← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

قُلْتُ: أبو هند هذا مجهول، لكن يشهد له ما رواه أحمد (١٦٧١) حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، يَرُدُّهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ، عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتَلُ». فَقَالَ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ الْهِجْرَةَ خَصْلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ تَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْأُخْرَى أَنْ تُهَاجِرَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَلا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا تُقُبِّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وابن السعدي هو عبد الله. وروى أحمد (١٦٦٤٨) حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَادُ».

стр. 4202

قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وحجاج هو ابن محمد المصيصي، والليث هو ابن سعد، وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزني. قُلْتُ: وقد جمع العلماء بين حديث الباب، وهذه الأحاديث بعدة جموعات منها: أ- أنَّ الهجرة المنفية هي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب فإنَّ هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب وكان الإيمان بالمدينة فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام ودخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام فقال: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ»، وأمَّا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فما زالت مشروعة. ب- أنَّ الهجرة المنفية هي الهجرة الواجبة، والمثبتة هي المستحبة. قاله الخطابي. قُلْتُ: وليس هذا بصواب فإنَّ وجوب الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين في حق من لم يتمكن من إقامة دينه ما زال باقياً ولم ينسخ. ج- أنَّ الهجرة المنفية هي الهجرة العامة على جميع المسلمين، فقد كان يجب على جميع المسلمين قبل فتح مكة أن يهاجروا إلى المدينة لتقوية المسلمين، وأمَّا الهجرة المثبتة فهي الهجرة التي تجب على بعض المسلمين دون بعض، كمن لا يستطيع إقامة دينه في بلاد الكافرين مثلاً. د- أنَّ المراد بذلك لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضلها قبل الفتح.

стр. 4203

٢ - وفي الحديث ما يدل على أنَّ مكة لا تصير دار كفر، بل تبقى دار إسلام ما دام الإسلام في الأرض. ٣ - وفيه أنَّ الجهاد ما زال حكمه باقياً في الأمة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١١١): «وقوله: "ولكن جهاد ونية"؛ أي: ولكن يبقى جهاد ونية. أو جهاد ونية باقيان؛ أي: نية في الجهاد، أو في فعل الخيرات. وهو يدل على استمرار حكم الجهاد إلى يوم القيامة، وأنَّه لم ينسخ، لكنه يجب على الكفاية، وإنَّما يتعين إذا دهم العدو بلداً من بلاد المسلمين، فيتعين على كل من تمكن من نصرتهم، وإذا استنفرهم الإمام تعين على كل من استنفره؛ لنص هذا الحديث على ذلك. وهو أمر مجمع عليه» اهـ. ٤ - وفيه الترغيب بنية الجهاد لمن عجز عن إقامته. وقد روى مسلم (١٩١٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ». ٥ - واحتج به على عدم فرضية الجهاد على التعيين بعد الفتح. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٦/ ١٤١): «وقوله: "ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا": فيه دليل أنَّ الجهاد بعد الفتح لم يجب بكل حال، ولا وقعت البيعة عليه حتماً كما كان قبل الفتح، لكن من شاء جاهد ومن شاء ترك بنية الجهاد متى أمكنه ونشط له، وهو معنى قوله صَلَّى

стр. 4204

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ولكن جهاد ونية". والله أعلم - إلَّا أن ينزل بقوم عدو، أو تدعو إلى خروجه للجهاد ضرورة فيتعين عليه» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٣١): «وأمَّا من أسلم بعد الفتح فله أن يجاهد وله أن يتخلف بنية صالحة كما قال: "جهاد ونية"» اهـ. ٦ - وفيه وجوب الجهاد على من استنفره الإمام، ويدل على ذلك أيضاً قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقُلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩]. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ١٨): «وقوله: "وإذا استنفرتم فانفروا"؛ أي: طلب منكم الإمام النفير. وهو: الخروج إلى الغزو، فحينئذ يتعين الغزو على من استنفر بلا خلاف» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٣٥): «قوله ﷺ : "وإذا استنفرتم فانفروا". معناه: إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا، وهذا دليل على أنَّ الجهاد ليس فرض عين، بل فرض كفاية إذا فعله من تحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه

стр. 4205

كلهم أثموا كلهم، قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلَّا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية، وأمَّا في زمن النبي ﷺ فالأصح عند أصحابنا أنَّه كان أيضاً فرض كفاية. والثاني: أنَّه كان فرض عين، واحتج القائلون بأنَّه كان فرض كفاية بأنَّه كان تغزو السرايا، وفيها بعضهم دون بعض» اهـ. قُلْتُ: وجهاد الدفع وإن كان من فروض الأعيان لكنه كغيره من فروض الأعيان يسقط عند العجز، ولهذا نهى الله المؤمنين لما كانوا في مكة عن الجهاد مع أنَّ جهادهم لو جاهدوا لكان من قبيل الدفع، فقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧]. وهكذا قال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٨، ١٢٩]. مع أنَّ جهادهم لو جاهدوا كان من قبيل الدفع أيضاً. وهكذا يقول الله لنبيه عيسى ﵊ في آخر الزمان عند خروج يأجوج ومأجوج:

стр. 4206

«إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ». رواه مسلم (٢٩٣٧) عن النواس بن سمعان عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عن ربه . مع أنَّهم أيضاً لو جاهدوا لكان جهادهم من قبيل الدفع. فدلَّ ذلك على أنَّ قتال الدفع يسقط عند العجز. ٧ - وفيه تعظيم حرمة البلد الحرام، وذلك أنَّ الله حرمه قبل خلق السموات والأرض. ٨ - وفيه أنَّ حرمته مستمرة لا تنسخ إلى قيام الساعة. ٩ - وفيه حرمة ابتداء القتال في المسجد الحرام. ١٠ - وفيه أنَّ القتال فيه في تلك الساعة دون غيرها مما خص به النبي ﷺ دون غيره. قُلْتُ: وهذه الساعة انتهت في العصر، ويدل على ذلك ما رواه أحمد (٦٦٨١) حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عُمَرَو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُفُّوا السِّلَاحَ إِلَّا خُزَاعَةَ عَنْ بَنِي بَكْرٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ، حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ قَالَ: «كُفُّوا السِّلَاحَ»، فَلَقِيَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرٍ، مِنْ غَدٍ، بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ، وَرَأَيْتُهُ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ،

стр. 4207

قَالَ: «إِنَّ أَعْدَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ». فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا ابْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا دَعْوَةَ فِي الْإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْأَثْلَبُ» قَالُوا: وَمَا الْأَثْلَبُ؟ قَالَ: «الْحَجَرُ». قَالَ: «وَفِي الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ، وَفِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ». قَالَ: وَقَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ». قَالَ: «وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ، إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وحسين هو ابن ذكوان المعلم. ١١ - وفيه النهي عن قطع شوك الحرم. قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في هذه المسألة، والصواب المقطوع به هو ما دل عليه هذا الحديث من منع ذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٩): «فصل: ويحرم قطع الشوك، والعوسج.

