Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
وأيضاً: فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما نهى المحرم عن الخف كما رخص في المسح على الخف والمقطوع وما أشبه من الجمجم والحذاء ونحوهما ليس بخف ولا في معنى الخف فلا يدخل في المنع كما لم يدخل في المسح لا سيما ونهيه عن الخف إذن فيما سواه لأنَّه سئل عما يلبس المحرم من الثياب فقال: لا يلبس كذا فحصر المحرم فما لم يذكره فهو مباح.
وأيضاً: فإنَّه إمَّا أن يلحق بالخف أو بالنعل وهو بالنعل أشبه فإنَّه لا يجوز المسح عليه كالنعل.
وأيضاً: فإنَّ القدم عضو يحتاج إلى لبس فلا بد أن يباح ما تدعو إليه الحاجة وكثير من الناس لا يتمكن من المشي في النعل فلا بد أن يرخص لهم فيما يشبهه من الجمجم والمداس ونحوهما وهو في ذلك بخلاف اليد فإنَّها لا تستر بالقفاز ونحوه لعدم الحاجة.
ووجه الأول: قوله في حديث ابن عمر: "ولا الخفين إلَّا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين". وفي لفظ صحيح: "إلَّا أن يضطر يقطعه من عند الكعبين". وفي رواية: "إلَّا أن يضطر مضطر فيقطعها أسفل من الكعبين". وفي روايات متعددة: "ولا الخفين إلَّا أحد لا يجد نعلين فليلبسهما أسفل من الكعبين". فلم يرخص في لبس المقطوع إلَّا لعادم النعل وعلقه باضطراره إلى ذلك وهذا صريح في نهيه عنه إذا لم يضطر وإذا كان واجداً وليس بمفهوم.
стр. 4062
قالوا: وإنَّما أمر أولا بالقطع ليقارب النعل لا ليصير مثله من كل وجه إذ لو كان مثله من كل وجه لم ينه عنه إلَّا في الضرورة ثم إنَّه نسخ ذلك كما تقدم. ويؤيد ذلك أنَّه قال في حديث ابن عمر: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين". فلما كانت الأعضاء التي يحتاج إلى سترها ثلاثة ذكر لكل واحد نوعاً غير مخيط على قدره والأمر بالشيء نهى عن ضده فعلم أنَّه لا يجز الإحرام إلَّا في ذلك ولأنَّه مخيط مصنوع على قدر العضو فمنع منه المحرم كالمخيط لجميع الأعضاء والحاجة إنَّما تدعو إلى شيء يقيه مس قدمه الأرض وذلك يحصل بالنعل لما لم يثبت بنفسه رخصة له في سيور تمسكه كما يرخص في عقد الإزار لما لم يثبت إلَّا بالعقد.
فأمَّا ستر جوانب قدمه وظهرها وعقيبته فلا حاجة إليه فلبس ما صنع لستره ترفه ودخول في لباس العادة كلبس القفاز والسراويل ولأنَّ نسبة الجمجم ونحوه إلى النعل كنسبة السراويل إلى الإزار فإنَّ السراويل ..
فعلى هذا قال أحمد في رواية الأثرم: لا يلبس نعلاً لها قيد وهو السير في الزمام معترضاً. فقيل له فالخف المقطوع. فقال: هذا أشد.
وقال حرب سئل أحمد عن النعل يوضع عليها شراك بالعرض على ظهر القدم كما يفعله المحرس يلبسه المحرم فكرهه.
وقال في رواية المروذي أكره المحمل والعقب الذي يجعل للنعل وكان عطاء يقول فيه دم والقيد والمحمل واحد.
стр. 4063
قال القاضي وغيره هي النعال المكلفات. واختلف أصحابنا فمنهم من حمله على التحريم بكل حال على عموم كلامه قال ابن أبي موسى ويزيل ما على نعله من قيد أو عقب فإن لم يفعل فعليه دم. وقد روي عن أحمد في القيد في النعل يفتدي لأنَّا لا نعرف النعال هكذا.
ومعنى القيد سير ثان على ظهر القدم والعقب الذي يكون في مؤخر القدم وهذا لأنَّ القدر الذي يحتاج إليه النعل من السيور الزمام لأنَّه يمنع النعل من التقدم والتأخر والشراك فإنَّه إذا عقده امتنع من أن ينتحي يميناً وشمالاً فأمَّا سير ثان على ظهر القدم مع الشراك أو عقب بإزاء الزمام فلا حاجة إليه ولأنَّه ستر ظهر القدم وجانبه بما صنع له مما لا حاجة إليه فهو كما لو ستره بظهر قدم الجمجم وعقبه وهذا لأنَّ الظهر والعقب يصير بهما بمنزلة المداس ويصير القدم في مثل الخف فأشبه ما لو صنع قميصاً مشبكاً أو لبس خفاً مخرقاً فإنَّه بمنزلة القميص والخف السليمين.
ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أباح النعال وأذن فيها فخرج كلامه على النعال التي يعرفونها والقيد والعقب محدثان يصير بهما النعل شبيها بالحذاء كالرداء إذا زرره أو خلله فإنَّه يصير كالبقير من القمصان وهذا القول مقتضي كلامه وهو أقيس على قول من يمنع المحرم من الجمجم وهو أتبع للأثر.
стр. 4064
وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما إنَّما كره ذلك إذا كان العقب والقيد عريضاً يستر بعض الرجل قالوا ولا فدية في ذلك قالوا لأنَّه أخف حكماً من الخف المقطوع وقد أباح النبي ﷺ لبسه وسقطت الفدية فيه وتخصيصهم الكلام بالعريضة ليس في كلام أحمد تعرض له فإنَّ الرقيق أيضاً يستر بحسبه ولا حاجة إليه.
وأمَّا إسقاط الفدية فيحتمله كلام أحمد حيث نطق بالكراهة وحكى عن عطاء أنَّ فيه دماً ولم يجزم به» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٢٨):
«فصل: فإن لبس المقطوع، مع وجود النعل، فعليه الفدية، وليس له لبسه. نص عليه أحمد، وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه؛ لأنَّه لو كان لبسه محرماً، وفيه فدية، لم يأمر النبي ﷺ بقطعهما، لعدم الفائدة فيه، وعن الشافعي كالمذهبين.
ولنا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شرط في إباحة لبسهما عدم النعلين، فدل على أنَّه لا يجوز مع وجودهما، ولأنَّه مخيط لعضو على قدره، فوجبت على المحرم الفدية بلبسه، كالقفازين» اهـ.
