← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

وما رواه مسلم (١٣٦١) عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» يُرِيدُ الْمَدِينَةَ. وما رواه مسلم (١٣٦٢) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا». وقد جمع بين ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٤٢): «فهذا تحريم شرعي قدري سبق به قدره يوم خلق هذا العالم، ثم ظهر به على لسان خليله إبراهيم، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما كما في "الصحيح" عنه، أنَّه ﷺ قال: "اللهم إنَّ إبراهيم خليلك حرم مكة، وإنِّي أحرم المدينة"، فهذا إخبار عن ظهور التحريم السابق يوم خلق السموات والأرض على لسان إبراهيم، ولهذا لم ينازع أحد من أهل الإسلام في تحريمها، وإن تنازعوا في تحريم المدينة، والصواب المقطوع به تحريمها، إذ قد صح فيه بضعة وعشرون حديثاً عن رسول الله ﷺ لا مطعن فيها بوجه» اهـ. ٢ - أنَّه لا يجوز سفك الدم في مكة. قُلْتُ: ويدخل في ذلك أيضاً من أصاب حداً خارج الحرم ثم لاذ بالحرم. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٨/ ٣٤٣ - ٣٤٤): «فكانوا في الجاهلية يقتل بعضهم بعضاً خارج الحرم فإذا دخلوا الحرم أو لقي الرجل قاتل أبيه لم يهجه وكان هذا من الآيات التي جعلها الله فيه كما قال:

стр. 4167

﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، والإسلام زاد حرمته. فمذهب أكثر الفقهاء أنَّ من أصاب حداً خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه، كما قال ابن عمر وابن عباس. وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما؛ لما ثبت في الصحيح أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنَّ مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجراً، وأنَّها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنَّما أحلت لي ساعة من نهار، ثم قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس". ومن ظن أنَّ من دخل الحرم كان آمناً من عذاب الآخرة مع ترك الفرائض من الصلاة وغيرها ومع ارتكاب المحارم فقد خالف إجماع المسلمين فقد دخل البيت من الكفار والمنافقين والفاسقين من هو من أهل النار بإجماع المسلمين. والله أعلم». وقال ﵀ (١٤/ ٢٠١ - ٢٠٢): «لكن لو أصاب الرجل حداً خارج الحرم ثم لجأ إليه فهل يكون آمناً لا يقام عليه الحد فيه أم لا؟ فيه نزاع. وأكثر السلف على أنَّه يكون آمناً كما نقل عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابن عباس وغيرهما وهو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما. وقد استدلوا بهذه الآية وبقول النبي ﷺ : "إنَّ الله حرم مكة يوم خلق الله السموات والأرض وإنَّها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنَّما أحلت لي

стр. 4168

ساعة من نهار وقد عادت حرمتها". فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ . فقولوا: إنَّما أحلها الله لرسوله ولم يحلها لك. ومعلوم أنَّ الرسول إنَّما أبيح له فيها دم من كان مباحاً في الحل وقد بين أنَّ ذلك أبيح له دون غيره. والمراد بقوله "ومن دخله" الحرم كله» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٤٢ - ٤٤٩): «ومنها: قوله: "فلا يحل لأحد أن يسفك بها دماً"، هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها لكونها حرماً، كما أنَّ تحريم عضد الشجر بها، واختلاء خلائها، والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، وإلَّا بطلت فائدة التخصيص، وهذا أنواع: أحدها: وهو الذي ساقه أبو شريح العدوى لأجله: أنَّ الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل، لا سيما إن كان لها تأويل، كما امتنع أهل مكة من مبايعة يزيد، وبايعوا ابن الزبير، فلم يكن قتالهم، ونصب المنجنيق عليهم، وإحلال حرم الله جائزاً بالنص والإجماع، وإنَّما خالف في ذلك عمرو بن سعيد الفاسق وشيعته، وعارض نص رسول الله ﷺ برأيه وهواه، فقال: إنَّ الحرم لا يعيذ عاصياً، فيقال له: هو لا يعيذ عاصياً من عذاب الله، ولو لم يعذه من سفك دمه، لم يكن حرماً بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرماً بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم، وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه،

стр. 4169

وقام الإسلام على ذلك، وإنَّما لم يعذ مقيس ابن صبابة، وابن خطل، ومن سمى معهما، لأنَّه في تلك الساعة لم يكن حرماً، بل حلاً، فلما انقضت ساعة الحرب، عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السموات والأرض. وكانت العرب في جاهليتها يرى الرجل قاتل أبيه، أو ابنه في الحرم، فلا يهيجه، وكان ذلك بينهم خاصية الحرم التي صار بها حرماً، ثم جاء الإسلام، فأكد ذلك وقواه، وعلم النَّبي ﷺ أنَّ من الأمة من يتأسى به في إحلاله بالقتال والقتل، فقطع الإلحاق، وقال لأصحابه: "فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ ، فقولوا: إنَّ الله أذن لرسوله، ولم يأذن لك"، وعلى هذا فمن أتى حداً أو قصاصاً خارج الحرم يوجب القتل، ثم لجأ إليه، لم يجز إقامته عليه فيه، وذكر الإمام أحمد عَنْ عُمَرَ بن الخطاب ﵁ أنَّه قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وذكر عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّه قال: لو لقيت فيه قاتل عمر ما ندهته، وعن ابن عباس، أنَّه قال: لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه، وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث. وذهب مالك والشافعي إلى أنَّه يستوفى منه في الحرم، كما يستوفى منه في الحل، وهو اختيار ابن المنذر، واحتج لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود

стр. 4170

والقصاص في كل مكان وزمان، وبأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، وبما يروى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا بخربة"، وبأنَّه لو كان الحدود والقصاص فيما دون النفس، لم يعذه الحرم، ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنَّه لو أتى فيه بما يوجب حداً أو قصاصاً، لم يعذه الحرم، ولم يمنع من إقامته عليه، فكذلك إذا أتاه خارجه، ثم لجأ إليه، إذ كونه حرماً بالنسبة إلى عصمته، لا يختلف بين الأمرين، وبأنَّه حيوان أبيح قتله لفساده، فلم يفترق الحال بين قتله لاجئاً إلى الحرم، وبين كونه قد أوجب ما أبيح قتله فيه، كالحية، والحدأة، والكلب العقور، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم"، فنبه بقتلهن في الحل والحرم على العلة، وهي فسقهن، ولم يجعل التجاءهن إلى الحرم مانعاً من قتلهن، وكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب القتل. قال الأولون: ليس في هذا ما يعارض ما ذكرنا من الأدلة ولا سيما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾، وهذا إمَّا خبر بمعنى الأمر لاستحالة الخلف في خبره تعالى، وإمَّا خبر عن شرعه ودينه الذي شرعه في حرمه، وإمَّا إخبار عن الأمر المعهود المستمر في حرمه في الجاهلية والإسلام، كما قال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ

стр. 4171

شَىْءٍ﴾، وما عدا هذا من الأقوال الباطلة، فلا يلتفت إليه، كقول بعضهم: ومن دخله كان آمناً من النار، وقول بعضهم: كان آمناً من الموت على غير الإسلام، ونحو ذلك، فكم ممن دخله، وهو في قعر الجحيم. وأمَّا العمومات الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان، فيقال أولاً: لا تعرض في تلك العمومات لزمان الاستيفاء، ولا مكانه، كما لا تعرض فيها لشروطه وعدم موانعه، فإنَّ اللفظ لا يدل عليها بوضعه ولا بتضمنه، فهو مطلق بالنسبة إليها، ولهذا إذا كان للحكم شرط أو مانع، لم يقل: إنَّ توقف الحكم عليه تخصيص لذلك العام، فلا يقول محصل: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مخصوص بالمنكوحة في عدتها، أو بغير إذن وليها، أو بغير شهود، فهكذا النصوص العامة في استيفاء الحدود والقصاص لا تعرض فيها لزمنه، ولا مكانه، ولا شرطه، ولا مانعه، ولو قدر تناول اللفظ لذلك، لوجب تخصيصه بالأدلة الدالة على المنع، لئلا يبطل موجبها، ووجب حمل اللفظ العام على ما عداها كسائر نظائره، وإذا خصصتم تلك العمومات بالحامل، والمرضع، والمريض الذي يرجى برؤه، والحال المحرمة للاستيفاء، كشدة المرض، أو البرد، أو الحر، فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة؟ وإن قُلْتُم: ليس ذلك تخصيصاً، بل تقييداً لمطلقها، كلنا لكم بهذا الصاع سواء بسواء.

стр. 4172

وأمَّا قتل ابن خطل، فقد تقدم أنَّه كان في وقت الحل، والنبي ﷺ قطع الإلحاق، ونص على أنَّ ذلك من خصائصه، وقوله ﷺ : "وإنَّما أحلت لي ساعة من نهار" صريح في أنَّه إنَّما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصة، إذ لو كان حلالاً في كل وقت، لم يختص بتلك الساعة، وهذا صريح في أنَّ الدم الحلال في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة، وأمَّا قوله: "الحرم لا يعيذ عاصياً" فهو من كلام الفاسق عمرو بن سعيد الأشدق، يرد به حديث رسول الله ﷺ حين روى له أبو شريح الكعبي هذا الحديث، كما جاء مبيناً في "الصحيح" فكيف يقدم على قول رسول الله ﷺ . وأمَّا قولكم: لو كان الحد والقصاص فيما دون النفس، لم يعذه الحرم منه، فهذه المسألة فيها قولان للعلماء، وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد، فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن فرق، قال: سفك الدم إنَّما ينصرف إلى القتل، ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه، لأنَّ حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، قالوا: ولأنَّ الحد بالجلد أو القطع يجرى مجرى التأديب، فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده، وظاهر هذا المذهب أنَّه لا فرق بين النفس وما دونها في ذلك، قال أبو بكر: هذه مسألة وجدتها لحنبل عن عمه، أنَّ الحدود كلها تقام في الحرم إلَّا القتل، قال: والعمل على أنَّ كل جان دخل الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه، قالوا: وحينئذ

стр. 4173

فنجيبكم بالجواب المركب، وهو أنَّه إن كان بين النفس وما دونها في ذلك فرق مؤثر، بطل الإلزام، وإن لم يكن بينهما فرق مؤثر، سوينا بينهما في الحكم، وبطل الاعتراض، فتحقق بطلانه على التقديرين. قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ الحرم لا يعيذ من انتهك فيه الحرمة إذ أتى فيه ما يوجب الحد، فكذلك اللاجئ إليه، فهو جمع بين ما فرق الله ورسوله والصحابة بينهما، فروى الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "من سرق أو قتل في الحل ثم دخل الحرم، فإنَّه لا يجالس ولا يكلم، ولا يؤوى، ولكنه يناشد حتى يخرج، فيؤخذ، فيقام عليه الحد، وإن سرق أو قتل في الحرم، أقيم عليه في الحرم". وذكر الأثرم، عن ابن عباس أيضاً: من أحدث حدثاً في الحرم، أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء، وقد أمر الله سبحانه بقتل من قاتل في الحرم، فقال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُم﴾. والفرق بين اللاجئ والمتهتك فيه من وجوه: أحدها: أنَّ الجاني فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه، بخلاف من جنى خارجه ثم لجأ إليه، فإنَّه معظم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه، فقياس أحدهما على الآخر باطل.

стр. 4174

الثاني: أنَّ الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بساط الملك في داره وحرمه، ومن جنى خارجه، ثم لجأ إليه، فإنَّه بمنزلة من جنى خارج بساط السلطان وحرمه، ثم دخل إلى حرمه مستجيراً. الثالث: أنَّ الجاني في الحرم قد انتهك حرمة الله سبحانه، وحرمة بيته وحرمه، فهو هاتك لحرمتين بخلاف غيره. الرابع: أنَّه لو لم يقم الحد على الجناة في الحرم، لعم الفساد، وعظم الشر في حرم الله، فإنَّ أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم، وأموالهم، وأعراضهم، ولو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الجرائم في الحرم، لتعطلت حدود الله، وعمَّ الضرر للحرم وأهله. والخامس: أنَّ اللاجئ إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصل اللاجئ إلى بيت الرب تعالى، المتعلق بأستاره، فلا يناسب حاله ولا حال بيته وحرمه أن يهاج، بخلاف المقدم على انتهاك حرمته، فظهر سر الفرق، وتبين أن ما قاله ابن عباس هو محض الفقه. وأمَّا قولكم: إنَّه حيوان مفسد، فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور، فلا يصح القياس، فإنَّ الكلب العقور طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، وأمَّا الآدمي فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمة، وإنَّما أبيح لعارض، فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإنَّ الحرم يعصمها.

стр. 4175

وأيضاً فإنَّ حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور، والحية، والحدأة كحاجة أهل الحل سواء، فلو أعاذها الحرم لعظم عليهم الضرر بها» اهـ. قُلْتُ: ومع هذا فيضيق عليه حتى يخرج من الحرم من أجل أن يقام عليه الحد. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٨١ - ١٨٢): «إذا ثبت هذا، فإنَّه لا يبايع ولا يشارى ولا يطعم ولا يؤوى، ويقال له: اتق الله واخرج إلى الحل؛ ليستوفى منك الحق الذي قبلك. فإذا خرج استوفي حق الله منه. وهو قول جميع من ذكرناه. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه لو أطعم وأوي، لتمكن من الإقامة دائماً، يضيع الحق الذي عليه، وإذا منع من ذلك، كان وسيلة إلى خروجه، فيقام فيه حق الله تعالى. وليس علينا إطعامه، كما أنَّ الصيد لا يصاد في الحرم، وليس علينا القيام به» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا من وقع في حد في الحرم، فإنَّه يقام عليه فيه من غير نزاع بين العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٠/ ١٨٣): «وجملته أنَّ من انتهك حرمة الحرم، بجناية فيه توجب حداً أو قصاصاً فإنَّه يقام عليه حدها، لا نعلم فيه خلافاً. وقد روى الأثرم، بإسناده عن ابن عباس، أنَّه قال: من أحدث حدثاً في الحرم، أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء. وقد أمر الله تعالى بقتال من قاتل في الحرم.