стр. 4208

وقال القاضي، وأبو الخطاب: لا يحرم. وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي؛ لأنَّه يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان. ولنا، قول النبي ﷺ : "لا يعضد شجرها". وفي حديث أبي هريرة: "لا يختلى شوكها". وهذا صريح. ولأنَّ الغالب في شجر الحرم الشوك، فلما حرم النبي ﷺ قطع شجرها، والشوك غالبه، كان ظاهراً في تحريمه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٠): «وقوله ﷺ : "لا يعضد شوكها"، وفي اللفظ الآخر: "لا يختلى شوكها" صريح في المنع، ولا يصح قياسه على السباع العادية، فإنَّ تلك تقصد بطبعها الأذى، وهذا لا يؤذى من لم يدن منه» اهـ. قُلْتُ: على أنَّه لا يلتفت للقياس مع وجود النص. وقد أنصف في هذه المسألة الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فَقَالَ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٧): «قوله ﷺ : "لا يعضد شوكه". فيه دلالة لمن يقول بتحريم جميع نبات الحرم من الشجر والكلأ، سواء الشوك المؤذي وغيره، وهو الذي اختاره المتولي من أصحابنا، وقال جمهور أصحابنا: لا يحرم الشوك؛ لأنَّه مؤذ، فأشبه الفواسق الخمس، ويخصون الحديث بالقياس، والصحيح ما اختاره المتولي. والله أعلم» اهـ.

стр. 4209

١٢ - وفيه النهي عن تنفير الصيد، وهو إزعاجه ليفر. ١٣ - ويدل بفحوى الخطاب على تحريم صيده، وقتله. قُلْتُ: والصيد الذي ورد النهي عن قتله، وجعل فيه الجزاء ما كان مباحاً أكله، وكان مع ذلك وحشياً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٤): «والصيد ما جمع ثلاثة أشياء، وهو أن يكون مباحاً أكله، لا مالك له، ممتنعاً. فيخرج بالوصف الأول كل ما ليس بمأكول لا جزاء فيه، كسباع البهائم، والمستخبث من الحشرات، والطير، وسائر المحرمات. قال أحمد: إنَّما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله. وقال: كل ما يؤذي إذا أصابه المحرم يؤكل لحمه. وهذا قول أكثر أهل العلم، إلَّا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره، كالسبع المتولد من الضبع والذئب، تغليباً لتحريم قتله، كما علقوا التحريم في أكله. وقال بعض أصحابنا: في أم حَبَيْنٍ جدي. وأم حبين: دابة منتفخة البطن. وهذا خلاف القياس؛ فإنَّ أمَّ حَبَيْنٍ لا تؤكل، لكونها مستخبثة عند العرب. حكي أنَّ رجلاً من العرب سئل ما تأكلون؟ قال: ما دب ودرج، إلَّا أمَّ حَبَيْنٍ.

стр. 4210

فقال السائل: ليهن أمَّ حَبَيْنٍ العافية. وإنَّما تبعوا فيها قضية عثمان ﵁ فإنَّه قضى فيها بحلان، وهو الجدي. والصحيح أنَّه لا شيء فيها. وفي القمل روايتان، ذكرناهما فيما مضى والصحيح، أنَّه لا شيء فيه؛ لأنَّه غير مأكول، وهو من المؤذيات، ولا مثل له ولا قيمة. قال ميمون بن مهران: كنت عند عبد الله بن عباس، فسأله رجل، فقال: أخذت قملة فألقيتها، ثم طلبتها فلم أجدها. فقال ابن عباس: تلك ضالة لا تبتغى. وقال القاضي: إنَّما الروايتان فيما أزاله من شعره، فأمَّا ما ألقاه من ظاهر بدنه أو ثوبه، فلا شيء عليه، رواية واحدة. ومن أوجب فيه الجزاء قال: أي شيء تصدق به فهو خير. واختلفت الرواية في الثعلب، فعنه: فيه الجزاء. وبه قال طاووس، وقتادة، ومالك، والشافعي. وقال: هو صيد يؤكل، وفيه الجزاء. وعن أحمد: لا شيء فيه. وهو قول الزهري، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وابن المنذر. واختلف فيه عن عطاء؛ لأنَّه سبع، وقد نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع.

стр. 4211

وإذا أوجبنا فيه الجزاء، ففيه شاة؛ لأنَّه روي ذلك عن عطاء. واختلفت الرواية في السنور، أهلياً كان أو وحشياً والصحيح أنَّه لا جزاء فيه. وهو اختيار القاضي؛ لأنَّه سبع، وليس بمأكول. وقال الثوري، وإسحاق: في الوحشي حكومة، ولا شيء في الأهلي؛ لأنَّ الصيد ما كان وحشياً. واختلفت الرواية في الهدهد والصرد؛ لاختلاف الروايتين في إباحتهما، وكل ما اختلف في إباحته يختلف في جزائه، فأمَّا ما يحرم، فالصحيح أنَّه لا جزاء فيه؛ لأنَّه مخالف للقياس، ولا نص فيه. الوصف الثاني، أن يكون وحشياً، وما ليس بوحشي لا يحرم على المحرم ذبحه ولا أكله، كبهيمة الأنعام كلها، والخيل، والدجاج، ونحوها. لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافاً، والاعتبار في ذلك بالأصل، لا بالحال، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء، وكذلك وجب الجزاء في الحمام أهليه ووحشيه، اعتباراً بأصله. ولو توحش الأهلي لم يجب فيه شيء. قال أحمد، في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها؛ لأنَّ الأصل فيها الإنسي. وإن تولد من الوحشي والأهلي ولد، ففيه الجزاء، تغليباً للتحريم، كقولنا في المتولد بين المباح والمحرم.

стр. 4212

واختلفت الرواية في الدجاج السندي، هل فيه جزاء؟ على روايتين. وروى مهنا، عن أحمد، في البط، يذبحه المحرم إذا لم يكن صيداً. والصحيح أنَّه يحرم عليه ذبحه، وفيه الجزاء؛ لأنَّ الأصل فيه الوحشي، فهو كالحمام» اهـ. قُلْتُ: أثر عثمان رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٤٣١) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ أُمَّ حَبَيْنٍ فَحَكَمَ عُثْمَانُ عَلَيْهِ فِيهَا بَحَمَلٍ وَهُوَ الْفَصِيلُ». ورواه الشافعي في [الْمُسْنَد] (٨٩٠)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْمَعْرِفَة] (١٠٥٤٥)، و [الْكُبْرَى] (٩٨٩١) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ: «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ قَضَى فِي أُمِّ حُبَيْنٍ بِحُلانِ مِنَ الْغَنَمِ». قُلْتُ: رواية الشافعي أصح، وَهَذَا أَثَرٌ مُنْقَطِعٌ لَا يَصِحُّ. والحلان صغار الغنم. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٢٩٦): «قال أصحابنا: يحرم عليه كل صيد برى مأكول، أو في أصله مأكول، وحشياً كان أو في أصله وحشي. هذا ضابطه، فأمَّا ما ليس بصيد كالبقر والغنم والإبل والخيل وغيرها من الحيوان الإنسي فليس بحرام بالإجماع؛ لأنَّه ليس بصيد، وإنَّما حرم الشرع الصيد» اهـ.

