Полный текст (8 095 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
يجري". ومراده من هذا اللفظ العام: أربعمائة رطل بالعراقي، أو خمسمائة، مع ما يتضمنه التجويز من الفساد العام، وإفساد موارد الناس، ومياههم عليهم، وكذلك حمله على ما لا يمكن نزحه، أو ما لا يتحرك أحد طرفيه بحركة طرفه الآخر، وكل هذا خلاف مدلول الحديث، وخلاف ما عليه الناس، وأهل العلم قاطبة، فإنَّهم ينهون عن البول في هذه المياه، وإن كان مجرد البول لا ينجسها سداً للذريعة.
فإنَّه إذا مكن الناس من البول في هذه المياه، وإن كانت كبيرة عظيمة لم تلبث أن تتغير وتفسد على الناس، كما رأينا من تغير الأنهار الجارية بكثرة الأبوال.
وهذا كما نهى عن إفساد ظلالهم عليهم بالتخلي فيها، وإفساد طرقاتهم بذلك.
فالتعليل بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه، ومقصوده، وحكمته بنهيه، ومراعاته مصالح العباد، وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم، وطرقاتهم، وظلالهم، كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجن من طعامهم، وعلف دوابهم.
فهذه علة معقولة تشهد لها العقول والفطر، ويدل عليها تصرف الشرع في موارده، ومصادره، ويقبلها كل عقل سليم ويشهد لها بالصحة.
وأمَّا تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقي، أو بما يتحرك، أو لا يتحرك، أو بعشرين ذراعاً مكسرة، أو بما لا يمكن نزحه، فأقوال كل منها بكل معارض، وكل بكل مناقض، لا يشم منها رائحة الحكمة، ولا يشام منها بوارق المصلحة، ولا تعطل بها المفسدة المخوفة.
стр. 72
فإنَّ الرجل إذا علم أنَّ النهي إنَّما تناول هذا المقدار من الماء لم يبق عنده وازع، ولا زاجر عن البول فيما هو أكثر منه، وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال.
وكل شرط، أو علة، أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال.
ومما يدل على هذا أنَّ النبي ﷺ ذكر في النهي وصفاً يدل على أنَّه هو المعتبر في النهي، وهو كون الماء دائماً لا يجري، ولم يقتصر على قوله: "الدائم"، حتى نبَّه على العلة بقوله: "لا يجري" فتقف النجاسة فيه فلا يذهب بها.
ومعلوم أنَّ هذه العلة موجودة في القلتين وفيما زاد عليهما.
والعجب من مناقضة المحددين بالقلتين لهذا المعنى، حيث اعتبروا القلتين حتى في الجاري، وقالوا: إن كانت الجرية قلتين فصاعداً لم يتأثر بالنجاسة، وإن كانت دون القلتين تأثرت، وألغوا كون الماء جارياً، أو واقفاً، وهو الوصف الذي اعتبره الشارع، واعتبروا في الجاري والواقف القلتين، والشارع لم يعتبره، بل اعتبر الوقوف والجريان.
فإن قيل: فإذا لم تخصصوا الحديث، ولم تقيدوه بماء دون ماء لزمكم المحال، وهو أن ينهى عن البول في البحر لأنَّه دائم لا يجري.
قيل: ذكره الماء الدائم الذي لا يجري تنبيه على أنَّ حكمة النهي إنَّما هي ما يخشى من إفساد مياه الناس عليهم، وأنَّ النهي إنَّما تعلق بالمياه الدائمة التي من شأنها أن تفسدها الأبوال، فأمَّا الأنهار العظام، والبحار، فلم يدل نهي النبي عليها بوجه، بل لما دل كلامه بمفهومه على جواز البول في الأنهار العظام كالنيل،
стр. 73
والفرات، فجواز البول في البحار أولى، وأحرى، ولو قدر أنَّ هذا تخصيص لعموم كلامه فلا يستريب عاقل أنَّه أولى من تخصيصه بالقلتين، أو ما لا يمكن نزحه، أو ما لا يمكن تبلغ الحركة طرفيه، لأنَّ المفسدة المنهي عن البول لأجلها لا تزول في هذه المياه بخلاف ماء البحر فإنَّه لا مفسدة في البول فيه،
وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلي في الظل، وبوله في ظل الشجرتين، واستتاره بجذم الحائط، فإنَّه نهى عن التخلي في الظل النافع، وتخلى مستتراً بالشجرتين، والحائط حيث لم ينتفع أحد بظلهما، فلم يفسد ذلك الظل على أحد.
وبهذا الطريق يعلم: أنَّه إذا كان قد نهى عن البول في الماء الدائم مع أنَّه قد يحتاج إليه، فلأن ينهي عن البول في إناء ثم يصبه فيه بطريق الأولى، ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة، وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم، ودع الظاهرية البحتة، فإنَّها تقسي القلوب، وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة، وبهجتها، وما أودعته من الحكم، والمصالح، والعدل، والرحمة.
وهذه الطريق التي جاءتك عفواً تنظر إليها نظر متكئ على أريكته قد تقطعت في مفاوزها أعناق المطي، لا يسلكها في العالم إلاَّ الفرد بعد الفرد، ولا يعرف مقدارها من أفرحت قلبه الأقوال المختلفة، والاحتمالات المتعددة، والتقديرات المستبعدة.
فإن علت همته جعل مذهبه عرضة للأحاديث النبوية، وخدمه بها، وجعله أصلاً محكماً يرد إليه متشابهها، فما وافقه منها قبله، وما خالفه تكلف له وجوها بالرد غير الجميل، فما أتعبه من شقي، وما أقل فائدته. ومما يفسد قول المحددين
стр. 74
بقلتين: أنَّ النبي ﷺ نهي عن البول في الماء الدائم، ثم يغتسل البائل فيه بعد البول.
هكذا لفظ الصحيحين: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه"، وأنتم تجوزون أن يغتسل في ماء دائم قدر القلتين بعد ما بال فيه، وهذا خلاف صريح للحديث، فإن منعتم الغسل فيه نقضتم أصلكم، وإن جوزتموه خالفتم الحديث.
فإن جوَّزتم البول، والغسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعاً.
ولا يقال فهذا بعينه وارد عليكم، لأنَّه إذا بال في الماء اليسير، ولم يتغير جوَّزتم له الغسل فيه، لأنَّا لم نعلل النهي بالتنجيس، وإنَّما عللناه بإفضائه إلى التنجيس كما تقدم، فلا يرد علينا هذا.
وأمَّا إذا كان الماء كثيراً فبال في ناحية، ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يصل إليها البول، فلا يدخل في الحديث، لأنَّه لم يغتسل في الماء الذي بال فيه، وإلاَّ لزم إذا بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبداً، وهو فاسد.
وأيضاً فالنبي ﷺ نهى عن الغسل فيه بعد البول لما يفضي إليه من إصابة البول له.
قلت: ونظير هذا نهيه أن يبول الرجل في مستحمه، وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول، فيقع في الوسواس، كما في الحديث: "فإنَّ عامة الوسواس منه"، حتى لو كان المكان مبلطاً لا يستقر فيه البول، بل يذهب مع الماء لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء.
стр. 75
ونظير هذا: منع البائل أن يستجمر، أو يستنجي في موضع بوله، لما يفضي إليه من التلوث بالبول.
ولم يرد النبي ﷺ بنهيه الإخبار عن نجاسة الماء الدائم بالبول، فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة تتناول ما لم ينه عنه.
والذي يدل على ذلك أنَّه قيل له في بئر بضاعة: أنتوضأ منها، وهي بئر يطرح فيها الحيض، ولحوم الكلاب، وعذر الناس، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء".
فهذا نص صحيح صريح على أنَّ الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة، مع كونه واقفاً، فإنَّ بئر بضاعة كانت واقفة، ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جار أصلاً، فلا يجوز تحريم ما أباحه، وفعله قياساً على ما نهى عنه، ويعارض أحدهما بالآخر، بل يستعمل هذا، وهذا في موضعه، وهذا في موضعه، ولا تضرب سنة رسول الله ﷺ بعضها ببعض.
