Полный текст (8 095 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٥ - عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ: «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ».
قوله: «فَنَضَحَهُ» أي: رشه، ويأتي النضح والمراد به الغسل كما في حديث أسماء قالت: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ». رواه البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٦٧٣). ومثله الحديث السابق:
«تَوَضَّأْ، وَانْضَحْ فَرْجَكَ».
قلت: والمراد بالنضح في هذا الحديث المكاثرة بالماء كما سيأتي بيانه.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٨٦):
«وأمَّا حقيقة النضح هنا فقد اختلف أصحابنا فيها فذهب الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين والبغوي إلى أنَّ معناه أنَّ الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات بحيث لو عصر لا يعصر قالوا وإنَّما يخالف هذا غيره في أنَّ غيره يشترط عصره على أحد الوجهين وهذا لا يشترط بالاتفاق. وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أنَّ النضح أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره بخلاف المكاثرة في غيره فإنَّه يشترط فيها أن يكون بحيث
стр. 422
يجرى بعض الماء ويتقاطر من المحل وإن لم يشترط عصره وهذا هو الصحيح المختار ويدل عليه قولها فنضحه ولم يغسله» اهـ.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّه يدل على الاكتفاء بنضح الثوب الذي وقع فيه بول الصبي الذي لم يأكل دون غسله.
قال العلامة ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٣٥٦):
«واختلف العلماء في بول الصبي، فقالت طائفة: بوله طاهر قبل أن يأكل الطعام، روى هذا عن علي بن أبي طالب، وأم سلمة، وعطاء، والحسن، والزهري.
وهو قول الأوزاعي، وابن وهب صاحب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
والحجة لهم قوله في حديث أم قيس: " فنضحه، ولم يغسله ".
وفرق هؤلاء الفقهاء بين بول الصبي والصبية، فقالوا: بول الصبية نجس، وإن لم تأكل الطعام بخلاف بول الصبي.
واحتجوا في ذلك بما رواه هشام، عن قتادة، عن أبى حرب بن أبى الأسود، عن أبيه، عن على بن أبى طالب، عن الرسول ﷺ أنه قال في الرضيع: " يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام ".
وقالت طائفة أخرى: بول الصبي والصبية نجس، سواء أكلا الطعام أم لا، هذا قول النخعي، وإليه ذهب مالك، والكوفيون، وأبو ثور» اهـ.
стр. 423
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٨٥):
«وقد اختلف العلماء في كيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب وهى ثلاثة أوجه لأصحابنا:
الصحيح المشهور المختار أنَّه يكفي النضح في بول الصبي ولا يكفي في بول الجارية بل لابد من غسله كسائر النجاسات.
والثاني: أنَّه يكفي النضح فيهما.
والثالث: لا يكفى النضح فيهما وهذان الوجهان حكاهما صاحب التتمة من أصحابنا وغيره وهما شاذان ضعيفان وممن قال بالفرق علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وأصحاب الحديث وابن وهب من أصحاب مالك ﵃ وروي عن أبي حنيفة.
وممن قال بوجوب غسلهما أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما وأهل الكوفة.
واعلم أنَّ هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي ولا خلاف في نجاسته وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي وأنَّه لم يخالف فيه إلَّا داود الظاهري.
قال الخطابي وغيره: وليس تجويز من جوز النضح في الصبي من أجل أنَّ بوله ليس بنجس ولكنه من أجل التخفيف في إزالته فهذا هو الصواب، وأمَّا ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنَّهم قالوا بول الصبي طاهر فينضح فحكاية باطلة قطعاً» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٩٠):
стр. 424
«تنبيه قال الخطابي: ليس تجويز من جوز النضح من أجل أن بول الصبي غير نجس ولكنه لتخفيف نجاسته انتهى. وأثبت الطحاوي الخلاف فقال: قال قوم بطهارة بول الصبي قبل الطعام. وكذا جزم به ابن عبد البر وابن بطال ومن تبعهما عن الشافعي وأحمد وغيرهما ولم يعرف ذلك الشافعية ولا الحنابلة وقال النووي: هذه حكاية باطلة انتهى. وكأنَّهم أخذوا ذلك من طريق اللازم وأصحاب صاحب المذهب أعلم بمراده من غيرهم والله أعلم» اهـ.
قلت: وقد فسَّر الطحاوي، والمهلب، وابن القصار النضح في الحديث بالغسل، وهذا التفسير غير صحيح فقد وردت رواية لهذا الحديث عند مسلم (٦٦٤) بلفظ: «فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ». وفي رواية أخرى عنده (٦٦٥): «فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا».
وفي رواية للبخاري (٢٢٣): «فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ»، ونحوه حديث عائشة الآتي بعد هذا الحديث.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود بأحكام المولود] ص (٢١٦):
«قال الأصحاب وغيرهم النضح أن يغرقه بالماء وإن لم يزل عنه وليس هذا بشرط بل النضح الرش كما صرح به في اللفظ الآخر بحيث يكاثر البول بالماء» اهـ.
قلت: ولا يشترط زوال أصافه بالرش على الصحيح، وذلك أنَّ الرش لا يكفي في إزالة الأوصاف غالباً.
стр. 425
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
قال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ في [الإقناع] (١/ ٩٠):
«وَلَا بُد فِي النَّضْح من إِزَالَة أَوْصَافه كَبَقِيَّة النَّجَاسَات وَإِنَّمَا سكتوا عَنْ ذَلِك لِأَن الْغَالِب سهولة زَوَالهَا خلافًا للزركشي من أَنَّ بَقَاء اللَّوْن وَالرِّيح لَا يضر» اهـ.
وذكر ذلك أيضاً ﵀ في [مغني المحتاج] (١/ ٢٤١).
٢ - أنَّ هذا الحكم مختص بالصبي الذي لم يأكل الطعام، فأمَّا إذا أكل الطعام على سبيل التغذية فيغسل بوله اتفاقاً.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٨٦):
«ثم إنَّ النضح إنَّما يجزى ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع أمَّا إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنَّه يجب الغسل بلا خلاف والله أعلم» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ٣٨٩):
«قوله: "لم يأكل الطعام" المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنك به والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها فكأنَّ المراد أنَّه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال هذا مقتضى كلام النووي في "شرح مسلم" و"شرح المهذب"، وأطلق في "الروضة" تبعاً لأصلها أنَّه لم يطعم ولم يشرب غير اللبن وقال في "نكت التنبيه": المراد أنَّه لم يأكل غير اللبن وغير ما يحنك به وما أشبهه.
وحمل الموفق الحموي في "شرح التنبيه" قوله: لم يأكل على ظاهره فقال معناه: لم يستقل بجعل الطعام في فيه. والأول أظهر وبه جزم الموفق بن قدامة وغيره» اهـ.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٢٨٧):
стр. 426
«فصل: قال أحمد: الصبي إذا طعم الطعام وأراده واشتهاه غسل بوله وليس إذا طعم لأنَّه قد يلعق العسل ساعة يولد والنبي ﷺ حنك بالتمر ولكن إذا كان يأكل ويريد الأكل.
فعلى هذا ما يسقاه الصبي أو يلعقه للتداوي لا يعد طعاماً يوجب الغسل وما يطعمه لغذائه وهو يريده ويشتهيه هو الموجب لغسل بوله والله أعلم» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود بأحكام المولود] ص (٢١٧):
«ولا يبطل حكم النضح بتعليق العسل والشراب والتحنيك ونحوه لئلا تتعطل الرخصة فإنَّه لا يخلو من ذلك مولود غالباً، ولأنَّ النبي كان من عادته تحنيك الأطفال بالتمر عند ولادتهم وإنَّما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده واشتهاه تغذياً به والله أعلم» اهـ.