стр. 4176

فقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾. فأباح قتلهم عند قتالهم في الحرم؛ ولأنَّ أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم، حفظاً لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الحد في الحرم، لتعطلت حدود الله تعالى في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها، ولا يجوز الإخلال بها؛ ولأنَّ الجاني في الحرم هاتك لحرمته، فلا ينتهض الحرم لتحريم ذمته وصيانته، بمنزلة الجاني في دار الملك، لا يعصم لحرمة الملك، بخلاف الملتجئ إليها بجناية صدرت منه في غيرها» اهـ. قُلْتُ: وما دون القتل من الحدود فالصحيح أنَّها لا تقام على من وقع بها خارج الحرم ولاذ بالحرم لعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. وقد قال بذلك الإمام أحمد في رواية، وذهب أبو حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى إلى إقامتها في الحرم. ٣ - أنَّه لا يجوز قطع شجر مكة. والمراد بذلك ما عدى ما أنبته الشخص مما ينبت جنسه الآدمي على الصحيح من أقوال العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٤٩):

стр. 4177

«لا خلاف بينهم أنَّ الشجر البري الذي لم ينبته الآدمي على اختلاف أنواعه مراد من هذا اللفظ، واختلفوا فيما أنبته الآدمي من الشجر في الحرم على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب أحمد: أحدها: أنَّ له قلعه، ولا ضمان عليه، وهذا اختيار ابن عقيل، وأبي الخطاب، وغيرهما. والثاني: أنَّه ليس له قلعه، وإن فعل، ففيه الجزاء بكل حال، وهو قول الشافعي، وهو الذي ذكره ابن البناء في "خصاله". الثالث: الفرق بين ما أنبته في الحل، ثم غرسه في الحرم، وبين ما أنبته في الحرم أولاً، فالأول: لا جزاء فيه، والثاني: لا يقلع وفيه الجزاء بكل حال، وهذا قول القاضي. وفيه قول رابع: وهو الفرق بين ما ينبت الآدمي جنسه كاللوز والجوز، والنخل، ونحوه، وما لا ينبت الآدمي جنسه كالدوح، والسلم، ونحوه، فالأول يجوز قلعه ولا جزاء فيه، والثاني: لا يجوز، وفيه الجزاء. قال صاحب "المغنى": والأولى الأخذ بعموم الحديث في تحريم الشجر كله، إلَّا ما أنبت الآدمي من جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع، والأهلي من الحيوان، فإننا إنَّما أخرجنا من الصيد ما كان أصله إنسياً دون ما تأنس من

стр. 4178

الوحشي، كذا هاهنا، وهذا تصريح منه باختيار هذا القول الرابع، فصار في مذهب أحمد أربعة أقوال» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ في [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٤٤٩): «واعلم أنَّ شجر الحرم ونباته طرفان، وواسطة طرف، لا يجوز قطعه إجماعاً، وهو ما أنبته الله في الحرم من غير تسبب الآدميين، وطرف يجوز قطعه إجماعاً، وهو ما زرعه الآدميون من الزروع، والبقول، والرياحين ونحوها، وطرف اختلف فيه، وهو ما غرسه الآدميون من غير المأكول، والمشموم، كالأثل، والعوسج، فأكثر العلماء على جواز قطعه. وقال قوم منهم الشافعي بالمنع، وهو أحوط في الخروج من العهدة» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا ما تساقط من أوراق الشجر، وهكذا ما انقلع من الشجر، أو من أغصانها بغير فعل من آدمي فيجوز الانتفاع به، وأمَّا ما كان بفعل آدمي، فلا يجوز لمن قلعه الانتفاع به، ويجوز ذلك لغيره على الصحيح. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٠): «فصل: ولا بأس بقطع اليابس من الشجر والحشيش؛ لأنَّه بمنزلة الميت. ولا بقطع ما انكسر ولم يبن؛ لأنَّه قد تلف، فهو بمنزلة الظفر المنكسر. ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي. ولا ما سقط من الورق. نص عليه أحمد ولا نعلم فيه خلافاً؛ لأنَّ الخبر إنَّما ورد في القطع، وهذا لم يقطع.

стр. 4179

فأمَّا إن قطعه آدمي، فقال أحمد: لم أسمع، إذا قطع ينتفع به. وقال في الدوحة تقلع: من شبهه بالصيد، لم ينتفع بحطبها. وذلك لأنَّه ممنوع من إتلافه؛ لحرمة الحرم، فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه، لم ينتفع به، كالصيد يذبحه المحرم. ويحتمل أن يباح لغير القاطع الانتفاع به؛ لأنَّه انقطع بغير فعله، فأبيح له الانتفاع به، كما لو قطعه حيوان بهيمي، ويفارق الصيد الذي ذبحه، لأنَّ الذكاة تعتبر لها الأهلية، ولهذا لا يحصل بفعل بهيمة، بخلاف هذا» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا ثمار أشجار الحرم فيجوز أخذها بالإجماع ولأنَّ الثمرة إذا تركت فسدت وضاعت، ولأنَّه ليس في أخذها ما يضر بالشجرة بل هو من مصلحتها، وأجاز كثير من العلماء أخذ أعواد السواك والسنا والسنوت، والأصل المنع من ذلك إلَّا ما دلت عليه السنة أو الإجماع. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٤٤٩): «وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ أَخْذِ ثِمَارِ شَجَرِ الْحَرَمِ وَإِنْ كَانَتْ أَشْجَارًا مُبَاحَةً كَالْأَرَاكِ وَيُقَالُ لِثَمَرَةِ الْأَرَاكِ الْكَبَاثُ بِكَافٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ أَلْفٍ ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَخْذِ عُودِ السِّوَاكِ وَنَحْوِهِ وَسَبَقَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي الْفَرْقُ بَيْنَ أَخْذِ الْأَوْرَاقِ وَأَخْذِ شَعْرِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ لِأَنَّ أَخْذَهُ يَضُرُّ الْحَيَوَانَ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ» اهـ.

стр. 4180

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٦/ ١٠): «وَلَا يَحْرُمُ الْإِذْخِرُ وَالْكَمْأَةُ وَالثَّمَرَةُ وَمَا أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ مِنْ بَقْلٍ وَرَيَاحِينَ وَزَرْعٍ "ع" نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْجَمِيعِ» اهـ. قُلْتُ: قوله: "ع" إشارة إلى ثبوت الإجماع في حل جميع ما ذكر. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ الْحَطَّابُ الرُّعَيْنِي الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ] (٣/ ١٧٩): «وَجُمْلَةُ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ الْحَرَمِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي بَعْضِهَا الْإِذْخِرُ وَالسَّنَا وَالسِّوَاكُ وَالْعَصَا وَالْهَشُّ وَالْقَطْعُ لِلْبِنَاءِ وَالْقَطْعُ لِإِصْلَاحِ الْحَوَائِطِ، وَذَكَرَهَا ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ. الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ اجْتِنَاءَ ثَمَرِ الْأَشْجَارِ الَّتِي تَنْبُتُ بِنَفْسِهَا جَائِزٌ» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٧/ ٢١٨): «مسألة: ثمر شجر الحرم هل نقول إنَّه كالشجر؟ الجواب: لا، فلو أنَّ شجرة تفاح نبتت في الحرم بدون فعل آدمي، ثم أثمرت وأخذ الإنسان ثمرتها فإن ذلك لا بأس به» اهـ. وفي السواك نزاع فأجاز أخذه الشافعية والمالكية كما سبق ومنع من ذلك الحنابلة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٥٥٢): «يَحْرُمُ قَلْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ إجْمَاعًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ قَلْعُ حَشِيشِهِ وَنَبَاتِهِ، حَتَّى السِّوَاكِ وَالْوَرَقِ. (إلَّا الْيَابِسَ) فَإِنَّهُ مُبَاحٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ» اهـ.

