Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
٢٣٣ - عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ، فَنَحَرَهَا. فَقَالَ: «ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب نحر الإبل وهي قائمة معقولة الرجل اليسرى، ويدل على ذلك أيضاً قول الله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
قُلْتُ: وقد سوى بين القيام والبروك أبو حنيفة والثوري، شذ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة معقولة. وهم محجوجون بالسنة.
٢ - الإنكار على من خالف السنة، وإن لم تكن من الواجبات.
* * *
стр. 4412
بابُ: الغُسْلِ للمُحْرِمِ.
٢٣٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ رَأْسَهُ. قَالَ: فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ. فَسَلَّمْت عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ، حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ. ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ: اُصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ. ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَالَ الْمِسْوَرُ لابْنِ عَبَّاسٍ: لا أُمَارِيكَ أَبَداً».
القرنانِ: العمودان اللذان تُشَدُّ فيهما الخشبة التي تُعَلَّقُ عليها بكرةُ البئرِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٣):
«قَوْلُهُ بِالْأَبْوَاءِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمَدِّ جَبَلٌ مِنْ عَمَلِ الْفُرُعِ بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ قِيلَ سُمِّيَ الْأَبْوَاءُ لِوَبَائِهِ عَلَى الْقَلْبِ وَقِيلَ لِأَنَّ السُّيُول تتبوؤه أَي تحمله» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
стр. 4413
١ - مشروعية غسل المحرم رأسه، والحديث وارد في غير الاغتسال الواجب كالجنابة والحيض والنفاس، فإنَّ هذا مما لا يتصور أن يقع فيه النزاع، وإنَّما هو وارد في الاغتسال للتنظف، أو التبرد ونحو ذلك.
وقد أجاز ذلك الجمهور، وكرهه الإمام مالك، وإمَّا إذا كان بخطمي وسدر ونحو ذلك فالجمهور على كراهته.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٢٣):
«فصل: ويكره له غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما؛ لما فيه من إزالة الشعث، والتعرض لقلع الشعر.
وكرهه جابر بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. فإن فعل فلا فدية عليه.
وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. وعن أحمد: عليه الفدية. وبه قال مالك، وأبو حنيفة» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح جواز ذلك لعدم النهي عنه، ولما رواه البخاري (١٢٦٦)، ومسلم (١٢٠٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
стр. 4414
والشاهد من ذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر بغسل الميت المحرم بالماء والسدر، مع أنَّه نهى أن يفعل به ما يمنع منه المحرم، فدلَّ ذلك أنَّ الاغتسال بالسدر مما لا يُنهى عنه المحرم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٥١٣):
«قال ابن المنذر: وذلك جائز؛ لأنَّ الرسول ﷺ أمرهم أن يغسلوا الميت المحرم بماء وسدر، وأمرهم أن يجنبوه ما يجتنب الحي، فدل ذلك على إباحة غسل رأس المحرم بالسدر، والخطمي في معناه» اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٥٦):
«وكأنَّه خص الرأس بالسؤال لأنَّها موضع الإشكال في هذه المسألة لأنَّها محل الشعر الذي يخشى انتتافه بخلاف بقية البدن غالباً» اهـ.
٢ - وفيه مشروعية المماراة لاستخراج الحق، وإنَّما المذموم من ذلك ما أريد به المغالبة، أو كان في الباطل.
قُلْتُ: وأصل المراء الاستخراج مأخوذ من قولهم: مريت الناقة إذا مسحت ضرعها لتدر. وأطلق ذلك في المجادلة لأنَّ كلاً من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجة.
٣ - توكيل الشخص غيره في السؤال على العلم.
٤ - الاستتار عند الاغتسال.
٥ - مشروعية الاغتسال في الخلاء.
стр. 4415
٦ - الاستعانة بالغير في صب ماء الغسل.
٧ - استحباب الإقبال والإدبار في غسل الرأس.
٩ - استحباب دلك البدن في الاغتسال. وقد أوجبه الإمام مالك، والجمهور على استحبابه وهو الصحيح لعدم الأمر به، ولأنَّ الغسل يطلق على مجرد مرور الماء في البدن فإنَّه يقال: غسل الإناء وإن لم يمر يده عليه، ويسمى السيل الكبير غاسولاً لغسله الأرض.
ولما رواه مسلم (٣٣٠) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». ولم يأمرها بالتدلك، وفي الباب أدلة أخرى.
١٠ - وفيه السلام على المغتسل.
١١ - وفيه مشروعية الكلام عند الاغتسال.
١٢ - وفيه التعليم بالفعل.
١٣ - وفيه بيان لنبوغ ابن عباس ﵁ في العلم.
١٤ - وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، فإنَّ ابن عباس والمسور أخذا هذه السنة مِنْ طَرِيْقِ تابعي وهو عبد الله بن حنين.
١٥ - وفيه العمل بأخبار الآحاد.
стр. 4416
١٦ - وفيه الرجوع عند التنازع إلى من يظن عنده العلم في المسألة المتنازع فيها.
١٧ - الاستسلام للنص عند ظهوره، وعدم دفعه بالتأويلات الباطلة.
١٨ - مشروعية أن يقول: أنا مع إضافة اسمه إليها.
١٩ - وفيه إبطال للحديث الموضوع: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم».
إذ ولو كانوا كالنجوم في آرائهم واجتهادهم لقال ابن عباس للمسور أنت نجم وأنا نجم فلا عليك أن تبقى على رأيك، وأنا على رأيي وبأينا اقتدى في قوله فقد اهتدى ولما احتاج إلى طلب البينة من السنة على صحة قوله.
* * *
стр. 4417
بابُ: فَسْخِ الحجِّ إِلى العُمْرَةِ.
