← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

وأمَّا هلال الفطر فإذا ثبتت رؤيته في اليوم عملوا بذلك وإن كان بعد ذلك لم يكن فيه فائدة - بل العيد هو اليوم الذي عيده الناس - ولكن نقل التاريخ. فالضابط أنَّ مدار هذا الْأمر على البلوغ لقوله: "صوموا لرؤيته" فمن بلغه أنَّه رئي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً وهذا يطابق ما ذكره ابن عبد البر في أنَّ طرفي المعمورة لا يبلغ الخبر فيهما إلَّا بعد شهر فلا فائدة فيه بخلاف الْأماكن الذي يصل الخبر فيها قبل انسلاخ الشهر فإنَّها محل الاعتبار. فتدبر هذه المسائل الأربعة: وجوب الصوم والْإمساك ووجوب القضاء ووجوب بناء العيد على تلك الرؤية ورؤية البعيد والبلاغ في وقت بعد انقضاء العبادة. ولهذا قالوا: إذا أخطأ الناس كلهم فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم اعتباراً بالبلوغ وإذا أخطأه طائفة منهم لم يجزئهم لإمكان البلوغ فالبلوغ هو المعتبر سواء كان علم به للبعد أو للقلة وهذا الذي ذكرته هو الذي ذكره أصحابنا إلَّا وجوب القضاء إذا لم يكن مما يمكنهم فيه بلوغ الخبر. والحجة فيه أنَّا نعلم بيقين أنَّه ما زال في عهد الصحابة والتابعين يرى الهلال في بعض أمصار المسلمين بعد بعض فإنَّ هذا من الْأمور المعتادة التي لا تبديل لها ولا بد أن يبلغهم الخبر في أثناء الشهر فلو كانوا يجب عليهم القضاء لكانت هممهم تتوفر على البحث عن رؤيته في سائر بلدان الإسلام كتوفرها على البحث عن رؤيته في بلده ولكان القضاء يكثر في أكثر الرمضانات ومثل هذا لو كان لنقل ولما لم ينقل دل على أنَّه لا أصل له وحديث ابن عباس يدل على هذا. وقد أجاب أصحابنا بأنَّه إنَّما لم يفطر لأنَّه لم يثبت عنده إلَّا بقول واحد فلا يفطر به ولا يقال أصحابنا كذلك أيضاً لم ينقل أنَّهم كانوا إذا بلغهم الهلال في

стр. 3607

أثناء الشهر بنوا فطرهم عليه. قلنا لأنَّ ذاك أمر لا تتعلق الهمم بالبحث عنه لأنَّ فيه ترك صوم يوم فإن ثبت عندهم وإلَّا فالاحتياط الصوم؛ لأنَّ ذاك الخبر قد يكون ضعيفاً مع أنَّ هذه المسألة فيها نظر. ولو قيل: إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلَّا على رؤيتهم بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه بل الرؤية القليلة لو لم تبلغ الإنسان إلَّا في أثناء الشهر ففي وجوب قضاء ذلك اليوم نظر وإن كان يفطر بها؛ لأنَّ قوله: "صومكم يوم تصومون" دليل على أنَّ ذلك لم يكن يوم صومنا ولأنَّ التكليف يتبع العلم ولا علم ولا دليل ظاهر فلا وجوب وطرد هذا أنَّ الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا ولا قضاء عليهم كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة. فقد قيل: يمسك ويقضي. وقيل: لا يجب واحد منهما. وقيل: يجب الْإمساك دون القضاء. فإنَّ الهلال مأخوذ من الظهور ورفع الصوت فطلوعه في السماء إن لم يظهر في الأرض فلا حكم له لا باطناً ولا ظاهراً واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال: أهللنا الهلال واستهللناه فلا هلال إلَّا ما استهل فإذا استهله الواحد والاثنان فلم يخبرا به فلم يكن ذاك هلالاً فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به فيكون خبرهما هو الإهلال الذي هو رفع الصوت الإخبار به ولأنَّ التكليف يتبع العلم فإذا لم يمكن علمه لم يجب صومه. ووجوب القضاء إذا كان الترك بغير تفريط يفتقر إلى دليل ولأنَّه لو وجب القضاء أو استحب إذا بلغ رؤيته المكان البعيد أو رؤية النفر القليل في أثناء الشهر لاستحب الصوم يوم الشك مع الصحو بل يوم الثلاثين مطلقاً لأنَّه يمكن أن يخبر القليل أو البعيد برؤيته في أثناء الشهر فيستحب الصوم احتياطاً وما من شيء في الشريعة يمكن وجوبه إلَّا والاحتياط مشروع في أدائه.

стр. 3608

فلما لم يشرع الاحتياط في أدائه قطعنا بأنَّه لا وجوب مع بعد الرائي أو خفائه حتى يكون الرائي قريباً ظاهراً فتكون رؤيته إهلالاً يظهر به الطلوع. وقد يحتج بهذا من لم يحتط في الغيم. ولكن يجاب عنه بأن طلوعه هذا مثال ظاهر أو مساو وإنَّما الحاجب مانع كما لو كانوا ليلة الثلاثين في مغارة أو مطمورة وقد تعذر الترائي. ولأنَّ الذين لم يوجبوا التبييت: أصل مأخذهم إجزاء يوم الشك فإنَّ بلوغ الرؤية قبل الزوال كثير كيوم عاشوراء وإيجاب القضاء فيه عسر لكثرة وقوع مثل ذلك وعدم شهرة وجوب القضاء في السلف. وجواب هذا أنه لا يلزم من وجوب الْإمساك وجوب القضاء فإنَّه لا وجوب إلَّا من حين الإهلال والرؤية؛ لا من حين الطلوع ولأنَّ الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر يدل على هذا؛ لأنَّ ما ذكره إذا لم يبلغ الخبر إلَّا بعد مضي الشهر لم يبق فيه فائدة إلَّا وجوب القضاء فعلم أنَّ القضاء لا يجب برؤية بعيدة مطلقاً. فتلخص: أنَّه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدي بتلك الرؤية الصوم أو الفطر أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك. ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله: مخالف للعقل والشرع. ومن لم يبلغه إلَّا بعد الأداء وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول والنسك فهذا لا تأثير له وعليه الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر. وأمَّا إذا بلغه في أثناء المدة: فهل يؤثر في وجوب القضاء؟ وفي بناء الفطر عليه وكذلك في بقية الأحكام: من حلول الدين ومدة الإيلاء وانقضاء العدة ونحو ذلك. والقضاء يظهر لي أنه لا يجب وفي بناء الفطر عليه نظر. فهذا متوسط في المسألة: وما من قول سواه إلَّا وله لوازم شنيعة لا سيما من قال بالتعدد فإنه يلزمه في

стр. 3609

المناسك ما يعلم به خلاف دين الإسلام إذا رأى بعض الوفود أو كلهم الهلال وقدموا مكة ولم يكن قد رئي قريباً من مكة ولما ذكرناه من فساده صار متنوعاً والذي ذكرناه يحصل به الاجتماع الشرعي كل قوم على ما أمكنهم الاجتماع عليه وإذا خالفهم من لم يشعروا بمخالفته لانفراده من الشعور بما ليس عندهم لم يضر هذا وإنَّما الشأن من الشعور بالفرقة والاختلاف. وتحقيق ذلك العلم بالأهلة فقال: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. وهذا يدل على أنه أراد المعلوم ببصر أو سمع ولهذا ذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين: إلى أنه إذا كانت السماء مصحية ولم يحصل أحد على الرؤية أنه ليس بشك لانتفاء الشك في الهلال وإن وقع شك في الطلوع. وذلك من وجهين: أحدهما: أنَّ الهلال على وزن فعال. وهذا المثال في كلام العرب لما يفعل به كالإزار لما يؤتزر به والرداء: لما يرتدى به والركاب: لما يركب به والوعاء: لما يوعى فيه وبه والسماد لما تسمد به الأرض والعصاب: لما يعصب به والسداد لما يسد به وهذا كثير مطرد في الأسماء. فالهلال اسم لما يهل به: أي يصات به والتصويت به لا يكون إلَّا مع إدراكه ببصر أو سمع ويدل عليه قول الشاعر: يهل بالفرقد ركبانها * * * كما يهل الراكب المعتمر أي: يصوتون بالفرقد فجعلهم مهلين به فلذلك سمي هلالاً. ومنه قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي صوت به وسواء كان التصويت به رفيعاً أو خفيضاً فإنه مما تكلم به وجهر به لغير الله. ونطق به.