стр. 4181

قُلْتُ: وهكذا منعوا من السنا والسنوت وغيرهما. قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْكَبِيْرِ عَلَى مَتْنِ الْمُقْنِعِ] (٣/ ٣٦٦): «وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشي به ولا ينزع من أصله ورخص فيه عمرو بن دينار ولنا قول النبي ﷺ " لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها " رواه مسلم ولأن ما حرم أخذه حرم كل شيء منه كريش الطير وقولهم لا يضر به ممنوع فإنه يضعفه وربما آل إلى تلفه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِي الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الْبِنَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ] (٤/ ٤١٥) «واستثنى مالك والشافعي - رحمهما الله - السنا أيضًا. قال: وهو خلاف أمر رسول الله ﷺ » اهـ. قُلْتُ: علماء الشافعية جوَّزوا أخذ الورق مطلقاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٤٤٧): «ويجوز أخذ الورق ولا يضمنه لأنَّه لا يضر بها» اهـ. قُلْتُ: وهل تجب في قطع شجر الحرم فدية في ذلك نزاع بين أهل العلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٤): «فصل: ويجب في إتلاف الشجر والحشيش الضمان. وبه قال الشافعي، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن ابن عباس، وعطاء.

стр. 4182

وقال مالك، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر: لا يضمن؛ لأنَّ المحرم لا يضمنه في الحل، فلا يضمن في الحرم، كالزرع. وقال ابن المنذر: لا أجد دليلاً أوجب به في شجر الحرم، فرضاً من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، وأقول كما قال مالك: نستغفر الله تعالى، ولنا، ما روى أبو هشيمة، قال: رأيت عمر بن الخطاب، أمر بشجر كان في المسجد يضر بأهل الطواف، فقطع، وفدى. قال: وذكر البقرة. رواه حنبل في "المناسك". وعن ابن عباس، أنَّه قال: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة. والدوحة: الشجرة العظيمة. والجزلة: الصغيرة. وعن عطاء نحوه. ولأنَّه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم، فكان مضموناً كالصيد، ويخالف المحرم، فإنَّه لا يمتنع من قطع شجر الحل، ولا زرع الحرم. إذا ثبت هذا، فإنَّه يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص. وبهذا قال الشافعي. وقال أصحاب الرأي: يضمن الكل بقيمته؛ لأنَّه لا مقدر فيه، فأشبه الحشيش. ولنا، قول ابن عباس وعطاء؛ ولأنَّه أحد نوعي ما يحرم إتلافه، فكان فيه ما يضمن بمقدر كالصيد.

стр. 4183

فإن قطع غصناً أو حشيشاً، فاستخلف، احتمل سقوط ضمانه، كما إذا جرح صيداً فاندمل، أو قطع شعر آدمي فنبت، واحتمل أن يضمنه؛ لأنَّ الثاني غير الأول» اهـ. قُلْتُ: أثر عمر بن الخطاب لم أقف عليه، وقد جاء عنه ما يدل على خلاف ذلك، وهو ما رواه الطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٥/ ٢٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٧٢٩) مِنْ طَرِيْقِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَأَى رَجُلًا يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، وَيَعْلِفُهُ بَعِيرًا لَهُ، قَالَ: فَقَالَ: «عَلَيَّ بِالرَّجُلِ» فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ لَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ؟» قَالَ: فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا وَاللَّهِ مَا حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ مَعِيَ نِضْوًا لِي، فَخَشِيتُ أَلَا يُبَلِّغَنِي أَهْلِي، وَمَا مَعِي مِنْ زَادٍ وَلَا نَفَقَةٍ قَالَ: فَرَقَّ لَهُ بَعْدَ مَا هَمَّ بِهِ، قَالَ: وَأَمَرَ لَهُ بِبَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ مُوقَرٍ طَحِينًا، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَقَالَ: «لَا تَعُودَنَّ أَنْ تَقْطَعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ شَيْئًا». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ، ولم يأمره عمر بجزاء. قَالَ الْحَافِظُ الْطَبَرِيُّ ﵀ (١/ ١٧) بعد روايته للأثر: «فَهَذَا الْخَبَرُ يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا تَقَدَّمَ إِلَى الَّذِي رَآهُ يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَيَعْلِفَهُ بَعِيرًا لَهُ، بِالنَّهْيِ عَنِ الْعُودِ لِمِثْلِ مَا فَعَلَ مِنْ قَطْعِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِجَزَاءٍ وَلَا كَفَّارَةٍ لَمَّا قَطَعَ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا عَلَى مَنْ قَطَعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَطَعِهِ أَنْ يُقَالَ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَطَعَ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ الْوَارِدِ

стр. 4184

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْ قَطْعِهِ، نَظِيرَ صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْهُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ وَقَتْلِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفَهِمْ عَلَى أَنَّ عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ جَزَاءٌ، فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى قَاطِعِ شَجَرِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَطْعِهِ: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، نَظِيرَ مَا عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَتْلِهِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ، فَلَنْ يَقُولَ: فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ، فَإِنِ اعْتَلَّ بِالْإِجْمَاعِ فِي الصَّيْدِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الشَّجَرِ قِيلَ: فَرَدَّ حُكْمَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ قَطْعِ الشَّجَرِ، عَلَى مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ مِنْ حُكْمِ قَتْلِ الصَّيْدِ فِيهِ، إِذْ كِلَاهُمَا إِتْلَافُ مَا قَدْ نُهِيَ عَنْ إِتْلَافِهِ، وَفِعْلُ مَا قَدْ حُظِرَ فِعْلُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا صَيْدٌ وَالْآخَرُ شَجَرٌ، وَإِذْ كَانَ صَحِيحًا مَا قُلْنَا، مِنْ إِيجَابِ قِيمَةِ مَا قُطِعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ عَلَى مَنْ قَطَعَهُ بَالِغًا ذَلِكَ مَا بَلَغَ، فَبَيِّنٌ أَنَّ عَلَى مَنْ قَطَعَ مِنْ فُرُوعِ شَجَرَةٍ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ فَرَعًا، أَوْ مِنْ أَغْصَانِهَا غُصْنًا، قِيمَةُ ذَلِكَ الْغُصْنِ، كَمَا عَلَى مَنْ جَرَحَ صَيْدًا مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ وَلَمْ يُتْلِفْهُ ذَلِكَ الْجُرْحُ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ الصَّيْدَ، إِذْ كَانَ عَلَيْهِ غُرْمُ جَزَائِهِ إِذَا أَتْلَفَ جَمِيعَهُ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ قَاطِعِ بَعْضِ فُرُوعِ شَجَرِ الْحَرَمِ وَأَغْصَانِهَا، عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَفْسَدَ مِنْهَا بِالْقَطْعِ، يَحْكُمُ بِذَلِكَ ذَوَا عَدْلٍ، كَمَا عَلَيْهِ قِيمَةُ جَمِيعَهَا إِذَا قَطَعَ جَمِيعَهَا، وَفِيهِ أَيْضًا الْبَيَانُ الْبَيِّنُ عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ حَرَامٌ اصْطِيَادُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ ، إِذْ كَانَ صَحِيحًا عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ، فَاصْطِيَادُهُ أَوْكَدُ فِي التَّحْرِيمِ مِنْ تَنْفِيرِهِ، فَإِنْ قَالَ: لَنَا قَائِلٌ: فَإِنَّكَ اعْتَلَلْتَ فِي إِيجَابِكَ الْجَزَاءَ عَلَى مَنْ

