← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا: إلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ». قوله: «وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ» أي اليمانيين حيث لا يراهم المشركون لأنهم كانوا مما يلي الحجر من قبل قعيقعان. وروى البخاري (٤٢٥٦) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، «وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ، أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَزَادَ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَامِهِ الَّذِي اسْتَأْمَنَ، قَالَ: «ارْمُلُوا» لِيَرَى المُشْرِكُونَ قُوَّتَهُمْ، وَالمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلِ قُعَيْقِعَانَ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - استحباب إظهار القوة والجلد أمام الأعداء لما في ذلك من إرهاب الكافرين وتغيظهم.

стр. 4307

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. ٢ - استحباب الرمل فيما عدا ما بين الركن اليماني والحجر والأسود وكان ذلك في أول الأمر إغاظة للكافرين ثم شُرع بعد ذلك الرمل في سائر البيت من الحجر إلى الحجر. ويدل عليه ما رواه مسلم (١٢٦٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «رَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا». وروى مسلم (١٢٦٣) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ». وفي رواية عنده عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ الثَّلَاثَةَ أَطْوَافٍ، مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ». قُلْتُ: وقد اتفق على ذلك الأئمة الأربعة، وقال طاووس، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله: يمشي ما بين الركنين، واحتجوا بحديث ابن عباس هذا. والصحيح مذهب الجمهور. قُلْتُ: والرَّمَل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطا. فرع/ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٢٠):

стр. 4308

«قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم، على أنَّه لا رمل على النساء حول البيت، ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهنَّ اضطباع. وذلك لأنَّ الأصل فيهما إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك في حق النساء، ولأنَّ النساء يقصد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرض للتكشف» اهـ. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٩٥٢)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٧٦٦) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٧٨)، و [الْاسْتِذْكَارِ] (٤/ ١٩٥): «وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ فِي طَوَافِهِنَّ بِالْبَيْتِ وَلَا هَرْوَلَةٌ فِي سَعْيِهِنَّ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» اهـ. فرع/ والرمل مع البعد عن الكعبة مقدم على القرب مع عدمه على الصحيح من أقوال العلماء. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣): «فإن لم يمكنه الرمل مع القرب لقوة الازدحام فإن رجا أن تخف الزحمة ولم يتأذ أحد بوقوفه انتظر ذلك ليجمع بين قربة من البيت وبين الرمل فإنَّ ذلك مقدم على

стр. 4309

مبادرته إلى تمام الطواف، وإن كان الوقوف لا يشرع في الطواف. قال أحمد: فإن لم تقدر أن ترمل فقم حتى تجد مسلكاً ثم ترمل. فإن لم يمكنه الجمع بين القرب والرمل، فقال القاضي وغيره: يخرج إلى حاشية المطاف لأنَّ الرمل أفضل من القرب لأنَّه هيئته في نفس العبادة بخلاف القرب فإنَّه هيئة في مكانها. وقال ابن عقيل: يطوف قريباً على حسب حاله؛ لأنَّ الرمل هيئة فهو كالتجافي في الركوع والسجود ولا يترك الصف الأول لأجل تعذرها فكذلك هنا لا يترك المكان القريب من البيت لأجل تعذر الهيئة» اهـ. قُلْتُ: وقد أجاب شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ على كلام ابن عقيل ﵀ فقال في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤٤٣): «والفرق بين الصف الأول وبين داخل المطاف أنَّ المصلين في صلاة واحدة ومن سنة الصلاة إتمام الصف الأول بخلاف الطائفين فإنَّ كل واحد يطوف منفرداً في الحكم فنظير ذلك أن يصلى منفرداً في قبلي المسجد مع عدم إتمام هيئات الصلاة فإنَّ صلاته في مؤخره مع إتمامها أولى. وأيضاً فإن تراص الصف وانضمامه سنة في نفسه فاغتفر في جانبها زوال التجافي بخلاف ازدحام الطائفين فإنَّه ليس مستحباً وإنَّما هو بحسب الواقع. وأيضاً فإنَّ فضيلة الصف الأول ثبتت بنصوص كثيرة بخلاف داخل المطاف على أنَّ المسألة التي ذكرها فيها نظر.

стр. 4310

فأمَّا إن خاف إن خرج أن يختلط بالنساء طاف على حسب حاله ولم يخرج» اهـ. ٣ - وفيه تسمية المدينة بيثرب- لكنَّه من تسمية المشركين-، وقد جاء ما يدل على كراهة ذلك فيما رواه البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وَهِيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ». قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٤/ ٢٦٠): «وقوله: "يقولون: يثرب وهي المدينة": يعنى أنَّها تسمى يثرب، قيل: خص النبي ﷺ اسمها بالمدينة، وتسميتها في القرآن يثرب حكاية عن قول من قالها من المنافقين والذين في قلوبهم مرض. قال عيسى بن دينار: من سماها يثرب كتبت عليه خطيئة. وسماها أيضاً ﵇ طيبة وطابة، وهذا على ما كان عليه ﵇ من استحبابه الاسم الحسن وكراهته القبيح. ففي اسم "يثرب" من الثرب، والتثريب هو المؤاخذة بالذنب، يقال لمن فعل ما يلام عليه ولم يوآخذ به: لا تثريب عليك، وثرَّب فلان فلاناً على فعله، أي بكته، والثرب الفساد أيضاً، قيل: وإنَّما كانت سميت يثرب بأرض هناك، المدينة ناحية منها، ولما في اسم طيبة من الطيب الذي هو الرائحة المستحسنة، وهذا موجود في المدينة» اهـ.

