجراحة.

стр. 3487

إذا ثبت هذا، فإنَّ قيمة الدابتين إن تساوتا، تقاصتا وسقطتا، وإن كانت إحداهما أكثر من الأخرى، فلصاحبها الزيادة، وإن ماتت إحدى الدابتين، فعلى الآخر قيمتها، وإن نقصت فعليه نقصها» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي في ذلك صحة ما ذهب إليه الْإِمَام مالك والشافعي وذلك أنَّ هلاك كل واحد من المصطدمين حصل بصَدْمِهِ لصاحبه وبصدم صاحبه له. وينبني على ذلك في تصادم السيارات أنَّ كل صاحب سيارة يضمن نصف ما أتلفه من سيارة الآخر. وهذا إذا استويا في الخطأ، وذلك كأن يكون للسير خط واحد فتسير السيارتان في وسط الطريق فيتلاقيان ويصطدمان، وأمَّا من كان سائراً في خطه وواجهته سيارة خارجة من خطها إلى خطه ولم يتمكن من اتقائها فلا ضمان عليه والضمان على صاحب السيارة الذي تجاوز خطه إلى الخط الآخر. وَقَالَ ابن قدامة ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٣٩٩): «فصل: فإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر، فأدركه الثاني فصدمه، فماتت الدابتان، أو إحداهما، فالضمان على اللاحق؛ لأنَّه الصادم والآخر مصدوم، فهو بمنزلة الواقف» اهـ. قُلْتُ: وهكذا القول في تصادم السيارات إذا كانت السيارة تمشي في طريقها وأدركتها سيارة من خلفها فاصطدمت بها فالضمان على الصادم. لكن إن توقف المتقدم وقوفاً مفاجئاً في وسط الخط من غير عذر فهو المخطئ والضمان عليه، وإن كان لعذر كمرور شخص بين يديه فالأظهر أنَّ الضمان على

стр. 3488

اللاحق لأنَّه لم يجعل بينه وبين السيارة التي أمامه مسافة يستطيع أن يوقف سيارته من غير أن يصطدم في السابق في مثل هذه الصورة ونحوها. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٠٠): «"وإن كان أحدهما يسير، والآخر واقفاً، فعلى السائر قيمة دابة الواقف" نص أحمد على هذا؛ لأنَّ السائر هو الصادم المتلف، فكان الضمان عليه. وإن مات هو أو دابته، فهو هدر؛ لأنَّه أتلف نفسه ودابته» اهـ. وَقَالَ ﵀: «وإن كان الواقف متعدياً بوقوفه، مثل أن يقف في طريق ضيق، فالضمان عليه دون السائر؛ لأنَّ التلف حصل بتعديه، فكان الضمان عليه، كما لو وضع حجراً في الطريق، أو جلس في طريق ضيق، فعثر به إنسان» اهـ. وَقَالَ ﵀ (٢٠/ ٤٠٥): «فصل: وإن كانت إحدى السفينتين قائمة والأخرى سائرة، فلا ضمان على الواقفة، وعلى السائرة ضمان الواقفة، إن كان مفرطاً، ولا ضمان عليه إن لم يفرط، على ما قدمنا» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١١/ ٤٧٠) «وأمَّا إذا كان واقفاً في طريق ضيق للمسلمين .. فعلى عاقلة كل واحد منهما جميع دية الآخر؛ أمَّا الصادم: فلأنَّه قاتل، وأمَّا المصدوم: فلأنَّه كان السبب في قتل الصادم، وهو وقوفه في الطريق الضيق؛ لأنَّه ليس له الوقوف هناك. والفرق بين هذا وبين المتصادمين: أنَّ كل واحد من المتصادمين مات بفعله وفعل صاحبه، وها هنا كل واحد منهما قاتل لصاحبه منفرد بقتله؛ لأنَّ الصادم انفرد بالإصابة، والمصدوم انفرد بالسبب الذي مات به الصادم.