٢٣٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيُّ ﵁ مِنْ الْيَمَنِ. فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأَمَرِ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ: أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَيَطُوفُوا ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى مِنىً وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ. وَحَاضَتْ عَائِشَةُ. فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَنْطَلِقُونَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ».
قُلْتُ: قد كان الهدي مع غير طلحة بن عبيد الله فروى مسلم (١٢١١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ فَطَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟». فَقُلْتُ: وَاللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ، قَالَ:
стр. 4418
«مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً». فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، قَالَتْ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَذَوِي الْيَسَارَةِ … الحديث.
وفي رواية للبخاري (١٧٨٨)، ومسلم (١٢١١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا سَرِفَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَا». وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الهَدْيُ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً … الحديث.
قُلْتُ: وهذا محمول على أنَّ كلًا منهما أخبر بما يعلم.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب حج التمتع.
٢ - استحباب فسخ الحج إلى عمرة لمن لم يسق الهدي، وقد مضت هذه المسألة.
٣ - جواز تعليق الإهلال على إهلال الغير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٣٩٥): «فصل: ويصح إبهام الإحرام، وهو أن يحرم بما أحرم به فلان» اهـ.
стр. 4419
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٤١٦ - ٤١٧):
«وأمَّا مطلق الإحرام على الإبهام فهو جائز ثم يصرفه المحرم لما شاء لكونه ﷺ لم ينه عن ذلك وهذا قول الجمهور وعن المالكية لا يصح الإحرام على الإبهام وهو قول الكوفيين» اهـ.
٤ - وفيه أنَّه لا يتعين للإحرام لفظ معين.
٥ - استحباب سوق الهدي من الحل.
قُلْتُ: واختلف العلماء في الهدي، هل يشترط فيه أن يساق من الحل، والصحيح عدم اشتراط ذلك لعدم الدليل فيه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ١٣٧):
«وكل ما ذبح بمنى وقد سيق من الحل إلى الحرم فإنَّه هدي سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم ويسمى أيضاً أضحية بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل فإنَّه أضحية وليس بهدي. وليس بمنى ما هو أضحية وليس بهدي كما في سائر الأمصار. فإذا اشترى الهدي من عرفات وساقه إلى منى فهو هدي باتفاق العلماء، وكذلك إن اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم، وأمَّا إذا اشترى الهدي من منى وذبحه فيها ففيه نزاع: فذهب مالك أنَّه ليس بهدي وهو منقول عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومذهب الثلاثة أنَّه هدي وهو منقول عَنْ عَائِشَةَ» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٥/ ١٧٥ - ١٧٦):
стр. 4420
«ومعلوم أنَّ مذهب مالك: أنَّه لا يذبح هدي التمتع والقران بمنى، إلَّا إذا وقف به بعرفة، وإن لم يقف به بعرفة ذبحه في مكة، ولا بد عنده في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فإن اشتراه في الحرم لزمه إخراجه إلى الحل والرجوع به إلى الحرم وذبحه فيه، وإنَّما قلنا: إنَّ الظاهر لنا في هذه المسألة عدم اشتراط جمع الهدي، بين الحل والحرم؛ لثلاثة أمور.
الأول: أنَّه لم يرد نص بذلك يجب الرجوع إليه.
الثاني: أنَّ المقصود من الهدي نفع فقراء الحرم، ولا فائدة لهم في جمعه بين الحل والحرم.
الثالث: أنَّه قول أكثر أهل العلم. وقال جماعة من أهل العلم: يستحب أن يكون الهدي معه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل من شرائه من مكة، ثم من مكة، ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلاً بل اشتراه من منى جاز، وحصل الهدي اهـ.
وهذا هو الظاهر، واحتج من قال: بأنَّه لا بد أن يجمع بين الحل والحرم، بأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يهد هدياً إلَّا جامعاً بين الحل والحرم؛ لأنَّه يساق من الحل إلى الحرم، وأنَّ ذلك هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أنَّ ابن عمر اشترى هديه من الطريق، ونحو ذلك من الأدلة، ولا شك أنَّ سوق الهدي من الحل إلى الحرم
стр. 4421
أفضل، ولا يقل عن درجة الاستحباب، كما ذكرنا عن بعض أهل العلم. أمَّا كونه لا يجزئ بدون ذلك، فإنَّه يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يجب الرجوع إليه يقتضي ذلك؛ لأنَّ الذي دل عليه الشرع أنَّ المقصود التقرب إلى الله بما رزقهم من بهيمة الأنعام في مكان معين في زمن معين، والغرض المقصود شرعاً حاصل، ولو لم يجمع الهدي بين حل وحرم، وجمع هديه ﷺ بين الحل والحرم محتمل للأمر الجبلي، فلا يتمحض لقصد التشريع؛ لأنَّ تحصيل الهدي أسهل عليه من بلده، ولأنَّ الإبل التي قدم بها علي من اليمن تيسر له وجودها هناك، والله جل وعلا أعلم. فحصول الهدي في الحل يشبه الوصف الطردي؛ لأنَّه لم يتضمن مصلحة كما ترى، والعلم عند الله تعالى» اهـ.
٦ - أنَّ من ساق الهدي فليس له أن يتحلل قبل يوم النحر.
٧ - أنَّ الحائض لا تجوز لها أن تطوف بالبيت.
٨ - وفيه أنَّه لا تشترط الطهارة في سائر أفعال الحج غير الطواف بالبيت.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٤٢٤):
«وهذا كله متفق عليه بين العلماء إلَّا خلافاً شاذاً في الذكر، وقد ذكرناه فيما سبق في "أبواب الوضوء"، وإلَّا السعي بين الصفا والمروة؛ فإنَّ للعلماء فيهِ اختلافاً: هل يفعل معَ الحيض، أم لا؟
стр. 4422
والجمهور: على جوازه معَ الحيض، ومنع منهُ طائفة من السلف؛ لكن مِنهُم مِنْ علل ذَلِكَ بمنع تقدم السعي للطواف، فلو كانت طافت ثُمَّ حاضت لزال المنع حينئذ على هَذا التعليل، وحكي المنع رواية عَنْ أحمد، وحكي عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
ومنع إسحاق الجنب مِنْ السعي دونَ الحائض؛ لأنَّ الجنب لا عذر لَهُ في تأخير الغسل؛ بخلاف الحائض» اهـ.