стр. 4311

وروى مسلم (١٣٨٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ». وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمَوْدُوْدِ] (١٣٣): «ويكره تسميتها يثرب كراهة شديدة وإنَّما حكى الله تسميتها يثرب عن المنافقين فقال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾» اهـ. قُلْتُ: وقد جاء تسميتها بيثرب فيما رواه البخاري (٣٦٢٢)، ومسلم (٢٢٧٢) عَنْ أَبِي مُوسَى، أُرَاهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ … ». ٤ - وفيه جواز تسمية الطواف شوطاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٣٧٥): «هذا تصريح بجواز تسمية الرمل شوطاً، وقد نقل أصحابنا أنَّ مجاهد والشافعي كرها تسميته شوطاً أو دوراً، بل يسمى طوفة، وهذا الحديث ظاهر في أنَّه لا كراهة في تسميته شوطاً، فالصحيح أنَّه لا كراهة فيه» اهـ. قُلْتُ: وسبب من كره ذلك أنَّ الشوط يأتي بمعنى الهلاك. قَالَ الشَّرْوَانِيُّ ﵀ في [حَاشِيَتِهِ] (٤/ ٨٨):

стр. 4312

«وَعِبَارَةُ الْوَنَائِيِّ وَكُرِهَ أَدَبًا تَسْمِيَةُ الطَّوْفَةِ شَوْطًا وَدَوْرًا أَيْ يَنْبَغِي التَّنَزُّهُ عَنْ التَّلَفُّظِ بِهِمَا لِإِشْعَارِهِمَا بِمَا لَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ الشَّوْطَ الْهَلَاكُ وَالدَّوْرُ كَأَنَّهُ مِنْ دَائِرَةِ السَّوْءِ اهـ وَقَالَ الْمُغْنِي وَالْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الطَّوَفَانِ شَوْطًا اهـ» اهـ. قُلْتُ: لم أجد في كتب اللغة أنَّ الشوط يطلق على الهلال، لكن قَالَ ابْنُ فَارِسٍ ﵀ فِي [مَقَايِيِسِ اللُّغَةِ] (٣/ ٢٢٨): «(شَوَطَ) الشِّينُ وَالْوَاوُ وَالطَّاءُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى مُضِيٍّ فِي غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَلَا فِي حَقٍّ. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ جَرَى شَوْطًا أَيْ طَلَقًا. وَيَقُولُونَ لِلضَّوْءِ الَّذِي يَدْخُلُ الْبُيُوتَ مِنَ الْكُوَّةِ: شَوْطُ بَاطِلٍ. وَكَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: طَافَ بِالْبَيْتِ أَشْوَاطًا، وَكَانَ يَقُولُ: الشَّوْطُ بَاطِلٌ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ» اهـ. والمراد بالشوط هاهنا الطَلَق، وهي في الأصل المسافة الواحدة في جري الخيل. فالشَّوْطُ: جَرْيُ الْفَرَسِ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الْغَايَةِ. ٥ - وفيه أنَّ العبادة قد تشرع أولاً لسبب، ثم يزول ذلك ويجعلها الله سبحانه عبادة وقربة كما قد هو الشأن في السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار. ٦ - وأخذ منه أنَّ الرمل لا يكون لأهل مكة، وإنَّما للقادمين إليها من غيرها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٨٥): «مسألة: قال: "وليس على أهل مكة رمل"، وهذا قول ابن عباس، وابن عمر، رحمة الله عليهما. وكان ابن عمر إذا أحرم من مكة لم يرمل.

стр. 4313

وهذا لأنَّ الرمل إنَّما شرع في الأصل لإظهار الجلد والقوة لأهل البلد، وهذا المعنى معدوم في أهل البلد، والحكم في من أحرم من مكة حكم أهل مكة؛ لما ذكرنا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ولأنَّه أحرم من مكة، أشبه أهل البلد» اهـ. وروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٣٤٤) عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى. وَكَانَ لَا يَرْمُلُ إِذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ، إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٧٦): «فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْمُلُ فِي الْحَجَّةِ إِذَا كَانَ إِحْرَامُهُ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَكَّةَ وَكَانَ لَا يَرْمُلُ فِي حَجَّتِهِ إِذَا أَحْرَمَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ وَهَذَا إِجْمَاعُ» اهـ. قُلْتُ: لا إجماع في ذلك فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي [الْمُنْتَقَى] (٢/ ٢٨٦): «وَقَوْلُهُ: "وَكَانَ لَا يَرْمُلُ إذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ". يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ طَوَافَ التَّطَوُّعِ الَّذِي كَانَ يَطُوفُهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ، وَأَمَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَإِنَّهُ يَتَعَقَّبُ قُدُومَهُ مِنْ الْحِلِّ فَسُنَّتُهُ الرَّمَلُ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَرَوَاهُ عَنْهُ فِي الْمُزَنِيَّة ابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ نَافِعٍ مَكِّيًّا كَانَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ غَيْرَ مَكِّيٍّ، وَقَدْ تَأَوَّلَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَرْمُلُ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ قَالَ وَالرَّمَلُ أَحَبُّ إلَيْنَا فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ فَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ مَالِكٍ.

