Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
٢١ - وفيه أنَّ نحر هدي التمتع والقران في يوم النحر.
وهذا مذهب أكثر العلماء، وهو مذهب الإمام مالك، وأحمد، وأبو حنيفة غير أنَّ الإمام أحمد ذهب إلى أنَّه لا يذبح إلَّا بعد طلوع الشمس ومضى مقدار صلاة العيد، وعند مالك يبتدئ الذبح بعد رمي جمرة العقبة، وعند أبي حنيفة يبتدئ من أول اليوم.
وذهب الشافعي ﵀ إلى جواز نحر الهدي قبل يوم النحر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٧/ ١٨٣ - ١٨٤):
«أمَّا حكم المسألة فقد سبق أنَّ دم التمتع واجب بإجماع المسلمين ووقت وجوبه عندنا الإحرام بالحج بلا خلاف.
وأمَّا وقت جوازه فقال أصحابنا: لا يجوز قبل الشروع في العمرة بلا خلاف لأنَّه لم يوجد له سبب ويجوز بعد الاحرام بالحج بلا خلاف ولا يتوقت بوقت كسائر دماء الجبران لكن الأفضل ذبحه يوم النحر وهل تجوز إراقته بعد التحلل من العمرة وقبل الاحرام بالحج فيه قولان مشهوران وحكاهما جماعة وجهين والمشهور قولان وذكرهما المصنف بدليلهما، أصحهما الجواز فعلي هذا هل يجوز قبل التحلل من العمرة فيه طريقان:
أحدهما: لا يجوز قطعاً وهو مقتضى كلام المصنف وكثيرين ونقله صاحب البيان عن أصحابنا العراقيين ونقل الماوردي اتفاق الأصحاب عليه.
стр. 4377
والثاني: فيه وجهان أصحهما لا يجوز، والثاني: يجوز لوجود بعض السبب حكاه أصحابنا الخراسانيون وصاحب البيان.
فالحاصل في وقت جوازه ثلاثة أوجه: أحدها بعد الاحرام بالعمرة، وأصحها بعد فراغها، والثالث بعد الاحرام بالحج.
(فرع) في مذاهب العلماء في وقت وجوب دم التمتع.
ذكرنا أنَّ مذهبنا وجوبه بالإحرام بالحج وبه قال أبو حنيفة وداود، وقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفات.
وقال مالك: لا يجب حتى يرمى جمرة العقبة.
وأمَّا جوازه فذكرنا أنَّه يجوز عندنا بعد الإحرام بالحج بلا خلاف وفيما قبله خلاف.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز قبل يوم النحر واستدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومعناه فعليه ما استيسر وبمجرد الإحرام يسمى متمتعاً فوجب الدم حينئذ؛ ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ ولأنَّ شروط التمتع وجدت فوجب الدم والله أعلم.
قال العلماء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ أي بسبب العمرة لأنَّه إنَّما يتمتع بمحظورات الإحرام بين الحج والعمرة بسبب العمرة. قالوا: والتمتع هنا التلذذ
стр. 4378
والانتفاع يقال تمتع به أي أصاب منه وتلذذ به والمتاع كل شيء ينتفع به والله أعلم.
واحتج به مالك وأبو حنيفة في أنَّ دم التمتع لا يجوز قبل يوم النحر بالقياس على الأضحية.
واحتج أصحابنا عليهما بالآية الكريمة ولأنهما وافقا على جواز صوم التمتع قبل يوم النحر أعني صوم الأيام الثلاثة فالهدى أولي، ولأنَّه دم جبران فجاز بعد وجوبه وقبل يوم النحر كدم فدية الطيب واللباس وغيرهما يخالف الأضحية لأنَّه منصوص على وقتها والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّه لا يجوز نحر الهدي قبل يوم النحر ويدل عليه حديث الباب، وما رواه البخاري (١٥٦٦)، ومسلم (١٢٢٩) عَنْ حَفْصَةَ ﵃، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».
وروى البخاري (١٦٥١)، ومسلم (١٢١٥) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ».
стр. 4379
قُلْتُ: لو كان النحر جائزاً قبل يوم النحر لنحر وتحلل ولم يعتذر بسوق الهدي.
ويدل عليه أيضاً ما رواه البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١٢١١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا».
قُلْتُ: ولو كان نحر الهدي جائزاً قبل يوم النحر لأذن لهم بنحره وأن يتحللوا من عمرتهم.
ولأنَّ الله علق حل الحلق ببلوغ الهدي محله فقال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولو جاز النحر قبل يوم النحر لجاز الحلق قبل يوم النحر.
٢٢ - وفيه أنَّ التحلل التام إنَّما يكون بعد طواف الإفاضة.
قُلْتُ: وهذا التحلل الثاني، وأمَّا التحلل الأول فيبيح كل شيء إلَّا النساء، ويدل عليه ما رواه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ».
قُلْتُ: وظاهر هذا الحديث أنَّ التطيب كان بعد الحلق.
стр. 4380
والذي يدل عليه الحديث أنَّ التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة والحلق، وأمَّا الآخر فيحصل بمجموع الثلاثة، وهل يحصل التحلل الأول بالإفاضة مع الحلق، أو الرمي، فيه نظر، ويمكن أن يقال: كون الإفاضة يحصل بها التحلل التام فمن باب أولى أن يحصل بها التحلل الناقص إذا أضيفت مع الحلق، أو الرمي. وبه قال الشافعي، وأحمد.
والتحلل الأول: يكون باثنين من ثلاثة أنساك في يوم النحر وهي: رمي جمرة العقبة، والحلق، والطواف، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وذهب مالك وأحمد في رواية إلى أنَّه يحصل برمي جمرة العقبة.
