Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
وعن الثوري، وأبي حنيفة، أنَّها من شرط الإحرام، لا يصح إلَّا بها، كالتكبير للصلاة، لأنَّ ابن عباس، قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، قال ابن عباس: الإهلال.
وعن عطاء، وطاووس، وعكرمة: هو التلبية.
ولأنَّ النسك عبادة ذات إحرام وإحلال، فكان فيها ذكر واجب، كالصلاة.
ولنا، أنَّها ذكر، فلم تجب في الحج، كسائر الأذكار.
وفارق الصلاة، فإنَّ النطق يجب في آخرها؛ فوجب في أولها، والحج بخلافه» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر الأدلة وجوب الإهلال عند الإحرام سواء كان بلفظ التلبية أو بغير ذلك، وذلك لما رواه البخاري (١٣٣)، ومسلم (١١٨٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».
وفي رواية لمسلم: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلَ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلَ نَجْدٍ، مِنْ قَرْنٍ».
والإهلال رفع الصوت بالتلبية.
قُلْتُ: والأصل في الأمر الوجوب.
стр. 4097
وروى مسلم (١٢١٨) من حديث جابر وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: « … "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ ". قَالَ قُلْتُ: اللهُمَّ، إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ" … ».
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ فرض الحج يكون بقول يقوله الحاج، وهو مؤيد لتفسير ابن عباس للآية الماضية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١٠٨):
«ولا يكون الرجل محرماً بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته فإنَّ القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرماً هذا هو الصحيح من القولين» اهـ.
وَقَال كما في [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (٤٦٥):
«وينعقد الإحرام بنية النسك مع التلبية أو سوق الهدي وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وقاله جماعة من المالكية وحكي قولاً للشافعية» اهـ.
٢ - وفيه إثبات صفتي الكلام والسمع لله ، وذلك أنَّ التلبية إجابة لنداء الله، والنداء من الكلام، ولا تكون التلبية إلَّا لمن يسمع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٦):
«إحداها: أنَّ قولك: "لبيك" يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه» اهـ.
стр. 4098
٣ - أنَّ الله لا شريك له في إجابة الدعوى ولا في الحمد والإنعام والملك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٢):
«في إعادة الشهادة له بأنَّه لا شريك له لطيفة، وهي أنَّه أخبر لا شريك له عقب إجابته بقوله: "لبيك"، ثم أعادها عقب قوله: "إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". وذلك يتضمن أنَّه لا شريك له في الحمد والنعمة والملك، والأول يتضمن أنَّه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة» اهـ.
٤ - أنَّ الله هو المستحق لكمال الحمد.
٥ - الاعتراف لله بالنعمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٨):
«أنَّها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها، ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق، أي النعم كلها لك، وأنت موليها والمنعم بها» اهـ.
٦ - الاعتراف بأنَّ الملك لله وحده لا شريك له.
٧ - وفي زيادة ابن عمر على تلبية النبي ﷺ دليل على جواز الزيادة على التلبية، ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ﵁ في صفته لحجة الوداع، وفي حديثه: فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ
стр. 4099
لَكَ». وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ.
"فرع" وتستحب التلبية في الميقات عند الصعود على المركوب.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١٥٥٢)، ومسلم (١١٨٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً».
وما رواه البخاري (١٥١٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ».
"فرع" ويستحب استقبال القبلة عند الابتداء بالتلبية.
وذلك لما رواه البخاري (١٥٥٣) عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بِذِي الحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الحَرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَلَ». وَزَعَمَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ.
"فرع" ويستحب أن يتلفظ في تلبيته بما أراد من النسك.
ويدل عليه ما رواه البخاري (١٥٣٤) عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 4100
وَسَلَّمَ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ».
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: « … "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ ". قَالَ قُلْتُ: اللهُمَّ، إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ" … ».
وروى البخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٢٣٠) عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إِذًا " أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ، قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ " وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ».
стр. 4101
وروى البخاري (١٥٤٨) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا».
وروى مسلم (١٢٤٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَرُحْنَا إِلَى مِنًى، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ».
وروى مسلم (١٢٤٨) عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَا: «قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنَحْنُ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣): «ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئاً. لا يقول: اللهم إني أريد العمرة والحج ولا الحج والعمرة ولا يقول: فيسره لي وتقبله مني ولا يقول: نويتهما جميعاً ولا يقول: أحرمت لله ولا غير ذلك من العبادات كلها. ولا يقول قبل التلبية شيئاً بل جعل التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة. وكان هو وأصحابه يقولون: فلان أهل بالحج أهل بالعمرة؛ أو أهل بهما جميعاً. كما يقال كبر للصلاة والإهلال رفع الصوت بالتلبية وكان يقول في تلبيته: "لبيك حجاً وعمرة" ينوي ما يريد أن يفعله بعد التلبية؛ لا قبلها. وجميع ما أحدثه الناس من التلفظ بالنية قبل
стр. 4102
التكبير وقبل التلبية وفي الطهارة وسائر العبادات فهي من البدع التي لم يشرعها رسول الله ﷺ » اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي "منسكه" كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١٠٤ - ١٠٥):
«فإذا أراد الإحرام فإن كان قارناً قال لبيك عمرة وحجاً وإن كان متمتعاً قال لبيك عمرة متمتعاً بها إلى الحج وإن كان مفرداً قال لبيك حجة أو قال: اللهم إنِّي أوجبت عمرة وحجاً أو أوجبت عمرة أتمتع بها إلى الحج أو أوجبت حجاً أو أريد الحج أو أريدهما أو أريد التمتع بالعمرة إلى الحج فمهما قال من ذلك أجزأه باتفاق الأئمة ليس في ذلك عبارة مخصوصة ولا يجب شيء من هذه العبارات باتفاق الأئمة كما لا يجب التلفظ بالنية في الطهارة والصلاة والصيام باتفاق الأئمة بل متى لبى قاصداً للإحرام انعقد إحرامه باتفاق المسلمين. ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيء. ولكن تنازع العلماء: هل يستحب أن يتكلم بذلك؟ كما تنازعوا: هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة؟ والصواب المقطوع به أنَّه لا يستحب شيء من ذلك فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئاً من ذلك ولا كان يتكلم قبل التكبير بشيء من ألفاظ النية لا هو ولا أصحابه» اهـ.
