Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاءِ ٢٩]، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: واختلف المشترطون للأجل في بيع السلم عن أقله، فمنهم من حده بشهر، ومنهم بثلاثة أيام ومنهم بساعة، وليس لهذه التحديدات حجة ظاهرة، وأي أجل ذكره مما يوجد فيه المبيع ويقدر على تسليمه فإنَّه يصح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٤٩):
«ومن شرط الأجل أن يكون مدة لها وقع في الثمن، كالشهر وما قاربه.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لو قدره بنصف يوم، جاز.
وقدره بعضهم بثلاثة أيام، وهو قول الأوزاعي؛ لأنَّها مدة يجوز فيها خيار الشرط، ولأنَّها آخر حد القلة، ويتعلق بها عندهم إباحة رخص السفر.
وقال الآخرون: إنَّما اعتبر التأجيل لأنَّ المسلم فيه معدوم في الأصل، لكون السلم إنَّما ثبت رخصة في حق المفاليس، فلا بد من الأجل ليحصل ويسلم؛ وهذا يتحقق بأقل مدة يتصور تحصيله فيها، ولنا أنَّ الأجل إنَّما اعتبر ليتحقق المرفق الذي شرع من أجله السلم، ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن، ولا يصح اعتباره بمدة الخيار؛ لأنَّ الخيار يجوز ساعة، وهذا لا يجوز، والأجل يجوز أن يكون أعواماً، وهم لا يجيزون الخيار أكثر من ثلاث، وكونها آخر حد القلة، لا يقتضي التقدير بها.
стр. 4797
وقولهم: إنَّ المقصود يحصل بأقل مدة. غير صحيح؛ فإنَّ السلم إنَّما يكون لحاجة المفاليس الذين لهم ثمار أو زروع أو تجارات ينتظرون حصولها، ولا تحصل هذه في المدة اليسيرة» اهـ.
٥ - احتج به على جواز السلم في اللحم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٢):
«فصل: ويصح السلم في اللحم. وبه قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأنَّه يختلف.
ولنا، قول النبي ﷺ : "من أسلم فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم".
وظاهره إباحة السلم في كل موزون. ولأننا قد بينا جواز السلم في الحيوان، فاللحم أولى» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز السلم فيه. والله أعلم.
٦ - وفيه ما يدل على جواز السلم في المعدوم عند العقد، ووجه الشاهد أنَّ من أسلف في الثمار سنة أو سنتين أو ثلاث فقد أسلم في معدوم عند العقد، والنبي ﷺ لم ينههم عن ذلك، وهذا مذهب الجمهور، وخالف أبو حنيفة فذهب إلى أنَّه لا بد من وجود المسلم به عند العقد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٥٣):
стр. 4798
«فصل: ولا يشترط كون المسلم فيه موجوداً حال السلم، بل يجوز أن يسلم في الرطب في أوان الشتاء، وفي كل معدوم إذا كان موجوداً في المحل. وهذا قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.
وقال الثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي: لا يجوز حتى يكون جنسه موجوداً حال العقد إلى حين المحل؛ لأنَّ كل زمن يجوز أن يكون محلاً للمسلم فيه لموت المسلم إليه، فاعتبر وجوده فيه كالمحل ولنا، أنَّ النَّبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم".
ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطاً لذكره، ولنهاهم عن السلف سنتين؛ لأنَّه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة، ولأنَّه يثبت في الذمة، ويوجد في محله غالباً، فجاز السلم فيه، كالموجود، ولا نسلم أن الدين يحل بالموت، وإن سلمنا فلا يلزم أن يشترط ذلك الوجود، إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال السلم مجهولة، والمحل ما جعله المتعاقدان محلاً، وها هنا لم يجعلاه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٤٥٢):
«والذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر بإمكان التسليم، لكن ضيقوا ما وسع الله، وشرطوا ما لم يشرطه، وخرجوا عن موجب القياس والمصلحة.