стр. 4185

قَطَعَ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ الَّذِي لَا يُنْبِتُهُ بَنُو آدَمَ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَطَعِهِ، وَأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ مُجْمَعًا عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ أَنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَهُ، كَانَ نَظِيرًا لَهُ قَاطِعُ بَعْضِ أَشْجَارِهِ، فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ جَزَائِهِ بِقَطْعِهِ؟ وَقَدْ صَحَّحْتَ نَهْيَهُ عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِهِ، أَفَتَقُولُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى مُنَفِّرِهِ مِنَ الْجَزَاءِ، مِثْلُ مَا عَلَى قَاطِعِ شَجَرِهِ وَقَاتِلِ صَيْدِهِ؟ قِيلَ: أَوْجَبَ ذَلِكَ إِنْ أَدَّاهُ تَنْفِيرُهُ إِيَّاهُ إِلَى هَلَاكِهِ، وَكَانَ تَنْفِيرُهُ ذَلِكَ سَبَبَ عَطَبِهِ، كَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِي قَطْعِهِ شَجَرَهُ الْجَزَاءَ، إِذْ كَانَ قَطْعُهُ إِيَّاهُ سَبَبًا لِمَوْتِهِ وَهَلَاكِهِ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ تَنْفِيرِهِ إِيَّاهُ سَبَبًا لِهَلَاكِهِ وَعَطَبِهِ، أَوْ هَلَاكًا لِشَيْءٍ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ بِتَنْفِيرِهِ شَيْءٌ غَيْرَ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يُطْعِمُ شَيْئًا» اهـ. قُلْتُ: وهكذا أثر ابن عباس لم أقف عليه، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٦/ ٤٠٩): «هذا الأثر تبع في إيراده عنه الإمام ولم أر من خرجه بعد البحث عنه» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة ما ذهب إليه الإمام مالك من التوبة والاستغفار. فإنَّ عمر ﵁ لم يأمر بالجزاء ولا القيمة والله أعلم. ٤ - أنَّ مكة فتحت عنوة، ولم تفتح صلحاً. قُلْتُ: وقد حرر هذه المسألة أتم تحرير العلامة ابن القيم ﵀ فقد قال في [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٢٩ - ٤٣٨):

стр. 4186

«وفيها البيان الصريح بأنَّ مكة فتحت عنوة كما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ولا يعرف في ذلك خلاف إلَّا عن الشافعي وأحمد في أحد قوليه، وسياق القصة أوضح شاهد لمن تأمله لقول الجمهور، ولما استهجن أبو حامد الغزالي القول بأنَّها فتحت صلحاً، حكى قول الشافعي أنَّها فتحت عنوة في "وسيطه"، وقال: هذا مذهبه. قال أصحاب الصلح: لو فتحت عنوة، لقسمها رسول الله ﷺ بين الغانمين كما قسم خيبر، وكما قسم سائر الغنائم من المنقولات، فكان يخمسها ويقسمها، قالوا: ولما استأمن أبو سفيان لأهل مكة لما أسلم، فأمنهم، كان هذا عقد صلح معهم، قالوا: ولو فتحت عنوة، لملك الغانمون رباعها ودورها، وكانوا أحق بها من أهلها، وجاز إخراجهم منها، فحيث لم يحكم رسول الله ﷺ فيها بهذا الحكم، بل لم يرد على المهاجرين دورهم التي أخرجوا منها، وهى بأيدي الذين أخرجوهم، وأقرهم على بيع الدور وشرائها وإجارتها وسكناها، والانتفاع بها، وهذا مناف لأحكام فتوح العنوة، وقد صرح بإضافة الدور إلى أهلها، فقال: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن، ومن دخل داره، فهو آمن". قال أرباب العنوة: لو كان قد صالحهم لم يكن لأمانه المقيد بدخول كل واحد داره، وإغلاقه بابه، وإلقائه سلاحه فائدة، ولم يقاتلهم خالد بن الوليد حتى قتل منهم جماعة، ولم ينكر عليه، ولما قتل مقيس بن صبابة، وعبد الله بن خطل ومن

стр. 4187

ذكر معهما، فإنَّ عقد الصلح لو كان قد وقع، لاستثنى فيه هؤلاء قطعاً، ولنقل هذا وهذا، ولو فتحت صلحاً، لم يقاتلهم، وقد قال: "فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ ، فقولوا: إنَّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم"، ومعلوم أنَّ هذا الإذن المختص برسول الله ﷺ ، إنَّما هو الإذن في القتال لا في الصلح، فإنَّ الإذن في الصلح عام. وأيضاً فلو كان فتحها صلحاً، لم يقل: "إنَّ الله قد أحلها له ساعة من نهار"، فإنَّها إذا فتحت صلحاً كانت باقية على حرمتها، ولم تخرج بالصلح عن الحرمة، وقد أخبر بأنَّها في تلك الساعة لم تكن حراماً، وأنَّها بعد انقضاء ساعة الحرب عادت إلى حرمتها الأولى. وأيضاً فإنَّها لو فتحت صلحاً لم يعبئ جيشه: خيالتهم ورجالتهم ميمنة وميسرة، ومعهم السلاح، وقال لأبى هريرة: "اهتف لي بالأنصار"، فهتف بهم، فجاؤوا، فأطافوا برسول الله ﷺ ، فقال: "أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم"، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: "احصدوهم حصداً حتى توافوني على الصفا"، حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله؛ أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "من أغلق بابه، فهو آمن". وهذا محال أن يكون مع الصلح، فإنَّ كان قد تقدم صلح وكلا فإنَّه ينتقض بدون هذا.