والصحيح مذهب الجمهور للحديث السابق وهو ما رواه البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ».
وظاهر هذا الحديث أنَّ التطيب كان بعد الحلق، فإنَّه لو كان تحلل قبل الحلق لقالت: «ولحله قبل أن يحلق».
ولما رواه الحميدي في [مُسْنَدِه] (٢٢٣)، ومِنْ طَرِيْقِه الخطيب في [الْفَقِيْهِ وِالْمُتَفَقِهِ] (٣٧٢)، ورواه الشافعي في [الْمُسْنَد] (٧٧٩)، و [اخْتِلَافِ الْحَدِيْثِ] (١٧٢)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْمَعْرِفَةِ] (٢٧٨٧) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَرُبَّمَا، قَالَ: عَنْ أَبِيهِ، وَرُبَّمَا، قَالَ: قَالَ عُمَرُ:
стр. 4381
«إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ وَذَبَحْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وأمَّا ما رواه أحمد (٢٦١٢٠) حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمَ، يُخْبِرَانِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ لِحَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ: حِينَ أَحْرَمَ، وَحِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ».
قُلْتُ: وأصل الحديث رواه البخاري (٥٩٣٠)، ومسلم (١١٨٩) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، سَمِعَ عُرْوَةَ، وَالقَاسِمَ، يُخْبِرَانِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، لِلْحِلِّ وَالإِحْرَامِ».
رواية البخاري مِنْ طَرِيْقِ عثمان بن الهيثم عن ابن جريج.
ورواية مسلم مِنْ طَرِيْقِ محمد بن بكر بن عثمان البرساني عن ابن جريج.
وليس في حديثهما كما ترى ذكر جمرة العقبة.
وتابعهما محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، وحديثه رواه أحمد (٢٥٦٨٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٣٧٦).
هشام بن سليمان المخزومي عند أبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٢٦٥١).
стр. 4382
وسعيد بن سالم عند أبي عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٢٦٥١).
فهؤلاء خمسة من أصحاب ابن جريج خالفوا روح بن عبادة في ذكره لجمرة العقبة، وحديثهم هو المحفوظ، ولعله من أجل ذلك اقتصر الشيخان على أصل الحديث دون الزيادة، والله أعلم.
على أنَّ هذه الزيادة فيها: «وَحِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». وقبل الطواف في البيت يكون الحلق أو التقصير، فيحمل التطيب في هذا الحديث على ما بعد الحلق أو التقصير، إذ لو كان قبل ذلك لقالت: قبل أن يحلق. والله أعلم.
وهكذا ما رواه أحمد (٢٠٩٠)، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ». فَقَالَ رَجُلٌ: وَالطِّيبُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ» أَفَطِيبٌ ذَاكَ أَمْ لَا؟.
ورواه أحمد (٣٢٠٤)، وابن ماجة (٣٠٤١) مِنْ طَرِيْقِ وكيع، وعبد الرحمن بن مهدي وزاد ابن ماجة يحيى بن سعيد القطان جميعهم عن سفيان عن سلمة بن كهيل به موقوفاً على ابن عباس.
ورواه النسائي (٣٠٨٤) مِنْ طَرِيْقِ يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن سلمة بن كهيل به موقوفاً على ابن عباس.
стр. 4383
ورواه أحمد (٣٤٩١) مِنْ طَرِيْقِ يزيد بن هارون عن سفيان الثوري به موقوفاً.
ورواه الطبراني في [الْكَبِيْر] (١٢٥٣٧) مِنْ طَرِيْقِ محمد بن كثير العبدي عن سفيان وهو الثوري به موقوفاً.
ورواه أبو يعلى في [مُعْجَمِهِ] (٣٢٧) مِنْ طَرِيْقِ خالد بن الحارث بن عبيد عن سفيان الثوري به موقوفاً.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٤٠٣٩) مِنْ طَرِيْقِ أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد عن سفيان الثوري به موقوفاً.
والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٩٣٧٨) مِنْ طَرِيْقِ ابن وهب عن سفيان الثوري به موقوفاً.
قُلْتُ: هذا هو المحفوظ في حديث ابن عباس.
والموقوف لا يصح للانقطاع بين الحسن العرني وابن عباس. فإنَّه لم يسمع من ابن عباس كما قال ذلك الإمام أحمد، وقال أبو حاتم: لم يدركه.
٢٣ - وفيه تقديم الطواف بالبيت على السعي.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في تقديم السعي على الطواف فأجازه عطاء في أحد قوليه، وداود الظاهري، وأجازه أحمد في رواية في حق الناسي، ولم يصححه الجمهور.
стр. 4384
وحجة من أجاز ذلك ما رواه البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
قُلْتُ: ولا يصح الاحتجاج بذلك على صحة تقديم السعي على الطواف إلَّا بعد ثبوت أنَّ هناك من الصحابة من قدم في ذلك اليوم السعي على الطواف، وهذا مما لا ينقل من وجه يثبت.
وقول عبد الله بن عمرو: «فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ"». لا يدل على عموم جواز التقديم والتأخير في كل شيء، وإنَّما يدل على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يجيب من قدم أو أخر في ذلك اليوم بنفي الحرج، فهو مخصوص بالأشياء التي سئل عنها ولا يعم غيرها، وقد بينت تلك الأمور المسئول عنها في بعض الأحاديث، وهي تقديم الحلق على النحر، وتقديم النحر على الرمي، كما في هذا الحديث، وهكذا الرمي مساءً فيما ما رواه البخاري (١٧٣٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ» فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ
стр. 4385
قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».