стр. 4799
أمَّا القياس فإنَّه أحد العوضين، فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن، وأمَّا المصلحة فإنَّ في اشتراط ذلك تعطيل مصالح الناس، إذ الحاجة التي لأجلها شرع الله ورسوله السلم الارتفاق من الجانبين، هذا يرتفق بتعجيل الثمن، وهذا يرتفق برخص الثمن، وهذا قد يكون في منقطع الجنس كما قد يكون في متصله فالذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأقومه بمصالح العباد» اهـ.
٧ - وفيه تسليم رأس المال في مجلس العقد، وهو مأخوذ من معنى السلف، والسلم لغةً. فلو أجل الثمن فلا يصح السلم، ويصير من بيع الكالئ بالكالئ، ومعناه بيع الدين بالدين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٥٧):
«مسألة: قال: "ويقبض الثمن كاملاً وقت السلم قبل التفرق" هذا الشرط السادس، وهو أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة وأكثر، ما لم يكن ذلك شرطاً؛ لأنَّه معاوضة لا يخرج بتأخير قبضه من أن يكون سلماً، فأشبه ما لو تأخر إلى آخر المجلس» اهـ.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥١٢):
стр. 4800
«والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض بالمؤخر الذي لم يقبض وهذا كما لو أسلم شيئاً في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق وهو بيع كالئ بكالئ» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٢٦٤):
«ولهذا نهي عن بيع الكالئ بالكالئ؛ لأنَّه عقد وإيجاب على النفوس بلا حصول مقصود لأحد الطرفين ولا لهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٤٥٢):
«فثبت أنَّ إباحة السلم على وفق القياس والمصلحة وشرع على أكمل الوجوه وأعدلها فشرط فيه قبض الثمن في الحال إذ لو تأخر لحصل شغل الذمتين بغير فائدة، ولهذا سمي سلماً لتسليم الثمن فإذا أخر الثمن دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه وكثرت المخاطرة ودخلت المعاملة في حد الغرر ولذلك منع الشارع أن يشترط فيه كونه من حائط معين لأنه قد يتخلف فيمتنع التسليم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (١/ ٣٦٤):
«ونهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وهو الدين المؤخر بالدين المؤخر، لأنَّه ذريعة إلى ربا النسيئة» اهـ.
قُلْتُ: وإن أخر بعض الثمن، فيبطل من السلم بمقدار ما لم يقبض.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٤/ ٣):
стр. 4801
«فلو تفرقا قبل قبضه بطل العقد، ولو تفرقا قبل قبض بعضه بطل فيما لم يقبض وسقط بقسطه من المسلم فيه» اهـ.
٨ - وظاهر إطلاق الحديث جواز السلم ممن ليس له أصل يرجع إليه كالمزارع مثلاً، ويدل عليه ما رواه البخاري (٢٢٥٤، ٢٢٥٥) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو بُرْدَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، فَسَأَلْتُهُمَا عَنِ السَّلَفِ، فَقَالَا: «كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّأْمِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى». قَالَ: قُلْتُ أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: «مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٦٦ - ٣٦٧):
«فهذا اختلاف من أبى بردة وعبد الله بن شداد في هذه المسألة وإنَّما كره السلم إلى من ليس عنده أصل من كرهه؛ لأنَّه جعله من باب الغرر، وأصل السلم أن يكون إلى من عنده مما يسلم فيه أصل، إلَّا أنَّه لما وردت السنة في السلم بالصفة المعلومة والكيل أو الوزن والأجل المعلوم كان ذلك عاماً فيمن عنده أصل وفيمن ليس عنده، وجماعة الفقهاء يجيزون السلم إلى من ليس عنده أصل، وحجتهم حديث عبد الله بن أبى أوفى، وهو نص فى ذلك» اهـ.
فائدة/ ذكر العلماء شروطاً لبيع السلم ومنها:
الشرط الأول: تسليم رأس المال في مجلس العقد. وقد سبق الكلام فيه قريباً.
стр. 4802
الشرط الثاني: العلم بالأجل إن كان مؤجلاً، وقد سبق الكلام فيه.
الشرط الثالث: معرفة قدر المسلم فيه، وقد سبق الكلام فيه.