стр. 3489

ومن أصحابنا من قال: ليس على عاقلة المصدوم شيء بحال. والأول أصح. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي في "الإبانة": نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذا كان الرجل واقفاً في الطريق، فصدمه آخر، فماتا: أن دية الصادم هدر، ودية المصدوم - وهو: الواقف - على عاقلة الصادم. وقال فيمن نام في الطريق، فصدمه آخر، فماتا: إن دية النائم هدر، ودية الصادم على عاقلة النائم. فمن أصحابنا من جعل المسألتين على قولين، ومنهم من أجراهما على ظاهرهما، وفرق بينهما بأنَّ الإنسان قد يقف في الطريق ليجيب داعياً وما أشبهه، فأما النوم والقعود: فليس له ذلك» اهـ. قُلْتُ: كلام ابن قدامة أحسن. وهكذا في السيارات إذا كان الواقف في غير خط السير فالضمان على السائر. لكن إن كان واقفاً في خط السير فتختلف الأحكام باختلاف موضع الوقوف. فإذا كان واقفاً في خط ضيق من خطوط السير فعلى كلام ابن قدامة يضمن الواقف مطلقاً لتعديه بالوقوف وهذا محمول على ما إذا لم يعلم به السائر بحيث أنَّه لم يمكنه أن يتقي الاصطدام به. وإن كان الوقوف في خطٍ واسع مكشوف فالضمان على السائر، مع أنَّ الواقف مخطئٌ في وقوفه. لكن إن كان وقوفه بعد منعطف مستور فالضمان على الواقف لحصول التفريط منه دون السائر. والله أعلم.

стр. 3490

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٠٠): «وإن انحرف الواقف، فصادفت الصدمة انحرافه، فهما كالسائرين؛ لأنَّ التلف حصل من فعلهما» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (١١/ ٤٦٩): «فإن انحرف الواقف، فوافق انحرافه صدمة الصادم، فماتا .. فقد مات كل واحد منهما بفعله وفعل صاحبه، فيكونان كالمتصادمين، فيجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر، ويهدر النصف، ولو صدمه بعدما استقر انحرافه .. كان كما لو لم ينحرف» اهـ. قُلْتُ: وهذا الذي ذكراه قد يستقيم القول فيه في بعض المسائل المتعلقة بسير السيارات ولا يستقيم في البعض الآخر. فعلى سبيل المثال: إذا أرادت سيارة واقفة في غير خطوط السير أن تتجه إلى اليسار فانصدمت بها سيارة أخرى بسبب انحرافها فالضمان عليهما تفريعاً لما ذكراه، وقد يقال: إنَّ الضمان على المنحرف لأنَّه هو المتسبب للاصطدام بسبب انحرافه وهو الأظهر، وذلك أنَّه كان عليه أن ينظر قبل اتجاهه هل توجد سيارة سائرة في تلك الجهة أو لا. وأمَّا إن كان انحراف الواقفة إلى خط السير فصادفت الصدمة انحرافها فالذي يظهر لي أنَّ الضمان على المنحرفة على كل حال لحصول التفريط من جهتها. والله أعلم.

стр. 3491

وإذا كانت السيارتان سائرتين وحصل انحراف من السيارة المتقدمة فإذا كان انحرافها إلى جهة اليسار فقد يقال: إنَّ الضمان على سائقها لأنَّه هو المتسبب للاصطدام، وقد يقال عليهما لأنَّ المتجاوز ينبغي أن يشعر من يريد أن يتجاوزه بذلك وهذا الأظهر، وأمَّا إذا انحرف إلى جهة اليمين فلا ضمان عليه لأنَّ المتجاوز من جهة اليمين هو المخطئ كما هو مقرر في نظام السير، وهذا الذي يظهر لي صحته. والله أعلم. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢٠/ ٤٠٣ - ٤٠٤): «مسألة: قال: "وإذا وقعت السفينة المنحدرة على المصاعدة، فغرقتا، فعلى المنحدرة قيمة السفينة المصاعدة، أو أرش ما نقصت إن أخرجت، إلَّا أن يكون قيم المنحدرة غلبته الريح، فلم يقدر على ضبطها". وجملته أنَّ السفينتين إذا اصطدمتا، لم تخل من حالين؛ أحدهما، أن تكونا متساويتين، كاللتين في بحر أو ماء واقف، أو كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة، فنبدأ بما إذا كانت إحداهما منحدرة والأخرى مصاعدة؛ لأنَّها مسألة الكتاب، ولا يخلو من حالين؛ أحدهما، أن يكون القيم بها مفرطاً، بأن يكون قادراً على ضبطها، أو ردها عن الأخرى، فلم يفعل، أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى، فلم يفعل، أو لم يكمل آلتها من الحبال والرجالات وغيرهما، فعلى المنحدر ضمان المصاعدة؛ لأنَّها تنحط عليها من علو، فيكون ذلك سبباً لغرقها، فتنزل المنحدرة بمنزلة السائر، والمصاعدة بمنزلة الواقف.