стр. 4314

وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا وَفِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ أَخَّرَ الطَّوَافَ حَتَّى صَدَرَ فَلْيَرْمُلْ وَمَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ أَهْدَى فَحَسَنٌ وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ حُكْمَ الرَّمَلِ لِمَنْ وَرَدَ مِنْ عَرَفَةَ لَازِمٌ وَأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ فِيمَنْ تَرَكَهُ فِي طَوَافِ الْوُرُودِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذَا الطَّوَافِ أَخَفَّ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ وَارِدًا مِنْ الْحِلِّ فَإِنَّهُ طَوَافُ تَحَلُّلٍ لَا طَوَافُ تَلَبُّسٍ بِالْعِبَادَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ الرَّمَلُ وَإِنَّمَا شُرِعَ فِيهِ الرَّمَلُ إذَا كَانَ بَعْدَهُ سَعْيٌ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ غُنَيْمٍ الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [الْفَوَاكِهِ الدُّوَانِيِّ] (١/ ٣٥٨): «وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْ الْمِيقَاتِ وَإِنَّمَا أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَوْ مِنْ التَّنْعِيمِ: فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الرَّمَلُ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَنْ لَمْ يَطُفْ لِلْقُدُومِ وَلَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا، وَأَمَّا مَنْ طَافَ لِلْقُدُومِ فَلَا يَرْمُلُ فِي إفَاضَتِهِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّمَرْقَنْدِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ] (١/ ٤٠٨): «ثمَّ إِنْ سعى فِي طواف اللِّقَاء لَا يرمل فِي طواف الزِّيَارَة وَإِنْ لم يسع عقيب طواف اللِّقَاء فيسعى عقيب طواف الزِّيَارَة بَين الصَّفَا والمروة ويرمل فِي هَذَا الطّواف» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٤٢ - ٤٣): «(فَرْعٌ) فِي بَيَانِ الطَّوَافِ الَّذِي يُشْرَعُ بِهِ الرَّمَلُ وَقَدْ اضْطَرَبَتْ طُرُقُ الْأَصْحَابِ فِيهِ وَلَخَصَّهَا الرَّافِعِيُّ مُتْقَنَةً فَقَالَ لَا خِلَافَ أَنَّ الرَّمَلَ لَا يُسَنُّ فِي كُلِّ طَوَافٍ بَلْ إنَّمَا

стр. 4315

يُسَنُّ فِي طَوَافٍ وَاحِدٍ وَفِي ذَلِكَ الطَّوَافِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يُسَنُّ فِي طَوَافٍ يَسْتَعْقِبُ السَّعْيَ (وَالثَّانِي) يُسَنُّ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ مُطْلَقًا فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا رَمَلَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ بِلَا خِلَافٍ. وَيَرْمُلُ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِوُقُوعِ طَوَافِهِ مُجْزِئًا عَنْ الْقُدُومِ مَعَ اسْتِعْقَابِهِ السَّعْيَ وَيَرْمُلُ أَيْضًا الْحَاجُّ الْأُفُقِيُّ إذَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ (أَمَّا) مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَأَرَادَ طَوَافَ القدوم فَهَلْ يَرْمُلُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ لَا يَسْعَى عَقِبَهُ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ: (الْأَوَّلُ) الْأَصَحُّ لَا يَرْمُلُ. (وَالثَّانِي) يرمل. وَعَلَى الْأَوَّلِ إنَّمَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِاسْتِعْقَابِهِ السَّعْيَ فَأَمَّا إنْ كَانَ يَسْعَى عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ فَيَرْمُلُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِذَا رَمَلَ فِيهِ وَسَعَى بَعْدَهُ لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بِلَا خِلَافٍ إنْ لَمْ يُرِدْ السَّعْيَ بَعْدَهُ وَإِنْ أَرَادَ إعَادَةَ السَّعْيِ بَعْدَهُ لَمْ يَرْمُلْ بَعْدَهُ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْبَغَوِيّ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ وَآخَرِينَ لَا يَرْمُلُ (وَالثَّانِي) يَرْمُلُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ. وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ وَنَوَى أَنْ لَا يَسْعَى بَعْدَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ وَسَعَى وَلَمْ يَكُنْ رَمَلَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ فَهَلْ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فِيهِ الْوَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ.

стр. 4316

وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ فَرَمَلَ فِيهِ وَلَمْ يَسْعَ قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِبَقَاءِ السَّعْيِ قَالَ الرَّافِعِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ فَرَّعُوهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الَّذِي يَعْتَبِرُ اسْتِعْقَابَ السَّعْيِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَعْتَبِرُ اسْتِعْقَابَ السَّعْيِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَرْمُلَ فِي الْإِفَاضَةِ (وَأَمَّا) الْمَكِّيُّ الْمُنْشِئُ حَجَّةً مِنْ مَكَّةَ فَهَلْ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (فَإِنْ قُلْنَا) بِالْقَوْلِ الثَّانِي لَمْ يَرْمُلْ إذْ لَا قُدُومَ فِي حَقِّهِ (وَإِنْ قُلْنَا) بِالْأَوَّلِ رَمَلَ لِاسْتِعْقَابِهِ السَّعْيَ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. (وَأَمَّا) الطَّوَافُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ طَوَافَيْ الْقُدُومِ وَالْإِفَاضَةِ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ الرَّمَلُ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ الطَّائِفُ حَاجًّا أو معتمراً متبرع بِطَوَافٍ آخَرَ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بطواف قدوم ولا يستعقب سَعْيًا وَإِنَّمَا يَرْمُلُ فِي قُدُومٍ أَوْ مَا يَسْتَعْقِبُ سَعْيًا كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالِاضْطِبَاعُ مُلَازِمٌ لِلرَّمَلِ فَحَيْثُ اسْتَحْبَبْنَا الرَّمَلَ بِلَا خِلَافٍ فَكَذَا الِاضْطِبَاعُ وَحَيْثُ لَمْ نَسْتَحِبَّهُ بِلَا خِلَافٍ فَكَذَا الِاضْطِبَاعُ وَحَيْثُ جَرَى خِلَافٌ جَرَى فِي الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ جَمِيعًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ الِاضْطِبَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. وَجَاءَ فِي [مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ] (ص: ٢٢٦): «قلت لأبي إذا طَاف بعد الإفاضة يرمل؟ قَالَ: من أهل من مَكَّة لَا يرمل بعد الْإِفَاضَة» اهـ. وفي [مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه] (٥/ ٢١٣٢):

стр. 4317

«قلت: إذا طاف بعد الإفاضة رمل؟. قال: من أَهَلَّ من مكة لا يرمل بعد الإفاضة. قال إسحاق: كما قال؛ لأنَّه لا رمل يوم النحر على طائف» اهـ. قُلْتُ: الأظهر أنَّ الرمل وهكذا الاضطباع يكونان في أول طواف يقدم به الحاج أو المعتمر إلى البيت ولا يكون في طواف الزيارة ولا الوداع ولا غير ذلك من الطواف الذي يتطوع به وليس من النسك، ويستوي في ذلك من سعى بعد طواف القدوم أو أخر السعي إلى بعد طواف الإفاضة، وكل هذا هو ظاهر السنة والآثار، وما سوى ذلك فهو رأي من قائله. والله أعلم. * * * ٢٢٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ - أَوَّلَ مَا يَطُوفُ - يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ».