الشرط الرابع: القدرة على التسليم عند وجوبه، ويعبر بعض العلماء عن هذا الشرط بقوله: أن يكون عام الوجود في محله.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٤/ ١١):
«وهذا الشرط ليس من خواص السلم بل يعم كل بيع كما سبق وإنَّما تعتبر القدرة على التسليم عند وجوبه، وذلك في البيع والسلم الحال في الحال وفي السلم المؤجل عند المحل، فلو أسلم في منقطع لدى المحل كالرطب في الشتاء أو فيما يعز وجوده كالصيد حيث يعز لم يصح.
فلو غلب على الظن وجوده لكن لا يحصله إلَّا بمشقة عظيمة كالقدر الكثير في الباكورة فوجهان:
أقربهما إلى كلام الأكثرين البطلان» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٥١):
«مسألة؛ قال: "موجوداً عند محله" هذا الشرط الخامس، وهو كون المسلم فيه عام الوجود في محله، ولا نعلم فيه خلافاً.
وذلك لأنَّه إذا كان كذلك، أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه.
стр. 4803
وإذا لم يكن عام الوجود، لم يكن موجوداً عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه، فلم يصح بيعه، كبيع الآبق، بل أولى؛ فإنَّ السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة، فلا يحتمل فيه غرر آخر، لئلا يكثر الغرر فيه، فلا يجوز أن يسلم في العنب والرطب إلى شباط أو آذار، ولا إلى محل لا يعلم وجوده فيه، كزمان أول العنب أو آخره الذي لا يوجد فيه إلَّا نادراً، فلا يؤمن انقطاعه» اهـ.
الشرط الخامس: أن يكون فيما ينضبط بالوصف.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٣ - ١٤):
«وجملة ذلك، أنَّ السلم، لا يصح إلَّا بشروط ستة:
أحدها، أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهراً، فيصح في الحبوب والثمار، والدقيق، والثياب، والإبريسم، والقطن، والكتان، والصوف، والشعر، والكاغد، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والأدوية، والطيب، والخلول، والأدهان، والشحوم، والألبان، والزئبق، والشب، والكبريت، والكحل، وكل مكيل، أو موزون، أو مزروع، وقد جاء الحديث في الثمار، وحديث ابن أبي أوفى في الحنطة، والشعير، والزبيب، والزيت.
وأجمع أهل العلم على أنَّ السلم في الطعام جائز، قاله ابن المنذر.
وأجمعوا على جواز السلم في الثياب.
стр. 4804
ولا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة، كالجوهر من اللؤلؤ، والياقوت، والفيروزج، والزبرجد، والعقيق، والبلور؛ لأنَّ أثمانها تختلف اختلافاً متبايناً بالصغر، والكبر، وحسن التدوير، وزيادة ضوئها، وصفائها، ولا يمكن تقديرها ببيض العصفور، ونحوه؛ لأنَّ ذلك يختلف؛ ولا بشيء معين، لأنَّ ذلك يتلف.
وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
وحكي عن مالك صحة السلم فيها، إذا اشترط منها شيئاً معلوماً وإن كان وزناً، فبوزن معروف.
والذي قلناه أولى؛ لما ذكرنا.
ولا يصح فيما يجمع أخلاطاً مقصودة غير متميزة، كالغالية، والند، والمعاجين التي يتداوى بها؛ للجهل بها، ولا في الحوامل من الحيوان؛ لأنَّ الولد مجهول غير متحقق، ولا في الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط؛ لأنَّ الصفة لا تأتي عليه.
وفيه وجه آخر، أنَّه يصح السلم فيه إذا ضبط بارتفاع حائطه، ودور أعلاه وأسفله؛ لأنَّ التفاوت في ذلك يسير، ولا يصح في القسي المشتملة على الخشب، والقرن، والعضب، والتوز، إذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك، وتمييز ما فيه منها.
وقيل: يجوز السلم فيها، والأولى ما ذكرنا.