стр. 3610

الوجه الثاني: أنَّه جعلها مواقيت للناس ولا تكون مواقيت لهم إلَّا إذا أدركوها ببصر أو سمع فإذا انتفى الإدراك انتفى التوقيت فلا تكون أهلة وهو غاية ما يمكن ضبطه من جهة الحس إذ ضبط مكان الطلوع بالحساب لا يصح أصلا وقد صنفت في ذلك شيئاً. وهذه المسألة تنبني عليه أيضاً فإنَّه ليس في قوى البشر أن يضبطوا للرؤية زماناً ومكاناً محدوداً وإنما يضبطون ما يدركونه بأبصارهم أو ما يسمعونه بآذانهم فإذا كان الواجب تعليقه في حق من رأى بالرؤية ففي حق من لم ير بالسماع ومن لا رؤية له ولا سماع فلا إهلال له والله هو المسئول أن يتم نعمته علينا وعلى المسلمين» اهـ. وَقَالَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٧٢ - ١٧٣): « … ولأنَّه لو لم يكن حكم البلاد في ذلك واحداً؛ لكان يجب أن يحد ما تختلف به المطالع بحدٍّ مضبوط، وليس في ذلك حد مضبوط؛ لأنَّ رؤية الهلال قد تكون تارة لارتفاع المكان، وتارة لصفاء الهواء، وتارة لزوال المانع، وتارة لحدة البصر، ثم ذلك أمر يحتاج إلى حساب، ونحن أمَّة أمية لا نكتب ولا نحسب، فوجب أن نجعل الرؤية واحدة» اهـ. قُلْتُ: وأقوى حجة للقائلين باعتبار المطالع ما رواه مسلم (١٠٨٧) عَنْ كُرَيْبٍ، «أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟

стр. 3611

فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: " لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ». قُلْتُ: وقد أجاب عن هذا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٧٤) فقال: «قيل: ابن عباس أخبر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمرهم أن لا يفطروا في مثل هذه الواقعة، ولم يذكر لفظ رسول الله ﷺ . وقد يكون ذلك لأنَّ كريباً هو الذي أخبرهم بالرؤية المتقدمة وحده، وقد أمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا بشهادة اثنين؛ لأنَّهم لو عملوا بخبره لأفطروا، وليس فيه تعرض لقضاء ذلك اليوم، وشهادة الواحد إنَّما تقبل في الهلال إذا اقتضت الصوم أداءً أو قضاءً، فأمَّا إذا اقتضت الفطر فلا. ويجوز أن يكون ذلك لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته، ولا يفطروا حتى يروه يكملوا العدة؛ كما قد رواه ابن عباس وغيره مفسراً، فاعتقد ابن عباس أنَّ أهل كل بلد يصومون حتى يروه أو يكملوا العدة، وقد تقدم عنه ﷺ ما يبين أنَّه قصد رؤية بعض الْأُمة في الجملة؛ لأنَّ الخطاب لهم، وهذا عمل بعمل قوم في غير مصره» اهـ. ٥ - واحتج به على تحريم صوم الثلاثين من شعبان إذا حال في الأفق ما يمنع الرؤية وهو ما يسميه جمع من العلماء بيوم الشك ووجه الاحتجاج بالحديث أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ علق الصيام بالرؤية عند الصحو وبإكمال العدة عند الغيم وهو المراد بقوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ» أي: قدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً.

стр. 3612

ويؤيد هذا المعنى ما رواه مسلم (١٠٨٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ: «الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا - ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ - فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ». قُلْتُ: وقد حمل بعضهم إكمال العدة في الحديث على شهر رمضان دون شعبان لأنَّه أقرب مذكور، واحتجوا أيضاً بما رواه أحمد (٩٦٥٢)، والترمذي (٦٨٤) مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَدِ بْنِ عَمْرو حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا بيَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ أَحَدُكُمْ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أَفْطِرُوا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. لكن رواه النسائي (٢١٣٨) مِنْ طَرِيْقِ يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ». ونحوه رواه الزهري عن أبي سلمة كما عند أحمد (٧٥٠٧)، وابن خزيمة (١٩٠٨)، وابن حبان (٣٤٤٣). قُلْتُ: حديث يحيى بن أبي كثير، والزهري أصح من حديث محمد بن عمرو والله أعلم.

стр. 3613

وبما رواه مسلم (١٠٨١) مِنْ طَرِيْقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا». قالوا: ذكر الفطر في الرواية الأولى، والصيام في الرواية الأخرى دليل على أنَّ الْأمر بإكمال العدة إنَّما هو لرمضان لا لشعبان. لكن روى البخاري (١٩٠٩) حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوْ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ». قُلْتُ: وقد أَعلَّ قوله: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ». بعض علماء الحديث. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [تَهْذِيْبِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ] (١/ ٤٠٠ - ٤٠١): «وهذا اللفظ الأخير للبخاري وحده، وقد علل بعلتين: إحداهما: أنَّه من رواية محمد بن زياد عنه، وقد خالفه فيه سعيد بن المسيب فقال فيه. "فصوموا ثلاثين". قالوا: وروايته أولى لإمامته، واشتهار عدالته وثقته، ولاختصاصه بأبي هريرة وصهره منه، ولموافقة روايته لرأي أبي هريرة ومذهبه، فإنَّ مذهب أبي هريرة وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعمرو بن العاص وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء: صيام يوم الغيم. قالوا: فكيف يكون عند أبي هريرة قول النبي ﷺ : "فأكملوا عدة شعبان"، ثم يخالفه؟!. العلة الثانية: ما ذكر الإسماعيلي قال: وقد روينا هذا الحديث عن غندر وابن مهدي وابن علية وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر بن شميل

стр. 3614

ويزيد بن هارون وأبي داود كلهم عن شعبة لم يذكر أحد منهم "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للمخبر، وإلَّا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بين من رواه عنه وجه. هذا آخر كلامه. وقد رواه الْدَارَقُطْنِي فقال فيه: "فعدوا ثلاثين يعني عدوا شعبان ثلاثين"، ثم قال: أخرجه البخاري عن آدم، فقال فيه: "فعدوا شعبان ثلاثين" ولم يقل: "يعني" وهذا يدل على أنَّ قوله: "يعني" من بعض الرواة، والظاهر أنَّه آدم، وأنَّه قوله» اهـ. قُلْتُ: ويضاف إلى من ذكرهم الإسماعيلي من الرواة عن شعبة معاذ بن معاذ العنبري وحديثه في مسلم (١٠٨١)، وحجاج بن محمد المصيصي عند أحمد (٩٨٥٢)، وهاشم بن القاسم عند الدارمي (١٦٨٥)، وعلي بن الجعد في [مُسْنَدِه] (١١١٨)، وعند الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٥٠٠)، ويحيى بن سعيد القطان عند أحمد (٩٥٥١، ٩٥٥٢)، وورقاء بن عمر عند النسائي (٢١١٨). قُلْتُ: فهؤلاء خمسة عشر راوياً خالفوا آدم بن أبي إياس، أضف إلى ذلك أنَّ سائر من روى الحديث عن محمد بن زياد لم يذكروا في حديثهم لفظة "شعبان" فقد رواه الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ». رواه مسلم (١٠٨١). وهكذا رواه عبد الرحمن بن بكر عند الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٤٢٨)، وحماد بن سلمة عند أحمد (٩٣٦٥)، وهكذا