стр. 3492

وإن غرقتا جميعاً، فلا شيء على المصعد، وعلى المنحدر قيمة المصعد، أو أرش ما نقصت إن لم تتلف كلها، إلَّا أن يكون التفريط من المصعد؛ بأن يمكنه العدول بسفينته، والمنحدر غير قادر ولا مفرط، فيكون الضمان على المصعد؛ لأنَّه المفرط. وإن لم يكن من واحد منهما تفريط، لكن هاجت ريح، أو كان الماء شديد الجرية، فلم يمكنه ضبطها، فلا ضمان عليه؛ لأنَّه لا يدخل في وسعه ضبطها، ولا يكلف الله نفساً إلَّا وسعها» اهـ. قُلْتُ: وشبيه بذلك إذا فقد السائق التحكم بالسيارة في أثناء سيره من غير تفريط سابق منه بحيث يكون قد نظر فيها قبل السير فوجدها سليمة ولم يكن قد تجاوز الحد في السرعة فإنَّه حينئذ إذا انصدم بسيارة أخرى فلا يضمن. ثم قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: «الحال الثاني: أن يكونا متساويتين، فإن كان القيمان مفرطين، ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر، بما فيها من نفس ومال، كما قلنا في الفارسين يصطدمان، وإن لم يكونا مفرطين، فلا ضمان عليهما. وللشافعي في حال عدم التفريط قولان؛ أحدهما، عليهما الضمان؛ لأنَّهما في أيديهما، فلزمهما الضمان، كما لو اصطدم الفارسان؛ لغلبة الفرسين لهما. ولنا، أنَّ الملاحين لا يسيران السفينتين بفعلهما، ولا يمكنهما ضبطهما في الغالب، ولا الاحتراز من ذلك، فأشبه ما لو نزلت صاعقة أحرقت السفينة، ويخالف الفرسين، فإنَّه ممكن ضبطهما، والاحتراز من طردهما. وإن كان أحدهما مفرطاً وحده، فعليه الضمان وحده، وإن اختلفا في تفريط القيم، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنَّ الأصل عدم التفريط، وهو أمين، فهو كالمودع.

стр. 3493

وعند الشافعي، أنَّهما إذا كان مفرطين، فعلى كل واحد من القيمين ضمان نصف سفينته ونصف سفينة صاحبه، كقوله في اصطدام الفارسين، على ما مضى» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٤/ ٢٤٠): «لو اصطدمت سفينتان فغرقت إحداهما بما فيها ففي الْمَجْمُوْعة والموازية لابن القاسم عن مالك لا شيء في ذلك على أحد؛ لأنَّ الريح تغلبهم، والفرق بين السفينتين والفرسين أنَّ السفينة لا تجري إلَّا بالريح، ولا عمل في ذلك للسفينتين، وأمَّا الفرسان فجريهما من فعلهما، والفارسان أرسلاهما على ذلك، وحركاهما إليه» اهـ. قُلْتُ: وهذا الفرق الذي ذكره بين السفينة والفارس من كون السفينة تجري بغير فعلها فلا ضمان بما حصل منها من جناية بغير تفريط، والفرس يجري من فعله فيضمن مطلقاً قد يؤخذ منه الضمان في اصطدام السيارتين مطلقاً وفيه ضعف. ومثله قَوْلُ الْعَلَّامَةِ النَّوَوِيِّ ﵀ في [رَوْضَةِ الْطَالِبِيْنَ] (٩/ ٣٣١): «ولو غلبتهما الدابتان فجرى الاصطدام والراكبان مغلوبان فالمذهب أنَّ المغلوب كغير المغلوب كما سبق وفي قول أنكره جماعه أنَّ هلاكهما وهلاك الدابتين هدر إذ لا صنع لهما ولا اختيار فصار كالهلاك بآفة سماوية» اهـ. وعلل ذلك في موضع آخر بإمكان ضبط الدابة بالجام فقال (٩/ ٣٣٧): «وإن لم يوجد منهما تقصير وحصل الهلاك بغلبة الرياح وهيجان الْأمواج ففي وجوب الضمان قولان أحدهما: نعم كالفارسين إذا غلبتهما دابتاهما. وأصحهما لا