٩ - مشروعية عمرة المكي.
قُلْتُ: لكن تركها والاشتغال بالطواف أحسن لعدم ثبوت ذلك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن أحد من صحابته في زمنه غير عائشة في هذه المرة المذكورة في الحديث دون غيرها.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٤٥):
«ولهذا كان أصح الوجهين لأصحابنا وهو المنصوص عن أحمد أنَّه لا يستحب الإكثار من العمرة لا من مكة ولا غيرها بل يجعل بين العمرتين مدة ولو أنَّه مقدار ما ينبت فيه شعره ويمكنه الحلاق وهذا لمن يخرج إلى ميقات بلده ويعتمر. وأمَّا المقيم بمكة فكثرة الطواف بالبيت أفضل له من العمرة المكية كما كان الصحابة يفعلون إذا كانوا مقيمين بمكة كانوا يستكثرون من الطواف ولا يعتمرون عمرة مكية» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٤٨):
стр. 4423
«أمَّا من كان بمكة من مستوطن ومجاور وقادم وغيرهم فإنَّ طوافه بالبيت أفضل له من العمرة وسواء خرج في ذلك إلى أدنى الحل وهو التنعيم الذي أحدث فيه المساجد التي تسمى "مساجد عائشة" أو أقصى الحل من أي جوانب الحرم سواء كان من جهة "الجعرانة" أو "الحديبية" أو غير ذلك وهذا المتفق عليه بين سلف الأمة وما أعلم فيه مخالفاً من أئمة الإسلام في العمرة المكية» اهـ.
وقال ﵀ كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣):
«فالمقصود الأكبر من العمرة هو الطواف وذلك يمكن أهل مكة بلا خروج من الحرم فلا حاجة إلى الخروج منه، ولأنَّ الطواف والعكوف هو المقصود بالقادم إلى مكة وأهل مكة متمكنون من ذلك ومن كان متمكناً من المقصود بلا وسيلة لم يؤمر أن يترك المقصود ويشتغل بالوسيلة. وأيضاً فمن المعلوم أنَّ مشي الماشي حول البيت طائفاً هو العبادة المقصودة وأنَّ مشيه من الحل هو وسيلة إلى ذلك وطريق فمن ترك المشي من هذا المقصود الذي هو العبادة واشتغل بالوسيلة فهو ضال جاهل بحقيقة الدين وهو أشر من جهل من كان مجاوراً للمسجد يوم الجمعة يمكنه التبكير إلى المسجد والصلاة فيه فذهب إلى مكان بعيد ليقصد المسجد منه وفوت على نفسه ما يمكن فعله في المسجد من الصلاة المقصودة. يبين ذلك أنَّ الاعتمار افتعال: من عمر يعمر والاسم فيه "العمرة" قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ
стр. 4424
الْحَرَامِ﴾. وعمارة المساجد إنَّما هي بالعبادة فيها وقصدها لذلك كما قال النبي ﷺ : "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان". لأن الله يقول: ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ﴾. والمقيم بالبيت أحق بمعنى العمارة من القاصد له ولهذا قيل: العمرة هي الزيارة لأنَّ المعتمر لا بد أن يدخل من الحل وذلك هو الزيارة. وأمَّا الأولى فيقال لها عمارة ولفظ عمارة أحسن من لفظ عمرة وزيادة اللفظ يكون لزيادة المعنى. ولهذا ثبت في الصحيح أنَّ بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال: لا أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلَّا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلَّا أن أسقي الحجيج، فقال علي: الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتم. فقال عمر: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ فإذا قضيت الجمعة إن شاء الله دخلت عليه فسألته فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية. وإذا كان كذلك فالمقيم في البيت طائفاً فيه وعامراً له بالعبادة قد أتى بما هو أكمل من معنى المعتمر وأتى بالمقصود بالعمرة فلا يستحب له ترك ذلك بخروجه عن عمارة المسجد ليصير بعد ذلك عامراً له؛ لأنَّه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير» اهـ.
стр. 4425
قُلْتُ: والعمرة المكية هي التي يخرج لها من يريد العمرة إلى الحل، أمَّا إن خرج إلى الميقات، أو إلى بلده فليست عمرته بعمرة مكية، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٤٩):
«وأمَّا العمرة من الميقات: بأن يذهب إلى الميقات فيحرم منه أو يرجع إلى بلده ثم ينشئ السفر منه للعمرة فهذه ليست عمرة مكية بل هذه عمرة تامة وليس الكلام هنا فيها. وهذه فيها نزاع: هل المقام بمكة أفضل منها؟ أم الرجوع إلى بلده أو الميقات أفضل؟ وسيأتي كلام بعض من رجح المقام بمكة للطواف على الرجوع للعمرة من الميقات. وإنَّما النزاع في أنَّه هل يكره للمكي الخروج للاعتمار من الحل أم لا؟ وهل يكره أن يعتمر من تشرع له العمرة كالأفقي في العام أكثر من عمرة أم لا؟ وهل يستحب كثرة الاعتمار أم لا؟. فأمَّا كون الطواف بالبيت أفضل من العمرة لمن كان بمكة فهذا مما لا يستريب فيه من كان عالماً بسنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه وآثار الصحابة وسلف الأمة وأئمتها وذلك أنَّ الطواف بالبيت من أفضل العبادات والقربات التي شرعها الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ وهو من أعظم عبادة أهل مكة أعني من كان بمكة مستوطناً أو غير مستوطن ومن عباداتهم الدائمة الراتبة التي امتازوا بها على سائر أهل الأمصار» اهـ.