стр. 3615

كل من روى الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لم يذكروا ذلك. فالذي يظهر لي عدم ثبوت هذه اللفظة. والله أعلم. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٢١ - ١٢٢) - بعد ذكره لكلام الإسماعيلي-: «فإن قيل: هذه زيادة من الثقة فيجب قبولها؟ قلنا: هذا لا يصح لوجوه: أحدها: أنَّ من لم يذكر هذه الزيادة عدد كثير لا يجوز على مثلهم في عددهم وضبطهم أن يغفلوها ويضبطها واحد لا يقاربهم في الفضل والضبط، وقد اختلف عليه فيها، فروي أنَّه ذكرها، وروى عنه أنَّه تركها، وعلى هذا عامة أهل الحديث وأكثر محققي أصحابنا، لا سيما وقرينة الحال تقتضي أنَّه روى الحديث بالمعنى الذي فهمه منه. الثاني: أنَّ الزيادة إنَّما تقبل إذا زاد الواحد على لفظ الجماعة، أمَّا إذا خالف لفظ الجماعة؛ علم أنَّه خالف لفظهم، ولم يزد عليهم، وسائر الجماعة رووا هذا الحديث: "فاكملوا العدة"، وبعضهم قال: "فعدوا ثلاثين يوماً"، ولا شك أنَّ هذا اللفظ لا يزاد عليه شعبان إلَّا بتغييره، وحذف أداة التعريف؛ فمن قال: عدة شعبان، لا يقال: إنَّه قد زاد على لفظ من قال: فأكملوا العدة، لكن خالف لفظُه لفظَه، وأمَّا المعنى؛ فقد يكون مختلفاً. الثالث: إنَّ الروايات الصحيحة التي لا علة فيها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تثبت أنَّ المراد: أكملوا عدة رمضان ثلاثين يوماً كما تقدم، فتحمل الروايات المطلقة على المفسرة،

стр. 3616

وتكون هذه الرواية تفسيراً من عند الراوي؛ كما شهد به عليه أهل الْمَعْرِفَة بعلل الحديث. الرابع: أنَّه تقدم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّه كان يقول: "لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان"، وأنَّ عائشة أفتت بذلك، وأقرها عليه؛ فلو سمع من فلق فيِّ رسول الله ﷺ أمراً صريحاً بإكمال عدة شعبان وابتداء الصوم بعدها في مثل هذا الخطب الذي لا يكاد يغفل ويهمل بهذا اللفظ الذي لا يعدل عنه ويتأول؛ لما استجاز خلافه. ونحن إذا قلنا: مخالفة الراوي للحديث لا يمنع الاحتجاج به، فإننا ننسب مخالفته إلى نسيان أو اعتقاد نسخ أو تأويل، وهذه الاحتمالات مندفعة هنا. ثم لا ريب أنَّ مخالفته علة في الحديث تؤثر فيه؛ فإذا اعتضد بمخالفته انفراد واحد عن الأثبات بهذا اللفظ الذي فيه المخالفة، ومخالفته للفظ الجماعة؛ كثرت الشهادات القادحة في هذا اللفظ، فوقف. ويتوجه فيه شيء آخر، وهو أنَّ اللفظ المشهور: "فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"، وهذا يكون في حال الصحو إذا تراءاه فغبي عليه ولم يره ولم يعرفه لأنَّهم … غبي على الشيء إذا لم يعرفه مع إمكان معرفته، وفي لفظ: "فإن غمي عليكم الشهر" وهذا محتمل للصحو» اهـ. قُلْتُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٣/ ٣٤٢):

стр. 3617

«وَفِي حَدِيثِ الصَّوْمِ "فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ" أَيْ خَفِيَ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ "غُبِّيَ" بِضَمِّ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمَكْسُورَةِ، لِمَا لَمْ يُسَمَّ فاعِله، مِنَ الغَبَاء: شِبْهُ الْغَبَرَةِ فِي السَّمَاءِ» اهـ. قُلْتُ: وروى البخاري (١٩٠٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ». قُلْتُ: وهذه رواية صريحة في إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً عند الإغمام، لكن يرد ذلك أنَّ الحديث موجود في [الْمُوَطَّأِ] (٦٣١) بزيادة: «وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ». فرواه مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». قُلْتُ: وهذه هي عين طريق الْإِمَام البخاري. ورواه مسلم (١٠٨٠) مِنْ طَرِيْقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ». قُلْتُ: وفي الباب حديث عبد الله بن عباس ﵄. فروى النسائي (٢١٨٩) أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عِكْرِمَةَ فِي يَوْمٍ قَدْ أُشْكِلَ مِنْ رَمَضَانَ هُوَ أَمْ مِنْ شَعْبَانَ، وَهُوَ يَأْكُلُ خُبْزًا وَبَقْلًا وَلَبَنًا، فَقَالَ لِي: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ

стр. 3618

وَحَلَفَ بِاللَّهِ: لَتُفْطِرَنَّ، قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ يَحْلِفُ لَا يَسْتَثْنِي تَقَدَّمْتُ قُلْتُ: هَاتِ الْآنَ مَا عِنْدَكَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابَةٌ أَوْ ظُلْمَةٌ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ عِدَّةَ شَعْبَانَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا، وَلَا تَصِلُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ». قُلْتُ: أبو يونس هو حاتم بن أبي صغيرة، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة لكن الحديث جاء من رواية شعبة عنه كما سيأتي. ورواه النسائي (٢١٢٩) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَكَمِّلُوا الْعِدَّةَ وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا». قُلْتُ: إسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية وحديثه هذا أصح من حديث ابن أبي عدي. وذكر شعبان مدرج بالحديث من تفسير حاتم بن أبي صغيرة كما جاء صريحاً في مسند الْإِمَام أحمد (١٩٨٥) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ

стр. 3619

سَحَابٌ فَكَمِّلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ، وَلا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا» قَالَ حَاتِمٌ: يَعْنِي عِدَّةَ شَعْبَانَ اهـ. ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٧٣٦) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، عَنْ حَاتِمٍ هُوَ ابْنُ أَبِي صَغِيرَةَ بِهِ وفي آخر حديثه: «لَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ». وهذه متابعة منه لابن أبي عدي في هذه اللفظة. قُلْتُ: وقد جاءت لفظة "شعبان" في حديث أبي عوانة عن سماك فيما رواه الطيالسي في [مُسْنَدِه] (٢٧٩٣) حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صُومُوا رَمَضَانَ لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَمَامَةٌ أَوْ ضَبَابَةٌ فَأَكْمِلُوا شَهْرَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، وَلَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ». قُلْتُ: وللحديث طريق أخرى عن سماك فرواه أبو داود (٢٣٢٧) مِنْ طَرِيْقِ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ، وَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَمَامَةٌ، فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ، ثُمَّ أَفْطِرُوا وَالشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، وَشُعْبَةُ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكٍ بِمَعْنَاهُ لَمْ يَقُولُوا: «ثُمَّ أَفْطِرُوا»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ حَاتِمُ بْنُ مُسْلِمٍ ابْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، وَأَبُو صَغِيرَةَ زَوْجُ أُمِّهِ اهـ. قُلْتُ: حديث شعبة رواه ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (١٩١٢)، ومن طريقه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٣٥٩٠)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (١٥٤٧).