стр. 3494

لعدم تقصيرهما كما لو حصل الهلاك بصاعقة بخلاف غلبة الدابة فإنَّ ضبطها ممكن باللجام» اهـ. قُلْتُ: وبناء على ذلك فإنَّ إلحاق السيارة التي فقد السائق التحكم بها أشبه ما يكون بالسفينة التي فقد الملاح التحكم بها بسبب هيجان الريح. وذلك أنَّ السيارة لا يمكن إيقافها والتحكم بها كالسفينة وأمَّا الدابة فيمكن إيقافها باللجام وإن هاجت. والله أعلم. ٢ - ويدل الحديث أنَّ البئر هدر والمعنى أنَّ من حفر بئراً في مكان مأذون له فيه فسقط فيه إنسان أو حيوان أنَّه لا ضمان عليه، وأمَّا من كان متعدٍ في حفره كأن يحفر في طرق الناس الضيقة وأسواقهم فعليه الضمان. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ٢٨ - ٢٩): «وأمَّا قوله ﷺ في هذا الحديث: "والبير جبار" فمعناه أنَّه لا ضمان على رب البير وحافرها إذا سقط فيها إنسان أو دابة أو غير ذلك فتلف وعطب هذا إذا كان حافر البير قد حفرها في موضع يجوز له أن يحفرها فيه مثل أن يحفرها في فنائه أو في ملكه أو في داره أو في صحراء للماشية أو في طريق واسع محتمل ونحو ذلك وهذا كله قول مالك والشافعي وداود وأصحابهم وقول الليث بن سعد. قال ابن القاسم: قال مالك: للإنسان أن يحفر في الطريق بيراً يحدثها للمطر وله أن يحفر إلى جنب حائطه مرحاضاً وله أن يحدث في داره ميزاباً ولا يضمن ما عطب بشيء من ذلك.

стр. 3495

قال: وما حفره في الطريق مما لا يجوز له لضيق الطريق أو لغير ذلك ضمن ما عطب به. وَقَالَ ابن القاسم أيضاً عن مالك: إن حفر في داره بيراً لسارق يرصده ليقع فيه أو وضع له حبالات أو شيئاً يتلف به السارق فدخل فعطب فهو ضامن. قال أبو عمر: وجه قوله هذا أنَّه لم يحفر البير لمنفعته وإنَّما حفرها قاصداً ليعطب بها غيره فهو الجاني حينئذ والله أعلم. وأمَّا الشافعي فلا ضمان عليه عنده في هذا فيما علمت. وَقَالَ أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد له أن يحدث في الطريق ما لا يضر به قالوا وهو ضامن لما أصابه. قال أبو عمر: قوله ﷺ "والبير جبار" يدفع الضمان عن ربها في كل ما سقط فيها بغير صنيع آدمي والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: ولا ضمان عند الحنابلة في مسألة السارق إذا تلف في الحفيرة التي أعدها مالك الدار له. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٢٦٦): «فَأَمَّا إنْ خَلَطَ السُّمَّ بِطَعَامِ نَفْسِهِ وَتَرَكَهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَدَخَلَ إنْسَانٌ فَأَكَلَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَوَقَعَ فِيهَا، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِذَلِكَ قَتْلَ الْآكِلِ، مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ظَالِمًا يُرِيدُ هُجُومَ دَارِهِ، فَتَرَكَ السُّمَّ فِي الطَّعَامِ لِيَقْتُلهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِهِ لِيَقَعَ فِيهَا اللِّصُّ إذَا دَخَلَ لِيَسْرِقَ مِنْهَا» اهـ. ٣ - ويدل الحديث أنَّ المعدن هدر والمراد من استأجر عاملاً لاستخراج بعض المعادن فهلك العامل عند استخراجه للمعدن كأن ينهار عليه شيء منها فلا ضمان