стр. 4318

وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - استحباب استلام الحجر الأسود عند الطواف. قُلْتُ: وهذا الاستلام يكون قبل الشروع في الطواف، ويدل على ذلك حديث الباب فقد جاء عند البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ -في ذكره لبعض ما فعله النبي ﷺ في حجته- قَالَ: «فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعًا». وما رواه مسلم (١٢١٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا». قُلْتُ: والاستلام مسح السِلام بكسر السين، وهي الحجارة، والمراد بذلك هاهنا الحجر الأسود. وأمَّا السَلام بفتح السين فهي التحية. ٢ - وفيه استحباب البداءة بالطواف عند قدوم مكة. ٣ - وفيه استحباب الرَّمَل في الثلاثة الأشواط الأول، وقد سبق الكلام في ذلك. * * *

стр. 4319

٢٢٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ». المِحْجَنُ: عَصًا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:

стр. 4320

١ - مشروعية الطواف على بعير ونحوه سائر ما يركب عليه كالعربات المعدة لتطويف المعاقين والمرضى وكبار السن. قُلْتُ: ومن طاف راكباً لعذر فيصح طوافه اتفاقاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٢٦): «لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا إذا كان ذلك من غير عذر فاختلف العلماء فيه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٢٦ - ١٢٧): «فصل: فأمَّا الطواف راكباً أو محمولاً لغير عذر، فمفهوم كلام الخرقي أنَّه لا يجزئ. وهو إحدى الروايات عن أحمد؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة". ولأنَّها عبادة تتعلق بالبيت، فلم يجز فعلها راكباً لغير عذر، كالصلاة. والثانية، يجزئه، ويجبره بدم. وهو قول مالك. وبه قال أبو حنيفة، إلَّا أنَّه قال: يعيد ما كان بمكة، فإن رجع جبره بدم؛ لأنَّه ترك صفة واجبة في ركن الحج، فأشبه ما لو وقف بعرفة نهاراً، ودفع قبل غروب الشمس. والثالثة، يجزئه، ولا شيء عليه. اختارها أبو بكر. وهي مذهب الشافعي، وابن المنذر؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طاف راكباً. قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع فعل النبي ﷺ .

стр. 4321

ولأنَّ الله تعالى أمر بالطواف مطلقاً، فكيفما أتى به أجزأه، ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل. ولا خلاف في أنَّ الطواف راجلاً أفضل؛ لأنَّ أصحاب النبي ﷺ طافوا مشياً، والنبي ﷺ في غير حجة الوداع طاف مشياً، وفي قول أم سلمة: شكوت إلى النبي ﷺ أني أشتكي، فقال: "طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة". دليل على أنَّ الطواف إنَّما يكون مشياً، وإنَّما طاف النبي ﷺ راكباً لعذر، فإنَّ ابن عباس روى أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد. حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب. رواه مسلم. وكذلك في حديث جابر، فإنَّ الناس غشوه. وروي عن ابن عباس، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ طاف راكباً؛ لشكاة به. وبهذا يعتذر من منع الطواف راكباً عن طواف النبي ﷺ والحديث الأول أثبت. فعلى هذا يكون كثرة الناس، وشدة الزحام عذراً. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قصد تعليم الناس مناسكهم، فلم يتمكن منه إلَّا بالركوب، والله أعلم» اهـ.

стр. 4322

قُلْتُ: حديث ابن عباس رواه مسلم (١٢٦٤) عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشْيَ أَرْبَعَةِ أَطْوَافٍ، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ فَقَالَ: صَدَقُوا، وَكَذَبُوا، قَالَ قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنَ الْهُزَالِ، وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثًا، وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قَالَ قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ. وحديث جابر رواه مسلم (١٢٧٣) عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ، لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ». ٢ - واحتج به على جواز الارتفاع عن أرض المطاف عند الطواف، وبناءً على ذلك يجوز الطواف في سطح المسجد. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٣٩):

стр. 4323

«قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقُرْبُ مِنْ الْكَعْبَةِ بِلَا خِلَافٍ وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّبَاعُدُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَافَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَصِحَّ. قَالَ أَصْحَابُنَا: شَرْطُ الطَّوَافِ وُقُوعُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَا بَأْسَ بِالْحَائِلِ فِيهِ بَيْنَ الطَّائِفِ وَالْبَيْتِ كَالسِّقَايَةِ وَالسَّوَارِي وَغَيْرِهَا. قَالُوا: وَيَجُوزُ الطَّوَافُ فِي أُخْرَيَاتِ الْمَسْجِدِ وَأَرْوِقَتِهِ وَعِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ مِنْ دَاخِلِهِ. قَالُوا: وَيَجُوزُ عَلَى سُطُوحِ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ الْبَيْتُ أَرْفَعَ بِنَاءً مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ الْيَوْمُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ فَإِنْ جُعِلَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ أَعْلَى مِنْ سَطْحِ الْكَعْبَةِ فقد ذكر صاحب العداة أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّوَافُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ لَوْ صَحَّ قَوْلُهُ لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ لَوْ انْهَدَمَتْ الْكَعْبَةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ لَمْ يَصِحَّ الطَّوَافِ حَوْلَ عَرْصَتِهَا وَهُوَ بَعِيدٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ هُوَ الصَّوَابُ وَقَدْ جَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِأَنَّهُ لَوْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ صَحَّ وَإِنْ ارْتَفَعَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ. قَالَ: كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ مَعَ ارْتِفَاعِهِ عَلَى الْكَعْبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَسُعَ الْمَسْجِدُ اتَّسَعَ الْمَطَافُ وَصَحَّ الطَّوَافُ فِي جَمِيعِهِ وَهُوَ الْيَوْمَ أَوْسَعُ مِمَّا كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ زِيدَتْ فِيهِ فَأَوَّلُ من راده عمر بن الخطاب ﵁ اشْتَرَى دُورًا فَزَادَهَا فِيهِ وَاِتَّخَذَ