стр. 3620

قُلْتُ: ولفظ حديث شعبة عند ابن خزيمة «لَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ». قُلْتُ: وهذا هو المحفوظ في حديث ابن عباس مِنْ طَرِيْقِ سماك عن عكرمة. والله أعلم. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٤٣٢): «وهو من صحيح حديث سماك لم يدلس فيه ولم يلقن أيضاً فإنَّه من رواية شعبة عنه وكان شعبة لا يأخذ عن شيوخه ما دلسوا فيه ولا ما لقنوا» اهـ. قُلْتُ: وهكذا رواه أبو الأحوص سلام ابن سليم عن سماك رواه الترمذي (٦٨٨). ولعلَّ هذا الاختلاف في حديث ابن عباس حاصل من سماك لا من الرواة عنه. والله أعلم. ولحديث ابن عباس إسناد آخر رواه النسائي (٢١٢٤) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو الْجَوْزَاءِ، وَهُوَ ثِقَةٌ بَصْرِيٌّ، أَخُو أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ». قُلْتُ: وقد خالف سفيان بن عيينة حماداً فزاد محمد بن حنين بين عمرو بن دينار وابن عباس. روى ذلك النسائي (٢١٢٥).

стр. 3621

لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيِّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ الْكَمَالِ] (٢٥/ ١٢٠): «هكذا ذكره صاحب "الأطراف " اعتماداً على ما وقع في بعض النسخ المتأخرة وهو خطأ، والصواب: محمد بن جبير، وهو ابن مطعم. هكذا وقع في الأصول القديمة من كتاب النَّسَائي، وكذلك هو في "مسند" الْإِمَام أحمد وغيره، والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: هو في [الْمُسْنَد] (٣٤٧٤) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْكِرُ أَنْ يُتَقَدَّمَ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ إِذَا لَمْ يُرَ هِلَالُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا لَمْ تَرَوْا الْهِلَالَ، فَاسْتَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ لَيْلَةً». وهذه متابعة من ابن جريج لسفيان فالصحيح إثبات ابن جبير، أو ابن حنين في الإسناد والله أعلم. وهكذا رواه الدارمي (١٦٨٦) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، أَنَّهُ عَجِبَ مِمَّنْ يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا». قُلْتُ: وقد وقع في مصادر أخرى كثيرة بذكر محمد بن حنين فالله أعلم. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي ترجمته من "التهذيب": «وقد ذكر الْدَارَقُطْنِي أنَّ محمد بن حنين أيضاً روى عن ابن عباس قال وهو أخو عبيد بن حنين وكذا هو مجود في "السنن الْكُبْرَى" رواية ابن الأحمر عن النسائي والله أعلم وَقَالَ الحاكم لا أعرف روى عنه غير عمرو بن دينار» اهـ.

стр. 3622

قُلْتُ: وابن حنين هذا مجهول، وأمَّا ابن جبير فإنَّه ثقة. وفي الباب مرسل ربعي بن حراش رواه النسائي (٢١٢٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ صُومُوا رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ إِلَّا أَنْ تَرَوْا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ». قُلْتُ: حجاج ضعيف ومدلس وقد عنعن، ثم هو مع ذلك من مراسيل ربعي. وقد روى الحديث سفيان الثوري عن منصور ولم يذكر شعبان، ورواه موصولاً فروى النسائي (٢١٢٧) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ بَعْضِ، أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ أَوْ تَرَوْا الْهِلَالَ، ثُمَّ صُومُوا وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ». قُلْتُ: وقد تابع سفيان في ذلك عبيدة بن حميد التيمي عند الْدَارَقُطْنِي (٢١٦٩)، وزهير بن معاوية عند الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٢٥٤٦)، وأبو الأحوص سلام بن سليم عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩١١٣). ورواه جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر وسمى الصحابي بأنَّه حذيفة بن اليمان كما روى ذلك النسائي (٢١٢٦). ورواية سفيان ومن معه هي المحفوظة. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْتَلْخِيْصِ] (٢/ ٤٣٢):

стр. 3623

«ورواه الثوري وجماعة عن منصور عن ربعي عن رجل من الصحابة غير مسمى ورجحه أحمد على رواية جرير» اهـ. قُلْتُ: الْحَدِيْثُ صَحِيْحٌ والاختلاف في اسم الصحابي لا يضر. والله أعلم. قُلْتُ: وهذه الرواية الصحيحة تدل على أنَّ إكمال العدة يكون لشهر شعبان كما يكون أيضاً لشهر رمضان؛ لكن ليس فيها أنَّ ذلك في وقت الغيم فيمكن أن تحمل على وقت الصحو وهذا مما لا نزاع فيه. وفي الباب حديث عائشة ﵂. رواه أحمد (٢٥٢٠٢)، ومن طريقه أبو داود (٢٣٢٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ هِلَالِ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ، عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صَامَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وفي هذا الحديث أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ كان يكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً في وقت الغيم، وهكذا يفعل في رمضان لكن ليس فيه الْأمر بذلك. ومن جملة ما احتج به المانعون من صيام يوم الثلاثين إذا كان في وقت غيم حديث أبي هريرة الماضي: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ». رواه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢). قُلْتُ: ويجاب عن ذلك أنَّ صيام يوم الغيم ليس من تقدم رمضان فإنَّه لا يصام بنية التقدم وإنَّما يصام بنية أنَّه أول يوم من رمضان.

стр. 3624

واحتجوا أيضاً بما رواه أبو داود (٢٣٣٤)، والنسائي (٢١٨٨)، والترمذي (٦٨٦)، وابن ماجه (١٦٤٥) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَأَتَى بِشَاةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ عَمَّارٌ: «مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ». قُلْتُ: ورواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم فقال: «وَقَالَ صِلَةُ، عَنْ عَمَّارٍ، "مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ "». لكن قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيِّ ﵀ في [تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ] (٧/ ٤٧٦): «روي عن أبي إسحاق، قال: حدثت عن صلة بن زفر به» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [تَغْلِيْقِ الْتَعْلِيْقِ] (٣/ ١٤١): «وللحديث مع ذلك عله خفية ذكر الترمذي في "الْعِلَلِ" أنَّ بعض الرواة قال فيه عن أبي إسحاق قال حدثت عن صلة فذكره» اهـ. وقد رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٩٥٩٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ مَنْصُورٍ، أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَنَاسًا مَعَهُ أَتَوْهُمْ بِمَسْلُوخَةٍ مَشْوِيَّةٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ رَمَضَانُ، أَوْ لَيْسَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاجْتَمَعُوا وَاعْتَزَلَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: «تَعَالَ فَكُلْ» قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: «إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَتَعَالَ فَكُلْ». قُلْتُ: ربعي لم يسمعه من عمار فقد رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٧٣١٨) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ

стр. 3625

يَاسِرٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فِي رَمَضَانَ، فَجِيءَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ قَالَ: «ادْنُ» قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا صَوْمٌ كُنْتُ أَصُومُهُ، فَقَالَ: «أَمَّا أَنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ فَاطْعَمَ». قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ ما جاء عن عمار: «مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ». لا يثبت من أجل أنَّ أبا إسحاق مدلس ولم يسمع هذا من صلة، وغاية ما ثبت عن عمار أنَّه كان لا يرى صيام يوم الشك، وقد جاء ذلك عن جماعة من الصحابة وهو محمول على شك يوم الصحو لا يوم الغيم وفرق ما بين الشكين. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٠٦): «الثالث: أنَّ السماء إذا كانت مصحية وتقاعد الناس عن رؤية الهلال أو ادعى رؤيته من لا يقبل خبره أو أجاز أن يكون قد رئي في موضع آخر أو تحدث به الناس لم يثبت؛ كان شكاً مرجوحاً؛ لأنَّ الغالب الظاهر أنَّه لو كان هناك هلال لرآه بعض المقبولين، والأصل عدم الهلال، فاعتضد على عدم الهلال الأصل النافي المبني عليه استصحاب الحال والظاهر الغالب، فلم يكن لتقدير طلوعه بعد هذا إلَّا مجرد وهم وخيال، وأحكام الله لا تبنى على ذلك، فكان الصوم بعد هذا مجرد غلو في الدين وتعمق؛ كالمتورع من مال رجل مسلم مستور، وكتقدير الشبهات والاحتمالات التي لا أمارة عليها، وهذا مما لا يلتفت إليه. ثم إنَّه في حال الصحو للناس طريق إلى العلم به، وهو ترائي مطلعه والتحديق نحوه؛ فإذا لم يروه؛ جاز نفيه بناء على نفي رؤيته؛ فإنَّ الباحث عن الشيء الطالب له بحسب الوسع والطاقة إذا لم يجده جاز أن ينفيه، وعلى هذا يبنى عامة الأحكام