стр. 3496

على من استأجره، وهكذا من سقط فيها إذا كان ذلك الحفر ليس فيه تعدي على ما سبق بيانه في البئر. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ٢٩): «وأمَّا قوله ﷺ في هذا الحديث "والمعدن جبار" فتأويله أنَّ المعادن المطلوب فيها الذهب والفضة تحت الأرض إذا سقط شيء منها وانهار على أحد من العاملين فيها فمات أنَّه هدر لا دية له في بيت المال ولا غيره وكذلك من سقط فيها فعطب بعد حفرها» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٢٥٦): «فلو حفر معدناً في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدمه هدر وكذا لو استأجر أجيراً يعمل له فانهار عليه فمات ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات» اهـ. قُلْتُ: ويدخل في معنى الحديث الإصابات الناتجة من الألآت الصناعية فإنَّه لا ضمان على أصحاب العمل إلَّا إذا كانت الإصابة ناتجة من تفريط من جهة أصحاب الأعمال. ٤ - وفي الحديث إيجاب الخمس في الركاز. والركاز هو دفين أهل الجاهلية. وفي اشتقاقه قولان: الأول: من ركز يركز بمعنى غرز وثبت ومنه ركز الرمح إذا غرزه وثبته في الأرض. والآخر: من ركز يركز إذا خفى.

стр. 3497

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩١): «والركاز: المدفون في الأرض. واشتقاقه من ركز يركز. مثل غرز يغرز: إذا خفي. يقال: ركز الرمح، إذا غرز أسفله في الأرض. ومنه الركز، وهو الصوت الخفي، قال الله تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾» اهـ. قُلْتُ: والركاز الذي يجب فيه الخمس هو ما كان من دفن الجاهلية ويعرف ذلك بأمور ذكرها الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٢) فقال: «الفصل الأول، أنَّ الركاز الذي يتعلق به وجوب الخمس ما كان من دفن الجاهلية. هذا قول الحسن، والشعبي، ومالك والشافعي، وأبي ثور. ويعتبر ذلك بأن ترى عليه علاماتهم، كأسماء ملوكهم، وصورهم وصلبهم، وصور أصنامهم، ونحو ذلك. فإن كان عليه علامة الإسلام، أو اسم النبي ﷺ أو أحد من خلفاء المسلمين، أو وال لهم، أو آية من قرآن أو نحو ذلك، فهو لقطة؛ لأنَّه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه. وإن كان على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامة الكفر، فكذلك. نص عليه أحمد، في رواية ابن منصور؛ لأنَّ الظاهر أنَّه صار إلى مسلم، ولم يعلم زواله عن ملك المسلمين، فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٥٢):

стр. 3498

«قال ابن حبيب: الركاز دفن الجاهلية خاصة، والكنز دفن الإسلام، فدفن الإسلام فيه التعريف ودفن الجاهلية فيه الخمس في قليله وكثيره، وباقية لمن وجده سواء كان في أرض العرب، أو أرض عنوة، أو صلح، قاله مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ، ورواه ابن وهب، عن علي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والليث، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي» اهـ. ٥ - والعطف بين المعدن والركاز يدل على أنَّ الركاز غير المعدن إذ لو كانا بمعنى واحد لاكتفى بأحدهما عن الآخر ولقال مثلاً: والمعدن جبار وفيه الخمس، وفي هذا رد على أبي حنيفة الذي جعلهما بمعنى واحد وأوجب فيهما الخمس. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ في [الْمُفْهِم] (١٦/ ٦١): «قوله: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس"؛ هكذا جاء هذا الحديث بمجموع هذه الْأُمور. فظاهره: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ذكرها في وقت واحد متصلة مجموعة، ويكون فيه حجة لمالك على أبي حنيفة: في أنَّ الركاز ليس هو المعدن؛ إذ قد عدل عن لفظ المعدن إلى اسم آخر في مساق واحد، وذكره بعده. فلو كان الركاز هو المعدن لقال: والمعدن جبار وفيه الخمس. وكان يكون أيسر، وأفصح، وأبعد عن الإشكال، بل لو ذكر لفظ المعدن نفسه بدل الركاز فقال: وفي المعدن الخمس، لكان مستقبحاً عند الفصحاء، فإنَّه وضع الظاهر موضع المضمر من غير فائدة، ولا تفخيم، بل مع ما يجره من اللبس. وهذا النوع من الكلام ركيك، ويجل كلام الشارع أن يحمل عليه. ويحتمل أن يقال: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ذكر هذه الْأُمور في أوقات

