← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

الله وزيادة في الدين. وما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم أو بالخصوص قالوا: ذلك منسوخ. كما قاله بعضهم في شروط النَّبي ﷺ مع المشركين عام الحديبية أو قالوا: هذا عام أو مطلق فيخص بالشرط الذي في كتاب الله. واحتجوا أيضاً بحديث يروى في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك: أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث. وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء. وذكروا أنَّه لا يعرف وأنّ الأحاديث الصحيحة تعارضه وأجمع الفقهاء المعروفون - من غير خلاف أعلمه من غيرهم - أنَّ اشتراط صفة في المبيع ونحوه كاشتراط كون العبد كاتباً أو صانعاً أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك: شرط صحيح. القول الثاني: أنَّ الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلَّا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصاً أو قياساً عند من يقول به. وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه؛ لكن أحمد أكثر تصحيحاً للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحاً للشروط منه. وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس؛ لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعاً من الصحة ولا يعارض ذلك بكونه شرطاً يخالف مقتضى العقد أو لم يرد به نص. وكان قد بلغه في

стр. 4832

العقود والشروط من الآثار عن النَّبي ﷺ والصحابة ما لا تجده عند غيره من الأئمة. فقال بذلك وبما في معناه قياساً عليه وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص: فقد يضعفه أو يضعف دلالته. وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس. وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط. كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقاً فمالك يجوزه بقدر الحاجة وأحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضاً. ويجوزه ابن حامد وغيره في الضمان ونحوه. ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق، فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط والنقص منه بالشرط؛ ما لم يتضمن مخالفة الشرع. كما سأذكره إن شاء الله. فيجوز للبائع أن يستثني بعض منفعة المبيع كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير اتباعاً لحديث جابر لما باع النبي ﷺ جمله واستثنى ظهره إلى المدينة. ويجوز أيضاً للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته أو حياة السيد أو غيرهما اتباعاً لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة واشترطت عليه خدمة النبي ﷺ ما عاش. ويجوز - على عامة أقواله -: أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها. كما في حديث صفية. وكما فعله أنس بن مالك وغيره وإن لم ترض المرأة؛ كأنَّه أعتقها واستثنى منفعة البضع؛ لكنه

стр. 4833

استثناها بالنكاح إذ استثناؤها بلا نكاح غير جائز بخلاف منفعة الخدمة. ويجوز أيضاً للواقف إذا وقف شيئاً أن يستثني منفعته وغلته جميعها لنفسه لمدة حياته. كما روي عن الصحابة أنَّهم فعلوا ذلك. وروي فيه حديث مرسل عن النَّبي ﷺ . وهل يجوز وقف الإنسان على نفسه؟ فيه عنه روايتان. ويجوز أيضاً - على قياس قوله - استثناء بعض المنفعة في العين الموهوبة والصداق وفدية الخلع والصلح على القصاص ونحو ذلك من أنواع إخراج الملك سواء كان بإسقاط كالعتق أو بتمليك بعوض كالبيع. أو بغير عوض كالهبة. ويجوز أحمد أيضاً في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح؛ لما في الصحيحين عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج". ومن قال بهذا الحديث قال: إنَّه يقتضي أنَّ الشروط في النكاح أوكد منها في البيع والإجارة. وهذا مخالف لقول من يصحح الشروط في البيع دون النكاح. فيجوز أحمد أن تستثني المرأة ما يملكه الزوج بالإطلاق فتشترط أن لا تسافر معه ولا تنتقل من دارها، وتزيد على ما يملكه بالإطلاق فتشترط أن تكون مخلية به فلا يتزوج عليها ولا يتسرى. ويجوز - على الرواية المنصوصة عنه المصححة عند طائفة من أصحابه - أن يشترط كل واحد من الزوجين في الآخر صفة مقصودة كاليسار والجمال ونحو ذلك ويملك الفسخ بفواته. وهو من أشد الناس قولاً بفسخ النكاح وانفساخه فيجوز فسخه بالعيب كما لو تزوج عليها وقد شرطت

стр. 4834

عليه أن لا يتزوج عليها، وبالتدليس كما لو ظنها حرة فظهرت أمة، وبالخلف في الصفة على الصحيح كما لو شرط الزوج أن له مالاً فظهر بخلاف ما ذكر. وينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية لمقصوده كالتوقيت واشتراط الطلاق. وهل يبطل بفساد المهر كالخمر والميتة ونحو ذلك؟ فيه عنه روايتان. إحداهما: نعم كنكاح الشغار. وهو رواية عن مالك. والثانية: لا ينفسخ؛ لأنَّه تابع وهو عقد مفرد كقول أبي حنيفة والشافعي. وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلاً أو تركاً في المبيع مما هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه. وإن كان أكثر متأخري أصحابه لا يجوزون من ذلك إلَّا العتق. وقد يروى ذلك عنه؛ لكن الأول أكثر في كلامه. ففي "جامع الخلال" عن أبي طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط أن يتسرى بها: تكون جارية نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة؟ قال: لا بأس به. وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية فقال له: إذا أردت بيعها فأنا أحق بها بالثمن الذي تأخذها به مني؟ قال: لا بأس به ولكن لا يطؤها ولا يقربها وله فيها شرط؛ لأنَّ ابن مسعود قال لرجل: لا تقربنها ولأحد فيها شرط. وقال حنبل: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنَّ ابن مسعود اشترى جارية من امرأته وشرط لها: إن باعها فهي لها بالثمن الذي اشتراها به. فسأل ابن مسعود

стр. 4835

عن ذلك عمر بن الخطاب. فقال: لا تنكحها وفيها شرط. وقال حنبل: قال عمي: كل شرط في فرج فهو على هذا. والشرط الواحد في البيع جائز إلَّا أن عمر كره لابن مسعود أن يطأها؛ لأنَّه شرط لامرأته الذي شرط. فكره عمر أن يطأها وفيها شرط. وقال الكرماني سأل أحمد عن رجل اشترى جارية وشرط لأهلها أن لا يبيعها ولا يهبها؟ فكأنَّه رخص فيه. ولكنهم إن اشترطوا له إن باعها فهو أحق بها بالثمن؟ فلا يقربها. يذهب إلى حديث عمر بن الخطاب حين قال لعبد الله بن مسعود. فقد نص في غير موضع على أنَّه إذا أراد البائع بيعها لم يملك إلَّا ردها إلى البائع بالثمن الأول كالمقايلة. وأكثر المتأخرين من أصحابه على القول المبطل لهذا الشرط وربما تأولوا قوله: "جائز" أي العقد جائز وبقية نصوصه تصرح بأنَّ مراده "الشرط" أيضاً. واتبع في ذلك القصة المأثورة عن عمر وابن مسعود وزينب امرأة عبد الله: ثلاثة من الصحابة. وكذلك اشتراط المبيع فلا يبيعه ولا يهبه أو يتسراها ونحو ذلك مما فيه تعيين لمصرف واحد كما روى عمر بن شبة في أخبار عثمان: أنَّه اشترى من صهيب داراً وشرط أن يقفها على صهيب وذريته من بعده. وجماع ذلك: أنَّ الملك يستفاد به تصرفات متنوعة. فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه جوز أيضاً استثناء بعض التصرفات. وعلى هذا فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد. قيل له: أينافي مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقاً؟ فإن أراد الأول: فكل شرط كذلك. وإن أراد الثاني: لم يسلم له؛ وإنَّما المحذور: أن ينافي مقصود العقد كاشتراط