стр. 4426
١٠ - أنَّ الإهلال بالعمرة يكون من الحل، ولا يكون من الحرم، والتنعيم أقرب الحل إلى البيت، فإنَّه لا بد في النسك من الجمع بين الحل والحرم.
١١ - واحتج بقوله: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ». من قال: إنَّ التمتع أفضل من القران، حتى وإن ساق القارن معه الهدي.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٩٠ - ٩٢) «فإن قيل: أيَّما أفضل أن يسوق الهدي ويقرن أو أن يتمتع بلا سوق هدي ويحل من إحرامه؟. قيل: هذا موضع الاجتهاد فإنَّه قد تعارض دليلان شرعيان:
أحدهما: أنَّه قرن وساق الهدي في حجة الوداع ولم يكن الله ليختار لنبيه المفضول دون الأفضل فإنَّ خير الهدي هدي محمد ﷺ .
والثاني: أنَّ قوله هذا يقتضي أنَّه لو كان ذلك الحال هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة ولم يسق الهدي بقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" فالذي استدبره هو الذي فعله ومضى فصار خلفه. والذي يستقبله هو الذي لم يفعله بعد بل هو أمامه فتبين أنَّه لو كان مستقبلاً لما استدبره من أمره - وهو الإحرام - لأحرم بالعمرة دون هدي وهو لا يختار أن ينتقل من الأفضل إلى المفضول بل إنَّما يختار الأفضل. وذلك يدل على أنَّه تبين له حينئذ أنَّ التمتع بلا هدي أفضل له.
ولكن من نصر الأول يجيب عن هذا بأنَّه لم يقل هذا لأجل أنَّ الذي فعله مفضول بل لأنَّ أصحابه شق عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقائه محرماً فكان يختار
стр. 4427
موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به عن انشراح وموافقة. وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول لما فيه من الموافقة وائتلاف القلوب كما قال لعائشة: "لولا أنَّ قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولجعلت لها بابين" فهنا ترك ما هو الأولى؛ لأجل الموافقة والتأليف الذي هو الأدنى من هذا الأولى، فكذلك اختار المتعة بلا هدي. وعلى هذا التقدير فيكون الله قد جمع له بين أن فعل الأفضل وبين أن أعطاه بما يراه من الموافقة لهم ما في ذلك من الفضل فاجتمع له الأجران، وهذا هو اللائق بحاله ﷺ يبين ذلك: أنَّ سوق الهدي أفضل من ترك سوقه وقد ساق مائة بدنة فكيف يكون ترك ذلك أفضل في نفسه بمجرد التحلل والإحرام.
ثانياً: وسوق الهدي فيه من تعظيم شعائر الله ما ليس في تكرر التحلل والتحريم. يبين ذلك أنَّ المتمتع إذا ساق الهدي فينبغي أن يكون أفضل من جميع من لم يسق، والقارن الذي ساق الهدي أفضل منهما. وأيضاً فإنَّ القارن والمتمتع عليه هدي ومعلوم أنَّ الهدي الذي يسوقه من الحل أفضل باتفاق المسلمين مما يشتريه من الحرم، بل في أحد قولي العلماء لا يكون هدياً إلَّا بما أهدي من الحل إلى الحرم. وحينئذ فسوقه من الميقات أفضل من سوقه من أدنى الحل فكيف يجعل الهدي الذي لم يسق أفضل مما سيق فهذا وغيره مما يبين أنَّ سوق الهدي مع التمتع والقران أفضل من تمتع لا سوق فيه» اهـ.
стр. 4428
قُلْتُ: وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ٧٢٦):
«قريب من هذا قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها متعة". ليس فيها ندامة على أفضل مما أتى به من النسك فإنَّ الله لم يكن ليختار له إلَّا أفضل الأنساك وأعلاها ولكن كان لمحبة تآلف قلوب أصحابه وموافقتهم وتطييب نفوسهم بأن يفعل كما فعلوا ود لو أنَّه ممن أحل، ولكن منعة سوق الهدي، وعلى هذا فيكون الله تعالى قد اختار له أفضل الأنساك بفعله وأعطاه ما تمناه من موافقة أصحابه وتآلف قلوبهم بنيته ومناه فجمع له بين الأمرين، وهذا هو اللائق به صلوات الله تعالى وسلامة عليه» اهـ.
١٢ - وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حج قارناً.
١٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (٣٢٧):
«فيه دليل على استعمال المبالغة في الكلام فإنَّهم إذا حلوا من العمرة وواقعوا النساء كان إحرامهم للحج قريباً من زمن المواقعة والإنزال فحصلت المبالغة في قرب الزمان بأن قيل وذكر أحدنا يقطر وكأنَّه إشارة إلى اعتبار المعنى في الحج وهو الشعث وعدم الترفه فإذا طال الزمن في الإحرام حصل هذا المقصود وإذا قرب زمن الإحرام من زمن التحلل ضعف هذا المقصود أو عدم وكأنَّهم استنكروا زوال هذا المقصود أو ضعفه لقرب إحرامهم من تحللهم» اهـ.
стр. 4429
١٤ - قوله في الحديث: «فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا». يدل على أنَّها سعت بين الصفا والمروة قبل الطواف، لكن هذا الظاهر غير مراد لما رواه مسلم (١٢١٣) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قال: « … حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ … ».
١٥ - استدل به على أنَّ أفضل جهات الحل للإحرام بالعمرة منها التنعيم وبه قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية.
