Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
بَابُ: دُخُوْلِ مَكَّةَ وَالْبَيْتِ.
٢١٧ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: "اُقْتُلُوهُ"».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٦٠):
«قوله: "عام الفتح وعلى رأسه المغفر" بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وقيل هو رفرف البيضة، قاله في "المحكم"، وفي "المشارق": هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ مكة فتحت عنوة.
٢ - جواز دخول مكة بغير إحرام. وقد سبق الكلام على هذه المسألة في أول المواقيت من كتاب الحج.
٣ - واستدل بأمر النبي ﷺ بقتل ابن خطل على أنَّ المرتد الساب للنبي ﷺ يقتل من غير استتابة، وابن خطل كان قد أسلم ثم
стр. 4272
ارتد وكان يقول الشعر يهجو به رسول الله ﷺ ويأمر جاريتيه أن تغنيا به.
٤ - واستدل به على أنَّ من سب النبي ﷺ من المسلمين يقتل حداً وإن أسلم.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الصَّارِمِ الْمَسْلُوْلِ] (١٣٦):
«وقد استدل بقصة ابن خطل طائفة من الفقهاء على أنَّ من سب النبي ﷺ من المسلمين يقتل وإن أسلم حداً.
واعترض عليهم بأنَّ ابن خطل كان حربياً فقتل لذلك وصوابه أنَّه كان مرتداً بلا خلاف بين أهل العلم بالسير وحتم قتله بدون استتابة مع كونه مستسلماً منقاداً قد ألقى السلم كالأسير، فعلم أنَّ من ارتد وسب يقتل بلا استتابة بخلاف من ارتد فقط. يؤيده أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آمن عام الفتح جميع المحاربين إلَّا ذوي جرائم مخصوصة وكان ممن أهدر دمه دون غيره، فعلم أنَّه لم يقتل لمجرد الكفر والحراب» اهـ.
وقال ﵀ ص (١٦٦): «فإذا تقرر بما ذكرناه من سنة رسول الله ﷺ وسيرة أصحابه وغير ذلك أنَّ الساب للرسول يتعين قتله فنقول: إنَّما يكون تعين قتله لكونه كافراً حربياً أو للسبب المضموم إلى ذلك، والأول باطل لأنَّ الأحاديث نص في أنَّه لم يقتل لمجرد كونه كافراً حربياً بل عامتها قد نص فيه على أنَّ موجب قتله إنَّما هو السب فنقول: إذا تعين قتل الحربي لأجل أنَّه سب
стр. 4273
رسول الله ﷺ فكذلك المسلم والذمي أولى، لأنَّ الموجب للقتل هو السب لا مجرد الكفر والمحاربة كما تبين فحيثما وجد هذا الموجب وجب القتل» اهـ.
قُلْتُ: أمَّا من سب ثم تاب قبل القدرة عليه من المسلمين، والكفار فلا يقام عليه الحد، فإنَّ الحدود لا تقام على من تاب قبل القدرة عليه، إلَّا لمن طلب ذلك، كماعز والغامدية.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الصَّارِمِ الْمَسْلُوْلِ] (١٥٣ - ١٥٤): «هذه الأحاديث كلها تدل على أنَّ من كان يسب النبي ﷺ ويؤذيه من الكفار فإنَّه كان يقصد قتله ويحض عليه لأجل ذلك وكذلك أصحابه بأمره يفعلون ذلك مع كفه عن غيره ممن هو على مثل حاله في أنَّه كافر غير معاهد بل مع أمانه لأولئك أو إحسانه إليهم من غير عهد بينه وبينهم ثم من هؤلاء من قتل ومنهم من جاء مسلماً تائباً فعصم دمه لثلاثة أسباب:
أحدها: أنَّه جاء تائباً قبل القدرة عليه والمسلم الذي وجب عليه حد لو جاء تائباً قبل القدرة عليه لسقط عنه فالحربي أولى.
الثاني: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كان من خلقه أن يعفو عنه.
стр. 4274
الثالث: أنَّ الحربي إذا أسلم لم يؤخذ بشيء مما عمله في الجاهلية لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد من غير خلاف نعلمه لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾.
ولقوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله" رواه مسلم، ولقوله ﷺ : "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية" متفق عليه.
ولهذا أسلم خلق كثير وقد قتلوا رجالاً يعرفون فلم يطلب أحداً منه بقود ولا دية ولا كفارة.
أسلم وحشي قاتل حمزة وابن العاص قاتل ابن قوقل وعقبة بن الحارث قاتل خبيب بن عدي ومن لا يحصى ممن ثبت في الصحيح أنَّه أسلم وقد علم أنَّه قتل رجلاً بعينه من المسلمين فلم يوجب النبي ﷺ على أحد منهم قصاصاً، بل قال ﷺ : "يضحك الله تعالى إلى رجلين يقتل أحدهما صاحبه كلاهما يدخل الجنة يقتل هذا في سبيل الله فيدخل الجنة ثم يتوب الله على القاتل فيسلم ويقتل في سبيل الله فيدخل الجنة" متفق عليه.
وكذلك أيضاً لم يضمن النبي ﷺ أحداً منهم مالا أتلفه للمسلمين، ولا أقام على أحد حد زنا أو سرقة أو شرب أو قذف سواء كان قد أسلم بعد الأسر أو قبل الأسر وهذا مما لا نعلم بين المسلمين فيه خلافاً لا في روايته ولا في الفتوى به» اهـ.
стр. 4275
٥ - واحتج به على إقامة الحدود في الحرم لمن وقع في حد خارج الحرم ولاذ به.
وأجيب بأنَّ ذلك كان في الساعة التي أبيح للنبي ﷺ فيها بالقتال.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٤٦): «وأمَّا قتل ابن خطل، فقد تقدم أنَّه كان في وقت الحل، والنبي ﷺ قطع الإلحاق، ونص على أنَّ ذلك من خصائصه، وقوله ﷺ : "وإنَّما أحلت لي ساعة من نهار" صريح في أنَّه إنَّما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصة، إذ لو كان حلالاً في كل وقت، لم يختص بتلك الساعة، وهذا صريح في أنَّ الدم الحلال في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبقت هذه المسألة فيما مضى.
٦ - في لبس النبي ﷺ للمغفر دليل على استحباب الأخذ بأسباب الحيطة عند مواجهة الأعداء وأنَّ ذلك لا ينافي التوكل على الله .
قُلْتُ: وقد عارض هذا الحديث ما رواه مسلم (١٣٥٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ١٧٣):
«ليس هذا عندي بمعارض لحديث ابن شهاب لأنَّه قد يمكن أن يكون على رأسه عمامة سوداء وعليها المغفر فلا يتعارض الحديثان» اهـ.