стр. 4213

قُلْتُ: وقد تنازع العلماء هل يجب على غير المحرم إذا صاد في الحرم جزاء، أو لا يجب. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (١/ ٤٥١): «فإذا عرفت هذا، فاعلم أنَّ الحلال إذا قتل صيداً في الحرم المكي، فجمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار على أنَّ عليه الجزاء، وهو كجزاء المحرم المتقدم، إلَّا أنَّ أبا حنيفة قال: ليس فيه الصوم؛ لأنَّه إتلاف محض من غير محرم. وخالف في ذلك داود بن علي الظاهري، محتجاً بأنَّ الأصل براءة الذمة، ولم يرد في جزاء صيد الحرم نص، فيبقى على الأصل الذي هو براءة الذمة، وقوله هذا قوي جداً. واحتج الجمهور: بأنَّ الصحابة ﵃ قضوا في حمام الحرم المكي بشاة شاة، روي ذلك عَنْ عُمَرَ، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، ولم ينقل عن غيرهم خلافهم؛ فيكون إجماعاً سكوتياً، واستدلوا أيضاً بقياسه على صيد المحرم، بجامع أنَّ الكل صيد ممنوع لحق الله تعالى» اهـ. قُلْتُ: ولم ينفرد بذلك داود، بل هذا هو ظاهر مذهب سعيد بن جبير ﵀، فقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٧٨) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ حَجَلَةٍ، ذَبَحْتُهَا، وَأَنَا مُحِلٌّ بِمَكَّةَ «فَلَمْ يَرَ عَلَيَّ بَأْسًا».

стр. 4214

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي [حَيَاةِ الْحَيَوانِ الْكُبْرَى] (١/ ٣٢٤): «والحجل طائر على قدر الحمام، كالقطا أحمر المنقار والرجلين ويسمى دجاج البر، وهو صنفان: نجدي وتهامي، فالنجدي أخضر اللون أحمر الرجلين، والتهامي فيه بياض وخضرة» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي في ذلك هو ما ذهب إليه أكثر العلماء من إيجاب الجزاء لكل من صاد في الحرم عملاً بعموم فتاوى أصحاب النبي ﷺ في ذلك. والله أعلم. وصفة الجزاء مذكورة في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥]. قُلْتُ: ونص الآية يدل على أنَّ الجزاء لا يجب إلَّا على المتعمد، وأمَّا الناسي والمخطئ فليس عليهما جزاء، وهذا هو الصحيح، وقد ذهب إليه أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين، وسعيد بن جبير، وأبو ثور، وهو مذهب داود، وروي أيضاً عن ابن عباس، وطاووس.

стр. 4215

وأوجب جمهور العلماء الجزاء على الجميع، وحملوا قيد العمد على أنَّه من القيود التي خرجت مخرج الغالب، وما كان كذلك فلا مفهوم له. وهذه دعوى مجردة عن البرهان فلا تقبل. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٩٩): «وهذا يدل على أنَّه لا جزاء في الخطأ من وجوه: أحدها: أنَّ الله نهى المحرم عن قتل الصيد، والناسي والمخطئ غير مكلف فلا يكون منهياً، وإذا لم يكن منهياً لم يكن عليه جزاء لأنَّ القتل المضمون هو القتل المنهي عنه كما دل عليه سياق الآية. الثاني: أنَّه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. فقد نص على وجوب الجزاء على المتعمد فيبقى المخطئ بريء الذمة فلا يجوز أن يوجب عليه الشيء لبراءة ذمته. الثالث: أنَّه خص المتعمد بإيجاب الجزاء بعد أن تقدم ذكر القتل الذي يعم المتعمد وغيره ومتى ذكرت الصفة الخاصة بعد الاسم العام كان تخصيصها بالذكر دليلاً قوياً على اختصاصها بالحكم أبلغ من لو ذكرت الصفة مبتدأة إذ لو لم يختص بالحكم كان ذكر المتعمد زيادة في اللفظ ونقصاً في المعنى ومثل هذا يعد عياً في الخطاب وهذا المفهوم لا يكاد ينكره من له أدنى ذوق بمعرفة الخطاب.

стр. 4216

الرابع: أنَّ المتعمد اسم مشتق من العمد مناسب كان ما منه الاشتقاق علة الحكم فيكون وجوب الجزاء لأجل التعمد فإذا زال التعمد زال وجوب الجزاء لزوال علته. الخامس: أنَّه أوجب الجزاء ليذوق وبال أمره والمخطئ ليس عليه وبال فلا يحتاج إلى إيجاب الجزاء. وأيضاً فضمان الصيد ليس حقاً لآدمي وإنَّما هو حق لله وما حرمه الله إذا فعله ناسياً أو مخطئاً لا مؤاخذة عليه ولا جزاء» اهـ. قُلْتُ: واحتجوا أيضاً بإطلاقات الأحاديث التي فيها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قضى بالجزاء من غير استفصال هل كان متعمداً، أو ناسياً، أو مخطأ، فدل ذلك على استواء كل ذلك في الجزاء، إذ لو كان الحكم يختلف باختلافها لا ستفسر عنها. والجواب على ذلك أنَّ الأصل في قتل الصيد هو العمد، فلم يحتج أن يستفصل عن غيره، ولهذا لم يستفصل النبي ﷺ هل كان عادياً عليه أو لا، مع أنَّهم يفرقون بين المسألتين، فيرون أن لا جزاء على من قتل صيداً قد صال عليه. واحتجوا أيضاً بالقياس على قتل الخطإ فإنَّ الدية واجبة عليه وإن كان لا إثم عليه. والجواب من وجهين: الأول: أنَّه قياس في مقابل نص فلا يعتبر به.

стр. 4217

الآخر: أنَّ هنالك فرقاً بين حقوق الله، وحقوق العباد، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام في الوجه الخامس. قُلْتُ: وقد بيَّن الله في هذه الآية كيفية الجزاء فقال: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وظاهر المثلية هي المثلية في الخلقة والصورة وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة فذهب إلى أنَّ المثلية إنَّما تكون في القيمة أي قيمة الصيد في المكان الذي قتله فيه، أو أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله، فيشتري بتلك القيمة هدياً إن شاء، أو يشتري بها طعاماً، ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر. قُلْتُ: والصواب مذهب الجمهور لوجوه ذكرها شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٨١ - ٢٨٣) حيث قال: «والمراد بالمثل ما مثال الصيد من جهة الخلقة والصورة سواء كانت قيمته أزيد من قيمة المقتول أو أنقص بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة. أمَّا الأول فمن وجوه: أحدها: أنَّ الله أوجب مثل المقتول والمثل إنَّما يكون من جنس مثله فعلم أنَّ المثل حيوان ولهذا يقول الفقهاء في الأموال ذوات الأمثال وذوات القيم وهذا الشيء يضمنه بمثله وهذا يضمن بقيمته والأصل بقاء