وقال ﵀ (٦/ ٤٣٠): «فصل: فأمَّا النعل، فيباح لبسها كيفما كانت، ولا يجب قطع شيء منها؛ لأنَّ إباحتها وردت مطلقاً.
وروي عن أحمد في القيد في النعل: يفتدي؛ لأننا لا نعرف النعال هكذا.
стр. 4065
وقال: إذا أحرمت فاقطع المحمل الذي على النعال، والعقب الذي يجعل للنعل، فقد كان عطاء يقول: فيه دم.
وقال ابن أبي موسى، في "الإرشاد": في القيد والعقب الفدية، والقيد: هو السير المعترض على الزمام.
قال القاضي: إنَّما كرههما إذا كانا عريضين.
وهذا هو الصحيح؛ فإنَّه إذا لم يجب قطع الخفين الساترين للقدمين والساقين فقطع سير النعل أولى أن لا يجب.
ولأنَّ ذلك معتاد في النعل، فلم تجب إزالته، كسائر سيورها، ولأنَّ قطع القيد والعقب ربما تعذر معه المشي في النعلين؛ لسقوطهما بزوال ذلك، فلم يجب، كقطع القبال» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا بأس بلبس الأحذية التي لا تغطي جميع القدم، وأمَّا ما غطى القدم دون الكعب فالأظهر جواز لبسه، فإن قيل: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما أذن بقطع الخفين أسفل من الكعبين بشرط عدم وجود النعل لا مطلقاً؛ لما رواه البخاري (١٥٤٢)، ومسلم (١١٧٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا
стр. 4066
البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ».
قُلْتُ: الذي يظهر لي في ذلك أنَّ هذا الشرط - وهو عدم قطع الخف إلَّا عند عدم وجود النعل - من أجل أنَّ في القطع إتلافاً للخف من غير حاجة تدعو إلى ذلك، والأذن بلبس الخف عند قطعه دليل على جواز لبس ما كان كذلك. والله أعلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١١٠):
«ورخص في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين وإنَّما رخص في المقطوع أولاً؛ لأنَّه يصير بالقطع كالنعلين. ولهذا كان الصحيح أنَّه يجوز أن يلبس ما دون الكعبين: مثل الخف المكعب والجمجم والمداس ونحو ذلك سواء كان واجداً للنعلين أو فاقداً لهما وإذا لم يجد نعلين ولا ما يقوم مقامهما: مثل الجمجم والمداس ونحو ذلك. فله أن يلبس الخف ولا يقطعه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩):
«والعجب أنَّ من يوجب القطع يوجب ما لا فائدة فيه، فإنَّهم لا يجوزون لبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما. بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لبسه. فأي معنى للقطع، والمقطوع عندكم كالصحيح؟! وأمَّا أبو حنيفة فيجوز لبس المقطوع، وليس عنده كالصحيح، وكذلك المداس والجمجم ونحوهما. قال شيخنا: وأفتى به جدي أبو البركات في آخر عمره لما حج: قال شيخنا: وهو الصحيح، لأنَّ المقطوع لبسه أصل لا بدل. قال شيخنا: فأبو حنيفة
стр. 4067
فهم من حديث ابن عمر أنَّ المقطوع لبسه أصل لا بدل، فجوز لبسه مطلقاً، وهذا فهم صحيح، وقوله في هذا أصح من قول الثلاثة والثلاثة فهموا منه الرخصة في لبس السراويل عند عدم الإزار والخف عند عدم النعل، وهذا فهم صحيح، وقولهم في هذا أصح من قوله، وأحمد فهم من النص المتأخر لبس الخف صحيحاً بلا قطع عند عدم النعل، وأنَّ ذلك ناسخ للأمر بالقطع، وهذا فهم صحيح، وقوله في ذلك أصح الأقوال.
فإن قيل: فلو كان المقطوع أصلاً لم يكن عدم النعل شرطاً فيه، والنبي ﷺ إنَّما جعله عند عدم النعل. قيل: بل الحديث دليل على أنَّه ليس كالخف، إذ لو كان كالخف لما أمر بقطعه فدل على أنَّ بقطعه يخرج من شبه الخف، ويلتحق بالنعل. وأمَّا جعله عدم النعل شرطاً فلأجل أنَّ القطع إفساد لصورته وماليته، وهذا لا يصار إليه إلَّا عند عدم النعل، وأمَّا مع وجود النعل فلا يفسد الخف ويعدم ماليته، فإذا تبين هذا تبين أنَّ المقطوع ملحق بالنعل لا بالخف، كما قال أبو حنيفة، وأنَّ على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه، فإنَّهم لا يجوزون لبس المقطوع، وهو عندهم كالخف.
فأي معنى للقطع والمقطوع عندكم كالصحيح وأمَّا أبو حنيفة فيجوز لبس المقطوع وليس عنده كالصحيح وكذلك المداس والجمجم ونحوهما» اهـ.
٩ - تحريم لبس الثوب الذي مسه زعفران أو ورس.
стр. 4068
قُلْتُ: ويلحق به سائر الأطياب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (١/ ٢١٣):
«ونهيه له عن الوَرْسِ والزعفران، قطع للذريعة إلى الطيب للمحرم لما فيهما من دواعي النساء، وتحريك اللذة والله الموفق» اهـ.
قُلْتُ: وقد حمل العلامة ابن القيم الحديث على غير معنى النهي عن الطيب.
فقال ﵀ في [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٣): «الحكم الثاني: أنَّه منعه من الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران، وليس هذا لكونه طيباً، فإنَّ الطيب في غير الورس والزعفران أشد، ولأنَّه خصه بالثوب دون البدن. وإنَّما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم فيه، أن لا يكون مصبوغاً بورس ولا زعفران. وقد نهي أن يتزعفر الرجل، وهذا منهي عنه خارج الإحرام، وفي الإحرام أشد. والنبي ﷺ لم يتعرض هنا إلَّا لأوصاف الملبوس، لا لبيان جميع محظورات الإحرام» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّه نهي عنهما من أجل الطيب، والنهي عن الأخف يقتضي النهي عن الأشد، وكونه خصه بالثوب دون البدن، وذلك أنَّه يجوز لغير المحرم أن يصبغ به ثوبه على الصحيح، فقد يظن الظان أنَّه لا يدخل في الطيب لكون المراد به الصبغ، فاحتيج إلى التنصيص عليه، والله أعلم.