"فرع" ويستحب أن يقول بعد تلبيته: «اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَلَا سُمْعَةَ».
وذلك لما رواه ابن ماجة (٢٨٩٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
стр. 4103
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَحْلٍ، رَثٍّ، وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ لَا تُسَاوِي، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَلَا سُمْعَةَ».
قُلْتُ: يزيد بن أبان هو الرقاشي ضعيف الحديث.
ورواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٧٣٤٣) وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ عُمَرَو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَس؛ أَنْ النَّبِيّ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَتَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَقَالَ: «حَجَّةٌ لا رِيَاءَ فِيهَا، ولَا سُمْعَةَ».
قُلْتُ: وعمرو بن مالك هو الراسبي ضعيف الحديث.
ورواه أيضاً الأصبهاني في [التَّرْغِيْبِ وَالتَّرْهِيْبِ] (١٠٥٦)، والضياء في [الْمُخْتَارَةِ] (١٧٠٥) كلاهما مِنْ طَرِيْقِ عُلَيْلِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَنْزِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عليل نَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ به.
قُلْتُ: أحمد بن يزيد بن عليل لم أقف له على ترجمة. لكن الحديث حسن بهذه الطرق.
"فرع" واختلف العلماء متى يقطع المعتمر التلبية.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٣٣):
стр. 4104
«قال أبو عبد الله: يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن. وهو معنى قول الخرقي: "إذا وصل إلى البيت".
وبهذا قال ابن عباس، وعطاء، وعمرو بن ميمون، وطاووس، والنخعي، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وقال ابن عمر، وعروة، والحسن: يقطعها إذا دخل الحرم.
وقال سعيد بن المسيب: يقطعها حين يرى عرش مكة.
وحكي عن مالك، أنَّه إن أحرم من الميقات، قطع التلبية إذا وصل إلى الحرم، وإن أحرم بها من أدنى الحل، قطع التلبية حين يرى البيت» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في قطع التلبية للمعتمر عند الوصول إلى أدنى الحرم ما رواه البخاري (١٥٧٣) عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: «إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طِوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ، وَيَغْتَسِلُ»، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وجاء في انقطاع التلبية عند استلام الحجر ما رواه أحمد (٦٦٨٥، ٦٦٨٦) مِنْ طَرِيْقِ حَجَّاجٍ، عَنْ عُمَرَو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف الحجاج وهو ابن أرطأة.
ويشهد له ما رواه البزار في [مُسْنَدِه] (٣٦٣٢)، وابن عدي في [الْكَامِلِ] (٢/ ٥٦)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩١٩٧) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ،
стр. 4105
ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ، ثنا بَحْرُ بْنُ مُرَّارِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فِي بَعْضِ عُمَرِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَمَا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف عمرو بن مالك، وعبد الرحمن بن عثمان، وبحر بن مرار.
وروى أبو داود (١٨١٩)، والترمذي (٩١٩) مِنْ طَرِيْقِ هُشَيْمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ».
قال أبو داود: رواه عبد الملك بن أبي سليمان وهمام عن عطاء عن ابن عباس موقوفاً اهـ.
قُلْتُ: الصحيح فيه الوقف.
فالذي يظهر لي ثبوت الأمرين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . والله أعلم.
"فرع" ويقطع الحاج التلبية عند بلوغه جمرة العقبة.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١٦٧٠)، ومسلم (١٢٨١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ، «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ».
стр. 4106
ويدل على ذلك أيضاً أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان منشغلاً بالتكبير عند رمي الجمار، فناسب أن تقطع التلبية قبل ذلك.
وقد روى مسلم (١٢١٨) من حديث جابر وفيه: « … حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا … ».
وأمَّا ما رواه ابن خزيمة في [صَحِيْحَهِ] (٢٨٨٧)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٣٨٦) مِنْ طَرِيْقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ ﵁، قَالَ: «أَفَضْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ مَعَ آخِرِ حَصَاةٍ».
قُلْتُ: هذه لفظة شاذة، مخالفة لسائر من روى الحديث عن ابن عباس.
قال الحافظ البيهقي ﵀ بعد روايته لهذا الحديث: «وأمَّا ما في رواية الفضل بن عباس من الزيادة فإنَّها غريبة أوردها محمد بن إسحاق بن خزيمة واختارها وليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل بن عباس فالله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في ذلك، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٧٩): «مسألة: قال: "ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي"، وممن قال: يلبي حتى يرمي الجمرة.
стр. 4107
ابن مسعود، وابن عباس، وميمونة. وبه قال عطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، والنخعي، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وروي عن سعد بن أبي وقاص، وعائشة: يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف.
وعن علي، وأم سلمة، أنَّهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس من يوم عرفة.
وهذا قريب من قول سعد، وعائشة.
وكان الحسن يقول: يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة.
وقال مالك: يقطع التلبية إذا راح إلى المسجد.
ولنا، أنَّ الفضل بن عباس روى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
وكان رديفه يومئذ، وهو أعلم بحاله من غيره، وقول النبي ﷺ وفعله مقدم على كل من خالفه.
واستحب قطع التلبية عند أول حصاة؛ للخبر، وفي بعض ألفاظه: حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة. رواه حنبل، في "المناسك" وهذا بيان يتعين الأخذ به.
وفي رواية من روى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يكبر مع كل حصاة، دليل على أنَّه لم يكن يلبي، ولأنَّه يتحلل بالرمي، فإذا شرع فيه قطع التلبية، كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف» اهـ.