فوضوؤه من بئر بضاعة وحالها ما ذكروه له دليل على أنَّ الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير،
ونهيه عن الغسل في الماء الدائم بعد البول فيه لما ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه بالبول، كما ذكرنا عنه التعليل بنظيره فاستعملنا السنن على وجوهها.
وهذا أولى من حمل حديث بئر بضاعة على أنَّه كان أكثر من قلتين لأنَّ النبي ﷺ لم يعلل بذلك، ولا أشار إليه ولا دل كلامه عليه بوجه، وإنَّما علل بطهورية الماء، وهذه علة مطردة في كل ماء قل، أو كثر، ولا يرد المتغير، لأنَّ
стр. 76
ظهور النجاسة فيه يدل على تنجسه بها، فلا يدخل في الحديث، على أنه محل وفاق فلا يناقض به.
وأيضاً: فلو أراد النهي عن استعمال الماء الدائم اليسير إذا وقعت فيه أي نجاسة كانت، لأتى بلفظ يدل عليه.
ونهيه عن الغسل فيه بعد البول لا يدل على مقدار، ولا تنجيس، فلا يحمَّل ما لا يحتمله.
ثم إنَّ كل من قدر الماء المتنجس بقدر خالف ظاهر الحديث، فأصحاب الحركة خالفوه بأن قدروه بما لا يتحرك طرفاه، وأصحاب النزح خصوه بما لا يمكن نزحه، وأصحاب القلتين خصوه بمقدار القلتين، وأسعد الناس بالحديث من حمله على ظاهره، ولم يخصه، ولم يقيده بل إن كان تواتر الأبوال فيه يفضي إلى إفساده منع من جوازها، وإلاَّ منع من اغتساله في موضع بوله، كالبحر، ولم يمنع من بوله في مكان واغتساله في غيره.
وكل من استدل بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم لوقوع النجاسة فيه فقد ترك من ظاهر الحديث ما هو أبين دلالة مما قال به، وقال بشيء لا يدل عليه لفظ الحديث.
لأنَّه إن عمم النهي في كل ماء بطل استدلاله بالحديث، وإن خصه بقدر خالف ظاهره، وقال ما لا دليل عليه، ولزمه أن يجوز البول فيما عدا ذلك القدر وهذا لا يقوله أحد.
فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث على التنجيس بمجرد الملاقاة على كل تقدير.
стр. 77
وأما من قدره بالحركة فيدل على بطلان قوله: أنَّ الحركة مختلفة اختلافاً لا ينضبط، والبول قد يكون قليلاً، وقد يكون كثيراً، ووصول النجاسة إلى الماء أمر حسي، وليس تقديره بحركة الطهارة الصغرى، أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركات، فيا لله العجب حركة الطهارة ميزان ومعيار على وصول النجاسة وسريانها مع شدة اختلافها، ونحن نعلم بالضرورة أنَّ حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه القطرة من البول، ونعلم أنَّ البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة، وما كان هكذا لم يجز أن يجعل حداً فاصلاً بين الحلال والحرام.
والذين قدروه بالنزح أيضاً قولهم باطل، فإنَّ العسكر العظيم يمكنهم نزح ما لا يمكن الجماعة القليلة نزحه.
وأما حديث ولوغ الكلب فقالوا: لا يمكنكم أن تحتجوا به علينا فإنَّه ما منكم إلَّا من خالفه، أو قيده، أو خصصه، فخالف ظاهره فإن احتج به علينا من لا يوجب التسبيع ولا التراب كان احتجاجه باطلاً،
فإنَّ الحديث إن كان حجة له في التنجيس بالملاقاة فهو حجة عليه في العدد والتراب.
فأمَّا أن يكون حجة له فيما وافق مذهبه، ولا يكون حجة عليه فيما خالفه فكلا.
ثم هم يخصونه بالماء الذي لا تبلغ الحركة طرفيه، وأين في الحديث ما يدل على هذا التخصيص، ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر، وهو أنَّه إذا كان الماء رقيقاً جداً وهو منبسط انبساطاً لا تبلغه الحركة أن يكون طاهراً، ولا يؤثر الولوغ فيه،
стр. 78
وإذا كان عميقاً جداً وهو متضايق بحيث تبلغ الحركة طرفيه أن يكون نجساً ولو كان أضعاف أضعاف الأول، وهذا تناقض بين لا محيد عنه.
قالوا: وإن احتج به من يقول بالقلتين، فإنَّه يخصصه بما دون القلتين، ويحمل الأمر بغسله، وإراقته على هذا المقدار، ومعلوم أنَّه ليس في اللفظ ما يشعر بهذا بوجه، ولا يدل عليه بواحدة من الدلالات الثلاث،
وإذا كان لا بد لهم من تقييد الحديث، وتخصيصه، ومخالفة ظاهره كان أسعد الناس به من حمله على الولوغ المعتاد في الآنية المعتادة التي يمكن إراقتها وهو ولوغ متتابع في آنية صغار يتحلل من الكلب في كل مرة ريق ولعاب نجس يخالط الماء، ولا يخالف لونه لونه فيظهر فيه التغير، فتكون أعيان النجاسة قائمة بالماء، وإن لم تر فأمر بإراقته وغسل الإناء.
فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وألصق به، وليس في حمله عليه ما يخالف ظاهره، بل الظاهر أنَّه إنَّما أراد الآنية المعتادة التي تتخذ للاستعمال فيلغ فيها الكلاب، فإن كان حمله على هذا موافقة للظاهر فهو المقصود، وإن كان مخالفة للظاهر فلا ريب أنَّه أقل مخالفة من حمله على الأقوال المتقدمة، فيكون أولى على التقديرين.
قالوا: وأمَّا حديث النهي عن غمس اليد في الإناء عند القيام من نومه، فالاستدلال به أضعف من هذا كله، فإنَّه ليس في الحديث ما يدل على نجاسة الماء، وجمهور الأمة على طهارته، والقول بنجاسته من أشذ الشاذ، وكذا القول بصيرورته مستعملاً ضعيف أيضاً، وإن كان إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار
стр. 79
القاضي وأتباعه، واختيار أبي بكر، وأصحاب أحمد، فإنَّه ليس في الحديث دليل على فساد الماء.
وقد بينا أنَّ النهي عن البول فيه لا يدل على فساده بمجرد البول، فكيف يغمس اليد فيه بعد القيام من النوم، وقد اختلف في النهي عنه فقيل: تعبدي، ويرد هذا القول أنَّه معلل في الحديث بقوله: "فإنَّه لا يدري أين باتت يده"، وقيل: معلل باحتمال النجاسة كثرة في يديه، أو مباشرة اليد لمحل الاستجمار،
وهو ضعيف أيضاً، لأنَّ النهي عام للمستنجي، والمستجمر، والصحيح، وصاحب البثرات، فيلزمكم أن تخصوا النهي بالمستجمر، وصاحب البثور، وهذا لم يقله أحد.
وقيل: وهو الصحيح إنَّه معلل بخشية مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه، وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم، فإنَّه قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء فإنَّ الشيطان يبيت على خيشومه" متفق عليه.
وقال هنا: "فإنَّ أحدكم لا يدري أين باتت يده"، فعلل بعدم الدراية لمحل المبيت، وهذا السبب ثابت في مبيت الشيطان على الخيشوم، فإنَّ اليد إذا باتت ملابسة للشيطان، لم يدر صاحبها أين باتت، وفي مبيت الشيطان على الخيشوم، وملابسته لليد سر يعرفه من عرف أحكام الأرواح، واقتران الشياطين بالمحال التي تلابسها، فإنَّ الشيطان خبيث يناسبه الخبائث، فإذا نام العبد لم ير في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه فيستوطنه في المبيت، وأمَّا ملابسته ليده فلأنَّها أعم
стр. 80
الجوارح كسباً وتصرفاً ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية فصاحبها كثير التصرف، والعمل بها، ولهذا سميت جارحة لأنَّه يجترح بها أي يكسب، وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء، وهي كما ترى وضوحاً وبياناً، وحسبك شهادة النص لها بالاعتبار.
والمقصود أنَّه لا دليل لكم في الحديث بوجه ما والله أعلم.