قلت: وخالف في هذه المسألة ابن حزم فلم يشترط عدم الأكل في الغلام الذي يرش من بوله فقال ﵀ في [المحلى] (١/ ١٠٠):
«مسألة: وتطهير بول الذكر أي ذكر كان في أي شيء كان فبأن يرش الماء عليه رشاً يزيل أثره، وبول الآنثى يغسل، فإن كان البول في الأرض أي بول كان فبأن يصب الماء عليه صبا يزيل أثره فقط» أهـ.
واحتج بحديث أبي السمح قال: «كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ وَلِّنِي قَفَاكَ فَأُولِيهِ قَفَايَ وَأَنْشُرُ الثَّوْبَ يَعْنِي أَسْتُرُهُ
стр. 427
فَأُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ ﵄ فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: "هَكَذَا يُصْنَعُ يُرَشُّ مِنَ الذَّكَرِ وَيُغْسَلُ مِنَ الأُنْثَى"».
قلت: وحديث أبي السمح حديث صحيح أخرجه الدارقطني (٤) بهذا اللفظ، وأخرجه أبو داود (٣٧٦)، والنسائي في [المجتبى] (٣٠٣)، [والكبرى] (٢٩٣)، وابن ماجه (٥٢٦) بلفظ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ».
وهل يدخل في ذلك الغلام الذي يرضع من الحليب الصناعي فيرش من بوله أو لا؟.
فالذي يظهر دخوله في هذا الحكم، وذلك لأنَّ اللبن الصناعي قائم مقام اللبن الطبيعي، ومتناوله يسمى رضيعاً لغة وعرفاً.
وقد ذكر بعض العلماء أنَّ الطفل إذا شرب من لبن البهيمة فيرش بوله كما يرش من بول الصبي الرضيع إذا رضع من لبن آدمية، وهذا اللبن الصناعي مستخلص من لبن البهائم.
قال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي ﵀ في [تحفة المحتاج في شرح المنهاج] (١/ ٣١٦): «أَمَّا إذَا أَكَلَ غَيْرَ لَبَنٍ لِلتَّغَذِّي كَسَمْنٍ أَوْ جَاوَزَ سَنَتَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ الْغَسْلُ وَلَا يَضُرُّ تَنَاوُلُ شَيْءٍ لِلتَّحْنِيكِ أَوْ لِلْإِصْلَاحِ وَلَا لَبَنُ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ نَجِسًا عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّ لِلْمُسْتَحِيلِ فِي الْبَاطِنِ حُكْمَ الْمُسْتَحَالِ إلَيْهِ» اهـ.
وقال الخطيب الشربيني الشافعي ﵀ في [مغني المحتاج] (١/ ٢٤١):
«ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ النَّجَاسَةِ وَهِيَ الْمُخَفَّفَةُ فَقَالَ: (وَمَا تَنَجَّسَ) مِنْ جَامِدٍ (بِبَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ: أَيْ يَتَنَاوَلُ قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ (غَيْرَ لَبَنٍ)
стр. 428
لِلتَّغَذِّي (نُضِحَ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَقِيلَ مُعْجَمَةٌ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ غَيْرِ آدَمِيٍّ أَوْ مِنْ غَيْرِ طَاهِرٍ خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ فِي الْأُولَى مِنْ التَّخْصِيصِ بِلَبَنِ الْمُرْضِعِ، وَلِلزَّرْكَشِيِّ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ أَنَّهُ يُغْسَلُ مِنْ النَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ قِيَاسًا مِنْهُ عَلَى لَبَنِ الْإِنْفَحَةِ» اهـ.
وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كما في [فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ] (٢/ ٧٢):
«قوله: "ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه"
أَي غذاؤه باللبن سواء لبن آدمية أَوْ بهيمة، وليس امتصاصه ما يوضع في فمه وابتلاعه أَكلاً. وكذلك إِذا كان يبغي الطعام لكن منعه فلا يؤثر فليس بنجس. وكذلك إِذا أَكل من دون شهوة. فالذي يطلق عليه أَنَّه يأْكل الطعام هو الذي يريد الطعام ويتناوله أَوْ يشرئب أَوْ يصيح أَوْ يشير إِليه.
والشوربة التي يجعلونها غذاء هي طعام كسائر الأَطعمة - والله أَعلم.
ولو أَكل ثم حرم فلا يؤثر فيكون نجسًا ولا ينتقل الحكم. ثم الذي لا يأْكل الطعام بوله نجس على الصحيح ولكن نجاسته خفيفة يكتفى في تطهيرها بالرش والنضح، يسر في تطهيرها لأَنه يحمل ويباشر ويلابس. وكأَن أَولى التعليلات في بول الغلام والجارية هو الانتشار» اهـ.
وقال العلامة ابن باز ﵀ في صوتية له في برنامج نور على الدرب بعد أن سئل: عمَّا إذا غُذِّي الرضيع باللبن الصناعي في الحولين هل يعتبر مفطوماً، وهل يغير ذلك من حكم نجاسته؟.
стр. 429
فقال ﵀: «أمَّا بعد الحولين فإنه يعتبر مفطوماً فلو أرضعه أحدٌ بعد الحولين فإنَّه لا يعتبر رضاع، أما في حال الحولين فإذا ارتضع من امرأةٍ خمس رضعات أو أكثر في حال الحولين فإنَّه يعتبر ولداً لها وأخاً لأولادها، وابناً لزوجها، وأمَّا حكم ارتضاعه من لبن غير غير لبن أمه فهذا محل نظر، والأقرب والله أعلم أنَّه كالذي يرتضع من أمه، ولا يقال: إنَّه يتغذى بالطعام حينئذ وإنَّما يتغذى بلبن قام مقام لبن أمه، فالأقرب والله أعلم أنَّ بوله يكفي فيه الرش والنضح كبول الصبي الذي لا يأكل الطعام إذا كان يتغذى بلبن أمه، هذا هو الأقرب والأظهر والله أعلم» اهـ.
وجاء في صوتية "فتاوى الدروس العلمية شرح العمدة" سئل العلامة الفوزان حفظه الله: «هل الحليب الصناعي اليوم يعتبر من الطعام فتكون النجاسة غير مخففة؟
فأجاب الشيخ وفقه الله: لا، ما يعتبر، الحليب سواء كان من ثدي المرأة أو كان مجففاً، أو كان من الحيوانات كله سواء لا يعتبر من الطعام، وإنَّما يعتبر من الرضاع» اهـ.
قلت: وذهب الشيخ عبد العزيز الراجحي إلى أنَّ الطفل الذي يرضع من اللبن الصناعي يغسل بوله ولا يرش فقد قال في [شرح عمدة الفقه] (١/ ١٧):
«وكذلك إذا أكل الغلام الطعام، أو كان يشرب من الحليب الصناعي ويتغذى به فلا بد من غسله، وإن كان لم يأكل الطعام ويرضع من حليب أمه فيكفيه النضح، وكذلك بول الأنثى لا بد من غسله على كل حال» اهـ.
стр. 430
٣ - هذا الحكم مختص بالصبي دون الجارية، فأمَّا بول الجارية فيغسل ولا ينضح.
وقد ذكر العلماء حكماً في اختصاص الصبي بذلك دون الجارية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٢٩ - ٣٠):
«وقد قيل إنَّ الغلام يبول رزقاً مستلقياً على ظهره فينشر نجاسته فتعظم المشقة بغسلها فإذا أكل الطعام قوي واشتد ظهره فقعد فيقل انتشار نجاسته، والجارية لا يجاوز بولها محلها. وقيل أشياء أخر منها أنَّ الغلام يحمل على الأيدي عادة بخلاف الجارية، ومنها أنَّ مزاجه حار فبوله رقيق بخلاف الأنثى فإنَّها شديدة الرطوبة» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ٧٨ - ٧٩):
«والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:
أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر فتعم البلوى ببوله فيشق عليه غسله.
والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد بل ينزل متفرقاً هاهنا، وهاهنا فيشق غسل ما أصابه كله بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أنَّ بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة وهذه معان مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق» اهـ.
٤ - احتج بالحديث القائلون بأنَّ قليل الماء لا ينجسه قليل النجاسة إذا غلب عليها.
стр. 431
٥ - الحديث يدل على اللين والتواضع والرفق بالصغار.
* * *
стр. 432
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ إيَّاهُ».
ولمسلم: «فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ».
قولها: «أتي بصبي» الصبي: هو الذي لم يحتلم ولم ينبت. والمراد به هنا ما كان في زمن الرضاع.
وهذا الحكم مختص ببول الغلام، ولا يدخل في ذلك غائطه، وأدخل بعض العلماء قيئه في ذلك.
قال العلامة منصور البهوتي الحنبلي ﵀ في [شرح منتهى الإرادات] (١/ ١٠٤):
«"وَيُجْزِي فِي بَوْلِ غُلَامٍ" وَمِثْلُهُ قَيْئُهُ "لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ نَضْحُهُ، وَهُوَ غَمْرُهُ بِمَاءٍ" وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ» اهـ.
قلت: القيء إذا كان متغيراً فهو نجس في قول عامة العلماء، وإن لم يتغير فهو نجس في قول أكثرهم، وخالف في ذلك الإمام مالك فلم ير نجاسته.
والقول بأنَّ ابن حزم يقول بطهارة القيء ليس بصحيح فإنَّه قال في [المحلى] (١/ ١٨٨): «مَسْأَلَةٌ: وَالْقَيْءُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ حَرَامٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» وَإِنَّمَا قَالَ ﵇ ذَلِكَ عَلَى مَنْعِ الْعَوْدَةِ فِي الْهِبَةِ» اهـ.
стр. 433
ولم يصرح بالطهارة.
لكن القول بأنَّ قيء الطفل الرضيع يطهر بالرش فيه نظر لوجود الفارق بين بول الرضيع وقيئه، وذلك أنَّ بول الرضيع يكثر وينتشر في الثوب فيشق والمشقة تجلب التيسير بخلاف القيء فإنَّه لا يكثر ولا ينتشر.
ومن أجل هذه المعاني وغيرها فُرق بين بول الجارية والغلام.
وقوله: «وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ».
اختلف العلماء في أزواج النبي ﷺ هل هنَّ أمهات لنساء المؤمنين أم ذلك خاص برجالهم دون نسائهم.
فروى ابن سعد في [الطبقات] (٨/ ٥١، ٥٣، ١٤٤، ١٦١)، والبيهقي في [الكبرى]، وأبو نعيم في [مسانيد فراس] (٢٥) من طريق فِرَاسٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّهْ. فَقَالَتْ: «لَسْتُ بِأُمِّكِ. أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ».
قلت: هذا أثر صحيح.
وحجة عائشة قول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ [الأحزاب: ٦].
لكن يضعف هذا القول أول الآية، أنَّ المؤمنين الذين أخبر الله أنَّ النبي أولى بهم من أنفسهم يشمل الرجال والنساء، والضمير في ﴿أُمَّهَاتُهُمْ﴾. راجع إليهم، فلهذا كان الصحيح أنَّ أزواج النبي ﷺ أمهات للرجال والنساء من أهل الإيمان.
стр. 434
قال العلامة ابن العربي ﵀ في [أحكام القرآن] (٣/ ٥٤٢):
«اخْتَلَفَ النَّاسُ، هَلْ هُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، أَمْ هُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ خَاصَّةً، عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقِيلَ: ذَلِكَ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ إنْزَالُهُنَّ مَنْزِلَةَ أُمَّهَاتِهِمْ فِي الْحُرْمَةِ، حَيْثُ يُتَوَقَّعُ الْحِلُّ، وَالْحِلُّ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَلَا يُحْجَبُ بَيْنَهُنَّ بِحُرْمَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّاهُ. فَقَالَتْ: لَسْت لَك بِأُمٍّ، إنَّمَا أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ» اهـ.
وقال العلامة القرطبي ﵀ في [تفسيره] (١٤/ ١٢٣):
«الثَّالِثَةُ- قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ شَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى أَزْوَاجَ نَبِيِّهِ ﷺ بِأَنْ جَعَلَهُنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ فِي وُجُوبِ التَّعْظِيمِ وَالْمَبَرَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَحُرْمَةِ النِّكَاحِ عَلَى الرِّجَالِ، وَحَجْبِهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُنَّ بِخِلَافِ الْأُمَّهَاتِ.
وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ شَفَقَتُهُنَّ عَلَيْهِمْ كَشَفَقَةِ الْأُمَّهَاتِ أُنْزِلْنَ مَنْزِلَةَ الْأُمَّهَاتِ، ثُمَّ هَذِهِ الْأُمُومَةُ لَا تُوجِبُ مِيرَاثًا كَأُمُومَةِ التَّبَنِّي. وَجَازَ تَزْوِيجُ بَنَاتِهِنَّ، وَلَا يُجْعَلْنَ أَخَوَاتٍ لِلنَّاسِ. وَسَيَأْتِي عَدَدُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آيَةِ التَّخْيِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 435
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ هُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَمْ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ خَاصَّةً، عَلَى قو لين: فَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لَهَا: يَا أُمَّهْ، فَقَالَتْ لَهَا: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ، إِنَّمَا أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قُلْتُ: لَا فَائِدَةَ فِي اخْتِصَاصِ الْحَصْرِ فِي الْإِبَاحَةِ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ صَدْرُ الْآيَةِ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (٦)﴾، وَهَذَا يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ ضَرُورَةً.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ عَائِدًا إِلَى الْجَمِيعِ. ثُمَّ إِنَّ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ". وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهاتُهُمْ". وَهَذَا كُلُّهُ يُوهِنُ مَا رَوَاهُ مَسْرُوقٌ إِنْ صَحَّ مِنْ جِهَةِ التَّرْجِيحِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي التَّخْصِيصِ، وَبَقِينَا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْعُمُومُ الَّذِي يَسْبِقُ إِلَى الْفُهُومِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال العلامة بدر الدين العيني ﵀ في [عمدة القاري] (١/ ٣٨):
«وَهل يُقَال لأخوتهن أخوال الْمُسلمين ولأخواتهن خالات الْمُؤمنِينَ ولبناتهن أَخَوَات الْمُؤمنِينَ فِيهِ خلاف عِنْد الْعلمَاء وَالأَصَح الْمَنْع لعدم التَّوْقِيف وَوجه مُقَابِله أَنه مُقْتَضى ثُبُوت الأمومة وَهُوَ ظَاهر النَّص لكنه مؤول قَالُوا وَلَا يُقَال آباؤهن وأمهاتهن أجداد الْمُؤمنِينَ وجداتهم وَهل يُقَال فِيهِنَّ أُمَّهَات الْمُؤْمِنَات فِيهِ
стр. 436
خلاف وَالأَصَح أَنه لَا يُقَال بِنَاء على الْأَصَح أَنَّهُنَّ لَا يدخلن فِي خطاب الرِّجَال» اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في [تفسيره] (٦/ ٣٨٠ - ٣٨١):
«وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (٦)﴾ أَيْ: فِي الْحُرْمَةِ وَالِاحْتِرَامِ، وَالْإِكْرَامِ وَالتَّوْقِيرِ وَالْإِعْظَامِ، وَلَكِنْ لَا تَجُوزُ الْخَلْوَةُ بِهِنَّ، وَلَا يَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ إِلَى بَنَاتِهِنَّ وَأَخَوَاتِهِنَّ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ سَمَّى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَنَاتِهُنَّ أَخَوَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا هُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي "الْمُخْتَصَرِ"، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْعِبَارَةِ لَا إِثْبَاتِ الْحُكْمِ. وَهَلْ يُقَالُ لِمُعَاوِيَةَ وَأَمْثَالِهِ: خَالُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ. وَهَلْ يُقَالُ لَهُنَّ: أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنَاتِ، فَيُدْخِلُ النِّسَاءَ فِي جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ تَغْلِيبًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ: صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: لَا يُقَالُ ذَلِكَ. وَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، ﵀» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١/ ١٨):
«وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ لِلتَّغْلِيبِ وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَهَا أُمُّ الْمُؤْمِنَاتِ عَلَى الرَّاجِحِ» اهـ.
