Полный текст (8 095 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الْمُزَنِيِّ كَمَذْهَبِنَا مَسْحُ مُسَافِرٍ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَلَبَّسَ بِالْمُدَّةِ فِي الْحَضَرِ قُلْنَا الْحَضَرُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَةِ وَهِيَ الْمَسْحُ لَا فِي الْمُدَّةِ.
الثَّالِثَةُ: أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَهَلْ يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ أَمْ مُقِيمٍ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا الصَّحِيحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ صَحَّحَهُ جَمِيعُ الْمُصَنِّفِينَ وَقَالَهُ مَعَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ جُمْهُورُ الْمُتَقَدِّمِينَ.
الرَّابِعَةُ: أَحْدَثَ وَمَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُتِمُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ حِينِ أحدث وبه قال مالك واسحق وَأَحْمَدُ وَدَاوُد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَدَاوُد» اهـ.
قلت: وهذا إذا بقى شيء من وقت المسح في الحضر، وأمَّا إن كمل الوقت فالواجب نزع الخفين، فإن أراد المسح فعليه أن يتوضأ ويغسل القدمين ثم يستأنف مدة جديدة في السفر.
وإن ابتدأ المسح في السفر ثم أقام فإن كان مسح في السفر يوماً وليلة فإنَّ المدة تنتهي بمجرد إقامته، وإن كان مسح في السفر أقل من يوم وليلة أتم ما بقي من مدة مسح المقيم.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٨٩):
«مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ فَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى بَعْدَ الْحَدَثِ دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَمَّمَهُمَا وَإِنْ كَانَ مَضَى يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُ فِي السَّفَرِ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ بِمُجَرَّدِ قُدُومِهِ» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢١٣):
стр. 387
«مَسْأَلَةٌ: قَالَ: "وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ وَخَلَعَ، وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ خَلَعَ" وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَسْحَ الْمُسَافِرِ، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عِبَادَةٌ يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِذَا ابْتَدَأَهَا فِي السَّفَرِ ثُمَّ حَضَرَ» اهـ.
قلت: نازع في ذلك ابن حزم ﵀ فقال في [المحلى] (١/ ٣٤١):
«فَإِنْ مَسَحَ فِي سَفَرٍ ثُمَّ أَقَامَ أَوْ دَخَلَ مَوْضِعَهُ ابْتَدَأَ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إنْ كَانَ قَدْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ فَأَقَلَّ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ، فَإِنْ كَانَ مَسَحَ فِي سَفَرِهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ مَسَحَ بَاقِيَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَلَيْلَتِهِ فَقَطْ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَمَّ فِي السَّفَرِ مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا خَلَعَ وَلَا بُدَّ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْمَسْحُ حَتَّى يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ».
إلى أن قال (١/ ٣٤٢):
«وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا قُلْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا مَسَحَ فِي سَفَرِهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا لَا أَكْثَرَ وَقَدِمَ اسْتَأْنَفَ مَسْحَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى سَافَرَ اسْتَأْنَفَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا» اهـ.
стр. 388
وقال المرداوي ﵀ في [الإنصاف] (١/ ١٧٧):
«قَوْلُهُ: "وَإِنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ: أُتَمّ مَسَحَ مُقِيمٌ" هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ، إنْ كَانَ مَسَحَ مُسَافِرًا فَوْقَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَشَذَّذَهُ الزَّرْكَشِيُّ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الطَّبَقَاتِ: وَهُوَ غَرِيبٌ» اهـ.
٦ - وفي الحديث مشروعية المسح على الخفين، واختلف العلماء أيهما أفضل فذهب أحمد في إحدى الروايتين إلى أنَّ الأفضل المسح مخالفة لأهل البدع وأخذاً بالرخصة، وذهب جمهور العلماء إلى استحباب غسل القدمين لأنَّ ذلك الأصل، ولأنَّه الغالب من حال رسول الله ﷺ ، وفصَّل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في ذلك فقال كما في [الاختيارات الفقهية] (ص: ٣٩٠):
«والأفضل في حق كل أحد بحسب قدمه فللابس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خفيه اقتداء به ﷺ وأصحابه ولمن قدماه مكشوفتان الغسل ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه وكان ﷺ يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين ويمسح إذا كان لابس الخفين» اهـ.
قلت: وهذا تفصيل حسن.
تنبيه: الصحيح من أقوال العلماء أنَّ خلع الخف بعد المسح لا ينتقض به الوضوء لأنَّه لا دليل على النقض.
ومما يدل على ذلك ما رواه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (٦١٥) من طريق شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ: «أَنَّهُ رَأَى عَلِيًّا ﵁ بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى».
قلت: هذا أثر صحيح.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٠١٠)، وعبد الرزاق في [مصنفه] (٧٨٣)
والبيهقي في [الكبرى] (١٤١٨). وقد مضى هذا الأثر.
ومثل هذا أيضاً انقضاء المدة.
стр. 389
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٢١٠ - ٢١١):
«فَصْلٌ: إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ بَطَلَ الْوُضُوءُ، وَلَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ إلَّا أَنْ يَنْزِعَهُمَا ثُمَّ يَلْبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، كَمَا لَوْ خَلَعَهُمَا، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ وَالْخِلَافَ فِيهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ، وَيُصَلِّي حَتَّى يُحْدِثَ؛ ثُمَّ لَا يَمْسَحُ بَعْدُ حَتَّى يَنْزِعَهُمَا. وَقَالَ دَاوُد: يَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَلَا يُصَلِّي فِيهِمَا، فَإِذَا نَزَعَهُمَا صَلَّى حَتَّى يُحْدِثَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَبْطُلُ إلَّا بِحَدَثٍ، وَنَزْعُ الْخُفِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَكَذَلِكَ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ.
وَلَنَا أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا قَامَ الْمَسْحُ مَقَامَهُ فِي الْمُدَّةِ، فَإِذَا انْقَضَتْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا، فَيُمْنَعُ مِنْ اسْتَدَامَتْهَا، كَالْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ خَلَعَ قَبْلَ ذَلِكَ أَعَادَ الْوُضُوءَ) يَعْنِي قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا، بَطَلَ وُضُوءُهُ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ نَابَ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً، فَطُهُورُهُمَا يُبْطِلُ مَا نَابَ عَنْهُ، كَالتَّيَمُّمِ إذَا بَطَلَ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَجَبَ مَا نَابَ عَنْهُ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ، فَمَنْ أَجَازَ التَّفْرِيقَ جَوَّزَ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَعْضَائِهِ مَغْسُولَةٌ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا غَسْلُ قَدَمَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَهُمَا كَمَّلَ وُضُوءَهُ.