قُلْتُ: واختلف العلماء في شم الطيب دون التطيب به.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٧١):
стр. 4069
«مسألة: قال: "ولا يتعمد لشم الطيب" أي لا يقصد شمه من غيره بفعل منه، نحو أن يجلس عند العطارين لذلك، أو يدخل الكعبة حال تجميرها، ليشم طيبها، أو يحمل معه عقدة فيها مسك ليجد ريحها.
قال أحمد: سبحان الله، كيف يجوز هذا؟ وأباح الشافعي ذلك، إلَّا العقدة تكون معه يشمها، فإنَّ أصحابه اختلفوا فيها؛ لأنَّه يشم الطيب من غيره، أشبه ما لو لم يقصده.
ولنا، أنَّه شم الطيب قاصداً مبتدئاً به في الإحرام، فحرم، كما لو باشره، يحققه أنَّ القصد شمه لا مباشرته، بدليل ما لو مس اليابس الذي لا يعلق بيده لم يكن عليه شيء، ولو رفعه بخرقة وشمه لوجبت عليه الفدية، ولو لم يباشره، فأمَّا شمه من غير قصد، كالجالس عند العطار لحاجته، وداخل السوق، أو داخل الكعبة للتبرك بها، ومن يشتري طيباً لنفسه وللتجارة ولا يمسه، فغير ممنوع منه؛ لأنَّه لا يمكن التحرز من هذا، فعفي عنه، بخلاف الأول» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١١٦):
«ومما ينهى عنه المحرم: أن يتطيب بعد الإحرام في بدنه أو ثيابه أو يتعمد شم الطيب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢٤٢):
стр. 4070
«وأمَّا شمه من غير مس، فإنَّما حرمه من حرمه بالقياس، وإلَّا فلفظ النهى لا يتناوله بصريحه، ولا إجماع معلوم فيه يجب المصير إليه، ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل، فإنَّ شمه يدعو إلى ملامسته في البدن والثياب، كما يحرم النظر إلى الأجنبية، لأنَّه وسيلة إلى غيره، وما حرم تحريم الوسائل، فإنَّه يباح للحاجة، أو المصلحة الراجحة، كما يباح النظر إلى الأمة المستامة، والمخطوبة، ومن شهد عليها، أو يعاملها، أو يطبها. وعلى هذا، فإنَّما يمنع المحرم من قصد شم الطيب للترفه واللذة، فأمَّا إذا وصلت الرائحة إلى أنفه من غير قصد منه، أو شمه قصداً لاستعلامه عند شرائه، لم يمنع منه، ولم يجب عليه سد أنفه، فالأول: بمنزلة نظر الفجأة، والثاني: بمنزلة نظر المستام والخاطب، ومما يوضح هذا، أنَّ الذين أباحوا للمحرم استدامة الطيب قبل الإحرام، منهم من صرح بإباحة تعمد شمه بعد الإحرام، صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: في "جوامع الفقه" لأبي يوسف: لا بأس بأن يشم طيباً تطيب به قبل إحرامه، قال صاحب "المفيد": إنَّ الطيب يتصل به، فيصير تبعاً له ليدفع به أذى التعب بعد إحرامه، فيصير كالسحور في حق الصائم يدفع به أذى الجوع والعطش في الصوم، بخلاف الثوب، فإنَّه بائن عنه» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ قول من منع الحاج من تعمد شم الطيب قول قوي؛ وذلك أنَّ الطيب إنَّما يراد منه الرائحة، ووضعه في الثوب أو البدن وسيلة لذلك.
١٠ - واحتج به من قال بجواز التزعفر لغير المحرم في الثوب دون البدن.
стр. 4071
قُلْتُ: وقد جاء في النهي عن التزعفر مطلقاً ما رواه البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٩/ ١١٩ - ١٢٠):
«وأجازوا لباس الثياب المصبوغة بالزعفران في غير حال الإحرام للرجال، وروى ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وهو قول مالك وأهل المدينة، قال مالك: رأيت عطاء بن يسار يلبس الرداء والازرار المصبوغ بالزعفران ورأيت ابن هرمز، ومحمد بن المنكدر يفعلان، ورأيت في رأس ابن المنكدر الغالية. وحملت طائفة نهيه ﵇ عن لباس المزعفر للرجال في حال الإحرام وفي كل حال وهو قول الكوفيين والشافعي» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ النهي عن التزعفر إنَّما ذلك للبدن دون الثوب، والشيب، ويدل على ذلك أنَّه قد ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قد صبغ به فروى أحمد (٥٧١٧، ٦٠٩٦)، والنسائي (٥١١٥) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه أبو داود (٤٠٦٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدٍ يَعْنِي ابْنَ أَسْلَمَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَصْبُغُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ
стр. 4072
حَتَّى تَمْتَلِئَ ثِيَابُهُ مِنَ الصُّفْرَةِ فَقِيلَ لَهُ لِمَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
ورواه النسائي (٥٠٨٥) أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْخَلُوقِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّكَ تُصَفِّرُ لِحْيَتَكَ بِالْخَلُوقِ، قَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَفِّرُ بِهَا لِحْيَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الصِّبْغِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَلَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ٣٩١):
«والخلوق بفتح الخاء هو طيب من أنواع مختلفة يجمع بالزعفران» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٣٣):
«والخلوق طيب يصنع من زعفران وغيره» اهـ.
وروى أبو يعلى (٦٧٨٩)، والحاكم (٧٣٩٥) مِنْ طَرِيْقِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مَصْبُوغَانِ بِالزَّعْفَرَانِ رِدَاءٌ وَعِمَامَةٌ».
стр. 4073
قُلْتُ: والد مصعب ضعفه ابن معين، ولا بأس بهذا الحديث في الشواهد.
وروى البخاري (١٦٦)، ومسلم (١١٨٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قال: «وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا».
وفي الباب حديث صحيح وهو طارق بن أشيم، وسيأتي عند كلامنا على "الورس".
وقد جاء عند النسائي (٥٢٥٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُزَعْفِرَ الرَّجُلُ جِلْدَهُ».
قُلْتُ: لكن هذه الزيادة في الحديث وهي «جِلْدَهُ». زيادة منكرة جاء بها زكريا الأنصاري.