قلت: مسائل هذا الحديث تقدمت في الحديث السابق
* * *
стр. 437
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٧ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ».
قوله: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ» الأعرابي واحد الأعراب وهم: من سكن البادية عرباً كانوا أو عجماً.
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في [إحكام الأحكام] (١/ ١٢١):
«"الْأَعْرَابِيُّ" مَنْسُوبٌ إلَى الْأَعْرَابِ، وَهُمْ سُكَّانُ الْبَوَادِي، وَوَقَعَتْ النِّسْبَةُ إلَى الْجَمْعِ دُونَ الْوَاحِدِ فَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْقَبِيلَةِ، كَأَنْمَارٍ؛ أَوْ لِأَنَّهُ لَوْ نُسِبَ إلَى الْوَاحِدِ، وَهُوَ " عَرَبٌ " لَقِيلَ: عَرَبِيٌّ، فَيُشْتَبَهُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ " الْعَرَبِيَّ " كُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ ﵇، سَوَاءٌ كَانَ سَاكِنًا بِالْبَادِيَةِ أَوْ بِالْقُرَى وَهَذَا غَيْرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ» اهـ.
قال في [طرح التثريب] (٢/ ١٣٦) متعقباً على ابن دقيق العيد:
«وَقَوْلُهُ: إنَّ الْأَعْرَابَ جَمْعُ عَرَبٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ جَمْعُ أَعْرَابِيٍّ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ» اهـ.
قوله: «فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ» أي: ناحيته.
стр. 438
قوله: «بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ» الذنوب: هي الدلو الكبيرة، وقيل لا تسمى ذنوباً إلَّا إذا كان فيها ماء، ويطلق الذنوب أيضاً على النصيب كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾ [الذاريات: ٥٩].
وقوله: «مِنْ مَاءٍ» مع أنَّ الذنوب هو الدلو الذي فيه ماء، وذلك لأنَّ الذنوب لفظة مشتركة تطلق على الحظ والنصيب، وتطلق على الفرس الطويل، ويقال: يوم ذنوب: لا ينقضي شره لطوله. والذنوبان في الصلب: هما المتنان يكتنفان ناحيتي الصلب، الواحد ذنوب. الذنوب لحم المتن، فميز بينه وين هذه المعاني بقوله:
«مِنْ مَاءٍ».
قوله: «فَأُهْرِيقَ» أصله: أريق من الإراقة، وهي صب الماء.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - أنَّ الأرض تطهر من البول بصب الماء عليها.
وهل يدخل في ذلك فراش المسجد أو البيت إذا بال عليها بائل أو لا؟.
جاء في [فتاوى اللجنة الدائمة] (٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨):
«السؤال الثاني من الفتوى رقم (٢٩٨٩)
س ٢: استعمل كثير من الناس الكماليات في فرش حجر المنزل فهل إذا بال الطفل مثلا على الفرشة على مختلف سنه يكفي صب الماء وتطهر من النجاسة، نظرا إلى أن الفرشة قد تكون كبيرة وقد تكون لاصقة بالأرض، أو تكون مثبتاً عليها دواليب كبيرة وسرر أو لا؟
جـ ٢: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد:
стр. 439
إذا كان من بال على هذه الفرشة ونحوها غلاماً لم يأكل الطعام كفى في تطهيرها رش الماء عليها حتى يعم موضع النجاسة منها، ولا يجب عصرها ولا غسلها، وإن كان قد أكل الطعام أو كان جارية سواء أكلت الطعام أم لا، فلا بد لتطهيرها من الغسل، ويكفي صب الماء على موضع النجاسة، ولا يجب نزع الفرشة ولا عصرها كالنجاسة على الأرض، لما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁: "أنَّ أعرابياً بال في المسجد فأمر النبي ﷺ أن يصب على بوله دلو من الماء".
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
٢ - أنَّه لا يشترط في طهارتها حفر الأرض وإزالة التراب الذي وقعت عليه النجاسة خلافاً للحنفية الذين أوجبوا ذلك في التربة الصلبة دون اللينة.
قال العلامة النووي ﵀ في [المجموع] (٢/ ٥٩٢):
«وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رِخْوَةً يَنْزِلُ الْمَاءُ فِيهَا أَجْزَأَهُ صَبُّهُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا حَفْرُهَا وَنَقْلُ تُرَابِهَا» اهـ.
وقال العلامة السمرقندي الحنفي ﵀ في [تحفة الفقهاء] (١/ ٧٦ - ٧٧):
стр. 440
«وَأما الأَرْض إِذا أصابتها نَجَاسَة رطبَة فَإِنْ كَانَتْ الأَرْض رخوة فَإِنَّهُ يصب عَلَيْهَا المَاء حَتَّى يتسفل فِيهَا فَإِذا تسفل وَلم يبْق على وَجههَا شَيْء من المَاء يحكم بطهارتها وَلَا يعْتَبر فِيهِ الْعدَد وَإِنَّمَا هُوَ على مَا يَقع فِي غَالب ظَنّه أَنَّهَا طهرت
والتسفل فِي الأَرْض بِمَنْزِلَة الْعَصْر فِيمَا يحْتَملهُ
وعَلى قِيَاس ظَاهر الرِّوَايَة يَنْبَغِي أَنْ يصب المَاء عَلَيْهَا ثَلَاث مَرَّات ويتسفل فِي كل مرّة.
وَإِنْ كَانَتْ الأَرْض صلبة فَإِنْ كَانَتْ صعُودًا فَإِنَّهُ يحْفر فِي أَسْفَلهَا حفيرة وَيصب المَاء عَلَيْهَا ويزال عَنْهَا إِلَى الحفيرة ويكنس الحفيرة.
وَإِنْ كَانَتْ الأَرْض مستوية لم يزل المَاء عَنْهَا فَإِنَّهَا لَا تغسل لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي غسلهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِي: إِذا كوثرت بِالْمَاءِ طهرت.
وَهُوَ فَاسد لِأَن المَاء النَّجس بَاقٍ حَقِيقَة وَلَكِن يَنْبَغِي أَنْ تحفر فَيجْعَل أَعْلَاهَا أَسْفَلهَا وأسفلها أَعْلَاهَا فَيصير التُّرَاب الطَّاهِر وَجه الأَرْض» اهـ.
قلت: وعندهم أنَّ الحفيرة تردم بعد وصول النجاسة إليها، وقوله: «ويكنس الحفيرة» لعلها وتكبس.
واحتجت الحنفية بما رواه عبد الرزاق (١٦٥٩، ١٦٧٠) عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادُوا أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «احْفُرُوا مَكَانَهُ، وَاطْرَحُوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا».
قلت: هذا حديث مرسل.
ورواه الطحاوي في [شرح معاني الآثار] (١١)
стр. 441
حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سَمْعَانَ بْنِ مَالِكٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَصُبَّ عَلَيْهِ دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَحُفِرَ مَكَانُهُ».