стр. 4836

الطلاق في النكاح أو اشتراط الفسخ في العقد. فأمَّا إذا شرط ما يقصد بالعقد لم يناف مقصوده. هذا القول هو الصحيح: بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافي. أمَّا الكتاب: فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ … » اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٤٨٠ - ٤٨١): «والمقصود أنَّ للشروط عند الشارع شأناً ليس عند كثير من الفقهاء فإنَّهم يلغون شروطاً لم يلغها الشارع ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضى فساده وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل فالصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص أنَّ كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالفه حكمه فهو لازم. يوضحه أنَّ الالتزام بالشروط كالالتزام بالنذر، والنذر لا يبطل منه إلَّا ما خالف حكم الله وكتابه، بل الشروط في حقوق العباد أوسع من النذر في حق الله والالتزام به أوفي من الالتزام بالنذر.

стр. 4837

وإنَّما بسطت القول في هذا لأنَّ باب الشرط يدفع حيل أكثر المتحيلين، ويجعل للرجل مخرجاً مما يخاف منه، ومما يضيق عليه، فالشرط الجائز بمنزلة العقد بل هو عقد وعهد وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَقَالَ: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]. وها هنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله: إحداهما: أنَّ كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائناً ما كان. والثانية: أنَّ كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه وهو ما يجوز تركه وفعله بدون الشرط فهو لازم بالشرط ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيء وقد دل عليهما كتاب الله وسنة رسول واتفاق الصحابة ولا تعبأ بالنقض بالمسائل المذهبية والأقوال الآرائية فإنَّها لا تهدم قاعدة من قواعد الشرع. فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين فكل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر، وكذلك كل شرط قد جاز بذله بدون الاشتراط لزم بالشرط، فمقاطع الحقوق عند الشروط وإذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد وليس بمشروط فكيف الوعد المؤكد بالشرط، بل ترك الوفاء بالشرط يدخل في الكذب والخلف والخيانة والغدر وبالله التوفيق» اهـ. قُلْتُ: وهذا تحقيق نفيس بالغ من هاذين الإمامين رحمهما الله تعالى، ولا مزيد على ما قالا.

стр. 4838

٢٧ - ومفهوم الحديث جواز تعدد الشروط إذا لم تخالف كتاب الله تعالى. قُلْتُ: أمَّا ما كان من الشروط من مقتضى العقد، أو من مصلحته فلا ريب في جوازها، وإن تعددت، ونفى العلامة ابن القيم ﵀ الخلاف في جوازها، وأمَّا ما سوى ذلك من الشروط إذا تعددت ففيها نزاع بين أهل العلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٤١٧ - ٤١٨): «مسألة؛ قال: "ويبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ولا يبطله شرط واحد". ثبت عن أحمد ﵀، أنَّه قال: الشرط الواحد لا بأس به، إنَّما نهي عن الشرطين في البيع، ذهب أحمد إلى ما روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تبع ما ليس عندك". أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إنَّ هؤلاء يكرهون الشرط في البيع. فنفض يده، وقال: الشرط الواحد لا بأس به في البيع، إنَّما نهى رسول الله ﷺ عن شرطين في البيع. وحديث جابر يدل على إباحة الشرط حين باعه جمله، وشرط ظهره إلى المدينة. واختلف في تفسير الشرطين المنهي عنهما، فروي عن أحمد؛ أنَّهما شرطان صحيحان، ليسا من مصلحة العقد.

стр. 4839

فحكى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق في من اشترى ثوباً، واشترط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاماً، واشترط طحنه وحمله: إن اشترط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز، وإن اشترط شرطين، فالبيع باطل. وكذلك فسر القاضي في "شرحه" الشرطين المبطلين بنحو من هذا التفسير. وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين؛ أن يشتريها على أنَّه لا يبيعها من أحد، وأنَّه لا يطؤها. ففسره بشرطين فاسدين. وروى عنه إسماعيل بن سعيد في الشرطين في البيع، أن يقول: إذا بعتكها فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة. وظاهر كلام أحمد أنَّ الشرطين المنهي عنهما ما كان من هذا النحو. فأمَّا إن شرط شرطين، أو أكثر، من مقتضى العقد، أو مصلحته، مثل أن يبيعه بشرط الخيار، والتأجيل، والرهن، والضمين، أو بشرط أن يسلم إليه المبيع أو الثمن. فهذا لا يؤثر في العقد وإن كثر. وقال القاضي في "المجرد": ظاهر كلام أحمد أنَّه متى شرط في العقد شرطين، بطل، سواء كانا صحيحين، أو فاسدين، لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته. أخذاً من ظاهر الحديث، وعملاً بعمومه.

стр. 4840

ولم يفرق الشافعي وأصحاب الرأي بين الشرطين، ورووا أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن بيع وشرط. ولأنَّ الصحيح لا يؤثر في البيع وإن كثر، والفاسد يؤثر فيه وإن اتحد. والحديث الذي رويناه يدل على الفرق. ولأنَّ الغرر اليسير إذا احتمل في العقد، لا يلزم منه احتمال الكثير. وحديثهم لم يصح وليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ولا نعرفه مروياً في مسند، ولا يعول عليه. وقول القاضي: إنَّ النهي يبقي على عمومه في كل شرطين. بعيد أيضاً؛ فإن شرط ما يقتضيه العقد لا يؤثر فيه بغير خلاف، وشرط ما هو من مصلحة العقد، كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين، وشرط صفة في المبيع، كالكتابة، والصناعة، فيه مصلحة العقد، فلا ينبغي أن يؤثر أيضاً في بطلانه، قَلَت أو كثرت. ولم يذكر أحمد في هذه المسألة شيئاً من هذا القسم، فالظاهر أنَّه غير مراد له» اهـ. قُلْتُ: عمدة من منع من الشرطين في البيع هو ما رواه أحمد (٦٦٧١)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي (٤٦١١، ٤٦٣٠، ٤٦٣١)، والترمذي (١٢٣٤) عن عبد الله بن عمرو قال، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ.