стр. 3626

الشرعية المبنية على عدم الدليل الموجب، مثل أن يقال: لا يجب الشيء الفلاني أو لا يحرم؛ لأنَّ الأصل عدم الوجوب والتحريم، لا دليل على ثبوتها. أمَّا إذا حال دون منظره سحاب أو قتر؛ فهناك لا سبيل على ترائيه ولا نفي طلوعه، فانقطع العلم بالهلال من جهة الرؤية، ولم يبق إلَّا العدد. ويحتمل أن يكون طالعاً، ويحتمل أن لا يكون، ومثل هذا لا يأتي الشرع بتحريم الاحتياط وإزالة الشك فيه. وهو القائل: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" بل مثل هذا في الشرع: إمَّا أن يجب الاحتياط فيه أو يستحب كما سنذكره إن شاء الله، وهذا معنى قول من قال من الصحابة: "لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان"». إلى أن قال ﵀: «ثم هذا الشك قد يرجح فيه الصوم من وجهين: أحدهما: أنَّ الغالب على شعبان أن يكون تسعاً وعشرين، وإنَّما يكون ثلاثين في بعض الأعوام، فإن غمَّ الهلال؛ كان إلحاق الفرد بالأعم الأغلب أولى من إلحاقه بالأقل. الثاني: أنَّ الشهر المتيقن تسع وعشرون، وما زاد على ذلك متردد بين الشهور، وقد كمل العدد المتيقن، وقد نبه النبي ﷺ على هذا المعنى بقوله: "إنَّما الشهر تسع وعشرون"، بصيغة إنَّما التي تقتضي إثبات المذكور ونفي ما عداه، فعلم أنَّ ما زاد على التسع والعشرين ليس من الشهر بيقين، فإذا مضت من شعبان تسع وعشرون ليلة؛ فقد مضى الشهر الأصلي» اهـ.

стр. 3627

قُلْتُ: وقد احتج بحديث الباب من استحب صيام الثلاثين من شعبان إذا حال عن رؤية الهلال حائل من غيم أو نحوه، وحملوا قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ». على معنى ضيقوا عليه، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]. وغيرها من الآيات. قالوا: فالتضييق لا يكون إلَّا بأن يحسب له أقل زمان يطلع فيه، وهو طلوعه ليلة الثلاثين. قالوا: ولو حملنا التقدير على التقدير بالحساب فالمراد بذلك تقدير شعبان بتسع وعشرين ورمضان بثلاثين يوماً فإنَّ هذا هو الاحتياط في الشهرين. قالوا: ويؤيد ذلك ما رواه مسلم (١٠٨٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ». قالوا: فلولا أنَّه أراد التقدير له بالتسع والعشرين لم يكن لذكرها هنا معنى، بل أعلمهم أنَّ الشهر الذي لا بد منه تسع وعشرون، واليوم الموفي ثلاثين قد يكون وقد لا يكون، فإذا غمَّ الهلال؛ فعدوا له الشهر المذكور، وهو التسع والعشرون. ويوضح ذلك أنَّه أتى بقوله: «فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ». عقب قوله: «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ». بحرف الفاء المشعرة بالسبب؛ فكأنَّه قال: الشهر الذي لا بد منه تسع وعشرون؛ فاقدروا له هذا العدد إذا غمَّ عليكم. قُلْتُ: وهذا نص كلام شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ٩٤).

стр. 3628

قُلْتُ: هذا توجيه قوي للحديث لولا أنَّ الحديث رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٦٣١) ومن طريقه البخاري (١٩٠٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». هذا لفظ مالك ولفظ البخاري: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ». وقد سبق الحديث. قُلْتُ: وهذا يقتضي أنَّ التقدير إنَّما يكون بالثلاثين، وهذا الذي كان يفعله النبي ﷺ فقد جاء في حديث عائشة الماضي: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ». قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في صيام يوم الغيم على أقوال ذكرها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وغيره من العلماء. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٩٨ - ١٠٠): «وأمَّا صوم يوم الغيم إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر فللعلماء فيه عدة أقوال وهي في مذهب أحمد وغيره. أحدها: أنَّ صومه منهي عنه. ثم هل هو نهي تحريم؟ أو تنزيه؟ على قولين وهذا هو المشهور في مذهب مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه. واختار ذلك طائفة من أصحابه: كأبي الخطاب وابن عقيل وأبي القاسم بن منده الأصفهاني وغيرهم.

стр. 3629

والقول الثاني: أنَّ صيامه واجب كاختيار القاضي والخرقي وغيرهما من أصحاب أحمد وهذا يقال إنَّه أشهر الروايات عن أحمد لكن الثابت عن أحمد لمن عرف نصوصه وألفاظه أنَّه كان يستحب صيام يوم الغيم اتباعاً لعبد الله بن عمر وغيره من الصحابة ولم يكن عبد الله بن عمر يوجبه على الناس بل كان يفعله احتياطاً وكان الصحابة فيهم من يصومه احتياطاً ونقل ذلك عن عمر وعلي ومعاوية وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وأسماء وغيرهم. ومنهم من كان لا يصومه مثل كثير من الصحابة ومنهم من كان ينهى عنه. كعمار بن ياسر وغيره فأحمد ﵁ كان يصومه احتياطاً. وأمَّا إيجاب صومه فلا أصل له في كلام أحمد ولا كلام أحد من أصحابه؛ لكن كثير من أصحابه اعتقدوا أنَّ مذهبه إيجاب صومه ونصروا ذلك القول. والقول الثالث: أنَّه يجوز صومه ويجوز فطره وهذا مذهب أبي حنيفة وغيره وهو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين أو أكثرهم. وهذا كما أنَّ الْإمساك عند الحائل عن رؤية الفجر جائز. فإن شاء أمسك وإن شاء أكل حتى يتيقن طلوع الفجر وكذلك إذا شك هل أحدث؟ أم لا؟ إن شاء توضأ وإن شاء لم يتوضأ. وكذلك إذا شك هل حال حول الزكاة؟ أو لم يحل؟ وإذا شك هل الزكاة الواجبة عليه مائة؟ أو مائة وعشرون؟ فأدى الزيادة. وأصول الشريعة كلها مستقرة على أنَّ الاحتياط ليس بواجب ولا محرم» اهـ. وَقَالَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٢٢ - ١٢٥):

стр. 3630

«واختلفوا في صوم يوم الغيم: وهو ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان. فقال قوم: يجب صومه بنية من رمضان احتياطاً. وهذه الرواية عن أحمد. وهي التي اختارها أكثر متأخري أصحابه وحكوها عن أكثر متقدميهم بناء على ما تأولوه من الحديث وبناء على أنَّ الغالب على شعبان هو النقص فيكون الأظهر طلوع الهلال. كما هو الغالب فيجب بغالب الظن. وقالت طائفة: لا يجوز صومه من رمضان. وهذه رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه. كابن عقيل والحلواني. وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي استدلالاً بما جاء من الأحاديث وبناء على أنَّ الوجوب لا يثبت بالشك. وهناك قول ثالث: وهو أنَّه يجوز صومه من رمضان ويجوز فطره: والأفضل صومه من وقت الفجر. ومعلوم أنَّه لو عرف وقت الفجر الذي يجوز فيه طلوعه جاز له الإمساك والأكل وإن أمسك وقت الفجر. فإنَّه لا معنى لاستحباب الإمساك لكن … وأكثر نصوص أحمد إنما تدل على هذا القول وأنَّه كان يستحب صومه ويفعله لا أنَّه يوجبه وإنَّما أخذ في ذلك بما نقله عن الصحابة في مسائل ابنه عبد الله والفضل بن زياد القطان وغيرهم أخذ بما نقله عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ونحوه. والمنقول عنهم: أنَّهم كانوا يصومون في حال الغيم لا يوجبون الصوم وكان غالب الناس لا يصومون ولم ينكروا عليهم الترك. وإنَّما لم يستحب الصوم في الصحو بل نهى عنه: لأنَّ الأصل والظاهر عدم الهلال فصومه تقديم لرمضان بيوم. وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك. واختلفت الرواية عنه: هل يسمى يوم الغيم يوم شك؟ على روايتين. وكذلك اختلف أصحابه في ذلك. أمَّا يوم الصحو عنده:

стр. 3631

فيوم شك أو يقين من شعبان ينهى عن صومه بلا توقف. وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره فإنَّ المشكوك في وجوبه - كما لو شك في وجوب زكاة أو كفارة أو صلاة أو غير ذلك - لا يجب فعله ولا يستحب تركه بل يستحب فعله احتياطاً. فلم تحرم أصول الشريعة الاحتياط ولم توجب بمجرد الشك. وأيضاً: فإنَّ أول الشهر كأول النهار. ولو شك في طلوع النهار لم يجب عليه الإمساك ولم يحرم عليه الإمساك بقصد الصوم ولأنَّ الإغمام أول الشهر كالإغمام بالشك بل ينهى عن صوم يوم الشك لما يخاف من الزيادة في الفرض. وعلى هذا القول: يجتمع غالب المأثور عن الصحابة في هذا الباب. فإنَّ الجماعات الذين صاموا منهم - كعمر وعلي ومعاوية وغيرهم - لم يصرحوا بالوجوب وغالب الذين أفطروا لم يصرحوا بالتحريم. ولعل من كره الصوم منهم إنَّما كرهه لمن يعتقد وجوبه: خشية إيجاب ما ليس بواجب. كما كره من كره منهم الاستنجاء بالماء لمن خيف عليه أن يعتقد وجوبه وكما أمر طائفة منهم من صام في السفر أن يقضي؛ لما ظنوه به من كراهة الفطر في السفر فتكون الكراهة عائدة إلى حال الفاعل لا إلى نفس الاحتياط بالصوم. فإنَّ تحريم الصوم أو إيجابه كلاهما فيه بعد عن أصول الشريعة. والأحاديث المأثورة في الباب إذا تؤملت إنَّما يصرح غالبها بوجوب الصوم بعد إكمال العدة. كما دل بعضها على الفعل قبل الإكمال. أمَّا الإيجاب قبل الإكمال للصوم ففيهما نظر. فهذا القول المتوسط هو الذي يدل عليه غالب نصوص أحمد» اهـ. وَقَالَ ﵀ في كتاب الصيام من [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (١/ ١٢٦):

стр. 3632

«والقياس يقتضي صحة هذا القول؛ فإنَّ إيجاب ما لم يتيقن وجوبه خلاف القياس، وكراهة التحري والاحتياط في العبادات خلاف القياس أيضاً» اهـ. وفي [الْاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (١٥٩): «وإن حال دون منظرة لهلال ليلة الثلاثين غيم أو قتر فصومه جائز لا واجب ولا حرام وهو قول طوائف من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة والمنقولات الكثيرة المستفيضة عن أحمد إنّما تدلَّ على هذا ولا أصل للوجوب في كلامه ولا في كلام أحد من الصحابة ﵃ وحكي عن أبي العباس أنَّه كان يميل أخيراً إلى أنَّه لا يستحب صومه» اهـ. قُلْتُ: والذي أختاره في هذه المسألة ما كان عليه هدي النبي ﷺ وكان هدية إذا حال الغيم دون رؤية الهلال أن يتم العدة ثلاثين يوماً سواء في ذلك عدة شعبان أو رمضان ويدل على ذلك حديث عائشة الذي سبق ذكره وهو ما رواه أحمد (٢٥٢٠٢)، ومن طريقه أبو داود (٢٣٢٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ هِلَالِ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ، عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صَامَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ومن صام يوم الغيم من باب الاحتياط فلا ينكر عليه كما جاء ذلك عن جمع من الصحابة ﵃ أجمعين. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ في [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٣٩ - ٤٩):

стр. 3633

«وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيم أو سحاب، أكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً، ثم صامه. ولم يكن يصوم يوم الإغمام، ولا أمر به، بل أمر بأن تكمل عدة شعبان ثلاثين إذا غمَّ، وكان يفعل كذلك، فهذا فعله، وهذا أمره، ولا يناقض هذا قوله: "فإن غم عليكم فاقدروا له"، فإنَّ القدر: هو الحساب المقدر، والمراد به الإكمال كما قال: "فأكملوا العدة" والمراد بالإكمال، إكمال عدة الشهر الذي غمَّ، كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: "فأكملوا عدة شعبان". وقال: "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة" والذي أمر بإكمال عدته، هو الشهر الذي يغم، وهو عند صيامه وعند الفطر منه، وأصرح من هذا قوله: "الشهر تسعة وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة"، وهذا راجع إلى أول الشهر بلفظه وإلى آخره بمعناه، فلا يجوز إلغاء ما دل عليه لفظه، واعتبار ما دل عليه من جهة المعنى. وقال: "الشهر ثلاثون، والشهر تسعة وعشرون، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين". وقال: "لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرويته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غمامة فأكملوا ثلاثين". وقال: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة". وقالت عائشة ﵂: "كان رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤيته، فإن غمَّ عليه، عد شعبان ثلاثين يوماً، ثم صام" صححه الْدَارَقُطْنِي وابن حبان. وقال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فاقدروا ثلاثين".

стр. 3634

وقال: "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن أغمى عليكم، فاقدروا له". وقال: "لا تقدموا رمضان". وفى لفظ: "لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم، أو يومين، إلَّا رجلاً كان يصوم صياماً فليصمه". والدليل على أنَّ يوم الإغمام داخل في هذا النهى، حديث ابن عباس يرفعه: "لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غمامة، فأكملوا ثلاثين" ذكره ابن حبان في صَحِيْحِهِ. فهذا صريح في أنَّ صوم يوم الإغمام من غير رؤية، ولا إكمال ثلاثين صوم قبل رمضان. وقال: "لا تقدموا الشهر إلَّا أن تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة". وقال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب، فأكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفى النسائي: من حديث يونس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس يرفعه "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يوما، ثم صوموا، ولا تصوموا قبله يوما، فإن حال بينكم وبينه سحاب، فأكملوا العدة عدة شعبان". وَقَالَ سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، تمارى الناس في رؤية هلال رمضان، فقال بعضهم: اليوم. وَقَالَ بعضهم: غداً. فجاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فذكر أنه رآه، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 3635

وَسَلَّمَ: "أتشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله"؟ قال: نعم. فأمر النبي ﷺ بلالاً، فنادى في الناس: صوموا. ثم قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً، ثم صوموا، ولا تصوموا قبله يوماً". وكل هذه الأحاديث صحيحة، فبعضها في "الصحيحين" وبعضها في صحيح ابن حبان، والحاكم، وغيرهما، وإن كان قد أعل بعضها بما لا يقدح في صحة الاستدلال بمجموعها، وتفسير بعضها ببعض، واعتبار بعضها ببعض، وكلها يصدق بعضها بعضاً، والمراد منها متفق عليه. فإن قيل: فإذا كان هذا هديه ﷺ ، فكيف خالفه عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاري، وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر، وخالفه سالم بن عبد الله، ومجاهد، وطاووس، وأبو عثمان النهدي، ومطرف بن الشخير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد الله المزني، وكيف خالفه إمام أهل الحديث والسنة، أحمد ابن حنبل، ونحن نوجدكم أقوال هؤلاء مسندة؟ فأمَّا عمر بن الخطاب ﵁، فقال الوليد بن مسلم: أخبرنا ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، أنَّ عمر بن الخطاب كان يصوم إذا كانت السماء في تلك الليلة مغيمة ويقول: ليس هذا بالتقدم، ولكنه التحري. وأمَّا الرواية عن علي ﵁، فقال الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت

стр. 3636

حسين، أنَّ علي بن أبي طالب قال: لأن أصوم يوماً من شعبان، أحب إلى من أن أفطر يوماً من رمضان. وأمَّا الرواية عن ابن عمر: ففي كتاب عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن عمر قال: كان إذا كان سحاب أصبح صائماً، وإن لم يكن سحاب، أصبح مفطراً. وفي "الصحيحين" عنه، أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "إذا رأيتموه، فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وإن غم عليكم فاقدروا له". زاد الْإِمَام أحمد ﵀ بإسناد صحيح، عن نافع قال: كان عبد الله إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً، يبعث من ينظر، فإن رأى، فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر، أصبح مفطراً، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائماً. وأمَّا الرواية عن أنس ﵁: فقال الْإِمَام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبى إسحاق قال: رأيت الهلال إما الظهر، وإما قريباً منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك، فأخبرناه برؤية الهلال وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون يوماً، وذلك لأن الحكم بن أيوب، أرسل إلى قبل صيام الناس: إني صائم غداً، فكرهت الخلاف عليه، فصمت وأنا متم يومي هذا إلى الليل. وأمَّا الرواية عن معاوية، فقال أحمد: حدثنا المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثني مكحول، ويونس بن ميسرة بن حلبس، أنَّ معاوية ابن أبى

стр. 3637

سفيان كان يقول: لأن أصوم يوماً من شعبان، أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان. وأمَّا الرواية عن عمرو بن العاص. فقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عمرو بن العاص، أنه كان يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. وأمَّا الرواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فقال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي مريم مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقول: لأن أتعجل في صوم رمضان بيوم، أحب إلى من أن أتأخر، لأني إذا تعجلت لم يفتني، وإذا تأخرت فاتني. وأمَّا الرواية عن عائشة ﵂، فقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو عوانة عن يزيد بن خمير، عن الرسول الذي أتى عائشة في اليوم الذي يشك فيه من رمضان قال: قالت عائشة: لأن أصوم يوماً من شعبان، أحب إلى من أن أفطر يوماً من رمضان. وأمَّا الرواية عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، فقال سعيد أيضاً: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر قالت: ما غم هلال رمضان إلَّا كانت أسماء متقدمة بيوم، وتأمر بتقدمه. وَقَالَ أحمد: حدثنا روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء، أنَّها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. وكل ما ذكرناه عن أحمد، فمن مسائل الفضل بن زياد عنه.

стр. 3638

وَقَالَ في رواية الأثرم: إذا كان في السماء سحابة أو علة، أصبح صائماً، وإن لم يكن في السماء علة، أصبح مفطراً، وكذلك نقل عنه ابناه صالح، وعبد الله، والمروزي، والفضل بن زياد، وغيرهم. فالجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكرتم عن الصحابة أثر صالح صريح في وجوب صومه حتى يكون فعلهم مخالفاً لهدى رسول الله ﷺ ، وإنَّما غاية المنقول عنهم صومه احتياطاً، وقد صرح أنس بأنَّه إنَّما صامه كراهة للخلاف على الأمراء، ولهذا قال الْإِمَام أحمد في رواية: الناس تبع للإمام في صومه وإفطاره، والنصوص التي حكيناها عن رسول الله ﷺ من فعله وقوله، إنَّما تدل على أنَّه لا يجب صوم يوم الإغمام، ولا تدل على تحريمه، فمن أفطره، أخذ بالجواز، ومن صامه، أخذ بالاحتياط. الثاني: أنَّ الصحابة كان بعضهم يصومه كما حكيتم، وكان بعضهم لا يصومه، وأصح وأصرح من روى عنه صومه: عبد الله بن عمر، قال ابن عبد البر: وإلى قوله ذهب طاووس اليماني، وأحمد بن حنبل، وروى مثل ذلك عن عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، ولا أعلم أحداً ذهب مذهب ابن عمر غيرهم، قال: وممن روى عنه كراهة صوم يوم الشك، عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك ﵃.

стр. 3639

قُلْتُ: المنقول عن علي، وعمر، وعمار، وحذيفة، وابن مسعود، المنع من صيام آخر يوم من شعبان تطوعاً، وهو الذي قال فيه عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم. فأمَّا صوم يوم الغيم احتياطاً على أنَّه إن كان من رمضان، فهو فرضه وإلَّا فهو تطوع، فالمنقول عن الصحابة، يقتضى جوازه، وهو الذي كان يفعله ابن عمر، وعائشة، هذا مع رواية عائشة: أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ ، كان إذا غم هلال شعبان، عد ثلاثين يوماً ثم صام، وقد رد حديثها هذا، بأنَّه لو كان صحيحاً، لما خالفته، وجعل صيامها علة في الحديث، وليس الأمر كذلك، فإنَّها لم توجب صيامه، وإنَّما صامته احتياطاً، وفهمت من فعل النبي ﷺ وأمره أنَّ الصيام لا يجب حتى تكمل العدة، ولم تفهم هي ولا ابن عمر، أنَّه لا يجوز. وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وبه تجتمع الأحاديث والآثار، ويدل عليه ما رواه معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال لهلال رمضان: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم، فاقدروا له ثلاثين يوماً". ورواه ابن أبي رواد، عن نافع عنه: "فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين". وَقَالَ مالك وعبيد الله عن نافع عنه: "فاقدروا له". فدل على أنَّ ابن عمر، لم يفهم من الحديث وجوب إكمال الثلاثين، بل جوازه، فإنَّه إذا صام يوم الثلاثين، فقد أخذ بأحد الجائزين احتياطاً، ويدل على ذلك، أنَّه ﵁، لو فهم من قوله ﷺ : "اقدروا له تسعاً وعشرين، ثم صوموا" كما يقوله

стр. 3640

الموجبون لصومه، لكان يأمر بذلك أهله وغيرهم، ولم يكن يقتصر على صومه في خاصة نفسه، ولا يأمر به، ولبين أنَّ ذلك هو الواجب على الناس. وكان ابن عباس ﵁، لا يصومه ويحتج بقوله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين". وذكر مالك في موطئه هذا بعد أن ذكر حديث ابن عمر، كأنَّه جعله مفسراً لحديث ابن عمر، وقوله: "فاقدروا له". وكان ابن عباس يقول: عجبت ممن يتقدم الشهر بيوم أو يومين، وقد قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين" كأنَّه ينكر على ابن عمر. وكذلك كان هذان الصاحبان الْإمامان، أحدهما يميل إلى التشديد، والآخر إلى الترخيص، وذلك في غير مسألة. وعبد الله بن عمر: كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة، فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمى من ذلك، وكان إذا مسح رأسه، أفرد أذنيه بماء جديد، وكان يمنع من دخول الحمام، وكان إذا دخله، اغتسل منه، وابن عباس: كان يدخل الحمام، وكان ابن عمر يتيمم بضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، ولا يقتصر على ضربة واحدة، ولا على الكفين، وكان ابن عباس يخالفه، ويقول: التيمم ضربة للوجه والكفين، وكان ابن عمر يتوضأ من قبلة امرأته، ويفتى بذلك، وكان إذا