стр. 4218

العبارات على ما كانت عليه في لغة العرب الذين نزل القرآن بلسانهم وقيمة المتلف لا يسمى مثلاً. الثاني: أنَّ الله أوجب المثل من النعم احترازاً من إخراج المثل من نوع المقتول، فإنَّه لو أطلق المثل لفهم منه أن يخرج عن الضبع ضبع وعن الظبي ظبي، ولو كان المثل هو قيمة المقتول لكان الواجب في ذمة القاتل قيمة الصيد، ثم إنَّه يصرفها في شراء هدى أو شراء صدقة حينئذ فلا فرق بين الهدى وبين الصدقة حتى يجعل المثل من أحدهما دون الآخر. الثالث: أنَّ قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بيان لجنس المثل كقولهم باب من حديد وثوب خز، وذلك يوجب أن يكون المثل من النعم، ولو كان المثل هو القيمة والنعم مصرف لها لقيل: جزاء مثل ما قتل في النعم. الرابع: أنَّه لو كان المراد بالمثل القيمة لم يكن فرق بين صرفها في الهدى والصدقة، وكذلك لو أريد بالمثل الهدى باعتبار مساواته للمقتول في القيمة، فإنَّ الهدى والقيمة مثل بهذا الاعتبار، وكان يجب على هذا أن يقال فجزاء مثل ما قتل من النعم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين بالخفض والتقدير فجزاء مثل المقتول من النعم ومن الكفارة فإنَّهما على هذا التقدير سواء فلما كانت القراءة ترفع كفارة علم أنَّها معطوفة على جزاء، وأنَّها ليست من المثل المذكور في الآية، وذلك يوجب أن لا يكون المثل القيمة ولا ما اشترى بالقيمة. الخامس: أنَّه سبحانه قال في جزاء المثل: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ولا يجوز أن يكون المراد به تقويم التلف، لأنَّ التقويم بالنسبة إلى الهدي والصدقة واحد فلما خص ذوى العدل بالجزاء دون الكفارة علم أنَّه المثل من جهة الخلقة والصورة. فإن قيل فالآية تقتضي إيجاب الجزاء في قتل صيد وذلك يعم ما له نظير وما لا نظير له وهذا إنَّما يكون في القيمة.

стр. 4219

قلنا: يقتضي إيجاب جزاء المثل من النعم إن أمكنه؛ لأنَّه أوجب واحداً من ثلاثة وذلك مشروط بالإمكان بدليل من يوجب القيمة إنَّما يصرفها في النعم إذا أمكن أن يشتري بها فتكون القيمة لا تصلح لشراء هدى هو بمثابة عدم النظير في الخلقة. وأمَّا السنة وعليه اعتمد أحمد فما روى جابر بن عبد الله قال جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيبه المحرم كبشاً وجعله من الصيد رواه أبو داود وابن ماجة. وأمَّا إجماع الصحابة فإنَّه روي عَنْ عُمَرَ وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وابن الزبير أنَّهم قضوا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش وبقره الأيل والتبتل والوعل ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي اليربوع بجفرة، وإنَّما حكموا بذلك لمماثلته في الخلقة لا على جهة القيمة لوجوه: أحدها: أنَّ ذلك مبين في قصصهم كما سيأتي بعضه إن شاء الله.

стр. 4220

الثاني: أنَّ كل واحد من هذه القضايا تعددت في أمكنة وأزمنة مختلفة فلو كان المحكوم به قيمته لاختلفت باختلاف الأوقات والبقاع فلما قضوا به على وجه واحد علم أنَّهم لم يعتبروا القيمة. الثالث: أنَّه معلوم أنَّ البدنة أكثر قيمة من النعامة، والبقرة أكثر قيمة من حمار الوحش، والكبش أكثر قيمة كما شهد به عرف الناس. الرابع: أنَّهم قضوا في اليربوع جفرة» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٩): «الفصل السادس، أنَّ جزاء ما كان دابة من الصيد نظيره من النعم. هذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم الشافعي. وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة ويجوز فيها المثل؛ لأنَّ الصيد ليس بمثلي. ولنا، قول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وجعل النبي ﷺ في الضبع كبشاً. وأجمع الصحابة على إيجاب المثل، فقال عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية: في النعامة بدنة. وحكم أبو عبيدة، وابن عباس، في حمار الوحش ببدنة. وحكم عمر فيه ببقرة. وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة.

стр. 4221

وإذا حكموا بذلك في الأزمنة المختلفة، والبلدان المتفرقة، دل ذلك على أنَّه ليس على وجه القيمة، ولأنَّه لو كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف بها القيمة، إما برؤية أو إخبار، ولم ينقل عنهم السؤال عن ذلك حال الحكم، ولأنَّهم حكموا في الحمام بشاة، ولا يبلغ قيمة شاة في الغالب. إذا ثبت هذا، فليس المراد حقيقة المماثلة، فإنَّها لا تتحقق بين النعم والصيد، لكن أريدت المماثلة من حيث الصورة» اهـ. قُلْتُ: وظاهر المثلية أيضاً أنَّ الصغير من الصيد يقضي له بصغير من بهيمة الأنعام، والكبير بالكبير، وهذا مذهب أكثر العلماء خلافاً لمالك، فإنَّه اشترط في ذلك أن يكون في سن الأضحية لقول الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٤٣٩): «"الرابعة" الواجب في الصغير من الصيد المثلي صغير مثله من النعم وبه قال ابن عمر وعطاء والثوري وأحمد وأبو ثور. وقال مالك يجب فيه كبير لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، والصغير لا يكون هدياً وإنَّما يجزئ من الهدي ما يجزئ في الأضحية وبالقياس علي قتل الآدمي فانَّه يقتل الكبير بالصغير. دليلنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ومثل الصغير صغير ودليل آخر وهو ما قدمناه عن الصحابة ﵃ أنَّهم حكموا في الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة وفى أم حبين بحلال فدل على أنَّ الصغير يجزئ وأنَّ الواجب

стр. 4222

يختلف باختلاف الصغير والكبير، وقياساً على سائر المضمونات، فإنَّها تختلف مقادير الواجب فيها. والجواب عن الآية التي احتج بها أنَّها مطلقة وهنا مقيدة بالمثل وعن قياسهم علي قتل الآدمي أنَّ تلك الكفارة لا تختلف باختلاف أنواع الآدميين من حر وعبد ومسلم وذمي لم تختلف في قدرها بخلاف ما نحن فيه والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وظاهر المثلية أيضاً أنَّ المعيب يفدى بمعيب، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وخالف الإمام مالك فقال: يفدى المعيب بصحيح، لأنَّ المعيب لا يصح أن يكون هدياً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٣٣): «وقد أجمع الصحابة على الضمان بما لا يصح هدياً، كالجفرة والعناق والجدي». إلى أن قال ﵀: «فإن فدى المعيب بصحيح فهو أفضل، وإن فداه بمعيب مثله جاز. وإن اختلف العيب، مثل أن فدى الأعرج بأعور، أو الأعور بأعرج، لم يجز، لأنَّه ليس بمثله. وإن فدى أعور من أحد العينين بأعور من أخرى، أو أعرج من قائمة بأعرج من أخرى جاز؛ لأنَّ هذا اختلاف يسير، ونوع العيب واحد، وإنَّما اختلف محله» اهـ. وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٠٣): «والأصل في ذلك أنَّ الله أوجب مثل المقتول من النعم ومثل الصغير صغير كما أنَّ مثل الكبير كبير.