стр. 4188

وأيضاً فكيف يكون صلحاً، وإنَّما فتحت بإيجاف الخيل والركاب، ولم يحبس الله خيل رسوله وركابه عنها، كما حبسها يوم صلح الحديبية، فإنَّ ذلك اليوم كان يوم الصلح حقاً، فإنَّ القصواء لما بركت به، قالوا: خلأت القصواء، قال: "ما خلأت وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل"، ثم قال: "والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمة من حرمات الله إلا أعطيتهموها". وكذلك جرى عقد الصلح بالكتاب والشهود، ومحضر ملأ من المسلمين والمشركين، والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة، فجرى مثل هذا الصلح في يوم الفتح، ولا يكتب ولا يشهد عليه، ولا يحضره أحد، ولا ينقل كيفيته والشروط فيه، هذا من الممتنع البين امتناعه، وتأمل قوله: "إنَّ الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين"، كيف يفهم منه أن قهر رسوله وجنده الغالبين لأهلها أعظم من قهر الفيل الذي كان يدخلها عليهم عنوة، فحبسه عنهم، وسلط رسوله والمؤمنين عليهم حتى فتحوها عنوة بعد القهر، وسلطان العنوة، وإذلال الكفر وأهله، وكان ذلك أجل قدراً، وأعظم خطراً، وأظهر آية، وأتم نصرة، وأعلى كلمة من أن يدخلهم تحت رق الصلح، واقتراح العدو وشروطهم، ويمنعهم سلطان العنوة وعزها وظفرها في أعظم فتح فتحه على رسوله، وأعز به دينه، وجعله آية للعالمين. قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّها لو فتحت عنوة، لقسمت بين الغانمين، فهذا مبنى على أنَّ الأرض داخلة في الغنائم التي قسمها الله سبحانه بين الغانمين بعد تخميسها،

стр. 4189

وجمهور الصحابة والأئمة بعدهم على خلاف ذلك، وأنَّ الأرض ليست داخلة في الغنائم التي تجب قسمتها، وهذه كانت سيرة الخلفاء الراشدين، فإنَّ بلالاً وأصحابه لما طلبوا من عمر بن الخطاب ﵁ أن يقسم بينهم الأرض التي افتتحوها عنوة وهى الشام وما حولها، وقالوا له: خذ خمسها واقسمها، فقال عمر: هذا غير المال، ولكن أحبسه فيئاً يجرى عليكم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه ﵃: اقسمها بيننا، فقال عمر: "اللهم اكفني بلالاً وذويه"، فما حال الحول ومنهم عين تطرف، ثم وافق سائر الصحابة ﵃ عمر ﵁ على ذلك، وكذلك جرى في فتوح مصر والعراق، وأرض فارس، وسائر البلاد التي فتحت عنوة لم يقسم منها الخلفاء الراشدون قرية واحدة. ولا يصح أن يقال: إنَّه استطاب نفوسهم، ووقفها برضاهم، فإنهم قد نازعوه في ذلك، وهو يأبى عليهم، ودعا على بلال وأصحابه ﵃ وكان الذي رآه وفعله عين الصواب ومحض التوفيق، إذ لو قسمت، لتوارثها ورثة أولئك وأقاربهم، فكانت القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة، أو صبى صغير، والمقاتلة لا شيء بأيديهم، فكان في ذلك أعظم الفساد وأكبره، وهذا هو الذي خاف عمر ﵁ منه، فوفقه الله سبحانه لترك قسمة الأرض، وجعلها وقفاً على المقاتلة تجرى عليهم فيئاً حتى يغزو منها آخر المسلمين، وظهرت بركة رأيه ويمنه على الإسلام وأهله، ووافقه جمهور الأئمة.

стр. 4190

واختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب الإمام أحمد وأكثر نصوصه، على أنَّ الإمام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها، قسمها، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم، وقفها، وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض، فعله، فإنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فعل الأقسام الثلاثة، فإنَّه قسم أرض قريظة والنضير، وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر، وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين. وعن أحمد رواية ثانية: أنَّها تصير وقفاً بنفس الظهور والاستيلاء عليها من غير أن ينشئ الإمام وقفها، وهي مذهب مالك. وعنه رواية ثالثة: أنَّه يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم المنقول، إلا أن يتركوا حقوقهم منها، وهي مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: الإمام مخير بين القسمة، وبين أن يقر أربابها فيها بالخراج، وبين أن يجليهم عنها وينفذ إليها قوماً آخرين يضرب عليهم الخراج. وليس هذا الذي فعل عمر ﵁ بمخالف للقرآن، فإنَّ الأرض ليست داخلة في الغنائم التي أمر الله بتخميسها وقسمتها، ولهذا قال عمر: إنَّها غير المال، ويدل عليه أنَّ إباحة الغنائم لم تكن لغير هذه الأمة، بل هو من خصائصها، كما قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي"، وقد أحل الله سبحانه الأرض التي كانت بأيدي الكفار لمن قبلنا من أتباع الرسل إذا استولوا عليها عنوة، كما أحلها لقوم موسى، فلهذا قال موسى

стр. 4191

لقومه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، فموسى وقومه قاتلوا الكفار، واستولوا على ديارهم وأموالهم، فجمعوا الغنائم، ثم نزلت النار من السماء فأكلتها، وسكنوا الأرض والديار، ولم تحرم عليهم، فعلم أنها ليست من الغنائم، وأنها لله يورثها من يشاء. فصل: وأمَّا مكة، فإنَّ فيها شيئاً آخر يمنع من قسمتها ولو وجبت قسمة ما عداها من القرى، وهى أنَّها لا تملك، فإنَّها دار النسك، ومتعبد الخلق، وحرم الرب تعالى الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، فهي وقف من الله على العالمين، وهم فيها سواء، ومنى مناخ من سبق، قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ والْمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ، وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، والمسجد الحرام هنا، المراد به الحرم كله، كقوله تعالى: ﴿إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. فهذا المراد به الحرم كله، وقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾، وفي الصحيح: أنَّه أسرى به من بيت أم هانئ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وليس المراد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقاً، وإنَّما هو حضور الحرم والقرب منه، وسياق آية الحج تدل على ذلك، فإنَّه قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ

стр. 4192

بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وهذا لا يختص بمقام الصلاة قطعاً، بل المراد به الحرم كله، فالذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، هو الذي توعد من صد عنه، ومن أراد الإلحاد بالظلم فيه، فالحرم ومشاعره كالصفا والمروة، والمسعى ومنى، وعرفة، ومزدلفة، لا يختص بها أحد دون أحد، بل هي مشتركة بين الناس، إذ هي محل نسكهم ومتعبدهم، فهي مسجد من الله، وقفه ووضعه لخلقه، ولهذا امتنع النبي ﷺ أن يبنى له بيت بمنى يظله من الحر، وقال: "منى مناخ من سبق". ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف، إلى أنَّه لا يجوز بيع أراضي مكة، ولا إجارة بيوتها، هذا مذهب مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، وأبي حنيفة في أهل العراق، وسفيان الثوري، والإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وروى الإمام أحمد ﵀، عن علقمة بن نضلة، قال: كانت رباع مكة تدعى السوائب على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وروى أيضاً عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَو: "من أكل أجور بيوت مكة، فإنَّما يأكل في بطنه نار جهنم" رواه الدارقطني مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وفيه: "إنَّ الله حرم مكة، فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها".