وقد تبين بهذا جواب المقامين الثاني والثالث
فلنرجع إلى الجواب عن تمام الوجوه الخمسة عشر
فنقول: وأمَّا تقديمكم للمفهوم من حديث القلتين على القياس الجلي فمما يخالفكم فيه كثير من الفقهاء، والأصوليين، ويقولون القياس الجلي مقدم عليه، وإذا كانوا يقدمون القياس على العموم الذي هو حجة الاتفاق، فلأن يقدم على المفهوم المختلف في الاحتجاج به أولى.
ثم لو سلمنا تقديم المفهوم على القياس في صورة ما، فتقديم القياس ههنا متعين لقوته، ولتأيده بالعمومات، ولسلامته من التناقض الملازم لمن قدم المفهوم، كما سنذكره، ولموافقته لأدلة الشرع الدالة على عدم التحديد بالقلتين، فالمصير إليه أولى، ولو كان وحده، فكيف بما معه من الأدلة، وهل يعارض مفهوم واحد لهذه الأدلة من الكتاب، والسنة، والقياس الجلي، واستصحاب الحال، وعمل أكثر الأمة مع اضطراب أصل منطوقه، وعدم براءته من العلة، والشذوذ.
قالوا: وأمَّا دعواكم أنَّ المفهوم عام في جميع الصور المسكوت عنها، فدعوى لا دليل عليها، فإنَّ الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين التخصيص، والتعليل كما نقدم.
стр. 81
ومعلوم أنَّه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة لأنَّها دعوى مجردة، ولا لفظ معنا يدل عليها.
وإذا علم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كل فرد فرد من أفراد المسكوت، لجواز أن يكون فيه تفصيل، فينتفي عن بعضها، ويثبت لبعضها، ويجوز أن يكون ثابتاً لجميعها بشرط ليس في المنطوق، فتكون فائدة التخصيص به لدلالته على ثبوت الحكم له مطلقاً، وثبوته للمفهوم بشرط فيكون المنفي عنه الثبوت المطلق لا مطلق الثبوت، فمن أين جاء العموم للمفهوم وهو من عوارض الألفاظ، وعلى هذا عامة المفهومات.
فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ لا يدل المفهوم على أنَّ بمجرد نكاحها الزوج الثاني تحل له.
وكذا قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ لا يدل على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقاً.
وكذا قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ ونظائره أكثر من أن تحصى.
وكذلك إن سلكت طريقة التعليل لم يلزم العموم أيضاً، فإنَّه يلزم من انتفاء العلة انتفاء معلولها، ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقاً لجواز ثبوته بوصف آخر.
وإذا ثبت هذا فمنطوق حديث القلتين لا ننازعكم فيه، ومفهومه لا عموم له.
فبطل الاحتجاج به منطوقاً ومفهوماً.
وأمَّا قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد، والتقييد، كنصب الزكوات، فهذا باطل من وجوه:
стр. 82
أحدها: أنَّه لو كان هذا مقداراً فاصلاً بين الحلال، والحرام، والطاهر، والنجس لوجب على النبي ﷺ بيانه بياناً عاماً متتابعاً تعرفه الأمة، كما بين نصب الزكوات، وعدد الجلد في الحدود، ومقدار ما يستحقه الوارث، فإنَّ هذا أمر يعم الابتلاء به كل الأمة، فكيف لا يبينه حتى يتفق سؤال سائل له عن قضية جزئية فيجيبه بهذا، ويكون ذلك حداً عاماً للأمة كلها لا يسع أحداً جهله، ولا تتناقله الأمة، ولا يكون شائعاً بينهم، بل يحالون فيه على مفهوم ضعيف شأنه ما ذكرناه قد خالفته العمومات والأدلة الكثيرة، ولا يعرفه أهل بلدته، ولا أحد منهم يذهب إليه.
الثاني: أن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ (١١٥)﴾، وقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ (١١٩)﴾، فلو كان الماء الذي لم يتغير بالنجاسة منه ما هو حلال، ومنه ما هو حرام لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون، ولا كان قد فصل لهم ما حرم عليهم.
فإنَّ المنطوق من حديث القلتين لا دليل فيه، والمسكوت عنه كثير من أهل العلم يقولون: لا يدل على شيء، فلم يحصل لهم بيان، ولا فصل الحلال من الحرام.
والآخرون يقولون: لا بد من مخالفة المسكوت للمنطوق، ومعلوم أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكل فرد فرد من المسكوت عنه، فكيف يكون هذا حداً فاصلاً، فتبين أنه ليس في المنطوق، ولا في السكوت عنه فصل ولا حد.
стр. 83
الثالث: أنَّ القائلين بالمفهوم إنَّما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيص بالمنطوق، فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن المفهوم معتبراً، كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ (٣١)﴾ وذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه، إذ هو الحامل لهم على قتلهم لا لاختصاص الحكم به.
ونظيره: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً (١٣٠)﴾ ونظائره كثيرة.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر العلتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك، ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال.
نعم لو أنَّ النبي ﷺ قال هذا اللفظ ابتداءً من غير سؤال لاندفع هذا الاحتمال.
الرابع: أنَّ حاجة الأمة حضرها، وبدوها على اختلاف أصنافها إلى معرفة الفرق بين الطاهر والنجس ضرورية، فكيف يحالون في ذلك على ما لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته، فإنَّ الناس لا يكتالون الماء، ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين لا طولهما ولا عرضهما ولا عمقهما، فإذا وقعت في الماء نجاسة، فما يدريه أنه قلتان، وهل تكليف ذلك إلاَّ من باب علم الغيب، وتكليف ما لا يطاق، فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنَّه قلتان، قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية، فإنَّها مضبوطة لا يزاد عليها ولا ينقص منها، كعدد الجلدات، ونصب الزكوات، وعدد الركعات، وسائر الحدود الشرعية.
стр. 84
الخامس: أنَّ خواص العلماء إلى اليوم لم يستقر لهم قدم على قول واحد في القلتين، فمن قائل ألف رطل بالعراقي، ومن قائل ستمائة رطل، ومن قائل خمسمائة، ومن قائل أربعمائة.
وأعجب من هذا جعل هذا المقدار تحديداً، فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قدر القلتين، واضطربت أقوالهم في ذلك، فما الظن بسائر الأمة، ومعلوم أنَّ الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها
السادس: أنَّ المحددين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جداً.
منها أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب تنجس، وإذا بال فيه لم ينجسه، ومنها أنَّ الشعرة من الميتة إذا كانت نجسة، فوقعت في قلتين إلاَّ رطلاً مثلاً أن ينجس الماء، ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجسه، ومعلوم أن تأثر الماء بهذه النجاسة أضعاف تأثره بالشعرة، فمحال أن يجيء شرع بتنجس الأول، وطهارة الثاني.
وكذلك ميتة كاملة تقع في قلتين لا تنجسها، وشعرة منها تقع في قلتين إلاَّ نصف رطل، أو رطلاً فتنجسها إلى غير ذلك من اللوازم التي يدل بطلانها على بطلان ملزوماتها.
وأما جعلكم الشيء نصفاً ففي غاية الضعف فإنَّه شك من ابن جريج، فيا سبحان الله يكون شكله حداً لازماً للأمه، فاصلاً بين الحلال، والحرام، والنبي ﷺ قد بيَّن لأمته الدين، وتركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، فيمتنع أن يقدر لأمته حداً لا سبيل لهم إلى معرفة إلاَّ شك حادث بعد عصر الصحابة يجعل نصفاً احتياطاً، وهذا بيَّن لمن أنصف.
стр. 85
والشك الجاري الواقع من الأمة في طهورهم، وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع عنهم باليقين، فكيف يجعل شكهم حداً فاصلاً فارقاً بين الحلال، والحرام، ثم جعلكم هذا احتياطاً باطل، لأن الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك التكلف منها عملاً لآخر احتياطاً، وأمَّا الأحكام الشرعية، والإخبار عن الله ورسوله، فطريق الاحتياط فيها أن لا يخبر عنه إلاَّ بما أخبر به ولا يثبت إلا ما أثبته.
ثم إنَّ الاحتياط هو في ترك هذا الاحتياط، فإنَّ الرجل تحضره الصلاة، وعنده قلة ماء قد وقعت فيها شعرة ميتة، فتركه الوضوء منه مناف للاحتياط.