стр. 4108
قُلْتُ: روى ابن خزيمة في [صَحِيْحَهِ] (٢٨٨٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٣٨٥) مِنْ طَرِيْقِ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، ثنا شَرِيكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ».
قُلْتُ: أخطأ شريك بن عبد الله وهو ابن أبي نمر في رفع هذا الحديث، والصحيح فيه الوقف، كما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤١٩٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّهُ لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَقَطَعَ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ».
* * *
стр. 4109
٢١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلاَّ وَمَعَهَا حُرْمَةٌ».
وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: «لا تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - فيه النهي عن سفر المرأة مسيرة يوم وليلة، أو يوم من غير محرم.
قُلْتُ: وجاء تقييد ذلك بليلة فيما رواه مسلم (١٣٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا».
وجاء تقييد ذلك بيوم فيما رواه مسلم (١٣٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»
قُلْتُ: وعزو المؤلف هذه الرواية للبخاري وهم وإنَّما هي في مسلم.
وجاء تقييد ذلك بيومين فيما رواه البخاري (١١٩٧)، ومسلم (٨٢٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي قَالَ: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلَّا مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ».
.
стр. 4110
وقد جاء تقييد النهي بمسيرة ثلاثة أيام، فيما رواه البخاري (١٠٨٦)، ومسلم (١٣٣٨) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
وفيما رواه مسلم (٨٢٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».
وجاء تقييد النهي بمسيرة ثلاثة أيام فصاعداً فيما رواه مسلم (١٣٤٠) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوِ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا».
وجاء النهي عن سفر المرأة مطلقاً مع غير محرم فيما رواه البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ، فَقَالَ: «اخْرُجْ مَعَهَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٥٠٠):
«قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة الليلة أو البريد.
стр. 4111
قال البيهقي: كأنَّه ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم: فقال: لا، وسئل عن سفرها يوما فقال: لا. وكذلك البريد، فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفاً عن رواية واحد فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمى سفراً، فالحاصل أنَّ كل ما يسمى سفراً تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوماً أو بريداً أو غير ذلك؛ لرواية ابن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة:
"لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يسمى سفراً. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا المحرم فعرفه الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٧٧) بقوله: «وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها. فخرج بالتأبيد أخت الزوجة وعمتها، وبالمباح أم الموطوءة بشبهة، وبنتها، وبحرمتها الملاعنة. واستثنى أحمد من حرمت على التأبيد مسلمة لها أب كتابي فقال: لا يكون محرماً لها لأنَّه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها. ومن قال إنَّ عبد المرأة محرم لها يحتاج أن يزيد في هذا الضابط ما يدخله» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٣٠٢):
стр. 4112
«ويشترط في المحرم أن يكون بالغاً عاقلاً.
قيل لأحمد: فيكون الصبي محرماً؟ قال: لا، حتى يحتلم؛ لأنَّه لا يقوم بنفسه، فكيف يخرج مع امرأة.
وذلك لأنَّ المقصود بالمحرم حفظ المرأة، ولا يحصل إلَّا من البالغ العاقل، فاعتبر ذلك» اهـ.
وبهذا أخذ الحنفية، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَاسَانِي ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْصَّنَائِعِ] (٤/ ٣٦٥): «وقالوا في الصبي الذي لم يحتلم، والمجنون الذي لم يفق: إنَّهما ليسا بمحرمين في السفر؛ لأنَّه لا يتأتى منهما حفظها، وقالوا في الصبية التي لا يشتهى مثلها: إنَّها تسافر بغير محرم؛ لأنَّه يؤمن عليها فإذا بلغت حد الشهوة لا تسافر بغير محرم؛ لأنّها صارت بحيث لا يؤمن عليها» اهـ.
قُلْتُ: وهناك من أهل العلم من لم يشترط البلوغ للمحرم كما هو المشهور عند علماء الشافعية، وقالوا: يُكتفَى بالمراهق، وذهب العلامة النووي إلى أنَّ الصبي المميز الذي يستحيى منه يعد محرماً، وقد نقل ذلك عنه الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (١٤/ ٣٥٢) فقال:
«كما صرح به المصنف في فتاويه حيث قال: ويشترط أن يكون بالغا عاقلاً، أو مراهقاً، أو مميزاً يستحيى منه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ زَكَرِيَا الْأَنْصَارِيُّ ﵀ فِي [أَسْنَى الْمَطَالِبِ] (٣/ ٤٠٧):
стр. 4113
«وَقَضِيَّةُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي مِنْهَاجِهِ كَأَصْلِهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُمَيِّزِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا أَوْ مُرَاهِقًا أَوْ مُمَيِّزًا يُسْتَحْيَا مِنْهُ» اهـ.
قُلْتُ: وفيه شيء من التوسع لأنَّ الصبي يحتاج إلى من يقوم بحفظه فكيف يتولى حفظ غيره.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (٧/ ٢٣٤):
«ولا يشترط في المحرم البلوغ بل يكفي التمييز ووجود الكفاية» اهـ.
قُلْتُ: وهكذا يشترط فيه العقل فلا تصح محرمية المجنون ولا أعلم في ذلك نزاعاً.
ويشترط الإسلام في محرمية السفر في مذهب الإمام أحمد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٧٥): «وكذلك الكافر ليس بمحرم لقرابته المسلمة.
قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت بنته: لا يسافر بها، ليس هو محرماً لها.
والظاهر أنَّه أراد ليس محرماً لها في السفر، أمَّا النظر فلا يجب عليها الحجاب منه؛ لأنَّ أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك، فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت فراش رسول الله ﷺ لئلا يجلس عليه، ولم تحتجب منه، ولا أمرها بذلك النبي ﷺ » اهـ.
ولم تر الحنفية ذلك شرطاً غير أنَّهم استثنوا المجوسي، فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ عُبْدُ اللهِ بْنُ مَحْمُودٍ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الِاخْتِيَارِ لِتَعْلِيْلِ الْمُخْتَارِ] (١/ ١٥١): «والعبد والحر
стр. 4114
والمسلم والذمي سواء، إلَّا المجوسي الذي يعتقد إباحة نكاحها، والفاسق لأنَّه لا يحصل به المقصود، ولا بد فيه من العقل والبلوغ لعجز الصبي والمجنون عن الحفظ» اهـ.