стр. 4841

والمراد بالشرطين في البيع البيعتان في البيعة، وهي بيع العينة، وقد روى الحديث أحمد (٦٩١٨) حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٨٤ - ١٩١): «هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحيل الربوية، وقد اشتمل على أربعة أحكام. الحكم الأول: تحريم الشرطين في البيع، وقد أشكل على أكثر الفقهاء معناه من حيث إنَّ الشرطين إن كانا فاسدين فالواحد حرام فأي فائدة لذكر الشرطين؟ وإن كانا صحيحين لم يحرما. فقال ابن المنذر: قال أحمد وإسحاق: فيمن اشترى ثوباً واشترط على البائع خياطته وقصارته أو طعاماً واشترط طحنه وحمله - إن شرط أحد هذه الأشياء فالبيع جائز، وإن شرط شرطين فالبيع باطل. وهذا فسره القاضي أبو يعلى وغيره عن أحمد في تفسيره رواية ثانية، حكاها الأثرم، وهو أن يشتريها على أن لا يبيعها من أحد ولا يطأها ففسره بالشرطين الفاسدين. وعنه رواية ثالثة، حكاها إسماعيل بن سعيد الشالنجي عنه: هو أن يقول: إذا بعتها فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة، ومضمون هذه الرواية: أنَّ الشرطين يتعلقان بالبائع، فيبقى له فيها علقتان: علقة قبل التسليم، وهي الخدمة وعلقة بعد البيع،

стр. 4842

وهي كونه أحق بها. فأمَّا اشتراط الخدمة: فيصح، وهو استثناء منفعة المبيع مدة كاستثناء ركوب الدابة ونحوه. وأمَّا شرط كونه أحق بها بالثمن: فقال في رواية المروزي: هو في معنى حديث النبي ﷺ "لا شرطان في بيع" يعني لأنَّه شرط أن يبيعه إياه، وأن يكون البيع بالثمن الأول، فهما شرطان في بيع. وروى عنه إسماعيل بن سعيد: جواز هذا البيع، وتأوله بعض أصحابنا على جوازه فساد الشرط. وحمل رواية المروزي على فساد الشرط وحده، وهو تأويل بعيد، ونص أحمد يأباه. قال إسماعيل بن سعيد ذكرت لأحمد حديث ابن مسعود أنَّه قال: "ابتعت من امرأتي زينب الثقفية جارية، وشرطت لها أني إن بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به، فذكرت ذلك لعمر، فقال: لا تقربها ولأحد فيها شرط". فقال أحمد: البيع جائز ولا تقربها، لأنَّه كان فيها شرط واحد للمرأة، ولم يقل عمر في ذلك البيع: إنَّه فاسد. فهذا يدل على تصحيح أحمد للشرط من ثلاثة أوجه. أحدها: أنَّه قال: "لا تقربها". ولو كان الشرط فاسداً لم يمنع من قربانها. الثاني: أنَّه علل ذلك بالشرط، فدل على أنَّ المانع من القربان هو الشرط، وأن وطأها يتضمن إبطال ذلك الشرط، لأنَّها قد تحمل، فيمتنع عودها إليها. الثالث: أنَّه قال: "كان فيها شرط واحد للمرأة". فذكره وحدة الشرط يدل على أنَّه صحيح عنده، لأنَّ النهي إنَّما هو عن الشرطين.

стр. 4843

وقد حكى عنه بعض أصحابنا رواية صريحة: أنَّ البيع جائز، والشرط صحيح، ولهذا حمل القاضي منعه من الوطء على الكراهة، لأنَّه لا معنى لتحريمه عنده، مع فساد الشرط. وحمله ابن عقيل على الشبهة، للاختلاف في صحة هذا العقد. وقال القاضي في المجرد: ظاهر كلام أحمد: أنَّه متى شرط في العقد شرطين بطل سواء كان صحيحين أو فاسدين لمصلحة العقد أو لغير مصلحته، أخذاً بظاهر الحديث، وعملاً بعمومه. وأمَّا أصحاب الشافعي وأبي حنيفة: فلم يفرقوا بين الشرط والشرطين، وقالوا: يبطل البيع بالشرط الواحد، لنهي النبي ﷺ عن بيع وشرط، وأمَّا الشروط الصحيحة: فلا تؤثر في العقد وإن كثرت، وهؤلاء ألغوا التقييد بالشرطين، ورأوا أنَّه لا أثر له أصلاً. وكل هذه الأقوال بعيدة عن مقصود الحديث غير مرادة منه. فأمَّا القول الأول، وهو أن يشترط حمل الحطب وتكسيره، وخياطة الثوب وقصارته ونحو ذلك: فبعيد، فإن اشتراط منفعة البائع في البيع إن كان فاسداً فسد الشرط والشرطان. وإن كان صحيحاً فأي فرق بين منفعة أو منفعتين أو منافع؟ لا سيما والمصححون لهذا الشرط قالوا: هو عقد قد جمع بيعاً وإجارة، وهما معلومان لم يتضمنا غرراً. فكانا صحيحين. وإذا كان كذلك فما الموجب لفساد الإجارة على منفعتين وصحتها على منفعة؟ وأي فرق بين أن يشترط على بائع الحطب حمله، أو حمله ونقله، أو حمله وتكسيره؟.

стр. 4844

وأمَّا التفسير الثاني، وهو الشرطان الفاسدان: فأضعف وأضعف، لأنَّ الشرط الواحد الفاسد منهي عنه. فلا فائدة في التقييد بشرطين في بيع، وهو يتضمن زيادة في اللفظ، وإيهاماً لجواز الواحد. وهذا ممتنع على الشارع مثله. لأنَّه زيادة مخلة بالمعنى. وأمَّا التفسير الثالث، وهو أن يشترط أنَّه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، وأن ذلك يتضمن شرطين: أن لا يبيعها لغيرها وأن تبيعه إياها بالثمن فكذلك، أيضاً فإنَّ كل واحد منهما إن كان فاسداً فلا أثر للشرطين، وإن كان صحيحاً لم تفسد بانضمامه إلى صحيح مثله، كاشتراط الرهن والضمين، واشتراط التأجيل والرهن ونحو ذلك. وعن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات. إحداهن: صحة البيع والشرط. والثانية: فسادهما. والثالثة: صحة البيع وفساد الشرط. وهو ﵁ إنَّما اعتمد في الصحة على اتفاق عمر وابن مسعود على ذلك. ولو كان هذا هو الشرطان في البيع لم يخالفه القول أحد، على قاعدة مذهبه. فإنَّه إذا كان عنده في المسألة حديث صحيح لم يتركه لقول أحد. ويعجب ممن يخالفه من صاحب أو غيره. وقوله في رواية المروزي: هو في معنى حديث النبي ﷺ : "لا شرطان في بيع" ليس تفسيراً منه صريحاً، بل تشبيه وقياس على معنى الحديث، ولو قدر أنَّه تفسير فليس بمطابق لمقصود الحديث، كما تقدم.