стр. 390
وَمَنْ مَنَعَ التَّفْرِيقَ أَبْطَلَ وُضُوءَهُ؛ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، فَعَلَى هَذَا، لَوْ خَلَعَ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ جَفَافِ الْمَاءِ عَنْ يَدَيْهِ، أَجْزَأَهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ خَلَعَهُمَا قَبْلَ مَسْحِهِ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: لَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَمْسُوحَ عَلَيْهِ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ غَسْلِهَا؛ وَلِأَنَّ النَّزْعَ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَالطَّهَارَةُ لَا تَبْطُلُ إلَّا بِالْحَدَثِ. وَلَنَا أَنَّ الْوُضُوءَ بَطَلَ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، فَبَطَلَ فِي جَمِيعِهَا، كَمَا لَوْ أَحْدَثَ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ فِي الْقَدَمَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا نَابَ مَسْحُهُ عَنْ إحْدَاهُمَا. وَأَمَّا التَّيَمُّمُ عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ إذَا بَطَلَ، فَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ، غَسَلَ قَدَمَيْهِ مَكَانَهُ، وَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ. وَإِنْ أَخَّرَهُ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ إلَى حِينِ نَزْعِ الْخُفَّيْنِ، أَوْ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَإِنَّمَا بَطَلَتْ فِي الْقَدَمَيْنِ خَاصَّةً، فَإِذَا غَسَلَهُمَا عَقِيبَ النَّزْعِ، لَمْ تَفُتْ الْمُوَالَاةُ؛ لِقُرْبِ غَسْلِهِمَا مِنْ الطَّهَارَةِ الصَّحِيحَةِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَاخَى غَسْلُهُمَا.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ قَدْ بَطَلَ حُكْمُهُ، وَصَارَ إلَى أَنْ نُضِيفَ الْغَسْلَ إلَى الْغَسْلِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَسْحِ حُكْمٌ؛ وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْمُوَالَاةِ إنَّمَا هُوَ لِقُرْبِ الْغَسْلِ مِنْ الْغَسْلِ، لَا مِنْ حُكْمِهِ، فَإِنَّهُ مَتَى زَالَ حُكْمُ الْغَسْلِ بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ، وَلَمْ يَنْفَعْ قُرْبُ الْغَسْلِ شَيْئًا؛ لِكَوْنِ الْحُكْمِ لَا يَعُودُ بَعْدَ زَوَالِهِ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ» اهـ.
* * *
стр. 391
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٢ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵄ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».
قلت: الحديث رواه البخاري (٢٤٧١، ٢٢٦، ٢٢٥، ٢٢٤)، ومسلم (٢٧٣) عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ».
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم عن أبي وائل قال:
«كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَتَمَاشَى فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ».
وأمَّا الرواية التي أوردها صاحب العمدة لا وجود لها في الصحيحين، لكن روى مسلم (٢٧٣) قريباً من هذا اللفظ، ونص روايته: عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:
«كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ».
قوله: «سُبَاطَةِ قَوْمٍ» بضم المهملة بعدها موحدة هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور.
стр. 392
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٩١):
«وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش أنَّ ذلك كان بالمدينة أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" بإسناد صحيح» اهـ.
قلت: وهذه الرواية صريحة في بيان أنَّ ذلك كان في الحضر فيحتج بها على مشروعية مسح الخفين في الحضر، وهو قول أكثر العلماء خلافاً للإمام مالك ﵀ في رواية عنه.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٧٦):
«مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَقَالَتْ الشِّيعَةُ وَالْخَوَارِجُ: لَا يَجُوزُ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد وَحَكَى الْمَحَامِلِيُّ فِي "الْمَجْمُوعِ" وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عن مالك ستة رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ: الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لكنه يُكْرَهُ: الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ أَبَدًا وَهِيَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ مُؤَقَّتًا: الْخَامِسَةُ: يجوز للمسافر دون الحاضر: السادس: عَكْسُهُ. وَكُلُّ هَذَا الْخِلَافِ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِ "الْإِجْمَاعِ" إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَيَدُلُّ عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة في حديث مَسْحِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَأَمْرُهُ بِذَلِكَ وَتَرْخِيصُهُ فِيهِ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَيْهِ» اهـ.
وفي الحديث على جميع هذه الألفاظ مسائل منها:
١ - مشروعية المسح على الخفين في الحضر.
стр. 393
٢ - عدم الإبعاد في البول لكونه أخف من الغائط، لنتانة الغائط واحتياجه إلى كثرة التكشف.
٣ - مشروعية التستر بالأشخاص عند البول قائماً، وأمَّا إذا كان قاعداً فذكر بعض العلماء أنَّه لا يفعل ذلك لأنَّه لا يأمن من خروج الريح أثناء جلوسه.
٤ - مشروعية البول قائماً إذا أمن من ارتداد البول عليه.
قال ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٣٥٩):
«واختلف العلماء في البول قائماً، فروى عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وأبى هريرة، وسعد بن عبادة: أنَّهم بالوا قياماً.
وروى مثله عن ابن المسيب، وابن سيرين، وعروة بن الزبير.
وكرهت طائفة البول قائماً، ذكر ابن أبي شيبة، في "مصنفه" إنكار عائشة أن يكون رسول الله ﷺ بال قائماً.
وعن عمر بن الخطاب، أنَّه قال: ما بلت قائماً منذ أسلمت.
وعن مجاهد أنَّه قال: ما بال رسول الله ﷺ قائماً قط إلَّا مرة في كثيب أعجبه.
وروى عن ابن مسعود أنَّه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم. وهو قول الشعبي.
وكرهه الحسن، وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً.
وفيه قول ثالث: أنَّ البول إذا كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به، وإن كان في مكان يتطاير عليه، فهو مكروه.
стр. 394
هذا قول مالك، وهو دليل الحديث، لأنَّه ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً. والسباطة: المزبلة، والبول فيها لا يكاد يتطاير منه كبير شيء، فلذلك بال قائماً ﷺ . ومن كره البول قائماً، فإنَّما كرهه خشية ما يتطاير إليه من بوله، ومن أجازه قائماً، فإنَّما أجازه خوف ما يحدثه البائل جالساً في الأغلب من الصوت الخارج عنه إذا لم يمكنه التباعد عمن يسمعه.
وقد جاء عن عمر بن الخطاب أنَّه قال: البول قائماً أحصن للدبر» اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀ في [الاستذكار] (١/ ٣٦١):
«قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ أَجَازَ الْبَوْلَ قَائِمًا فَإِنَّمَا أَجَازَهُ خَوْفَ مَا يُحْدِثُهُ الْبَائِلُ جَالِسًا فِي الْأَغْلَبِ مِنَ الصَّوْتِ الْخَارِجِ عَنْهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنُهُ التَّبَاعُدُ عَمَّنْ يَسْمَعُهُ وَيَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَرْتَادَ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا دَمِثًا لِئَلَّا يَطِيرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بَوْلِهِ فَهَذَا وَجْهُ الْبَوْلِ قَائِمًا
وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "الْبَوْلُ قَائِمًا أَحْصَرُ لِلدُّبُرِ"
وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَالَ قَائِمًا لَمْ يَبْعُدْ عَنِ النَّاسِ وَلَا أَبْعَدَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ بَلْ أَمَرَ حُذَيْفَةَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ إِذْ بَالَ قَائِمًا» اهـ.
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٥٨): «وأمَّا سبب بوله ﷺ قائماً فذكر العلماء فيه أوجهاً حكاها الخطابي والبيهقي وغيرهما من الأئمة أحدها: قالا: وهو مروي عن الشافعي أنَّ العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً، قال: فنرى أنَّه كان به ﷺ وجع الصلب إذ ذاك؟ والثاني: أنَّ سببه ما روي في رواية ضعيفة رواها البيهقي وغيره: أنَّه ﷺ بال قائماً لعلة بمأبضه و "المأبض" بهمزة ساكنة
стр. 395
بعد الميم ثم موحدة وهو باطن الركبة، والثالث: أنَّه لم يجد مكاناً للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي من السباطة كان عالياً مرتفعاً، وذكر الإمام أبو عبد الله المازري والقاضي عياض - رحمهما الله تعالى - وجهاً رابعاً وهو: أنَّه بال قائماً لكونها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب بخلاف حالة القعود، ولذلك قال عمر: البول قائماً أحصن للدبر، ويجوز وجه خامس: أنَّه ﷺ فعله للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة يبول قاعداً، يدل عليه حديث عائشة ﵂ قالت: "من حدثكم أنَّ النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه ما كان يبول إلاَّ قاعدا ". رواه أحمد بن حنبل والترمذي والنسائي وآخرون، وإسناده جيد. والله أعلم» اهـ.