قال الحافظ ابن أبي حاتم ﵀ في [الجرح والتعديل] (٤/ ٣١٦):
«سمعت أبا زرعة يقول: الحديث الذي رواه سمعان بن مالك عن أبى وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ في بول الأعرابي في المسجد وما أمر بحفر موضع البول إنَّه حديث منكر وسمعان ليس بالقوي» اهـ.
قلت: ويحيى الحماني متهم بسرقة الحديث. لكنه متابع تابعه محمد بن يزيد وهو الحزامي الكوفي البزاز عند الدارقطني (٤٧١).
وقال الحافظ البيهقي ﵀ في [السنن الكبرى] (٢/ ٤٢٨):
«وقد روى ذلك في حديث ابن مسعود ﵁ وليس بصحيح وقد تكلمنا عليه في الخلافيات» اهـ.
ورواه أبو داود (٣٨١) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِى ابْنَ حَازِمٍ - قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ - يَعْنِى ابْنَ عُمَيْرٍ - يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ صَلَّى أَعْرَابِىٌّ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فِيهِ وَقَالَ يَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ : «خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ فَأَلْقُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهُوَ مُرْسَلٌ ابْنُ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِىَّ ﷺ اهـ.
стр. 442
وقال الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ في [تنقيح التحقيق] (١/ ٣١): «وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر».
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (١/ ٦٢):
«لكن قد ورد أنَّه أمر بنقله من حديث أنس بإسناد رجاله ثقات.
قال الدارقطني: ثنا ابن صاعد، ثنا عبد الجبار بن العلاء، ثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس: "أن أعرابياً بال في المسجد، فقال النبي ﷺ : "احفروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوباً من ماء". وأعله الدارقطني بأنَّ عبد الجبار تفرد به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ، وأنه دخل عليه حديث في حديث، وأنه عند ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس مرسلاً، وفيه: "احفروا مكانه"» اهـ.
قلت: الأحاديث في هذه المسألة لا تثبت كما ترى.
٣ - ويستفاد من الحديث قاعدة مشهورة عند العلماء وهي: دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما فإنَّ البول فيه مفسدة وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها فإنَّه لو زجره في أثناء بوله لدار بين أمرين إما أن يقطعه فيتضرر وإمَّا أن لا يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد.
فدفع أعظمها بأيسر المفسدتين، وتنزيه المسجد عنه مصلحة وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
стр. 443
٤ - الحديث يدل على أنَّ غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، وذلك لأنَّ النبي ﷺ لم يأمر الصحابة باجتناب ذلك المكان من المسجد حتى يذهب أثر الماء في الأرض.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٩١):
«وَفِيهِ أَنَّ غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ طَاهِرَةٌ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَلِأَصْحَابِنَا فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، وَالثَّانِي: نَجِسَةٌ، وَالثَّالِثُ: إِنِ انْفَصَلَتْ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ فَهِيَ طَاهِرَةٌ وَإِنِ انْفَصَلَتْ وَلَمْ يَطْهُرِ الْمَحَلُّ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا انْفَصَلَتْ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ أَمَّا إِذَا انْفَصَلَتْ مُتَغَيِّرَةً فَهِيَ نَجِسَةٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ طَعْمُهَا أَوْ لَوْنُهَا أَوْ رِيحُهَا وَسَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وقال ﵀ في [المجموع] (٢/ ٥٩٣):
«وَالْأَصَحُّ طَهَارَتُهَا إذَا انْفَصَلَتْ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ» اهـ.
وقال العلامة السمرقندي الحنفي ﵀ في [تحفة الفقهاء] (١/ ٨٠):
«وَأمَّا حكم غسلة النَّجَاسَة الْحَقِيقِيَّة فَنَقُول إِذا وَقعت فِي المَاء أَوْ أَصَابَت الثَّوْب أَوْ الْبدن فَفِي حق منع جَوَاز الصَّلَاة وَالْوُضُوء الْمِيَاه الثَّلَاث على السوَاء لِأَن الْكل نجس.
فَأَمَّا فِي حق تَطْهِير الْمحل الَّذِي أَصَابَته النَّجَاسَة فالمياه يخْتَلف حكمهَا حَتَّى قَالَ بعض مَشَايِخنَا: إِنْ المَاء الأول وَإِذا أصَاب شَيْئاً يطهر بِالْغسْلِ مرَّتَيْنِ، وَالثَّانِي بِالْغسْلِ مرّة، وَالثَّالِث يطهر بالعصر لَا غير.
стр. 444
وَالصَّحِيح أَنَّ الأول يطهر بِالْغسْلِ ثَلَاثًا وَالثَّانِي بِالْغسْلِ مرَّتَيْنِ وَالثَّالِث بِالْغسْلِ مرّة وَيكون حكم كل مَا فِي الثَّوْب الثَّانِي مثل حكمه فِي الثَّوْب الأول
وَهل يجوز الِانْتِفَاع بالغسالة فِي غير الشّرْب والتطهير ينظر إِنْ تغير طعمها أَوْ لَوْنهَا أَوْ رِيحهَا فَإِنَّهُ يحرم الِانْتِفَاع بهَا أصلا وَيصير نَظِير الْبَوْل لكَون النَّجس غَالِباً وَإِنْ لم يتَغَيَّر وصف المَاء يجوز الِانْتِفَاع بِهِ فِي غير الشّرْب والتطهير نَحْو أَنْ يبل بِهِ الطين أَوْ يسقى الدَّوَابّ وَنَحْو ذَلِك» اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (٢/ ٧٣):
«فَصْلٌ: وَالْمُنْفَصِلُ مِنْ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ، يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْفَصِلَ مُتَغَيِّرًا بِهَا، فَهُوَ نَجِسٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ بِالنَّجَاسَةِ، فَكَانَ نَجِسًا، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْفَصِلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ قَبْلَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ، فَهُوَ نَجِسٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَسِيرٌ لَاقَى نَجَاسَةً لَمْ يُطَهِّرْهَا، فَكَانَ نَجِسًا، كَالْمُتَغَيِّرِ، وَكَالْبَاقِي فِي الْمَحَلِّ، فَإِنَّ الْبَاقِيَ فِي الْمَحَلِّ نَجِسٌ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي غُسِلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ، وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَحَلِّ نَجِسًا، وَعَصْرُهُ لَا يَجْعَلُهُ طَاهِرًا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَنْفَصِلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ مِنْ الْغَسْلَةِ الَّتِي طَهَّرَتْ الْمَحَلَّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُتَّصِلِ، وَالْمُتَّصِلُ طَاهِرٌ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ، وَلِأَنَّهُ مَاءٌ أَزَالَ حُكْمَ النَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا، فَكَانَ طَاهِرًا، كَالْمُنْفَصِلِ مِنْ الْأَرْضِ.
وَالثَّانِي، هُوَ نَجِسٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَسِيرٌ لَاقَى نَجَاسَةً، فَنَجُسَ بِهَا، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ، فَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
стр. 445
أَحَدُهُمَا، يَكُونُ طَهُورًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهُورِيَّتُهُ، وَلِأَنَّ الْحَادِثَ فِيهِ لَمْ يُنَجِّسْهُ، وَلَمْ يُغَيِّرْهُ، فَلَمْ تَزُلْ طَهُورِيَّتُهُ، كَمَا لَوْ غَسَلَ بِهِ ثَوْبًا طَاهِرًا.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، لِأَنَّهُ أَزَالَ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا رُفِعَ بِهِ الْحَدَثُ» اهـ.
قلت: الصحيح في غسالة النجاسة النظر فيها إلى التغير وعدمه مطلقاً فإن كانت متغيرة فهي نجسة وإلَّا فطاهرة.
٥ - استدل به بعض الشافعية على أنَّ العصر في الثوب المغسول من النجاسة لا يجب.