стр. 3499

مختلفة، فجمعها الراوي، وساقها سياقة واحدة، وحينئذ لا يكون فيه حجة على ما ذكرناه، لكن الظاهر الأول، والله تعالى أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ١٣٤): «وأمَّا قوله ﷺ : "وفي الركاز الخمس" ففيه تصريح بوجوب الخمس فيه، وهو زكاة عندنا. والركاز هو دفين الجاهلية، وهذا مذهبنا ومذهب أهل الحجاز وجمهور العلماء، وَقَالَ أبو حنيفة وغيره من أهل العراق: هو المعدن، وهما عندهم لفظان مترادفان، وهذا الحديث يرد عليهم؛ لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ فرق بينهما، وعطف أحدهما على الآخر، والأصل الركاز في اللغة: الثبوت. والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٦٥): «والفرق بين المعدن والركاز في الوجوب وعدمه أنَّ المعدن يحتاج إلى عمل ومؤنة ومعالجة لاستخراجه بخلاف الركاز وقد جرت عادة الشرع أنَّ ما غلظت مؤنته خفف عنه في قدر الزكاة وما خفت زيد فيه وقيل: إنَّما جعل في الركاز الخمس لأنَّه مال كافر فنزل من وجده منزلة الغنائم فكان له أربعة أخماسه. وَقَالَ الزين بن المنير كأنَّ الركاز مأخوذ من أركزته في الأرض إذا غرزته فيها وأمَّا المعدن فإنَّه ينبت في الأرض بغير وضع واضع هذه حقيقتهما فإذا افترقا في أصلهما فكذلك في حكمهما» اهـ. ٦ - وعموم الحديث يقتضي عدم التفريق بين أرض الحرب أو الأرض التي فتحت عنوة أو صلحاً وغير ذلك وهذا مذهب الجمهور. وخالف في ذلك الْإِمَام مالك، والحسن البصري.

стр. 3500

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٧/ ٢٩): «فقال مالك: الركاز في أرض العرب للواجد وفيه الخمس. قال: وما وجد من ذلك في أرض الصلح فإنَّه لأهل تلك البلاد ولا شيء للواجد فيه. قال: وما وجد في أرض العنوة فهو للجماعة الذي افتتحوها وليس لمن أصابه دونهم ويؤخذ خمسه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٥٢): «وروى ابن القاسم عن مالك في "العتبية" أنَّه فرق بين أرض العنوة، والصلح في ذلك، فقال: من أصابه ببلد العنوة فليس لمن وجده، وفيه الخمس وأربعة أخماسه لمن افتتح تلك البلاد، ولورثتهم إن هلكوا، ويتصدق به عنهم إن لم يعرفوا» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٥٤): «وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لا خلاف بين العلماء أنَّ في الركاز الخمس، ولا نعلم أحدًا خالف ذلك إلَّا الحسن البصري فأوجب فيه الخمس إذا وجد في أرض الحرب، وأوجب الزكاة فيه إذا وجد في أرض العرب، قال غيره: وهذا غلط، لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ، قال: "وفي الركاز الخمس"، وهذا عموم في كل ركاز سواء كان في أرض العرب أو غيرها، لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ، لم يخص أرضًا دون أرض» اهـ. ٧ - وعموم الحديث يشمل من وجده في أرض موات أو في ملكه أو في ملك غيره فهو له ويخرج منه الخمس وفي ذلك خلاف بين أهل العلم.

