← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى الْأَجْنَادِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ: «أَنْ أَدُّوا صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، وَأَعْطُوا مِنْ أَصْفَى مَا عِنْدَكُمْ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ ابن لهيعة فيه ضعف، ثم هو مدلس وقد عنعن، وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ لا يصح له سماع من عمر. ويقويه مرسل ابن المسيب الذي سبق ذكره في أثر الصديق فإنَّ مراسيل ابن المسيب جياد. ومنهم عبد الله بن الزبير ﵄. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٧٦٦) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «زَكَاةُ الْفِطْرِ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، الْحُرُّ وَالْعَبْدُ سَوَاءٌ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. ومنهم جابر بن عبد الله ﵄. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٧٧٢)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٤٤٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ عَبْدٌ أَوْ حُرٌّ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. ومنهم عبد الله بن عباس ﵄.

стр. 3572

فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٧٦٨) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «زَكَاةُ الْفِطْرِ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لانقطاعه. لكن رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٤٥٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْيْمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الصَّدَقَةُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ». قُلْتُ: حجاج هو ابن أرطأة ضعيف مدلس وقد عنعن. وقد تابع حجاجاً محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى في الجملة الأخيرة من الحديث روى ذلك ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (٢٣٧٩) ثَنَا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَمَرْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ حِينَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ، أَنْ يُطْعِمُوا عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ وَعَبْدٍ، مُدَّيْنِ مِنْ بُرٍّ». قُلْتُ: وابن أبي ليلى ضعيف الحديث لكنه متابع فالحديث حسن من هذه الطرق. ومنهم أبو هريرة ﵁. فروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٥٧٦١)، ومن طريقه أحمد (٧٧١٠) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَانَ مَعْمَرٌ، يَقُولُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ثُمَّ قَالَ بَعْدُ -، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ: «عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، فَقِيرٍ أَوْ غَنِيٍّ، صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ».

стр. 3573

قَالَ مَعْمَرٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الزُّهْرِيَّ، كَانَ يَرْوِيهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ اهـ. قُلْتُ: إِسْنَادُ الْمُوقُوفِ صَحِيْحٌ. وروى ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (٢٣٧٦، ٢٤٢٣)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٢٢٥٧) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ يَعُولُ، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، أَوْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ من أجل ابن لهيعة ضعيف وهو مع ضعفه مدلس أيضاً وقد عنعن. وهناك آثار لا تصح فمنها: ما جاء عن عثمان بن عفان ﵁. فقد روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٤٣٦)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (٢٣٧٤) مِنْ طَرِيْقِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: «صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ عبد الوهاب الثقفي مختلط، وأبو قلابة عن عثمان مرسل. وخالد هو ابن مهران الحذاء. ومنها ما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٧٧٣)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٤٥١)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (٢٣٧٥) مِنْ طَرِيْقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ

стр. 3574

الْأَعْلَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُكَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ عبد الأعلى هو ابن عامر ضعيف الحديث. ومنها ما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁. فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٥٧٦٩)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٤٤٣) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ». قُلْتُ: عبد الكريم هو ابن أبي المخارق ضعيف الحديث. ٦ - وفيه حرص أبي سعيد على اتباع السنة. * * *

стр. 3575

كتاب الصوم ١٧٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلاً كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ». الصوم في اللغة: الكف والْإمساك والْامتناع وذلك هو السكون، ويقال صامت الريح إذا ركدت فلم تتحرك، وصامت البكرة إذا لم تدر، ومَصام الفرس موضع وقوفه. ويقال: صام النهار إذا طال فيصير كأنَّه واقف. ومن ذلك قولهم: صَامت الخيل، إذا كفت عن السير. قال النَّابغة الذُبياني: خَيْلٌ صِيَامٌ، وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ العَجَاجِ، وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا. أي واقفة عن السير. والعجاج هو التراب والمعنى أنَّها كثيرة الحركة تثير الغبار. وعلك اللجم هو لوكه بالفم. ومن ذلك قول الله تعالى في شأن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [سورة مريم: ٢٦] يعني: صمتًا عن الكلام وهو في الشرع: التعبد لله تعالى بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

стр. 3576

قُلْتُ: واختلف العلماء في اشتقاق رمضان فقال بعضهم سمي بذلك لأنَّه يرمض الذنوب، أي يحرقها ويهلكها، وقيل سمي بذلك من الرمضاء وهو شدة الحر وزعموا أنَّ أسماء الشهور لما نقلوها عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٣٦): «فاجتمع في رمضان أنَّ وقت التسمية كان زمن حر، ثم إنَّ الله فرض صومه، والصوم فيه العطش والحرارة، ثم إنَّه يوجب التقوى فتحرق الذنوب وتهلكها، وقد يلهم الله خلقه أن يسموا الشيء باسم يعلمه هو ويبينه فيما بعد وإن لم يعلموا ذلك حين الوضع والتسمية كما سموا النبي ﷺ محمداً» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وقد اختلف العلماء في حكمة النهي فقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٢٨): «والحكمة فيه التقوي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط وهذا فيه نظر لأنَّ مقتضى الحديث أنَّه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربعة جاز وسنذكر ما فيه قريباً. وقيل الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض وفيه نظر أيضاً لأنَّه يجوز لمن له عادة كما في الحديث. وقيل: لأنَّ الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم وهذا هو المعتمد» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٣٣٢):

стр. 3577

«واستحب ابن عباس وجماعة من السلف ﵏ أن يفصلوا بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو أيام كما كانوا يستحبون أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام أو مشي أو تقدم أو تأخر من المكان» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١٤٣): «الوجه الثلاثون: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين إلَّا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم ونهى عن صوم يوم الشك وما ذاك إلَّا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه وكذلك حرم صوم يوم العيد تمييزاً لوقت العبادة عن غيره لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب كما فعلت النصارى ثم أكد هذا الغرض باستحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور واستحباب تعجيل الفطر في يوم العيد قبل الصلاة وكذلك ندب إلى تمييز فرض الصلاة عن نفلها فكره للإمام أن يتطوع في مكانه وأن يستديم جلوسه مستقبل القبلة كل هذا سداً للباب المفضي إلى أن يزاد في الفرض ما ليس منه» اهـ. قُلْتُ: وهذا هو المعنى الأنسب للنهي، وأمَّا قول الحافظ ابن حجر: «وفيه نظر أيضاً لأنَّه يجوز لمن له عادة» اهـ. فالجواب: أنَّ المواظبة على العمل المعتاد وعدم قطعة أرجح من درء هذه المفسدة، وهكذا فإنَّ ظن الزيادة في الفرض في حق المتنفل بنافلة معتادة كالاثنين والخميس بعيد من وجهين: الأول: أنَّه قد علم مراده فينتفي المحذور أو يقل. والآخر: أنَّ ذلك مما يندر حصوله فتندر مفسدته. والله أعلم.