قلت: وهذا استدلال غير صحيح وقياس مع الفارق وذلك أنَّ الثوب ينعصر بالعصر بخلاف الأرض.
٦ - استدل به من ذهب إلى أنَّ الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء لا تطهر. وهذا القول غير صحيح لأنَّ ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلى تطهير المسجد وتركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب.
ومما يدل على أنَّ نجاسة البول تطهر بغير الماء ما رواه البخاري (١٧٤) عن ابن عمر ﵄ قال: «كَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٠٩): «وكذلك أمره بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي - مع ما فيه من اختلاط الماء بالبول وسريان ذلك لكن قصد به تعجيل التطهير - لا لأنَّ النجاسة
стр. 446
لا تزول بغير ذلك؛ بل الشمس والريح والاستحالة تزيل النجاسة أعظم من هذا؛ ولهذا كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك» اهـ.
وقال ﵀ (٢١/ ٥١٠):
«فإنَّ العلماء اختلفوا في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة هل تطهر الأرض على قولين: أحدهما: تطهر وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد وهو الصحيح في الدليل. فإنَّه ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله ﷺ ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك"» اهـ.
٧ - فيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع لأنَّ الأعرابي حين فرغ أمر بصب الماء.
٨ - فيه دليل على وجوب صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات.
٩ - وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف.
تنبيه: جاء في بعض أحاديث بول الأعرابي قوله: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا». وقد وهم كثير من الوعاظ حيث يجعلون قول الأعرابي بعد رفق النبي ﷺ به وأنَّه لتأثره برفق رسول الله ﷺ ونفوره عن شدة غيره قال ذلك، وهذا خطأ بيِّن في رواية الحديث، وذلك أنَّ الحديث رواه أحمد (٧٢٥٤)، وأبو داود (٣٨٠) من طريق سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى
стр. 447
الله عليه وسلم- جَالِسٌ فَصَلَّى - قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا.
فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا». ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِى نَاحِيةِ الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَنَهَاهُمُ النَّبِىُّ ﷺ وَقَالَ:
«إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ». أَوْ قَالَ:
«ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ».
قلت: هذا حديث صحيح.
ورواه ابن ماجه (٥٢٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. به.
وأصله في البخاري (٦٠١٠) حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهْوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِلأَعْرَابِيِّ: "لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا" يُرِيدُ رَحْمَةَ اللهِ». وليس عنده ذكر بول الأعرابي.
وروى قصة البول في موضع آخر (٢٢٠، ٦١٢٨) ففرَّق ألفاظ الحديث.
стр. 448
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ».
قوله: «الْفِطْرَةُ»، فسرها الأكثر بالسنة، وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود بأحكام المولود] ص (١٦٠ - ١٦١) -عند كلامه على الفطرة-: «هي الحنيفية ملة إبراهيم وهذه الخصال أمر بها إبراهيم وهي من الكلمات التي ابتلاه ربه بهن كما ذكر عبد الرزاق عن معمر عن طاووس عن أبيه عن ابن عباس في هذه الآية قال: ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد.
خمس في الرأس: قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس.
وفي الجسد: تقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه، وفطرة عملية وهي هذه الخصال.
فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب والثانية تطهر البدن» اهـ.
وقال الحافظ العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ٢٨): «في مناسبة تسمية هذه الخصال فطرة قال صاحب "المفهم" في هذه الخصال مما فطره على
стр. 449
حسن الهيئة، والنظافة وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخلقة التي خلق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوه الإنسان ويقبحه بحيث يستقذر ويجتنب فيخرج عمَّا تقتضيه الفطرة الأولى فسميت هذه الخصال فطرة لهذا المعنى والله أعلم» اهـ.
وقوله: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ» المراد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخمس. وإلَّا فإنَّ أمور الفطرة أكثر من ذلك، وقد جاء في مسلم (٦٠٣) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ». قَالَ زَكَرِيَّاءُ قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ.
زَادَ قُتَيْبَةُ قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ.
قوله: «الْخِتَانُ» مصدر ختن أي قطع وهي قطع الجلدة التي تغطي الحشفة في الذكر لكي لا يجتمع فيها النجاسة. وفي المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج كعرف الديك من أجل تعديل الشهوة، وهذه الجلدة شبيهة بقلفة القضيب التي تقطع في حق الذكر، وتكون بين البظر ومخرج البول، والبظر للمرأة كالقضيب للذكر ولكل منهما قلفتان في أعلى مخرج البول لكن قلفة الرجل تزال بالكلية، وقلفة المرأة يقطع أدنى شيء منها.
قال العلامة ابن نجيم المصري الحنفي ﵀ في [البحر الرائق] (١/ ٦١):
стр. 450
«وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ مَوْضِعُ قَطْعِ جِلْدَةٍ مِنْهَا كَعُرْفِ الدِّيكِ فَوْقَ الْفَرْجِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَدْخَلَ الذَّكَرِ هُوَ مَخْرَجُ الْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ وَالْحَيْضِ وَفَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ مَخْرَجُ الْبَوْلِ كَإِحْلِيلِ الرَّجُلِ وَبَيْنَهُمَا جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقْطَعُ مِنْهَا فِي الْخِتَانِ فَحَصَلَ أَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ مُتَسَفِّلٌ تَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَتَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَدْخَلُ الذَّكَرِ» اهـ.
قلت: والختان اسم للمحل وهي الجلدة التي تبقى بعد القطع واسم للفعل وهو فعل الخاتن.
قوله: «وَالاسْتِحْدَادُ» قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٤): «وأمَّا الاستحداد فهو حلق العانة سمى استحداداً لاستعمال الحديدة وهي الموسى وهو سنة، والمراد به نظافة ذلك الموضع، والأفضل فيه الحلق ويجوز بالقص والنتف والنورة. والمراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذاك الشعر الذي حوالي فرج المرأة. ونقل عن أبي العباس بن سريج أنَّه الشعر النابت حول حلقة الدبر فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٣٨):
«وَأَمَّا الِاسْتِحْدَادُ فَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيدِ فِي إِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَلَوْ قَصَّهُ أَوْ نَتَفَهُ أَوْ تَنَوَّرَ جَازَ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، وَالْأَفْضَلُ فِي الْإِبِطِ أَنْ يَنْتِفَهُ وَلَوْ حَلَقَهُ أَوْ قَصَّهُ أَوْ نَوَّرَهُ جَازَ أَيْضًا، وَلَوْ نَوَّرَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ شِعْرِ السَّاقَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ جَازَ أَيْضًا، نَصَّ عَلَيْهِ» اهـ.
قوله: «وَقَصُّ الشَّارِبِ» أي قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال.
стр. 451
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١٠/ ٣٩١): «وأمَّا الشارب فهو الشعر النابت على الشفة العليا واختلف في جانبيه وهما السبالان فقيل هما من الشارب ويشرع قصهما معه وقيل هما من جملة شعر اللحية» اهـ.
قلت: وسيأتي بيان ذلك.
قوله: «وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ» التقليم تفعيل من القلم وهو القطع. ومنه تقليم الأشجار، وهو قطع أطرافها، والأظفار جَمْعُ ظُفُرٍ بِضَمِّ الظَّاءِ وَالْفَاءِ وَبِسُكُونِهَا.
وفي الحديث مسائل منها:
١ - الترغيب في الختان. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [فتح الباري] (١٠/ ٣٨٤): «وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يتغشى به شيء من الحشفة. وقال إمام الحرمين: المستحق في الرجال قطع القلفة وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء متدل.
وقال ابن الصباغ حتى تنكشف جميع الحشفة. وقال ابن كج- فيما نقله الرافعي- يتأدى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها. قال النووي: وهو شاذ والأول هو المعتمد» اهـ.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود] ص (١٩٠ - ١٩٣):
«الفصل الثامن في بيان القدر الذي يؤخذ من الختان.