стр. 4276
٧ - وفيه أنَّ الكعبة كانت ذات أستار في الجاهلية.
قُلْتُ: وهكذا هي بعد الإسلام، ولا أعلم من ينازع في استحباب كسوة الكعبة.
فائدة/ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٦/ ١٥٧):
«اختلف في اسم ابن خطل هذا فقيل هلال بن خطل، وقيل عبد العزى بن خطل، وقيل عبد الله بن خطل. هذا قول ابن إسحاق وجماعة» اهـ.
* * *
стр. 4277
٢١٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى».
قَالَ الْأَمِيْرُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀ فِي [سُبُلِ السَّلَامِ] (١/ ٦٣٧):
«كَدَاءَ بِفَتْحِ الْكَافِّ وَالْمَدُّ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَهِيَ الثَّنِيَّةُ الَّتِي يَنْزِلُ مِنْهَا إلَى الْمُعَلَّاةِ مَقْبَرَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَكَانَتْ صَعْبَةَ الْمُرْتَقَى فَسَهَّلَهَا مُعَاوِيَةُ ثُمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ ثُمَّ الْمَهْدِيُّ ثُمَّ سُهِّلَتْ كُلُّهَا فِي زَمَنِ سُلْطَانِ مِصْرَ الْمُؤَيَّدِ فِي حُدُودِ عِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَأَسْفَلُ مَكَّةَ هِيَ الثَّنِيَّةُ السُّفْلَى يُقَالُ لَهَا كُدى بِضَمِّ الْكَافِّ وَالْقَصْرُ عِنْدَ بَابِ الشَّبِيكَةِ، وَيَقُولُ أَهْلُ مَكَّةَ: افْتَحْ وَادْخُلْ وَضُمَّ وَاخْرُجْ» اهـ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْبَسَّامُ ﵀ فِي [تَيْسِيْرِ الْعَلَّامِ] (١/ ٣٦٩):
«كداء: بفتح الكاف والمد، اسم للثنية، التي في أعلى مكة وهي "ريع الحجون"، وتقول العامة: "الحجول" وهو تحريف.
الثنية السفلى: الثنية، هي الطريق بين الجبلين.
والمراد بها، الطريق الذي خرج من المحلة المسماة "حارة الباب"، وتسمى الثنية الآن "ريع الرسام". وتسمى الثنية السفلى: كدى - بضم القاف وقصر الألف» اهـ.
стр. 4278
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤٣٧):
«وكل عقبة في جبل أو طريق عال فيه تسمى ثنية» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب دخول مكة من أعلاها، والخروج من أسفلها.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤١١):
«وفي خروجه ﷺ عام الفتح من دبرها مع أنَّه كان يريد حنيناً والطائف دليل على أنَّ الإنسان يتعمد ذلك وإن لم يكن وجه قصده» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٥):
«وقال الشيخ أبو محمد الجويني: ليست العليا على طريق المدينة بل عدل إليها النبي ﷺ متعمداً لها، قال فيستحب الدخول منها لكل أحد. قال: ووافق إمام الحرمين الجمهور في الحكم ووافق أبا محمد في أنَّ موضع الثنية كما ذكره.
وهذا الذي قاله أبو محمد من كون الثنية ليست على نهج الطريق بل عدل إليها هو الصواب الذي يقضي به الحس والعيان. فالصحيح استحباب الدخول من الثنية العليا لكل محرم قصد مكة سواء كانت في صوب طريقه أم لا، وهو ظاهر نص الشافعي في "المختصر" ومقتضى إطلاقه، فإنَّه قال: ويدخل المحرم من ثنية كدا. ونقله صاحب "البيان" عن عامة الأصحاب» اهـ.
٢ - استحباب مخالفة الطريق في الدخول إلى مكة والخروج منها كالعيد.
стр. 4279
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤١٠):
«ويشبه أن يكون ذلك والله أعلم لأنَّ الثنية العليا التي تشرف على الأبطح والمقابر إذا دخل منها الإنسان فإنَّه يأتي من وجه البلد والكعبة ويستقبلها استقبالاً من غير انحراف بخلاف الذي يدخل من الناحية السفلى فإنَّه يدخل من دبر البلد والكعبة، وإنَّما يخرج من الثنية السفلى لأنَّه يستدبر الكعبة والبلد فأستحب أن يكون ما يليه منها مؤخرها لئلا يستدبر وجهها، وليكون قد دخل مِنْ طَرِيْقِ وخرج من أخرى كالذاهب إلى العيد» اهـ.
* * *
стр. 4280
٢١٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَلَمَّا فَتَحُوا: كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ. فَلَقِيتُ بِلالاً، فَسَأَلَتْهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ».
فِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا:
١ - مشروعية الصلاة داخل البيت، وقد تنازع العلماء في صلاة الفريضة هل تصلى داخل البيت أو لا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥):
«وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة في الكعبة:
فكان ابن عباس يكره الصلاة فيها بكل حال: الفرض والنفل وهو قول طاووس، وأصبغ من المالكية، وابن جرير الطبري.
وقالت طائفة: تجوز فيها صلاة الفرض والنفل، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، والشافعي.
стр. 4281
وقالت طائفة: يصلي فيها النفل دون الفرض، وهو قول عطاء، ومالك، وأحمد في ظاهر مذهبه.
لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى فيها نفلاً والنوافل يخفف فيها في استقبال القبلة دون الفرائض، بدليل صحة النفل على الراحلة في السفر إلى غير القبلة، وأمَّا الفرض فلا يجوز إلى القبلة مع القدرة، فيشترط له استقبال جميع البيت، وأن لا يكون مستدبراً لشيء منه.
وقال أحمد: إذا صلى فيها لا يصلي إلى أي جهة شاء، بل يستقبل الجهة التي استقبلها النبي ﷺ ، وهي تجاه الباب إذا دخل، ويجعل الباب وراء ظهره.