стр. 3578

٢ - ومفهوم المخالفة في الحديث يدل على جواز تقدم الشهر بثلاثة أيام فأكثر، وقد جاء ما يدل على المنع من ذلك وهو ما رواه أحمد (٩٧٠٥)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (٢٩١١)، وابن ماجه (١٦٥١) مِنْ طَرِيْقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ، فَلَا تَصُومُوا». قُلْتُ: ولا يثبت هذا الحديث عند حفاظ الحديث. قال أبو داود: «وكان عبد الرحمن، لا يحدث به، قلت لأحمد: لم قال؟ لأنَّه كان عنده، أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يصل شعبان برمضان، وقال: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خلافه» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ في [لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ] (١٥١): «خرج الْإِمَام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صَحِيْحِهِ والحاكم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان". وصححه الترمذي وغيره واختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم في العمل به: فأمَّا تصَحِيْحِهِ فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر منهم الرحمن بن المهدي والْإِمَام أحمد وأبو زرعة الرازي والأثرم وَقَالَ الْإِمَام أحمد: لم يرو العلاء حديثاً أنكر منه ورده بحديث:

стр. 3579

"لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين". فإنَّ مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين. وَقَالَ الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه. يشير كلها تخالفه يشير إلى أحاديث صيام النبي ﷺ شعبان كله ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين فصار الحديث حينئذ شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة. وَقَالَ الطحاوي: هو منسوخ وحكى الإجماع على ترك العمل به وأكثر العلماء على أنَّه لا يعمل به وقد أخذ آخرون منهم الشافعي وأصحابه ونهو عن ابتداء التطوع بالصيام بعد نصف شعبان لمن ليس له عادة ووافقهم بعض المتأخرين من أصحابنا» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْزَّيْلَعِي ﵀ في [نَصْبِ الْرَّايَةِ] (٢/ ٤٤١): «وَقَالَ النسائي: لا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير العلاء، وروي عن الْإِمَام أحمد ﵁ أنَّه قال: هذا الحديث ليس بمحفوظ، قال: وسألت عنه ابن مهدي فلم يصححه: ولم يحدثني به، وكان يتوقاه، قال أحمد: والعلاء ثقة، لا ينكر من حديثه إلَّا هذا» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ١٢٩): «وَقَالَ جمهور العلماء يجوز الصوم تطوعاً بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه وَقَالَ أحمد وابن معين أنَّه منكر» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على جواز الصيام في آخر شهر شعبان فيما رواه البخاري (١٩٨٣)، ومسلم (١١٦١) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ سَأَلَهُ - أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ -، فَقَالَ:

стр. 3580

«يَا أَبَا فُلَانٍ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟» قَالَ: - أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ -، قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ»، لَمْ يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ثَابِتٌ: عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ». وفي رواية لمسلم (١١٦١) بلفظ: «يَا فُلَانُ، أَصُمْتَ مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (٦/ ٣٢٣ - ٣٢٤): «وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى النَّاس فَحَمَلَهُ طَائِفَة عَلَى الِاحْتِيَاط لِدُخُولِ رَمَضَان قَالُوا: وَسَرَر الشَّهْر وَسِرَاره بِكَسْرِ السِّين وَفَتْحِهَا ثَلَاث لُغَات وَهُوَ آخِره وَقْت اِسْتِسْرَار هِلَاله فَأَمَرَهُ إِذَا أَفْطَرَ أَنْ يَصُوم يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ عِوَض مَا فَاتَهُ مِنْ صِيَام سَرَرِهِ اِحْتِيَاطًا. وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز: سَرَره أَوَّله وَسِرَاره أَيْضًا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ مِنْ أَوَّله فَأَمَرَهُ بِقَضَاءِ مَا أَفْطَرَ مِنْهُ. ذَكَره أَبُو دَاوُدَ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد. وَأَنْكَرَ جَمَاعَة هَذَا التَّفْسِير فَرَأَوْهُ غَلَطًا قَالُوا: فَإِنَّ سِرَار الشَّهْر آخِره سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِسْرَارِ الْقَمَر فِيهِ. وَقَالَتْ طَائِفَة: سَرَره هُنَا وَسَطه وَسُرّ كُلّ شَيْء جَوْفه وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فَعَلَى هَذَا أَرَادَ أَيَّام الْبِيض.

стр. 3581

هَذَا آخِر كَلَامه. وَرُجِّحَ هَذَا بِأَنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات فِيهِ أَصُمْت مِنْ سُرَّة هَذَا الشَّهْر وَسُرَّته وَسَطه كَسُرَّةِ الْآدَمِيِّ. وَقَالَتْ طَائِفَة: هَذَا عَلَى سَبِيل استفهام الإنكار والمقصود منه الزجر. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيْحِهِ: وَقَوْلُهُ ﷺ أَصُمْت مِنْ سَرَر هَذَا الشَّهْر لَفْظَة اِسْتِخْبَار عَنْ فِعْل مُرَادهَا الْإِعْلَام بِنَفْيِ جَوَاز اِسْتِعْمَال ذَلِكَ الْفِعْل مِنْهُ كَالْمُنْكِرِ عَلَيْهِ لَوْ فَعَلَهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ لِعَائِشَة أَتَسْتُرِينَ الْجِدَار وَأَرَادَ بِهِ الإنكار عليها بلفظ الاستخبار، وأمره ﷺ بِصَوْمِ يَوْمَيْنِ مِنْ شَوَّال أَرَادَ بِهِ اِنْتِهَاء السَّرَار وَذَلِكَ أَنَّ الشَّهْر إِذَا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَسْتَسِرّ الْقَمَر يَوْمًا وَاحِدًا وَإِذَا كَانَ الشَّهْر ثَلَاثِينَ يَسْتَسِرّ الْقَمَر يَوْمَيْنِ وَالْوَقْت الَّذِي خاطب فِيهِ النَّبِيّ ﷺ هَذَا الْخِطَاب يُشْبِه أَنْ يَكُون عَدَد شَعْبَان كَانَ ثَلَاثِينَ فَمِنْ أَجَله أَمْر بِصَوْمِ يَوْمَيْنِ مِنْ شَوَّال آخِر كَلَامه. وَقَالَتْ طَائِفَة: لَعَلَّ صَوْم سَرَر هَذَا الشَّهْر كَانَ الرَّجُل قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسه بِنَذْرٍ فَأَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ. وَقَالَتْ طَائِفَة: لَعَلَّ ذَلِكَ الرَّجُل كَانَ قَدْ اِعْتَادَ صِيَام آخِر الشَّهْر فَتَرَك آخِر شَعْبَان لِظَنِّهِ أَنَّ صومه يَكُون اِسْتِقْبَالًا لِرَمَضَان فَيَكُون مَنْهِيًّا عَنْهُ فَاسْتَحَبَّ لَهُ النَّبِيّ ﷺ أَنْ يَقْضِيَهُ وَرُجِّحَ هَذَا بِقَوْلِهِ: "إِلَّا صَوْم كَانَ يَصُومهُ أَحَدكُمْ فَلْيَصُمْهُ" وَالنَّهْي عَنْ التَّقَدُّم لِمَنْ لَا عَادَة لَهُ فَيَتَّفِق الْحَدِيثَانِ وَاَللَّه أَعْلَم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَّوَوِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٥٣):

стр. 3582

«وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ سَرَرُهُ أَوَّلُهُ وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ سَرَرُهُ آخِرُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ بَعْدَ أَنْ رَوَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ الصَّحِيحُ آخِرُهُ وَلَمْ يَعْرِفِ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّ سَرَرَهُ أَوَّلُهُ قَالَ الْهَرَوِيُّ وَالَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ أَنَّ سَرَرَهُ آخِرُهُ وَيُعَضِّدُ مَنْ فَسَّرَهُ بِوَسَطِهِ الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ وَسَرَارَةُ الْوَادِي وَسَطُهُ وَخِيَارُهُ» اهـ. وَقَالَ ﵀ قَبَلَ ذَلِكَ: (٨/ ٥٣): «ضَبَطُوا سَرَرِ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَحَكَى الْقَاضِي ضَمَّهَا قَالَ وَهُوَ جَمْعُ سُرَّةٍ وَيُقَالُ أَيْضًا: سَرَارُ وَسِرَارُ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَكُلُّهُ مِنَ الِاسْتِسْرَارِ» اهـ. قُلْتُ: وهناك قول آخر ذكره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١١٢) وهو حمل الحديث على حال الإغمام. وهناك قول آخر ذكره الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فقال [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٢٣١): «وَقَالَ آخرون: فيه دليل على أنَّ النهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إنَّما هو لمن يقصد به التحري لأجل رمضان وأمَّا من لم يقصد ذلك فلا يتناوله النهي ولو لم يكن اعتاده وهو خلاف ظاهر حديث النهى لأنَّه لم يستثن منه إلَّا من كانت له عادة» اهـ. ٣ - وفيه جواز أن يقال: رمضان من غير ذكر الشهر بلا كراهة، وقالت طائفة: لا يقال رمضان مفرداً بحال، وإنَّما يقال شهر رمضان وهذا قول أصحاب مالك وزعم هؤلاء أنَّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى فلا يطلق على غيره إلَّا أن يقيد.