стр. 4324

لِلْمَسْجِدِ جِدَارًا قَصِيرًا دُونَ الْقَامَةِ وَكَانَ عُمَرُ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ لَهُ الْجِدَارَ ثُمَّ وَسَّعَهُ عُثْمَانُ وَاِتَّخَذَ لَهُ الْأَرْوِقَةَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَهَا ثُمَّ وَسَّعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي خِلَافَتِهِ ثُمَّ وَسَّعَهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ الْمَنْصُورُ ثُمَّ الْمَهْدِيُّ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ بِنَاؤُهُ إلَى وَقْتِنَا هَذَا وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا مَعَ نَفَائِسَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْكَعْبَةِ فِي كِتَابِ المناسك والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ الْحَطَّابُ الرُّعَيْنِي الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [مَوَاهِبِ الْجَلِيْلِ] (٣/ ٧٥): «وَمِثْلُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ الطَّوَافُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. ٣ - جواز استلام الحجر الأسود بمحجن ونحوه. ٤ - ويحتج به على أنَّ روث وبول مأكول اللحم طاهر لا ينجس، إذ لو كان نجساً لما طاف النبي ﷺ على البعير في المسجد الحرام، لما في ذلك من تعريض المسجد الحرام للنجاسة. قُلْتُ: وقد سبق الكلام في هذه المسألة عند شرحنا لحديث ابن عباس: « … فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ … ». من كتاب الطهارة. * * *

стр. 4325

٢٢٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «لَمْ أَرَ النَّبيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - استحباب استلام الحجر الأسود والركن اليماني. والمراد بالركنين اليمانيين، الحجر الأسود، والركن اليماني. وأطلق عليهما الركنان اليمانيان من باب التغليب، كالعمرين، والقمرين، والأسودين، وغير ذلك.

стр. 4326

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٩١) - عند كلامه على استلام الركن اليماني -: «وحكي عن أبي حنيفة أنَّه لا يستلمه. قال ابن عبد البر: جائز عند أهل العلم أن يستلم الركن اليماني، والركن الأسود، لا يختلفون في شيء من ذلك، وإنَّما الذي فرقوا به بينهما التقبيل، فرأوا تقبيل الأسود، ولم يروا تقبيل اليماني، وأمَّا استلامهما فأمر مجمع عليه» اهـ. ٢ - عدم مشروعية استلام الركنين الشاميين لعدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ] (٢/ ٣٣٥): «وهذا كما أنَّه قد ثبت باتفاق أهل العلم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما حج البيت لم يستلم من الأركان إلَّا الركنين اليمانيين، فلم يستلم الركنين الشاميين ولا غيرهما من جوانب البيت، ولا مقام إبراهيم ولا غيره من المشاعر» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٧/ ٤٧٦): «ولما حج النبي ﷺ استلم الركنين اليمانيين ولم يستلم الشاميين؛ لأنَّهما لم يبنيا على قواعد إبراهيم فإنَّ أكثر الحجر من البيت» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٩٢): «وأمَّا الركنان اللذان يليان الحجر، فلا يسن استلامهما في قول أكثر أهل العلم.

стр. 4327

وروي عن معاوية، وجابر، وابن الزبير، والحسن، والحسين، وأنس، وعروة، استلامهما. وقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً» اهـ. قُلْتُ: فإن أعيد بناء البيت على قواعد إبراهيم فهل يستحب حينئذٍ استلام سائر أركان البيت أو لا؟ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٤/ ١٨٠): «ولو بني الآن على ما بناه ابن الزبير لاستلمت كلها، كما فعل ابن الزبير» اهـ. قُلْتُ: الاقتصار على ما فعله النبي ﷺ أحب إليَّ. * * *

стр. 4328

بَابُ التَّمتُّعِ. ٢٢٥ - عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضُّبَعِيِّ، قَالَ: «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ؟ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلَتْهُ عَنْ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: فِيهِ جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ قَالَ: وَكَانَ نَاسٌ كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ. فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: كَأَنَّ إنْسَاناً يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثَتْهُ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - استحباب حج التمتع. قُلْتُ: ويدل على ذلك أيضاً أمر النبي ﷺ أصحابه به، فمن ذلك ما رواه مسلم (١٢١٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» مَرَّتَيْنِ «لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ».

стр. 4329

وروى مسلم (١٢١٦) عَنْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ ﵄، أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، وَأَقِيمُوا حَلَالًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً» قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ قَالَ: «افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» فَفَعَلُوا. وروى مسلم (١٢١١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ، قَالَ: «أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ؟» «وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا». قُلْتُ: وقد بيَّن الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ حقيقة التمتع فَقَالَ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٣٥): «والذي ذهب إليه الجمهور أنَّ التمتع أن يجمع الشخص الواحد بينهما في سفر واحد في أشهر الحج في عام واحد وأن يقدم العمرة، وأن لا يكون مكياً فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم يكن متمتعاً» اهـ. قُلْتُ: وخلاصة القول أنَّ التمتع الموجب للدم يشترط فيه أربعة شروط:

стр. 4330

الأول: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإن أحرم بها في غير أشهره، لم يكن متمتعاً، سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج، أو في غير أشهره. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٥٠) فقال: «ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أنَّ من اعتمر في غير أشهر الحج عمرة، وحل منها قبل أشهر الحج، أنَّه لا يكون متمتعاً، إلَّا قولين شاذين، أحدهما عن طاووس، أنَّه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج، ثم أقمت حتى الحج، فأنت متمتع. والثاني عن الحسن، أنَّه قال: من اعتمر بعد النحر، فهي متعة. قال: ابن المنذر: لا نعلم أحداً قال بواحد من هذين القولين» اهـ. قُلْتُ: والعبرة في العمرة بالإحرام فمن أحرم قبل أشهر الحج، ثم طاف وسعى وتحلل في أشهر الحج، وحج من عامه فليس بمتمتع. وهذا مذهب أحمد، وأحد قولي الشافعي، وهو الصحيح. وقال الشافعي في القول الآخر: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه. فإذا أحرم قبل أشهر الحج وطاف في أشهره، ثم حج من عامه فهو متمتع. وقال بعض العلماء عمرته في الشهر الذي يحل فيه. وهو قول مالك. واشترط أبو حنيفة للمتمتع أن يدرك أربعة أشواط من الطواف في أشهر الحج. الشرط الثاني: أن يحج من عامه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٥١):

стр. 4331

«فإن اعتمر في أشهر الحج، ولم يحج ذلك العام، بل حج من العام القابل، فليس بمتمتع. لا نعلم فيه خلافاً، إلَّا قولاً شاذاً عن الحسن، في من اعتمر في أشهر الحج، فهو متمتع، حج أو لم يحج. والجمهور على خلاف هذا؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ وهذا يقتضي الموالاة بينهما، ولأنَّهم إذا أجمعوا على أنَّ من اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك، فليس بمتمتع، فهذا أولى لأنَّ التباعد بينهما أكثر» اهـ. الشرط الثالث: أن لا يسافر بين العمرة والحج سفراً بعيداً تقصر في مثله الصلاة. وهذا مذهب أحمد وغيره. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٥١ - ٢٥٢): «وقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات، فلا دم عليه. وقال أصحاب الرأي: إن رجع إلى مصره، بطلت متعته، وإلَّا فلا. وقال مالك: إن رجع إلى مصره، أو إلى غيره أبعد من مصره، بطلت متعته، وإلَّا فلا. وقال الحسن: هو متمتع وإن رجع إلى بلده. واختاره ابن المنذر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾.

стр. 4332

ولنا، ما روي عَنْ عُمَرَ ﵁ أنَّه قال: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام، فهو متمتع. فإن خرج ورجع، فليس بمتمتع. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ نحو ذلك. ولأنَّه إذا رجع إلى الميقات، أو ما دونه، لزمه الإحرام منه، فإن كان بعيداً فقد أنشأ سفراً بعيداً لحجه، فلم يترفه بأحد السفرين، فلم يلزمه دم، كموضع الوفاق. والآية تناولت المتمتع، وهذا ليس بمتمتع؛ بدليل قول عمر» اهـ. قُلْتُ: أثر عمر رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣١٦٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ». قُلْتُ: فيه العمري الكبير عبد الله وهو ضعيف الحديث. وقول عمر: «فَإِنْ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ» محمول على الرجوع إلى المصر. ويؤيد ذلك أنَّ ابن حزم رواه في [الْمُحَلَّى] (٧/ ١٥٩) بلفظ: «إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ حَجَّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا». والصحيح أنَّ التمتع ينقطع بالرجوع إلى المصر لما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣١٧٢) حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ تَمَتَّعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلُوا مِنْهَا بِحَجٍّ، فَسَأَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ مُتَمَتِّعُونَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وعبد الكريم هو الجزري، ويزيد هو ابن صهيب.

стр. 4333

وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٣١٦١) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، ذَاكَ مَنْ أَقَامَ وَلَمْ يَرْجِعْ». وروى أيضاً (١٣١٦٢) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ مثله. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وهو محمول على الرجوع إلى الأهل فإنَّ هذا هو حقيقة الرجوع من السفر. والمعنى يقتضي ذلك، وذلك أنَّه إذا سافر من مكة إلى غير بلده فما زال في سفرته الأولى، ولا تنقطع سفرته إلَّا باستقرار في بلده. الشرط الرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٥٣): «ولا خلاف بين أهل العلم، في أنَّ دم المتعة لا يجب على حاضري المسجد الحرام، إذ قد نص الله تعالى في كتابه بقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٥٤): «فصل: "وحاضروا المسجد الحرام" أهل الحرم، ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر. نص عليه أحمد. وروي ذلك عن عطاء. وبه قال الشافعي.

стр. 4334

وقال مالك: أهل مكة. وقال مجاهد: أهل الحرم. وروي ذلك عن طاووس. وقال مكحول، وأصحاب الرأي: من دون المواقيت؛ لأنَّه موضع شرع فيه النسك، فأشبه الحرم. ولنا، أنَّ حاضر الشيء من دنا منه، ومن دون مسافة القصر قريب في حكم الحاضر؛ بدليل أنَّه إذا قصده لا يترخص رخص السفر، فيكون من حاضريه. وتحديده بالميقات لا يصح؛ لأنَّه قد يكون بعيداً، يثبت له حكم السفر البعيد إذا قصده، ولأنَّ ذلك يفضي إلى جعل البعيد من حاضريه، والقريب من غير حاضريه، في المواقيت قريباً وبعيداً. واعتبارنا أولى؛ لأنَّ الشارع حد الحاضر بدون مسافة القصر، بنفي أحكام المسافرين عنه، فالاعتبار به أولى من الاعتبار بالنسك؛ لوجود لفظ الحضور في الآية» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم خاصة. ٢ - أنَّ حج التمتع من سنة النبي ﷺ . والمراد بذلك السنة القولية التي رغب بها، وإلَّا فإنَّ النَّبِيَّ صل الله عليه وسلم كان قارناً. ٣ - أنَّ التمتع مشروع لغير المحصر. قُلْتُ: وفي المسألة نزاع ضعيف في اختصاص التمتع بالمحصر. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٣٠):