وهذا يشعر أنَّه أخر الرمي إلى بعد انقضاء النحر، والحلق، والطواف، والسعي. والله أعلم.
وهكذا تقديم الطواف على الرمي فيما رواه الدارمي (١٨٧٩)، وابن حبان (٣٨٧٨) مِنْ طَرِيْقِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ رَمَى، ثُمَّ قَعَدَ لِلنَّاسِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ». ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طُفْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ: «لَا حَرَجَ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أبو داود (٢٠١٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ، فَمَنْ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا فَكَانَ يَقُولُ: «لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ، إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ
стр. 4386
وَهَلَكَ».
فظاهر إسناده الصحة، وجرير هو ابن عبد الحميد، والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان، وذكر السعي في هذا الحديث غير محفوظ، وهذه اللفظة لم يذكرها بعض الرواة عن زياد بن علاقة كمحمد بن جحادة، وحديثه عند ابن خزيمة في [صَحِيْحِهِ] (٢٩٥٥).
وقد جاء الحديث عن جماعة من الثقات رووا الحديث عن زياد بن علاقة، ولم يذكروا في حديثهم السعي ولا غيره، وإنَّما أوردوه بنحو: أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: «عِبَادَ اللَّهِ، وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ».
ومن هؤلاء:
١ - سفيان بن عيينة، وحديثه عند ابن ماجة (٣٤٣٦).
٢ - شعبة بن الحجاج، وحديثه عند أحمد (١٨٤٧٧).
٣ - مسعر بن كدام، وحديثه عند النسائي في [الْكُبْرَى] (٧٥٥٤).
٤ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، وحديثه عند الطيالسي (١٣٢٨).
٥ - مسلم بن إبراهيم الأزدي، وحديثه عند البغوي في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (١٤٧).
٦ - الأعمش، وحديثه رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٤٣٠).
стр. 4387
٧ - زهير بن معاوية الجعفي، وحديثه رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٤٣٠)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٦٩)، والبغوي في [شَرْحِ السُّنَّةِ] (٣٢٢٦)، وابن الجعد في [مُسْنَدِه] (٢٥٨٦).
٨ - وأبو حمزة محمد بن ميمون السكري، وحديثه رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٤٣٠).
٩ - وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وحديثه رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٤٣٠)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٦٩).
١٠ - المطلب بن زيادة، وحديثه رواه الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٤٣٠).
١١ - أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وحديثه عند البخاري في [الْأِدَبِ الْمُفْرَدِ] (٢٩١)، والطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٦٧).
١٢ - سماك بن حرب، وحديثه عند والطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٧٩).
١٣ - علقمة بن مرثد، وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٨١).
١٤ - يحيى بن أيوب، وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٨٢).
١٥ - مالك بن مغول، وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٨٤)، و [الصَّغِيْرِ] (٥٥٩).
١٦ - شيبان بن عبد الرحمن، وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٨٥).
١٧ - محمد بن قيس، وحديثه عند الطبراني في [الْكَبِيْر] (٤٨٧)، وأبي
стр. 4388
نعيم في [مُعْجَمِ الْصَحَابَةِ] (٢٥٨٦).
وخالف جريراً أسباط بن محمد، فروى عن الشيباني، ولم يذكر في حديثه السعي، وحديثه عند ابن أبي عاصم في [الآحَادِ وَالْمَثَانِي] (١٤٦٩)، والطبري في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (٢٢٦٧)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٤٠٧٤)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٥١٩٧، ٣٧٢٩٨)، و [مُسْنَدِه] (٧٨٣).
قال الحافظ الدارقطني ﵀ في [سُنَنِه] (٣/ ٢٨٢/ رقم ٢٥٦٥):
«لم يقل سعيت قبل أن أطوف إلَّا جرير عن الشيباني» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ٢٥٩):
«وقوله: سعيت قبل أن أطوف، في هذا الحديث ليس بمحفوظ. والمحفوظ: تقديم الرمي، والنحر، والحلق بعضها على بعض» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِي ﵀ فِي [السَّيْلِ] (ص: ٣٢٦)
«وأمَّا ما وقع في حديث أسامة عند أبي داود بلفظ: "سعيت قبل أن أطوف"، فقد قال الحفاظ: إنَّه ليس بمحفوظ» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي يظهر لي أنَّ هذه اللفظة ليست بمحفوظة في الحديث. والله أعلم.
والذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم صحة تقديم السعي على الطواف. والله أعلم.
стр. 4389
وهناك من تأول ذلك على معنى تقديم السعي بعد طواف القدوم على طواف الإفاضة أي أنَّه لم يؤخر السعي إلى بعد طواف الإفاضة وإنَّما قدمه بعد طواف القدوم وهذا مشروع للمفرد والقارن.
وتأوله بذلك الخطابي وغيره.
٢٤ - وفيه البداءة بالصفا عند السعي.
قُلْتُ: فلو بدأ بالمروة لم يجزئ ذلك الشوط له حتى يصل إلى الصفاء فيبتدئ في حقه الشوط منه، ولا يحسب ما قبل ذلك، وقد اتفق على ذلك الأئمة الأربعة.
* * *
стр. 4390
٢٢٧ - عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ فَقَالَ؟: «إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان قارناً، والأدلة في إثبات ذلك متكاثرة، ومن أحسن من قرر هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله في مصنفاتهما.
٢ - أنَّ من ساق الهدي يحرم عليه التحلل من عمرته قبل يوم النحر.
٣ - استحباب تلبيد الرأس للمحرم القارن من أجل تأخر زمن التحلل، واستحب التلبيد للحفاظ على الشعر من الأوساخ والقمل.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٣٦٠) -في معنى التلبيد-: «هو جمع الشعر في الرأس بما يلزق بعضه ببعض كالخطمي والصمغ لئلا يتشعث ويقمل في الإحرام» اهـ.