قلت: رواه أحمد (٢٥٠٨٩)، والترمذي (١٢)، والنسائي (٢٩)، وابن ماجه (٣٠٧) من طريق الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلاَّ قَاعِدًا».
٥ - مشروعية البول في السباطة وإن كانت لقوم بأعيانهم لأنَّها أعدت لإلقاء النجاسات والمستقذرات.
٦ - قول حذيفة: «لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَتَمَاشَى فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ». احتج به من عفى عن تتطاير رءوس الإبر من البول.
قال ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٣٦١):
стр. 396
«واختلف العلماء في مقدار رءوس الإبر تتطاير من البول، فقال مالك، والشافعي، وأبو ثور: يغسل قليله وكثيره.
وقال إسماعيل بن إسحاق: غسل ذلك عند مالك على سبيل الاستحسان والتنزه.
وقال الكوفيون: ليس مقدار رءوس الإبر بشيء، وسهلوا في يسير النجاسة.
وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول.
وقول حذيفة: ليته أمسك -، يرد عليه تشديده في البول، وهو حجة لمن رخص في يسيره، لأنَّ المعهود ممن بال قائماً أن يتطاير إليه مثل رءوس الإبر.
وفيه: يسر وسماحة، إذ كان من قبلنا يقرض ما أصاب البول من ثوبه. وحديث حذيفة موافق لمذهب الكوفيين» اهـ.
قلت: وممن لم يرخص بيسير ذلك أيضاً الإمام أحمد ﵀.
٧ - أنَّ المسح على الخفين يكون في الحدث الأصغر دون الأكبر.
وقد روى أحمد (١٨٢٦٠)، والترمذي (٩٦، ٣٥٣٥)، والنسائي (١٢٦)، وابن ماجه (٤٧٨) من طريق عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: «كُنَّا نَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَأْمُرُنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ».
قلت: هذا حديث حسن.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (١/ ٤٨١):
стр. 397
«أَمَّا حُكْمُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَذَا لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْخُفِّ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ وَلَا فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ دَمِيَتْ رِجْلُهُ فِي الْخُفِّ فَوَجَبَ غَسْلُهَا لَا يُجْزِيهِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَكُلُّ هَذَا مُسْتَنْبَطٌ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ كَمَا سَبَقَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا لَزِمَهُ غُسْلُ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ فَصَبَّ الْمَاءَ فِي الْخُفِّ فَانْغَسَلَتْ الرِّجْلَانِ ارْتَفَعَتْ الْجَنَابَةُ عَنْهُمَا وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَكِنْ لَوْ أَحْدَثَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ حَتَّى يَنْزِعَ الْخُفَّ فَيَلْبَسَهُ طَاهِرًا وَكَذَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَوْ غَسَلَ الرِّجْلَ فِي الْخُفِّ صَحَّ وُضُوءُهُ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بَعْدَهُ حَتَّى يَنْزِعَهُ وَكُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ» اهـ.
قلت: قوله: «وَكُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ». لعله يريد في المذهب وإلَّا فإنَّ أبا حنيفة يرى أنَّ من توضأ وغسل رجليه في الخفين جاز له المسح بناء على ذلك، ولا فرق بين الوضوء وغسل الجنابة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢١٠ - ٢١١):
«وَلَيْسَ غَسْلُهُمَا فِي الْخُفَّيْنِ مُعْتَادًا؛ وَإِلَّا فَإِذَا غَسَلَهُمَا في الْخُفِّ فَهُوَ أَبْلَغُ؛ وَإِلَّا فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي نَزْعِ الْخُفِّ ثُمَّ لُبْسِهِ مِنْ غَيْرِ إحْدَاثِ شَيْءٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا عَبَثٌ مَحْضٌ يُنَزَّهُ الشَّارِعُ عَنْ الْأَمْرِ بِهِ» اهـ.
* * *
стр. 398
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب في المذي وغيره
٢٣ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ"
وللبخاري: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ" ولمسلم: "تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ"».
قوله: «كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً» أي كثير المذي. وَالْمَذْيُ: ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند ملاعبة النساء، من غير دفق، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه ويكون ذلك للرجل والمرأة وهو في النساء أكثر منه في الرجال، وفي حكمه الودي بالمهملة: وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول.
قلت: والمذي بفتح الميم وسكون الذال المعجمة في الأشهر ويقال بكسر الذال مع تشديد الياء وتخفيفها.
قال القاضي عياض ﵀ في [مشارق الأنوار] (٢/ ٢٨٣):
«الودي بالدال المهملة الساكنة وهو الماء الأبيض الذي يخرج بأثر البول ويقال فيه الوذي بالذال المعجمة أيضاً والدال أشهر عند أهل اللغة ويقال فيه الودي بكسر الدال المهملة وتشديد الياء ويقال منه ودي وأودي حكاهما المبرد وغيره وودي أكثر» اهـ.
стр. 399
قوله: «فَاسْتَحْيَيْتُ»، هذه هي اللغة الفصيحة، ويصح أن تنطق بياء واحدة، فتقول: استحيت. وهي قراءة في قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (٢٦)﴾ [البقرة: ٢٦]، قرأت: لا يستحي بياء واحدة.
وهذا الحياء محمود لأنَّه لم يمنع من تعلم ما جهله.
قوله: «لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي» هي فاطمة ﵂.
قوله: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ» أي: اغسله فإنَّ النضح يأتي والمراد به الغسل، ويأتي والمراد به الرش، وقد جاء في الرواية الأخرى يغسل ذكره فيتعين حمل النضح عليه.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - نجاسة المذي، وهو مأخوذ من الأمر بغسل الذكر.
قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤): «وعن أحمد رواية: أنَّ المذي طاهر كالمني. وهي اختيار أبي حفص البرمكي من أصحابنا، أوجب مع ذَلِكَ نضحه تعبداً.
ومن الأصحاب من قالَ: إذا قلنا بطهارته، لم يجب غسل ما أصاب الثوب منه.
وهل يجب الاستنجاء منه؟ على وجهين، كالمني. وهذا بعيد، وهو مخالف للأمر بغسله» اهـ.
٢ - أنَّ خروج المذي لا يوجب الغسل، وإنَّما يوجب غسل الذكر والوضوء.
стр. 400
٣ - احتج بقوله: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ»، على وجوب غسل جميع الذكر، لا الاقتصار على غسل محل الخارج منه. وهو مذهب الإمام مالك وأحمد رحمهما الله في إحدى الروايتين، وخالف في ذلك الجمهور.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٥٠): «واستدل به بعض المالكية والحنابلة على إيجاب استيعابه بالغسل عملاً بالحقيقة لكن الجمهور نظروا إلى المعنى فإنَّ الموجب لغسله إنَّما هو خروج الخارج فلا تجب المجاوزة إلى غير محله ويؤيده ما عند الإسماعيلي في رواية فقال: "توضأ واغسله" فأعاد الضمير على المذي ونظير هذا قوله: "من مس ذكره فليتوضأ" فإن النقض لا يتوقف على مس جميعه» اهـ.
وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٤):
«وقد اختلف العلماء في معنى الأمر بغسل الذكر من المذي: هل المراد غسل ما أصاب الذكر منه كالبول، أو غسل جميع الذكر؟
وفيه: قولان، وهما روايتان عن مالك والإمام أحمد.
وحكي عنه رواية ثالثة، بوجوب غسل الذكر كله مع الأنثيين.
وقد روي في حديث علي، أنَّ النبي ﷺ قال: "يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ "، من وجوه قد تكلم فيها.