стр. 4845

وأمَّا تفسير القاضي في المجرد: فمن أبعد ما قيل في الحديث وأفسده. فإنَّ شرط ما يقتضيه العقد، أو ما هو من مصلحته، كالرهن والتأجيل والضمين ونقد كذا: جائز، بلا خلاف، تعددت الشروط أو اتحدت. فإذا تبين هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي ﷺ بعضه ببعض. فنفسر كلامه بكلامه. فنقول: نظير هذا نهيه ﷺ عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة. فروى سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة". وفي السنن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من باع بيعتين في بيعه فله أوكسهما، أو الربا". وقد فسرت البيعتان في البيعة بأن يقول: "أبيعك بعشرة نقداً، أو بعشرين ونسيئة". هذا بعيد من معنى الحديث من وجهين. أحدهما: أنَّه لا يدخل الربا في هذا العقد. الثاني: أنَّ هذا ليس بصفقتين، إنَّما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين. وقد ردده بين الأوليين أو الربا. ومعلوم أنَّه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن رباً. فليس هذا معنى الحديث. وفسر بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقداً وآخذها منك بعشرين نسيئة. وهي مسألة العينة بعينها. وهذا هو المعنى المطابق للحديث. فإنَّه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلَّا رأس ماله، وهو أوكس

стр. 4846

الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا. فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا. ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى وهذا هو بعينه الشرطان في بيع. فإن الشرط يطلق على العقد نفسه، لأنَّهما تشارطا على الوفاء به فهو مشروط، والشرط يطلق على المشروط كثيراً، كالضرب يطلق على المضروب، والحلق على المحلوق والنسخ على المنسوخ. فالشرطان كالصفقتين سواء. فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة: وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه ﷺ في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع. رواه أحمد. ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع، وعن سلف في بيع فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع، ومع البيعتين في البيعة. وسر ذلك: أنَّ كلا الأمرين يئول إلى الربا، وهو ذريعة إليه. أمَّا البيعتان في بيعة: فظاهر، فإنَّه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرطه له، كان قد باع بما شرطه له بعشرة نسيئة. ولهذا المعنى حرم الله ورسوله العينة. وأما السلف والبيع: فلأنَّه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة: فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك. فظهر سر قوله ﷺ : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع". وقول ابن عمر "نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع" واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كانا سلماً إلى الربا. ومن نظر في الواقع وأحاط به علماً فهم مراد الرسول صلى الله عليه

стр. 4847

وسلم من كلامه، ونزله عليه. وعلم أنَّه كلام من جمعت له الحكمة، وأوتي جوامع الكلم، فصلوات الله وسلامه عليه، وجزاه أفضل ما جزى نبياً عن أمته. وقد قال بعض السلف: اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول الله ﷺ » اهـ. فائدة/ قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٩٤): «قال ابن بطال: أكثر الناس في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة وجه. وسيأتي الكثير منها في كتاب النكاح، وقال النووي: صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد منها فذكرا أشياء. قلت ولم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه تهذيب الآثار ولخصت منه ما تيسر بعون الله تعالى، وقد بلغ بعض المتأخرين الفوائد من حديث بريرة إلى أربعمائة أكثرها مستبعد متكلف كما وقع نظير ذلك للذي صنف في الكلام على حديث المجامع في رمضان فبلغ به ألف فائدة وفائدة» اهـ. * * * ٢٦٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: «أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ فَأَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ. فَسَارَ سَيْراً لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. ثُمَّ قَالَ: "بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ". قُلْتُ: لَا. ثُمَّ قَالَ: "بِعْنِيهِ". فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ.

стр. 4848

وَاسْتَثْنَيْتُ حِمْلانَهُ إلَى أَهْلِي. فَلَمَّا بَلَغْتُ: أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ. فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ. ثُمَّ رَجَعْتُ. فَأَرْسَلَ فِي إثْرِي. فَقَالَ: "أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ. فَهُوَ لَكَ"». الوقية والأوقية أربعون درهماً. والمماكسة هي المناقصة في الثمن. وأصل المكس النقص، ومنه مكس الظالم، وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس. ومعنى "يسيبه" أي يطلقه، وليس المراد أن يجعله من السوائب، فإنَّ هذا من أمر الجاهلية. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - جواز السوم من جهة المشتري. قُلْتُ: ومع ذلك فالبائع أحق بالسوم من المشتري، وقد بوَّب البخاري ﵀ في "صحيحه" على حديث برقم (٢١٠٦) فقال: «بَابٌ: صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ، وَفِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ"» اهـ.

стр. 4849

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٢٣٥): «لا خلاف بين الأمة أنَّ صاحب السلعة أحق الناس بالسوم في سلعته، وأولى بطلب الثمن فيها، ولا يجوز ذلك إلَّا له أو لمن وكله على البيع» اهـ. ٢ - جواز الشرط في البيع. وقد سبق الكلام فيه في شرح الحديث الماضي. ٣ - جواز اشتراط بعض منفعة المبيع إذا كانت معلومة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٦٥ - ١٦٦): «فصل: ويصح أن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة، مثل أن يبيع داراً، ويستثني سكناها شهراً، أو جملاً، ويشترط ظهره إلى مكان معلوم، أو عبداً، ويستثني خدمته سنة. نص على هذا أحمد. وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وقال الشافعي، وأصحاب الرأي: لا يصح الشرط؛ لنهي النبي ﷺ عن بيع وشرط، ولأنَّه ينافي مقتضى البيع، فأشبه ما لو شرط أن لا يسلمه، وذلك؛ لأنَّه شرط تأخير تسليم المبيع إلى أن يستوفي البائع منفعته، ولأنَّ مقتضى البيع ملك المبيع ومنافعه، وهذا شرط ينافيه، وقال ابن عقيل: فيه رواية ثانية، أنَّه يبطل البيع والشرط، نقلها عبد الله بن محمد الفقيه، في الرجل يشتري من الرجل جارية، ويشترط أن تخدمه، فالبيع باطل.