стр. 3641

قبل أولاده، تمضمض، ثم صلى، وكان ابن عباس يقول: ما أبالى قبلتها أو شممت ريحاناً. وكان يأمر من ذكر أنَّ عليه صلاة وهو في أخرى أن يتمها ثم يصلى الصلاة التي ذكرها، ثم يعيد الصلاة التي كان فيها، وروى أبو يعلى الموصلي في ذلك حديثاً مرفوعاً في مُسْنَدِه والصواب: أنَّه موقوف على ابن عمر. قال البيهقي: وقد روى عن ابن عمر مرفوعاً ولا يصح، قال: وقد روى عن ابن عباس مرفوعاً، ولا يصح. والمقصود: أنَّ عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التشديد والاحتياط. وقد روى معمر، عن أيوب، عن نافع عنه، أنه كان إذا أدرك مع الْإِمَام ركعة أضاف إليها أخرى، فإذا فرغ من صلاته، سجد سجدتي السهو، قال الزهري: ولا أعلم أحداً فعله غيره. قُلْتُ: وكأن هذا السجود لما حصل له من الجلوس عقيب الركعة، وإنَّما محله عقيب الشفع. ويدل على أنَّ الصحابة لم يصوموا هذا اليوم على سبيل الوجوب، أنهم قالوا: لأن نصوم يوماً من شعبان، أحب إلينا من أن نفطر يوماً من رمضان، ولو كان هذا اليوم من رمضان حتماً عندهم، لقالوا: هذا اليوم من رمضان، فلا يجوز لنا فطره. والله أعلم. ويدل على أنَّهم إنَّما صاموه استحباباً وتحرياً، ما روى عنهم من فطره بياناً للجواز، فهذا ابن عمر قد قال حنبل في مسائله: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال: سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه.

стр. 3642

قال حنبل: وحدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبيدة بن حميد قال: أخبرنا عبد العزيز بن حكيم قال: سألوا ابن عمر. قالوا: نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء؟ فقال: أف، أف، صوموا مع الجماعة، فقد صح عن ابن عمر، أنَّه قال: لا يتقدمن الشهر منكم أحد، وصح عنه ﷺ أنَّه قال: "صوموا لرؤية الهلال، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يوماً". وكذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: إذا رأيتم الهلال، فصوموا لرؤيته، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة. وَقَالَ ابن مسعود ﵁: فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يوماً. فهذه الآثار إن قدر أنَّها معارضة لتلك الآثار التي رويت عنهم في الصوم، فهذه أولى لموافقتها النصوص المرفوعة لفظاً ومعنى، وإن قدر أنَّها لا تعارض بينها، فههنا طريقتان من الجمع، إحداهما: حملها على غير صورة الإغمام، أو على الإغمام في آخر الشهر كما فعله الموجبون للصوم. والثانية: حمل آثار الصوم عنهم على التحري والاحتياط استحباباً لا وجوباً، وهذه الآثار صريحة في نفى الوجوب، وهذه الطريقة أقرب إلى موافقة النصوص، وقواعد الشرع، وفيها السلامة من التفريق بين يومين متساويين في الشك، فيجعل أحدهما يوم شك، والثاني يوم يقين، مع حصول الشك فيه قطعاً، وتكليف العبد اعتقاد كونه من رمضان قطعاً، مع شكه هل هو منه، أم لا؟ تكليف بما لا يطاق، وتفريق بين المتماثلين، والله أعلم» اهـ.

стр. 3643

٦ - وقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ». يعم من المكلفين من كان بالغاً عاقلاً قادراً على الصوم. وأمَّا الكفار فهم مخاطبون بالصوم وبما لا يصح الصوم إلَّا به وهو الدخول في الإسلام. ويدخل في ذلك المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، والطاهر والحائض؛ فإنَّ هؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في ذممهم فمنهم من يخاطب به أداء وهو الصحيح المقيم والطاهر، ومنهم من يخاطب بالصوم قضاءً فقط وهي الحائض والنفساء والمريض الذي لا يقدر على الصوم أداءً ويقدر عليه قضاءً، ومنهم من يخير بين الأمرين مع ترجيح أحد الجانبين وهو المسافر والمريض الذي يمكنه الصوم بمشقة من غير خوف التلف. ومنهم من لا يؤمر به لا أداءً ولا قضاءً وهم: الصنف الأول: المجنون. أَقُوْلُ: من أصابه الجنون في جميع شهر رمضان فلا قضاء عليه لأنَّه ليس من أهل التكليف شأنَّه في ذلك كشأن الصغير. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ في [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٢٩١): «ودليل آخر من الإجماع وذلك أنَّهم أجمعوا على أنَّ المجنون المطبق لا شيء عليه بخروج الوقت من صلاة ولا صيام إذا أفاق من جنونه وإطباقه» اهـ. أَقُوْلُ: ليس في المسألة إجماع فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ في [اخْتِلَافِ الْأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦): «واختلفوا فيما إذا أفاق المجنون بعد مضي الشهر؟ فقال مالك وأحمد في إحدى روايتيه: يقضي. وَقَالَ أبو حنيفة والشافعي: لا قضاء عليه.

стр. 3644

واختلفوا فيما إذا أفاق في أثناء الشهر. فقال أبو حنيفة: يلزمه صومه ما بقي ويقضي ما مضى. وَقَالَ الشافعي وأحمد في إحدى روايتيه: إنَّما يلزمه صوم ما أفاق فيه ولا قضاء عليه لما مضى. وهذا القول عن الشافعي في هذه المسألة وغيرها إنَّما على من أفاق من إغماء، فأمَّا المجنون فلا يقضي صوماً فاته على وجه ما» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ في [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٠٨): «والصحيح من المذهب: أنَّ المجنون لا يلزمه القضاء سواء فات الشهر كله بالجنون أو بعضه وعليه الأصحاب وعنه يلزم القضاء مطلقاً وعنه إن أفاق في الشهر قضى وإن أفاق بعده لم يقض لعظم مشقته» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٥٤): «المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع للحديث وللإجماع وإذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون سواء قل أو كثر وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه هذا هو المذهب والمنصوص وبه قطع الْمُصَنِّفُ والجمهور وفيه وجه شاذ أنَّه يلزمه مطلقاً حكاه الماوردي وابن الصباغ وآخرون عن ابن سريج قال الماوردي: هذا مذهب لابن سريج وليس بصحيح. قال: ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الفقهاء أنَّه لا يلزمه القضاء وحكاه صاحب البيان عن ابن سريج ثم قال: وقيل لا يصح عنه. وفيه وجه ثالث وهو مذهب أبي حنيفة والثوري أنه إن أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما فاته وإن أفاق بعده فلا قضاء قال صاحب البيان:

стр. 3645

قال ابن سريج: وقد حكى المزني في المنثور هذا عن الشافعي قال ولا يصح عنه» اهـ. قُلْتُ: وإذا أفاق المجنون في أثناء اليوم فيجب عليه إمساك ذلك اليوم ويجزئه ولا قضاءه عليه على الصحيح من أقوال العلماء وذلك أنَّ الوجوب حصل له في أثناء النهار شأنَّه في ذلك شأن من لم يبلغه وجوب الصيام إلَّا من أثناء اليوم فإنَّه يجزئه أن ينشئ الصيام من وقت بلوغ الخبر إليه والحجة في ذلك حديث عاشوراء. فروى البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦) عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ»، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ. قُلْتُ: ومثل المجنون في ذلك الصبي إذا بلغ في أثناء اليوم والكافر إذا أسلم في أثناء اليوم على الصحيح. وفي ذلك نزاع بين العلماء قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٦/ ١٢٧): «ففيهم روايتان؛ إحداهما، يلزمهم الإمساك في بقية اليوم. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، والعنبري؛ لأنَّه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك، كقيام البينة بالرؤية. والثانية، لا يلزمهم الإمساك. وهو قول مالك، والشافعي» اهـ.
следующие страницы →