فهلا أخذتم بهذا الأصل هنا، وقلتم: ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعي نجسناه، وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة، لأنَّ هذا لما كان طاهراً قطعاً، وقد شككنا هل حكم رسول الله بتنجيسه، أم لا فالأصل الطهارة.
وأيضاً فأنتم لا تبيحون لمن شك في نجاسة الماء أن يعدل إلى التيمم بل توجبون عليه الوضوء، فكيف تحرمون عليه الوضوء هنا بالشك، وأيضاً فإنكم إذا نجستموه بالشك نجستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية، وحرمتم شربه، والطبخ به، وأرقتم الأطعمة المتخذة منه، وفي هذا تحريم لأنواع عظيمة من الحلال بمجرد الشك وهذا مناف لأصول الشريعة، والله أعلم» اهـ.
٤ - احتج به الإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه على التفريق بين بول الآدمي وعذرته المائعة، وبين سائر النجاسات، فذهب إلى نجاسة الماء إذا وقع فيه بول الآدمي، أو عذرته المائعة، ولو كان فوق القلتين، وأما غيره من النجاسات: فتعتبر فيه القلتان.
стр. 86
قلت: وقد سبق مناقشة هذا المذهب وغيره في كلام العلامة ابن القيم ﵀.
٥ - ذهبت الظاهرية إلى أنَّ الحكم مخصوص بالبول في الماء، حتى لو بال في كوز وصبه في الماء: لم يضر عندهم، أو لو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء: لم يضر عندهم أيضاً.
قال العلامة ابن دقيق العيد في [شرح العمدة] (١/ ٧٣): «الرابع: مما يعلم بطلانه قطعاً: ما ذهبت إليه الظاهرية الجامدة: من أن الحكم مخصوص بالبول في الماء، حتى لو بال في كوز، وصبه في الماء: لم يضر عندهم، أو لو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء: لم يضر عندهم أيضاً، والعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم، لاستواء الأمرين في الحصول في الماء، وأن المقصود: اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء وليس هذا من مجال الظنون بل هو مقطوع به».
قال العلامة النووي في [شرح مسلم] (٣/ ١٧٩): «قال أصحابنا، وغيرهم من العلماء: والتغوط في الماء كالبول فيه، وأقبح، وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، وكذا إذا بال بقرب النهر بحيث يجرى إليه البول، فكله مذموم قبيح منهي عنه، على التفصيل المذكور، ولم يخالف في هذا أحد من العلماء إلا ما حكي عن داود بن على الظاهري أن النهى مختص ببول الإنسان بنفسه، وأنَّ الغائط ليس كالبول، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء، وهذا الذي ذهب إليه خلاف إجماع العلماء، وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر والله أعلم».
стр. 87
قلت: كلام ابن حزم المشار إليه في كتابه [المحلى] (١/ ١٣٥ - ١٣٦) حيث قال ﵀: «فلو أحدث في الماء أو بال خارجاً منه، ثم جرى البول فيه فهو طاهر، يجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره، إلاّ أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئاً من أوصاف الماء فلا يجزئ حينئذ استعماله أصلاً لا له ولا لغيره» اهـ.
وهل الاستنجاء في الماء الراكد كالبول فيه؟
قال العلامة النووي في [شرح مسلم] (٣/ ١٧٩): «وأمَّا انغماس من لم يستنج في الماء ليستنجي فيه، فإن كان قليلاً بحيث ينجس بوقوع النجاسة فيه، فهو حرام لما فيه من تلطخه بالنجاسة، وتنجيس الماء، وإن كان كثيراً لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، فإن كان جارياً فلا بأس به وإن كان راكداً فليس بحرام، ولا تظهر كراهته، لأنَّه ليس في معنى البول، ولا يقاربه، ولو اجتنب الإنسان هذا كان أحسن والله أعلم».
وقال العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (١/ ٤٣٧) - معلقاً على كلام النووي هذا-: «فإن كان أراد الاستنجاء من البول فواضح، وإن أراد الاستنجاء من الغائط ففي عدم الكراهة نظر خصوصًا لمن لم يخففه بالحجر ومع الانتشار، والكثرة فربما كان أفحش من البول واللَّه أعلم».
قلت: الاستنجاء في الماء الدائم إذا حصل تتابع الناس على ذلك، أثر هذا التتابع في الماء، وهذا أمر شاهدناه، في كثير من البرك التي يفعل بها ذلك، فلا يظهر لي مشروعية هذا الفعل، والله أعلم.
стр. 88
٦ - احتج بقول النبي ﷺ : «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». القائلون بأنَّ الماء المستعمل لرفع الحدث طاهر غير مطهر.
قالوا: فدل الحديث على أن المنع من الانغماس الماء الدائم لئلا يصير مستعملاً فيمتنع على الغير الانتفاع به.
قال العلامة ابن قدامة ﵀ في [المغني] (١/ ٤٣): «وظاهر المذهب أن المستعمل في رفع الحدث طاهر غير مطهر، لا يرفع حدثاً، ولا يزيل نجساً، وبه قال الليث، و الأوزاعي، وهو المشهور عن أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وظاهر مذهب الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: أنَّه طاهر مطهر، وبه قال الحسن، و عطاء، و النخعي، والزهري. ومكحول، وأهل الظاهر، والرواية الثانية لمالك، والقول الثاني للشافعي، وروي عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة فيمن نسي مسح رأسه إذا وجد بللاً في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل».
وقد رد ابن بطال ﵀ في [شرح البخاري] (١/ ٢٤٦) على القائلين بعدم طهورية الماء المستعمل فقال ﵀:
«وفيه: أن الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهر، وهو قول مالك، والثوري، والحجة لذلك أن الأعضاء كلها إذا غسلت مرة مرة، فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملاً، ثم يمر به على كل جزء بعده، وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان الوضوء بالماء المستعمل لا يجوز لم يجز الوضوء مرةً مرةً، ولما أجمعوا أنَّه جائز استعماله في العضو الواحد كان في سائر الأعضاء كذلك».
قلت: الذي يظهر لي في هذه المسألة هو رجحان قول من قال بطهورية الماء المستعمل، وذلك لأدلة منها:
стр. 89
١ - حديث ابن عباس ﵄ قال: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ فِى جَفْنَةٍ فَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا - أَوْ يَغْتَسِلَ - فَقَالَتْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى كُنْتُ جُنُبًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنُبُ».
أخرجه أحمد (٣١٢٠، ٢٨٠٦، ٢٥٦٦، ٢١٠٢، ٢١٠١، ٢١٠٠)، وأبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧١، ٣٧٠)، والنسائي (١/ ١٧٣)، وغيرهم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس به.
قلت: رواية سماك عن عكرمة مضطربة، لكن قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٦٠) تحت حديث برقم (١٩٣): «وقد أعله قوم بسماك ابن حرب راويه عن عكرمة لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلاَّ صحيح حديثهم».
قلت: ومما يدل على ضبط شعبة لأحاديث سماك قول يعقوب السدوسي- كما في [السير] (٥/ ٢٤٧) للذهبي، "والتهذيب" لابن حجر-: «روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديماً مثل شعبة، وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم».
قلت: وهذا الحديث من رواية سفيان وشعبة عنه، فالذي يظهر لي ثبوت الحديث والله أعلم.
ومعنى الحديث: أي لا ينتقل له حكم الجنابة، وهو المنع من استعماله باغتسال الغير منه.
стр. 90
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٤٦): «ونهيه عن الاغتسال في الماء الدائم إن صح يتعلق بمسألة الماء المستعمل، وهذا قد يكون لما فيه من تقذير الماء على غيره لا لأجل نجاسته ولا لصيرورته مستعملاً، فإنَّه قد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: إن الماء لا يجنب».
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إعلام الموقعين] (٢/ ١٣): «وقد صح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الماء لا ينجس"، وصح عنه أنه قال: "إنَّ الماء لا يجنب"، وهما نصان صريحان في أنَّ الماء لا ينجس بالملاقاة، ولا يسلبه طهوريته استعماله في إزالة الحدث، ومن نجسه بالملاقاة، أو سلب طهوريته بالاستعمال فقد جعله ينجس، ويجنب».