قُلْتُ: والزعفران يحدث صفرة في الجسد، ومن أجل ذلك نهي عنه، وذلك أنَّ ما ظهر لونه فإنَّه من طيب النساء، وذلك لما رواه البزار في [مُسْنَدِهِ] (٦٤٨٦) حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عَاصِم، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيّ ﷺ قَوْمٌ يُبَايِعُونَهُ وَفِيهِمْ رَجُلٌ فِي يَدِهِ أَثَرُ خَلُوقٍ فَلَمْ يَزَلْ يُبَايِعُهُمْ وَيُؤَخِّرُهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ طِيبَ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ».
стр. 4074
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
وجاء عند أحمد (١٠٩٩٠)، وأبي داود (٢١٧٤)، والترمذي (٢٧٨٧)، والنسائي (٥١١٧، ٥١١٨) من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، وعند الترمذي (٢٧٨٨) من حديث عمران بإسناد لا يثبت أيضاً.
وأمَّا استعماله لصبغ الشيب فلا محذور فيه، وهو شبيه بصبغه بالحناء، وهكذا صبغ الثياب به لا محذور فيه. والله أعلم.
قُلْتُ: وممن أجاز التزعفر في الثوب دون البدن الإمام مالك، والإمام البخاري، واحتج بحديث الباب، ومنع من ذلك الإمام الشافعي، وأبو حنيفة وغيرهما مطلقاً.
١١ - وظاهر الحديث النهي عن الثوب المزعفر مطلقاً ولو كان غسيلاً قد ذهبت رائحته، لكن جاء في حديث ابن عباس ما يدل على أنَّ المراد بالنهي ماله أثر يصيب الجسد، وهو ما رواه البخاري (١٥٤٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ تُلْبَسُ إِلَّا المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ».
قُلْتُ: ومعنى: «تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ». أي تلزق على الجلد.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٠٤):
стр. 4075
«واستدل بقوله: "مسه" على تحريم ما صبغ كله أو بعضه ولو خفيت رائحته. قال مالك في "الْمُوَطَّأِ": إنَّما يكره لبس المصبغات لأنَّها تنفض. وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يمنع. والحجة فيه حديث ابن عباس الآتي في الباب الذي تقدم بلفظ: "ولم ينه عن شيء من الثياب إلَّا المزعفرة التي تردع الجلد". وأمَّا المغسول فقال الجمهور إذا ذهبت الرائحة جاز خلافاً لمالك» اهـ.
وروى أحمد (٥٠٠٣) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْبُرْنُسَ، وَلَا الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ يَقْطَعُهُ مِنْ عِنْدِ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ، وَلَا الزَّعْفَرَانُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا».
لكن قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٠٤):
«واستدل لهم بما روى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث إلَّا أن يكون غسيلاً أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في "مسنده" عنه وروى الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران أن يحيى بن معين أنكره على الحماني فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزدي: قد كتبته عن أبي معاوية وقام في الحال فأخرج له أصله فكتبه عنه يحيى بن معين انتهى. وهي زيادة شاذة لأنَّ أبا معاوية وإن كان متقناً لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال قال أحمد أبو معاوية مضطرب الحديث في
стр. 4076
عبيد الله ولم يجيء بهذه الزيادة غيره. قُلْتُ: والحماني ضعيف، وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال» اهـ.
١٢ - وفيه ما يدل على جواز صبغ الثوب بالورس لغير المحرم.
وقد جاء في ذلك ما رواه أبو داود (٤٢١٠)، والنسائي (٥٢٤٤) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرٍو بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ غير ابن أبي رواد وهو عبد العزيز فإنَّه حسن الحديث، لكن في حديثه عن نافع ضعف، فقد قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (٢/ ٦٢٨): «وقال ابن حبان: روى عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - نسخة موضوعة» اهـ.
وجاء في خضاب الشيب به ما رواه أحمد (١٥٩٢٣) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عِيسَى أَبُو بِشْرٍ الْبَصْرِيُّ الرَّاسِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، وَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَرْسَ، وَالزَّعْفَرَانَ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٥٤):
стр. 4077
«والورس نبات باليمن قاله جماعة وجزم بذلك ابن العربي وغيره. وقال بن البيطار في "مفرداته": الورس يؤتى به من اليمن والهند والصين وليس بنبات بل يشبه زهر العصفر ونبته شيء يشبه البنفسج ويقال إن الكركم عروقه» اهـ.
١٣ - وظاهر النهي عن لبس ما مسه زعفران أو ورس يشمل الرجال والنساء، وقد جاء ذلك صريحاً فيما رواه أحمد (٤٧٤٠، ٤٨٦٨)، وأبو داود (١٨٢٧) عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَإِنَّ نَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ القُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا أَوْ خَزًّا أَوْ حُلِيًّا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ قَمِيصًا أَوْ خُفًّا».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٥/ ١٠٦):
«ورواه ابن المبارك عن موسى بن عقبة عن نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ مرفوعاً أيضاً» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٠٢):
«قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر وإنَّما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس» اهـ.
١٤ - واحتج به على إجابة السائل بأكثر مما سأل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ١٥٩):
стр. 4078
«وقد ترجم البخاري لذلك في صحيحه فقال: "باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه" ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ ما يلبس المحرم فقال رسول الله ﷺ : "لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف إلَّا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين".
فسئل رسول الله ﷺ عمَّا يلبس المحرم فأجاب عمَّا لا يلبس وتضمن ذلك الجواب عمَّا يلبس، فإنَّ مالا يلبس محصور، وما يلبسه غير محصور، فذكر لهم النوعين وبين لهم حكم لبس الخف عند عدم النعل وقد سألوه عن الوضوء بماء البحر فقال لهم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء الحديث بلفظ مطابق لسؤال السائل، وهو ما رواه أحمد (٤٥٣٨)، وأبو داود (١٨٢٣) عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ، وَلَا الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. واللفظ الأول هو اللفظ الثابت في الصحيحين، وهو الأشهر، ورواته أكثر ممن روى اللفظ الآخر.
стр. 4079
١٤ - وفيه نهي المرأة أن تلبس النقاب، والقفازين، ويلحق بهما كل ما صنع بقدر أحد العضوين.