ولم يرخص في الصلاة فيها إلَّا على هذا الوجه، وحمل أصحابنا ذلك على الاستحباب، وفيه نظر» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَّةِ] (٤١٢):
«ولا تصح الفريضة في الكعبة بل النافلة وهو ظاهر مذهب أحمد، وأمَّا صلاة النبي ﷺ في البيت فإنَّها كانت تطوعاً فلا يلحق الفرض، لأنَّه ﷺ صلى داخل البيت ركعتين ثم قال: "هذه القبلة" فيشبه -والله أعلم- أن يكون ذكره لهذا الكلام في عقيب الصلاة خارج البيت بياناً لأنَّ القبلة المأمور باستقبالها هي البنية كلها لئلا يتوهم متوهم أنَّ استقبال بعضها كاف في الفرض لأجل أنَّه صلى التطوع في البيت وإلَّا فقد علم الناس كلهم أنَّ الكعبة في الجملة هي القبلة فلا بد لهذا الكلام من فائدة وعلم شيء قد يخفى ويقع في محل
стр. 4282
الشبهة، وابن عباس روى هذا الحديث وفهم منه هذا المعنى وهو أعلم بمعنى ما سمع» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٤٩٨ - ٤٩٩):
«والرواية الثانية وهي المشهورة نصاً ومذهباً أنَّ الفرض لا يصح في الكعبة لأنَّ الله سبحانه قال: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي نحوه وتلقاءه بإجماع أهل العلم، لأنَّ الشطر له معنيان هذا أحدهما، والآخر بمعنى النصف وذلك المعنى ليس مراداً فتعين الأول، وإذا كان الله قد فرض تولية الوجه نحو الكعبة وذلك هو الصلاة إليها فالمصلي فيها ليس بمصل إليها لأنَّه لا يقال لمن صلى في دار أو حانوت أنَّه مصل إليه.
وكذلك قال ابن عباس ﵄: إنَّما أمر الناس أن يصلوا إلى الكعبة ولم يؤمروا أن يصلوا فيها. ولأنَّ التوجه إليها إنَّما يكون باستقبالها كلها أي استقبال جميع ما يحاذيه منها فإذا استقبل بعضها فليس بموول وجهه إلى الكعبة بل إلى بعض ما يسمى كعبة، ولأنَّه إذا استقبل البعض واستدبر البعض فليس وصفه باستقبالها بأولى من وصفه باستدبارها بل استدبار بعضها ينافي الاستقبال المطلق ولهذا قال ابن عباس: لا تجعل شيئاً من البيت خلفك ذكره أحمد، يبين هذا أنَّ الله سبحانه أمر بالطواف به كما أمر بالصلاة إليه وإخراجها مخرجاً واحداً في قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، وقال تعالى:
стр. 4283
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ثم الطواف فيه لا يجوز فكذلك الصلاة فيه ولما وجب على الطائف أن يطوف به كله وجب على المصلي أن يستقبله كله، واستقبال جميعه يحصل بأن تكون القبلة كلها أمامه وإن خرج بعضها عن مسامة بدنه ومحاذاته فإنَّ المطابقة ليس من معنى الاستقبال في شيء إذ لو كانت من معناه ما صح أن يستقبل الجسم الكبير للصغير ولا الصغير للكبير، نعم لو خرج هو على مسامتها ببعضه لم يكن مستقبلاً لها».
إِلَى قَالَ ﵀ (٤/ ٥٠٠ - ٥٠٢):
«والوجه الثاني: لا بد أن يستقبل جميعه فلا تصح صلاته في هذه الصور وهذا أقيس كالطواف فإنَّ الطواف به لا فيه وكذلك الصلاة إليه لا فيه.
وأمَّا صلاته ﷺ في البيت فإنَّها كانت تطوعاً، ولذلك أغلق عليه الباب هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة، وإنَّما كان يصلي المكتوبة بالمسلمين كلهم في الجماعة العامة، ولأنَّ ذلك الوقت لم يكن وقت مكتوبة لأنَّه دخل مكة ضحى وفي تلك الساعة دخل البيت ثم صلى بالمسلمين صلاة الظهر في المسجد. ولا يجب إلحاق الفرض به، لأنَّه ﷺ صلى داخل البيت ركعتين ثم خرج فصلى إلى البيت ركعتين ثم قال: "هذه القبلة". فيشبه والله أعلم أن يكون ذكره لهذا الكلام في عقب الصلاة خارج البيت بياناً لأنَّ القبلة المأمور
стр. 4284
باستقبالها هي البنية كلها لئلا يتوهم متوهم أنَّ استقبال بعضها كاف في الفرض لأجل أنَّه صلى التطوع في البيت وإلَّا فقد علم الناس كلهم أنَّ الكعبة في الجملة هي القبلة فلا بد أن يكون لهذا الكلام فائدة وعلم شيء قد يخفى ويقع في محل الشبهة، وابن عباس روى هذا الحديث وفهم منه هذا المعنى وهو أعلم بما سمع لكن لم يبلغه حديث بلال أنَّه ﷺ صلى داخل الكعبة فحمل الحديث على العموم في المكتوبة والتطوع فالواجب أن يوضع حديث ابن عباس موضعه وحديث ابن عمر موضعه ويعمل بكلا الحديثين، يبين ذلك أنَّه ﷺ لما صلى داخله أغلق عليه الباب وكانت الفرائض كلها إنَّما يصليها خارج البيت، ولو كانت المكتوبة جائزة في البيت لكان يمكنه أن يصلي المكتوبة بالناس في الحجر تحصيلاً لفضيلة أداء الفرض في الكعبة فلما لم يفعل شيئاً من ذلك دل على أنَّ ذلك خاص بالتطوع.
وهذا لأنَّ الشارع يوسع في تجويزه على أحوال شتى لا تجوز في المكتوبة خصوصاً في أمر القبلة فانَّه جوَّز التطوع للمسافر السائر إلى أي جهة توجه لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. لئلا يكون الاستقبال مانعاً له من الصلاة فكذلك من دخل بيت ربه وأحب الصلاة لربه فيه لا يمكنه ذلك مع الاستقبال التام فعفي له عن كمال الاستقبال إذا أتى بالممكن منه تحصيلاً لمقصود الزيادة وتحية البيت إذ كان هذا المقصود لا يمكنه فعله إلَّا في البيت،
стр. 4285
وكان فرض كمال الاستقبال لا يمكن معه تحية البيت والصلاة فيه لله وذلك أمر مطلوب كما قلنا في صلاة المسافر سواء فأمَّا الفرض فلا اختصاص له بمكان دون مكان فكانت المحافظة على كمال الاستقبال الذي هو شرط أولى من فعله في نفس البيت ولا حاجة إلى فعله في البيت فلم يسقط فرض الاستقبال بحال، ولهذا مضت سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين بذلك، ألا ترى أنَّ الفرض لو كان مشروعاً في البيت لكان ينبغي أن يقف الإمام في الحجر ليحصل فضل الصلاة فيه والصلاة إليه فإنَّ ذلك أكمل لو كان ممكناً من الصلاة إليه فقط، ومعلوم أنَّ هذا خلاف سنة رسول الله ﷺ وسنة المسلمين أجمعين» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير بليغ سديد، وليس عليه مزيد.
وقد عارض هذا الحديث ما رواه البخاري (٣٩٨) عَنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ، وَقَالَ: «هَذِهِ القِبْلَةُ».