стр. 4223

وقوله: بعد ذلك: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. لا يمنع من إخراج الصغير لأنَّ كل ما يهدي إلى الكعبة فهو هدى، ولهذا لو قال لله عليَّ أن أهدي الجفرة جاز. نعم الهدي المطلق لا يجوز فيه إلَّا الجذع من الضأن، والثني من المعز. والهدي المذكور في الآية ليس بمطلق فإنَّه منصوب على الحال من قوله: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾. والتقدير فليخرج مثل المقتول على وجه الإهداء إلى الكعبة وهذا هدي مقيد لا مطلق فعلى هذا منه ما يجب في جنسه الصغير كما تقدم ومنه ما يجب في جنسه الصغير والكبير فينظر إلى المقتول فيتغير صفاته فيجب في الصغير صغير وفي الكبير كبير وفي الذكر ذكر وفي الأنثى أنثى وفي الصحيح صحيح وفي المعيب معيب تحقيقاً لمماثلة المذكورة في الآية. فإن كان الصيد سميناً أو مسناً أو كريم النوع أعتبر في مثله ذلك ويفتقر هنا في المماثلة إلى الحكمين هذا قول ابن أبي موسى والقاضي وعامة من بعده من أصحابنا وإن فدى الصغير بالكبير فهو أحسن» اهـ. قُلْتُ: وظاهر المثلية تكون أيضاً في الذكورة والأنوثة، كما سبق في كلام شيخ الإسلام. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٣٢):

стр. 4224

«فصل: قال أصحابنا: في كبير الصيد مثله من النعم، وفي الصغير صغير، وفي الذكر ذكر، وفي الأنثى أنثى، وفي الصحيح صحيح، وفي المعيب معيب. وبهذا قال الشافعي» اهـ. قُلْتُ: وظاهر المثلية أيضاً أنَّ الواحد لا يفدى إلَّا بواحد، فلو اجتمع جماعة على قتل صيد لزمهم جميعاً جزاءً واحداً من بهيمة الأنعام. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٥٣ - ٣٥٤): «مسألة: قال: "ولو اشترك جماعة في قتل صيد، فعليهم جزاء واحد" يروى عن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات؛ إحداهن، أنَّ الواجب جزاء واحد. وهو الصحيح. ويروى هذا عَنْ عُمَرَ بن الخطاب، وابن عباس، وابن عمر ﵃ وبه قال عطاء، والزهري، والنخعي، والشعبي، والشافعي، وإسحاق. والثانية، على كل واحد جزاء. رواهما ابن أبي موسى، واختارها أبو بكر. وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ويروى عن الحسن؛ لأنَّها كفارة قتل يدخلها الصوم، أشبهت كفارة قتل الآدمي. والثالثة، إن كان صوماً صام كل واحد صوماً تاماً، وإن كان غير ذلك فجزاء واحد، وإن كان أحدهما هدي والآخر صوم، فعلى المهدي بحصته، وعلى الآخر

стр. 4225

صوم تام؛ لأنَّ الجزاء ليس بكفارة، وإنَّما هو بدل، بدليل أنَّ الله تعالى عطف عليه الكفارة، فقال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. والصوم كفارة، ككفارة قتل الآدمي. ولنا، قول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. والجماعة قد قتلوا صيداً، فيلزمهم مثله، والزائد خارج عن المثل، فلا يجب، ومتى ثبت اتخاذ الجزاء في الهدي، وجب اتخاذه في الصيام؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. والاتفاق حاصل أنَّه معدول بالقيمة، إمَّا قيمة المتلف، وإمَّا قيمة مثله، فإيجاب الزائد على عدل القيمة خلاف النص، وأيضاً ما روي عمن سمينا من الصحابة أنَّهم قالوا كمذهبنا، ولأنَّه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه، فكان واحداً، كالدية، أو كما لو كان القاتل واحداً، أو بدل المحل، فاتحدت باتحاده الدية، وكفارة الآدمي لنا فيها منع، ولا يتبعض في أبعاضه، ولا يختلف باختلافه، فلا يتبعض على الجماعة، بخلاف مسألتنا» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا ما لا مثل له من الصيد كالعصافير ففيه قيمته، وهو مذهب أكثر العلماء، وخالف بعض أصحاب داود وقالوا: لا شيء في ذلك. قُلْتُ: وقد قضى الصحابة في الجراد بالقيمة، فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٢٤٧) عَنْ مَعْمَرٍ، وَالثَّوْرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، أَنَّ كَعْبًا سَأَلَ فَقَالَ: يَا

стр. 4226

أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَيْنَا نَحْنُ نُوقِدُ جَرَادَةً قَذَفْتُهَا فِي النَّارِ وَأَنَا مُحْرِمٌ، فَتَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ، فَقَالَ عُمَرُ: «إِنَّكُمْ يَا أَهْلَ حِمْصَ كَثِيرَةٌ أَوْرَاقُكُمْ، تَمْرَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرَادِكُمْ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وقد جاء أيضاً من عدة مراسيل عنه ﵁. ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٥٨٦٨) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ كَعْبٍ بِهِ، بإسقاط الأسود، والصواب إثباته. ورواه (١٥٨٦٩) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عُمَرَ، بِمِثْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ. وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٨٢٤٤) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ جَرَادَةٍ قَتَلَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ: «فِيهَا قَبْضَةٌ مِنْ قَمْحٍ، وَإِنَّكَ لَآخِذٌ قَبْضَةَ جَرَادَاتٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٥٨٧٣) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْمُحْرِمِ يُصِيبُ الْجَرَادَةَ، فَقَالَ: «تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وحفص هو ابن غياث، وجعفر هو ابن محمد الصادق، والقاسم هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق.

стр. 4227

وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٥٨٧٢) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ مُحْرِمًا أَصَابَ جَرَادَةً، فَحَكَمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَرَجُلٌ آخَرُ، «فَحَكَمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، وَالْآخَرُ جَرَادَةً». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وعبدة هو ابن سليمان، ومحمد بن عمرو هو ابن علقمة الليثي. وظاهر المثلية أنَّه لا يجب على القارن إذا صاد صيداً أكثر من جزاء واحد، وهذا مذهب أكثر العلماء، وأوجب أبو حنيفة جزاءين، جزاء لإحرام الحج، وجزاء لإحرام العمرة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٤٤): «فصل: وإن قتل القارن صيداً، فعليه جزاء واحد. نص عليه أحمد، فقال: إذا قتل القارن صيداً، فعليه جزاء واحد. وهؤلاء يقولون: في ذلك جزاءان، فيلزمهم أن يقولوا: في صيد الحرم ثلاثة؛ لأنَّهم يقولون: في الحل اثنان، ففي الحرم ينبغي أن يكون ثلاثة. وهذا قول مالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: عليه جزاءان. قال القاضي: وإذا قلنا عليه طوافان، لزمه جزاءان. ولنا، قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.