стр. 3501

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٣ - ٣٩٥): «القسم الثاني، أن يجده في ملكه المنتقل إليه، فهو له في أحد الوجهين؛ لأنَّه مال كافر مظهور عليه في الإسلام، فكان لمن ظهر عليه كالغنائم، ولأنَّ الركاز لا يملك بملك الأرض، لأنَّه مودع فيها، وإنَّما يملك بالظهور عليه، وهذا قد ظهر عليه، فوجب أن يملكه. والرواية الثانية، هو للمالك قبله إن اعترف به، وإن لم يعترف به فهو للذي قبله كذلك إلى أول مالك. وهذا مذهب الشافعي لأنَّه كانت يده على الدار، فكانت على ما فيها. وإن انتقلت الدار بالميراث، حكم بأنَّه ميراث، فإن اتفق الورثة على أنَّه لم يكن لموروثهم، فهو لأول مالك فإن لم يعرف أول مالك، فهو كالمال الضائع الذي لا يعرف له مالك. والأول أصح، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ الركاز لا يملك بملك الدار، لأنَّه ليس من أجزائها وإنَّما هو مودع فيها، فينزل منزلة المباحات من الحشيش والحطب والصيد يجده في أرض غيره، فيأخذه، فيكون أحق به، لكن إن ادعى المالك الذي انتقل الملك عنه أنَّه له، فالقول قوله؛ لأنَّ يده كانت عليه، لكونها على محله، وإن لم يدعه، فهو لواجده. وإن اختلف الورثة، فأنكر بعضهم أن يكون لمورثهم، ولم ينكره الباقون، فحكم من أنكر في نصيبه حكم المالك الذي لم يعترف به، وحكم المعترفين حكم المالك المعترف.

стр. 3502

القسم الثالث، أن يجده في ملك آدمي مسلم معصوم أو ذمي، فعن أحمد ما يدل على أنَّه لصاحب الدار؛ فإنَّه قال، في من استأجر حفاراً ليحفر في داره، فأصاب في الدار كنزاً عادياً: فهو لصاحب الدار. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن. ونقل عن أحمد ما يدل على أنَّه لواجده؛ لأنَّه قال في مسألة من استأجر أجيراً ليحفر له في داره، فأصاب في الدار كنزاً: فهو للأجير. نقل ذلك عنه محمد بن يحيى الكحال. قال القاضي هو الصحيح. وهذا يدل على أنَّ الركاز لواجده. وهو قول الحسن بن صالح، وأبي ثور. واستحسنه أبو يوسف. وذلك لأنَّ الكنز لا يملك بملك الدار، على ما ذكرنا في القسم الذي قبله، فيكون لمن وجده، لكن إن ادعاه المالك. فالقول قوله؛ لأنَّ يده عليه بكونها على محله. وإن لم يدعه، فهو لواجده. وَقَالَ الشافعي: هو لمالك الدار إن اعترف به، وإن لم يعترف به، فهو لأول مالك، لأنَّه في يده. ويخرج لنا مثل ذلك، لما ذكرناه من الرواية في القسم الذي قبله. وإن استأجر حفاراً ليحفر له طلباً لكنز يجده، فوجده، فلا شيء للأجير، ويكون الواجد له هو المستأجر؛ لأنَّه استأجره لذلك، فأشبه ما لو استأجره ليحتش له أو يصطاد، فإنَّ الحاصل من ذلك للمستأجر دون الأجير.