قُلْتُ: الذي يظهر لي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر عبد الرحمن بإعمارها من التنعيم لكونه أقرب الجهات إلى الحرم لا لخصوص فضل فيه. والله أعلم.
١٦ - استحباب التقصير على الحلق عند التحلل من عمرة التمتع، وهذا إذا كان الإهلال بالحج قريباً من التحلل من العمرة حتى يبقى شيء من الشعر يتحلل به في حجه، وقد سبق القول في هذه المسألة.
١٧ - مشروعية استعمال "لو" في الخبر المجرد.
قَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ ﵀ فِي [تَيْسِيْرِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ] (٦٠١):
«فإن قيل ما تصنعون بقوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة". قيل: هذا كقوله: "لولا حدثان قومك بالكفر". ونحوه مما هو خبر عن مستقبل لا اعتراض فيه على قدر بل هو إخبار لهم أنَّه لو استقبل الإحرام بالحج ما ساق الهدي ولا أحرم بالعمرة بقوله لهم لما
стр. 4430
أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة حثاً لهم وتطييباً لقلوبهم لما رآهم توقفوا في أمره فليس من المنهي عنه بل هو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل ولا خلاف في جواز ذلك وإنَّما ينهى عن ذلك في معارضة القدر مع اعتقاد أنَّ ذلك المانع لو يقع لوقع خلاف المقدور» اهـ.
١٨ - وفيه أنَّ التحلل بالتقصير كالتحلل بالحلق من حيث المنع لمن ساق الهدي.
١٩ - استحباب رفع الصوت بالتلبية.
٢٠ - واحتج به من قال بمنع الحائض من دخول المسجد.
٢١ - ما كان عليه النبي ﷺ من حسن العشرة مع أزواجه، وحرصه على تطييب نفوسهن.
٢٢ - واحتج به على مشروعية تكرار العمرة في شهر واحد.
فقد جاء فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٧/ ٤٣٢):
«س: هل يجوز تكرار العمرة في رمضان طلباً للأجر المترتب على ذلك؟
ج: لا حرج في ذلك، النبي ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" متفق عليه.
فإذا اعتمر ثلاث أو أربع مرات فلا حرج في ذلك. فقد اعتمرت عائشة ﵂ في عهد النبي ﷺ في حجة الوداع عمرتين في أقل من عشرين يوماً» اهـ.
стр. 4431
قُلْتُ: بل في أقل من ذلك فإنَّهم دخلوا مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة وخرجوا بعد قضاء المناسك في الرابع عشر من ذي الحجة وهذه عشرة أيام من غير يوم الخروج.
وكان الفصل بين تحللها من حجها وعمرتها وبين عمرة التنعيم ثلاثة أيام.
وقد جاء عن أنس الفصل بين العمرتين بنبات الشعر بعد حلقه، فروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٨٧٤)، والشافعي في [مُسْنَدِه] (٥٢٢)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٥١٢) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِمَكَّةَ وَكَانَ إِذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ».
قُلْتُ: وفي الإسناد إبهام ولد أنس.
وقد أخذ بهذا الإمام أحمد.
واعلم أنَّ الإكثار من الاعتمار لا يستحب في قول السلف وإن اختلفوا في ضابط الإكثار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٢٧٦ - ٢٧٧):
«فصل: ولا بأس أن يعتمر في السنة مراراً.
روي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وعائشة، وعطاء، وطاووس، وعكرمة، والشافعي.
стр. 4432
وكره العمرة في السنة مرتين الحسن، وابن سيرين، ومالك.
وقال النخعي: ما كانوا يعتمرون في السنة إلَّا مرة.
ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يفعله.
ولنا، أنَّ عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ﷺ عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما". متفق عليه.
وقال علي ﵁ في كل شهر مرة.
وكان أنس إذا حمم رأسه خرج فاعتمر.
رواهما الشافعي، في "مسنده".
وقال عكرمة: يعتمر إذا أمكن الموسى من شعره.
وقال عطاء: إن شاء اعتمر في كل شهر مرتين.
فأمَّا الإكثار من الاعتمار، والموالاة بينهما، فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه.
وكذلك قال أحمد: إذا اعتمر فلا بد من أن يحلق أو يقصر، وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس.
فظاهر هذا أنَّه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام.
وقال في رواية الأثرم: إن شاء اعتمر في كل شهر.
وقال بعض أصحابنا: يستحب الإكثار من الاعتمار.
стр. 4433
وأقوال السلف وأحوالهم تدل على ما قلناه، ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصحابه لم ينقل عنهم الموالاة بينهما، وإنَّما نقل عنهم إنكار ذلك، والحق في اتباعهم.
قال طاووس: الذين يعتمرون من التنعيم، ما أدري يؤجرون عليها أو يعذبون؟.
قيل له: فلم يعذبون؟ قال: لأنَّه يدع الطواف بالبيت، ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء.
وقد اعتمر النبي ﷺ أربع عمر في أربع سفرات، لم يزد في كل سفرة على عمرة واحدة، ولا أحد ممن معه، ولم يبلغنا أنَّ أحداً منهم جمع بين عمرتين في سفر واحد معه، إلَّا عائشة حين حاضت فأعمرها من التنعيم؛ لأنَّها اعتقدت أنَّ عمرة قرانها بطلت، ولهذا قالت: يا رسول الله، يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع أنا بحجة.
فأعمرها لذلك.
ولو كان في هذا فضل لما اتفقوا على تركه» اهـ.