стр. 4193

وقال الإمام أحمد: حدثنا معمر، عن ليث، عن عطاء، وطاووس، ومجاهد، أنَّهم قالوا: يكره أن تباع رباع مكة أو تكرى بيوتها. وذكر الإمام أحمد، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: من أكل من كراء بيوت مكة، فإنَّما يأكل في بطنه ناراً. وقال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا حجاج، عن مجاهد، عن عبد الله ابن عمر، قال: نهى عن إجارة بيوت مكة وعن بيع رباعها، وذكر عن عطاء، قال: نهى عن إجارة بيوت مكة. وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف قال: حدثنا عبد الملك، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير أهل مكة ينهاهم عن إجارة بيوت مكة، وقال: إنَّه حرام، وحكى أحمد عَنْ عُمَرَ، أنَّه نهى أن يتخذ أهل مكة للدور أبواباً، لينزل البادي حيث شاء، وحكى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عن أبيه، أنَّه نهى أن تغلق أبواب دور مكة، فنهى من لا باب لداره أن يتخذ لها باباً، ومن لداره باب أن يغلقه، وهذا في أيام الموسم. قال المجوزون للبيع والإجارة: الدليل على جواز ذلك، كتاب الله وسنة رسوله، وعمل أصحابه وخلفائه الراشدين. قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾، وقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، وقال: ﴿إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِنْ

стр. 4194

دِيَارِكُمْ﴾ فأضاف الدور إليهم، وهذه إضافة تمليك، وقال النبي ﷺ ، وقد قيل له: أين تنزل غداً بدارك بمكة؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع"، ولم يقل: إنَّه لا دار لي، بل أقرهم على الإضافة، وأخبر أنَّ عقيلاً استولى عليها ولم ينزعها من يده، وإضافة دورهم إليهم في الأحاديث أكثر من أن تذكر، كدار أم هانئ، ودار خديجة، ودار أبي أحمد بن جحش وغيرها، وكانوا يتوارثونها كما يتوارثون المنقول، ولهذا قال النبي ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من منزل"، وكان عقيل هو ورث دور أبي طالب، فإنَّه كان كافراً، ولم يرثه علي ﵁، لاختلاف الدين بينهما، فاستولى عقيل على الدور، ولم يزالوا قبل الهجرة وبعدها، بل قبل المبعث وبعده، من مات، ورث ورثته داره إلى الآن، وقد باع صفوان بن أمية داراً لعمر بن الخطاب ﵁ بأربعة آلاف درهم، فاتخذها سجناً، وإذا جاز البيع، والميراث، فالإجارة أجوز وأجوز، فهذا موقف أقدام الفريقين كما ترى، وحججهم في القوة والظهور لا تدفع، وحجج الله وبيناته لا يبطل بعضها بعضاً بل يصدق بعضها بعضاً، ويجب العمل بموجبها كلها، والواجب اتباع الحق أين كان. فالصواب القول بموجب الأدلة من الجانبين، وأنَّ الدور تملك، وتوهب، وتورث، وتباع، ويكون نقل الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه، لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها

стр. 4195

يسكنها ويسكن فيها من شاء، وليس له أن يعاوض على منفعة السكنى بعقد الإجارة، فإنَّ هذه المنفعة إنَّما يستحق أن يقدم فيها على غيره، ويختص بها لسبقه وحاجته، فإذا استغنى عنها، لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس في الرحاب، والطرق الواسعة، والإقامة على المعادن وغيرها من المنافع والأعيان المشتركة التي من سبق إليها، فهو أحق بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى، لم يكن له أن يعاوض، وقد صرح أرباب هذا القول بأنَّ البيع ونقل الملك في رباعها إنَّما يقع على البناء لا على الأرض، ذكره أصحاب أبي حنيفة. فإن قيل: فقد منعتم الإجارة، وجوزتم البيع، فهل لهذا نظير في الشريعة، والمعهود في الشريعة أنَّ الإجارة أوسع من البيع، فقد يمتنع البيع، وتجوز الإجارة، كالوقف والحر، فأمَّا العكس، فلا عهد لنا به؟. قيل: كل واحد من البيع والإجارة عقد مستقل غير مستلزم للآخر في جوازه وامتناعه، وموردهما مختلف، وأحكامهما مختلفة، وإنَّما جاز البيع، لأنَّه وارد على المحل الذي كان البائع أخص به من غيره، وهو البناء، وأمَّا الإجارة فإنَّما ترد على المنفعة، وهي مشتركة، وللسابق إليها حق التقدم دون المعاوضة، فلهذا أجزنا البيع دون الإجارة، فإن أبيتم إلَّا النظير، قيل: هذا المكاتب يجوز لسيده بيعه، ويصير مكاتباً عند مشتريه، ولا يجوز له إجارته إذ فيها إبطال منافعه وأكسابه التي ملكها بعقد الكتابة، والله أعلم. على أنَّه لا يمنع البيع، وإن كانت منافع أرضها

стр. 4196

ورباعها مشتركة بين المسلمين، فإنَّها تكون عند المشترى كذلك مشتركة المنفعة، إن احتاج سكن، وإن استغنى أسكن كما كانت عند البائع، فليس في بيعها إبطال اشتراك المسلمين في هذه المنفعة، كما أنَّه ليس في بيع المكاتب إبطال ملكه لمنافعه التي ملكها بعقد المكاتبة، ونظير هذا جواز بيع أرض الخراج التي وقفها عمر ﵁ على الصحيح الذي استقر الحال عليه من عمل الأمة قديماً وحديثاً، فإنَّها تنتقل إلى المشترى خراجية، كما كانت عند البائع، وحق المقاتلة إنَّما هو في خراجها، وهو لا يبطل بالبيع، وقد اتفقت الأمة على أنَّها تورث، فإن كان بطلان بيعها لكونها وقفاً، فكذلك ينبغي أن تكون وقفيتها مبطلة لميراثها، وقد نص أحمد على جواز جعلها صداقاً في النكاح، فإذا جاز نقل الملك فيها بالصداق والميراث والهبة، جاز البيع فيها قياساً، وعملاً، وفقها. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: أثر عبد الله بن عمرو بن العاص رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٩٠٣)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٦٣)، والدارقطني [سُنَنِه] (٣٠١٧)، والفاكهي في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٢٠٥١، ٢٠٥٢) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أُجُورَ بُيُوتِ مَكَّةَ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وفي عبيد الله بن أبي زياد كلام لا ينزل حديثه عن الحسن. وأبو نجيح هو يسار.

стр. 4197

وأثر عمر رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٢١١)، والفاكهي في [أَخْبَارِ مَكَّةَ] (٢٠٤٩)، وابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (٢٤٦) مِنْ طَرِيْقِ مَنْصُورٍ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَتَّخِذُوا لِدُورِكُمْ أَبْوَابًا، لِيَنْزِلَ الْبَادِي حَيْثُ شَاءَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ فمجاهد لم يدرك عمر. ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٢١٠) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: كَانَ عَطَاءٌ يَنْهَى عَنِ الْكِرَاءِ فِي الْحَرَمِ، وَأَخْبَرَنِي: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْهَى أَنْ تُبَوَّبَ دُورُ مَكَّةَ؛ لِأَنْ يَنْزِلَ الْحَاجُّ فِي عَرَصَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَوَّبَ دَارَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَنْظِرْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ بَابَيْنِ يَحْبِسَانِ ظَهْرِي قَالَ: «فَذَلِكَ إِذًا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ أيضاً فعطاء لم يدرك عمر، والأثر حسن من هذين الوجهين. ٥ - استفتاح الخطب بالحمد والثناء. ٦ - أنَّ هناك من الأحكام ما جاءت مخصوصة بالنبي ﷺ دون غيره. ٧ - قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٣):