стр. 3583

قُلْتُ: وذكر ابْنُ الْقَّيِمِ ﵀ كلاماً نفيساً حول فائدة حذف كلمة شهر، وإثباتها فقال في [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٢/ ٣٣٤ - ٣٣٦): «واعلم أنَّه ما كان من الظروف له اسم علم فإنَّ الفعل إذا وقع فيه تناول جميعه وكان الظرف مفعولاً على سعة الكلام فإذا قُلْتُ: سرت غدوة فالسير وقع في الوقت كله. وكذلك: سرت السبت والجمعة وصفر والمحرم كله مفعول على سعة الكلام لا ظرف للفعل لأنَّ هذه الأسماء لا يطلبها الفعل ولا هي في أصل موضوعها زمان إنَّما هي عبارة عن معان أخرى فإن أردت أن تجعل شيئاً منها ظرفاً ذكرت لفظ الزمان وأضفته إليه كقولك سرت يوم السبت وشهر المحرم فالسير واقع في الشهر ولا يتناول جميعه إلَّا بدليل والشهر ظرف وكذلك اليوم. قال سيبويه: ومما لا يكون الفعل إلَّا وقعاً به كله سرت المحرم وصفر هذا معنى كلامه. وإذا ثبت هذا فرجب ورمضان أسماء أعلام إذا أردتها لعام بعينه أو كان في كلامك ما يدل على عام تضيفها إليه فإن لم يكن كذلك صار الاسم نكرة تقول صمت رمضان ورمضاناً آخر وصمت الجمعة وجمعة أخرى إنَّما أردت جمعة أسبوعك ورمضان عامك. وإذا كان نكرة لم يكن إلَّا شهراً واحداً كما تكون النكرة من قولك ضربت رجلاً إنَّما تريد واحداً وإذا كان معرفة يكون ما يدل على التمادي وتوالي الأعوام لم يكن حينئذ واحداً كقولك المؤمن يصوم رمضان فهو معرفة لأنَّك لا تريده لعام واحد بعينه إذ المعنى يصوم رمضان من كل عام على التمادي وذكر الإيمان قرينة تدل على أنَّ المراد ولو لم يكن في الكلام ما يدل على هذا لم يكن محله إلَّا على العام

стр. 3584

الذي أنت فيه وإذا ثبت هذا فانظر إلى قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. وفي الحديث: "من صام رمضان". وإذا دخل رمضان بدون لفظ الشهر ومحال أن يكون فعل ذلك إيجازاً واختصاراً لأنَّ القرآن أبلغ إيجازاً وأبين إعجازاً. ومحال أيضاً أن يدع لفظ القرآن مع تحريه لألفاظه وما علم من عادته من الاقتداء به فيدع ذلك لغير حكمة بل لفائدة جسيمة ومعان شريفة اقتضت الفرق بين الموضعين. وقد ارتبك الناس في هذا الباب فكرهت طائفة أن تقول صمت رمضان بل شهر رمضان واستهوى ذلك الكتاب. واعتل بعضهم في ذلك برواية منحولة إلى ابن عباس: "رمضان اسم من أسماء الله". قالوا: ولذلك أضيف إليه الشهر. وبعضهم يقول: إنَّ رمضان من الرمضاء وهو الحر وتعلق الكراهية بذلك. وبعضهم يقول: إنَّ هذا استحباب واقتداء بلفظ القرآن وقد اعتنى بهذه المسألة أبو عبد الرحمن النسائي لعلمه وحذقه فقال في "السنن": باب جواز أن يقال دخل رمضان أو صمت رمضان، وكذلك فعل البخاري وأورد الحديث المتقدم: "من صام رمضان". وإذا أردت معرفة الحكمة والتحقيق في هذه النكتة فقد تقدم أنَّ الفعل إذا وقع على هذه الأسماء الأعلام فإنَّه يتناول جميعها ولا يكون ظرفاً مقدراً بـ "في" حتى يذكر لفظ الشهر أو اليوم الذي أصله أن يكون ظرفاً وأمَّا الاسم العلم فلا أصل

стр. 3585

له في الظرفية وإذا ثبت هذا فقول الله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فيه فائدتان أو أكثر: إحداهما: أنَّه لو قال: رمضان الذي أنزل فيه القرآن. لاقتضى اللفظ وقوع الإنزال على جميعه كما تقدم من قول سيبويه وهذا خلاف المعنى لأنَّ الإنزال كان في ليلة واحدة منه في ساعة منها فكيف يتناول جميع الشهر وكان ذكر الشهر الذي هو غير علم موافقاً للمعنى كما تقول سرت في شهر كذا فلا يكون السير متناولاً لجميع الشهر. الفائدة الأخرى: أنَّه لو قال: رمضان الذي أنزل فيه القرآن الكريم. لكان حكم المدح والتعظيم مقصوراً على شهر بعينه إذ قد تقدم أنَّ هذا الاسم وما هو مثله إذا لم تقترن به قرينة تدل على توالي الأعوام التي هو فيها لم يكن محله إلَّا العام الذي أنت فيه أو العام المذكور قبله فكان ذكر الشهر الذي هو الهلال في الحقيقة كما قال الشاعر: والشهر مثل قلامة الظفر … يريد الهلال مقتضياً لتعليق الحكم الذي هو التعظيم بالهلال والشهر المسمى بهذا الاسم متى كان في أي عام كان مع أنَّ رمضان وما كان مثله لا يكون معرفة في مثل هذا الموطن لأنَّه لم يرد لعام بعينه ألا ترى أنَّ الآية في سورة البقرة وهي من آخر ما نزل وقد كان القرآن أنزل قبل ذلك بسنين ولو قُلْتُ: رمضان حج فيه زيد تريد فيما سلف لقيل لك أي رمضان كان ولزمك أن تقول حج في رمضان من الرمضانيات حتى تريد عاماً بعينه كما سبق.

стр. 3586

وفائدة ثالثة: في ذكر الشهر وهو التبيين في الأيام المعدودات لأنَّ الأيام تبين بالأيام وبالشهر ونحوه ولا تبين بلفظ رمضان لأنَّ لفظه مأخوذ من مادة أخرى وهو أيضاً علم فلا ينبغي أن يبين به الأيام المعدودات حتى يذكر الشهر الذي هو في معناها ثم تضاف إليه. وأمَّا قوله: "من صام رمضان" ففي حذف الشهر فائدة أيضاً وهي تناول الصيام لجميع الشهر فلو قال: من صام أو قام شهر رمضان لصار ظرفا مقدراً بـ "في" ولم يتناول القيام والصيام جميعه فرمضان في الحديث مفعول على السعة نحو قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ لأنَّه لو كان ظرفاً لم يحتج إلى قوله: ﴿إلَّا قَلِيلاً﴾. فإن قيل: فينبغي أن يكون قوله: "من قام رمضان" مقصوراً على العام الذي هو فيه لما تقدم من قولكم أنَّه إنَّما يكون معرفة علماً إذا أردته لعامك أو لعام بعينه. قيل قوله: "من صام رمضان" على العموم خطاب لكل فرد ولأهل كل عام فصار بمنزلة قولك: من صام كل عام رمضان كما تقول إن جئتني كل يوم سحر أعطيتك فقد مر قرينة تدل على التمادي تنوب مناب ذكر كل عام وقد اتضح الفرق بين الحديثين والآية فإذا فهمت فرق ما بينهما بعد تأمل هذه الفصول وتدبرها ثم لم تعدل عندك هذه الفائدة جميع الدنيا بأسرها فما قدرتها حق قدرها والله المستعان على واجب شكرها هذا نص كلام السهيلي بحروفه» اهـ. قُلْتُ: لكن يشكل على هذا أنَّه جاء في بعض الأحاديث: «مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وفي بعضها: «مَنْ صَامَ شَهْرَ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَقَدْ صَامَ الدَّهْرَ».