стр. 4335

«ونقل ابن أبي حاتم عن ابن الزبير أنَّه كان لا يرى التمتع إلَّا للمحصر ووافقه علقمة وإبراهيم، وقال الجمهور: لا اختصاص بذلك للحصر» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٤/ ٩٤): «والوجه الرابع: ما ذهب إليه ابن الزبير أنَّ التمتع هو تمتع المحصر وهو محفوظ عن ابن الزبير من وجوه منها ما رواه وهيب قال حدثنا إسحاق بن سويد قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يخطب ويقول: يا أيها الناس إنَّه والله ليس التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون ولكن التمتع بالعمرة إلى الحج أن يخرج الرجل حاجاً فيحبسه عدو أو أمر يعذر به حتى تذهب أيام الحج فيأتي البيت ويطوف ويسعى بين الصفا والمروة ويحل ثم يتمتع بحله إلى العام المقبل ثم يحل ويهدي» اهـ. ٤ - الاستبشار بالرؤية الصالحة الموافقة للحق. ٥ - أنَّ الهدي يكون من بهيمة الأنعام. ٦ - جواز الاشتراك في الهدي، وهو مخصوص بالإبل، والبقر، ويجزئ الاشتراك فيهما عن سبعة. وذلك لما رواه مسلم (١٣١٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ». ٧ - مشروعية التكبير عند استعظام أمر من الأمور.

стр. 4336

فائدة/ الكراهة المنقولة عَنْ عُمَرَ بن الخطاب، وعثمان بن عفان ﵄ للتمتع إنَّما أرادا بذلك إرشاد الناس إلى الأحسن لهم وهو إفراد العمرة بسفرة والحج بسفرة، فإنَّ الناس كانوا يجمعون بينهما بسفرة واحدة فخشيا ﵄ أن يهجر الناس البيت طوال العام فلا يعتمرون إلَّا في أشهر الحج فأرشدا الناس إلى ما هو خير لهما. وهذا الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان هو الأفضل والأكمل في قول أكثر العلماء. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٣٧ - ٣٨): «ومذهب أحمد أيضاً أنَّه إذا أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة فهذا الإفراد أفضل له من التمتع. نص على ذلك في غير موضع. وذكره أصحابه: كالقاضي أبي يعلى في تعليقه وغيره. وكذلك مذهب سائر العلماء حتى أصحاب أبي حنيفة فإنَّهم نصوا على أنَّ العمرة الكوفية أفضل من القران مع أنَّ القران عندهم أفضل» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٨٥): «فالتحقيق في هذه المسألة: أنَّه إذا أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة فهو أفضل من القران والتمتع الخاص بسفرة واحدة، وقد نص على ذلك أحمد وأبو حنيفة مع مالك والشافعي وغيرهم. وهذا هو الإفراد الذي فعله أبو بكر وعمر. وكان عمر

стр. 4337

يختاره للناس وكذلك علي ﵁ وقال عمر وعلي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالا: إتمامهما أن تهل بهما من دويرة أهلك» اهـ. * * *

стр. 4338

٢٢٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى. فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ الْحُلَيْفَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ. وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا، وَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ. وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:

стр. 4339

١ - احتج به من قال: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حج متمتعاً. والصحيح أنَّ المراد بالتمتع ها هنا هو تمتع القران، وقد جاء في الباب أكثر من عشرين حديثاً جميعها تدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان قارناً. وفي هذا الحديث ما يدل على ذلك وهو سوق الهدي مع قول ابن عمر: «فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ». وقوله: «فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ». وقول النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ». وهذا هو حقيقة القران. قُلْتُ: والقارن إمَّا أن يهل بالعمرة والحج من الميقات، أو يهل بعمرة مفردة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يطوف بالبيت، وليس لمن أهل بالحج مفرداً أن يدخل عليه العمرة ويصير قارناً. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٢/ ٥٥٦ - ٥٥٩): «الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، وَيَصِيرَ قَارِنًا؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ "وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْ عُثْمَانَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ،

стр. 4340

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا" وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: "أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ الْحَجَّ عَامَ حَجَّتِ الْحَرُورِيَّةُ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، إِذًا أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ بِقَدِيدٍ، وَانْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا مَرَّةً قَبْلَ التَّعْرِيفِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ جَمَعَ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ بَعْدَ النَّحْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ طَافَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ هُوَ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ نَافِعٌ أَنَّهُ اكْتَفَى لِلْقِرَانِ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لَمْ يَطُفْ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَ سَعْيَيْنَ.

стр. 4341

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ الْحَجَّ، فَقُلْتُ: أَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ فَأَلْقَى عَلِيًّا، فَأَقْتَدِي بِهِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَلِيٌّ قَدْ خَرَجَ حَاجًّا، فَأَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَأَدْرَكْتُ عَلِيًّا فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنَّمَا خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ لِأَقْتَدِيَ بِكَ، وَقَدْ سَبَقْتَنِي فَأَهْلَلْتَ بِالْحَجِّ، أَفَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِيمَا أَنْتَ فِيهِ؟ فَقَالَ: لَا؛ إِنَّمَا ذَاكَ لَوْ كُنْتَ أَهْلَلْتَ بِعُمْرَةٍ. فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ عَادَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِحَجَّتِهِ، ثُمَّ أَقَامَ حَرَامًا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ" رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ. وَيَجُوزُ إِضَافَةُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِكُلِّ مُحْرِمٍ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ إِنْ أَضَافَهُ إِلَيْهَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَقَعَ الطَّوَافُ عَنِ الْقِرَانِ، وَكَانَ قَارِنًا، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْإِفَاضَةُ تَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ فَخَشِيَ فَوْتَهُ، إِمَّا بِأَنْ تَكُونَ امْرَأَةً وَقَدْ حَاضَتْ فَلَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَتُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَتَصِيرُ قَارِنَةً، وَتَتْرُكُ طَوَافَ الْقُدُومِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُفْرِدَةً، أَوْ بِأَنْ يُوَافِيَ مَكَّةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَضِيقَ الْوَقْتُ عَنْ إِتْمَامِ الْعُمْرَةِ وَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ» اهـ. ٢ - وفيه استحباب سوق الهدي من الحل.