قُلْتُ: ووجه المرأة كيديها، وكبدن الرجل لا كرأسه على الصحيح، فكما يجوز لها أن تستر يدها بغير القفازين، وما شابهما، بأن تدلي عليهما ثوبها، كذلك يجوز لها أن تدلي ثوباً على وجهها، ولا يجب أن يكون متجافياً عن وجهها، بل ولا يستحب لعدم الدليل على ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١):
«والذي يدل عليه كلام أحمد وقدماء أصحابه جواز الإسبال سواء وقع البشرة أو لم يقع لأنَّ أحمد قال: تسدل الثوب، وقال ابن أبي موسى إحرامها في وجهها فلا تغطيه ولا تتبرقع فإن احتاجت سدلت على وجهها؛ لأنَّ عائشة ذكرت أنَّهن كن يدلين جلابيبهن على وجوههن من رؤوسهن ولم تذكر مجافاتها فالأصل عدمه لا سيما وهو لم يذكر مع الحاجة، والظاهر أنَّه لم يفعل لأنَّ الجلباب متى أرسل مر ببشرة الوجه ولأنَّ في مجافاته مشقة شديدة والحاجة إلى ستر الوجه عامة وكل ما احتيج إليه لحاجة عامة أبيح مطلقاً كلبس السراويل … ».
إلى أن قال ﵀: «ولأنَّ وجه المرأة كبدن الرجل وكيد المرأة لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين". ولم ينهها عن تخمير الوجه مطلقاً فمن ادعى تحريم تخميره مطلقاً فعليه الدليل بل تخصيص
стр. 4080
النهي بالنقاب وقرانه بالقفاز دليل على أنه إنَّما نهاها عما صنع لستر الوجه كالقفاز المصنوع لستر اليد والقميص المصنوع لستر البدن، فعلى هذا يجوز أنَّ تخمره بالثوب من أسفل ومن فوق ما لم يكن مصنوعاً على وجه يثبت على الوجه وأن تخمره بالملحفة وقت النوم ورأس الرجل بخلاف هذا كله» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ الْحَطَّابُ الرُّعَيْنِي الْمَالِكِيُّ ﵀ في [مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ] (٣/ ١٤١): «وَلَا يَضُرُّهَا تَرْكُ مُجَافَاةِ رِدَائِهَا عَنْ وَجْهِهَا إذَا سَدَلَتْهُ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ الْيَوْمَ مِنْ الْقُفَّةِ الْمَعْمُولَةِ مِنْ السَّعَفِ وَيَرْبِطْنَهَا عَلَى وُجُوهِهِنَّ، ثُمَّ يَسْدُلْنَ عَلَيْهَا الثَّوْبَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ إذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، وَطَالَ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فِي الْمَرْأَةِ تَتَبَرْقَعُ، وَتُجَافِي الْبُرْقُعَ عَنْ وَجْهِهَا: إنَّ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ قَالَ فِي الطِّرَازِ: لِأَنَّ الْبُرْقُعَ مَخِيطٌ وُضِعَ لِلْوَجْهِ قَدْ عَقَدَتْهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ تَمَّ لُبْسُهُ» اهـ.
قُلْتُ: وذهب كثير من أصحاب المذاهب كالشافعية والحنفية إلى أنَّها تجافي الثوب عن وجهها إذا أسدلت، ولا أعلم لذلك حجة قوية.
وفي تغطية الوجه من أسفل نزاع بين أهل العلم، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٧٧): «قال أحمد: إنَّما لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل.
كأنَّه يقول: إنَّ النقاب من أسفل على وجهها» اهـ.
قُلْتُ: وما قاله شيخ الإسلام أظهر. والله أعلم.
стр. 4081
وقال ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١١٢):
«ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق وإن كان يمسه فالصحيح أنَّه يجوز أيضاً. ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعود ولا بيد ولا غير ذلك فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ سوى بين وجهها ويديها وكلاهما كبدن الرجل لا كرأسه. وأزواجه ﷺ كن يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة ولم ينقل أحد من أهل العلم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "إحرام المرأة في وجهها" وإنَّما هذا قول بعض السلف لكن النبي ﷺ نهاها أن تنتقب أو تلبس القفازين. كما نهى المحرم أن يلبس القميص والخف مع أنَّه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة والبرقع أقوى من النقاب. فلهذا ينهى عنه باتفاقهم ولهذا كانت المحرمة لا تلبس ما يصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه. فإنَّه كالنقاب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٤١ - ٢٤٣):
«فصل: وأمَّا نهيه في حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب، وأن تلبس القفازين، فهو دليل على أنَّ وجه المرأة كبدن الرجل، لا كرأسه، فيحرم عليها فيه ما وضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع، ولا يحرم عليها ستره بالمقنعة والجلباب ونحوهما وهذا أصح القولين؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ سوى بين وجهها ويديها، ومنعها من القفازين والنقاب، ومعلوم أنَّه لا يحرم عليها ستر يديها، وأنَّهما
стр. 4082
كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصل على قدرهما وهما القفازان، فهكذا الوجه إنَّما يحرم ستره بالنقاب ونحوه، وليس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام، إلَّا النهي عن النقاب، وهو كالنهي عن القفازين فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء. وهذا واضح بحمد الله.
وقد ثبت عن أسماء أنَّها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، وقالت عائشة: " كانت الركبان يمرون بنا، ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا". ذكره أبو داود.
واشتراط المجافاة عن الوجه كما ذكره القاضي وغيره ضعيف لا أصل له دليلاً ولا مذهباً. قال صاحب المغني: ولم أر هذا الشرط يعني المجافاة عن أحمد ولا هو في الخبر، مع أنَّ الظاهر خلافه، فإنَّ الثوب المسدل لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطاً لبين، وإنَّما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما، مما يعد لستر الوجه، قال أحمد: لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل، كأنَّه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها. تم كلامه. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها". فجعل وجه المرأة كرأس الرجل، وهذا يدل على وجوب كشفه؟
стр. 4083
قيل: هذا الحديث لا أصل له، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها، ولا يعرف له إسناد، ولا تقوم به حجة، ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أنَّ وجهها كبدنها، وأنَّه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه، لا مطلق الستر كاليدين. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: أثر عائشة رواه أحمد (٢٤٠٦٧)، ومِنْ طَرِيْقِه أبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجة (٢٩٣٥) مِنْ طَرِيْقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا، أَسْدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ لضعف يزيد بن أبي زياد.
ورواه سفيان بن عيينة عن يزيد، وجعله من مسند أم سلمة كما عند الدارقطني (٢٧٦٤).