قُلْتُ: أثر علي رواه الشافعي في [مُسْنَدِهِ] (٩٧٦)، ومِنْ طَرِيْقِه البيهقي في [الْكُبْرَى] (٨٥١٠)، و [الْمَعْرِفَةِ] (٢٨١٦)، ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ]
стр. 4434
(١٢٨٧٢)، والفاكهي في [أَخَبَارِ مَكَّةَ] (٢٨٩١) مِنْ طَرِيْقِ ابن أبي نجيح عن مجاهد أنَّ علي ابن أبي طالب ﵁ قال: «في كل شهر عمرة».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ فمجاهد لا يصح له سماع من علي كما ذكر ذلك الحفاظ ومنهم أبو زرعة الرازي، وابن معين.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠): «فصل: "المسألة الثانية": في الإكثار من الاعتمار والموالاة بينها:
مثل أن يعتمر من يكون منزله قريباً من الحرم كل يوم أو كل يومين أو يعتمر القريب من المواقيت التي بينها وبين مكة يومان: في الشهر خمس عمر أو ست عمر ونحو ذلك. أو يعتمر من يرى العمرة من مكة كل يوم عمرة أو عمرتين فهذا مكروه باتفاق سلف الأمة لم يفعله أحد من السلف بل اتفقوا على كراهيته وهو وإن كان استحبه طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد فليس معهم في ذلك حجة أصلاً إلَّا مجرد القياس العام. وهو أنَّ هذا تكثير للعبادات أو التمسك بالعمومات في فضل العمرة ونحو ذلك. والذين رخصوا في أكثر من عمرة في الحول أكثر ما قالوا: يعتمر إذا أمكن الموسى من رأسه أو في شهر مرتين ونحو ذلك. وهذا الذي قاله الإمام أحمد. قال أحمد: إذا اعتمر فلا بد من أن يحلق أو يقصر وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس. وهذا الذي قاله الإمام أحمد فعل أنس بن مالك الذي رواه الشافعي: أنَّه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر. وهذا لأنَّ تمام النسك الحلق أو التقصير وهو إمَّا واجب فيه أو مستحب. ومن حكى عن
стр. 4435
أحمد أو نحوه أنَّه ليس إلَّا مباحاً لا استحباباً فقد غلط. فمدة نبات الشعر أقصر مدة يمكن فيها إتمام النسك» اهـ.
قُلْتُ: أثر أنس لا يثبت لكنه قوي من حيث المعنى، والتحديد به أقرب من غيره. والله أعلم.
وأمَّا ما فعلته عائشة فليس فيه إكثار من العمرة، وغاية ما فيه أنَّها قاربت بين العمرتين وإلَّا فإنَّها اعتمرت في شهر واحد مرتين ولم تزد. على أنَّ ما فعلته لا يستحب على الصحيح.
قُلْتُ: وإذا كان التكرار لسبب استدعى ذلك فلا بأس بذلك كأن يأتي بعمرة ثم يذهب إلى المدينة لزيارة المسجد النبوي ثم يرجع بعمرة أخرى.
فقد جاء في [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى الشَّيْخِ صَالِحِ الْفَوْزَانِ] (٢/ ٤٩١):
«سؤال: بفضل الله وتوفيقه أديت عمرة أحرمت لها من يلملم، وأنا قادم من جنوب المملكة، وبعد قضاء أسبوع في مكة المكرمة، شددت الرحال لزيارة مسجد النبي ﷺ بالمدينة، وعند رجوعي أحرمت من آبار علي في طريقي إلى مكة، وأديت عمرة أخرى، فهل تصح هذه العمرة الثانية، علمًا بأن المدة بين العمرتين لا تزيد عن عشرة أيام، أفيدوني أفادكم الله، وسدد خطاكم.
الجواب: لا بأس بما فعلت من تكرار العمرة، ولو كان في وقت متقارب، لأنَّك لما جئت من المدينة قادمًا إلى مكة ومررت بالميقات، فإنَّه قد سنحت لك فرصة لأداء
стр. 4436
العمرة، وخروجًا من الخلاف بين أهل العلم منهم من يوجب على من مر بالميقات وهو يريد مكة، أن لا يتجاوزه إلَّا بإحرام، فأنت أخذت بالجانب الأحوط وأيضًا استفدت من هذه الفرصة الثمينة، فأحرمت بعمرة وهذا زيادة خير، تؤجر عليه إن شاء الله، وعملك هذا شيء طيب، وتكرار العمرة في مثل هذه الحالة، لا حرج فيه لأنَّه جاء لمبرر، لأنَّك لما أردت الدخول إلى مكة ومررت بالميقات فإنَّه يستحسن لك أن تحرم للعمرة، وقد فعلت والحمد لله» اهـ.
٢٣ - وفيه أنَّ الحاج إذا قضى النسك ثم خرج إلى الحل فلا يلزمه طواف الوداع، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يأمر عائشة وأخاه عبد الرحمن ﵄ بطواف الوداع عند خروجهما إلى التنعيم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٢٥٧):
«قال صاحب البيان قال الشيخ أبو نصر في المعتمد: ليس على المقيم بمكة الخارج إلى التنعيم وداع ولا دم عليه في تركه عندنا.
وقال سفيان الثوري: يلزم الدم.
دليلنا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم ولم يأمرها عند ذهابها إلى التنعيم بوداع والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف العلماء في الذي خرج من مكة وتجاوز الحرم ثم رجع لطواف الوداع متى يجزؤه ذلك ومتى لا يجزؤه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٢٣٢):
стр. 4437
«مسألة؛ قال: (فإن خرج قبل الوداع، رجع إن كان بالقرب، وإن بعد، بعث بدم) هذا قول عطاء، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور.
والقريب هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر. والبعيد من بلغ مسافة القصر.
نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي.
وكان عطاء يرى الطائف قريباً.
وقال الثوري حد ذلك الحرم، فمن كان في الحرم فهو قريب، ومن خرج منه فهو بعيد.