واختار هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا، وذكر أنَّ الحديث صح بذلك.
ولو استجمر منه بحجر أجزأه كالبول -: ذكره أصحابنا.
وهذا -على قولنا: يجب غسل ما أصحاب الذكر منه-ظاهر.
стр. 401
فأمَّا إن قلنا يجب غسل الذكر جميعه، أو الذكر مع الأنثيين، فلا ينبغي أن يجزئ منه الاستجمار.
وعنده الشافعية: أنَّ المذي: هل يجزئ فيهِ الاستجمار؟ فيهِ قولان:
بناء على أنَّ الخارج النادر: هل يجزئ الاستجمار كالمعتاد؟، على قولين للشافعي، أصحهما: الجواز.
لكنهم لا يوجبون زيادة على غسل ما أصاب الذكر منه، وهو قول أبي حنيفة وغيره.
وقال سعيد بن جبير -في المذي -: يغسل الحشفة منه ثلاثاً.
فأمَّا إن أصاب المذي غير الفرج من البدن أو الثوب، فالجمهور على أنَّه نجس يجب غسله كالبول.
وعن أحمد رواية: أنَّه يعفى عن يسيره كالدم.
وعنه رواية ثالثة: أنَّ نجاسته مخففة، يجزئ نضحه بالماء، كبول الغلام الذي لم يأكل الطعام؛ لعموم البلوى به، ومشقة الاحتراز منه.
وفيه حديث، من رواية سهل بن حنيف، عن النبي ﷺ ، أنه سئل عما أصاب الثوب من المذي؟ قالَ: "تأخذ كفاً من ماء فتنضح به حيث ترى أنَّه أصابك".
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي.
وقال: حسن صحيح، ولا نعرفه إلَّا من حديث ابن إسحاق.
وقال الإمام أحمد - في رواية الأثرم -: لا أعلم شيئاً يخالفه.
стр. 402
ونقل عنه غيره، أنه قالَ: لم يروه إلَّا ابن إسحاق، وأنا أتهيبه.
وقال -مرة -: إن كانَ ثابتاً أجزأه النضح» اهـ.
قلت: حديث غسل الأنثيين رواه ابن الأعرابي في [معجمه] (٢/ ٤٨٠) برقم (٩٧٩):
نا إبراهيم العبسي، نا وكيع، عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن ابن الحنفية عن علي قال: «كنت رجلاً مذاء، وكنت أستحي أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله، فقال: " يَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ"».
قلت: ورواه مسلم (٦٩٣) بغير هذا اللفظ فقال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَهُشَيْمٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى وَيُكْنَى أَبَا يَعْلَى عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ"».
قلت: حديث ابن أبي شيبة هذا أصح والله أعلم.
ورواه أحمد (١٠٠٩): ثنا وكيع ثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: قال علي:
«كنت رجلاً مذاء وكنت أستحي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد فسأله فقال: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ"».
ورواه أحمد أيضاً (١٠٣٥) من طريق يحيى بن سعيد عن هشام به.
ورواه عبد الرزاق (٦٠٢) عن معمر وابن جريج قال: حدثنا هشام بن عروة به.
ورواه أبو داود (٢٠٨) حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن هشام به.
стр. 403
ورواه ابن الأعرابي في [معجمه] (١٣٩٦) من طريق أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن عن هشام به.
قلت: أبو معشر ضعيف الحديث. وعروة عن علي مرسل.
ورواه أحمد (١٢٣٧) ثنا يزيد أنبأنا شريك عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي قال:
«كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْمَذْيَ، فَقَالَ: " ذَلِكَ مَاءُ الْفَحْلِ، وَلِكُلِّ فَحْلٍ مَاءٌ، فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ، وَأُنْثَيَيْهِ، وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ"».
قلت: يزيد هو ابن هارون، وشريك هو ابن عبد الله بن أبي نمر، وحصين لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي.
ورواه أحمد (٨٦٨)، و أبو داود (٢٠٦)، والنسائي في [المجتبى] (١٩٣)، و [الكبرى] (١٩٩)، والبيهقي في [السنن الكبرى] (١/ ١٦٩)، وابن خزيمة في [صحيحه] (٢٠)، وابن حبان في [صحيحه] (١١٠٧):
من طريق عبيدة بن حميد الحذاء عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي قال: «كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ ذُكِرَ لَهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلْ إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ"».
стр. 404
قلت: وليس في حديث عبيدة ذكر غسل (الأنثيين)، وعبيدة حاله قريبة من حال شريك.
لكن تابعه زائدة ابن قدامة عند أحمد (١٠٢٨)، والنسائي في [المجتبى] (١٩٤)، و [الكبرى] (٢٠٠)، والطحاوي في [مشكل الآثار] (٢٢٧٦)، والبزار في [مسنده] (٨٠٣)، وابن حبان في [صحيحه] (١١٠٢).
فهذا هو المحفوظ في حديث ركين. والله أعلم.
وروى أبو عوانة في [مستخرجه] (٥٩٦): حدثنا موسى بن سهل، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، ويزيد بن خالد بن مرشل، قالا: حدثنا سليمان بن حيان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي بن أبي طالب، قال: «كُنْتُ رَجُلا مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَرْسَلْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَغْسِلُ أُنْثَيَيْهِ وَذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ"».
قلت: هذا حديث حسن لغيره، ومحمد بن عبد العزيز هو الرملي فيه كلام لكنه متابع.
وروى أبو داود (٢١١)، وابن الجارود في [المنتقى] (٧)، والبيهقي في [سننه الكبرى] (٢/ ٤١١)
من طريق معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد ﵁ قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَعَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ فَقَالَ: «ذَاكَ الْمَذْىُ وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِى فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ».
стр. 405
ورواه أحمد (١٩٠٢٩) ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية يعنى بن صالح عن العلاء يعنى بن الحرث عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد به، بلفظ مغاير لهذا اللفظ، وليس فيه غسل الأنثيين.
قلت: العلاء بن الحارث قد كان اختلط.
قلت: وأمَّا حديث سهل بن حنيف رواه أحمد (١٦٠١٦)، وأبو داود (٢١٠)، والترمذي (١١٥)، وابن ماجه (٥٠٦) وغيرهم من طريق محمد بن إسحاق حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال: «كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْىِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الاِغْتِسَالَ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ". قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِى مِنْهُ قَالَ: "يَكْفِيكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تُرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ"».
قلت: هذا حديث حسن.
٤ - احتج بهذا الحديث من قال بوجوب الوضوء من المذي إثر خروجه، ولو لم يرد الصلاة، وذهب أكثر العلماء إلى أنَّه لا يجب بمجرد خروجه بل حكمه حكم البول. وهذا هو الصواب.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٤٥٠):
«وحكى الطحاوي عن قوم أنَّهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه ثم رد عليهم بما رواه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن على قال سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن المذي فقال: "فيه الوضوء وفي المني الغسل" فعرف بهذا أن
стр. 406
حكم المذي حكم البول وغيره من نواقض الوضوء لا أنه يوجب الوضوء بمجرده».
٥ - قوله: «وللبخاري: "اغسل ذكرك وتوضأ"»، قلت: الذي في البخاري (٢٦٩): «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» بتقديم الوضوء على غسل الذكر، وقد احتج بهذه الرواية من ذهب إلى جواز تقديم الوضوء على الاستنجاء كما هو مذهب الشافعي وأحمد.
قلت: الواو لمطلق الجمع، فيجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر من المذي، ويجوز تقديم غسل الذكر على الوضوء.
لكنه يراعي في الصورة الأولى عدم مس الذكر عند من يرى النقض بمسه.