قال القاضي: والذي يجمع أخلاطاً على أربعة أضرب؛ أحدها، مختلط مقصود متميز، كالثياب المنسوجة من قطن وكتان، أو قطن وإبريسم، فيصح السلم فيها،
стр. 4805
لأنَّ ضبطها ممكن الثاني، ما خلطه لمصلحته، وليس بمقصود في نفسه، كالإنفحة في الجبن، والملح في العجين والخبز، والماء في خل التمر والزبيب، فيصح السلم فيه؛ لأنَّه يسير لمصلحته.
الثالث، أخلاط مقصودة غير متميزة، كالغالية والند والمعاجين، فلا يصح السلم فيها؛ لأنَّ الصفة لا تأتي عليها.
الرابع، ما خلطه غير مقصود، ولا مصلحة فيه كاللبن المشوب بالماء، فلا يصح السلم فيه» اهـ.
الشرط السادس: أن يضبط بالوصف المؤثر في قيمة السلعة. وأمَّا الوصف الذي يختلف فيه الغرض ولا يؤثر في القيمة كاللون الذي لا يؤثر في القيمة مثلاً فلا يشترط ذكره فيصح السلم وإن لم يذكر على الصحيح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٣):
«الشرط الثاني، أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهراً فإنَّ المسلم فيه عوض في الذمة، فلا بد من كونه معلوماً بالوصف كالثمن، ولأنَّ العلم شرط في المبيع، وطريقه إمَّا الرؤية وإمَّا الوصف.
والرؤية ممتنعة هاهنا، فتعين الوصف.
والأوصاف على ضربين: متفق على اشتراطها، ومختلف فيها فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف؛ الجنس، والنوع، والجودة والرداءة. فهذه لا بد منها في كل مسلم فيه.
стр. 4806
ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في اشتراطها. وبه يقول أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
الضرب الثاني، ما يختلف الثمن باختلافه مما عدا هذه الثلاثة الأوصاف، وهذه تختلف باختلاف المسلم فيه، ونذكرها عند ذكره. وذكرها شرط في السلم عند إمامنا والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يكفي ذكر الأوصاف الثلاثة لأنَّها تشتمل على ما وراءها من الصفات.
ولنا، أنَّه يبقى من الأوصاف، من اللون والبلد ونحوهما، ما يختلف الثمن والغرض لأجله، فوجب، ذكره، كالنوع.
ولا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأنَّ ذلك يتعذر، وقد ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر تسليم المسلم فيه، إذ يبعد وجود المسلم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها، فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة التي يختلف الثمن بها ظاهراً.
ولو استقصى الصفات حتى انتهى إلى حال يندر وجود المسلم فيه بتلك الأوصاف، بطل السلم؛ لأنَّ من شرط السلم أن يكون المسلم فيه عام الوجود عند المحل، واستقصاء الصفات يمنع منه» اهـ.
الشرط السابع: أن يكون في موصوف في الذمة، فلا يصح أن يكون في معين.
الشرط الثامن: أن لا يكون مما يجري فيه ربا النسيئة بين الثمن وبين والمثمن.
стр. 4807
فائدة أخرى: عقد الاستصناع.
من المسائل التي يحتاج إلى معرفتها عقد الاستصناع، وهل يدخل في بيع السلم أو لا.
وقبل الخوض في ذلك نبدأ في تبيين حقيقة هذا العقد.
فَأَقُوْلُ: الاستصناع في اللغة: طلب الصنعة، والصنعة: عمل الصانع في صنعته أي حرفته.
وهو في اصطلاح الفقهاء: العقد مع صانع على عمل شيء معين في الذمة. كالعقد مع النجار على صناعة بعض الأبواب، والدواليب، وغير ذلك. ومثل ذلك أيضاً التعاقد مع الخياطين، والحدادين، وصناع الأواني والأحذية وغيرهم.
وفي هذا العقد تكون مادة الصنعة والعمل من الصانع، فإذا كانت العين من المستصنع لا من الصانع، فإنَّ العقد يكون إجارة لا استصناعاً. وتدخل في هذه المعاملة ما يسمى بالمقاولات، ويشترط في جميع ذلك أن تكون مواد العمل من الصانع، أو المقاول، وإلَّا كانت إجارة.