ووجه القول الأول، أنَّ من دون مسافة القصر في حكم الحاضر، في أنَّه لا يقصر ولا يفطر، ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام، وقد روي أن عمر رد رجلاً من مر إلى مكة، ليكون آخر عهده بالبيت.
رواه سعيد وإن لم يمكنه الرجوع لعذر، فهو كالبعيد.
ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع، لم يكن عليه أكثر من دم.
ولا فرق بين تركه عمداً أو خطأ، لعذر أو غيره؛ لأنَّه من واجبات الحج، فاستوى عمده وخطؤه، والمعذور وغيره، كسائر واجباته.
стр. 4438
فإن رجع البعيد، فطاف للوداع فقال القاضي: لا يسقط عنه الدم؛ لأنَّه قد استقر عليه الدم ببلوغه مسافة القصر، فلم تسقط برجوعه، كمن تجاوز الميقات غير محرم، فأحرم دونه، ثم رجع إليه.
وإن رجع القريب، فطاف، فلا دم عليه، سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أو لا؛ لأنَّ الدم لم يستقر عليه، لكونه في حكم الحاضر، ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه؛ لأنَّه واجب أتى به، فلم يجب عليه بدله، كالقريب» اهـ.
قُلْتُ: وقال أبو حنيفة وأصحابه: يرجع إلى طواف الوداع ما لم يبلغ المواقيت فإن بلغها ولم يرجع فعليه دم.
وقالوا في أهل بستان بن عامر وأهل المواقيت إنَّهم بمنزلة أهل مكة في طواف الوداع.
* * *
стр. 4439
٢٣٦ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: «قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: "لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ". فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية نطق المحرم بما أحرم به.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (١٥٤٨) عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا».
وروى مسلم (١٢٤٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَرُحْنَا إِلَى مِنًى، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ».
وروى البخاري (١٥٣٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ».
وروى البخاري (١٦٤٠)، ومسلم (١٢٣٠) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَرَادَ الحَجَّ عَامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ،
стр. 4440
وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ، قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٠٥):
«فصل: ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته. قال أحمد: إن شئت لبيت بالحج، وإن شئت لبيت بالحج والعمرة، وإن شئت بعمرة، وإن لبيت بحج وعمرة بدأت بالعمرة، فقُلْتُ: لبيك بعمرة وحجة.
وقال أبو الخطاب: لا يستحب ذلك. وهو اختيار ابن عمر، وقول الشافعي» اهـ.
٢ - استحباب فسخ الحج إلى عمرة لمن لم يسق الهدي.
* * *
стр. 4441
٢٣٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ. فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: "الْحِلُّ كُلُّهُ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب المجيء إلى مكة قبل اليوم الثامن.
٢ - استحباب دخول مكة في الصباح.
ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري (١٥٧٤)، ومسلم (١٢٥٩) عَنِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «بَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي طُوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٨/ ٧): «"فرع" في مذاهب العلماء في هذه المسألة: فممن استحب دخولها نهاراً ابن عمر، وعطاء، والنخعي، واسحق بن راهويه وابن المنذر.
وممن استحبه ليلاً عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز.
وممن قال هما سواء طاووس والثوري» اهـ.
قُلْتُ: وحجة من استحب ذلك ليلاً ما رواه أحمد (١٥٥٥٢، ١٥٥٥٣، ١٥٥٥٨)، وأبو داود (١٩٩٨)، والترمذي (٩٣٥)، والنسائي (٢٨٦٣، ٢٨٦٤)
стр. 4442
مِنْ طَرِيْقِ مُزَاحِمِ بْنِ أَبِي مُزَاحِمٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَرِّشٍ الكَعْبِيِّ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الجِعِرَّانَةِ لَيْلًا مُعْتَمِرًا، فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا، فَقَضَى عُمْرَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ بِالجِعِرَّانَةِ كَبَائِتٍ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنَ الغَدِ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ سَرِفَ، حَتَّى جَاءَ مَعَ الطَّرِيقِ طَرِيقِ جَمْعٍ بِبَطْنِ سَرِفَ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ خَفِيَتْ عُمْرَتُهُ عَلَى النَّاسِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ، مزاحم لا يعرف حاله، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وهو ممن يوثق المجاهيل.
٣ - وفيه ما سبق من استحباب فسخ الحج إلى عمرة في حق من لم يسق الهدي.
٤ - أنَّ المتمتع إذا تحلل من عمرته يحل له كل شيء حتى النساء.
* * *
стр. 4443
٢٣٨ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - وَأَنَا جَالِسٌ - كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: «كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ. فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ».
الْعَنَقُ: انبساط السير، و"النَصُّ" فوق ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٤/ ٣٤٨):
«والعَنَق: سير فوق المشي، والنَّصُّ: أرفع السير، ومن ذلك قيل لمنصة العروس: منصة؛ لارتفاعها، فإذا ارتفع عن ذلك فصار إلى العَدْوِ فهو الخَبَب، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الوَضْع والإِيضَاع» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٥١٨):
«قوله: "العنق" بفتح المهملة والنون هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع. قال في "المشارق" هو سير سهل في سرعة. وقال القزاز: العنق سير سريع. وقيل: المشي الذي يتحرك به عنق الدابة. وفي "الفائق": العنق: الخطو الفسيح. وانتصب العنق على المصدر المؤكد من لفظ الفعل.
قوله: "نص" أي: أسرع قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها وأصل النص غاية المشي ومنه نصصت الشيء رفعته ثم استعمل في ضرب سريع من السير» اهـ.
стр. 4444
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ من شعائر الحج الدفع من عرفة إلى مزدلفة.
٢ - استحباب تعجيل السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة بما لا يحصل به أذية للناس.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢٢/ ٢٠٢):
«لأنَّ في استعجال السير إلى مزدلفة استعجال الصلاة بها، ومعلوم أنَّ المغرب لا تصلى تلك الليلة إلَّا مع العشاء وتلك سنتهما» اهـ.