٤ - استحباب تقليد الهدي حتى يتميز عن غيره إذا اختلط به، وحتى يرد إن فقد.
قُلْتُ: ويجوز التقليد بالنعال وغيرها، وقد روى مسلم (١٢٤٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ،
стр. 4391
ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ».
وروى البخاري (١٧٠٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، قَالَ: «ارْكَبْهَا» قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا، يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا.
ويجوز التقليد أيضاً بالعهن، لما رواه البخاري (١٧٠٥)، ومسلم (١٣٢١) عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي».
وهذا في هديه الذي أرسله ﵊ من المدينة إلى مكة وهو حلال في المدينة، ويدل على رواية مسلم: «أَنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَأَصْبَحَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَلَالًا، يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ يَأْتِي مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ».
وفي رواية للبخاري (١٦٩٩)، ومسلم (١٣٢١) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا، أَوْ قَلَّدْتُهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى البَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ».
٥ - مشروعية التحلل من العمرة لمن لم يسق الهدي.
٦ - وفيه أنَّ نحر الهدي لا يكون إلَّا في يوم النحر، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخبر أنَّه لا يحل حتى ينحر، ومعلوم أنَّ الإحلال إنَّما يكون في يوم النحر،
стр. 4392
فلازم ذلك أنَّ نحر الهدي إنَّما يكون في يوم النحر، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء خلافاً للشافعي فإنَّه أجاز نحر الهدي قبل ذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [شَرْحِ الْعُمْدَةِ] (٣/ ٣٣١ - ٣٣٢):
«وذكر بعض أصحابنا رواية أنَّه إذا قدم قبل العشر جاز أن يذبحه قبله وإن قدم فيه لم يذبحه إلى يوم النحر.
وهذه الحكاية غلط فإنَّه من لم يسق الهدي لم يختلف أنَّه لا يذبح إلى يوم النحر ومن ساقه فقد اختلف عنه فيه لكن الخلاف هو في جواز نحر الهدي المسوق وفي تحلل المحرم، أمَّا الهدي الواجب بالمتعة فلا بل عليه أن ينحره يوم النحر. قال في رواية يوسف بن موسى فيمن قدم متمتعاً وساق الهدي فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل وعليه هدي آخر وإذا قدم في العشر أقام على إحرامه ولم يحل.
قال القاضي: فقد نص على أنَّه إذا نحر قبل العشر كان عليه هدي آخر يعني في يوم النحر ولم يعتد بما ذبح قبله.
لأنَّ الله يقول: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ﴾ وما بعد الغاية يخالف ما قبلها فاقتضى ذلك أنَّ بعد بلوغ الهدي محله يجوز الحلق والحلق إنَّما يجوز يوم النحر فعلم أنَّ الهدي إنَّما يبلغ محله يوم النحر. والآية عامة في هدي المحصر وغيره لعموم لفظها وحكمها» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبق الكلام على هذه المسألة في شرح الحديث الماضي.
* * *
стр. 4393
٢٢٨ - عَنْ عُمَرَان بن حصين ﵁، قَالَ: «أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ».
قَالَ الْبُخَارِيُّ يُقَالُ: «إنَّهُ عُمَرُ».
وَلِمُسْلِمٍ: «نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ - يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ». وَلَهُمَا بِمَعْنَاهُ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب حج التمتع.
٢ - أنَّ حج التمتع من الأحكام المحكمة التي لم تنسخ.
٣ - وفيه جواز نسخ القرآن بالقرآن.
٤ - وفيه أنَّ عمران ممن يرى جواز نسخ القرآن بالسنة لقوله: «وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ»، وفي ذلك نزاع بين أهل العلم.
стр. 4394
ومن منع من ذلك احتج بقول الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾. وهذا مذهب الشافعي وأحمد في أصح الروايتين، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية.
قُلْتُ: وما قالوه هو ظاهر القرآن، فإنَّ قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي بآية خير منها، ولو أراد الحكم لقال: "منه"، أو "مثله". ولأنَّ السنة ليست خيراً من القرآن ولا مثله.
٥ - وفيه جواز الإنكار على الفضلاء.
* * *
стр. 4395
بُابُ: الْهَدْيِّ.
٢٢٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَشْعَرْتُهَا وَقَلَّدَهَا - أَوْ قَلَّدْتُهَا - ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ. وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حَلَالًا».
قولها: «فَتَلْتُ» أي ظفرت.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب تقليد الهدي.
قُلْتُ: وخص ذلك أبو حنيفة ومالك بالإبل والبقر دون الغنم، والصحيح عدم الاختصاص لما رواه البخاري (١٧٠٢)، ومسلم (١٣٢١) عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «كُنْتُ أَفْتِلُ القَلَائِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَيُقَلِّدُ الغَنَمَ، وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا».
قُلْتُ: وبهذا قال الشافعي وأحمد من الأئمة الأربعة.
٢ - استحباب إشعار الهدي وصفته أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل الدم ثم يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هدياً. وقد استحب ذلك الجمهور خلافاً لأبي حنيفة، ويروى ذلك أيضاً عن إبراهيم النخعي.
قُلْتُ: وهذا الإشعار مختص بالإبل والبقر دون الغنم.
стр. 4396
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٣٤٥):
«ففي هذا الحديث استحباب الإشعار والتقليد في الهدايا من الإبل، وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. وقال أبو حنيفة: الإشعار بدعة لأنَّه مثلة، وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار. وأمَّا قوله: إنَّه مثلة فليس كذلك، بل هذا كالفصد والحجامة والختان والكي والوسم.