وروى البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٨٣٢) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنبأ أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، ثنا أَبِي، ثنا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
«الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ إِلَّا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، أَوْ زَعْفَرَانٌ وَلَا تَتَبَرْقَعُ، وَلَا تَلَثَّمُ وَتُسْدِلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وأبو عمرو بن مطر هو: محمد بن جعفر بن محمد بن مطر.
стр. 4084
وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٧١٨) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
١٥ - واحتج به من قال بمشروعية كشف المرأة لوجها، ووجه الشاهد من الحديث أنَّ الوجه لو كان عورة لأمرت المحرمة بستره، فلما لم تؤمر بستره دل على أنَّه ليس بعورة، ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال وقد أوضحنا لك فيما سبق أنَّ المرأة لم تنهى عن ستر وجهها مطلقاً، وإنَّما نهيت عن تغطية وجهها بما صنع على قدره كالنقاب ونحوه.
* * *
стр. 4085
٢١٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتِ:
«مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَاراً فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ - لِلْمُحْرِمِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الإذن بلبس النعلين لمن لم يجد الخف، وظاهره من غير قطع، وقد سبق تحرير هذه المسألة في شرحنا للحديث الماضي، وقد بيَّنا هناك نسخ الأمر بالقطع في حديث ابن عمر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ١٩٥):
«فهذا كلام مبتدأ منه ﷺ بين فيه في عرفات - وهو أعظم مجمع كان له - أنَّ من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين. ولم يأمر بقطع ولا فتق وأكثر الحاضرين بعرفات لم يشهدوا خطبته وما سمعوا أمره بقطع الخفين وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فعلم أنَّ هذا الشرع الذي شرعه الله على لسانه بعرفات لم يكن شرع بعد بالمدينة وأنَّه بالمدينة إنَّما أرخص في لبس النعلين وما يشبههما من المقطوع فدل ذلك على أنَّ من عدم ما يشبه به الخفين يلبس الخف» اهـ.
стр. 4086
٢ - الإذن بلبس السراويل لمن لم يجد الإزار، وظاهره من غير فتق للسراويل حتى تصير كالإزار.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ١٩٦):
«الثالث: أنَّه دل على أنَّه يلبس سراويل بلا فتق. وهو قول الجمهور والشافعي وأحمد» اهـ.
قُلْتُ: وذهبت الحنفية والمالكية إلى فتقه والإتزار به.
٣ - أنَّ من لبس النعلين عند عدم الخفين، أو السراويل عند عدم الإزار ليس عليه في ذلك فدية، لعدم أمر النبي ﷺ بذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٥١٥):
«أجمعوا أنَّ المحرم إذا وجد إزارًا لم يجز له لبس السراويل. واختلفوا إذا لم يجد إزارًا؛ فقال عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يلبسه ولا شيء عليه. وأخذوا بحديث ابن عباس. وقال مالك وأبو حنيفة: عليه الفدية إذا لبسها سواء وجد إزارًا أم لا إلَّا أنَّه يشقها ويتزر بها. خَالَفا ظاهر الحديث» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢١/ ١٩٦ - ١٩٧): «والثلاثةُ تبيَّنَ لهم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرخص في البدل وهو الخف ولبس السراويل فمن لبس السراويل إذا عدم الأصل فلا فدية عليه. وهذا فهم صحيح. وأحمد فهم من النص المتأخر الذي شرع فيه البدلان أنَّه ناسخ
стр. 4087
للقطع المتقدم. وهذا فهم صحيح. وأبو حنيفة لم يبلغه هذا فأوجب الفدية على كل من لبس خفاً أو سراويل إذا لم يفتقه وإن عدم كما قال ذلك ابن عمر وغيره.
وزاد أنَّ الرخصة في ذلك إنَّما هي للحاجة والمحرم إذا احتاج إلى محظور فعله وافتدى. وأمَّا الأكثرون فقالوا: من لبس البدل فلا فدية عليه كما أباح ذلك النبي ﷺ بعرفات ولم يأمر معه بفدية ولا فتق قالوا: والناس كلهم محتاجون إلى لبس ما يسترون به عوراتهم وما يلبسونه في أرجلهم فالحاجة إلى ذلك عامة وما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم ولم يكن عليهم فيه فدية بخلاف ما احتيج إليه لمرض أو برد ومن ذلك حاجة لعارض؛ ولهذا أرخص النبي ﷺ للنساء في اللباس مطلقاً من غير فدية ونهى المحرمة عن النقاب والقفازين؛ فإنَّ المرأة لما كانت محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستره فدية. وكذلك حاجة الرجال إلى السراويل والخفاف إذا لم يجدوا الإزار والنعال» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠):
«فإن قيل: فغاية ما يدل عليه الحديث جواز الانتقال إلى الخف والسراويل عند عدم النعل والإزار، وهذا يفيد الجواز، وأمَّا سقوط الفدية فلا، فهلا قُلْتُم كما قال أبو حنيفة: يجوز له ذلك مع الفدية؟ فاستفاد الجواز من هذا الحديث، واستفاد الفدية من حديث كعب بن عجرة، حيث جوَّز له فعل المحظور مع الفدية فكان أسعد بالنصوص وبموافقتها منكم مع موافقته لابن عمر في ذلك.
стр. 4088
قيل: بل إيجاب الفدية ضعيف في النص والقياس فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكر البدل في حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة ولم يأمر في شيء منها بالفدية مع الحاجة إلى بيانها وتأخير البيان عن وقته ممتنع، فسكوته عن إيجابها مع شدة الحاجة إلى بيانه لو كان واجباً دليل على عدم الوجوب، كما أنَّه جوَّز لبس السراويل بلا فتق ولو كان الفتق واجباً لبينه.
وأما القياس فضعيف جداً.
فإن قيل: هذا من باب الأبدال التي تجوز عند عدم مبدلاتها، كالتراب عند عدم الماء، وكالصيام عند العجز عن الإعتاق والإطعام، وكالعدة بالأشهر عند تعذر الأقراء ونظائره، وليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية، والفرق بينهما أنَّ الناس مشتركون في الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتهم، ويقون به أرجلهم الأرض والحر والشوك ونحوه، فالحاجة إلى ذلك عامة، ولما احتاج إليه العموم لم يحظر عليهم، ولم يكن عليهم فيه فدية بخلاف ما يحتاج إليه لمرض أو برد، فإنَّ ذلك حاجة لعارض، ولهذا رخص النبي ﷺ للنساء في اللباس مطلقاً بلا فدية، ونهى عن النقاب والقفازين، فإنَّ المرأة لما كانت كلها عورة وهي محتاجة إلى ستر بدنها لم يكن عليها في ستر بدنها فدية وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات والخفاف هي عامة إذا لم يجدوا الإزار والنعال» اهـ.