стр. 3503

وإن استأجره لأمر غير طلب الركاز، فالواجد له هو الأجير. وهكذا قال الأوزاعي: إذا استأجرت أجيراً ليحفر لي في داري، فوجد كنزاً، فهو له. وإن قُلْتُ: استأجرتك لتحفر لي هاهنا رجاء أن أجد كنزاً، فسميت له، فله أجره، ولي ما يوجد» اهـ. ٨ - وعموم الحديث يقتضي أنَّه لا فرق في الركاز بين القليل والكثير. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٧): «إذا ثبت هذا فإنَّ الخمس يجب في قليله وكثيره، في قول إمامنا، ومالك، وإسحاق وأصحاب الرأي، والشافعي في القديم. وَقَالَ في الجديد: يعتبر النصاب فيه؛ لأنَّه حق مال يجب فيما استخرج من الأرض، فاعتبر فيه النصاب، كالمعدن والزرع. ولنا، عموم الحديث، ولأنَّه مال مخموس، فلا يعتبر له نصاب، كالغنيمة» اهـ. ٩ - ويدل أيضاً أنَّه لا يعتبر في الركاز مضي الحول. ١٠ - ويدل بعمومه على أنَّه لا يختص بالذهب والفضة بل يشمل سائر الْأموال. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٣٩٧): «الفصل الثالث، في صفة الركاز الذي فيه الخمس، وهو كل ما كان مالاً على اختلاف أنواعه، من الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس والآنية وغير ذلك.

стр. 3504

وهو قول إسحاق، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعي، والقول الآخر: لا تجب إلَّا في الأثمان. ولنا، عموم قوله ﵇: "وفي الركاز الخمس". ولأنَّه مال مظهور عليه من مال الكفار، فوجب فيه الخمس مع اختلاف أنواعه، كالغنيمة» اهـ. ١١ - وقوله: «وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». الألف والام التي في "الخمس" للعهد أي الخمس المعهود في الإسلام وهو خمس الغنيمة ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ مصرف الخمس مصرف الفيء وهو الصحيح من أقوال العلماء وهناك من جعل مصرفه مصرف الزكاة كما ذهب إلى ذلك الْإِمَام الشافعي ورواية عن أحمد رحمهما الله. قُلْتُ: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لما سبق بيانه ولأنَّ مشابهة الركاز للفيء أعظم من مشابهته للزكاة، وذلك في عدم اعتبار الحول والنصاب، وفي عدم اختصاصه بشيء معين من دفين الجاهلية، ومن أوجه المشابهة للفيء المشابهة في مقدار ما يجب إخراجه وهو الخمس. والله أعلم. ١٢ - ويدل الحديث بعمومه أنَّ الخمس يخرج من الركاز مطلقاً سواء كان واجده من الأحرار أو العبيد أو من الكبار أو الصغار، أو من الذكور أو الإناث، أو من المسلمين أو من أهل الذمة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٤٠٠): «الفصل الخامس، في من يجب عليه الخمس.

стр. 3505

وهو كل من وجده، من مسلم وذمي، وحر وعبد ومكاتب، وكبير وصغير، وعاقل ومجنون، إلَّا أنَّ الواجد له إذا كان عبداً فهو لسيده؛ لأنَّه كسب مال، فأشبه الاحتشاش والاصطياد، وإن كان مكاتباً ملكه، وعليه خمسه؛ لأنه بمنزلة كسبه، وإن كان صبياً أو مجنوناً فهو لهما، ويخرج عنهما وليهما. وهذا قول أكثر أهل العلم. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أنَّ على الذمي في الركاز يجده الخمس. قاله مالك، وأهل المدينة، والثوري، والأوزاعي، وأهل العراق، وأصحاب الرأي، وغيرهم. وَقَالَ الشافعي: لا يجب الخمس إلَّا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنَّه زكاة. وحكي عنه في الصبي والمرأة أنَّهما لا يملكان الركاز. وَقَالَ الثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد: إذا كان الواجد له عبداً، يرضخ له منه، ولا يعطاه كله. ولنا، عموم قوله ﵇: "وفي الركاز الخمس". فإنَّه يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل ركاز يوجد، وبمفهومه على أنَّ باقيه لواجده من كان، ولأنَّه مال كافر مظهور عليه، فكان فيه الخمس على من وجده وباقيه لواجده، كالغنيمة، ولأنه اكتساب مال، فكان لمكتسبه إن كان حراً، أو لسيده إن كان عبداً، كالاحتشاش، والاصطياد. ويتخرج لنا أن لا يجب الخمس إلَّا على من تجب عليه الزكاة، بناء على قولنا إنَّه زكاة. والأول أصح» اهـ.
следующие страницы →