٢ - قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]. فإنَّ الطهور بناء مبالغة في طاهر، وهذه المبالغة اقتضت أن يكون طاهراً مطهراً، واقتضت جواز كثرة استعماله، فإنَّ طهور على وزن فعول، وفعول لما يتكرر منه الفعل، فهو يدل على جواز تكرار التطهر به مرة بعد مرة.
٣ - البراءة الأصلية تقتضي جواز ذلك، ولم يأت المانعون بحجة قوية، وحديث النهي عن البول في الماء الدائم، لا يدل على ما ذهبوا إليه لثلاثة أمور:
الأول: أنَّ هذا المعني من المعاني الغير معقولة، فلو كان هو المراد لبيَّنه النبي ﷺ بياناً ظاهراً مزيلاً للبس.
الثاني: أنَّ النبي ﷺ قد أخبر بأنَّ الماء لا يجنب. وهذا مما ينافي هذا التعليل.
стр. 91
الثالث: أنَّ هذا لو كان هو المقصود من النهي، لكان مخصوصاً بالانغماس في الماء الدائم. فأين الدليل على تعدي هذا الحكم، إلى الرشاش المتساقط من المتطهر في الماء الدائم، فإنَّ في اتقاء ذلك الحرج العظيم الذي لا تأتي بمثله شريعة الإسلام السمحة، ولم يعلم عن النبي ﷺ أنَّه كان يتقي ذلك، ولا عن أحد من أصحابه.
بل المعنى المعقول في نهي النبي صلى عليه وسلم من الاغتسال في الماء الدائم من أجل ما فيه من تقذير الماء على غيره والله أعلم.
فائدة:
ذهب كثير من العلماء إلى أنَّ الماء يُسلب منه الطهورية بمخالطة الطاهر له الذي يمكن التحرز منه إذا غير صفة من صفاته وإن كان يطلق عليه اسم الماء، وهو مذهب الجمهور، وذهب أحمد في رواية إلى جواز التطهر به، وهذا هو الصحيح لدخوله في اسم الماء المطلق، وهو مذهب أبي حنيفة.
واستثنوا من ذلك التغير بسبب المجاورة، وذلك كتغير الماء بوضع الخشب والعيدان فيه فإنَّ تغير الماء بسبب انحلال أجزاء الخشب في الماء، ولهذا لو وضع الشخص قطناً في فم قربة وصب فيها ذلك الماء المتغير لخرج نقياً.
ومن ذلك الدهن على اختلاف أنواعه، والطاهرات الصلبة كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يهلك في الماء، ولم يمع فيه، فلا يخرج به عن إطلاقه؛ لأنَّه تغيير مجاورة، أشبه ما لو تروح الماء بريح شيء على جانبه.
стр. 92
واستثنوا من ذلك الماء المتغير بما لا يمكن التحرز منه كالمتغير بالطحلب وأوراق الشجر، وما تغير بسبب وجود شيء في قراره كالكبريت والقار.
وقالوا: وأمَّا إذا وضعت هذه الأشياء في الماء فتغير بها فلا يشرع التطهر به لأنَّ التحرز منه ممكن.
واستثوا أيضاً: ما كان موافقاً للماء في الطهارة والطهورية كالتراب فلا يؤثر تغير الماء به.
وقالوا: ولا فرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد.
واستثنوا أيضاً تغير الماء بالملح المنعقد منه كالملح البحري وغيره، وأمَّا الملح المعدني إذا غير الماء فلا يشرع التطهر به.
واستثنوا أيضاً: الماء الآجن وهو المتغير بطول المكث لأنَّ تغير بغير مخالطة، وكرهه ابن سيرين.
واستثنوا: التغير بمكان التطهير كغسل العضو الذي فيه أثر العجين أو الزعفران أو غير ذلك.
قلت: وكل هذه الاستناءات تدل على صحة قول من قال من العلماء: إنَّ الماء يجوز التطهر به ما دام يسمى ماءاً ولا عبرة بالتغير الذي لا يخرجه عن اسم الماء، إذا لا فرق معتبر بين هذه المسائل المستثناه وغيرها مما حكموا بعدم طهوريته بسبب تغيره، وذلك أنَّ التغير إذا كان يخرج الماء عن اسمه فلا فرق بين جل تلك الصور، وإن كان لا يخرجه عن اسم الماء فيجوز استعماله لدخوله فيما أمر الله بالتطهر به من الماء، ولا فرق حينئذ بين تلك الصور.
стр. 93
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٢٤ - ٢٩):
«أَمَّا مَسْأَلَةُ تَغَيُّرِ الْمَاءِ الْيَسِيرِ أَوْ الْكَثِيرِ بِالطَّاهِرَاتِ: كَالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ وَالسِّدْرِ والخطمي وَالتُّرَابِ وَالْعَجِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يُغَيِّرُ الْمَاءَ مِثْلَ الْإِنَاءِ إذَا كَانَ فِيهِ أَثَرُ سِدْرٍ أَوْ خطمي وَوُضِعَ فِيهِ مَاءٌ فَتَغَيَّرَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ اسْمِ الْمَاءِ: فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْعُلَمَاءِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ الَّتِي اخْتَارَهَا الخرقي وَالْقَاضِي وَأَكْثَرُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَاءِ مُطْلَقٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً (٦)﴾ [المائدة: ٦]. ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ اسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا أَنْوَاعًا بَعْضُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ التَّغَيُّرِ حَاصِلًا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ أَوْ بِمَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ: فَهُوَ طَهُورٌ بِاتِّفَاقِهِمْ. وَمَا تَغَيَّرَ بِالْأَدْهَانِ وَالْكَافُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَفِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. وَمَا كَانَ تَغَيُّرُهُ يَسِيرًا: فَهَلْ يُعْفَى عَنْهُ أَوْ لَا يُعْفَى عَنْهُ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّائِحَةِ وَغَيْرِهَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَغَيِّرِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَغَيْرِهِ وَلَا بِمَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ؛ وَلَا بِمَا لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَمَا دَامَ يُسَمَّى مَاءً وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ أَجْزَاءُ غَيْرِهِ كَانَ طَهُورًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ وَهِيَ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا فِي أَكْثَرِ أَجْوِبَتِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ [المائدة: ٦].
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا
стр. 94
مَاءً (٦)﴾ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ كُلَّ مَا هُوَ مَاءٌ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْمَاءِ؟. قِيلَ: تَنَاوُلُ الِاسْمِ لِمُسَمَّاهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْأَصْلِيِّ وَالطَّارِئِ وَلَا بَيْنَ التَّغَيُّرِ الَّذِي يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَاَلَّذِي لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى اسْتِعْمَالِ هَذَا الْمُتَغَيِّرِ دُونَ هَذَا فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ وَعُمُومِ الِاسْمِ وَخُصُوصِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؟ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَاءٍ أَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ: لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؛ بَلْ إنْ دَخَلَ هَذَا دَخَلَ هَذَا وَإِنْ خَرَجَ هَذَا خَرَجَ هَذَا فَلَمَّا حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى دُخُولِ الْمُتَغَيِّرِ تَغَيُّرًا أَصْلِيًّا أَوْ حَادِثًا بِمَا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ: عُلِمَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" وَالْبَحْرُ مُتَغَيِّرُ الطَّعْمِ تَغَيُّرًا شَدِيدًا لِشِدَّةِ مُلُوحَتِهِ. فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ مَاءَهُ طَهُورٌ - مَعَ هَذَا التَّغَيُّرِ - كَانَ مَا هُوَ أَخَفُّ مُلُوحَةً مِنْهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ طَهُورًا وَإِنْ كَانَ الْمِلْحُ وُضِعَ فِيهِ قَصْدًا؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الِاسْمِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ حُجَّةِ الْمَانِعِينَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَقَى مَاءً أَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَاءٍ لَمْ يَتَنَاوَلْ ذَلِكَ مَاءَ الْبَحْرِ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ فَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الصِّفَةِ.