قُلْتُ: إذا لم يحصل مقصود المحرمية من الفاسق فعدم حصوله من الكافر من باب أولى.
ويشترط في المحرم أن يكون بصيراً لأنَّ المقصود منه الحفظ والصيانة وهذا لا يتأتى من الأعمى.
وقد صرَّح بهذا بعض علماء الشافعية.
قَالً الْخَطِيْبُ الْشَّرْبِيْنِيُّ ﵀ فِي [مُغْنِي الْمُحْتَاجِ] (١٤/ ٣٥٣): «ويشترط في المحرم أن يكون بصيراً كما قاله الزركشي، فلا يكفي الأعمى، كما لا يكفي في السفر بالمرأة إذا كان محرماً لها» اهـ.
٢ - ظاهر الحديث شمول سفر الحج وغيره.
قُلْتُ: وقد ذهب بعض العلماء إلى جواز سفر المرأة لحج الفريضة من غير محرم إذا أمنت على نفسها، واحتجوا بما رواه البخاري (٣٥٩٥) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟» قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ: «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ .... ».
стр. 4115
قُلْتُ: هذا الحديث غاية ما فيه الإخبار عن حصول الأمن، ولا يدل على جواز ما يحصل من بعض النساء في ذلك الوقت من السفر بغير محرم؛ لأنَّ هذا مما قد نص النبي ﷺ على منعه في سنته ومن ذلك ما رواه البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ، فَقَالَ: «اخْرُجْ مَعَهَا». فإنَّه وارد بخصوص الحج.
واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري (١٨٦٠) وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ الأَزْرَقِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَذِنَ عُمَرُ ﵁، لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ».
قُلْتُ: لعل ذلك كان مع محارمهن، وإنَّما بعثهما عمر ليكونا وكلاء له في النظر في أمورهن، وعلى كلٍ سنة النبي ﷺ مقدمة على ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٩٨):
«مسألة: قال: "وحكم المرأة إذا كان لها محرم كحكم الرجل". ظاهر هذا أنَّ الحج لا يجب على المرأة التي لا محرم لها؛ لأنَّه جعلها بالمحرم كالرجل في وجوب الحج، فمن لا محرم لها لا تكون كالرجل، فلا يجب عليها الحج.
стр. 4116
وقد نص عليه أحمد، فقال أبو داود: قُلْتُ: لأحمد: امرأة موسرة، لم يكن لها محرم، هل يجب عليها الحج؟ قال: لا.
وقال أيضاً: المحرم من السبيل.
وهذا قول الحسن، والنخعي، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
وعن أحمد، أنَّ المحرم من شرائط لزوم السعي دون الوجوب، فمتى فاتها الحج بعد كمال الشرائط الخمس، بموت، أو مرض لا يرجى برؤه، أخرج عنها حجة؛ لأنَّ شروط الحج المختصة به قد كملت، وإنَّما المحرم لحفظها، فهو كتخلية الطريق، وإمكان المسير.
وعنه رواية ثالثة، أنَّ المحرم ليس بشرط في الحج الواجب.
قال الأثرم: سمعت أحمد يسأل: هل يكون الرجل محرماً لأم امرأته، يخرجها إلى الحج؟ فقال: أمَّا في حجة الفريضة فأرجو؛ لأنَّها تخرج إليها مع النساء، ومع كل من أمنته، وأمَّا في غيرها فلا والمذهب الأول، وعليه العمل.
وقال ابن سيرين، ومالك والأوزاعي، والشافعي. ليس المحرم شرطاً في حجها بحال.
قال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين، لا بأس به.
وقال مالك: تخرج مع جماعة النساء.
وقال الشافعي: تخرج مع حرة مسلمة ثقة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْعِ] (٧/ ٨٦):
стр. 4117
«أمَّا حكم المسألة: فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالي: لا يلزم المرأة الحج إلَّا إذا أمنت علي نفسها بزوج أو محرم نسب أو غير نسب أو نسوة ثقات فأي هذه الثلاثة وجد لزمها الحج بلا خلاف، وإن لم يكن شيء من الثلاثة لم يلزمها الحج علي المذهب سواء وجدت امرأة واحدة أم لا.
وقول ثالث: أنَّه يجب أن تخرج للحج وحدها إذا كان الطريق مسلوكاً كما يلزمها إذا أسلمت في دار الحرب الخروج إلى دار الإسلام وحدها بلا خلاف، وهذا القول اختيار المصنف وطائفة والمذهب عند الجمهور ما سبق وهو المشهور من نصوص الشافعي» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٥/ ٢٥٣): «وعند شيخنا: تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا في سفر المرأة لحج الفريضة، أو لما تضطر إليه المرأة كالأسيرة التي تخلصت من الأسر، وما سوى ذلك فالنزاع فيه ضعيف.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٧٦):
«قال البغوي: لم يختلفوا في أنَّه ليس للمرأة السفر في غير الفرض، إلَّا مع زوج أو محرم، إلَّا كافرة أسلمت في دار الحرب، أو أسيرة تخلصت. وزاد غيره: أو امرأة انقطعت من الرفقة فوجدها رجل مأمون فإنَّه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة» اهـ.
стр. 4118
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٥٠٠):
«واختلف أصحابنا في خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الإسلام، وقال الجمهور: لا يجوز إلَّا مع زوج أو محرم، وهذا هو الصحيح؛ للأحاديث الصحيحة.
وقد قال القاضي: واتفق العلماء على أنَّه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلَّا مع ذي محرم إلَّا الهجرة من دار الحرب، فاتفقوا على أنَّ عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أنَّ إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين، وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التأخر عن الحج، فإنَّهم اختلفوا في الحج هل هو على الفور أم على التراخي؟» اهـ.