والذي عليه جمهور العلماء أنَّ الاستصناع على الصورة التي ذكرناها من بيع السلم، ويجري فيه شروط بيع السلم، وخالفت الحنفية فلم يجعلوه من السلم، ولم يجروا عليه جميع شروط السلم، فذهبوا إلى أنَّه لا يذكر فيه الأجل وإذا ذكر فيه صار سلماً وجرت عليه أحكام السلم وخالف في ذلك صاحبا أبي حنيفة فأجازاه لأجل ولغير أجل، وجوزت الحنفية تأخير جميع الثمن أو بعضه في هذه المعاقدة.
стр. 4808
وخالف زفر من الحنفية فذهب إلى عدم مشروعية الاستصناع على الصفة المذكورة عند الحنفية.
والذي عليه أكثر الحنفية أنَّ الاستصناع بيع عين وليس بإجارة، وذهب بعضهم إلى أنَّه إجارة.
ويشترط في الاستصناع عند من جوَّزه أن تكون مواد الصنع من الصانع لا من المستصنع فإذا كانت من المستصنع فإنَّ العقد يكون إجارة لا استصناعاً كما سبق.
وأكثر أهل العلم المعاصرين على صحة الاستصناع وأنَّه لا يشترط فيه تقديم الثمن في مجلس العقد فيجوز تقديم البعض وتأخير البعض، أو تأخير الجميع، وذهبوا إلى أنَّ الأجل شرط فيه.
وقد جعلوا الاستصناع عقداً مستقلاً لا يدخل في أي نوع من أنواع العقود.
وهو متردد عندهم بين ثلاث عقود:
فهو يشبه عقد البيع لدخول المادة فيه وكونها من جهة الصانع.
وهو يشبه عقد الإجارة لدخول العمل فيه.
وهو يشبه عقد السلم لكونه في الذمة.
فلما لم يمكن اعتباره عقداً من هذه العقود لتردده بينها اعتبروه عقداً مستقلاً.
وَأَقُوْلُ: الذي عليه عامة العلماء - خلافاً لبعض الحنفية الذين جعلوه إجارة - هو أنَّ الاستصناع من جملة البيع وأنَّه عقد على المبيع بالصفات المتفق عليها.
стр. 4809
وإذا كان الأمر كذلك فبيع الشيء في الذمة إلى أجل هو السلم.
ودخول العمل في الاستصناع كدخول العمل من الزارع في أرضه، وذلك أنَّ من عَقَدَ السَّلَمَ مثلاً مع صاحب زرع على شيء معلوم من الحب فإنَّ الحب لا يتم إلَّا بعمل من الزارع، ومثل هذا العمل لا يخرج العقد عن أن يكون سلماً، وأجاز الجمهور السلم في الخبز وهو مما تدخله الصناعة.
فالصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء من أنَّ عقد الاستصناع من بيع السلم فلا بد من مراعاة شروطه الشرعية التي سبق ذكرها. والله أعلم.
ومن أراد أنَّ يتعامل بهذه المعاملة -وهي الاستصناع- فينبغي له أن يسلك في ذلك بعض الطرق الشرعية وهي كالآتي:
الأولى: أن يشتري المواد بنفسه ويعقد مع المصنع عقد إجارة بأجرة معلومة.
الثانية: أن يوكل المصَنِّع بشراء مواد التصنيع ثم يوليه صناعتها بأجرة معلومة.
الثالث: أن يعقد مع المصنع عقد سلم وتكون مادة التصنيع من قبل المصَنِّع ويراعى في ذلك سائر شروط السلم.
ولا يجوز في عقد السلم أن يشترط أن تكون السلعة من صناعة البائع نفسه، أو من صنعة صانع آخر معين، بل يجب أن يكون العقد مبهماً.
* * *
стр. 4810
بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ.
٢٦٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ: فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ. فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَوَلاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ: لَهُمْ. فَأَبَوْا عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ. فَقَالَتْ: إنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي، فَأَبَوْا إلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلاءُ. فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: "خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ. فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ. فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ. قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ. وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ. وَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - مشروعية المكاتبة.
٢ - أنَّ مكاتبة الأمة كالعبد.