стр. 3587

وفي بعضها: «مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَةَ كُلَّهَا». قُلْتُ: وقد يقال: إضافة الشهر من قبيل رواية الرواة بالمعنى، ولهذا لم يذكر ذلك بعضهم. ٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٢٦٧): «فيه صريح الرد على الروافض الذين يريدون تقديم الصوم على الرؤية لأنَّ رمضان اسم لما بين الهلالين فإذا صام قبله بيوم فقد تقدم عليه» اهـ. ٥ - واحتج به على النهي عن صيام يوم الشك، وسيأتي الكلام عليها بمشيئة الله تعالى في شرح الحديث التالي. ٦ - وفيه جواز تقدم الشهر بيوم أو يومين لمن له صيام معتاد عليه كصيام الاثنين والخميس، وصيام يوم وإفطار يوم. ويدخل في ذلك أيضاً بطريق الأولى الصوم الواجب كالنذر والكفارة والقضاء. * * *

стр. 3588

١٧٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - أنَّ الصيام والإفطار مبني على رؤية الهلال لا على الحساب الفلكي فلا يجوز الاعتماد عليه في دخول الشهر ولا خروجه. وقد روى البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٧٣ - ١٧٤): «إذا تبين هذا: فكتاب أيام الشهر وحسابه من هذا الباب كما قدمناه فإنَّ من كتب مسير الشمس والقمر بحروف "أبجد" ونحوها وحسب كم مضى من مسيرها ومتى يلتقيان ليلة الاستسرار ومتى يتقابلان ليلة الإبدار ونحو ذلك فليس في هذا الكتاب والحساب من الفائدة إلَّا ضبط المواقيت التي يحتاج الناس إليها في تحديد الحوادث والأعمال ونحو ذلك. كما فعل ذلك غيرنا من الْأُمم فضبطوا مواقيتهم بالكتاب والحساب كما يفعلونه بالجداول أو بحروف الجمل وكما يحسبون مسير الشمس والقمر ويعدلون ذلك ويقومونه بالسير الْأَوْسَطِ حتى يتبين لهم وقت الاستسرار والإبدار وغير ذلك فبين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 3589

وَسَلَّمَ أنَّا أيتها الْأُمة الْأُمية لا نكتب هذا الكتاب ولا نحسب هذا الحساب فعاد كلامه إلى نفي الحساب والكتاب فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال وطلوعه. وقد قدمنا فيما تقدم أنَّ النفي وإن كان على إطلاقه يكون عاماً فإذا كان في سياق الكلام ما يبين المقصود علم به المقصود أخاص هو أم عام؟ فلما قرن ذلك بقوله: "الشهر ثلاثون" و"الشهر تسعة وعشرون" بين أنَّ المراد به أنَّا لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب إذ هو تارة كذلك وتارة كذلك. والفارق بينهما هو الرؤية فقط ليس بينها فرق آخر من كتاب ولا حساب كما سنبينه. فإنَّ أرباب الكتاب والحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر وإنَّما يقربوا ذلك فيصيبون تارة ويخطئون أخرى. وظهر بذلك أنَّ الْأُمية المذكورة هنا صفة مدح وكمال من وجوه: من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال. ومن جهة أنَّ الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط. ومن جهة أنَّ فيهما تعباً كثيراً بلا فائدة فإنَّ ذلك شغل عن المصالح إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه وإذا كان نفي الكتاب والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه وللمفسدة التي فيه كان الكتاب والحساب في ذلك نقصاً وعيباً بل سيئة وذنباً فمن دخل فيه فقد خرج عن الْأُمة الْأُمية فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة ودخل في أمر ناقص يؤديه إلى الفساد والاضطراب. وأيضاً فإنَّه جعل هذا وصفاً للأمة. كما جعلها وسطاً في قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فالخروج عن ذلك اتباع غير سبيل المؤمنين» اهـ.

стр. 3590

وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٨٠): «ومنهم من يعتمد على أنَّ رابع رجب أول رمضان أو على أنَّ خامس رمضان الماضي أول رمضان الحاضر. ومنهم من يروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حديثاً لا يعرف في شيء من كتب الإسلام ولا رواه عالم قط أنَّه قال: "يوم صومكم يوم نحركم". وغالب هؤلاء يوجبون أن يكون رمضان تاماً ويمنعون أن يكون تسعة وعشرين. ومنهم من يعتمد على رؤيته بالمشرق قبل الاستسرار فيوجبون استسراره ليلتين ويقولون: أول يوم يرى في أوله فهو من الشهر الماضي. واليوم يكون اليوم الذي لا يرى في طرفيه. ثم اليوم الذي يرى في آخره هو أول الشهر الثاني ويجعلون مبدأ الشهر قبل رؤية الهلال مع العلم بأنَّ الهلال يستسر لليلة تارة وليلتين أخرى وقد يستسر ثلاث ليال» اهـ. قُلْتُ: وقد احتج المعتمدون على الحساب الفلكي بقول النبي ﷺ في هذا الحديث: «فَاقْدُرُوا لَهُ». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٨١ - ١٨٣): «وأمَّا الفريق الثاني: فقوم من فقهاء البصريين ذهبوا إلى أنَّ قوله: "فاقدروا له" تقدير حساب بمنازل القمر وقد روي عن محمد بن سيرين قال: خرجت في اليوم الذي شك فيه فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم إلَّا وجدته يأكل إلَّا رجلاً كان يحسب ويأخذ بالحساب ولو لم يعلمه كان خيراً له. وقد قيل: إنَّ الرجل مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو رجل جليل القدر إلَّا أنَّ هذا إن صح عنه فهي من زلات العلماء.

стр. 3591

وقد حكي هذا القول عن أبي العباس بن سريج أيضاً. وحكاه بعض المالكية عن الشافعي أنَّ من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر لم يتبين له من جهة النجوم أنَّ الهلال الليلة وغم عليه جاز له أن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه. وهذا باطل عن الشافعي لا أصل له عنه. بل المحفوظ عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة. وإنَّما كان قد حكى ابن سريج وهو كان من أكابر أصحاب الشافعي نسبة ذلك إليه إذ كان هو القائم بنصر مذهبه. واحتجاج هؤلاء بحديث ابن عمر في غاية الفساد مع أنَّ ابن عمر هو الراوي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" فكيف يكون موجب حديثه العمل بالحساب. وهؤلاء يحسبون مسيره في ذلك الشهر ولياليه. وليس لأحد منهم طريقة منضبطة أصلاً بل أية طريقة سلكوها فإنَّ الخطأ واقع فيها أيضاً فإنَّ الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حساباً مستقيماً بل لا يمكن أن يكون إلى رؤيته طريق مطرد إلَّا الرؤية وقد سلكوا طرقاً كما سلك الأولون منهم من لم يضبطوا سيره إلَّا بالتعديل الذي يتفق الحُسَّاب على أنَّه غير مطرد. وإنَّما هو تقريب مثل أن يقال: إن رئي صبيحة ثمان وعشرين فهو تام وإن لم ير صبيحة ثمان فهو ناقص. وهذا بناء على أنَّ الاستسرار لليلتين وليس بصحيح بل قد يستسر ليلة تارة وثلاث ليال أخرى» اهـ. ٢ - الخطاب في الرؤية وإن كان ظاهره يعم جميع المكلفين لكن المراد به رؤية البعض وأقل ذلك رؤية العدل في الصيام والعدلين في الإفطار. فأمَّا قبول رؤية العدل الواحد في الصيام فلما رواه أبو داود (٢٣٤٢) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمْرَقَنْدِيُّ، وَأَنَا لِحَدِيثِهِ، أَتْقَنُ قَالَا:

стр. 3592

حَدَّثَنَا مَرْوَانُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «تَرَائِى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٦٦): «مسألة: قال: "وإن كان عدلاً، صوم الناس بقوله" المشهور عن أحمد، أنَّه يقبل في هلال رمضان قول واحد عدل، ويلزم الناس الصيام بقوله. وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن المبارك، والشافعي في الصحيح عنه. وروي عن أحمد، أنَّه قال: اثنين أعجب إلي. قال أبو بكر: إن رآه وحده، ثم قدم المصر، صام الناس بقوله، على ما روي في الحديث، وإن كان الواحد في جماعة الناس، فذكر أنَّه رآه دونهم، لم يقبل إلَّا قول اثنين؛ لأنَّهم يعاينون ما عاين. وَقَالَ عثمان بن عفان ﵁ لا يقبل إلَّا شهادة اثنين. وهو قول مالك، والليث، والأوزاعي، وإسحاق لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنَّه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: إنِّي جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم، وإنَّهم حدثوني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا، فإن غم

стр. 3593

عليكم فأتموا ثلاثين، وإن شهد شاهدان ذوا عدل، فصوموا وأفطروا". رواه النسائي. ولأنَّ هذه شهادة على رؤية الهلال، فأشبهت الشهادة على هلال شوال، وَقَالَ أبو حنيفة في الغيم كقولنا، وفي الصحو: لا يقبل إلَّا الاستفاضة؛ لأنَّه لا يجوز أن تنظر الجماعة إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة، والموانع مرتفعة، فيراه واحد دون الباقين». إلى أن قال ﵀ (٦/ ١٦٧): «وما ذكره أبو بكر، وأبو حنيفة لا يصح؛ لأنَّه يجوز انفراد الواحد به مع لطافة المرئي وبعده، ويجوز أن تختلف معرفتهم بالمطلع ومواضع قصدهم وحدة نظرهم، ولهذا لو حكم برؤيته حاكم بشهادة واحد؛ جاز، ولو شهد شاهدان؛ وجب قبول شهادتهما، ولو كان ممتنعاً على ما قالوه لم يصح فيه حكم حاكم، ولا يثبت بشهادة اثنين، ومن منع ثبوته بشهادة اثنين، رد عليه الخبر الأول، وقياسه على سائر الحقوق وسائر الشهور، ولو أنَّ جماعة في محفل، فشهد اثنان منه أنَّه طلق زوجته، أو أعتق عبده؛ قبلت شهادتهما دون من أنكر، ولو أنَّ اثنين من أهل الجمعة شهدا على الخطيب أنَّه قال على المنبر في الخطبة شيئاً، لم يشهد به غيرهما؛ لقبلت شهادتهما، وكذلك لو شهدا عليه بفعل، وإن كان غيرهما يشاركهما في سلامة السمع وصحة البصر، كذا هاهنا» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا الفطر فلا بد فيه من شهادة العدلين في قول جماهير أهل العلم. قَالَ الْإِمَام الترمذي ﵀ في [جَامِعِهِ] (٣/ ٧٤): «ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنَّه لا يقبل فيه إلَّا شهادة رجلين» اهـ.

стр. 3594

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي [اخْتِلافِ الأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٢٤٢): «وأجمعوا على أنَّه لا يقبل في شهادة شوال إلَّا شهادة عدلين» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٣٥٤): «أمَّا الشهادة على رؤية الهلال فأجمع العلماء على أنَّه لا تقبل في شهادة شوال في الفطر إلَّا رجلان عدلان» اهـ. قُلْتُ: لا يصح الإجماع في ذلك وإنَّما هو قول الأكثر. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٨١): «هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة إلَّا أبا ثور فحكي أصحابنا عنه أنَّه يقبل في هلال شوال عدل واحد كهلال رمضان وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور وطائفة من أهل الحديث قال إمام الحرمين قال صاحب التقريب لو قلت بما قاله أبو ثور لم أكن مبعداً» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء في ذلك ما رواه أحمد (١٨٩١٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ الْجَدَلِيِّ، قَالَ: خَطَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَالَ: أَلَا إِنِّي قَدْ جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسَأَلْتُهُمْ، أَلَا وَإِنَّهُمْ حَدَّثُونِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَنْسِكُوا لَهَا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مُسْلِمَانِ، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ في إسناده حجاج وهو ابن أرطأة ضعيف مدلس وقد عنعن.

стр. 3595

ورواه النسائي (٢١١٦) مِنْ طَرِيْقِ سعيد بن شبيب أبي عثمان عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن حسين بن الحرث الجدلي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب به. قُلْتُ: ولم يذكر سعيد بن شبيب في روايته عن يحيى بن زكريا حجاجاً بن أرطأة، وقد خالفه في ذلك الْإِمَام أحمد وحديثه هو المحفوظ. لا سيما وقد تابعه في ذلك يزيد بن هارون عند الْدَارَقُطْنِي في [سُنَنِه] (٢١٩٣). قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمِزِّيِّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ الْكَمَالِ] (١٧/ ١٢٣): «والصواب ذكره كما في روايتنا هذه. وقد رواه يزيد بن هارون أيضاً عن حجاج بن أرطأة» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٢١٦): «والحجاج: فيه كلام، لكن رواه النسائي من غير ذكره، عن إبراهيم ابن يعقوب عن أبي عثمان سعيد بن شبيب- وكان شيخاً صالحاً- عن ابن أبي زائدة عن حسين بن الحارث الجدلي. كذا رواه النسائي، ولم يذكر في روايته الحجاج بن أرطأة بين يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وبين حسين، وكأنه وهم، والله أعلم» اهـ. وروى أبو داود (٢٣٣٩) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْمُقْرِئُ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ، فَشَهِدَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّهِ لَأَهَلَّا الْهِلَالَ أَمْسِ عَشِيَّةً، «فَأَمَرَ

стр. 3596

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا»، زَادَ خَلَفٌ فِي حَدِيثِهِ،: «وَأَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ». ورواه أحمد (١٨٨٤٤) مِنْ طَرِيْقِ عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور، ورواه (٢٣١١٩) مِنْ طَرِيْقِ وكيع عن سفيان وليس في حديثه: «وَأَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وروى أبو داود (٢٣٣٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ الْجَدَلِيُّ، مِنْ جَدِيلَةَ قَيْسٍ، أَنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ خَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ، وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا»، فَسَأَلْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَارِثِ مَنْ أَمِيرُ مَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ لَقِيَنِي بَعْدُ، فَقَالَ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، ثُمَّ قَالَ الْأَمِيرُ: إِنَّ فِيكُمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنِّي، وَشَهِدَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى رَجُلٍ، قَالَ الْحُسَيْنُ: فَقُلْتُ لِشَيْخٍ إِلَى جَنْبِي مَنْ هَذَا الَّذِي أَوْمَأَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ؟ قَالَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَصَدَقَ كَانَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ مِنْهُ، فَقَالَ: «بِذَلِكَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٤٧): «فهذا الحديث يدل بمنطوقه على قبول شهادة الاثنين بكل حال،

стр. 3597

سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة، ومفهومه مفهوم الشرط الذي هو أقوى المفاهيم، على أنَّه لا ينسك إلَّا بشهادة شاهدي عدل؛ لأنَّ الحكم المعلق بشرط معدوم عند عدمه، ولو كان الحكم يثبت بشاهد واحد؛ لما احتاج إلى ذكر الاثنين، وإذا ثبت هذا في هلال النحر، فهلال الفطر أولى وأحرى» اهـ. قُلْتُ: ومن المعاني التي تقتضي عدم قبول الواحد في شهادة الأهلة غير هلال رمضان ما قاله شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٤٨): «وأيضاً فإنَّ الأهلة غير رمضان تتضمن حقوقاً للناس من إباحة الأكل والإحلال، وربما يخاف من دخول التهمة، وليس في التقدم بها احتياط، فلا يقبل شهادة الواحد» اهـ. قُلْتُ: وبناءً على هذا فإنَّ شهد شاهدان في دخول الشهر ثم لم ير الهلال في ليلة الثلاثين من رمضان أتممنا رمضان ثلاثين يوماً بناءً على شهادة الشاهدين في دخوله، وأمَّا إذا ثبت دخول شهر رمضان بشهادة الواحد ثم لم ير الهلال ليلة الثلاثين من رمضان فإنَّنا لا نبني في إكمال الشهر على شهادة الواحد في أوله، ولكن ننظر تمام الثلاثين فإن كانت السماء صافية ولم يظهر الهلال فهذا دليل على خطأ أو كذب الرائي له في أول الشهر فنتم شهر شعبان ورمضان ثلاثين يوماً. وهكذا نفعل إذا أغميت السماء لتمام الشهر احتياطاً للعبادة. والله أعلم. وللإمام أحمد فيما سبق روايتان، وذهب الْإِمَام الشافعي إلى إتمام الشهر بناءً على شهادة الواحد في أوله. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٥١ - ١٥٢):