وأمَّا محل الإشعار فمذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنَّه يستحب الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك: في اليسرى، وهذا الحديث يرد عليه.
وأمَّا تقليد الغنم فهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة من السلف والخلف إلَّا مالكاً فإنَّه لا يقول بتقليدها. قال القاضي عياض: ولعله لم يبلغه الحديث الثابت في ذلك.
قُلْتُ: قد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة بالتقليد فهي حجة صريحة في الرد على من خالفها. واتفقوا على أنَّ الغنم لا تشعر لضعفها عن الجرح، ولأنَّه يستتر بالصوف.
وأمَّا البقرة فيستحب عند الشافعي وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليد كالإبل.
وفي هذا الحديث استحباب تقليد الإبل بنعلين، وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة، فإن قلدها بغير ذلك من جلود أو خيوط مفتولة ونحوها فلا بأس» اهـ.
стр. 4397
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥٤٥):
«اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل إلَّا سعيد بن جبير، واتفقوا على أنَّ الغنم لا تشعر لضعفها، ولكون صوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأمَّا على ما نقل عن مالك فلكونها ليست ذات أسنمة والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولهذا ذهب الإمام مالك ﵀ إلى عدم إشعار البقر التي لا سنام لها.
والسنة في إشعار الهدي أن يكون في جانب السنام الأيمن، لما رواه مسلم (١٢٤٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ».
قُلْتُ: وبهذا قال الجمهور، واستحب ابن عمر، ومالك، وأبو يوسف أن يكون الإشعار في الجانب الأيسر، والسنة ترد عليهم.
وإذا استقبل به القبلة، وسمى وكبر عند إشعاره لهديه فلا بأس بذلك، فقد صح ذلك عَنِ ابْنِ عُمَرَ فيما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٤٠٠) حَدَّثَنَا نَافِعٌ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ " يُشْعِرُ بَدَنَتَهُ فِي الشِّقِّ الأَيْسَرِ إِلا أَنْ تَكُونَ صِعَابًا مُقَرَّنَةً، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهَا أَشْعَرَ مِنَ الشِّقِّ الأَيْمَنِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُشْعِرَهَا وَجَّهَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَشْعَرَهَا، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَكَانَ يُشْعِرُهَا بِيَدِهِ وَيَنْحَرُهَا بِيَدِهِ قِيَامًا».
стр. 4398
٣ - وفيه أنَّ من أراد إرسال الهدي من بلده يستحب له تقليده وإشعاره من بلده.
قُلْتُ: وأمَّا من أراد النسك فيستحب له ذلك من الميقات، كما يدل عليه حديث ابن عباس الماضي.
٤ - استحباب إرسال الهدي إلى مكة، ولو لم يكن الشخص محرماً.
٥ - أنَّ من بعث بهديه إلى مكة، لا يصير بهذا الإرسال محرماً، وبهذا قال أكثر العلماء، وخالف في ذلك ابن عباس ﵁، وابن عمر، وعطاء، وسعيد بن جبير فذهبوا إلى أنَّ من بعث بهدى إلى الكعبة، لزمه إذا قلده: الإحرام، وتجنُّب كل ما يتجنب الحاج حتى ينحر هديه.
وقد روى البخاري (١٧٠٠)، ومسلم (١٣٢١) مِنْ طَرِيْقِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ، قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ».
هذه رواية مسلم، وفي رواية البخاري: أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂.
стр. 4399
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٧٢١) قَالَ: ثنا الثَّقَفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ فِي زَمَانِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مُتَجَرِّدًا عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ، فَسَأَلَ النَّاسَ عَنْهُ، فَقَالُوا: إِنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ، فَلِذَلِكَ تَجَرَّدَ، فَلَقِيتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. والثقفي هو عبد الوهاب بن عبد المجيد.
ورواه مالك في [الْمُوَطَّأ] (١٢٣١) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مُتَجَرِّدًا بِالْعِرَاقِ فَسَأَلَ النَّاسَ عَنْهُ. فَقَالُوا: إِنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ، فَلِذَلِكَ تَجَرَّدَ. قَالَ رَبِيعَةُ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: «بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ».
قُلْتُ: ولم يسم في روايته ابن عباس، وسمي في رواية الثقفي، وهكذا في رواية عبد الله بن عبد الله بن أويس عند البخاري في [التَّارِيْخِ الْكَبِيْرِ] (٣٧١٠).
لكن يشكل على ذلك ما رواه أحمد (١٤٧٧٦)، والنسائي (٢٧٩٢) من طريق اللَّيْثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا كَانُوا حَاضِرِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، بَعَثَ بِالْهَدْيِ، فَمَنْ شَاءَ أَحْرَمَ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. فقد يفهم منه أنَّ من بعث الهدي له أن يحرم وإن كان مقيمًا في بلده.
стр. 4400
لَكِنْ قَالَ فِي [طَرْحِ التَّثْرِيْبِ] (٥/ ١٥٥):
«وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُمْ حُكْمُ الْإِحْرَامِ بِبَعْثِ الْهَدْيِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ عَزَمَهُ الْحَجُّ تِلْكَ السَّنَةَ وَإِنَّ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ الْهَدْيَ مَعَهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ يُحْرِمُ بِمُجَرَّدِ بَعْثِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ الْإِحْرَامَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَيُؤَخِّرُهُ إلَى الْمِيقَاتِ؛ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ بَوَّبَ عَلَيْهِ "ذِكْرُ الْإِبَاحَةِ لِلْحَاجِّ، بَعْثُ الْهَدْيِ وَسَوْقُهَا مِنْ الْمَدِينَةِ" فَلَمَّا عَبَّرَ فِي تَبْوِيبِهِ بِالْحَاجِّ عَلِمْنَا أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ بَعْثَ الْهَدْيِ الْمَذْكُورِ كَانَ مِمَّنْ عَزَمَهُ الْحَجُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
٦ - وفيه خدمة أزواج النبي ﷺ له، وعملهن بأيديهن.