* * *
стр. 4119
بَابُ: الْفِدْيَةِ.
٢١٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ إلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْفِدْيَةِ؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي خَاصَّةً. وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً. حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي. فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى - أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى - أَتَجِدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ: لا. فَقَالَ: صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ».
قُلْتُ: وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث بيان شدة ما حصل لكعب بن عجرة من أذى القمل، فمن ذلك ما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِه] (٢٨٩) نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ إِلَيْنَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: «فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ شَأْنُكَ؟ قَالَ: خَرَجَنْا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمِينَ، فَوَقَعَ الْقَمْلُ فِي رَأْسِي وَلِحْيَتِي وَشَارِبِي، حَتَّى وَقَعَ فِي حَاجِبِي … ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وقد رواه أحمد (١٨١٤٥) مِنْ طَرِيْقِ الأصبهاني به.
стр. 4120
ومن ذلك ما رواه أبو داود (١٨٦٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبَانُ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: «أَصَابَنِي هَوَامُّ فِي رَأْسِي وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَرِي .... ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قُلْتُ: أُرى الأولى والثالثة بضم أوله بمعنى: أظن. وأَرى الثانية بفتح أوله بمعنى أنظر وأشاهد.
والجَهد بفتح الجيم بمعنى المشقة، وبضمها بمعنى الطاقة، والمراد في الحديث الأول.
والفرق إناء يتسع لثلاثة آصع.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الأحكام تحمل على عمومها وإن وردت بسبب شخص معين.
٢ - وفيه أنَّ من حلق شعره لإزالة هوام رأسه يجب عليه فدية الأذى، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والمبيَّنَة في هذا الحديث.
стр. 4121
٣ - ويلحق به الوقوع في أي محظور من محظورات الإحرام إلَّا ما استثني كنكاح المحرم، وإنكاحه لغيره، وخطبته لنفسه أو لغيره وذلك لأنَّها واقعة على سبيل البطلان فاكتفى بإبطالها عن الكفارة أو الفدية، ولأنَّها من قبيل الأقوال والأحكام كمن تكلم بكلام محرم وذلك مما لا كفارة ولا فدية فيه في الإحرام.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢١٠):
«ولا كفارة في النكاح لأنَّه يقع باطلاً فلم يوجب الكفارة كشراء الصيد واتهابه، لأنَّه لا أثر لوقوعه فإنَّ مقصوده لم يحصل بخلاف الوطء واللباس ونحو ذلك، وكلما وقع على مخالفة الشرع وأمكن إبطاله اكتفي بإبطاله عن كفارة أو فدية، بخلاف الأمور التي لا يمكن إبطالها، ولأنَّه من باب الأقوال والأحكام وهذا الباب لا يوجب كفارة في الإحرام تختص به كما لو تكلم بكلام محرم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الشهادة في النكاح فلم يأت النهي عنها وكرهها بعض العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ١٩٥):
«وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فِي نِكَاحٍ عَقَدَهُ الْمُحِلُّونَ. وَقَالَ بعض أصحابنا: لا ينعقد بشهادته لِأَنَّ الشَّاهِدَ رُكْنٌ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ كَالْوَلِيِّ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ انْعِقَادُهُ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٢٨٤):
стр. 4122
«وَهَلْ يَجُوزُ كَوْنُ الْمُحْرِمِ شَاهِدًا فِي الْعَقْدِ وَيَنْعَقِدُ بِحُضُورِهِ فِيهِ وجهان ذكرهما المصنف بدليهما:
الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِ الْمُصَنِّفِينَ يَجُوزُ وَيَنْعَقِدُ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَقَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ وَلَا يَنْعَقِدُ قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ بِرِوَايَةٍ جَاءَتْ "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَشْهَدُ" وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْوَلِيِّ.
وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ ثَابِتَةً وَعَنْ الْقِيَاسِ بِالْفَرْقِ مِنْ وَجْهَيْنِ
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوَلِيَّ مُتَعَيَّنٌ كَالزَّوْجِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَلِيَّ لَهُ فِعْلٌ فِي الْعَقْدِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٣٠٨):
«فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَنَةٌ عَلَى النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ الْخِطْبَةَ. وَإِنْ شَهِدَ أَوْ خَطَبَ، لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ الْمُحْرِمِينَ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: "وَلَا يَشْهَدُ". وَلَنَا، أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلشَّاهِدِ فِي الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ الْخَطِيبَ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهَا حُكْمٌ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [تَصْحِيْحِ الْفُرُوْعِ] (٥/ ٤٤٣):
«وَتُكْرَهُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، وَحَرَّمَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ الْقَاضِي وَاحْتَجَّ بِنَقْلِ حَنْبَلٍ: لَا يَخْطِبُ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ: لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَ، ثُمَّ سَلَّمَهُ، كَالْمُصَلِّي يَشْهَدُ النِّكَاحَ وَالْمُحْرِمِ
стр. 4123
يَشْهَدُ شِرَاءَ الصَّيْدِ وَلَا يَعْقِدَانِ، وَلَا فِعْلَ لِلشَّاهِدِ فِي الْعَقْدِ، أَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الْخَبَرِ: "وَلَا يَشْهَدُ" فَلَا تَصِحُّ. وَفِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: يُكْرَهُ، لِمُحِلٍّ خِطْبَةِ مُحْرِمَةٍ، وَإِنَّ فِي كَرَاهَةِ شَهَادَتِهِ "فِيهِ" وَجْهَيْنِ:، كَذَا قَالَ» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢١٧):
«فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَقَدَ سَوَّى كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخِطْبَةِ كَرَاهَةً وَحَظْرًا.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَا يُمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ; لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فَهُوَ كَالْخَاطِبِ … ، أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُكْرَهُ مُطْلَقًا إِذْ لَا نَصَّ فِيهَا، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح عدم الكراهة إذ لا دليل على ذلك.
قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُم] (٥/ ٨٤):
«وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْهَدَ الْمُحْرِمُونَ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَيْسَ بِنَاكِحٍ وَلَا مُنْكِحٍ» اهـ.
قُلْتُ: ويستثنى من التخيير في الفدية الوطء، فإنَّ الدم فيه متعين، كما دلت على ذلك السنة، وأفتى بذلك أصحاب النبي ﷺ .
وقد جاء في الجماع للمحرم ما رواه أبو داود في [الْمَرَاسِيْلَ] (١٢٩)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٥٩) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ أَوْ زَيْدُ بْنُ نُعَيْمٍ - شَكَّ أَبُو تَوْبَةَ - أَنَّ، رَجُلًا، مِنْ
стр. 4124
جُذَامٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: لَهُمَا: «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَاهْدِيَا هَدْيًا ثُمَّ ارْجِعَا حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا تَفَرَّقَا وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى فَتُقْبِلَانِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، فَأَحْرِمَا وَأَتِمَّا نُسُكَكُمَا وَاهْدِيَا».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ مُرْسَلٌ، ويحيى هو ابن أبي كثير، وابن نعيم إن كان هو يزيد بن نعيم فلا بأس به، وإن كان الآخر فلا أدري من هو، وقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمِزِّيِّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ الْكَمَالِ] (١٠/ ١٠٨):
«هكذا قال أبو توبة بالشك. وقد روى يحيى بن أَبي كثير، عن يزيد بن نعيم بن هزال غير هذا الحديث من غير شك» اهـ.
قُلْتُ: وله شاهد من مراسيل ابن المسيب.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَطَّانِ ﵀ في [بَيَانِ الْوَهْمِ والْإِيْهَامِ] (٢/ ١٩٢):
«قال ابن وهب في "موطئه": أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب: أنَّ رجلاً من جذام، جامع امرأته - وهما محرمان - فسأل الرجل رسول الله ﷺ ، فقال لهما: "أتما حجكما، ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى، فأقبلا، حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، ثم أتما نسككما وأهديا"» اهـ.
стр. 4125
قُلْتُ: هذان المرسلان فيهما احتمال أن يرجعا إلى مخرج واحد، فإنَّ يزيد بن نعيم قد روى عن ابن المسيب، واشترك معه في بعض المشايخ.
قُلْتُ: ويشهد للمرفوع آثار عن الصحابة فمن ذلك:
ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٢٤٤)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٢) ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا، عَنِ الْمُحْرِمِ يُوَاقِعُ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: «يَقْضِيَانِ حَجَّهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَجِّهِمَا، ثُمَّ يَرْجِعَانِ حَلَالًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ قَابِلٍ حَجَّا وَأَهْدَيَا وَتَفَرَّقَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُمَا».
قُلْتُ: مجاهد أدرك آخر خلافة عمر، فقد ولد في سنة إحدى وعشرين من الهجرة.
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٨٥٤)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٠) أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا: عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ؟ فَقَالُوا: «يَنْفُذَانِ يَمْضِيَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا. ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ»، قَالَ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «وَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا».
قُلْتُ: وهذا من بلاغات الإمام مالك ﵀، لم يسنده.
стр. 4126
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٢٤٦) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ، فَإِذَا حَجَّا مِنْ قَابِلٍ تَفَرَّقَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهُمَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، حفص هو ابن غياث، وأشعث هو ابن سوار ضعيف الحديث، والحكم هو ابن عتيبة روايته عن علي مرسلة.
قُلْتُ: وجاء عن ابن عباس ﵄.
فروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٣) وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زَكَرِيَّا، أنبأ أَبُو طَاهِرٍ، ثنا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، قَالَ: «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَارْجِعَا إِلَى بَلَدِكُمَا فَإِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ فَاخْرُجَا حَاجَّيْنِ، فَإِذَا أَحْرَمْتُمَا فَتَفَرَّقَا وَلَا تَلْتَقِيَا حَتَّى تَقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَأَهْدِيَا هَدْيًا».
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ثُمَّ أَهِلَّا مِنْ حَيْثُ أَهْلَلْتُمَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.
قُلْتُ: شيخ البيهقي، وشيخ شيخه لم أقف لهما على جرح ولا تعديل.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٦) وَأَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، إِجَازَةً أنَّ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ زِيَادٍ، أَخْبَرَهُمْ، أنبأ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْقَيْسِيُّ، ثنا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ بَكْرٍ، أنبأ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ عِكْرِمَةَ مَوْلَى
стр. 4127
ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا، وَامْرَأَتَهُ مِنْ قُرَيْشٍ لَقِيَا ابْنَ عَبَّاسٍ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَمَّا حَجُّكُمَا هَذَا فَقَدْ بَطُلَ فَحُجَّا عَامًا قَابِلًا، ثُمَّ أَهِلَّا مِنْ حَيْثُ أَهْلَلْتُمَا حَتَّى إِذَا بَلَغْتُمَا حَيْثُ وَقَعْتَ عَلَيْهَا فَفَارِقْهَا فَلَا تَرَاكَ وَلَا تَرَاهَا حَتَّى تَرْمِيَا الْجَمْرَةَ وَأَهْدِ نَاقَةً، وَلْتُهْدِ نَاقَةً».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ في الشواهد، وأبو محمد بن زياد هو عبد الله بن محمد بن علي بن زياد رجل عابد مستور.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٢٥٦)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٧) مِنْ طَرِيْقِ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيٌ».
ولفظي البيهقي: «بَدَنَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٥١٦١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ قَالَ: «عَلَيْهِ دَمٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُ الآخَرِ صَحِيْحِ.