стр. 3598

«والأول أصح؛ لأنَّ الصوم إنَّما ثبت بقول الواحد احتياطاً للصوم: كما علل به علي ﵁ لما قبل شهادة الواحد في الهلال وقال: "لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان". فمن الاحتياط: أن لا نفطر بناءً على شهادته، ولأنَّه إن أصحت السماء لتمام الثلاثين، كان ذلك أمارة على خطئه أو كذبه» اهـ. قُلْتُ: وتقبل شهادة النساء في دخول شهر رمضان لأنَّه خبر ديني يشترك فيه الرجال والنساء كالخبر بجهة القبلة ودخول الوقت ورواية الحديث، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقياس المذهب عند الحنابلة. ومنع من ذلك المالكية والشافعية في الوجه الآخر. وأمَّا شهادة النساء في دخول شهر شوال وغير ذلك من الشهور فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٦٩): «فصل: ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة النساء المنفردات وإن كثرن، وكذلك سائر الشهور؛ لأنَّه مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال، ولا يقصد به المال، فأشبه القصاص، وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان، لكن تركناه احتياطاً للعبادة» اهـ. قُلْتُ: وهذا مذهب الجمهور وأجاز أبو حنيفة شهادة الرجل والمرأتين. وتقبل شهادة العبد في رؤية الهلال وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، ومنعها مالك والشافعي، ولا أعلم حجة مستقيمة للمنع من ذلك.

стр. 3599

٣ - واحتج به من قال بوجوب الصيام لمن رأى الهلال وحده وإن لم يؤخذ بشهادته وهكذا الفطر. قُلْتُ: والصحيح في هذه المسألة أنَّ الصوم يكون مع جماعة المسلمين وهكذا الفطر لما رواه الترمذي (٦٩٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ». «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا أَنَّ الصَّوْمَ وَالفِطْرَ مَعَ الجَمَاعَةِ وَعُظْمِ النَّاسِ» اهـ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وأمَّا من كان في مكان ليس فيه أحد فيجب عليه أن يصوم بناءً على رؤيته للهلال. وسئل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١١٤ - ١١٨): «عن رجل رأى الهلال وحده وتحقق الرؤية: فهل له أن يفطر وحده؟ أو يصوم وحده؟ أو مع جمهور الناس؟ فأجاب: الحمد لله، إذا رأى هلال الصوم وحده أو هلال الفطر وحده فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه؟ أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إلَّا مع الناس؟ على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد:

стр. 3600

أحدها: أنَّ عليه أن يصوم وأن يفطر سراً وهو مذهب الشافعي. والثاني: يصوم ولا يفطر إلَّا مع الناس وهو المشهور من مذهب أحمد ومالك وأبي حنيفة. والثالث: يصوم مع الناس ويفطر مع الناس وهذا أظهر الأقوال؛ لقول النبي ﷺ : "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون" رواه الترمذي وقال: حسن غريب. ورواه أبو داود وابن ماجه وذكر الفطر والأضحى فقط. ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون" قال الترمذي: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ غريب قال: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنَّما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس. ورواه أبو داود بإسناد آخر: فقال حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد من حديث أيوب عن محمد بن المنكدر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ذكر النبي ﷺ فيه فقال: "وفطركم يوم تفطرون. وأضحاكم يوم تضحون. وكل عرفة موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة منحر وكل جمع موقف". ولأنَّه لو رأى هلال النحر لما اشتهر والهلال اسم لما استهل به فإنَّ الله جعل الهلال مواقيت للناس والحج وهذا إنَّما يكون إذا استهل به الناس والشهر بيَّن. وإن لم يكن هلالاً ولا شهراً. وأصل هذه المسألة أنَّ الله علق أحكاماً شرعية بمسمى الهلال والشهر: كالصوم والفطر والنحر فقال تعالى:

стр. 3601

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. فبين سبحانه أنَّ الأهلة مواقيت للناس والحج. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أنَّه أوجب صوم شهر رمضان وهذا متفق عليه بين المسلمين لكن الذي تنازع الناس فيه أنَّ الهلال هل هو اسم لما يظهر في السماء؟ وإن لم يعلم به الناس؟ وبه يدخل الشهر أو الهلال اسم لما يستهل به الناس والشهر لما اشتهر بينهم؟ على قولين: فمن قال بالأول يقول: من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم ودخل شهر رمضان في حقه وتلك الليلة هي في نفس الْأمر من رمضان وإن لم يعلم غيره. ويقول من لم يره إذا تبين له أنَّه كان طالعاً قضى الصوم وهذا هو القياس في شهر الفطر وفي شهر النحر لكن شهر النحر ما علمت أنَّ أحداً قال: من رآه يقف وحده دون سائر الحاج وأنَّه ينحر في اليوم الثاني ويرمي جمرة العقبة ويتحلل دون سائر الحاج. وإنَّما تنازعوا في الفطر: فالأكثرون ألحقوه بالنحر وقالوا لا يفطر إلَّا مع المسلمين؛ وآخرون قالوا: بل الفطر كالصوم ولم يأمر الله العباد بصوم واحد وثلاثين يوماً وتناقض هذه الأقوال يدل على أنَّ الصحيح هو مثل ذلك في ذي الحجة. وحينئذ فشرط كونه هلالاً وشهراً شهرته بين الناس واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة أو لكونهم لم يشهدوا به كان حكمهم حكم سائر المسلمين فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلَّا مع المسلمين فكذلك لا يصومون إلَّا مع المسلمين وهذا معنى قوله: "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون". ولهذا

стр. 3602

قال أحمد في روايته: يصوم مع الْإِمَام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم. قال أحمد: يد الله على الجماعة. وعلى هذا تفترق أحكام الشهر: هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم؟ أو ليس شهراً في حقهم كلهم؟ يبين ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فإنَّما أمر بالصوم من شهد الشهر والشهود لا يكون إلَّا لشهر اشتهر بين الناس حتى يتصور شهوده والغيبة عنه. وقول النبي ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا وصوموا من الوضح إلى الوضح". ونحو ذلك خطاب للجماعة لكن من كان في مكان ليس فيه غيره إذا رآه صامه فإنَّه ليس هناك غيره. وعلى هذا فلو أفطر ثم تبين أنَّه رئي في مكان آخر أو ثبت نصف النهار لم يجب عليه القضاء. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد. فإنَّه إنَّما صار شهراً في حقهم من حين ظهر واشتهر. ومن حينئذ وجب الْإمساك كأهل عاشوراء: الذين أمروا بالصوم في أثناء اليوم ولم يؤمروا بالقضاء على الصحيح وحديث القضاء ضعيف والله أعلم» اهـ. ٤ - واحتج به من قال: إنَّ الهلال إذا رؤي في بلد لزم سائر البلدان الصوم بتلك الرؤية باعتبار أنَّ من بلغه رؤيته لزمه الصوم من غير تحديد لمسافة معينة من الأرض. قُلْتُ: وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وخالف في ذلك الْإِمَام الشافعي ﵀ في أحد قوليه فذهب إلى مراعاة المطالع فمتى اتحدت المطالع اتحد حكم الرؤية فيلزم أصحاب المطلع الواحد رؤية واحدة في أي طرف من أطراف المطلع الواحد.