стр. 4850

وهذه الرواية لا تدل على محل النزاع في هذه المسألة، فإنَّ اشتراط خدمة الجارية باطل لوجهين؛ أحدهما، أنَّها مجهولة، وإطلاقها يقتضي خدمتها أبداً، وهذا لا خلاف في بطلانه، إنَّما الخلاف في اشتراط منفعة معلومة. الثاني، أن يشترط خدمتها بعد زوال ملكه عنها، فيفضي إلى الخلوة بها، والخطر برؤيتها، وصحبتها، ولا يوجد هذا في غيرها، ولذلك منع إعارة الجارية الشابة لغير محرمها. وقال مالك: إذا اشترط ركوباً إلى مكان قريب، جاز، وإن كان إلى مكان بعيد كره؛ لأنَّ اليسير تدخله المسامحة. ولنا، ما روى جابر: أنَّه باع النَّبي ﷺ جملاً، واشترط ظهره إلى المدينة. وفي لفظ قال: فبعته بأوقية، واستثنيت حملانه إلى أهلي. متفق عليه. وفي لفظ قال: فبعته منه بخمس أواق، قال: قُلْتُ: على أنَّ لي ظهره إلى المدينة. قال: ولك ظهره إلى المدينة. ورواه مسلم. ولأنَّ النَّبي ﷺ : نهى عن الثنيا إلَّا أن تعلم. وهذه معلومة، ولأنَّ المنفعة قد تقع مستثناة بالشرع على المشتري فيما إذا اشترى نخلة مؤبرة، أو أرضاً مزروعة، أو داراً مؤجرة، أو أمة مزوجة، فجاز أن يستثنيها،

стр. 4851

كما لو اشترط البائع الثمرة قبل التأبير، ولم يصح نهي النبي ﷺ عن بيع وشرط. وإنَّما نهى عن شرطين في بيع، فمفهومه إباحة الشرط الواحد، وقياسهم ينتقض باشتراط الخيار والتأجيل في الثمن» اهـ. قُلْتُ: سبق الكلام على الشروط، وما يحل منها، وما لا يحل في شرح الحديث الماضي. ٤ - بركة النبي ﷺ . ٥ - عطف النبي ﷺ على أصحابه. ٦ - عظيم كرم النبي ﷺ . ٧ - جواز المماكسة في البيع. ٨ - جواز ضرب الحيوان للمصلحة. ٩ - وفيه جواز تأجيل الثمن في البيع. ١٠ - وفيه جواز إضافة الشيء إلى مالكه أولاً، فإنَّ النبي ﷺ قال لجابر: «خُذْ جَمَلَكَ». مع أنَّه قد انتقل من ملكه. ١١ - جواز مخاطبة النبي ﷺ بـ"لا" في الأمور الجائزة. والسبب في قول جابر ذلك هو أنَّ نفسه لم تطب أن يأخذ ثمناً من رسول الله ﷺ وأراد أن يهبه له هبة، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٣٠٩)، ومسلم (٧١٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى

стр. 4852

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ القَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟»، قُلْتُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «مَا لَكَ؟»، قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، قَالَ: «أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَعْطِنِيهِ»، فَأَعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَهُ، فَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ مِنْ أَوَّلِ القَوْمِ، قَالَ: «بِعْنِيهِ»، فَقُلْتُ: بَلْ، هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «بَلْ بِعْنِيهِ قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ»، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ، قَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ؟»، قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قَدْ خَلَا مِنْهَا، قَالَ: «فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ»، قُلْتُ: إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ، وَتَرَكَ بَنَاتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ امْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا، قَالَ: «فَذَلِكَ»، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، قَالَ: «يَا بِلَالُ، اقْضِهِ وَزِدْهُ»، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَزَادَهُ قِيرَاطًا، قَالَ جَابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَكُنِ القِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. ١٢ - الإلحاح في البيع، وإنَّما ألح النبي ﷺ على جابر في بيع جمله ليحسن إليه كما يدل عليه الحديث. ١٣ - وفيه هبة المبيع لمن باعه. ١٤ - وفيه أنَّ الأمير ينبغي أن يكون في مؤخرة السير حتى يتفاقد ضعفاء المسلمين. ١٥ - جواز شراء الإمام من رعيته.

стр. 4853

١٦ - وفيه جواز طلب بيع السلعة ممن لم يعرضها للبيع. * * *

стр. 4854

٢٦٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا». قُلْتُ: لا أعلم ما وجه إدخال هذا الحديث في شروط البيع، فإنَّ الشرط الذي في آخره من شروط النكاح لا البيع. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - النهي عن بيع حاضر لباد. وقد سبق الكلام فيه. ٢ - النهي عن النجش. وقد سبق الكلام فيه. ٣ - النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه. وقد سبق الكلام فيه. ٤ - النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه. وهذا مقيد بما إذا لم يترك الخطبة، أو يأذن لغيره فيها، لما رواه البخاري (٥١٤٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ». واقتصر مسلم (١٤١٢) على قوله: «لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ». وجاء في حديث أبي هريرة في البخاري (٥١٤٤): «حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ».

стр. 4855

وجاء في حديث عقبة بن عامر في مسلم (١٤١٤) أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ». قُلْتُ: وإذا أذن الخاطب لمعين بالخطبة جاز لغير من عينه أن يتقدم للخطبة من غير إذنه لقول النبي ﷺ : «أَوْ يَتْرُكَ». وهذا الذي أذن لغيره بالخطبة يعتبر تاركاً لها. والله أعلم. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٠): «واستدل به على أنَّ الخاطب الأول إذا إذن للخاطب الثاني في التزويج ارتفع التحريم، ولكن هل يختص ذلك بالمأذون له أو يتعدى لغيره لأنَّ مجرد الإذن الصادر من الخاطب الأول دال على إعراضه عن تزويج تلك المرأة وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها. الظاهر الثاني فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص ولغير المأذون له بالإلحاق، ويؤيده قوله في الحديث الثاني من الباب: "أو يترك"» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٩٣): «لكن يبقى النظر في أنَّه إذا أذن لشخص مخصوص في الخطبة هل لغيره الخطبة أيضاً؛ لأنَّ الإذن لشخص يدل على الإعراض عن الخطبة إذ لا يمكن تزويج المرأة لخاطبين أو ليس لغيره الخطبة إذ لم يؤذن له وزوال المنع إنَّما كان للإذن هذا محتمل والأرجح الأول» اهـ.