٧ - وفيه جواز الوكالة في البَدَن. ولا خلاف في جواز ذلك كما قاله ابن بطال.
٨ - واحتج به الشافعي على حمل حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا». رواه مسلم (١٩٧٧)، على كراهة التنزيه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٤٧٢):
«قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنَّه لا يحرم ذلك وحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه» اهـ.
قُلْتُ: وقد رد على هذا الاحتجاج الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فَقَالَ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٤٨ - ٤٩): «وأمَّا حديث عائشة فهو إنَّما يدل على أنَّ من بعث بهديه وأقام في أهله فإنَّه يقيم حلالاً، ولا يكون محرماً بإرسال الهدي، رداً على من قال
стр. 4401
من السلف: يكون بذلك محرماً، ولهذا روت عائشة لما حكي لها هذا الحديث. وحديث أم سلمة يدل على أنَّ من أراد أن يضحي أمسك في العشر عن أخذ شعره وظفره خاصة، فأي منافاة بينهما؟ ولهذا كان أحمد وغيره يعمل بكلا الحديثين: هذا في موضعه، وهذا في موضعه. وقد سأل الإمام أحمد أو غيره عبد الرحمن بن مهدي عن هذين الحديثين؟ فقال: هذا له وجه، وهذا له وجه. ولو قدر بطريق الفرض تعارضهما لكان حديث أم سلمة خاصاً، وحديث عائشة عاماً. ويجب تنزيل العام على ما عدا مدلول الخاص، توفيقاً بين الأدلة. ويجب حمل حديث عائشة على ما عدا ما دل عليه حديث أم سلمة، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن ليفعل ما نهى عنه، وإن كان مكروهاً. وأيضاً: فعائشة إنَّما تعلم ظاهر ما يباشرها به، أو يفعله ظاهراً من اللباس والطيب. وأمَّا ما يفعله نادراً، كقص الشعر وتقليم الظفر، مما لا يفعل في الأيام العديدة إلَّا مرة. فهي لم تخبر بوقوعه منه في عشر ذي الحجة، وإنَّما قالت: "لم يحرم عليه شيء". وهذا غايته: أن يكون شهادة على نفي، فلا يعارض حديث أم سلمة. والظاهر: أنَّها لم ترد ذلك بحديثها، وما كان كذلك فاحتمال تخصيصه قريب، فيكفي فيه أدنى دليل. وخبر أم سلمة صريح في النهي، فلا يجوز تعطيله أيضاً. فأم سلمة تخبر عن قوله وشرعه لأمته فيجب امتثاله. وعائشة تخبر عن نفي مستند إلى رؤيتها وهي إنَّما رأت أنَّه لا يصير
стр. 4402
بذلك محرماً، يحرم عليه ما يحرم على المحرم. ولم تخبر عن قوله: إنَّه لا يحرم على أحدكم بذلك شيء. وهذا لا يعارض صريح لفظه» اهـ.
قُلْتُ: وجاء الحديث في رواية لمسلم (١٣٢١) عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: «أَنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَأَصْبَحَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَلَالًا، يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ يَأْتِي مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ».
وجاء عند البخاري (٥٥٦٦) عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَجُلًا يَبْعَثُ بِالهَدْيِ إِلَى الكَعْبَةِ وَيَجْلِسُ فِي المِصْرِ، فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ، فَلَا يَزَالُ مِنْ ذَلِكِ اليَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ، قَالَ: فَسَمِعْتُ تَصْفِيقَهَا مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ، فَقَالَتْ: «لَقَدْ كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إِلَى الكَعْبَةِ، فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِمَّا حَلَّ لِلرِّجَالِ مِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ».
ورواه أبو يعلى في [مُسْنَدِهِ] (٤٣٩٤)، والبيهقي في [الْكُبْرِى] (١٠١٨٩) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إِنْ كُنْتُ لَأَفْتِلُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ وَهُوَ مُقِيمٌ عِنْدَنَا لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ»، بَلَغَنَا أَنَّ زِيَادًا بَعَثَ بِهَدْيٍ، وَتَجَرَّدَ، فَقَالَتْ: «وَهَلْ كَانَتْ لَهُ كَعْبَةٌ يَطُوفُ بِهَا حِينَ لَبِسَ الثِّيَابَ؟ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الثِّيَابُ ثُمَّ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
стр. 4403
وهذا يدل على أنَّها أرادت أنَّه لم يمتنع من النساء ولبس المخيط وغيرها من الأمور التي يختص بتركها المحرم، وأمَّا المنع الأخذ من الشعر والأظفار فلا يختص به من كان محرماً فلم يدخل ذلك في كلامها.
قُلْتُ: وكان إرسال النبي ﷺ للهدي مع أبي بكر الصديق ﵁ في السنة التاسعة حين حج الصديق قبل حجة الوداع.
ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٣١٧)، ومسلم (١٣٢١) عَنْ عَائِشَةُ ﵂: «أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ».
قُلْتُ: وسوق الهدي يكون للحاج والمعتمر وغيرهما، وقد فعل ذلك النبي ﷺ جميعاً، فساق الهدي في حجة الوداع، وفي عمرة الحديبية، وساقه وهو مقيم في المدينة.
* * *
стр. 4404
٢٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً غَنَماً».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - فيه مشروعية إهداء الغنم.