стр. 4342

ولا يشترط في هدي التمتع أن يجمع فيه بين الحل والحرم ولا أن يعرف به في عرفة لعدم الدليل على اشتراط ذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٨٤ - ١٨٥): «فصل: وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، لكن يستحب ذلك. روي هذا عن ابن عباس، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلَّا ما عرف به، ونحوه عن سعيد بن جبير. وقال مالك: أحب للقارن أن يسوق هديه من حيث يحرم، فإن ابتاعه من دون ذلك، مما يلي مكة بعد أن يقفه بعرفة، جاز. وقال في هدي المجامع: إن لم يكن ساقه، فليشتره من مكة، ثم ليخرجه إلى الحل، وليسقه إلى مكة. ولنا، أنَّ المراد من الهدي نحره، ونفع المساكين بلحمه، بهذا لا يقف على شيء مما ذكروه، ولم يرد بما قالوه دليل يوجبه، فيبقى على أصله» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٤/ ٢٤٨ - ٢٤٩): «مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عمر كان يقول الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسُوقُ هَدْيَهُ حَتَّى يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ ثُمَّ يَدْفَعَ به معهم إذا دفعوا فإذا قدم منى نَحَرَهُ.

стр. 4343

وَوَقْفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لِمَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُدْخِلْهُ مِنَ الْحِلِّ وَاجِبٌ لَا يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ على قول ابن عُمَرَ الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ عَلَى عَرَفَةَ. قَالَ مَالِكٌ: مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى وَنَحَرَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى الْحِلِّ فَعَلَيْهِ الْبُدْنُ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْهَدْيِ قَدْ سَاقَهُ مِنَ الْحِلِّ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَقِفْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَحَسْبُهُ فِي الْهَدْيِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ. وَقَدْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يقول نحو قول بن عُمَرَ لَا يَصْلُحُ مِنَ الْهَدْيِ إِلَّا مَا عُرِّفَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَأَمَّا عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَقُولُ: إِنْ شِئْتَ فَعَرِّفْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تعرف. وروي ذلك عن بن عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقْفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ لِمَنْ شَاءَ إِذَا لَمْ يَسُقْهُ مِنَ الحل. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِسُنَّةٍ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ الْحِلِّ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ كَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ. وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَوْلَى لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَاقَ هَدْيَهُ مِنَ الْحِلِّ. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ التَّقْلِيدَ سُنَّةٌ فَكَذَلِكَ التَّعْرِيفُ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَدْيِهِ مِنَ الْحِلِّ.

стр. 4344

وَأَمَّا حُجَّةُ مَالِكٍ فِي إِيجَابِ ذَلِكَ فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَدْخَلَ هَدْيَهُ مِنَ الْحِلِّ وَقَالَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" وَالْهَدْيُ إِذَا وَجَبَ بِاتِّفَاقٍ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُجْزِئَ إِلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ سُنَّةٍ تُوجِبُ غَيْرَ ذَلِكَ وَالْفِعْلُ مِنْهُ ﷺ عِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ عَلَى الْوُجُوبِ فِي مِثْلِ هَذَا. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْحَاجَّ وَالْمُعْتَمِرَ يَجْمَعَانِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فِي عَمَلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يَكُنْ لَهُ الْهَدْيُ. قَالُوا: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْهَدْيُ هَدْيًا لِأَنَّهُ يُهْدِي مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ كَمَا يُهْدِي مِنْ مِلْكٍ مَلَكَهُ إِلَى اللَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ يَقُولُونَ: اسْمُ الْهَدْيِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْهَدِيَّةِ فَإِذَا أُهْدِيَ إِلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ فَقَدْ أَجْزَأَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ جَاءَ. وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: إِنَّمَا الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَأَمَّا مَا اشْتُرِيَ بِمِنًى فهو جزور. وعن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: عَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالبدن. وكان بن سِيرِينَ يَكْرَهُ شِرَاءَ الْبَدَنَةِ إِذَا لَمْ تُوقَفْ بعرفة. وروى الثوري وبن عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا اسْتَطَعْتُمْ فَعَرِّفُوا بِهِ وَمَا لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَاحْبِسُوهُ وَاعْقِلُوهُ بِمِنًى» اهـ. قُلْتُ: أثر ابن عمر رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٠٧) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: «الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ».

стр. 4345

ورواه وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٩٧٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَا هَدْيَ إِلَّا مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. والأظهر ما ذهب إليه ابن عباس وعائشة ﵄ من عدم وجوب التعريف والجمع بين الحل والحرم لعدم الدليل على وجوب ذلك، والأظهر أنَّ ذلك مما يستحب للسنة والآثار. وظاهر مذهب ابن عمر وجوب التعريف حتى في حق من قدم بالهدي من بلده أو من الحل. وستأتي هذه المسألة أيضاً في شرح حديث جابر في باب فسخ الحج إلى العمرة. ٣ - وفيه أنَّ من ساق الهدي فلا يحل له أن يتحلل بعمرة، وإنَّما يبقى على إحرامه حتى يتحلل من حجه وعمرته في يوم النحر. وقد اختلف العلماء في المتمتع إذا ساق الهدي هل له أن يتحلل وينحر الهدي قبل يوم النحر أو لا؟ على أقوال: الأول: أنَّ من معه هدي، فليس له أن يتحلل وينحر هديه قبل يوم النحر، ويجب عليه أن يدخل العمرة على الحج ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً. وهذا مذهب أحمد في المشهور المنصوص عنه ومذهب أبي حنيفة.
следующие страницы →