стр. 4856

قُلْتُ: وهكذا إذا لم يحصل الرضا بالخاطب جازت الخطبة على خطبته، والحجة في ذلك ما رواه مسلم (١٤٨٠) عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ. والشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ لم ينكر اجتماع رجلين في خطبتها، بل خطبها لثالث، وهو أسامة بن زيد، وذلك لعلمه أنَّها لم تصرح بالرضا لواحد منهما، ويدل على ذلك أنَّها جاءت مستشيرة في أمرها النَّبي ﷺ . قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٠): «والحجة فيه قصة فاطمة بنت قيس فإنَّها لم تخبره برضاها بواحد منهما ولو أخبرته بذلك لم يشر عليها بغير من اختارت» اهـ.

стр. 4857

قُلْتُ: وهذا النهي لا يقتضي فساد النكاح عند جمهور العلماء؛ وذلك لأنَّ الخطبة ليست من شروط النكاح ولا من أركانه. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٠): «وإذا وجدت شروط التحريم ووقع العقد للثاني فقال الجمهور يصح مع ارتكاب التحريم، وقال داود يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وعند المالكية خلاف كالقولين، وقال بعضهم يفسخ قبله لا بعده. وحجة الجمهور أنَّ المنهي عنه الخطبة والخطبة ليست شرطاً في صحة النكاح فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٩٧): «واحتجاج القائل بالبطلان بأنَّ النهي يقتضي الفساد مردود؛ لأنَّ المنهي عنه الخطبة والخطبة ليست شرطاً في صحة النكاح بحيث إذا فسدت فسد النكاح لأنَّه لو تزوج من غير تقدم خطبة جاز فتحريم الخطبة لا يقتضي فساد النكاح، والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: إنَّما خطب ليتزوج فالخطبة وسيلة لا غاية، فالنهي عن خطبته على خطبة أخيه نهي عن نكاحه من باب أولى والنهي عن الوسائل نهي عن الغايات بطريق الأولى، وذلك أنَّ النهي عن مقدمات الفعل مبالغة في النهي عن عينه فكيف ينهى عن مقدمات الفعل ولا ينهى عن عينه؟ هذا مما لا يستقيم ولا تأتي بمثله الشريعة.

стр. 4858

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٦/ ٣١٠): «ومن ينصر الأول يقول: لا نسلم أنَّ التحريم ليس مقارناً للعقد، فإنَّ النَّبي ﷺ نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن أن يبتاع أيضاً، وهذا نهي عن نفس العقد، ونهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه. منبهاً بذلك على النهي عن عقد النكاح، فإنَّه هو المقصود الأكبر بالنهي، كما أنَّه لما نهى عن قربان مال اليتيم كان ذلك تنبيهاً على النهي عن أخذه فإنَّ النَّهي عن مقدمات الفعل أبلغ من النهي عن عينه» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٠): «ولكن العقد الثاني هل يقع صحيحاً أو باطلاً؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: - وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد - أنَّ عقد الثاني باطل؛ فتنزع منه وترد إلى الأول. والثاني: أنَّ النكاح صحيح؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ فيعاقب من فعل المحرم ويرد إلى الأول جميع ما أخذ منه. والقول الأول أشبه بما في الكتاب والسنة» اهـ. قُلْتُ: ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام حسن في ذلك فقد قَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٢٨٥ - ٢٨٦):

стр. 4859

«وكذلك المخطوبة إن شاء هذا الخاطب أن يفسخ نكاح هذا المعتدي عليه ويتزوجها برضاه؛ فله ذلك، وإن شاء أن يمضي نكاحها فله ذلك، وهو إذا اختار فسخ نكاحها عاد الأمر إلى ما كان. إن شاءت نكحته وإن شاءت لم تنكحه؛ إذ مقصوده حصل بفسخ نكاح الخاطب. وإذا قيل: هو غير قلب المرأة علي. قيل: إن شئت عاقبناه على هذا؛ بأن نمنعه من نكاح تلك المرأة، فيكون هذا قصاصاً لظلمه إياك. وإن شئت عفوت عنه فأنفذنا نكاحه» اهـ. وقد حرر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ نزاع العلماء في هذه المسألة فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٧): «ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا يحل للرجل أن يخطب على خطبة أخيه: ولا يستام على سوم أخيه". ولهذا اتفق الأئمة الأربعة في المنصوص عنهم وغيرهم من الأئمة على تحريم ذلك وإنَّما تنازعوا في صحة نكاح الثاني؟ في قولين: أحدهما: أنَّه باطل؛ كقول مالك وأحمد في إحدى الروايتين. والآخر: أنَّه صحيح؛ كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى؛ بناءً على أنَّ المحرم هو ما تقدم على العقد وهو الخطبة. ومن أبطله قال: إنَّ ذلك تحريم للعقد بطريق الأولى. ولا نزاع بينهم في أنَّ فاعل ذلك عاص لله ورسوله؛ وإن نازع في ذلك بعض أصحابهم. والإصرار على المعصية مع العلم بها يقدح في دين الرجل وعدالته وولايته على المسلمين» اهـ.

стр. 4860

قُلْتُ: وتحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه مختصة فيما إذا كانت الخطبة الأولى جائزة فإن كانت محرمة كالواقعة في العدة لم تحرم الخطبة عليها. ٥ - واحتج به من قال: إنَّ النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه مختصة بالمسلم دون الكافر. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٠): «واستدل بقوله: "على خطبة أخيه" أنَّ محل التحريم إذا كان الخاطب مسلماً فلو خطب الذمي ذمية فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقاً وهو قول الأوزاعي ووافقه من الشافعية ابن المنذر، وابن جويرية، والخطابي. ويؤيده قوله في أول حديث عقبة بن عامر عند مسلم: "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته حتى يذر". وقال الخطابي: قطع الله الأخوة بين الكافر والمسلم فيختص النهي بالمسلم. وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرد المنع وقد ورد المنع مقيداً بالمسلم فبقي ما عدا ذلك على أصل الإباحة. وذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم في ذلك وأنَّ التعبير بأخيه خرج على الغالب فلا مفهوم له وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾، وَكَقَوْلِه: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، ونحو ذلك وبناه بعضهم على أنَّ هذا المنهي عنه هل هو من حقوق العقد واحترامه، أو من حقوق المتعاقدين فعلى الأول فالراجح ما قال الخطابي، وعلى الثاني فالراجح ما قال غيره. وقريب من