ورواه مسلم (١٣٣٠) عَنَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَسَمِعْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالطَّوَافِ، وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِدُخُولِهِ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَنْهَى عَنْ دُخُولِهِ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ
стр. 4286
الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ»، قُلْتُ لَهُ: مَا نَوَاحِيهَا؟ أَفِي زَوَايَاهَا؟ قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٤):
«وقد رواه أصحاب عبد الرزاق كلهم، منهم: الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، فجعلوه: عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد.
وكذا رواه أصحاب ابن جريج وعنه، منهم: محمد بن بكر البرساني، وأبو عاصم، ويحيى بن سعيد وغيرهم.
فسقط من إسناد البخاري ذكر: أسامة بن زيد، وقد نبه على ذلك الإسماعيلي والبيهقي.
لكن رواه همام، عن عطاء، عن ابن عباس، لم يذكر فيه: أسامة.
وهذا مما كان ابن عباس يرسله أحياناً، ويسنده أحياناً.
وكذلك خرجه البخاري في "الحج" من حديث عكرمة، عن ابن عباس، إلَّا أنَّ رواية عبد الرزاق، عن ابن جريج فيها ذكر أسامة؛ فإسقاطه منها وهم.
وقد تعارض ما نقله ابن عمر، عن بلال، وما نقله ابن عباس، عن أسامة في صلاة النبي ﷺ في الكعبة.
وقد روي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن أسامة وبلال وعثمان بن طلحة، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى في الكعبة - أيضاً -، بخلاف رواية ابن عباس، عن أسامة، وهو في رواية لمسلم في "صحيحه" على اختلاف وقع في لفظه خارج "الصحيح"؛ فإنَّ
стр. 4287
من رواة الحديث من أسند الصلاة فيها إلى بلال دون صاحبيه اللذين كانا معه في الكعبة.
وقد روي ذلك عن أسامة من وجهين آخرين.
خرجهما الإمام أحمد في "المسند".
وقد اختلف الناس في الجمع بين إثبات صلاة النبي ﷺ في الكعبة ونفيها:
فمنهم: من حمل الصلاة على الصلاة اللغوية، وهي الدعاء، وجمعوا بذلك بين حديثي أسامة وبلال، لا سيما وقد روي عن أسامة إثبات الصلاة ونفيها.
والأكثرون حملوا الصلاة على الصلاة الشرعية، وهو الأظهر.
ثم اختلفوا: فمنهم: من رجح حديث الإثبات على حديث النفي، وقال: مع تعارض النفي والإثبات يقدم الإثبات؛ لأنَّ المثبت معه زيادة علم خفيت على النافي، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وغيرهما من العلماء.
وذكر الأزرقي في "كتابه"، عن عبد العزيز بن أبي رواد، قال: بلغني أنَّ الفضل بن عباس دخل مع النبي ﷺ ، ثم أرسله النبي ﷺ في حاجة، فجاء وقد صلى النبي ﷺ ، ولم يره فلذلك كان ينكر أنَّه صلى.
стр. 4288
وحديث الفضل في إنكاره الصلاة، قد خرجه الإمام أحمد من رواية أخيه عبد الله، عنه.
ومنهم: من قال: المثبت للصلاة أراد به صلاته في عام الفتح، والنافي لها أراد صلاته في حجة الوداع، وهذا قول ابن حبان.
وهو ضعيف جداً؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ ابن عباس لم ينفي صلاة النبي ﷺ في الكعبة في وقت دون وقت، بل كان ينكر ذلك جملة، وكان يكره الصلاة في الكعبة، ويقول: لا يستدبر من البيت شيء.
والثاني: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يدخل الكعبة في حجة الوداع بالكلية حتى يقال أنَّه دخل ولم يصل، وابن عباس قال: أنَّه دخل ودعا ولم يصل» اهـ.
قُلْتُ: حديث الفضل رواه أحمد (١٨٠١) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي أَخِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَكَانَ مَعَهُ حِينَ دَخَلَهَا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا دَخَلَهَا وَقَعَ سَاجِدًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ يَدْعُو».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٤٤٥):
стр. 4289
«وهذه الرواية شاذة من وجهين: دخول الفضل معهم والاقتصار على السجود» اهـ.
قُلْتُ: ابن إسحاق لا يعتمد عليه في مثل هذا. والله أعلم. وقد جاء في مسلم (١٣٢٩) ما يدل على عدم دخول الفضل الكعبة، وهو ما رواه مِنْ طَرِيْقِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أُغْلِقَتْ عَلَيْهِمْ».
لكن روى أحمد (٤٤٦٤)، والنسائي (٢٩٠٦) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ وَمَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَبِلَالٌ، «فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَجَافَ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَمَكَثَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ خَرَجَ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ مِنْهُمْ بِلَالًا فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟، قَالَ: هَاهُنَا بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ.
وروى عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٩٠٥٧)، ومِنْ طَرِيْقِه أحمد (١٨١٩) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ: «أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْبَيْتَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 4290
وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ فِي الْبَيْتِ حِينَ دَخَلَهُ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ فَنَزَلَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهَا صَحِيْحٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٤/ ٤٨٨):
«فإن لم يكن حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس في وقتين متغايرين، وإلَّا فحديث ابن عمر هو الصواب؛ لأنَّه مثبت عن بلال شيئاً شاهده وعاينه والمثبت أولى من النافي ولأنَّ ابن عباس لم يدخل معهم بل كان إذ ذاك صغيراً له نحو عشر سنين وإنَّما روى الحديث عن أسامة، وقد روى غيره عن أسامة خلافه، فإن لم يكونا واقعتين فلعل أسامة كان مشغولاً بدعاء وابتهال حين دخول البيت في بعض نواحيه فلم ير النبي ﷺ يصلي لا سيما والباب موجف عليهم ثم لعله بعد ذلك أخبره أسامة أو عثمان أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى فيه» اهـ.
قُلْتُ: حديث أسامة الذي أثبت فيه الصلاة هو ما رواه أحمد (٢١٨٢٨، ٢١٨٤٩، ٢٧٦٧٤) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَلَمَّا كُنْتُ عِنْدَ السَّارِيَتَيْنِ، مَضَيْتُ حَتَّى لَزِقْتُ بِالْحَائِطِ. قَالَ: وَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ، حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِي فَصَلَّى أَرْبَعًا، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى قُلْتُ لَهُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْبَيْتِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «هَاهُنَا أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّهُ صَلَّى». قَالَ: قُلْتُ: فَكَمْ صَلَّى؟ قَالَ: «عَلَى
стр. 4291
هَذَا أَجِدُنِي أَلُومُ نَفْسِي أَنِّي مَكَثْتُ مَعَهُ عُمُرًا ثُمَّ لَمْ أَسْأَلْهُ كَمْ صَلَّى؟». فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا، قَالَ: فَجِئْتُ فِي مَقَامِهِ، قَالَ: فَجَاءَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِي، فَلَمْ يَزَلْ يُزَاحِمُنِي حَتَّى أَخْرَجَنِي مِنْهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ أَرْبَعًا.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ويؤيد هذه الرواية ما رواه مسلم (١٣٢٩) مِنْ طَرِيْقِ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْكَعْبَةِ وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ، وَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْبَابَ، قَالَ: فَمَكَثُوا فِيهِ مَلِيًّا، ثُمَّ فُتِحَ الْبَابُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ، فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالُوا: «هَا هُنَا»، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُمْ: كَمْ صَلَّى؟.