стр. 4198

«ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة السلطان ليكون ادعى لقبولهم النصيحة، وأنَّ السلطان لا يخاطب إلَّا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه فترك ذلك والغلظة له قد يكون سبباً لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه، وسيأتي في الحدود قول والد العسيف: "وأئذن لي"» اهـ. ٨ - احتج بقوله: «وَوَعَاهُ قَلْبِي». أنَّ العقل محله القلب. قُلْتُ: وأصرح دليل في ذلك قول الله : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وقد حرر القول في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تحريراً طيباً فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٤): «فصل: وأمَّا قوله: أين مسكن العقل فيه؟ فالعقل قائم بنفس الإنسان التي تعقل، وأمَّا من البدن فهو متعلق بقلبه كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾. وقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم: قال: "بلسان سئول وقلب عقول"، لكن لفظ "القلب" قد يراد به المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن التي جوفها علقة سوداء كما في الصحيحين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد". وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقاً فإنَّ قلب

стр. 4199

الشيء باطنه كقلب الحنطة واللوزة والجوزة ونحو ذلك، ومنه سمي القليب قليباً لأنَّه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضاً، ولهذا قيل: إنَّ العقل في الدماغ. كما يقوله كثير من الأطباء ونقل ذلك عن الإمام أحمد. ويقول طائفة من أصحابه: إنَّ أصل العقل في القلب فإذا كمل انتهى إلى الدماغ. والتحقيق: أنَّ الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب. والعقل يراد به العلم ويراد به العمل فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة وأصل الإرادة في القلب والمريد لا يكون مريداً إلَّا بعد تصور المراد، فلا بد أن يكون القلب متصوراً فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء، وكلا القولين له وجه صحيح. وهذا مقدار ما وسعته هذه الأوراق والله أعلم» اهـ. ٩ - وفيه الحث على تبليغ العلم. * * *

стр. 4200

٢١٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ. وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». وَقَالَ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا. وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ». فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَّا الإِذْخِرَ. فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: «إلَّا الإِذْخِرَ». القينُ: الحَدَّادُ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - انقطاع الهجرة بعد فتح مكة، وقد جاء ما يدل على استمرار الهجرة بعد ذلك، فمن ذلك ما رواه أحمد (١٦٩٥٢)، وأبو داود (٢٤٧٩) مِنْ طَرِيْقِ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».

стр. 4201

قُلْتُ: أبو هند هذا مجهول، لكن يشهد له ما رواه أحمد (١٦٧١) حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، يَرُدُّهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ، عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتَلُ». فَقَالَ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ الْهِجْرَةَ خَصْلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ تَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْأُخْرَى أَنْ تُهَاجِرَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَلا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا تُقُبِّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وابن السعدي هو عبد الله. وروى أحمد (١٦٦٤٨) حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَادُ».

стр. 4202

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وحجاج هو ابن محمد المصيصي، والليث هو ابن سعد، وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزني. قُلْتُ: وقد جمع العلماء بين حديث الباب، وهذه الأحاديث بعدة جموعات منها: أ- أنَّ الهجرة المنفية هي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب فإنَّ هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب وكان الإيمان بالمدينة فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام ودخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام فقال: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ»، وأمَّا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فما زالت مشروعة. ب- أنَّ الهجرة المنفية هي الهجرة الواجبة، والمثبتة هي المستحبة. قاله الخطابي. قُلْتُ: وليس هذا بصواب فإنَّ وجوب الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين في حق من لم يتمكن من إقامة دينه ما زال باقياً ولم ينسخ. ج- أنَّ الهجرة المنفية هي الهجرة العامة على جميع المسلمين، فقد كان يجب على جميع المسلمين قبل فتح مكة أن يهاجروا إلى المدينة لتقوية المسلمين، وأمَّا الهجرة المثبتة فهي الهجرة التي تجب على بعض المسلمين دون بعض، كمن لا يستطيع إقامة دينه في بلاد الكافرين مثلاً. د- أنَّ المراد بذلك لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضلها قبل الفتح.

стр. 4203

٢ - وفي الحديث ما يدل على أنَّ مكة لا تصير دار كفر، بل تبقى دار إسلام ما دام الإسلام في الأرض. ٣ - وفيه أنَّ الجهاد ما زال حكمه باقياً في الأمة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١١١): «وقوله: "ولكن جهاد ونية"؛ أي: ولكن يبقى جهاد ونية. أو جهاد ونية باقيان؛ أي: نية في الجهاد، أو في فعل الخيرات. وهو يدل على استمرار حكم الجهاد إلى يوم القيامة، وأنَّه لم ينسخ، لكنه يجب على الكفاية، وإنَّما يتعين إذا دهم العدو بلداً من بلاد المسلمين، فيتعين على كل من تمكن من نصرتهم، وإذا استنفرهم الإمام تعين على كل من استنفره؛ لنص هذا الحديث على ذلك. وهو أمر مجمع عليه» اهـ. ٤ - وفيه الترغيب بنية الجهاد لمن عجز عن إقامته. وقد روى مسلم (١٩١٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ». ٥ - واحتج به على عدم فرضية الجهاد على التعيين بعد الفتح. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٦/ ١٤١): «وقوله: "ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا": فيه دليل أنَّ الجهاد بعد الفتح لم يجب بكل حال، ولا وقعت البيعة عليه حتماً كما كان قبل الفتح، لكن من شاء جاهد ومن شاء ترك بنية الجهاد متى أمكنه ونشط له، وهو معنى قوله صَلَّى

стр. 4204

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ولكن جهاد ونية". والله أعلم - إلَّا أن ينزل بقوم عدو، أو تدعو إلى خروجه للجهاد ضرورة فيتعين عليه» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٣١): «وأمَّا من أسلم بعد الفتح فله أن يجاهد وله أن يتخلف بنية صالحة كما قال: "جهاد ونية"» اهـ. ٦ - وفيه وجوب الجهاد على من استنفره الإمام، ويدل على ذلك أيضاً قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقُلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩]. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ١٨): «وقوله: "وإذا استنفرتم فانفروا"؛ أي: طلب منكم الإمام النفير. وهو: الخروج إلى الغزو، فحينئذ يتعين الغزو على من استنفر بلا خلاف» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٣٥): «قوله ﷺ : "وإذا استنفرتم فانفروا". معناه: إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا، وهذا دليل على أنَّ الجهاد ليس فرض عين، بل فرض كفاية إذا فعله من تحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه

стр. 4205

كلهم أثموا كلهم، قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلَّا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية، وأمَّا في زمن النبي ﷺ فالأصح عند أصحابنا أنَّه كان أيضاً فرض كفاية. والثاني: أنَّه كان فرض عين، واحتج القائلون بأنَّه كان فرض كفاية بأنَّه كان تغزو السرايا، وفيها بعضهم دون بعض» اهـ. قُلْتُ: وجهاد الدفع وإن كان من فروض الأعيان لكنه كغيره من فروض الأعيان يسقط عند العجز، ولهذا نهى الله المؤمنين لما كانوا في مكة عن الجهاد مع أنَّ جهادهم لو جاهدوا لكان من قبيل الدفع، فقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧]. وهكذا قال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٨، ١٢٩]. مع أنَّ جهادهم لو جاهدوا كان من قبيل الدفع أيضاً. وهكذا يقول الله لنبيه عيسى ﵊ في آخر الزمان عند خروج يأجوج ومأجوج:
следующие страницы →