стр. 4128
وروى ابن أبي شيبة أيضاً (١٥١٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ، قَالَ: «عَلَيْهِ وَعَلَى امْرَأَتِهِ بَدَنَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٩) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنبأ مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: جَاءَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجُلٌ، فَقَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي قَبْلَ أَنْ أَزُورَ، فَقَالَ: «إِنْ كَانَتْ أَعَانَتْكَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نَاقَةٌ حَسْنَاءُ جَمْلَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُعِنْكَ فَعَلَيْكَ نَاقَةٌ حَسْنَاءُ جَمْلَاءُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وابن خثيم هو عبد الله بن عثمان بن خثيم.
وفي الباب أيضاً ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣٢٤٨) الدارقطني ﵀ في [سُنَنِه] (٣٠٠٠)، ومِنْ طَرِيْقِه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٢٣٧٥) ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٥٦٤)، و [الْمَعْرِفَةِ] (٣٢٠٠)، مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَسْأَلُهُ عَنْ مَحْرَمٍ وَقَعَ بِامْرَأَةٍ، فَأَشَارَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ فَاسْأَلْهُ، قَالَ شُعَيْبٌ: فَلَمْ يَعْرِفْهُ الرَّجُلُ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: «بَطُلَ حَجُّكَ»، قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَفَأَقْعُدُ؟»، قَالَ: «بَلْ تَخْرُجُ مَعَ النَّاسِ وَتَصْنَعُ مَا يَصْنَعُونَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ قَابِلًا فَحِجَّ وَاهْدِ»، فَرَجَعَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اذْهَبْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَاسْأَلْهُ»، قَالَ شُعَيْبٌ: «فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا
стр. 4129
قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَرَجَعَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ»، ثُمَّ قَالَ: «مَا تَقُولُ أَنْتَ؟»، قَالَ: «أَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قُلْتُ: فهذه الموقوفات تقوي الحديث المرسل، ويصير بها في مرتبة الحسن.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٢٩):
«وهذا المرسل قد شهد له ظاهر القرآن وعمل أصحاب رسول الله ﷺ وعوام علماء الإسلام، وأيضاً فإنَّه إجماع الصحابة والتابعين» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القضاء إذا كان الوطء قبل رمي جمرة العقبة، وأمَّا إذا كان الوطء بعد الشروع في التحلل الأول فتلزمه بدنة فقط من غير قضاء للحج، ويدل عليه فتوى ابن عباس الماضية، وهي ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٥١٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ، قَالَ: «عَلَيْهِ وَعَلَى امْرَأَتِهِ بَدَنَةٌ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
فأنت ترى أنَّ ابن عباس ﵄ لم يأمرهما بالقضاء، واتفق على ذلك الأئمة الأربعة، وقال النخعي، والزهري، وحماد: عليهما حج من قابل.
قُلْتُ: والصحيح ما عليه الجمهور، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٨٢) - معللاً لصحة ما ذهب إليه الجمهور -:
стр. 4130
«ولأنَّه قول ابن عباس، فإنَّه قال في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزوراً بينهما، وليس عليه الحج من قابل.
ولا نعرف له مخالفاً في الصحابة.
ولأنَّ الحج عبادة لها تحللان، فوجود المفسد بعد تحللها الأول لا يفسدها، كبعد التسليمة الأولى في الصلاة، وبهذا فارق ما قبل التحلل الأول» اهـ.
قُلْتُ: وإيجاب البدنة هو الصحيح خلافاً لمن أوجب الشاة كأحمد في رواية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٣٨) - بعد ذكره لأثر ابن عباس -:
«ولا يعرف له مخالف في إيجاب البدنة» اهـ.
قُلْتُ: وظاهر قول ابن عباس أنَّه لا يلزمه أن يحرم من الحل، من أجل أن يتم نسكه بإحرام صحيح، وهو مذهب الشافعي، وأوجب غيره الإحرام من الحل كالإمام مالك، وأحمد وغيرهما.
وقد جاء عن ابن عباس ما يوافق قول الإمام أحمد، وهو ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٨٥٩) عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا أَظُنُّهُ إِلَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه (٨٥٨) مِنْ طَرِيْقِ أبي الزبير المكي عن عطاء به.
стр. 4131
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٤٠):
«ورواه النجاد عن عكرمة عن ابن عباس من غير شك» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠) أثراً لابن عمر أنَّه أوجب قضاء الحج لمن جامع قبل طواف الإفاضة وعزاه إلى سعيد بن أبي عروبة في "المناسك"، ولم أقف عليه.
ثم قال ﵀: «فإذا اختلف الصحابة على قولين أحدهما إيجاب حج كامل، والثاني إيجاب عمرة لم يجز الخروج عنهما والاجتزاء بدون ذلك ولا يعرف في الصحابة من قال بخلاف هذين، وقد تقدم أنَّه لا يفسد جميع الحجة فبقى قول ابن عباس.
وأيضاً فإنَّه كان قد بقى عليه من الحج أن يفيض من منى إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة ويسعى معه وإن كان لم يسع أولاً فيما بقي عليه من إحرامه وهو الإحرام من النساء خاصة فإذا وطئ فقد فسد هذا الإحرام، فإنَّ ما يفسد الإحرام الكامل يفسد الإحرام الناقص بطريق الأولى، ولو لم يجب عليه استبقاء الإحرام من النساء إلى تمام الإفاضة لجاز الوطء قبلها وهو غير جائز بالسنة والإجماع، فإذا فسد ما بقي من الإحرام فلو جاز أن يكتفي به لجاز الاكتفاء بالإحرام الفاسد عن الصحيح، ولوقعت الإفاضة وطوافها في غير إحرام صحيح وهذا غير مجزئ،
стр. 4132
وإذا وجب أن يأتي بإحرام صحيح فلا بد أن يخرج إلى الحل ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا فقه دقيق، وقول سديد.
وقد اختلف أصحاب أحمد في هذا الإحرام، هل هو إحرام بعمرة كاملة، فيلزمه السعي، والحلق، أو التقصير، وإن كان قد سعى قبل ذلك في طواف القدوم، أم هو إحرام من أجل فعل ما بقي من نسك الحج في إحرام صحيح.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣) - بعد ذكره لشيء من الخلاف في ذلك -:
«وقال القاضي في المجرد والشريف أبو جعفر وابن عقيل وغيرهم: إنَّما عليه عمرة فقط وهذا هو المنقول عن ابن عباس وأحمد وهو الصواب.