стр. 3603

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٧٤): «"فرع" في مذاهب العلماء فيما إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيرهم. قد ذكرنا تفصيل مذهبنا ونقل ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق بن راهويه أنَّه لا يلزم غير أهل بلد الرؤية وعن الليث والشافعي وأحمد يلزم الجميع. قال: ولا أعلمه إلَّا قول المدني والكوفي يعنى مالكاً وأبا حنيفة» اهـ. قُلْتُ: وقد تكلم على هذه المسألة شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ بكلام نفيس كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٠٣ - ١١٣) قال فيه: «مسألة رؤية بعض البلاد رؤية لجميعها: فيها اضطراب فإنَّه قد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنَّ الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه فأمَّا ما كان مثل الأندلس وخراسان فلا خلاف أنَّه لا يعتبر. قُلْتُ: أحمد اعتمد في الباب على حديث الأعرابي الذي شهد أنَّه أهل الهلال البارحة فأمر النبي ﷺ الناس على هذه الرؤية مع أنَّها كانت في غير البلد وما يمكن أن تكون فوق مسافة القصر ولم يستفصله وهذا الاستدلال لا ينافي ما ذكره ابن عبد البر؛ لكن ما حد ذلك؟ والذين قالوا: لا تكون رؤية لجميعها كأكثر أصحاب الشافعي منهم من حدد ذلك بمسافة القصر ومنهم من حدد ذلك بما تختلف فيه المطالع: كالحجاز مع الشام والعراق مع خراسان وكلاهما ضعيف؛ فإنَّ مسافة القصر لا تعلق لها بالهلال. وأمَّا الأقاليم فما حد ذلك؟ ثم هذان خطأ من وجهين: أحدهما: أنَّ الرؤية تختلف باختلاف التشريق والتغريب فإنَّه متى رئي في المشرق وجب أن يرى في المغرب ولا ينعكس؛ لأنَّه يتأخر غروب الشمس

стр. 3604

بالمغرب عن وقت غروبها بالمشرق فإذا كان قد رئي ازداد بالمغرب نوراً وبعداً عن الشمس وشعاعها وقت غروبها فيكون أحق بالرؤية وليس كذلك إذا رئي بالمغرب لأنَّه قد يكون سبب الرؤية تأخر غروب الشمس عندهم فازداد بعداً وضوءاً ولما غربت بالمشرق كان قريباً منها. ثم إنَّه لما رئي بالمغرب كان قد غرب عن أهل المشرق فهذا أمر محسوس في غروب الشمس والهلال وسائر الكواكب ولذلك إذا دخل وقت المغرب بالمغرب دخل بالمشرق ولا ينعكس وكذلك الطلوع إذا طلعت بالمغرب طلعت بالمشرق ولا ينعكس فطلوع الكواكب وغروبها بالمشرق سابق. وأمَّا الهلال فطلوعه ورؤيته بالمغرب سابق؛ لأنَّه يطلع من المغرب وليس في السماء ما يطلع من المغرب غيره وسبب ظهوره بعده عن الشمس فكلما تأخر غروبها ازداد بعده عنها فمن اعتبر بعد المساكن مطلقاً فلم يتمسك بأصل شرعي ولا حسي. وأيضاً فإنَّ هلال الحج: ما زال المسلمون يتمسكون فيه برؤية الحجاج القادمين وإن كان فوق مسافة القصر. الوجه الثاني: أنَّه إذا اعتبرنا حداً: كمسافة القصر أو الأقاليم فكان رجل في آخر المسافة والإقليم فعليه أن يصوم ويفطر وينسك وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئاً من ذلك وهذا ليس من دين المسلمين. فالصواب في هذا - والله أعلم ما دل عليه قوله: "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون" فإذا شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنَّه رآه بمكان من الْأمكنة

стр. 3605

قريب أو بعيد وجب الصوم. وكذلك إذا شهد بالرؤية نهار تلك الليلة إلى الغروب فعليهم إمساك ما بقي سواء كان من إقليم أو إقليمين. والاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد فأمَّا إذا بلغتهم الرؤية بعد غروب الشمس فالمستقبل يجب صومه بكل حال لكن اليوم الماضي: هل يجب قضاؤه؟ فإنَّه قد يبلغهم في أثناء الشهر أنَّه رئي بإقليم آخر ولم ير قريباً منهم الأشبه أنَّه إن رئي بمكان قريب وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول فهو كما لو رئي في بلدهم ولم يبلغهم. وأمَّا إذا رئي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلَّا بعد مضي الأول فلا قضاء عليهم لأنَّ صوم الناس هو اليوم الذي يصومونه ولا يمكن أن يصوموا إلَّا اليوم الذي يمكنهم فيه رؤية الهلال وهذا لم يكن يمكنهم فيه بلوغه فلم يكن يوم صومهم وكذلك في الفطر والنسك لكن هؤلاء هل يفطرون إذا ثبت عندهم في أثناء الشهر أنَّه رئي بناء على تلك الرؤية؟ لكن إن بلغتهم بخبر واحد لم يفطروا؛ لأنَّه قد ثبت عندهم في أثنائه ما يفطرون به ولا يقضون اليوم الأول فيكون صومهم تسعة وعشرين كما يقوله من يقول بالمطالع إذا صام برؤية مكان ثم سافر إلى مكان تقدمت رؤيتهم فإنَّه يفطر معهم ولا يقضي اليوم الأول. وإن تأخرت رؤيتهم فهنا اختلفت نقول أصحابنا إن قالوا يفطر وحده فهو كما لو رآه عندهم لم يفطر وحده عندنا على المشهور وإن صام معهم فقد صام إحدى وثلاثين يوماً. والأشبه أن هذه المسألة يخرج فيها لأصحابنا قولان كالمنفرد برؤيته في الفطر لأنَّ انفراد الرجل بالفطر هو المحذور في الموضعين ورؤية أهل بلد دون غيرهم كرؤيته ورؤية طائفة معه دون غيرهم.

стр. 3606

وأمَّا هلال الفطر فإذا ثبتت رؤيته في اليوم عملوا بذلك وإن كان بعد ذلك لم يكن فيه فائدة - بل العيد هو اليوم الذي عيده الناس - ولكن نقل التاريخ. فالضابط أنَّ مدار هذا الْأمر على البلوغ لقوله: "صوموا لرؤيته" فمن بلغه أنَّه رئي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر في أنَّ طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلَّا بعد شهر فلا فائدة فيه بخلاف الْأماكن الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر فإنَّها محل الاعتبار. فتدبر هذه المسائل الأربعة: وجوب الصوم والْإمساك ووجوب القضاء ووجوب بناء العيد على تلك الرؤية ورؤية البعيد والبلاغ في وقت بعد انقضاء العبادة. ولهذا قالوا: إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم اعتباراً بالبلوغ وإذا أخطأه طائفة منهم لم يجزئهم لإمكان البلوغ فالبلوغ هو المعتبر سواء كان علم به للبعد أو للقلة وهذا الذي ذكرته هو الذي ذكره أصحابنا إلَّا وجوب القضاء إذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر. والحجة فيه أنَّا نعلم بيقين أنَّه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في بعض أمصار المسلمين بعد بعض فإنَّ هذا من الْأمور المعتادة التي لا تبديل لها ولا بد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر فلو كانوا يجب عليهم القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الإسلام كتوفرها على البحث عن رؤيته في بلده ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات ومثل هذا لو كان لنقل ولما لم ينقل دل على أنَّه لا أصل له وحديث ابن عباس يدل على هذا. وقد أجاب أصحابنا بأنَّه إنَّما لم يفطر لأنَّه لم يثبت عنده إلَّا بقول واحد فلا يفطر به ولا يقال أصحابنا كذلك أيضاً لم ينقل أنَّهم كانوا إذا بلغهم الهلال في