وروى النسائي في [المجتبى] (٤٣٨) أخبرنا سويد بن نصر قال أنبأنا عبد الله عن ليث بن سعد عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار قال: أَرْسَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ الْمِقْدَادَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْمَذْيَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ لِيَتَوَضَّأْ».
قلت: هذه الرواية صريحة في الترتيب، ورجال إسنادها كلهم ثقات، لكن سليمان بن يسار أرسله كما ترى.
٦ - واحتج بالحديث من قال: إنَّ نجاسة المذي لا تزال بغير الماء لقوله:
«اغسل ذكرك»، والغسل إنَّما يكون بالماء.
قلت: ويؤيده الأمر بغسل الأنثيين، وقد سبقت هذه المسألة في كلام الحافظ ابن رجب في الفقرة الثالثة.
стр. 407
٧ - قال الحافظ ابن رجب ﵀ في [فتح الباري] (٢/ ٣٥): «وقد روي عن النبي ﷺ ، أنَّه قالَ -في المذي-: "توضأ، وانضح فرجك". خرجه مسلم وغيره.
فمن العلماء من حمل نضح الفرج على غسله، بما في اللفظ الآخر: " توضأ واغسل ذكرك ".
ومنهم من حمله على نضح الفرج بعد الضوء منه؛ لتفتير الشهوة، ودفع الوسواس. وقد ورد في رواية التصريح بهذا المعنى، لكن في إسناده ضعف» اهـ.
قلت: الأظهر حمل النضح على الغسل لتتفق الروايات، وقد سبق الكلام على ذلك في أول شرح الحديث. والله أعلم.
٨ - الحديث فيه: الحياء من الأصهار في ذكر أمور الجماع وشبهه.
٩ - وفيه جواز الاستنابة في الاستفتاء.
١٠ - وفيه قبول خبر الواحد.
١١ - وقوله: «فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ». فيه جواز الإخبار عن الشخص بما اشتهر به لا على معنى النسبة إلى غير الأب، وذلك أنَّ الأسود هو ابن عبد ياغوث الزهري ليس بأب للمقداد فإن أبا المقداد هو عمرو بن ثعلبة، والأسود هو الذي تبناه فاشتهر بالنسبة إليه، وكان زوج أمه.
ومن هؤلاء الحسن بن دينار هو ابن واصل ودينار زوج أمه.
* * *
стр. 408
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٤ - عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ ﵁ قَالَ: «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ: "لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ رِيحاً"».
قوله: «يُخَيَّل» أصله من الخيال والمعنى يظن والظن هنا خلاف اليقين فهو أعم من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما.
قوله: «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ رِيحاً» معناه: حتى يعلم وجود أحدهما ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين. لأنَّه قد يكون أصم أو أخشم فذكر ذلك إنَّما هو جري على الغالب.
ويؤخذ من هذا الحديث مسائل:
١ - أنَّ من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة هذا مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، وخالف في ذلك الإمام مالك ﵀ فذهب في إحدى الروايتين إلى التفريق بين حصول الشك في الصلاة فلا يلزمه الخروج منها وإعادة الوضوء، وبين حصول الشك خارج الصلاة فيلزمه إعادة الوضوء. والرواية الثانية يلزمه بكل حال. وقد قيل أنَّ رواية التفصيل لم تثبت عنه وإنَّما هي لأصحابه.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [إغاثة اللهفان] (١/ ١٧٥ - ١٧٦):
стр. 409
«فصل: وأمَّا ما أفتى به الحسن وإبراهيم النخعى ومالك، في إحدى الروايتين عنه: أنَّ من شك هل انتقض وضوءه أم لا؟ وجب عليه أن يتوضأ احتياطاً، ولا يدخل في الصلاة بطهارة مشكوك فيها فهذه مسألة نزاع بين الفقهاء.
وقد قال الجمهور، منهم الشافعى، وأحمد، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ومالك في الرواية الأخرى عنه: إنَّه لا يجب عليه الوضوء، وله أن يصلى بذلك الوضوء الذي تيقنه وشك في انتقاضه.
واحتجوا بما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شَيْئاً فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَىْ أمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً".
وهذا يعم المصلى وغيره.
وأصحاب القول الأول يقولون: الصلاة ثابته فى ذمته بيقين، وهو يشك فى براءة الذمة منها بهذا الوضوء، فإنَّه على تقدير بقائه هى صحيحة، وعلى تقدير انتقاضه باطلة، فلم يتيقن براءة ذمته، ولأنَّه شك في شرط الصلاة: هل هو ثابت أم لا؟ فلا يدخل فيها بالشك.
والآخرون يجيبون عن هذا بأنَّها صلاة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك في بطلانها فلا يلتفت إلى الشك، ولا يزيل اليقين به، كما لو شك: هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة؟ فإنَّه لا يجب عليه غسله، وقد دخل في الصلاة بالشك.
ففرقوا بينهما بفرقين.
стр. 410
أحدهما: أنَّ اجتناب النجاسة ليس بشرط. ولهذا لا يجب نيته، وإنَّما هو مانع، والأصل عدمه، بخلاف الوضوء، فإنَّه شرط، وقد شك فى ثبوته، فأين هذا من هذا؟.
الثاني: أنه قد كان قبل الوضوء محدثاً، وهو الأصل فيه. فإذا شك فى بقائه كان ذلك رجوعاً إلى الأصل. وليس الأصل فيه النجاسة، حتى نقول: إذا شك في حصولها رجعنا إلى أصل النجاسة، فهنا يرجع إلى أصل الطهارة، وهناك يرجع إلى أصل الحدث.
قال الآخرون: أصل الحدث قد زال بيقين الطهارة، فصارت هي الأصل، فإذا شككنا فى الحدث رجعنا إليه» اهـ.
قلت: الأظهر عدم وجوب الوضوء مع الشك كما ذهب إليه الجمهور، ومع هذا فالأحسن إعادة الوضوء خروجاً من الخلاف وطرداً للشيطان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٤٤ - ٣٤٦):
«فَصْلٌ: "وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَهُوَ عَلَى مَا يَتَيَقَّنُ مِنْهُمَا" سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: "شُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: "لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَيَأْخُذُ شَعْرَةً مِنْ
стр. 411
دُبُرِهِ، فَيَمُدُّهَا، فَيَرَى أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: "إِذَا أَتَى الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ لَهُ: كَذَبْتَ، إِلَّا مَا وَجَدَ رِيحًا بِأَنْفِهِ أَوْ سَمِعَ صَوْتًا بِأُذُنِهِ" وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: "حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا لَا يَشُكُّ فِيهِ". فَلَمَّا نَهَاهُ عَنْ قَطْعِ الصَّلَاةِ وَعَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ مَعَ الشَّكِّ دَلَّ عَلَى جَوَازِ بِنَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى طَهَارَةٍ مُسْتَصْحَبَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الْيَقِينِ، وَلَوْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَجَازَ لَهُ، أَوْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَتَسَاوَىَ الْأَمْرَانِ عِنْدَهُ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَحَدُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ الظَّنَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِمَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ عَرَضِيَّةٌ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، كَظَنِّ صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، وَلِأَنَّهُ شَكَّ فِي بَقَاءِ زَاوَلَ طَهَارَتِهِ، فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْبُقْعَةِ بَعْدَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ: "إِنْ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ خُيِّلَ إِلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَالْأَحْوَطُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ". وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّا وَإِنْ جَوَّزْنَا لَهُ الْبِنَاءَ عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ لِمَا تَرَدَّدَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُجَوِّزُ لَهُ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ مَشْكُوكَةٍ، وَلِأَنَّ التَّجْدِيدَ مَعَ الْيَقِينِ مُسْتَحَبٌّ فَمَعَ الشَّكِّ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ فِيهَا رَيْبٌ وَشُبْهَةٌ، وَلَيْسَ فِي الِاحْتِيَاطِ فِيهَا مَشَقَّةٌ
стр. 412
وَلَا فَتْحٌ لِبَابِ الْوَسْوَسَةِ، فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ لَهَا أَفْضَلَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" وَقَوْلِهِ: "فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ" بِخِلَافِ الشَّكِّ الْعَارِضِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ أَجْلِهِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالًا لِلصَّلَاةِ بِالرَّيْبِ وَالشُّبْهَةِ وَمُطَاوَعَةِ الشَّيْطَانِ فِي ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ قَطْعَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ لِذَلِكَ مُحَرَّمٌ؛ لِأَجْلِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلِأَنَّ إِبْطَالَ الْفَرْضِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ» اهـ.