قُلْتُ: ولا يعارض هذا ما رواه البخاري (١٦٧١)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ».
ورواه مسلم (١٢٨٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا - وَهُوَ مِنْ مِنًى - قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» وَقَالَ: «لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ».
وذلك أنَّ الإيضاع السير السريع، وهو فوق النص، وأمَّا سير النص فلا ينافي السكينة.
стр. 4445
٣ - استحباب الرفق في السير في حال الزحام.
٤ - الابتعاد عن أذية الناس عند السير في المركوب.
٥ - مشروعية الإسراع بالمركوب في الطرق الواسعة الخالية من ازدحام الناس.
* * *
стр. 4446
٢٣٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَو بْنِ الْعَاصِ ﵄: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: "اذْبَحْ وَلا حَرَجَ". وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: "ارْمِ وَلا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلا حَرَجَ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية تقديم المناسك يوم النحر بعضها على بعض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (١/ ٣٣١):
«وإذا ثبت أنَّ الوظائف أربع في هذا اليوم فقد اختلفوا فيما لو تقدم بعضها على بعض فاختار الشافعي جواز التقديم: وجعل الترتيب مستحباً ومالك وأبو حنيفة يمنعان تقديم الحلق على الرمي لأنَّه حينئذ يكون حلقاً قبل وجود التحللين، وللشافعي قول مثله وقد بني القولان له على أنَّ الحلق نسك أو استباحة محظور فإن قلنا: إنَّه نسك جاز تقديمه على الرمي لأنَّه يكون من أسباب التحلل وإن قلنا: إنَّه استباحة محظور: لم يجز لما ذكرناه من وقوع الحلق قبل التحللين وفي هذا البناء نظر لأنَّه لا يلزم من كون الشيء نسكاً أن يكون من أسباب التحلل ومالك يرى أنَّ الحلق نسك ويرى - مع ذلك - أنَّه لا يقدم على الرمي إذ معنى كون
стр. 4447
الشيء نسكاً: أنَّه مطلوب مثاب عليه ولا يلزم من ذلك أن يكون سبباً للتحلل ونقل عن أحمد: أنَّه إن قدم بعض هذه الأشياء على بعض فلا شيء عليه إن كان جاهلاً وإن كان عالماً: ففي وجوب الدم روايتان» اهـ.
٢ - واحتج به على جواز تقديم السعي على الطواف، ولا حجة فيه، وقد مضى القول في ذلك.
٣ - واحتج به على جواز تقديم الحلق على النحر للقارن وغيره، وهو الصحيح، ومنع من ذلك النخعي وغيره واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وأجيب بأنَّ المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يحل ذبحه فيه، وإنَّما يتم الاستدلال لهم لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا.
٤ - واحتج بقوله: «لَمْ أَشْعُرْ» بأنَّ الرخصة تختص بمن نسي أو جهل لا بمن تعمد كما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره.
والجواب: أولاً: أنَّ الترتيب لو كان واجباً لبينه النبي ﷺ ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ثانياً: لو كان هذه الحكم مختص بالجاهل والناسي لقال للسائل: "لا حرج"، ولما قال له: "افعل ولا حرج" فإنَّ هذا يشعر بجواز تعمد هذا الفعل في المستقبل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٧/ ٣٣٦):
стр. 4448
«ولكن لما قال النبي ﷺ : "افعل ولا حرج" وهي للمستقبل، ولم يقتصر على قوله: "لا حرج" علم أنَّه لا فرق بين الناسي والجاهل وبين الذاكر والعالم، ولهذا قال النبي ﷺ لأبي بكرة حين أسرع وركع قبل الصف: "زادك الله حرصاً ولا تعد"، فلو كان الترتيب بين هذه الأنساك واجباً لقال النبي ﷺ للسائل: لا حرج ولا تعد وهذا الذي قررناه، كما أنَّه ظاهر الأدلة، فهو الموافق لمقاصد الدين الإسلامي في إرادة اليسر على العباد لا سيما في مثل هذه الأزمان؛ لأنَّ ذلك أيسر للناس» اهـ.
ثالثاً: هذه اللفظة وهي قول السائل: «لَمْ أَشْعُرْ» لم ترد في سؤال جميع السائلين، فقد روى البخاري (١٧٣٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ» فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».
ورواه البخاري (١٧٣٤)، ومسلم (١٣٠٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ، وَالحَلْقِ، وَالرَّمْيِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».
وروى الدارمي (١٨٧٩)، وابن حبان (٣٨٧٨) مِنْ طَرِيْقِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى، ثُمَّ قَعَدَ لِلنَّاسِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ». ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا
стр. 4449
رَسُولَ اللَّهِ، طُفْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا قَالَ: «لَا حَرَجَ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
٥ - وفيه جواز القعود على الدواب عند الحاجة بحيث لا يشق عليها، وأمَّا ما رواه أبو داود (٢٥٦٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عَنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَتَكُمْ».
وإسناده محتمل للتحسين، والنهي عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، جاء من مراسيل عطاء بن دينار عند ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٦٤٨٦). وهو محمول على من لم يكن له عذر شرعي مع إمكانه من النزول على الأرض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٢/ ٢٥٣): «قُلْتُ قد ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه خطب على راحلته واقفاً عليها فدل ذلك على أنَّ الوقوف على ظهورها إذا كان لأرب أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول إلى الأرض
стр. 4450
مباح جائز، وأنَّ النهي إنَّما انصرف في ذلك إلى الوقوف عليها لا لمعنى يوجبه لكن بأن يستوطنه الإنسان ويتخذه مقعداً فيتعب الدابة ويضر بها من غير طائل» اهـ.
* * *
следующие страницы →