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٤٥٠):
«ومقتضاها نسبة ذلك إلى جميعهم والمشهور عن أسامة النفي كما تقدم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْإِلْزَامَاتِ والتَّتَبُعِ] (٢٠٠):
«وأخرج مسلم، عَنْ حميد بن مسعدة، عَنْ خالد، عَنْ ابن عون عن نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أُسَامة وبلال وعثمان، فسألتهم وهذا وهم فيه ابن عون.
خالفه أيوب وعُبيد الله ومالك وغيرهم، فأسندوه، عَنْ بلال وحده» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٨٠):
стр. 4292
«وأجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال، لأنَّه مثبت، فمعه زيادة علم فواجب ترجيحه، والمراد الصلاة المعهودة ذات الركوع، والسجود، ولهذا قال ابن عمر: ونسيت أن أسأله: كم صلى؟ وأمَّا نفي أسامة فسببه أنَّهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي ﷺ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي ﷺ فرآه بلال لقربه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، وكانت صلاة خفيفة فلم يرها أسامة لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملاً بظنه، وأمَّا بلال فحققها فأخبر بها. والله أعلم» اهـ.
٢ - واستدل به على مشروعية الصلاة بين السواري.
قُلْتُ: وهذا في صلاة المنفرد أو الإمام بين السارتين، وهكذا صلاة الصف القصير، وأمَّا الصف الطويل الذي تقطعه السواري فيكره الصلاة فيه، لما رواه أحمد (١٢٣٦١)، وأبو داود (٦٧٣)، والنسائي (٨٢١)، والترمذي (٢٢٩) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدُفِعْنَا إِلَى السَّوَارِي، فَتَقَدَّمْنَا وَتَأَخَّرْنَا»، فَقَالَ أَنَسٌ: «كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
стр. 4293
وأمَّا ما رواه ابن ماجة (١٠٠٢) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ أَبُو طَالِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو قُتَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ بَيْنَ السَّوَارِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا». فلا يصح لجهالة هارون بن مسلم.
وقُرَّةُ هو ابْنِ إِيَاسٍ المُزَنِيِّ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٦٥١):
«ومقصود البخاري بهذا الباب: أنَّ من صلى بين ساريتين منفرداً، كمن يصلي تطوعاً؛ فإنَّه لا يكره له ذلك كما فعله النبي ﷺ في الكعبة، وكان ابن عمر يفعله.
وكذا لو صلى جماعة، وكان إمامهم، ووقف بين الساريتين وحده، وقد فعل ذلك سعيد بن جبير وسويد بن غفلة. ورخص فيه سفيان للإمام وكرهه للمأمومين.
وإنَّما يكره ذلك؛ لصف تقطعه السواري، فلو صلى اثنان أو ثلاثة جماعة بين ساريتين لم يكره - أيضاً -، هذا قول أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم من العلماء» اهـ.
قُلْتُ: ونص تبويب البخاري هو: «باب الصلاة بين السواري في غير جماعة».
وقد تنازع العلماء في هذه المسألة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٣/ ٤٦٧):
стр. 4294
«فصل: ولا يكره للإمام أن يقف بين السواري، ويكره للمأمومين لأنَّها تقطع صفوفهم.
وكرهه ابن مسعود، والنخعي، وروي عن حذيفة، وابن عباس.
ورخص فيه ابن سيرين، ومالك، وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لأنَّه لا دليل على المنع منه» اهـ.
وقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٦٥٣):
«وقد روي النهي عنه، عن حذيفة وابن مسعود وابن عباس، وهو قول النخعي، وحكاه الترمذي عن أحمد وإسحاق.
وقد نص أحمد على كراهة الصلاة بين الأساطين مطلقاً من غير تفصيل -: نقله عنه جماعة، منهم: أبو طالب وابن القاسم، وسوى في روايته بين الجمعة وغيرها.
ونقل عنه حرب: يكره ذلك، قلوا أو كثروا، وإن كانوا عشرة.
وصرح أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب "الشافي" بكراهة قيام الإمام بين السواري.
وأمَّا القاضي أبو يعلى وأصحابه، فقالوا: إنَّما يكره ذلك لصف تقطعه السواري، وحملوا كلام أحمد على ذلك.
ويشهد له: ما نقله ابن منصور، عن أحمد، وقد سأله: هل يقوم الإمام بين الساريتين، يؤم القوم؟ قال: إنَّما يكره للصف، إذا كان يستتر بشيء فلا بأس.
قال إسحاق بن راهويه كما قال.
стр. 4295
وكذا نقل حرب، عن إسحاق، أنَّه يكره ذلك للصف، ولا يكره لمن صلى وحده.
ورخص فيه ابن سيرين وأبو حنيفة ومالك وابن المنذر» اهـ.
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٤٦٣):
«فإنَّ من كره الصلاة بين الأساطين إنَّما هو في صلاة الجماعة لأنَّ الأساطين تقطع الصفوف فأمَّا من صلى بينها منفرداً، أو في جماعة وكان الإمام هو الواقف بينها أو المأمومين ولم يكثروا بحيث تحول الأسطوانة بينهم فلا أعلم أحداً كرهه» اهـ.
قُلْتُ: وقد ذكر العلماء في سبب النهي عن الصلاة بين السواري عدة أشياء:
الأول: من أجل أنَّ ذلك موضع النعال.
والثاني: أنَّه مصلى الجن.
وهذان قولان ضعيفان.
والثالث: من أجل قطع الصفوف. وهذا هو الصحيح المعتمد.
قُلْتُ: وتقدير بعض علماء الحنابلة للسارية التي تقطع الصف، ويكره الصلاة بينها بثلاثة أذرع، أو بمقام ثلاثة رجال، مما لا دليل عليه، والسواري في زمن النبي ﷺ كانت من جذوع النخل، وجذوع النخل لا تصل إلى هذا المقدار، ومع هذا فأخبر أنس بأنَّهم كانوا يتقون الصلاة بينها على عهد رسول الله ﷺ .
٣ - واستدل به على جواز جعل الأبواب للمساجد وإغلاقها.