قُلْتُ: ثبتت الفدية أيضاً عن مالك فقد جاء في [الْمُدَوَّنَةِ] (١/ ٤٦٤):
стр. 4089
«قُلْت: فَإِنْ كَانَ يَجِدُ النَّعْلَيْنِ وَاحْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِضَرُورَةٍ بِقَدَمَيْهِ وَقَطَعَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبَيْنِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَلْبَسُهُمَا وَيَفْتَدِي، قُلْت: لِمَ جَعَلَ عَلَيْهِ فِي هَذَا إذَا كَانَ بِقَدَمَيْهِ ضَرُورَةُ الْفِدْيَةِ، وَتَرَكَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الَّذِي لَا يَجِدُ فِيهِ نَعْلَيْهِ الْفِدْيَةَ؟
قَالَ: لِأَنَّ هَذَا كَانَ إنَّمَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ لِضَرُورَةٍ فَإِنَّمَا هَذَا يُشْبِهُ الدَّوَاءَ، وَاَلَّذِي لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ لَيْسَ بِمُتَدَاوٍ وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ الْأَثَرُ» اهـ.
٤ - وفيه استحباب خطبة الإمام بعرفة، أو من نائبه.
* * *
стр. 4090
٢١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ تَلْبِيَةَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ :
«لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ».
قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: «لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ».
قوله: «لَبَّيْكَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥):
«في معنى التلبية ثمانية أقوال:
أحدها: إجابة لك بعد إجابة، ولهذا المعنى كررت التلبية. إيذاناً بتكرير الإجابة.
الثاني: أنَّه انقياد، من قولهم: لببت الرجل إذا قبضت على تلابيبه، ومنه: لببته بردائه. والمعنى: انقدت لك، وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة كما يفعل بمن لبب بردائه، وقبض على تلابيبه.
الثالث: أنَّه من لب بالمكان، إذا قام به ولزمه والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها. اختاره صاحب الصحاح.
стр. 4091
الرابع: أنَّه من قولهم: داري تلب دارك أي تواجهها وتقابلها، أي مواجهتك بما تحب متوجه إليك. حكاه في الصحاح عن الخليل.
الخامس: معناه حباً لك بعد حب. من قولهم: امرأة لَبَّةٌ إذا كانت محبة لولدها.
السادس: أنَّه مأخوذ من لب الشيء وهو خالصه، ومنه لب الطعام، ولب الرجل عقله وقلبه. ومعناه: أخلصت لبي وقلبي لك، وجعلت لك لبي وخالصتي.
السابع: أنَّه من قولهم: فلان رخي اللبب، وفي لبب رخي، أي في حال واسعة منشرح الصدر. ومعناه: إنِّي منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها متوجه إليك بلبب رخي يوجد المحب إلى محبوبه لا بكره ولا تكلف.
الثامن: أنَّه من الإلباب وهو الاقتراب أي اقتراباً إليك بعد اقتراب كما يتقرب المحب من محبوبه» اهـ.
قُلْتُ: الياء في التلبية للتثنية لكن ليس المراد بها حقيقة التثنية بل المراد التكرير والتكثير والتوكيد كقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. يعني مرة مره بعد مرة.
و «إنَّ». يجوز فيها الكسر والنصب، فإذا كسرت كانت لابتداء الكلام، وإن فتحت كانت تعليلاً للتلبية.
قَالَ صَاحِبُ [تَاجِ الْعَرُوسِ] (٤/ ١٩٣):
«التلبيب من الإنسان: "ما في موضع اللبب من الثياب".
стр. 4092
وأخذ بتلبيبه: أي لببه وهو "اسم كالتمتين". وفي التهذيب: يقال: أخذ بتلبيب فلان: إذا جمع عليه ثوبه الذي هو لابسه عند صدره، وقبض عليه يجره. وفي الحديث: "أخذت بتلبيبه، وجررته". وكذلك: أخذت بتلابيبه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٥):
«واختلف النحاة في الياء في "لبيك". فقال سيبويه: هي ياء التثنية. وهو من الملتزم نصبه على المصدر، كقولهم: حمداً وشكراً وكرامة ومسرة. والتزموا تثنيته إيذاناً بتكرير معناه واستدامته. والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب لما خصوه بإجابة الداعي. وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادراً كقول الشاعر: دعوت لما نابني مسوراً فلبى فلبى يدي مسور.
والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، وليس المراد مما يشفع الواحد فقط. وكذلك: "سعديك ودواليك". وقال يونس: هو مفرد والياء فيه مثل عليك وإليك ولديك. ومن حجة سيبويه على يونس: أنَّ "على" و"إلى" يختلفان بحسب الإضافة، فإن جرا مضمراً كانا بالياء، وإن جرا ظاهراً كانا بالألف. فلو كان "لبيك" كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر كما قال: فلبي يدي مسور. وقالت طائفة من النحاة: أصل الكلمة لباً لباً، أي إجابة بعد إجابة، فثقل عليهم تكرار الكلمة، فجمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم، فجاءت التثنية وحذف التنوين لأجل الإضافة» اهـ.
стр. 4093
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٥٨٥):
«والمستحب كسر إنَّ نص عليه ويجوز فتحها فإذا فتح كان المعنى لبيك لأنَّ الحمد لك، أو بأنَّ الحمد لك، وعلى هذا فينبغي أن توصل أن بالتلبية التي قبلها لأنَّها متعلقة بها تعلق المفعول بفاعله، وتكون التلبية فيها خصوص أي: لبيناك بالحمد لك، أو بسبب أنَّ الحمد لك، أو لأنَّ الحمد لك، وأمَّا الحمد فلا خصوص فيه كما توهمه بعض أصحابنا.
وأمَّا إذا كسر فإنَّها تكون جملة مبتدأة، وإن كانت تتضمن معنى التعليل فتكون التلبية مطلقة عامة والحمد مطلق كما في قوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وفي قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩):
«الخامسة عشرة: في "إنَّ" وجهان: فتحها وكسرها، فمن فتحها تضمنت معنى التعليل، أي لبيك الحمد والنعمة لك، ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة، تتضمن ابتداء الثناء على الله، والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن من قلتها، وأمَّا إذا فتحت فإنَّها بلام التعليل المحذوفة معها قياساً، والمعنى: لبيك لأنَّ الحمد لك.