٢ - وفيه تسمية الغنم هدياً خلافاً من أبى ذلك من أهل العراق.
* * *
стр. 4405
٢٣١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا". قَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: "ارْكَبْهَا". فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا، يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ ».
وَفِي لَفْظٍ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ الثَّالِثَةِ: «ارْكَبْهَا. وَيْلَكَ، أَوْ وَيْحَكَ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز ركوب الهدي لمن ليس له ظهر غيره. فإذا كان معه غيره فلا يجوز له ركوبه، وهكذا إذا وجد غيره ترك ركوبه، ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٣٢٤) عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ، فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا».
قُلْتُ: وقد احتج من أجاز الانتفاع بالهدي بالركوب، واللبن، ومن منع من ذلك أيضاً بقول الله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ [الحج: ٣٣]. وذلك أنَّ من منع من الانتفاع بها فسر أول الآية، وهو قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ببهيمة الأنعام قبل أن تكون هدياً، والأجل المسمى هو وقت إيجابها هدياً، والمعنى أنَّ الله أحل لنا الانتفاع ببهيمة الأنعام إلى وقت أن نوجبها هدياً، فإذا أوجبناها هدياً حرم علينا الانتفاع بها.
стр. 4406
وأمَّا من أحل الانتفاع بها ففسر أول الآية بالهدي، والأجل المسمى بوقت نحرها، والمعنى أنَّ الله أحل لنا الانتفاع بالهدي إلى وقت نحره.
قُلْتُ: التأويل الأول هو الأرجح عندي لأمرين:
الأول: أنَّه جاء عن بعض الصحابة كابن عباس، وأمَّا الآخر فلم يأت عن صحابي فيما أعلم.
الآخر: أنَّ تفسير من فسر الأجل المسمى بوقت النحر يشكل عليه قوله بعد ذلك: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾، وظاهر العطف أنَّ محلها بعد الأجل المسمى يكون إلى البيت العتيق، فلا يستقيم أن يقال: إنَّ محلها بعد أن تنحر إلى البيت العتيق، لكن على التفسير الذي اخترناه يصير معنى الآية أنَّ محلها بعد إيجابها هدياً إلى البيت العتيق، وهذا لا إشكال فيه كما ترى.
فبناءً على ذلك فإنَّ الآية تدل على منع الانتفاع بالهدي بعد إيجابه، ويستثنى من ذلك إذا دعت الضرورة إلى الانتفاع به أو الحاجة كما تدل على ذلك السنة، والله أعلم.
وبهذا التفصيل في ركوب الهدي قال الجمهور. وأجاز الركوب مطلقاً أحمد في إحدى الروايتين، وإسحاق، وأهل الظاهر.
٢ - الإغلاظ على من تردد بامتثال الأمر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ١٣٨):
стр. 4407
«و"الويل": الهلكة. فقوله: "ويلك"؛ أي: أشرفت على الهلاك لما رأى ﷺ عليه من الشدَّة. وقيل: إنَّ هذه الكلمة مما تدعم فيها العرب كلامها. كقولهم: لا أمَّ له ولا أب. وتربت يمينك. ومن ذلك: قوله: "ويل أمه مِسعَرُ حرب "» اهـ.
قُلْتُ: والمعنى أنَّهم يتلفظون بها ولا يقصدون حقيقة معناها.
٣ - ويؤخذ منه جواز انتفاع الواقف بوقفه العام للمسلمين.
* * *
стр. 4408
٢٣٢ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا».
وَقَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥٣):
«قال أهل اللغة: سميت البدنة لعظمها، ويطلق على الذكر والأنثى، ويطلق على الإبل والبقر والغنم، هذا قول أكثر أهل اللغة، ولكن معظم استعمالها في الأحاديث وكتب الفقه، في الإبل خاصة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز الوكالة بالقيام بأمور الهدي من النحر وغيره.
٢ - أنَّ لحم الهدي وأجلتها - وهي ما يوضع على ظهرها من الكساء ونحوه - يتصدق بها ولا يجوز بيعها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥٣):
«ومذهبنا أنَّه لا يجوز بيع جلد الهدي ولا الأضحية ولا شيء من أجزائهما؛ لأنَّها لا ينتفع بها في البيت ولا بغيره، سواء كانا تطوعاً أو واجبتين، لكن إن كانا تطوعاً فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس وغيره، ولا يجوز إعطاء الجزار منها شيئاً بسبب
стр. 4409
جزارته، هذا مذهبنا وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق، وحكى ابن المنذر عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأحمد وإسحاق: أنَّه لا بأس ببيع جلد هديه، ويتصدق بثمنه، قال: ورخص في بيعه أبو ثور، وقال النخعي والأوزاعي: لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها، وقال الحسن البصري: يجوز أن يعطي الجزار جلدها، وهذا منابذ للسنة. والله أعلم» اهـ.
٣ - لا يجوز إعطاء الجزار شيئاً من الهدي من باب الأجرة، ويجوز من باب الهدية بعد الاتفاق على الأجرة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ١٣٢):
«وكان الحسن البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير لا يريان بأساً أن يعطى الجزار الجلد» اهـ.
٤ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٠/ ١٣٣):
«وفيه دليل على تجليل البدن. وهو ما مضى عليه عمل السلف، ورآه أئمة العلماء: مالك، والشافعي، وغيرهما. وذلك بعد إشعار الهدي؛ لئلا تتلطَّخ الجلال. وهي على قدر سعة المهدي؛ لأنَّها تطوع غير لازم، ولا محدود. قال ابن حبيب: منهم من كان يُجلِّل الوَشْيُ، ومنهم من يُجلَّل الحبر، والقباطي، والملاحف، والأُزُر. وتجليلها: ترفيه لها، وصيانة، وتعظيم لحرمات الله، ومباهاة على الأعداء من المخالفين، والمنافقين» اهـ.