стр. 4861

هذا البناء اختلافهم في ثبوت الشفعة للكافر فمن جعلها من حقوق الملك أثبتها له ومن جعلها من حقوق المالك منع، وقريب من هذا البحث ما نقل عن ابن القاسم صاحب مالك أنَّ الخاطب الأول إذا كان فاسقاً جاز للعفيف أن يخطب على خطبته، ورجحه ابن العربي منهم وهو متجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفة فيكون الفاسق غير كفء لها فتكون خطبته كلا خطبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول، وقد أطلق بعضهم الإجماع على خلاف هذا القول، ويلتحق بهذا ما حكاه بعضهم من الجواز إذا لم يكن الخاطب الأول أهلاً في العادة لخطبة تلك المرأة كما لو خطب سوقي بنت ملك وهذا يرجع إلى التكافؤ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٨٣): «فصل: فإن كان الخاطب الأول ذمياً، لم تحرم الخطبة على خطبته. نص عليه أحمد، فقال: لا يخطب على خطبة أخيه، ولا يساوم على سوم أخيه، إنَّما هو للمسلمين، ولو خطب على خطبة يهودي أو نصراني، أو استام على سومهم، لم يكن داخلاً في ذلك؛ لأنَّهم ليسوا بإخوة للمسلمين. وقال ابن عبد البر: لا يجوز أيضاً؛ لأنَّ هذا خرج مخرج الغالب، لا لتخصيص المسلم به. ولنا، أنَّ لفظ النهي خاص في المسلمين، وإلحاق غيره به إنَّما يصح إذا كان مثله، وليس الذمي كالمسلم. ولا حرمته كحرمته، ولذلك لم تجب إجابتهم في دعوة الوليمة ونحوها.

стр. 4862

وقوله: خرج مخرج الغالب. قلنا: متى كان في المخصوص بالذكر معنى يصح أن يعتبر في الحكم، لم يجز حذفه ولا تعدية الحكم بدونه، وللأخوة الإسلامية تأثير في وجوب الاحترام، وزيادة الاحتياط في رعاية حقوقه، وحفظ قلبه، واستبقاء مودته، فلا يجوز بخلاف ذلك. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وقول الجمهور أقرب للعدل، فإنَّ أذية الذمي محرمة بغير حق. وما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره أقرب إلى ظاهر اللفظ، وترك ذلك أسلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ٣٠): «وهذا القول أصح أنَّه لا يجوز أن يخطب على خطبة غير المسلم إذا لم يكن حربياً، أمَّا إذا كان حربياً فليس له حق، لكن إذا كان معاهداً أو مستأمناً، أو ذمياً؛ لأنَّ هذا من باب حقوق العقد لا العاقد، فعلى هذا لا يجوز لنا أن نخطب على خطبة غير المسلمين، وأيضاً لو خطبنا على خطبة غير المسلم كان فيه مضرَّة على الإسلام، سيتصور غير المسلمين أنَّ الإسلام دين وحشية، واعتداء على الغير، وعدم احترام للحقوق، فما دام هذا الرجل خطبها وهو كفء لها في دينها، فلا يجوز لنا أن نعتدي عليه» اهـ. قُلْتُ: لا يظهر لي وجه كونه من حقوق العقد، بل الصحيح أنَّه من حقوق العاقد. ٦ - وظاهر الحديث شمول النهي الخطبة على خطبة الفاسق.

стр. 4863

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٠٨): «واعلم أنَّ الصحيح الذي تقتضيه الأحاديث وعمومها أنَّه لا فرق بين الخاطب الفاسق وغيره» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٩٦): «ظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين أن يكون الخاطب الأول فاسقاً أو لا وهذا هو الصحيح الذي تقتضيه الأحاديث وعمومها وذهب ابن القاسم صاحب مالك إلى تجويز الخطبة على خطبة الفاسق واختاره ابن العربي المالكي، وقال: لا ينبغي أن يختلف في هذا اهـ. قال والدي ﵀: وهو مردود؛ لعموم الحديث إذ الفسق لا يخرج عن الإيمان والإسلام على مذهب أهل السنة فلا يخرج بذلك عن كونه خطب على خطبة أخيه المسلم» اهـ. قُلْتُ: وهذا هو الصحيح، وهو مذهب الجمهور كما ذكره الحافظ ابن حجر عنهم في الفقرة السابقة. لكن إن كان فاسقاً لا تصح خطبته كالزاني المصر على زناه فيشرع أن يخطب على خطبته، وهكذا إذا كان مبتدعاً داعياً إلى بدعته وخطب امرأة صالحة فيجوز أن يخطب على خطبته لدفع الشر عنها.

стр. 4864

٧ - قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٢٩٨): «الحديث إنَّما ورد في النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه، وينبغي أن يلحق به خطبة المرأة على خطبة امرأة أخرى بأن ترغب امرأة في تزويج رجل من أهل الفضل وتخطبه فيركن إلى التزوج بها فتجيء امرأة أخرى فتخطبه، وقد ذكر ذلك شيخنا الإمام جمال الدين الإسنوي في "المهمات" فقال: نصوا على استحباب خطبة أهل الفضل من الرجال فإذا وقع ذلك فلا شك أنَّه يأتي في التحريم ما سبق في المرأة. انتهى. فإن قُلْتَ: الفرق بينهما أنَّه لا يمكن تزويج المرأة لرجلين ويمكن تزويج الرجل بامرأتين. قُلْتُ: الصورة فيما إذا لم يكن عزم الرجل أن يتزوج إلَّا بامرأة واحدة بحيث إن عرضت الثانية عليه نفسها يصرفه عن التزوج بالأولى لتميزها عليها في الأوصاف المقتضية للرغبة» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٠٠): «وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى خِطْبَةِ امْرَأَةٍ أُخْرَى إِلْحَاقًا لِحُكْمِ النِّسَاءِ بِحُكْمِ الرِّجَال وَصورته أَنْ ترغب أمرة فِي رَجُلٍ وَتَدْعُوهُ إِلَى تَزْوِيجِهَا فَيُجِيبُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَتَجِيءُ امْرَأَةٌ أُخْرَى فَتَدْعُوهُ وَتُرَغِّبُهُ فِي نَفْسِهَا وَتُزَهِّدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَقَدْ

стр. 4865

صَرَّحُوا بِاسْتِحْبَابِ خِطْبَةِ أَهْلِ الْفَضْلِ مِنَ الرِّجَالِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ هَذَا إِذَا كَانَ الْمَخْطُوبُ عَزَمَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ فَأَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَلَا تَحْرِيمَ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيْمُ بْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْمُبْدِعِ] (٦/ ٩٢): «وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي جَوَازُ خِطْبَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى خِطْبَةِ أُخْتِهَا، وَصَرَّحَ فِي "الِاخْتِيَارَاتِ" بِالْمَنْعِ، وَلَعَلَّ الْعِلَّةَ تُسَاعِدُهُ» اهـ. ٨ - نهي المرأة أن تسأل طلاق أختها لتنفرد بمعاشرة ومعروف زوجها. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٩٦): «ومعنى هذا الحديث: نهي المرأة الأجنبية أن تسأل الزوج طلاق زوجته، وأن ينكحها ويصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ونحوها ما كان للمطلقة. فعبر عن ذلك باكتفاء ما في الصحيفة مجازاً. قال الكسائي: وأكفأت الإناء كببته، وكفأته وأكفأته أملته، والمراد بأختها غيرها سواء كانت أختها من النسب، أو أختها في الإسلام، أو كافرة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٢٣٠): «قوله: "لتستفرغ صحفتها". مثل يريد بذلك الاستئثار عليها بحظها فتكون كمن أفرغ صحفة غيره فكفأ ما في إنائه فقلبه في إناء نفسه» اهـ. قُلْتُ: ويصح النكاح مع هذا الشرط الفاسد، وهو قول أكثر العلماء. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٨/ ١٦٦):

стр. 4866

«وفقه هذا الحديث أنَّه لا يجوز لامرأة ولا لوليها أن يشترط في عقد نكاحها طلاق غيرها، ولهذا الحديث وشبهه استدل جماعة من العلماء بأنَّ شرط المرأة على الرجل عند عقد نكاحها أنَّها إنَّما تنكحه على أن كل من يتزوجها عليها من النساء فهي طالق شرط باطل، وعقد نكاحها على ذلك فاسد يفسخ قبل الدخول لأنَّه شرط فاسد دخل في الصداق المستحل به الفرج ففسد لأنَّه طابق النهي. ومن أهل العلم من يرى الشرط باطلاً في ذلك كله والنكاح ثابت صحيح وهذا هو الوجه المختار وعليه أكثر علماء الحجاز وهم مع ذلك يكرهونها ويكرهون عقد النكاح عليها» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٤٦٢): «فصل: وإن تزوجها على طلاق امرأة له أخرى، لم تصح التسمية، ولها مهر مثلها. وهذا اختيار أبي بكر، وقول أكثر الفقهاء» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٠٧): «وتضمن حكمه ﷺ بطلان اشتراط المرأة طلاق أختها، وأنَّه لا يجب الوفاء به. فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها حتى صححتم هذا وأبطلتم شرط الضرة؟ قيل: الفرق بينهما أنَّ في اشتراط طلاق الزوجة من الإضرار بها، وكسر قلبها، وخراب بيتها، وشماتة أعدائها ما ليس في

стр. 4867

اشتراط عدم نكاحها، ونكاح غيرها، وقد فرق النص بينهما، فقياس أحدهما على الآخر فاسد» اهـ. ٩ - احتج به من قال: إنَّ هذا الحكم مختص بالمسلمة دون الكافرة. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٢٠): «وقد تقدم في باب لا يخطب الرجل على خطبة أخيه نقل الخلاف عن الأوزاعي وبعض الشافعية أنَّ ذلك مخصوص بالمسلمة وبه جزم أبو الشيخ في كتاب النكاح ويأتي مثله هنا» اهـ. ١٠ - قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٣٠١): «خرج بقوله: "لتكتفئ ما في صحفتها". ما إذا سألت طلاقها لمعنى آخر كريبة فيها لا ينبغي؛ لأجلها أن تقيم مع الزوج أو لضرر يحصل لها من الزوج أو يحصل للزوج منها» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٢٢٠): «وهو محمول على ما إذا لم يكن هناك سبب يجوز ذلك كريبة في المرأة لا ينبغي معها أن تستمر في عصمة الزوج ويكون ذلك على سبيل النصيحة المحضة، أو لضرر يحصل لها من الزوج، أو للزوج منها، أو يكون سؤالها ذلك بعوض وللزوج رغبة في ذلك فيكون كالخلع مع الأجنبي إلى غير ذلك من المقاصد المختلفة» اهـ. ١١ - وفيه ما يدل على تحريم الحسد. * * *

стр. 4868

بَابُ الرِّبَا وَالصَّرْفِ. ٢٦٩ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». الحديث رواه البخاري (٢١٣٤): «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». ورواه (٢١٧٠) بلفظ: «البُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». ورواه (٢١٧٤) بلفظ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».

стр. 4869

ورواه مسلم (١٥٨٦) بلفظ: «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». وبهذا يتبيَّن أنَّ لفظة: «وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ» ليس لها أصل في الصحيح، وجاءت عند الدارمي (٢٦٢٠)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٤٨٣). الربا في اللغة: الزيادة. والصرف لغة: قيل: الصوت، ومن ذلك صريف الأقلام أي صريرها، وسمي صرفاً لأنَّهم كانوا يزنون الدراهم والدنانير، فإذا وضعوها في الميزان يكون لها صريف، أي: صوت، وقيل الزيادة، ومنه سميت العبادة النافلة صرفاً، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «المَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ». رواه البخاري (١٨٧٠)، ومسلم (١٣٧٠) عن علي ﵁، وذهب الحسن البصري وغيره إلى أنَّ العدل الفريضة، والصرف النافلة، وعن الجمهور عكس ذلك، وقيل العدل الفدية، والصرف التوبة، وقيل غير ذلك. ذكره الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ١٤٤). وقيل: أصله رد الشيء عن وجهه، يقال: صرفه يصرفه صرفاً إذا رده وصرفت الرجل عني فانصرف، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ

стр. 4870

إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧]، وسميت هذه المعاملة بذلك لانصرافها عن سائر البيع في وجوب التقابض في المجلس، وتحريم التفاضل في الجنس الواحد. وقيل: أصله الإنفاق، كقولك: صرفت المال. وشرعاً: هو بيع نقد بنقد من غير جنسه، وإن كان بجنسه فهو مراطلة. قوله: «إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي: خذ وهات. قال نفطويه: سمي الذهب ذهباً لأنَّه يذهب ولا يبقى، وسميت الفضة فضةً لأنَّها تنفض ولا تبقى. قُلْتُ: الحديث وارد في الصحيحين بزيادة: «وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». فما أدري لما حذفها المؤلف ﵀ من الحديث. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - تحريم النسيئة في مصارفة الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وفي بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، ووجوب التقابض في جميع ذلك. وربا النسيئة يجري في جميع الأموال التي يجري فيها ربا الفضل إذا اتحدت العلة، سواء اتحدت الأجناس أو اختلفت بشرط الاتفاق في العلة، وأمَّا إذا اختلفت العلل فيجوز النسأ اتفاقاً كالذهب والفضة وسائر الأثمان مع غيرها من الأصناف الربوية.
следующие страницы →