стр. 4094
والفرق بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها وبين أن تكون مستقلة مرادة لنفسها، ولهذا قال ثعلب: من قال: "إنَّ" بالكسر فقد عم، ومن قال: "أنَّ" بالفتح فقد خص. ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، كسر "إنَّ" وفتحها. فمن فتح كان المعنى: "ندعوه لأنَّه هو البر الرحيم"، ومن كسر كان الكلام جملتين:
أحدهما قوله: ﴿نَدْعُوهُ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، قال أبو عبيد: والكسر أحسن، ورجحه بما ذكرناه» اهـ.
وقوله: «وَسَعْدَيْكَ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٥/ ١٣١):
«ومعنى قول ابن عمر وغيره لبيك وسعديك أي: أسعدنا سعادة بعد سعادة، وإسعاداً بعد إسعاد، وقد قيل معنى سعديك مساعدة لك» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٢٢٣):
«وكذلك قولهم: سعديك، أي إسعاداً لك بعد إسعاد، أي أنا مساعد لك ومتابع لإرادتك» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٥):
«و"سعديك": من المساعدة، وهي المطاوعة. ومعناه: مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة. قال الحربي: ولم يسمع "سعديك"» اهـ.
стр. 4095
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٣٧٨):
«قوله: "وسعديك". قال القاضي عياض إعرابها وتثنيتها كما سبق في لبيك ومعناه: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. وقال المازري وقيل معناه اسعدنا سعادة بعد سعادة، وإسعاداً بعد إسعاد. وكذا قال ابن العربي إنَّه سؤال من الله السعد وتأكيد فيه» اهـ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ اللُّغَةِ] (٢/ ٤٣):
«قُلْتُ: وأصل الإسعاد والمساعدة متابعة العبد أمر ربّه» اهـ.
وقوله: «وَالرَّغْبَاءُ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٥): «و"الرغباء إليك" يقال بفتح الراء مع المد، وبضمها مع القصر. ومعناها الطلب والمسألة والرغبة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب التلبية بهذه الألفاظ التي كان النبي ﷺ يقولها.
واختلف العلماء في حكم التلبية على أقوال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٠٠):
«وليست واجبة، وبهذا قال الحسن بن حي، والشافعي.
وعن أصحاب مالك أنَّها واجبة، يجب بتركها دم.
стр. 4096
وعن الثوري، وأبي حنيفة، أنَّها من شرط الإحرام، لا يصح إلَّا بها، كالتكبير للصلاة، لأنَّ ابن عباس، قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾، قال ابن عباس: الإهلال.
وعن عطاء، وطاووس، وعكرمة: هو التلبية.
ولأنَّ النسك عبادة ذات إحرام وإحلال، فكان فيها ذكر واجب، كالصلاة.
ولنا، أنَّها ذكر، فلم تجب في الحج، كسائر الأذكار.
وفارق الصلاة، فإنَّ النطق يجب في آخرها؛ فوجب في أولها، والحج بخلافه» اهـ.
قُلْتُ: ظاهر الأدلة وجوب الإهلال عند الإحرام سواء كان بلفظ التلبية أو بغير ذلك، وذلك لما رواه البخاري (١٣٣)، ومسلم (١١٨٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ».
وفي رواية لمسلم: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلَ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلَ نَجْدٍ، مِنْ قَرْنٍ».
والإهلال رفع الصوت بالتلبية.
قُلْتُ: والأصل في الأمر الوجوب.
стр. 4097
وروى مسلم (١٢١٨) من حديث جابر وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: « … "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ ". قَالَ قُلْتُ: اللهُمَّ، إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ" … ».
قُلْتُ: وهذا يدل على أنَّ فرض الحج يكون بقول يقوله الحاج، وهو مؤيد لتفسير ابن عباس للآية الماضية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١٠٨):
«ولا يكون الرجل محرماً بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته فإنَّ القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرماً هذا هو الصحيح من القولين» اهـ.
وَقَال كما في [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (٤٦٥):
«وينعقد الإحرام بنية النسك مع التلبية أو سوق الهدي وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وقاله جماعة من المالكية وحكي قولاً للشافعية» اهـ.
٢ - وفيه إثبات صفتي الكلام والسمع لله ، وذلك أنَّ التلبية إجابة لنداء الله، والنداء من الكلام، ولا تكون التلبية إلَّا لمن يسمع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٦):
«إحداها: أنَّ قولك: "لبيك" يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه» اهـ.
стр. 4098
٣ - أنَّ الله لا شريك له في إجابة الدعوى ولا في الحمد والإنعام والملك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٣٢):
«في إعادة الشهادة له بأنَّه لا شريك له لطيفة، وهي أنَّه أخبر لا شريك له عقب إجابته بقوله: "لبيك"، ثم أعادها عقب قوله: "إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". وذلك يتضمن أنَّه لا شريك له في الحمد والنعمة والملك، والأول يتضمن أنَّه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة» اهـ.
٤ - أنَّ الله هو المستحق لكمال الحمد.
٥ - الاعتراف لله بالنعمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (١/ ٢٢٨):
«أنَّها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها، ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق، أي النعم كلها لك، وأنت موليها والمنعم بها» اهـ.
٦ - الاعتراف بأنَّ الملك لله وحده لا شريك له.
٧ - وفي زيادة ابن عمر على تلبية النبي ﷺ دليل على جواز الزيادة على التلبية، ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ﵁ في صفته لحجة الوداع، وفي حديثه: فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ «لَبَّيْكَ اللهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ
стр. 4099
لَكَ». وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ.
"فرع" وتستحب التلبية في الميقات عند الصعود على المركوب.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري (١٥٥٢)، ومسلم (١١٨٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً».
وما رواه البخاري (١٥١٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ».
"فرع" ويستحب استقبال القبلة عند الابتداء بالتلبية.
وذلك لما رواه البخاري (١٥٥٣) عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بِذِي الحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الحَرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَلَ». وَزَعَمَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ.
"فرع" ويستحب أن يتلفظ في تلبيته بما أراد من النسك.
ويدل عليه ما رواه البخاري (١٥٣٤) عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 4100
وَسَلَّمَ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ».
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁: « … "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ ". قَالَ قُلْتُ: اللهُمَّ، إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ" … ».
وروى البخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٢٣٠) عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إِذًا " أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ، قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ " وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ».
следующие страницы →