стр. 95
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِغَسْلِ الْمُحَرَّمِ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَأَمَرَ بِغَسْلِ ابْنَتِهِ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَأَمَرَ الَّذِي أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءِ وَسِدْرٍ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ السِّدْرَ لَا بُدَّ أَنْ يُغَيِّرَ الْمَاءَ فَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ يُفْسِدُ الْمَاءَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ هَذَا تَغَيُّرٌ فِي مَحَلِّ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا يُؤَثِّرُ: تَفْرِيقٌ بِوَصْفِ غَيْرِ مُؤَثِّرٍ لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ؛ فَإِنَّ الْمُتَغَيِّرَ إنْ كَانَ يُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا وَهُوَ عَلَى الْبَدَنِ فَيُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا وَهُوَ فِي الْإِنَاءِ. وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ مَاءً مُطْلَقًا فِي أَحَدِهِمَا لَمْ يُسَمَّ مُطْلَقًا فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يُفَرِّقُونَ فِي التَّسْمِيَةِ بَيْنَ مَحَلٍّ وَمَحَلٍّ.
وَأَمَّا الشَّرْعُ: فَإِنَّ هَذَا فَرْقٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
وَالْقِيَاسُ عَلَيْهِ إذَا جُمِعَ أَوْ فُرِّقَ: أَنْ يُبَيَّنَ أَنَّ مَا جَعَلَهُ مَنَاطَ الْحُكْمِ جَمْعًا أَوْ فَرْقًا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَإِلَّا فَمَنْ عَلَّقَ الْأَحْكَامَ بِأَوْصَافِ جَمْعًا وَفَرْقًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ: كَانَ وَاضِعًا لِشَرْعِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ شَارِعًا فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ. وَلِهَذَا كَانَ عَلَى الْقَائِسِ أَنْ يُبَيِّنَ تَأْثِيرَ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي جَعَلَهُ مَنَاطَ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ مِنْ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ هُوَ عِلَّةَ الْحُكْمِ. وَكَذَلِكَ فِي الْوَصْفِ الَّذِي فُرِّقَ فِيهِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ تَأْثِيرَهُ بِطَرِيقِ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ: لَا بُدَّ فِي الْعَادَةِ مِنْ تَغَيُّرِ الْمَاءِ بِذَلِكَ لَا سِيَّمَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ إذَا قَلَّ الْمَاءُ وَانْحَلَّ الْعَجِينُ.
стр. 96
فَإِنْ قِيلَ: ذَلِكَ التَّغَيُّرُ كَانَ يَسِيرًا؟ قِيلَ: وَهَذَا أَيْضًا دَلِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّهُ إنْ سَوَّى بَيْنِ التَّغَيُّرِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ مُطْلَقًا كَانَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ؛ وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا حَدٌّ مُنْضَبِطٌ لَا بُلْغَةٌ وَلَا شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ وَلَا عُرْفٌ وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِفَرْقِ غَيْرِ مَعْلُومٍ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ صَحِيحًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَانِعِينَ مُضْطَرِبُونَ اضْطِرَابًا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ أَصْلِ قَوْلِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْكَافُورِ وَالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ وَيَقُولُ: إنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ عَنْ مُجَاوَرَةٍ لَا عَنْ مُخَالَطَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ نَحْنُ نَجِدُ فِي الْمَاءِ أَثَرَ ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَرَقِ الرَّبِيعِيِّ وَالْخَرِيفِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الْمِلْحَيْنِ: الْجَبَلِيِّ وَالْمَائِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا. وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا إجْمَاعٍ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ الْأَصْلُ الَّذِي تَفَرَّعَتْ عَلَيْهِ مَأْخُوذًا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] وَهَذَا بِخِلَافِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَحْفُوظٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْقَوْلِ.
وَأَيْضًا. فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ مُوَافِقٌ لِلْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ؛ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالظَّوَاهِرِ وَالْمَعَانِي؛ فَإِنَّ تَنَاوُلَ اسْمِ الْمَاءِ لِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ كَتَنَاوُلِهِ لِمَوَارِدِ النِّزَاعِ فِي اللُّغَةِ وَصِفَاتُ هَذَا كَصِفَاتِ هَذَا فِي الْجِنْسِ فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ.
وَأَيْضًا. فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْمَانِعِينَ: يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ لِمُعَارِضِ رَاجِحٍ؛ إذْ كَانَ يَقْتَضِي الْقِيَاسُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ
стр. 97
مِنْ الْمُتَغَيِّرَاتِ فِي طَهَارَتَيْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ لَكِنْ اُسْتُثْنِيَ الْمُتَغَيِّرُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَبِمَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فَكَانَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِحْسَانٍ تُرِكَ لَهُ الْقِيَاسُ وَتَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: يَكُونُ رُخْصَةً ثَابِتَةً عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ بَيْنَ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ؛ فَيَكُونُ هَذَا أَقْوَى» اهـ.
* * *
стр. 98
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً».
وَلِمُسْلِمٍ: «أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ».
وَلَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِناءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعاً وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ».
قوله: «إذا ولغ». يقال: ولغ يلغ بالفتح فيهما، وهو: أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه، شرب، أو لم يشرب. فإن كان غير مائع يقال: لعقه، وإن كان فارغاً يقال: لحسه. ويقال: ليس شيء من الطيور يلغ غير الذباب.
قوله: «سبعاً» أي: سبع مرار.
قوله: «وعفروه» أي: أدلكوه بالعفر وهو التراب.
وفي الحديث عدة مسائل منها:
١ - مفهوم المخالفة في قوله: «إذا ولغ». يقتضي قصر الحكم على الولوغ كما هو مذهب ابن حزم الظاهري، لكن إذا قلنا: إنَّ الأمر بالغسل للتنجيس يتعدى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق، ويكون ذكر الولوغ خرج مخرج الغالب. وهذا هو الصحيح.
بقى إذا كان ما في الإناء جامداً، فإنَّ الواجب حينئذ إلقاء ما أصاب الكلب بفمه ولا يجب غسل الإناء حينئذ إلَّا إذا أصابه فم الكلب.
стр. 99
قال العلامة النووي في [شرح المهذب] (٢/ ٥٨٧): «لو ولغ الكلب في أناء فيه طعام جامد ألقى ما أصابه وما حوله وبقى الباقي علي طهارته السابقة وينتفع به كما كان كما في الفارة تموت في السمن ونحوه».
٢ - مفهوم المخالفة في قوله: «إذا ولغ» يقتضي قصر الحكم على الولوغ، فإذا أدخل رجله، أو يده في الإناء، فلا يدخل في الأمر بالتسبيع، وهو مذهب الشافعي في القديم. وقال بعض الظاهرية، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي في غير لعابه أنَّه إنَّما يغسل منه مرة، وإن كان بولاً، أو عذرة، أو دماً.
قلت: إذا بال في الإناء أو تغوط فيه، فالظاهر وجوب التسبيع بطريق الأولى، والله أعلم.
وهكذا قول من قال من أهل العلم: إذا ولغ في الإناء عدة كلاب، أو ولغ فيه كلب واحد عدة ولغات فيغسل من كل ولوغ سبع غسلات، قول غير صحيح، بل الصحيح الاكتفاء لكل ذلك بسبع غسلات.
قال في [طرح التثريب] (٢/ ١٤٣): «هل تتعدد الغسلات الواجبة في ولوغ الكلب بتعدد الولغات من كلب واحد أو كلبين فأكثر؟ فيه خلاف بين أصحابنا، والأصح أنَّه يكفي للجميع سبع، وقيل يجب لكل ولغة سبع، وقيل يكفي السبع في ولغات الكلب الواحد، وتتعدد بتعدد الكلاب، والله أعلم، وكذلك لو تنجس بنجاسة أجنبية غير الكلب لم تجب الزيادة على السبع بل يندرج الأصغر في الأكبر كالحدث على الصحيح، وادعى النووي، وابن الرفعة نفي الخلاف فيه،
стр. 100
وليس بجيد ففيه وجه حكاه الرافعي في الشَّرْحُ الصغير أنَّه يجب غسله للنجاسة الأجنبية أيضاً، والله أعلم».