قال أبو البركات في كتابه "الغاية": ويؤخذ في ختان الرجل جلدة الحشفة وإن اقتصر على أخذ أكثرها جاز ويستحب لخافضة الجارية أن لا تحيف نص عليه.
стр. 452
وحكي عن عمر أنَّه قال للخاتنة: أبقي منه إذا خفضت. وقال الخلال في "جامعه": ذكر ما يقطع في الختان أخبرني محمد بن الحسين أنَّ الفضل بن زياد حدثهم قال سئل أحمد كم يقطع في الختانة؟ قال: حتى تبدو الحشفة.
وأخبرني عبد الملك الميموني قال: قلت: يا أبا عبد الله مسألة سئلت عنها ختَّان ختن صبياً فلم يستقص؟ فقال: إذا كان الختان قد جاز نصف الحشفة إلى فوق فلا يعتد به لأنَّ الحشفة تغلظ وكلما غلظت هي ارتفعت الختانة. ثم قال لي: إذا كانت دون النصف أخاف. قلت له: فإنَّ الإعادة عليه شديدة جداً ولعله قد يخاف عليه الإعادة. قال لي: إيش يخاف عليه ورأيت سهولة الإعادة إذا كانت الختانة في أقل من نصف الحشفة إلى أسفل. وسمعته يقول: هذا شيء لا بد أن تتيسر فيه الختانة.
وقال ابن الصباغ في "الشامل": الواجب على الرجل أن يقطع الجلدة التي على الحشفة حتى تنكشف جميعها، وأمَّا المرأة فلها عذرتان إحداهما بكارتها والأخرى هي التي يجب قطعها وهي كعرف الديك في أعلى الفرج بين الشفرين وإذا قطعت يبقى أصلها كالنواة.
وقال الجويني في "نهايته": المستحق في الرجال قطع القلفة وهي الجلدة التي تغشى الحشفة والغرض أن تبرز ولو فرض مقدار منه على الكَمَرَة لا ينبسط على سطح الحشفة فيجب قطعه حتى لا تبقى الجلدة متدلية.
وقال ابن كج: عندي يكفي قطع شيء من القلفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها. وقال الجويني: القدر المستحق من النساء ما ينطلق عليه
стр. 453
الاسم قال في الحديث ما يدل على الأمر بالإقلال قال: "أشمي ولا تنكهي" أي اتركي الموضع أشم والأشم المرتفع.
وقال الماوردي: والسنة أن يستوعب القلفة التي تغشى الحشفة بالقطع من أصلها وأقل ما يجزئ فيه أن لا يتغشى بها شيء من الحشفة، وأمَّا خفض المرأة فهو قطع جلدة في الفرج فوق مدخل الذكر ومخرج البول على أصل كالنواة ويؤخذ منه الجلدة المستعلية دون أصلها وقد بان بهذا أن القطع في الختان ثلاثة أقسام سنة وواجب وغير مجزئ على ما تقدم والله أعلم» اهـ.
قلت: ويستحب الختان أيضاً للنساء، وقد جاءت في ذلك أحاديث.
روى أبو داود (٥٢٧٣) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِىُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الأَشْجَعِىُّ قَالَا حَدَّثَنَا مَرْوَانُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ - قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْكُوفِىُّ - عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ : «لَا تُنْهِكِى فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رُوِىَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَعْنَاهُ وَإِسْنَادِهِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِىِّ وَقَدْ رُوِىَ مُرْسَلاً.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ مَجْهُولٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ اهـ.
ورواه الحاكم (٦٢٣٦) من طريق هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ،
стр. 454
قَالَ: كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةٌ تَخْفِضُ النِّسَاءَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ عَطِيَّةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اخْفِضِي وَلَا تَنْهَكِي، فَإِنَّهُ أَنْضَرُ لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ».
وفي [الجرح والتعديل] لابن أبي حاتم (٦/ ٣٦١): «العلاء بن هلال الرقى روى عن عبيد الله بن عمرو الرقى روى عنه عمرو بن محمد الناقد "أحاديث موضوعة"، قال أبو محمد: روى عنه ابنه هلال بن العلاء وروى هو عن أبيه هلال بن عمرو. سألته عنه فقال: منكر الحديث» اهـ.
قال الحافظ الذهبي في [ميزان الاعتدال] (٤/ ٣١٦) -في ترجمة هلال-:
«وقد روى أحاديث منكرة عن أبيه، فلا أدرى الريب منه أو من أبيه» اهـ.
وروى البيهقي في [السنن الكبرى] (٨/ ٣٢٤)، والطبراني في [الأوسط] (٢٢٥٣)، و [الصغير] (١٢٢)، والدولابي في [الكنى] (١٨٢١) من طريق زائدة بن أبى الرقاد ثنا ثابت عن أنس عن النبي ﷺ : «إِذَا خَفَضْتِ فَأَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي، فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ». قال أبو أحمد-أي ابن عدي-: هذا يرويه عن ثابت زائدة بن أبى الرقاد لا أعلم يرويه عنه غيره اهـ.
قلت: وزائدة هذا قال فيه الإمام البخاري والنسائي: «منكر الحديث».
وروى ابن عدي في [الكامل] (٣/ ٣٠): حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ عَلِيٍّ هَاشِمٌ الْخَفَّافُ بحلب، حَدَّثَنا عُبَيد بن هشام، حَدَّثَنا خَالِدُ بْنُ عَمْرو الْقُرَشِيُّ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ أَبِيهِ أَنّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﷺ قَال: «يَا مَعْشَرَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِيِّ اخْتَضِبْنَ غمشا وَاخْتَفِضْنَ، ولَا تُنْهِكْنَ فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ».
стр. 455
قال الحافظ ابن عدي ﵀ (٣٣): «وخالد بن عمرو هذا له غير ما ذكرت من الحديث عن من يحدث عنهم وكلها أو عامتها موضوعة» اهـ.
قلت: خالد بن عمرو القرشي كذبه ابن معين.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في [التلخيص الحبير] (٤/ ٢٢٥): «ورواه البزار من حديث نافع، كلاهما عن عبد الله بن عمر رفعه: "يا نساء الأنصار اختضبن غمساً، واخفضن، ولا تنهكن؛ فإنَّه أخطى عند أزواجكن، وإياكن وكفران النعم"، لفظ البزار، وفي إسناده مندل بن علي، وهو ضعيف» اهـ.
وروى الإمام أحمد في [مسنده] (٢٠٧٣٨) حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ يَعْنِي ابْنَ الْعَوَّامِ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ، مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ».
قلت: وفي إسناده حجاج بن أرطأة وهو ضعيف.
ورواه ابن أبي شيبة في [مصنفه] (٢٦٤٦٨) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ».
قلت: وفيه الحجاج بن أرطأة، ورجل مبهم.
وروى الطبراني في [المعجم الكبير] (١١٥٩٠) حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا ابْنُ ثَوْبَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَمَكْرَمَةٌ لِلنِّسَاءِ».
стр. 456
قلت: رواه الحافظ البيهقي في [السنن الكبرى] (٨/ ٣٢٥): من طريق عبدان، وقال بعد روايته لها:
«هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، وَالْمَحْفُوظُ مَوْقُوفٌ - (أَخْبَرَنَاهُ) هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ، أنبأ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْقَطَّانُ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُجَشِّرٍ، ثنا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ "» اهـ.
قلت: الموقوف رواه أيضاً الطبراني في [المعجم الكبير] (١٢٨٢٨)، وفي [مسند الشاميين] من طريق وكيع به.
قلت: ومما يحتج به على ختان النساء ما رواه مسلم (٧٨٣) من حديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ».