قلت: فأمَّا إذا تيقن الطهارة والحدث ففيه تفصيل.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ١٤٥):
«فَصْلٌ: إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ مَعًا، وَلَمْ يَعْلَمْ الْآخِرَ مِنْهُمَا، مِثْلُ مَنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مُتَطَهِّرًا مَرَّةً وَمُحْدِثًا أُخْرَى، وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا كَانَ بَعْدَ صَاحِبِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى حَالِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ قَدْ انْتَقَلَ عَنْ هَذَا الْحَدَثِ إلَى الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَهَا، وَالْحَدَثُ الْمُتَيَقَّنُ بَعْدَ الزَّوَالِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهَا، فَوُجُودُهُ بَعْدَهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ عَنْ طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ بِشَكٍّ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَفَّى زَيْدًا حَقَّهُ وَهُوَ مِائَةٌ، فَأَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِإِقْرَارِ خَصْمِهِ لَهُ بِمِائَةٍ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِهَا حَقٌّ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ.
стр. 413
فَصْلٌ: وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ نَقَضَ طَهَارَتَهُ وَتَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، نَظَرَ؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا، فَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَقَضَ تِلْكَ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ مَعَ بَقَاءِ تِلْكَ الطَّهَارَةِ، وَنَقْضُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ الثَّانِيَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُحْدِثًا، فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى الطَّهَارَةِ ثُمَّ نَقَضَهَا، وَالطَّهَارَةُ بَعْدَ نَقْضِهَا مَشْكُوكٌ فِيهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٣٤٦ - ٣٤٧):
«فَصْلٌ: فَإِنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا، فَيَبْنِي عَلَى خِلَافِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، إِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ مُحْدِثٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّ الْحَالَ قَبْلَهُمَا إِنْ كَانَ طَهَارَةً مَثَلًا فَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَهَا حَدَثٌ وَطَهَارَةٌ، فَزَالَتْ تِلْكَ الطَّهَارَةُ بِيَقِينٍ، وَالطَّهَارَةُ الثَّانِيَةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْأُولَى دَامَتْ وَاسْتَمَرَّتْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَدَثَتْ بَعْدَ الْحَدَثِ، وَالْحَدَثُ مُتَيَقَّنٌ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
الثَّانِي: يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ تَطَهَّرَ عَنْ حَدَثٍ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ بَعْدَ طَهَارَةٍ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ السَّابِقَةَ قَدْ وُجِدَ بَعْدَهَا حَدَثٌ نَاقِضٌ، وَذَلِكَ الْحَدَثُ وُجِدَ بَعْدَ طَهَارَةٍ رَافِعَةٍ، وَالْأَفْضَلُ بَقَاؤُهَا، فَأَمَّا إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَطَهَّرَ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ لَكِنْ لَا يَدْرِي هَلْ كَانَتِ الطَّهَارَةُ بَعْدَ طَهَارَةٍ أَوْ بَعْدَ حَدَثٍ، وَذَلِكَ الْحَدَثُ هَلْ كَانَ (بَعْدَ) طَهَارَةٍ أَوْ بَعْدَ
стр. 414
حَدَثٍ، فَهَذَا كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَكُونُ عَلَى خِلَافِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، وَلَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ ابْتَدَأَ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ، وَأَنَّهُ كَانَ أَحْدَثَ وَلَا يَدْرِي أَفَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ هُوَ طَاهِرٌ، فَهُنَا هُوَ طَاهِرٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ أَحْدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ، وَأَنَّهُ تَوَضَّأَ لَا يَدْرِي أَتَجْدِيدًا أَمْ رَفْعًا، فَهُوَ مُحْدِثٌ بِكُلِّ حَالٍ» اهـ.
٢ - في الحديث قاعدة عظيمة وهي: أنَّ اليقين لا يرفع بالشك. والمراد بالشك مطلق التردد الشامل للظن والوهم.
٣ - فيه ترك الاستحياء في العلم.
٤ - استدل بهذا الحديث من قال: إنَّ الريح الخارجة من القبل يوجب الوضوء. وهو مذهب الشافعي، وأحمد. وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى عدم النقض.
قال أصحاب أبي حنيفة: خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء لأنَّه نادر فلا يشمله النص، ولأنَّ الريح الخارج من القبل عبارة عن اختلاج لا ريح فلا ينتقض كالريح الخارجة من جراحة البطن.
قلت: والصحيح عدم النقض لعدم ورود الدليل في ذلك، ولما سيأتي بيانه في كلام اللجنة الدائمة.
وسُئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١١/ ١٤١):
«هل خروج الهواء من فرج المرأة ينقض الوضوء؟
فأجاب بقوله: هذا لا ينقض الوضوء لأنَّه لا يخرج من محل نجس كالريح التي تخرج من الدبر» اهـ.
стр. 415
وسئلت اللجنة الدائمة كما في [فتاوى اللجنة الدائمة] (٤/ ١٠٧ - ١١٠) الفتوى رقم (٢٠٩٨٨):
«س: أنا امرأة يخرج مني منذ مدة طويلة ريح من القبل بكثرة، وهذا يؤدي إلى إعادة الوضوء عدة مرات وكذلك الصلاة، وأجد مشقة كبيرة في إعادة الوضوء، فماذا يجب علي، وهل هذا الريح ناقض للوضوء، فإذا كان ناقضاً للوضوء، ماذا أفعل وهو يخرج مني بكثرة، وذلك يؤدي إلى إعادة الوضوء خمس مرات، وأحياناً ثماني مرات، وهذا يؤدي إلى عدم الاطمئنان في الصلاة خوفاً من إخراج الريح، وماذا يجب علي في الصلاة الماضية التي قد صليتها وهو يخرج مني، وذلك بعد إعادة الوضوء عدة مرات؟ أفتوني جزآكم الله خيراً.
ج: بناء على التقرير الطبي الوارد إلى اللجنة في هذا الموضوع، والذي ينص على الآتي:
١ - إن خروج الهواء من الفرج من الأمراض البسيطة والشائعة عند النساء، وهذه الشكوى تحدث نتيجة لتوسع الفرج بعد الولادات المتكررة للمرأة، فعند جلوس المرأة أو استلقائها يدخل الهواء العادي من جو الغرفة أو مكان جلوسها إلى الفرج، وكذلك أثناء الجماع، وعند ارتفاع الضغط بداخل البطن كمحاولة القيام من وضع الجلوس أو الكحة، أو رفع جسم ثقيل، يخرج الهواء من الفرج محدثاً صوتاً وكأنَّه الفساء الذي يحدث من المصران والشرج.