стр. 4296
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٢/ ١١٦):
«اتخاذ الأبواب للمساجد واجب لتصان عن مكان الريب، وتنزه عمَّا لا يصلح فيها من غير الطاعات» اهـ.
٤ - قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٤٤٢): «فيه استحباب دخول الكعبة اقتداء به ﵊ وهذا متفق عليه» اهـ.
* * *
стр. 4297
٢٢٠ - عَنْ عُمَرَ ﵁: «أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ. وَقَالَ: إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب تقبيل الحجر الأسود عند الطواف حول البيت.
٢ - أنَّ العبادات توقيفية لا تؤخذ إلَّا مِنْ طَرِيْقِ الشرع.
٣ - فيه إبطال عقيدة المتعلقين بالأحجار، فإنَّه إذا كان أفضل الأحجار لا يضر ولا ينفع فغيره من باب أولى.
٤ - وفيه اتباع الأحكام الشريعة وإن لم يعلم المكلف حكمة الشرع.
٥ - وفيه بيان أنَّه لا يقبل على وجه التعبد ما لم يأت في الشرع تقبيله.
قُلْتُ: وما اشتهر عند كثير من الناس من تقبيل المصحف فمن البدع التي لا أصل لها في السنة ولا في آثار الصحابة.
وأمَّا ما رواه الدارمي (٣٣٥٠)، والحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٥٠٦٢)، والبيهقي في [الشُّعَبِ] (٢٠٣٧)، وابن المبارك في [الْجِهَادِ] (٦٥)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٤٤٢٥) مِنْ طَرِيْقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، كَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولُ: «كِتَابُ رَبِّي، كِتَابُ رَبِّي».
стр. 4298
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وعكرمة، فإنَّ عكرمة مات قديماً في خلافة الصديق.
قُلْتُ: والحجر الأسود فيه عدة سنن:
الأولى: مباشرته بالتقبيل، ويدل عليه حديث الباب وغيره من الأحاديث.
الثانية: الاستلام باليد مع تقبيل اليد، وهذا إذا لم يتمكن من مباشرته بالتقبيل.
ويدل عليه ما رواه مسلم (١٢٦٨) عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ».
الثالثة: أن يستلمه بشيء في يده ثم يقبل ذلك الشيء الذي في يده، وهذا إذا لم يتمكن من استلامه بيده.
ويدل عليه ما رواه مسلم (١٢٧٥) عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، يَقُولُ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ».
والمحجن بكسر الميم عصا محنية الطرف.
الرابعة: وهي صفة متنازع فيها، وهي الإشارة إلى الحجر باليد، أو بشيء في اليد من غير تقبيل.
стр. 4299
واحتج من قال بها بما رواه البخاري (١٦٣٢)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ، وَكَبَّرَ».
لكن قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤٢٧):
«ومعنى هذه الرواية أنَّه يشير إليه إشارة يمس بها الحجر كما جاء مفسراً أنَّه استلم الركن بمحجن ولو لم يمس المحجن الحجر لكانت الإشارة باليد أولى» اهـ.
قُلْتُ: ورواه البخاري (١٦١٢) برواية أصرح من هذه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ».
قُلْتُ: الحديث جاء مِنْ طَرِيْقِ خالد بن مهران الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس، فرواه عن خالد الحذاء إبراهيم بن طهمان، ولم يذكر الإشارة بشيء كان في يده وحديثه في البخاري، وقد تابعه عبد الوارث بن سعيد، وعبد الوهاب الثقفي عند الترمذي (٨٦٥)، وحديث عبد الوارث رواه أيضاً النسائي (٢٩٥٥)، وقد ذكر الزيادة خالد بن عبد الله الطحان، وهكذا رواه عن ابن عباس عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي في الصحيحين، فهي زيادة ثابتة في حديث ابن عباس، فمن أطلق الإشارة أراد بشيء كان في يده، وهو المحجن كما تدل عليه الرواية الأخرى.
стр. 4300
فالذي يظهر لي صحة ما ذكره شيخ الإسلام، فاستحباب الإشارة المجردة تحتاج إلى دليل. فيكفي من لم يستطع الاستلام القيام حذاء الحجر من غير إشارة وهي رواية المروذي عن أحمد. والله أعلم.
ويقوي هذا القول ما رواه أحمد (٥٩٦٥)، وأبو داود (١٨٧٨)، والنسائي (٢٩٤٧) من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ». قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وهو يدل على أنَّ النبي ﷺ لم يدع استلام الحجر في كل طوافه فإذا كان اقتصر في بعض ذلك بالإشارة من غير ملامسة للحجر فقد ترك استلامه وهذا خلاف ما قاله ابن عمر، فهذا مما يدل على صحة تأول حديث ابن عباس على معنى الملامسة لا الإشارة المجردة.
وأمَّا التسمية عند استلام الحجر فصح ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٨٩٤)، ومن طريقه الطبراني في [الدُّعَاءِ] (٨٦٢) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ».
قُلْتُ: إِسَنَادُهُ صَحِيْحٌ.
ورواه أحمد (٤٦٢٨) من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب به.
стр. 4301
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٨٩٥)، ومن طريقه الطبراني في [الدُّعَاءِ] (٨٦٣)، ورواه الفاكهي في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٤٨) من طريق ابن جريج عن نافع به.
ورواه الفاكهي في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٤٦) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ: ثنا حَمْزَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «إِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الطَّوَافَ قَالَ: "بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ". قَالَ: أَظُنُّهُ لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا حِينَ يَقْدَمُ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
وأمَّا السجود عليه، فلم يصح مرفوعاً، وصح موقوفاً على ابن عباس.
وقد روى مسلم (١٢٧١) عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ١١٠):
«وقوله: "رأيت عمر قبل الحجر، والتزمه"؛ يعني: عانقه. والحفي بالشيء: المعتني به، البار. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾، والله أعلم» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٣٨٢): «قوله: "والتزمه" فيه إشارة إلى ما قدمنا من استحباب السجود عليه، والله أعلم» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤٣١) - عند كلامه على السجود على الحجر الأسود -: «وحديث عمر الذي تقدم في صحيح
стр. 4302
مسلم أنَّه قبل الحجر والتزمه وقال رأيت رسول الله ﷺ بك حفياً. يؤيد هذا» اهـ.
قُلْتُ: وقد استحب ذلك أكثر العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٣٧٩):
«وكذا يستحب السجود على الحجر أيضاً بأن يضع جبهته عليه، فيستحب أن يستلمه ثم يقبله، ثم يضع جبهته عليه. هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عَنْ عُمَرَ بن الخطاب وابن عباس وطاووس والشافعي وأحمد، قال: وبه أقول، قال: وقد روينا فيه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وانفرد مالك عن العلماء فقال: السجود عليه بدعة، واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء» اهـ.