стр. 3607

أثناء الشهر بنوا فطرهم عليه. قلنا لأنَّ ذاك أمر لا تتعلق الهمم بالبحث عنه لأنَّ فيه ترك صوم يوم فإن ثبت عندهم وإلَّا فالاحتياط الصوم؛ لأنَّ ذاك الخبر قد يكون ضعيفاً مع أنَّ هذه المسألة فيها نظر. ولو قيل: إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلَّا على رؤيتهم بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه بل الرؤية القليلة لو لم تبلغ الإنسان إلَّا في أثناء الشهر ففي وجوب قضاء ذلك اليوم نظر وإن كان يفطر بها؛ لأنَّ قوله: "صومكم يوم تصومون" دليل على أنَّ ذلك لم يكن يوم صومنا ولأنَّ التكليف يتبع العلم ولا علم ولا دليل ظاهر فلا وجوب وطرد هذا أنَّ الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا ولا قضاء عليهم كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة. فقد قيل: يمسك ويقضي. وقيل: لا يجب واحد منهما. وقيل: يجب الْإمساك دون القضاء. فإنَّ الهلال مأخوذ من الظهور ورفع الصوت فطلوعه في السماء إن لم يظهر في الأرض فلا حكم له لا باطناً ولا ظاهراً واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال: أهللنا الهلال واستهللناه فلا هلال إلَّا ما استهل فإذا استهله الواحد والاثنان فلم يخبرا به فلم يكن ذاك هلالاً فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به فيكون خبرهما هو الإهلال الذي هو رفع الصوت الإخبار به ولأنَّ التكليف يتبع العلم فإذا لم يمكن علمه لم يجب صومه. ووجوب القضاء إذا كان الترك بغير تفريط يفتقر إلى دليل ولأنَّه لو وجب القضاء أو استحب إذا بلغ رؤيته المكان البعيد أو رؤية النفر القليل في أثناء الشهر لاستحب الصوم يوم الشك مع الصحو بل يوم الثلاثين مطلقاً لأنَّه يمكن أن يخبر القليل أو البعيد برؤيته في أثناء الشهر فيستحب الصوم احتياطاً وما من شيء في الشريعة يمكن وجوبه إلَّا والاحتياط مشروع في أدائه.

стр. 3608

فلما لم يشرع الاحتياط في أدائه قطعنا بأنَّه لا وجوب مع بعد الرائي أو خفائه حتى يكون الرائي قريباً ظاهراً فتكون رؤيته إهلالاً يظهر به الطلوع. وقد يحتج بهذا من لم يحتط في الغيم. ولكن يجاب عنه بأن طلوعه هذا مثال ظاهر أو مساو وإنَّما الحاجب مانع كما لو كانوا ليلة الثلاثين في مغارة أو مطمورة وقد تعذر الترائي. ولأنَّ الذين لم يوجبوا التبييت: أصل مأخذهم إجزاء يوم الشك فإنَّ بلوغ الرؤية قبل الزوال كثير كيوم عاشوراء وإيجاب القضاء فيه عسر لكثرة وقوع مثل ذلك وعدم شهرة وجوب القضاء في السلف. وجواب هذا أنه لا يلزم من وجوب الْإمساك وجوب القضاء فإنَّه لا وجوب إلَّا من حين الإهلال والرؤية؛ لا من حين الطلوع ولأنَّ الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر يدل على هذا؛ لأنَّ ما ذكره إذا لم يبلغ الخبر إلَّا بعد مضي الشهر لم يبق فيه فائدة إلَّا وجوب القضاء فعلم أنَّ القضاء لا يجب برؤية بعيدة مطلقاً. فتلخص: أنَّه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدي بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك. ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله: مخالف للعقل والشرع. ومن لم يبلغه إلَّا بعد الأداء وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول والنسك فهذا لا تأثير له وعليه الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر. وأمَّا إذا بلغه في أثناء المدة: فهل يؤثر في وجوب القضاء؟ وفي بناء الفطر عليه وكذلك في بقية الأحكام: من حلول الدين ومدة الإيلاء وانقضاء العدة ونحو ذلك. والقضاء يظهر لي أنه لا يجب وفي بناء الفطر عليه نظر. فهذا متوسط في المسألة: وما من قول سواه إلَّا وله لوازم شنيعة لا سيما من قال بالتعدد فإنه يلزمه في

стр. 3609

المناسك ما يعلم به خلاف دين الإسلام إذا رأى بعض الوفود أو كلهم الهلال وقدموا مكة ولم يكن قد رئي قريباً من مكة ولما ذكرناه من فساده صار متنوعاً والذي ذكرناه يحصل به الاجتماع الشرعي كل قوم على ما أمكنهم الاجتماع عليه وإذا خالفهم من لم يشعروا بمخالفته لانفراده من الشعور بما ليس عندهم لم يضر هذا وإنَّما الشأن من الشعور بالفرقة والاختلاف. وتحقيق ذلك العلم بالأهلة فقال: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. وهذا يدل على أنه أراد المعلوم ببصر أو سمع ولهذا ذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين: إلى أنه إذا كانت السماء مصحية ولم يحصل أحد على الرؤية أنه ليس بشك لانتفاء الشك في الهلال وإن وقع شك في الطلوع. وذلك من وجهين: أحدهما: أنَّ الهلال على وزن فعال. وهذا المثال في كلام العرب لما يفعل به كالإزار لما يؤتزر به والرداء: لما يرتدى به والركاب: لما يركب به والوعاء: لما يوعى فيه وبه والسماد لما تسمد به الأرض والعصاب: لما يعصب به والسداد لما يسد به وهذا كثير مطرد في الأسماء. فالهلال اسم لما يهل به: أي يصات به والتصويت به لا يكون إلَّا مع إدراكه ببصر أو سمع ويدل عليه قول الشاعر: يهل بالفرقد ركبانها * * * كما يهل الراكب المعتمر أي: يصوتون بالفرقد فجعلهم مهلين به فلذلك سمي هلالاً. ومنه قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي صوت به وسواء كان التصويت به رفيعاً أو خفيضاً فإنه مما تكلم به وجهر به لغير الله. ونطق به.

стр. 3610

الوجه الثاني: أنَّه جعلها مواقيت للناس ولا تكون مواقيت لهم إلَّا إذا أدركوها ببصر أو سمع فإذا انتفى الإدراك انتفى التوقيت فلا تكون أهلة وهو غاية ما يمكن ضبطه من جهة الحس إذ ضبط مكان الطلوع بالحساب لا يصح أصلا وقد صنفت في ذلك شيئاً. وهذه المسألة تنبني عليه أيضاً فإنَّه ليس في قوى البشر أن يضبطوا للرؤية زماناً ومكاناً محدوداً وإنما يضبطون ما يدركونه بأبصارهم أو ما يسمعونه بآذانهم فإذا كان الواجب تعليقه في حق من رأى بالرؤية ففي حق من لم ير بالسماع ومن لا رؤية له ولا سماع فلا إهلال له والله هو المسئول أن يتم نعمته علينا وعلى المسلمين» اهـ. وَقَالَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٧٢ - ١٧٣): « … ولأنَّه لو لم يكن حكم البلاد في ذلك واحداً؛ لكان يجب أن يحد ما تختلف به المطالع بحدٍّ مضبوط، وليس في ذلك حد مضبوط؛ لأنَّ رؤية الهلال قد تكون تارة لارتفاع المكان، وتارة لصفاء الهواء، وتارة لزوال المانع، وتارة لحدة البصر، ثم ذلك أمر يحتاج إلى حساب، ونحن أمَّة أمية لا نكتب ولا نحسب، فوجب أن نجعل الرؤية واحدة» اهـ. قُلْتُ: وأقوى حجة للقائلين باعتبار المطالع ما رواه مسلم (١٠٨٧) عَنْ كُرَيْبٍ، «أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟
следующие страницы →