ثم اختلفت عباراتهم فقال القاضي في موضع والشريف معناه: أنَّه يحرم للطواف والسعي وهو أفعال العمرة. فالمعنى أنَّه يأتي في إحرامه بأفعال العمرة. وقال ابن عقيل: كلام أحمد يدل على أنَّه يحرم بنفس العمرة حتى لا يكون إحرامه لمجرد الطواف والسعي الذي هو فعل من أفعال الحج بل يحرم بنسك كامل ويجعل ما بقي من الحج داخلاً في أثنائه ولا يكفيه أن يأتي بما بقي من غير إحرام. وهذا أجود فعليه أن يأتي بعمرة تامة يتجرد لها ويهل من الحل ويطوف ويسعى ويقصر أو يحلق ويعتقد أنَّ هذه العمرة قائمة مقام ما بقي عليه وأنَّ طوافها هو طواف الحج
стр. 4133
الذي كان عليه، فإنَّ ابن عباس وأحمد صرحا بأنَّه يعتمر ويهدي وفسرا ذلك بأربعة أميال مكان أربعة أميال.
نعم وجب عليه إنشاء الإحرام ليأتي بما بقي عليه في إحرام صحيح، ومن لوازم الإحرام المبتدأ أن يتجنب فيه جميع المحظورات وأن يهل فيه وأن لا يتحلل منه إلَّا بعد السعي والحلق وهذه الزيادات وإن لم تكن كانت واجبة فإنَّها وجبت لجبر ما قد فسد من إحرامه إذ لا يمكن الجبر إلَّا بإحرام صحيح ولا يكون الإحرام الصحيح إلَّا هكذا» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ابن قدامة ﵀ فقد اختار غير ذلك فقال في [الْمُغْنِيِّ] (٧/ ٢٨٣):
«وإذا أحرم من الحل، طاف للزيارة، وسعى إن كان لم يسع في حجه.
وإن كان سعى، طاف للزيارة، وتحلل.
هذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأنَّ الذي بقي عليه بقية أفعال الحج، وإنَّما وجب عليه الإحرام ليأتي بها في إحرام صحيح.
والمنصوص عن أحمد ومن وافقه من الأئمة، أنَّه يعتمر، فيحتمل أنَّهم أرادوا هذا أيضاً، وسموه عمرة؛ لأنَّ هذا هو أفعال العمرة؛ ويحتمل أنَّهم أرادوا عمرة حقيقية، فيلزمه سعي وتقصير.
والأول أصح؛ لما ذكرنا» اهـ.
стр. 4134
قُلْتُ: كلام شيخ الإسلام أصوب، والأصل إجراء الكلام على ظاهره. والله أعلم.
وأمَّا الوطء في العمرة قبل التحلل وبعد السعي فلا تبطل العمرة بذلك والواجب فدية الأذى على التخيير لما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٠/ ٤٤٢): فَوَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، قَدْ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: «إِنِّي خَرَجْتُ مَعَ زَوْجِي، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَوَقَعَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُقَصِّرَ، فَقَالَ: "شَبَقٌ شَدِيدٌ"، فَاسْتَحْيَتِ الْمَرْأَةُ، فَقَامَتْ، فَقَالَ: "عَلَى الْمَرْأَةِ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامُ ثَلَاثَةِ مَسَاكِينَ أَوْ تَنْسُكِينَ نُسُكًا"، فَقَالَتْ: أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "النُّسُكُ"، قَالَتْ: أَيُّ النُّسُكِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "اذْبَحِي بَقَرَةً، أَوِ انْحَرِي نَاقَةً"، فَقَالَتْ: أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "انْحَرِي نَاقَةً"».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ومحمد بن خزيمة قَالَ فِيْهِ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (٣/ ٥٣٧): «محمد بن خزيمة، شيخ الطحاوي - فمشهور ثقة» اهـ.
قُلْتُ: والقول بعدم البطلان رواية عن أحمد.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٤٥):
стр. 4135
«وإن وطئها بعد السعي وقبل الحلق أو بعد الطواف قبل الحلق وقلنا السعي سنة لم تبطل عمرته بحال سواء قلنا الحلاق واجب أو سنة هذا هو المنصوص عنه في غير موضع وعليه عامة أصحابه».
إلى أن قال ﵀ (٣/ ٢٤٨) في فتوى ابن عباس:
«ولا يعرف له في الصحابة مخالف.
وأيضاً فإنَّه وإن كان على إحرامه فقد نقض إحرامه بجواز التحلل منه بالحلق فلم يبق إحراماً تاماً.
وأيضاً فالحلق وإن كان نسكاً واجباً فلا ريب أنَّه تحلل من الإحرام ليس هو مما يفعل في الإحرام بل هو برزخ بين كمال الحرم وكمال الحل، فإذا وطئ فإنَّما أساء لكونه قد تحلل بغير الحلق ومثل هذا لا يفسد الإحرام فعلى هذا لا يحلق بعد الوطء ولا يقصر. وأمَّا كونه إحراماً تاماً فغير مسلم» اهـ.
وقال قبل ذلك (٣/ ٢٤٧): «وأمَّا على المذهب فيفوت الحلق بالوطء» اهـ.
قُلْتُ: ومذهب الجمهور أنَّ العمرة لا تبطل بالوطء بعد السعي وقبل الحلق أو التقصير، وأبطلها الإمام الشافعي لأنَّ الحلق أو التقصير عنده من أركان الحج، والجمهور على أنَّهما من والواجبات، وليسا من الأركان.
واحتج على أنَّه لا يلزمه بعد الوطء الحلق أو التقصير بأثر ابن عباس هذا فإنَّه لم يأمر المرأة به.
следующие страницы →