стр. 4228

ومن أوجب جزاءين، فقد أوجب مثلين. ولأنَّه صيد واحد، فلم يجب فيه جزاءان، كما لو قتل المحرم في الحرم صيداً. ولأنَّه لا يزيد على محرمين قتلا صيداً، وليس عليهما إلَّا فداء واحد، وكذلك محرم وحلال قتلا صيداً حرمياً» اهـ. قُلْتُ: وظاهر المماثلة أنَّ الصيد لا يتداخل مع التفرق والاجتماع فإذا قتل المحرم صيدين فلكل صيد جزاؤه على حدة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٠١): «فصل: فأمَّا جزاء الصيد فلا يتداخل، ويجب في كل صيد جزاؤه، سواء وقع متفرقاً أو في حال واحدة. وعن أحمد، أنَّه يتداخل، قياساً على سائر المحظورات. ولا يصح؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. ومثل الصيدين لا يكون مثل أحدهما، ولأنَّه لو قتل صيدين دفعة واحدة، وجب جزاؤهما، فإذا تفرقا أولى أن يجب؛ لأنَّ حالة التفريق لا تنقص عن حالة الاجتماع كسائر المحظورات» اهـ. قُلْتُ: وظاهر قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أنَّه يكتفي بحكم من سبق من العدول، من الصحابة، وهذا قول أكثر العلماء، وهو الصحيح. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٢):

стр. 4229

«والمتلف من الصيد قسمان؛ أحدهما، قضت فيه الصحابة، فيجب فيه ما قضت. وبهذا قال عطاء، والشافعي، وإسحاق. وقال مالك: يستأنف الحكم فيه؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولنا، قول النبي ﷺ : "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم". وقال: "اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر، وعمر". ولأنَّهم أقرب إلى الصواب، وأبصر بالعلم، فكان حكمهم حجة على غيرهم، كالعالم مع العامي، والذي بلغنا قضاؤهم في؛ الضبع كبش. قضى به عمر، وعلي، وجابر، وابن عباس. وفيه عن جابر: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جعل في الضبع يصيدها المحرم كبشاً". رواه أبو داود، وابن ماجه. وروي عن جابر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "في الضبع كبش، إذا أصاب المحرم، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة". قال أبو الزبير: الجفرة، التي قد فطمت ورعت. رواه الدارقطني. قال أحمد: حكم رسول الله ﷺ في الضبع بكبش. وبه قال عطاء، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر.

стр. 4230

وقال الأوزاعي إن كان العلماء بالشام يعدونها من السباع ويكرهون أكلها. وهو القياس، إلَّا إنَّ اتباع السنة والآثار أولى. وفي حمار الوحش بقرة. روي ذلك عَنْ عُمَرَ ﵁. وبه قال عروة، ومجاهد، والشافعي. وعن أحمد: فيه بدنة. روي ذلك عن أبي عبيدة، وابن عباس، وبه قال عطاء، والنخعي. وفي بقرة الوحش بقرة. روي ذلك عن ابن مسعود، وعطاء، وعروة، وقتادة، والشافعي. والأيل فيه بقرة. قاله ابن عباس. قال أصحابنا: في الوعل والثيتل بقرة، كالأيل. والأروى فيها بقرة. قال ذلك ابن عمر. وقال القاضي: فيها عضب، وهي من أولاد البقر ما بلغ أن يقبض على قرنه، ولم يبلغ أن يكون جذعاً. وحكي ذلك عن الأزهري. وفي الظبي شاة. ثبت ذلك عَنْ عُمَرَ، وروي عن علي، وبه قال عطاء، وعروة، والشافعي، وابن المنذر، ولا نحفظ عن غيرهم خلافهم. وفي الوبر شاة. روي ذلك عن مجاهد، وعطاء. وقال القاضي: فيه جفرة؛ لأنَّه ليس بأكبر منها وكذلك.

стр. 4231

قال الشافعي: إن كانت العرب تأكله. والجفرة من أولاد المعز ما أتى عليها أربعة أشهر، وفصلت عن أمها، والذكر جفر. وفي اليربوع جفرة. قال ذلك عمر ﵁، وروي ذلك عن ابن مسعود، وبه قال عطاء، والشافعي، وأبو ثور. وقال النخعي: فيه ثمنه. وقال مالك: قيمته طعاماً. وقال عمرو بن دينار: ما سمعنا أنَّ الضب واليربوع يوديان. واتباع الآثار أولى. وفي الضب جدي. قضى به عمر، وأربد، وبه قال الشافعي. وعن أحمد، فيه شاة؛ لأنَّ جابر بن عبد الله، وعطاء قالا فيه ذلك. وقال مجاهد: حفنة من طعام. وقال قتادة: صاع. وقال مالك: قيمته من الطعام. والأول أولى؛ فإنَّ قضاء عمر أولى من قضاء غيره، والجدي أقرب إليه من الشاة. وفي الأرنب عناق. قضى به عمر. وبه قال الشافعي. وقال ابن عباس: فيه حمل. وقال عطاء: فيه شاة. وقضاء عمر أولى. والعناق: الأنثى من ولد المعز في أول سنة، والذكر جدي.

стр. 4232

القسم الثاني، ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع إلى قول عدلين من أهل الخبرة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. فيحكمان فيه بأشبه الأشياء من النعم، من حيث الخلقة، لا من حيث القيمة، بدليل أنَّ قضاء الصحابة لم يكن بالمثل في القيمة، وليس من شرط الحكم أن يكون فقيها؛ لأنَّ ذلك زيادة على أمر الله تعالى به، وقد أمر عمر أن يحكم في الضب، ولم يسأل أفقيه هو أم لا؟ لكن تعتبر العدالة؛ لأنَّها منصوص عليها، ولأنَّها شرط في قبول القول على الغير في سائر الأماكن، وتعتبر الخبرة؛ لأنَّه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلَّا من له خبرة، ولأنَّ الخبرة بما يحكم به شرط في سائر الحكام» اهـ. قُلْتُ: ويدخل عند جمع من أهل العلم القاتل نفسه في عموم قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٣٢): «ويجوز أن يكون القاتل أحد العدلين. وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وقال النخعي: ليس له ذلك؛ لأنَّ الإنسان لا يحكم لنفسه. ولنا، عموم قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. والقاتل مع غيره ذوا عدل منَّا.