فائدة: قَالَ الْعَلَّامَةُ الْفَاكِهِيُّ ﵀ فِي [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (١/ ١٣٦)
«وَشَبَرْتُ أَنَا بِيَدِي غَيْرَ مَرَّةٍ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ وَذَرَعْتُهُ فَإِذَا هُوَ فِي طُولِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ إِصْبَعًا بِإِصْبِعِي، وَعَرْضُهُ سَبْعُ أَصَابِعَ، وَذَرَعْتُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ» اهـ.
قُلْتُ: وقد تعرض الحجر الأسود لحوادث عظام عبر التاريخ ففي سنة ٣١٩ اقتلع القرامطة الحجر الأسود ومكث عندهم اثنتين وعشرين سنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزيُ ﵀ فِي [الْمُنْتَظَمِ] (١٥/ ١٥٣) في حوادث سنة ثلاث عشرة وأربعمائة:
стр. 4303
«وفي هذه السنة: في زمن الحج عمد بعض الحاج المصريين إلى الحجر الأسود فضربه بدبوس كان في يده حتى شعثه وكسر قطعاً منه، وعاجله الناس فقتلوه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ] (١٢/ ١٧):
«ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وأربعمائة فيها جرت كائنة غريبة عظيمة، ومصيبة عامة، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَاكِمِ اتَّفَقَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْحُجَّاجِ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى أَمْرِ سَوْءٍ، وَذَلِكَ أنَّه لَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ طَافَ هَذَا الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ جَاءَ لِيُقَبِّلَهُ فَضَرَبَهُ بِدَبُّوسٍ كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وقال: إلى متى نعبد هَذَا الْحَجَرَ؟ وَلَا مُحَمَّدٌ وَلَا عَلَيٌّ يَمْنَعُنِي مِمَّا أَفْعَلُهُ، فَإِنِّي أَهْدِمُ الْيَوْمَ هَذَا الْبَيْتَ، وَجَعَلَ يَرْتَعِدُ، فَاتَّقَاهُ أَكْثَرُ الْحَاضِرِينَ وَتَأَخَّرُوا عَنْهُ، وذلك لأنَّه كَانَ رَجُلًا طِوَالًا جَسِيمًا أَحْمَرَ اللَّوْنِ أَشْقَرَ الشعر، وعلى باب الجامع جماعة من الفرسان، وقوف ليمنعوه ممن يريد منعه من هذا الفعل، وأراده بِسُوءٍ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ معه خنجر فوجأه بها، وتكاثر الناس عليه فقتلوه وقطعوه قطعاً، وحرقوه بالنار، وتتبعوا أصحابه فقتلوا منهم جماعة، ونهبت أهل مكة الركب المصري، وتعدى النهب إلى غيرهم، وَجَرَتْ خَبْطَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا، ثُمَّ سَكَنَ الْحَالُ بَعْدَ أَنْ تُتُبِّعَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الذين تمالأوا عَلَى الْإِلْحَادِ فِي أَشْرَفِ الْبِلَادِ غَيْرَ أنَّه قد سَقَطَ مِنَ الْحَجَرِ ثَلَاثُ فِلَقٍ
стр. 4304
مِثْلُ الْأَظْفَارِ، وَبَدَا مَا تَحْتَهَا أَسْمَرَ يَضْرِبُ إِلَى صُفْرَةٍ، مُحَبَّبًا مِثْلَ الْخَشْخَاشِ، فَأَخَذَ بَنُو شَيْبَةَ تِلْكَ الفلق فعجنوها بالمسك والك وَحَشَوْا بِهَا تِلْكَ الشُّقُوقَ الَّتِي بَدَتْ، فَاسْتَمْسَكَ الْحَجْرُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ، وهو ظاهر لمن تأمله» اهـ.
وَقَالَ سُلَيْمَانَ بْنُ عُمَرَ الْمَعْرُوْفُ بِالْجَمَلِ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ] (٢/ ٤٥١):
«وَفِي سَنَةِ بِضْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَلْفٍ سَقَطَ مِنْ الْبَيْتِ الْحَرَامِ الْجِدَارُ الشَّامِيُّ وَبَعْضٌ مِنْ الشَّرْقِيِّ وَالْغَرْبِيِّ وَبَقِيَ الْجِدَارُ الْيَمَانِيُّ صَحِيحًا فَاقْتَضَى رَأْيُ الْمُعَلِّمِ بِالْبَلَدِ عَلِيِّ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ هَدْمَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَمَنَعْته مِنْ هَدْمِ الْجِدَارِ الْيَمَانِيِّ وَأَلَّفْت فِيهِ مُؤَلَّفًا سَمَّيْته إيضَاحُ تَلْخِيصِ بَدِيعِ الْمَعَانِي فِي بَيَانِ مَنْعِ هَدْمِ جِدَارِ الْكَعْبَةِ الْيَمَانِيِ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَشَرَعُوا فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ وَكَانَ النَّاظِرُ عَلَى الْعِمَارَةِ مِنْ قِبَلِ مَوْلَانَا السُّلْطَانِ مرادخان نَصَرَهُ اللَّهُ، وَقَدْ كَانَ الْحَجَرُ الَّذِي فَوْقَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ قَدْ اخْتَلَّ وَبَرَزَ إلَى خَارِجٍ فَأَخْرَجُوهُ وَأَخَذَ الْمُهَنْدَسُ يُزِيلُ مَا عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْجِبْسِ وَالْفِضَّةِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ قَرَصَ بِالْمِعْوَلِ مِنْ غَيْرِ تَأَنٍّ فَإِذَا بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ قَدْ تَشَطَّأَ مِنْهُ أَرْبَعُ شَطَيَاتٍ مِنْ وَجْهِهِ وَكَادَتْ أَنْ تَسْقُطَ عَنْهُ إلَّا أَنَّهَا بَقِيَتْ فِي مَكَانِهَا فَعَظُمَ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَشَرَعَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ يَقُولُ لَا يَتِمُّ إصْلَاحُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَّا إنْ رُفِعَ مِنْ مَكَانِهِ لِيَصْلُحَ الَّذِي تَحْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْحَاضِرُونَ هَذَا الرَّأْيَ وَأَبْقَوْهُ بِمَحَلِّهِ ثُمَّ شَرَعُوا فِي طَبْخِ آلَاتٍ يُلْصَقُ بِهَا مَا كَانَ تَشَطَّرَ مِنْهُ فَفَعَلُوا وَأَلْصَقُوهَا فَتَمَّ إحْكَامُهَا ثُمَّ أَعَادُوا الْحَجَرَ الَّذِي كَانَ فَوْقَهُ فَوَضَعُوهُ مَكَانَهُ وَأَحْكَمُوا اللِّحَامَ بَيْنَهُمَا
стр. 4305
بِالْجِبْسِ وَالْفِضَّةِ الْمُذَابَةِ وَقَدْ رَأَيْت الْحَجَرَ يَوْمَئِذٍ وَطُولُهُ نِصْفُ ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ الْعَمَلِ وَعَرْضُهُ مِنْ جِهَةِ الْبَابِ إلَى جِهَةِ الْيَمَانِيِ ثَمَانُ قَرَارِيطَ وَسُمْكُهُ أَرْبَعُ قَرَارِيطَ» اهـ.