٣ - قوله: «شرب الكلب» الألف والاَّم في «الكلب» لبيان الجنس فدعوى بعض المالكية أنَّ المأمور بالغسل من ولوغه الكلب المنهي عن اتخاذه دون المأذون فيه قول ليس بصحيح. ومثله تفرقة بعضهم بين البدوي والحضري، ودعوى بعضهم أنَّ ذلك مخصوص بالكلب الكَلِب. كل هذه الأقوال مدفوعة، ليس لقائلها حجة توجب المصير إليها.
٤ - الأمر بالتسبيع وارد في نجاسة الكلب، فإلحاق الخنزير بالكلب، كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، ليس بصواب.
قال العلامة النووي ﵀ في [شرح مسلم] (٣/ ١٧٧): «وأمَّا الخنزير فحكمه حكم الكلب في هذا كله. هذا مذهبنا. وذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الخنزير لا يفتقر إلى غسله سبعاً، وهو قول الشافعي وهو قوي في الدليل».
وقال العلامة النووي ﵀ في [شرح المهذب] (٢/ ٥٨٦): «واعلم أنَّ الراجح من حيث الدليل أنَّه يكفى غسلة واحدة بلا تراب وبه قال أكثر العلماء الذين قالوا بنجاسة الخنزير، وهذا هو المختار لأنَّ الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع، لا سيما في هذه المسألة المبنية على التعبد، وممن قال يجب غسله سبعاً أحمد، ومالك فى رواية عنه، قال صاحب العدة: ويجرى هذا الخلاف الذي في الخنزير، فيما أحد أبويه كلب، أو خنزير، وذكر صاحب "التلخيص" في المتولد بين الكلب والخنزير قولين، وهذا صحيح لأنَّ الشرع إنَّما ورد في الكلب وهذا المتولد لا يسمى كلباً».
стр. 101
٥ - قوله: «في إناء أحدكم» هذه الإضافة لا اعتبار لها ها هنا، لأنَّ الطهارة لا تتوقف على ملك الشخص. وكذا قوله: «فليغسله». لا يتوقف التطهير على أن يكون المالك للإناء هو الغاسل.
٦ - استدل بقوله: «في إناء أحدكم» على أنَّه إنَّما يغسل من ولوغ الكلب إذا كان ولوغه في إناء، أمَّا إذا ولغ في الحياض الكبيرة، ونحوها، فلا يجب التسبيع، ولا التتريب، وهذا هو الصواب، فإنَّ النبي ﷺ نصَّ على الإناء، فيلحق به ما كان مثله، فأمَّا الحياض الكبيرة فليس هناك ما يدل على دخولها في الحديث والله أعلم.
٧ - قوله: «في إناء أحدكم»، هل يلحق بالإناء سائر الأشياء، كالثياب وغيرها، فيه نزاع بين أهل العلم، الأكثر على الإلحاق، وذهب بعض العلماء إلى عدم الإلحاق، وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٨٧): «وقيل عنه: لا يجب التراب إلَّا في الإناء خاصة».
قلت: ويمكن أن يستدل لهذا القول بما أخرجه البخاري (١٧٤) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ».
قلت: ووجه الشاهد من الحديث هو حصول الطهارة من لعاب الكلب بلا غسل في غير الآنية.
стр. 102
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢٢/ ١٨٠): «وهذا الحديث احتج به من رأى أنَّ النجاسة إذا أصابت الأرض فإنَّها تطهر بالشمس، والريح، ونحو ذلك كما هو أحد القولين في مذهب الشافعي، وأحمد، وغيرهما، وهو مذهب أبي حنيفة».
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في [إغاثة اللهفان] (١/ ١٥٥ - ١٥٦): «وحديث ابن عمر ﵄ كالنص في ذلك، وهو قوله: كانت الكلاب تقبل، وتدبر، وتبول في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك، وهذا لا يتوجه إلَّا على القول بطهارة الأرض بالريح والشمس».
٨ - قوله: «فليغسله». يقتضي الفور بغسل الإناء عند ولوغ الكلب فيه، وإن كان لا يريد استعمال الإناء، لكن حمله الجمهور على الاستحباب إلَّا لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء.
قلت: وما قالوه هو الذي يظهر لي والله أعلم.
٩ - الأمر بغسل الإناء من أجل نجاسة لعاب الكلب يستلزم إراقة ما فيه، فإنَّ النجاسة لم تصل إلى الإناء إلَّا بعد تنجيسها للماء، وقد جاء الأمر بالإراقة صريحاً في صحيح مسلم (٦٤٦) حيث قال ﵀:
«وحدثني علي بن حجر السعدي: حدثنا علي بن مُسهِر: أخبرنا الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ".
وحدثني محمد بن الصباح حدثنا إسماعيل بن زكرياء عن الأعمش بهذا الإسناد مثله ولم يقل: "فَلْيُرِقْهُ"».
стр. 103
قلت: لكن الأمر بالإراقة غير محفوظ في الحديث.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٣٠ - ٣٣١): «لكن قال النسائي: لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على زيادة فليرقه. وقال حمزة الكناني: إنَّها غير محفوظة. وقال ابن عبد البر: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية، وشعبة. وقال ابن منده: لا تعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلَّا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد. قلت: قد ورد الأمر بالإراقة أيضاً من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا أخرجه ابن عدي، لكن في رفعه نظر، والصحيح أنَّه موقوف. وكذا ذكر الإراقة حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفاً، وإسناده صحيح أخرجه الدارقطني وغيره».
١٠ - قوله في الحديث: «فليغسله سبعاً». احتج به أبو حنيفة، وأحمد في رواية على جواز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر مزيل للعين والأثر، كالخل، وماء الورد، ونحوهما. وحجتهم في ذلك أنَّ النبي ﷺ أطلق الغسل، فتقييده بالماء يحتاج إلى دليل؛ ولأنَّه مائع طاهر مزيل، فجازت إزالة النجاسة به، كالماء، فأمَّا ما لا يزيل كالمرق، واللبن فلا خلاف في أنَّ النجاسة لا تزال به.
قلت: الصحيح من أقوال العلماء أنَّه يصح أن تزال النجاسة بكل ما يزيل عينها من مائع، وغيره، لكن ما يتعلق بلعاب الكلب، فالذي يظهر لي أنَّه لا بد فيه من الماء إذ هو الأصل في التطهير، ولأنَّ لعاب الكلب قد خصَّ بالتغليظ دون سائر النجاسات. والله أعلم.
стр. 104
١١ - الحديث يدل على نجاسة لعاب الكلب وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وخالفهم في ذلك الإمام مالك ﵀ فذهب إلى طهارته.
قال الحافظ ابن دقيق العيد ﵀ في [شرح العمدة] (١/ ٢٩): «وحمل مالك هذا الأمر على التعبد، لاعتقاده طهارة الماء والإناء. وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد المخصوص، وهو السبع؛ لأنَّه لو كان للنجاسة: لاكتفى بما دون السبع، فإنَّه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة. وقد اكتفى فيها بما دون السبع. والحمل على التنجيس أولى؛ لأنَّه متى دار الحكم بين كونه تعبداً، أو معقول المعنى، كان حمله على كونه معقول المعنى أولى. لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى.
وأمَّا كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، فممنوع عند القائل بنجاسته، نعم ليس بأقذر من العذرة، ولكن لا يتوقف التغليظ على زيادة الاستقذار.
وأيضاً فإذا كان أصل المعنى معقولاً قلنا به، وإذا وقع في التفاصيل ما لم يعقل معناه في التفصيل، لم ينقص لأجله التأصيل.
ولذلك نظائر في الشريعة، فلو لم تظهر زيادة التغليظ في النجاسة لكنا نقتصر في التعبد على العدد، ونمشي في أصل المعنى على معقولية المعنى» اهـ.
قلت: الصحيح ما ذهب إليه الجمهور لثلاثة أمور:
الأول: الأمر بغسل الإناء منه، والأمر بالغسل يدل على النجاسة، وبذلك احتج العلماء على نجاسة الغائط، والمذي، ودم الحيض.
стр. 105
الثاني: أنَّه جاء في مسلم (٦٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».
قلت: والحقيقة اللغوية في كلمة (طَهُورُ) أنَّها تستعمل إمَّا في رفع الحدث، أو في إزالة النجس، ولا حدث على الإناء فتعين النجس.