стр. 4233

وقد روى سعيد في "سننه"، والشافعي، في "مسنده"، عن طارق بن شهاب، قال: خرجنا حجاجاً، فأوطأ رجل منا يقال له أربد ضباً، ففزر ظهره، فقدمنا على عمر ﵁ فسأله أربد، فقال له: احكم يا أربد فيه. قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين. قال: إنَّما أمرتك أن تحكم، ولم آمرك أن تزكيني. فقال أربد: أرى فيه جدياً قد جمع الماء والشجر. قال عمر: فذلك فيه. فأمره عمر أن يحكم فيه وهو القاتل، وأمر أيضاً كعب الأحبار أن يحكم على نفسه في الجرادتين اللتين صادهما وهو محرم. ولأنَّه مال يخرج في حق الله تعالى، فجاز أن يكون من وجب عليه أميناً فيه، كالزكاة» اهـ. قُلْتُ: أثر عمر رواه الشافعي في [الْأُمِ] (٢/ ١٩٤)، و [الْمُسْنَد] (٦٥٤) ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠١٤٩)، [الْصُغْرَى] (١٢٢٨)، و [الْمَعْرِفَةِ] (٣٢٤٩) أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا فَأَوْطَأَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَرْبَدُ ضَبًّا فَفَقَرَ ظَهْرَهُ فَقَدِمْنَا عَلَى عُمَرَ فَسَأَلَهُ أَرْبَدُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «اُحْكُمْ فِيهِ يَا أَرْبَدُ». فَقَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَعْلَمُ. فَقَالَ لَهُ

стр. 4234

عُمَرُ: «إنَّمَا أَمَرْتُك أَنْ تَحْكُمَ فِيهِ وَلَمْ آمُرْك أَنْ تُزَكِّيَنِي». فَقَالَ أَرْبَدُ: أَرَى فِيهِ جَدْيًا قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ فَقَالَ عُمَرُ: «فَذَاكَ فِيهِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والأثر الآخر رواه الشافعي في [الْأُمِ] (٢/ ١٩٥)، وفي [الْمُسْنَد] (٨٤٨)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٧٩١)، و [الْمَعْرِفَةِ] (٣٢١٥) أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ أَقْبَلَ مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَكَعْبِ الأَحْبَارِ فِي أُنَاسٍ مُحْرِمِينَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَكَعْبٌ عَلَى نَارٍ يَصْطَلِي مَرَّتْ بِهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ فَمَلَّهُمَا وَنَسِيَ إِحْرَامَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ إِحْرَامَهُ فَأَلْقَاهُمَا. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ دَخَلَ الْقَوْمُ عَلَى عُمَرَ ﵁ وَدَخَلْتُ مَعَهُ فَقَصَّ كَعْبٌ قِصَّةَ الْجَرَادَتَيْنِ عَلَى عُمَرَ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: «وَمَنْ بِذَلِكَ؟ لَعَلَّكَ بِذَلِكَ يَا كَعْبُ؟». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ عُمَرُ ﵁: «إِنَّ حِمْيَرَ تُحِبُّ الْجَرَادَ، قَالَ: مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ؟». قَالَ: دِرْهَمَيْنِ قَالَ: «بَخْ دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ جَرَادَةٍ، اجْعَلْ مَا جَعَلْتَ فِي نَفْسِكَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ، ابن جريج مدلس وقد عنعن، وعبد الله بن أبي عمار وثقه العجلي، وهو متساهل في توثيق المجاهيل.

стр. 4235

قُلْتُ: ولا يستقيم هذا إلَّا على مذهب من يرى أنَّ الجزاء يتناول غير المتعمد، وأمَّا على القول الآخر فلا يستقيم؛ لأنَّ المتعمد ليس بعدل فلا يدخل في قول الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. نعم إن تاب توبة صادقة فله أن يكون أحد الحكمين. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ٤٤١): «إذا قتل الصيد على وجه لا يفسق به فالأصح عندنا أنَّه يجوز أن يكون القاتل أحد الحكمين كما سبق وبه قال عمر بن الخطاب ﵁ كما سبق عنه في قصة أربد، وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن المنذر. وقال النخعي، ومالك لا يجوز. دليلنا فعل عمر مع عموم قول الله تعالي: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولم يفرق بين القاتل وغيره» اهـ. وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٢٨٧ - ٢٨٨): «قال القاضي وابن عقيل: وهذا إنَّما يكون إذا قتله خطأ أو عمداً لمخمصة، فأمَّا إن قتله عمداً فلا يصح لأنَّه فاسق بخلاف تقويم عروض التجارة فإنَّ صاحبها يقومها وإن كان فاسقاً لأنَّه لم ينص على عدالته. ووجه هذا أنَّ قتل الصيد من الكبائر لأنَّ الله توعد عليه بقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، ولأنَّ الله سمى محظورات الإحرام فسوقاً في

стр. 4236

قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾، ولكن هذا يقتضي أنَّه إذا قتله عمداً وتاب جاز حكمه، ولم يذكر القاضي وأصحابه في خلافهم هذا الشرط» اهـ. قُلْتُ: ومن جرح صيداً ضمنه بمثله من بهيمة الأنعام. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥): «فَصْلٌ: وَإِنْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ الصَّيْدِ، وَجَبَ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ، فَكَانَ بَعْضُهُ مَضْمُونًا كَالْآدَمِيِّ، وَالْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا". فَالْجَرْحُ أَوْلَى بِالنَّهْيِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ. وَمَا كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ الصَّيْدِ وَجَبَ ضَمَانُهُ كَنَفْسِهِ، وَيُضْمَن بِمِثْلِهِ مِنْ مِثْلِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ، وَجَبَ فِي بَعْضِهِ مِثْلُهُ، كَالْمَكِيلَاتِ. وَالْآخَرُ يَجِبُ قِيمَةُ مِقْدَارِهِ مِنْ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَشُقُّ إخْرَاجُهُ، فَيُمْنَعُ إيجَابُهُ، وَلِهَذَا عَدَلَ الشَّارِعُ عَنْ إيجَابِ جُزْءٍ مِنْ بَعِيرٍ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ إلَى إيجَابِ شَاةٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْإِبِلِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ هَاهُنَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ؛ لِوُجُودِ الْخِيَرَةِ لَهُ فِي الْعُدُولِ عَنْ الْمِثْلِ إلَى عَدْلِهِ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ، فَيَنْتَفِي الْمَانِعُ فَيَثْبُتُ مُقْتَضَى الْأَصْلِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْشَّافِعِيِّ ﵀ فِي [الْبَيَانِ] (٤/ ١٧٦): «ويحرم عليه جرح الصيد وإتلاف أجزائه؛ لأنَّ ما منع من إتلافه لحق الغير .. منع من جرحه وإتلاف أجزائه، كالآدمي. فإن جرحه أو أتلف جزءاً منه .. وجب عليه الجزاء.