стр. 4410
وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٤/ ٤٥٣):
«قال القاضي: التجليل سنة، وهو عند العلماء مختص بالإبل، وهو مما اشتهر من عمل السلف، قال: وممن رآه مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق. قالوا: ويكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، قالوا ويستحب أن تكون قيمتها ونفاستها بحسب حال المهدي، وكان بعض السلف يجلل بالوشي، وبعضهم بالحبرة، وبعضهم بالقباطي والملاحف والأزر» اهـ.
٥ - جواز الاستئجار على النحر.
* * *
стр. 4411
٢٣٣ - عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ، فَنَحَرَهَا. فَقَالَ: «ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب نحر الإبل وهي قائمة معقولة الرجل اليسرى، ويدل على ذلك أيضاً قول الله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
قُلْتُ: وقد سوى بين القيام والبروك أبو حنيفة والثوري، شذ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة معقولة. وهم محجوجون بالسنة.
٢ - الإنكار على من خالف السنة، وإن لم تكن من الواجبات.
* * *
стр. 4412
بابُ: الغُسْلِ للمُحْرِمِ.
٢٣٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ رَأْسَهُ. قَالَ: فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ. فَسَلَّمْت عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ، حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ. ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ: اُصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ. ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَالَ الْمِسْوَرُ لابْنِ عَبَّاسٍ: لا أُمَارِيكَ أَبَداً».
القرنانِ: العمودان اللذان تُشَدُّ فيهما الخشبة التي تُعَلَّقُ عليها بكرةُ البئرِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٣):
«قَوْلُهُ بِالْأَبْوَاءِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمَدِّ جَبَلٌ مِنْ عَمَلِ الْفُرُعِ بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ قِيلَ سُمِّيَ الْأَبْوَاءُ لِوَبَائِهِ عَلَى الْقَلْبِ وَقِيلَ لِأَنَّ السُّيُول تتبوؤه أَي تحمله» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
стр. 4413
١ - مشروعية غسل المحرم رأسه، والحديث وارد في غير الاغتسال الواجب كالجنابة والحيض والنفاس، فإنَّ هذا مما لا يتصور أن يقع فيه النزاع، وإنَّما هو وارد في الاغتسال للتنظف، أو التبرد ونحو ذلك.
وقد أجاز ذلك الجمهور، وكرهه الإمام مالك، وإمَّا إذا كان بخطمي وسدر ونحو ذلك فالجمهور على كراهته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٢٣):
«فصل: ويكره له غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما؛ لما فيه من إزالة الشعث، والتعرض لقلع الشعر.
وكرهه جابر بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. فإن فعل فلا فدية عليه.
وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وعن أحمد: عليه الفدية. وبه قال مالك، وأبو حنيفة» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح جواز ذلك لعدم النهي عنه، ولما رواه البخاري (١٢٦٦)، ومسلم (١٢٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
стр. 4414
والشاهد من ذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر بغسل الميت المحرم بالماء والسدر، مع أنَّه نهى أن يفعل به ما يمنع منه المحرم، فدلَّ ذلك أنَّ الاغتسال بالسدر مما لا يُنهى عنه المحرم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٥١٣):
«قال ابن المنذر: وذلك جائز؛ لأنَّ الرسول ﷺ أمرهم أن يغسلوا الميت المحرم بماء وسدر، وأمرهم أن يجنبوه ما يجتنب الحي، فدل ذلك على إباحة غسل رأس المحرم بالسدر، والخطمي في معناه» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٥٦):
«وكأنَّه خص الرأس بالسؤال لأنَّها موضع الإشكال في هذه المسألة لأنَّها محل الشعر الذي يخشى انتتافه بخلاف بقية البدن غالباً» اهـ.
٢ - وفيه مشروعية المماراة لاستخراج الحق، وإنَّما المذموم من ذلك ما أريد به المغالبة، أو كان في الباطل.
قُلْتُ: وأصل المراء الاستخراج مأخوذ من قولهم: مريت الناقة إذا مسحت ضرعها لتدر. وأطلق ذلك في المجادلة لأنَّ كلاً من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجة.
٣ - توكيل الشخص غيره في السؤال على العلم.
٤ - الاستتار عند الاغتسال.
٥ - مشروعية الاغتسال في الخلاء.
стр. 4415
٦ - الاستعانة بالغير في صب ماء الغسل.
٧ - استحباب الإقبال والإدبار في غسل الرأس.
٩ - استحباب دلك البدن في الاغتسال. وقد أوجبه الإمام مالك، والجمهور على استحبابه وهو الصحيح لعدم الأمر به، ولأنَّ الغسل يطلق على مجرد مرور الماء في البدن فإنَّه يقال: غسل الإناء وإن لم يمر يده عليه، ويسمى السيل الكبير غاسولاً لغسله الأرض.
ولما رواه مسلم (٣٣٠) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». ولم يأمرها بالتدلك، وفي الباب أدلة أخرى.
١٠ - وفيه السلام على المغتسل.
١١ - وفيه مشروعية الكلام عند الاغتسال.
١٢ - وفيه التعليم بالفعل.
١٣ - وفيه بيان لنبوغ ابن عباس ﵁ في العلم.
١٤ - وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، فإنَّ ابن عباس والمسور أخذا هذه السنة مِنْ طَرِيْقِ تابعي وهو عبد الله بن حنين.
١٥ - وفيه العمل بأخبار الآحاد.
следующие страницы →