قُلْتُ: وبهذا يتبيَّن أنَّ الحجر الأسود ما زال على ما هو عليه وإنَّما حصل له ضرر يسير جداً في وجهه، وأمَّا ما ينشره كثير من الجهال من أنَّ الحجر الأسود قد ذهب وما بقي منه إلَّا أربع قطع أو نحو ذلك فمما لا أساس له من الصحة.
* * *
٢٢١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى
стр. 4306
يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا: إلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ».
قوله: «وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ» أي اليمانيين حيث لا يراهم المشركون لأنهم كانوا مما يلي الحجر من قبل قعيقعان.
وروى البخاري (٤٢٥٦) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، «وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ، أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَزَادَ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَامِهِ الَّذِي اسْتَأْمَنَ، قَالَ: «ارْمُلُوا» لِيَرَى المُشْرِكُونَ قُوَّتَهُمْ، وَالمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلِ قُعَيْقِعَانَ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب إظهار القوة والجلد أمام الأعداء لما في ذلك من إرهاب الكافرين وتغيظهم.
стр. 4307
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
٢ - استحباب الرمل فيما عدا ما بين الركن اليماني والحجر والأسود وكان ذلك في أول الأمر إغاظة للكافرين ثم شُرع بعد ذلك الرمل في سائر البيت من الحجر إلى الحجر.
ويدل عليه ما رواه مسلم (١٢٦٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «رَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا».
وروى مسلم (١٢٦٣) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ».
وفي رواية عنده عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ الثَّلَاثَةَ أَطْوَافٍ، مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ».
قُلْتُ: وقد اتفق على ذلك الأئمة الأربعة، وقال طاووس، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله: يمشي ما بين الركنين، واحتجوا بحديث ابن عباس هذا. والصحيح مذهب الجمهور.
قُلْتُ: والرَّمَل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطا.
فرع/ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ١٢٠):
стр. 4308
«قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم، على أنَّه لا رمل على النساء حول البيت، ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهنَّ اضطباع.
وذلك لأنَّ الأصل فيهما إظهار الجلد، ولا يقصد ذلك في حق النساء، ولأنَّ النساء يقصد فيهن الستر، وفي الرمل والاضطباع تعرض للتكشف» اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٩٥٢)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٧٦٦) مِنْ طَرِيْقِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢/ ٧٨)، و [الْاسْتِذْكَارِ] (٤/ ١٩٥): «وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ فِي طَوَافِهِنَّ بِالْبَيْتِ وَلَا هَرْوَلَةٌ فِي سَعْيِهِنَّ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» اهـ.
فرع/ والرمل مع البعد عن الكعبة مقدم على القرب مع عدمه على الصحيح من أقوال العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣):
«فإن لم يمكنه الرمل مع القرب لقوة الازدحام فإن رجا أن تخف الزحمة ولم يتأذ أحد بوقوفه انتظر ذلك ليجمع بين قربة من البيت وبين الرمل فإنَّ ذلك مقدم على
стр. 4309
مبادرته إلى تمام الطواف، وإن كان الوقوف لا يشرع في الطواف. قال أحمد: فإن لم تقدر أن ترمل فقم حتى تجد مسلكاً ثم ترمل.
فإن لم يمكنه الجمع بين القرب والرمل، فقال القاضي وغيره: يخرج إلى حاشية المطاف لأنَّ الرمل أفضل من القرب لأنَّه هيئته في نفس العبادة بخلاف القرب فإنَّه هيئة في مكانها.
وقال ابن عقيل: يطوف قريباً على حسب حاله؛ لأنَّ الرمل هيئة فهو كالتجافي في الركوع والسجود ولا يترك الصف الأول لأجل تعذرها فكذلك هنا لا يترك المكان القريب من البيت لأجل تعذر الهيئة» اهـ.
قُلْتُ: وقد أجاب شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ على كلام ابن عقيل ﵀ فقال في [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٤٤٣): «والفرق بين الصف الأول وبين داخل المطاف أنَّ المصلين في صلاة واحدة ومن سنة الصلاة إتمام الصف الأول بخلاف الطائفين فإنَّ كل واحد يطوف منفرداً في الحكم فنظير ذلك أن يصلى منفرداً في قبلي المسجد مع عدم إتمام هيئات الصلاة فإنَّ صلاته في مؤخره مع إتمامها أولى.
وأيضاً فإن تراص الصف وانضمامه سنة في نفسه فاغتفر في جانبها زوال التجافي بخلاف ازدحام الطائفين فإنَّه ليس مستحباً وإنَّما هو بحسب الواقع.
وأيضاً فإنَّ فضيلة الصف الأول ثبتت بنصوص كثيرة بخلاف داخل المطاف على أنَّ المسألة التي ذكرها فيها نظر.
стр. 4310
فأمَّا إن خاف إن خرج أن يختلط بالنساء طاف على حسب حاله ولم يخرج» اهـ.
٣ - وفيه تسمية المدينة بيثرب- لكنَّه من تسمية المشركين-، وقد جاء ما يدل على كراهة ذلك فيما رواه البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يَقُولُونَ يَثْرِبُ، وَهِيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ».
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٤/ ٢٦٠):
«وقوله: "يقولون: يثرب وهي المدينة": يعنى أنَّها تسمى يثرب، قيل: خص النبي ﷺ اسمها بالمدينة، وتسميتها في القرآن يثرب حكاية عن قول من قالها من المنافقين والذين في قلوبهم مرض.
قال عيسى بن دينار: من سماها يثرب كتبت عليه خطيئة.
وسماها أيضاً ﵇ طيبة وطابة، وهذا على ما كان عليه ﵇ من استحبابه الاسم الحسن وكراهته القبيح.
ففي اسم "يثرب" من الثرب، والتثريب هو المؤاخذة بالذنب، يقال لمن فعل ما يلام عليه ولم يوآخذ به: لا تثريب عليك، وثرَّب فلان فلاناً على فعله، أي بكته، والثرب الفساد أيضاً، قيل: وإنَّما كانت سميت يثرب بأرض هناك، المدينة ناحية منها، ولما في اسم طيبة من الطيب الذي هو الرائحة المستحسنة، وهذا موجود في المدينة» اهـ.
следующие страницы →