стр. 4237

وقال مالك وأبو حنيفة وداود: لا جزاء عليه في جرح الصيد، ولا في قطع عضو منه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩): «فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ جُرْحَ الصَّيْدِ وَقَطْعَ عُضْوٍ مِنْهُ مَضْمُونٌ كَضَمَانِ نَفْسِهِ وَجَبَ عَلَى جَارِحِ الصَّيْدِ أَنْ يُرَاعِيَ جُرْحَهُ، وَيَتَعَاهَدَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَإِذَا انْدَمَلَ الْجُرْحُ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ، فَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ حينئذٍ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا جُرْحَ بِهِ، فَإِذَا قِيلَ: قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ قُوِّمَ وَهُوَ مَجْرُوحٌ قَدِ انْدَمَلَ جُرْحُهُ، فَإِذَا قِيلَ: تِسْعُونَ دِرْهَمًا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ نَقَصَ بِالْجِرَاحَةِ الْعُشْرَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَيَكُونُ عَلَيْهِ عُشْرُ ثَمَنِ شَاةٍ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ ظَبْيٌ، لَوْ قَتَلَهُ لَافْتَدَاهُ بشاةٍ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَكَانَ أبو إبراهيم المزني يقول: عليه عشر شَاةٍ، فَأَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي الْجِرَاحِ كَمَا أَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي النَّفْسِ، وَسَاعَدَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ كَانَتْ مَضْمُونَةً بِالْمِثْلِ كانت إحداها مَضْمُونَةً بِالْمِثْلِ، كَالطَّعَامِ الْمَغْصُوبِ إِذَا أَتْلَفَ جَمِيعَهُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ أَتْلَفَ قَفِيزًا مِنْهُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا يَحْمِلُونَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيُوجِبُونَ عَلَيْهِ عُشْرَ ثَمَنِ شَاةٍ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مَضْمُونَةٍ بِالْمِثْلِ كَانَ النَّقْصُ الدَّاخِلُ عَلَيْهَا بِالْجِنَايَةِ مَضْمُونًا بِالْأَرْشِ مِنَ الْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ كَالطَّعَامِ الْمَغْصُوبِ إِذَا بَلَّهُ بِالْمَاءِ، أَوْ قَلَاهُ بِالنَّارِ، ضَمِنَ أَرْشَ نَقْصٍ دُونَ الْمِثْلِ.

стр. 4238

وَالثَّانِي: أَنَّ فِي إِيجَابِ عُشْرِ شَاةٍ إِضْرَارًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى شُرَكَاءَ فِي الشَّاةِ لِيَكُونَ شَرِيكِهِمْ فِيهَا بالعشر، فهذا متعذر، وإلى أَنْ يَهْدِيَ شَاةً كَامِلَةً؛ لِيَصِلَ عُشْرُهَا إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَفِي ذَلِكَ إِضْرَارٌ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَانِ الْمَذْهَبَانِ فَعَلَى مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بَيْنَ أَنْ يَهْدِيَ عُشْرَ شَاةٍ، أَوْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْعُشْرِ طَعَامًا، أَوْ يكفر بعدل الطَّعَامِ صِيَامًا، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرِ نَصِّهِ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ بَيْنَ عُشْرِ ثمن الشاة، وَبَيْنَ أَنْ يَهْدِيَ عُشْرَ شَاةٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْعُشْرِ طَعَامًا، وَبَيْنَ أَنْ يُكَفِّرَ عَدْلَ الطَّعَامِ صِيَامًا» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٣/ ١٦٠ - ١٦١): «قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي "الْمُخْتَصَرِ": إِنْ جَرَحَ ظَبْيًا نَقَصَ عُشْرُ قِيمَتِهِ، فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ شَاةٍ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ تَخْرِيجًا عَلَيْهِ: عُشْرُ شَاةٍ. قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: الْحُكْمُ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ شَرِيكًا فِي ذَبْحِ شَاةٍ، فَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا هُوَ أَسْهَلُ، فَإِنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّخْيِيرِ. فَعَلَى هَذَا، هُوَ مُخَيَّرٌ، إِنْ شَاءَ أَخْرَجَ الْعُشْرَ، وَإِنْ شَاءَ صَرَفَ قِيمَتَهُ فِي طَعَامٍ وَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَمِنْهُمْ مَنْ جَرَى عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ، وَقَالَ: الْوَاجِبُ عُشْرُ الْقِيمَةِ. وَجَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: الْمَنْصُوصُ، وَتَخْرِيجُ الْمُزَنِيِّ. فَعَلَى هَذَا إِذَا قُلْنَا بِالْمَنْصُوصِ، فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: تَتَعَيَّنُ الصَّدَقَةُ بِالدَّرَاهِمِ. وَالثَّانِي، لَا تُجْزِئَهُ الدَّرَاهِمُ، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِالطَّعَامِ، أَوْ يَصُومُ.

стр. 4239

وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ عُشْرِ الْمِثْلِ، وَبَيْنَ إِخْرَاجِ الدَّرَاهِمِ. وَالرَّابِعُ: إِنْ وَجَدَ شَرِيكًا فِي الدَّمِ، أَخْرَجَهُ وَلَمْ تُجْزِئْهُ الدَّرَاهِمُ، وَإِلَّا، أَجْزَأَتْهُ. هَذَا فِي الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمِثْلِيِّ، فَالْوَاجِبُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ قَطْعًا. قُلْتُ: لَوْ قَتَلَ نَعَامَةً فَأَرَادَ أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْبَدَنَةِ إِلَى بَقَرَةٍ، أَوْ سَبْعِ شِيَاهٍ، لَمْ يَجُزْ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي "الْبَحْرِ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: وظاهر قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. أنَّ الجزاء لا يكون إلَّا في مكة. ولم يعين الله وقتاً لذبحه، فيشمل جميع الأوقات. وظاهر قوله: ﴿هَدْيًا﴾. أنَّه لا يعطى فقراء الحرم إلَّا مذبوحاً؛ فإنَّ الهدي شأنَّه أن يذبح. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٤٦): «الفصل الثاني إذا اختار المثل، ذبحه، وتصدق به على مساكين الحرم؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. ولا يجزئه أن يتصدق به حياً على المساكين؛ لأنَّ الله تعالى سماه هدياً، والهدي يجب ذبحه، وله ذبحه أي وقت شاء، ولا يختص ذلك بأيام النحر» اهـ. قُلْتُ: وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، فيه احتمالان: الأول: أنَّ المثل يقدر بالدراهم، والدراهم بطعام يدفع للمساكين. وبه قال الشافعي، وأحمد.

стр. 4240

الآخر: أنَّ الصيد يقدر بالدراهم، والدراهم بطعام يدفع للمساكين. وبه قال مالك؛ لأنَّ التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف، قوم المتلف، كالذي لا مثل له. قُلْتُ: والصحيح الأول، لما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِه] (٨٣٢)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٦٧٩) ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ: «إِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ ذَبَحَهُ وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَزَاؤُهُ قُوِّمَ جَزَاؤُهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، فَصَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصِّيَامُ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الطَّعَامَ وَجَدَ جَزَاءَهُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٢٢): «ولا يعرف له في الصحابة مخالف» اهـ. قُلْتُ: وهذا فيما له مثل، وأمَّا ما ليس له مثل فيقوم الصيد. ولم يبين الله نوع الطعام، فيحمل على ما يقتاته أهل البلد. ولم يبين الله مقدار ما يعطاه المسكين الواحد، فذهب الإمام مالك، والشافعي أنَّه يعطى كل مسكين مداً، وذهب أحمد إلى أنَّه يعطى كل مسكين نصف صاع، فيما عدا البر ففيه مد.
следующие страницы →