وهذا الذي يخرج من الفرج عبارة عن هواء عادي، وليس له أي صلة بالفساء أو بفضلات الأكل أو الأمعاء، وبالإمكان معالجة هذا الأمر بإجراء عملية جراحية لتضييق الفرج.
стр. 416
٢ - يجب إجراء الكشف النسوي على المذكورة (المرأة السائلة) لاستبعاد وجود ناسور مهبلي (وهو عبارة عن وجود شق بين جدار المهبل الخلفي والمصران الغليظ)، حيث تتسرب الغازات من المصران الغليظ إلى الفرج، في هذه الحالة المرضية تحتاج إلى عملية جراحية لإغلاق هذا الشق، حيث إن خروج
(الغازات) بين الشرج والفرج من خلال هذه الشق يعتبر فساء.
ومن الممكن لهذه السائلة أن تعرض نفسها على استشارية نساء وولادة أو استشاري، حيث يمكن معرفة ما إذا كان هناك ناسور من عدمه، وفي حال وجود الناسور فيمكن علاجه بعملية جراحية قد تشفي المريضة من هذه الشكوى. والله أعلم.
فبناء على التقرير السابق أجابت اللجنة بأنَّ للريح الخارجة من القبل حالين:
الحال الأولى: أن تكون ناشئة عن توسع الفرج لتكرار الولادة عند المرأة، فيدخل الهواء العادي لأسباب معينة من قعود أو استلقاء ونحو ذلك، ثم يخرج من الفرج عند تغير حال الجسم محدثاً صوتاً لا صلة له بفضلات الأكل أو الأمعاء، وفي هذه الحال لا تعتبر هذه الريح ناقضة للوضوء.
الحال الثانية: أن تكون الريح ناشئة عن تسرب الغازات من المصران الغليظ إلى الفرج؛ لوجود شق بين جدار المهبل الخلفي والمصران الغليظ، وفي هذه الحال تعتبر هذه الريح ناقضة للوضوء؛ لأنَّ حقيقتها فساء، لكنه خرج من غير مخرجه.
ويعرف التفريق بين الحالين بمراجعة أهل الاختصاص من الطبيبات.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 417
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ».
٥ - وفي الحديث العدول عن ذكر الشيء المستقذر بخاص اسمه، إلى الكناية عنه. وهو مأخوذ من قوله: «يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ» اهـ.
٦ - وفيه مشروعية الشكوى للعالم من أجل معرفة العلاج الشرعي، ونحو هذا أن يذكر ما به من الأوجاع البدنية للطبيب طلباً للعلاج.
ومثل هذا لا ينافي الصبر.
وهكذا الشكوى لرب العالمين عبودية عظيمة ولا تنافي الصبر كما قال الله تعالى عن نبيه يعقوب ﵊: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦].
وهكذا إذا ذكر الشخص لغيره ما حصل به ليس من باب الشكوى ولكن من باب الاسترواح وتخفيف ما به من الألم فلا ينافي ذلك الصبر لكن ينقصه وترك ذلك أكمل.
والشكوى المنافية للصبر هي شكوى الخالق للمخلوق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (١٤/ ٢٠٨ - ٢١٠):
«وَأَمَّا الْكِتْمَانُ فَيُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ:
стр. 418
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكْتُمَ بَثَّهُ وَأَلَمَهُ وَلَا يَشْكُوَ إلَى غَيْرِ اللَّهِ فَمَتَى شَكَا إلَى غَيْرِ اللَّهِ نَقَصَ صَبْرُهُ وَهَذَا أَعْلَى الكتمانين؛ لَكِنَّ هَذَا لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ؛ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَشْكُو مَا بِهِ وَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ. فَإِنْ شَكَا ذَلِكَ إلَى طَبِيبٍ يَعْرِفُ طِبَّ النُّفُوسِ لِيُعَالِجَ نَفْسَهُ بِعِلَاجِ الْإِيمَانِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَفْتِي وَهَذَا حَسَنٌ وَإِنْ شَكَا إلَى مَنْ يُعِينُهُ عَلَى الْمُحَرَّمِ فَهَذَا حَرَامٌ وَإِنْ شَكَا إلَى غَيْرِهِ لِمَا فِي الشَّكْوَى مِنْ الرَّاحَةِ كَمَا أَنَّ الْمُصَابَ يَشْتَكِي مُصِيبَتَهُ إلَى النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ تَعَلُّمَ مَا يَنْفَعُهُ وَلَا الِاسْتِعَانَةَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَهَذَا يَنْقُصُ صَبْرُهُ؛ لَكِنْ لَا يَأْثَمُ مُطْلَقًا إلَّا إذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا يُحَرَّمُ كَالْمُصَابِ الَّذِي يَتَسَخَّطُ.
والثَّانِي: أَنْ يَكْتُمَ ذَلِكَ فَلَا يَتَحَدَّثُ بِهِ مَعَ النَّاسِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ السُّوءِ وَالْفَاحِشَةِ فَإِنَّ النُّفُوسَ إذَا سَمِعَتْ مِثْلَ هَذَا تَحَرَّكْت وَتَشَهَّتْ وَتَمَنَّتْ وتتيمت وَالْإِنْسَانُ مَتَى رَأَى أَوْ سَمِعَ أَوْ تَخَيَّلَ مَنْ يَفْعَلُ مَا يَشْتَهِيهِ كَانَ ذَلِكَ دَاعِيًا لَهُ إلَى الْفِعْلِ وَالنِّسَاءُ مَتَى رَأَيْنَ الْبَهَائِمَ تَنْزَوِ الذُّكُورَ مِنْهَا عَلَى الْإِنَاثِ مِلْنَ إلَى الْبَاءَةِ؛ وَالْمُجَامَعَةِ وَالرَّجُلُ إذَا سَمِعَ مَنْ يَفْعَلُ مَعَ المردان وَالنِّسَاءِ أَوْ رَأَى ذَلِكَ أَوْ تَخَيَّلَهُ فِي نَفْسِهِ دَعَاهُ ذَلِكَ إلَى الْفِعْلِ وَإِذَا ذَكَرَ الْإِنْسَانُ طَعَامًا اشْتَهَاهُ وَمَالَ إلَيْهِ وَإِنْ وَصَفَ لَهُ مَا يَشْتَهِيهِ مِنْ لِبَاسٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ مَسْكَنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مَالَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ. وَالْغَرِيبُ عَنْ وَطَنِهِ مَتَى ذُكِّرَ بِالْوَطَنِ حَنَّ إلَيْهِ. فَكُلَّمَا كَانَ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ مَحَبَّتُهُ إذَا تَصَوَّرَهُ تَحَرَّكَتْ الْمَحَبَّةُ وَالطَّلَبُ إلَى ذَلِكَ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ إمَّا إلَى وَصْفِهِ وَإِمَّا إلَى مُشَاهَدَتِهِ وَكِلَاهُمَا يَحْصُلُ بِهِ تَخَيُّلٌ فِي النَّفْسِ وَقَدْ يَحْصُلُ التَّخَيُّلُ بِالسَّمَاعِ وَالرُّؤْيَةِ أَوْ التَّفَكُّرِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ؛ فَإِذَا تَخَيَّلَتْ النَّفْسُ تِلْكَ الْأُمُورَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ
стр. 419
انْقَلَبَتْ إلَى تَخَيُّلَةٍ أُخْرَى فَتَحَرَّكَتْ دَاعِيَةُ الْمَحَبَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ مَحْمُودَةً أَوْ مَذْمُومَةً. وَلِهَذَا تَتَحَرَّكُ النُّفُوسُ إلَى الْحَجِّ إذَا ذُكِرَ الْحِجَازُ وَتَتَحَرَّكُ بِذِكْرِ الْأَبْرَقِ وَالْأَجْرَعِ وَالْعَلِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى تِلْكَ الْمَنَازِلَ لَمَّا كَانَ ذَاهِبًا إلَى الْمَحْبُوبِ فَصَارَ ذِكْرُهَا يَذْكُرُ الْمَحْبُوبَ. وَكَذَلِكَ إذَا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَذَكَّرَ بِهِ وَتَحَرَّكَتْ مَحَبَّتُهُ.