الثالث: ما ذكره الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٣٢) حيث قال: «وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأنَّ الغسل من ولوغ الكلب بأنَّه رجس، رواه محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه» اهـ.
قلت: قال بعض العلماء: الحكمة في الأمر بغسله من جهة الطب لأنَّ الشارع اعتبر السبع في مواضع منه كما في حديث عائشة أنَّ رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي مرض فيه: «صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ»
أخرجه أحمد (٢٥٢٢٠)، وعبد الرزاق في [مصنفه] (١٧٩)، والنسائي في [الكبرى]، و ابن خزيمة في [صحيحه] (١٢٣، ٢٥٨)، وابن حبان في [صحيحه] (٦٥٩٦، ٦٥٩٩، ٦٦٠٠)، والحاكم في [مستدركه] (٥١٠، ٥١١، ٥١٢)، والطبراني في [الأوسط] (٥٥٢٨، ٦٧١٤)، والبيهقي في [الكبرى] (١٢٠)
من طريق معمر عن الزهري عن عروة أو عمرة عن عائشة.
قلت: هذا إسناد صحيح.
стр. 106
وقوله: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ».
أخرجه البخاري (٥٧٦٩، ٥٧٦٨، ٥٤٤٥)، ومسلم (٥٣٠٦، ٥٣٠٧) من حديث سعد ابن أبي وقاص.
قلت: لا يمنع أن يقال: إنَّ الغسل من أجل النجاسة، والتسبيع من أجل ما في لعابه من الميكروبات التي لا تزول إلَّا بالتسبيع مع التتريب، كما ثبت هذا طبياً والله أعلم.
١٢ - احتج بهذا الحديث القائلون بنجاسة عين الكلب وذلك أنَّه إذا ثبتت نجاسة فمه من نجاسة لعابه، -باعتبار أنَّه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه-، فبقية بدنه أولى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في [مجموع الفتاوى] (٢١/ ٦١٦ - ٦١٨): «أمَّا الكلب فللعلماء فيه ثلاثة أقوال معروفة:
أحدها: أنَّه نجس كله حتى شعره، كقول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
والثاني: أنَّه طاهر حتى ريقه، كقول مالك في المشهور عنه.
والثالث: أنَّ ريقه نجس، وأن شعره طاهر، وهذا مذهب أبي حنيفة المشهور عنه، وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، وهذا أرجح الأقوال. فإذا أصاب الثوب، أو البدن رطوبة شعره لم ينجس بذلك، وإذا ولغ في الماء أريق، وإذا ولغ في اللبن ونحوه فمن العلماء من يقول يؤكل ذلك الطعام كقول مالك وغيره، ومنهم من يقول يراق كمذهب أبي حنيفة،
стр. 107
والشافعي، وأحمد، فأمَّا إن كان اللبن كثيراً، فالصحيح أنَّه لا ينجس، وله في الشعور النابت على محل نجس ثلاث روايات:
إحداها: أنَّ جميعها طاهر حتى شعر الكلب، والخنزير، وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز.
والثانية: أنَّ جميعها نجس كقول الشافعي.
والثالثة: أنَّ شعر الميتة إن كانت طاهرة في الحياة كان طاهراً، كالشاة، والفأرة، وشعر ما هو نجس في حال الحياة نجس، كالكلب، والخنزير، وهذه هي المنصوصة عند أكثر أصحابه.
والقول الراجح هو طهارة الشعور كلها شعر الكلب، والخنزير، وغيرهما بخلاف الريق، وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطباً، وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء
كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز تنجيس شيء، ولا تحريمه إلاَّ بدليل كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ (١١٩)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾، وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إنَّ من أعظم المسلمين بالمسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته".
стр. 108
وفي السنن عن سلمان الفارسي مرفوعاً، ومنهم من يجعله موقوفاً أنَّه قال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه".
وإذا كان كذلك فالنبي ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً أولاهن بالتراب". وفي الحديث الآخر: "إذا ولغ الكلب". فأحاديثه كلها ليس فيها إلَّا ذكر الولوغ، ولم يذكر سائر الأجزاء فتنجيسها إنَّما هو بالقياس، فإذا قيل: إنَّ البول أعظم من الريق كان هذا متوجهاً.
وأمَّا إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن لأنَّ الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر فإنَّه نابت على ظهره، والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا، وهذا، فإنَّ جمهورهم يقولون: إنَّ شعر الميتة طاهر بخلاف ريقها.
والشافعي وأكثرهم يقولون: إنَّ الزرع النابت في الأرض النجسة طاهر، فغاية شعر الكلب أن يكون نابتاً في منبت نجس، كالزرع النابت في الأرض النجسة، فإذا كان الزرع طاهراً، فالشعر أولى بالطهارة لأنَّ الزرع فيه رطوبة ولين يظهر فيه أثر النجاسة، بخلاف الشعر فإنَّ فيه من اليبوسة، والجمود ما يمنع ظهور ذلك فمن قال من أصحاب أحمد كابن عقيل، وغيره: إنَّ الزرع طاهر فالشعر أولى، ومن قال: إنَّ الزرع نجس فإنَّ الفرق بينهما ما ذكر، فإنَّ الزرع يلحق بالجلالة التي تأكل النجاسة، وهذا أيضاً حجة في المسألة، فإنَّ الجلالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي ﷺ عن لبنها، فإذا حبست حتى تطيب كانت حلالاً باتفاق المسلمين لأنَّها قبل ذلك يظهر أثر النجاسة في لبنها وبيضها وعرقها فيظهر نتن النجاسة، وخبثها، فإذا زال ذلك عادت طاهرة، فإنَّ الحكم إذا ثبت بعلة زال
стр. 109
بزوالها، والشعر لا يظهر فيه شيء من آثار النجاسة أصلاً، فلم يكن لتنجيسه معنى».
١٣ - الحديث نص صريح في وجوب تسبيع الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وهو حجة على أبي حنيفة، في قوله: يغسل ثلاثاً.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في [الفتح] (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣): «وأمَّا الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب، واعتذر الطحاوي وغيره عنهم بأمور، منها كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنَّه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، وأيضاً فقد ثبت أنَّه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد، ومن حيث النظر، أمَّا النظر فظاهر، وأمَّا الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه وهذا من أصح الأسانيد، وأمَّا المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه وهو دون الأول في القوة بكثير، ومنها أنَّ العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يقيد بالسبع فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى. وأجيب بأنَّه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منها في تغليظ الحكم، وبأنَّه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار. ومنها دعوى أنَّ الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نهي عن قتلها نسخ الأمر بالغسل. وتعقب بأنَّ الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جداً؛ لأنَّه من رواية أبي هريرة، وعبد
стр. 110
الله بن مغفل، وقد ذكر ابن مغفل أنَّه سمع ﷺ يأمر بالغسل وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة، بل سياق مسلم ظاهر في أنَّ الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب» اهـ.
قلت: لفظ مسلم (٦٥١) عن ابن المغفل ﵁ قال: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ" ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ وَقَالَ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ"».
وقال العراقي ﵀ في [طرح التثريب] (٢/ ١٣٨): «وحكي عن أبي حنيفة أيضاً، والثوري، والليث بن سعد أنَّه يغسل بلا حد، واحتجوا بقوله في بعض طرق حديث أبي هريرة مرفوعاً في الكلب يلغ في الإناء: "يغسله ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً". قالوا: فلو كان التسبيع واجباً لم يخير بينها وبين الخمس، والثلاث، والحديث ضعيف؛ لأنَّه من رواية عبد الوهاب بن الضحاك أحد الضعفاء عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة عند الجمهور».
١٤ - ألحق الإمام أحمد ﵀ بالتسبيع في نجاسة الكلب، التسبيع في سائر النجاسات، والصحيح عدم اشتراط ذلك، فقد أباح النَّبي ﷺ الاستجمار بثلاثة أحجار، ولم يأمر بالتسبيع في الاستنجاء بالماء، ولا بغير ذلك من النجاسات.
وفي وجوب التتريب في نجاسة غير لعاب الكلب نزاع.
وللحنابلة وجهان في ذلك.
следующие страницы →