وهو في البخاري (٢٩١) بلفظ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ».
وهذا أصح حديث في الباب.
قلت: وقد اختلف العلماء في وجوب الختان واستحبابه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤):
«وَأَمَّا الْخِتَانُ فَوَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ فِي الْمَنْصُوصِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَالْخِتَانُ مِنْ مِلَّتِهِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ
стр. 457
ثَمَانُونَ سَنَةً وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: ضَمَّنَ مِلَّتَهُ سَائِرَ خِصَالِ الْفِطْرَةِ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ، قُلْنَا: إِزَالَةُ الشُّعُورِ وَالْأَظْفَارِ الْقَصْدُ بِهَا إِزَالَةُ مَا يَجْتَمِعُ بِسَبَبِهَا مِنَ الْعَرَقِ وَالْوَسَخِ وَالدَّرَنِ، وَإِزَالَةُ الْأَوْسَاخِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَكَذَلِكَ مَا قُصِدَتْ بِهِ.
وَأَمَّا قُلْفَةُ الذَّكَرِ فَالْمَقْصُودُ بِقَطْعِهَا التَّطْهِيرُ مِنَ النَّجَاسَةِ الَّتِي تَحْتَقِنُ فِيهَا، وَنَجَاسَةُ الْبَوْلِ تَجِبُ إِزَالَتُهَا وَعَامَّةُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهَا، فَلِذَلِكَ وَجَبَ إِزَالَةُ مَا يُوجِبُ احْتِقَانَهَا وَاجْتِمَاعَهَا، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْطُوعَ هُنَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَكَذَلِكَ يُحْشَرُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرْلًا، فَلَوْلَا أَنَّ إِزَالَتَهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ لَمَا تَكَلَّفَ قَطْعَهُ بِخِلَافِ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ؛ وَلِأَنَّ الْبَوْلَ الْمُحْتَقِنَ فِي الْقُلْفَةِ نَجَاسَةٌ شُرِعَ زَوَالُهَا، فَكَانَ وَاجِبًا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ» اهـ.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود] ص (١٦٢): «اختلف الفقهاء فقال الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد هو واجب. وشدد فيه مالك حتى قال من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته. ونقل كثير من الفقهاء عن مالك أنَّه سنة حتى قال القاضي عياض: الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة ولكن السنة عندهم يأثم بتركها فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض وبين الندب وإلاَّ فقد صرح مالك بأنَّه لا تقبل شهادة الأقلف ولا تجوز إمامته. وقال الحسن البصري وأبو حنيفة لا يجب بل هو سنة وكذلك قال ابن أبي موسى من أصحاب أحمد هو سنة مؤكدة
ونص أحمد في رواية أنَّه لا يجب على النساء» اهـ.
стр. 458
قلت: والصحيح في ذلك وجوب الختان على الرجال دون النساء، وذلك لعدة أوجه منها:
الأول: أنَّ الختان من أظهر الشعائر التي يفرق بها بين المسلم والنصراني والمجوسي.
الثاني: أنَّ فيه كشف العورات في شأن من اختتن كبيراً، والعورة لا تكشف إلَّا لضرورة أو تداوي، فلو لم يجب الختان لما جاز كشف العورة من أجل تحصيل مستحب.
الثالث: أنَّ في الختان إيلام للصبي وتعريضه للتلف فلو لم يكن واجباً لما جاز ذلك.
الرابع: أنَّ الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته فإنَّ القلفة تستر الذكر كله فيصيبها البول ولا يمكن الاستجمار لها، فتبين من هذا أنَّ فصحة الطهارة والصلاة موقوفة على الختان.
قلت: فكل هذه الأوجه تقضي بوجوب الختان، وهذه الوجوه لا وجود لها في ختان المرأة فيبقى على الاستحباب. والله أعلم.
فإن قيل: ختان المرأة فيه كشف للعورة كختان الرجل، وفيه أيضاً إيلام فلما لم يجب كما وجب ختان الرجل.
فالجواب: أنَّه لم ينقل أنَّ النساء كنَّ يختن إذا أدركنَّ كما جاء هذا في الرجال، فلعل ختانهنَّ كان في الصغر قبل التمييز.
وأمَّا ما يتعلق بالإيلام فهو شيء يسير أشبه ما يكون بإيلام الجارية عند ثقب أذنها، وأمَّا ختان الغلمان فإيلامه شديد. والله أعلم.
стр. 459
ووقت وجوبه عند البلوغ لأنَّه وقت وجوب العبادات عليه ولا يجب قبل ذلك.
وقد روي البخاري (٦٢٩٩) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: «أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ قَالَ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ».
قلت: ومعنى يدرك أي يبلغ الحلم. والمراد به هنا مقاربة البلوغ. وقد كان عمر ابن عباس ﵁ عند وفاة النبي ﷺ ثلاثة عشرة سنة.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [تحفة المودود] ص (١٨٢): «وعندي أنَّه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختوناً فإنَّ ذلك لا يتم الواجب إلاَّ به وأمَّا قول ابن عباس: كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. أي حتى يقارب البلوغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (٢) [الطلاق: ٢]، وبعد بلوغ الأجل لا يتأتى الإمساك. وقد صرح ابن عباس أنَّه كان يوم موت النبي مختوناً وأخبر في حجة الوداع التي عاش بعدها رسول الله بضعة وثمانين يوماً أنَّه كان قد ناهز الاحتلام. وقد أمر النبي الآباء أن يأمروا أولادهم بالصلاة لسبع وأن يضربوهم على تركها لعشر فكيف يسوغ لهم ترك ختانهم حتى يجاوزوا البلوغ والله أعلم» اهـ.
قلت: ويشرع قبل ذلك.
قال العلامة ابن القيم ﵀ في [زاد المعاد] (٢/ ٣٠٤): «فأمَّا الختان فقال ابن عباس: كانوا لا يختنون الغلام حتى يدرك. قال الميموني: سمعت أحمد يقول: كان الحسن يكره أن يختن الصبي يوم سابعه. وقال حنبل: إنَّ أبا عبد الله
стр. 460
قال: وإن ختن يوم السابع فلا بأس وإنَّما كره الحسن ذلك لئلا يتشبه باليهود وليس في هذا شيء. قال مكحول: ختن إبراهيم ابنه إسحاق لسبعة أيام وختن إسماعيل لثلاث عشرة سنة ذكره الخلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فصار ختان إسحاق سنة في ولده وختان إسماعيل سنة في ولده» اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح عمدة الفقه] (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦):
«وَإِنَّمَا يَجِبُ الْخِتَانُ إِذَا وَجَبَتِ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا شُرِّعَ لِذَلِكَ، وَالْخِتَانُ قَبْلَ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْدِهِ فِي الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطُهْرَةٌ فَتَقْدِيمُهَا أَحْرَزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا مِنْ مَسِّ الْعَوْرَةِ وَنَظَرِهَا، فَإِنَّ عَوْرَةَ الصَّغِيرِ لَا حُكْمَ لَهَا؛ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ مَسُّهَا وَتَقْبِيلُهَا كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ زَبِيبَةَ الْحَسَنِ.
وَقِيلَ: التَّأْخِيرُ إِلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ أَوْلَى؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: "أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ، قَالَ: وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ". يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَتَّى يُقَارِبَ الْإِدْرَاكَ مِثْلَ تَرَاهَقَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ " تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ مَخْتُونٌ ".
وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تَخْتَتِنَ الْجَارِيَةُ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ، وَلَا يُكْرَهُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَبْلَهَا فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ، فَكُرِهَ التَّشَبُّهُ بِهِمْ، وَالْأُخْرَى: لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ فَاطِمَةَ كَانْتَ " تَخْتِنُ
следующие страницы →