فَالْمُبْتَلَى بِالْفَاحِشَةِ وَالْعِشْقِ. إذَا ذَكَرَ مَا بِهِ لِغَيْرِهِ تَحَرَّكَتْ النُّفُوسُ إلَى جِنْسِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ؛ فَإِذَا تَصَوَّرَتْ جِنْسَ ذَلِكَ تَحَرَّكَتْ إلَى الْمَحْبُوبِ؛ وَلِهَذَا نَهَى اللَّهُ عَنْ إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ» اهـ.
стр. 420
* * *
стр. 421
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٥ - عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ: «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ».
قوله: «فَنَضَحَهُ» أي: رشه، ويأتي النضح والمراد به الغسل كما في حديث أسماء قالت: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ». رواه البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٦٧٣). ومثله الحديث السابق:
«تَوَضَّأْ، وَانْضَحْ فَرْجَكَ».
قلت: والمراد بالنضح في هذا الحديث المكاثرة بالماء كما سيأتي بيانه.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٨٦):
«وأمَّا حقيقة النضح هنا فقد اختلف أصحابنا فيها فذهب الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين والبغوي إلى أنَّ معناه أنَّ الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات بحيث لو عصر لا يعصر قالوا وإنَّما يخالف هذا غيره في أنَّ غيره يشترط عصره على أحد الوجهين وهذا لا يشترط بالاتفاق. وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أنَّ النضح أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره بخلاف المكاثرة في غيره فإنَّه يشترط فيها أن يكون بحيث
стр. 422
يجرى بعض الماء ويتقاطر من المحل وإن لم يشترط عصره وهذا هو الصحيح المختار ويدل عليه قولها فنضحه ولم يغسله» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّه يدل على الاكتفاء بنضح الثوب الذي وقع فيه بول الصبي الذي لم يأكل دون غسله.
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٣٥٦):
«واختلف العلماء في بول الصبي، فقالت طائفة: بوله طاهر قبل أن يأكل الطعام، روى هذا عن علي بن أبي طالب، وأم سلمة، وعطاء، والحسن، والزهري.
وهو قول الأوزاعي، وابن وهب صاحب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
والحجة لهم قوله في حديث أم قيس: " فنضحه، ولم يغسله ".
وفرق هؤلاء الفقهاء بين بول الصبي والصبية، فقالوا: بول الصبية نجس، وإن لم تأكل الطعام بخلاف بول الصبي.
واحتجوا في ذلك بما رواه هشام، عن قتادة، عن أبى حرب بن أبى الأسود، عن أبيه، عن على بن أبى طالب، عن الرسول ﷺ أنه قال في الرضيع: " يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام ".
وقالت طائفة أخرى: بول الصبي والصبية نجس، سواء أكلا الطعام أم لا، هذا قول النخعي، وإليه ذهب مالك، والكوفيون، وأبو ثور» اهـ.
стр. 423
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٨٥):
«وقد اختلف العلماء في كيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب وهى ثلاثة أوجه لأصحابنا:
الصحيح المشهور المختار أنَّه يكفي النضح في بول الصبي ولا يكفي في بول الجارية بل لابد من غسله كسائر النجاسات.
والثاني: أنَّه يكفي النضح فيهما.
والثالث: لا يكفى النضح فيهما وهذان الوجهان حكاهما صاحب التتمة من أصحابنا وغيره وهما شاذان ضعيفان وممن قال بالفرق علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وأصحاب الحديث وابن وهب من أصحاب مالك ﵃ وروي عن أبي حنيفة.
وممن قال بوجوب غسلهما أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما وأهل الكوفة.
واعلم أنَّ هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي ولا خلاف في نجاسته وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي وأنَّه لم يخالف فيه إلَّا داود الظاهري.
قال الخطابي وغيره: وليس تجويز من جوز النضح في الصبي من أجل أنَّ بوله ليس بنجس ولكنه من أجل التخفيف في إزالته فهذا هو الصواب، وأمَّا ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنَّهم قالوا بول الصبي طاهر فينضح فحكاية باطلة قطعاً» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٩٠):
стр. 424
«تنبيه قال الخطابي: ليس تجويز من جوز النضح من أجل أن بول الصبي غير نجس ولكنه لتخفيف نجاسته انتهى. وأثبت الطحاوي الخلاف فقال: قال قوم بطهارة بول الصبي قبل الطعام. وكذا جزم به ابن عبد البر وابن بطال ومن تبعهما عن الشافعي وأحمد وغيرهما ولم يعرف ذلك الشافعية ولا الحنابلة وقال النووي: هذه حكاية باطلة انتهى. وكأنَّهم أخذوا ذلك من طريق اللازم وأصحاب صاحب المذهب أعلم بمراده من غيرهم والله أعلم» اهـ.
قلت: وقد فسَّر الطحاوي، والمهلب، وابن القصار النضح في الحديث بالغسل، وهذا التفسير غير صحيح فقد وردت رواية لهذا الحديث عند مسلم (٦٦٤) بلفظ: «فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ». وفي رواية أخرى عنده (٦٦٥): «فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا».
وفي رواية للبخاري (٢٢٣): «فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ»، ونحوه حديث عائشة الآتي بعد هذا الحديث.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود بأحكام المولود] ص (٢١٦):
«قال الأصحاب وغيرهم النضح أن يغرقه بالماء وإن لم يزل عنه وليس هذا بشرط بل النضح الرش كما صرح به في اللفظ الآخر بحيث يكاثر البول بالماء» اهـ.
قلت: ولا يشترط زوال أصافه بالرش على الصحيح، وذلك أنَّ الرش لا يكفي في إزالة الأوصاف غالباً.
стр. 425
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ في [الإقناع] (١/ ٩٠):
«وَلَا بُد فِي النَّضْح من إِزَالَة أَوْصَافه كَبَقِيَّة النَّجَاسَات وَإِنَّمَا سكتوا عَنْ ذَلِك لِأَن الْغَالِب سهولة زَوَالهَا خلافًا للزركشي من أَنَّ بَقَاء اللَّوْن وَالرِّيح لَا يضر» اهـ.
وذكر ذلك أيضاً ﵀ في [مغني المحتاج] (١/ ٢٤١).
٢ - أنَّ هذا الحكم مختص بالصبي الذي لم يأكل الطعام، فأمَّا إذا أكل الطعام على سبيل التغذية فيغسل بوله اتفاقاً.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٨٦):
«ثم إنَّ النضح إنَّما يجزى ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع أمَّا إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنَّه يجب الغسل بلا خلاف والله أعلم» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٨٩):
«قوله: "لم يأكل الطعام" المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنك به والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها فكأنَّ المراد أنَّه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال هذا مقتضى كلام النووي في "شرح مسلم" و"شرح المهذب"، وأطلق في "الروضة" تبعاً لأصلها أنَّه لم يطعم ولم يشرب غير اللبن وقال في "نكت التنبيه": المراد أنَّه لم يأكل غير اللبن وغير ما يحنك به وما أشبهه.
وحمل الموفق الحموي في "شرح التنبيه" قوله: لم يأكل على ظاهره فقال معناه: لم يستقل بجعل الطعام في فيه. والأول أظهر وبه جزم الموفق بن قدامة وغيره» اهـ.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٨٧):
следующие страницы →