٣ - جواز مكاتبة المتزوجة بغير إذن زوجها وإن كان يتضرر من ذلك بفراقها له إن اختارت الفراق، فإنَّ بريرة كانت متزوجة.
стр. 4811
٤ - أنَّ من كاتب لا تلزمه خدمة سيده، وهذا مأخوذ من تمكين بريرة من السعي في أداء دين المكاتبة.
٥ - وفيه حل المسألة لمن أراد قضاء دين المكاتبة.
٦ - وفيه تأجيل دين المكاتبة.
٧ - وفيه حل كسب الإماء إذا علم وجهه وأنَّه في الطبيات، وأمَّا ما رواه البخاري (٢٢٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ». فهو محمول على الكسب الخبيث، كالكسب بالزنا. أو ما لا يعرف وجهه.
٨ - وفيه جواز تعجيل دين المكاتبة.
٩ - وفيه أنَّ المرأة الرشيدة لها أن تتصرف بمالها في البيع وغيره، ولو كانت متزوجة.
١٠ - واحتج به من قال: إنَّه يجوز لمن أراد أن يشتري عبداً ليعتقه أن يعلم سيد العبد بما أراد ليتساهل معه في الثمن.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٩٣):
«وأنَّه لا بأس لمن أراد أن يشتري للعتق أن يظهر ذلك لأصحاب الرقبة ليتساهلوا له في الثمن ولا يعد ذلك من الرياء» اهـ.
قُلْتُ: وشبيه بهذا ما يقوم به كثير من الناس إذا أرادوا أن يشتروا أرضاً لبناء مسجد عليها من إعلام مالك الأرض بما يريدونه من شرائهم لهذه الأرض من
стр. 4812
أجل التساهل معهم في الثمن، وهكذا ما يقوم به من أراد أن يشتري بعض ما يحتاج إليه المسجد من أدوات من إعلام البائع بنيته، ونحو ذلك.
قُلْتُ: وليس في حديث عائشة أنَّها أخبرتهم بذلك من أجل أن يتساهلوا معها في الثمن، بل الأمر بخلاف ذلك فإنَّها دفعت ثمن بريرة المؤجل حالاً من غير نقصان، والعادة أنَّ الثمن الحال أقل من الثمن المؤجل.
١١ - وفيه جواز إنكار المنكر الذي وقع فيه بعض الناس علناً من غير تسمية من وقع فيه.
قُلْتُ: ويجوز تسمية الواقع في المنكر والتحذير منه إذا كان ما أتى به من المنكر يضر عامة المسلمين، كأرباب البدع، ودعاة الفسق والفجور.
١٢ - وفيه استحباب افتتاح الخطب بالحمد والثناء.
١٣ - وفيه استحباب قول الخطيب: "أمَّا بعد" في خطبته.
١٤ - وفيه استحباب القيام في الخطبة.
١٥ - وفيه أنَّ الولاء لمن أعتق.
١٦ - وفيه جواز قبول المشتري للشرط الفاسد الذي علم البائع فساده وأبى إلَّا اشتراطه، ولا يلزم المشتري الوفاء به.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٣٧ - ٣٤١):
стр. 4813
«في قول النبي ﷺ لعائشة: "ابتاعيها واشترطي لهم الولاء فإنَّما الولاء لمن أعتق". فإنَّ هذا أشكل على كثير من الناس حتى إنَّ منهم من قال: انفرد به هشام دون الزهري وظن ذلك علة فيه. والحديث في الصحيحين لا علة فيه. ومنهم من قال: "اشترطي لهم": بمعنى عليهم. قالوا: ومثله قوله تعالى ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي عليهم اللعنة. ونقل هذا حرملة عن الشافعي. ونقل عن المزني وهو ضعيف:
أمَّا أولاً: فإنَّ قوله: "اشترطي لهم" صريح في معناه واللام للاختصاص، وأمَّا قوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ فمثل قوله: لهم العذاب، ولهم خزي، وهو معنى صحيح؛ ليس المراد أنَّهم يملكون اللعنة؛ بل هنا إذا قيل: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ والمراد أنَّهم يجزون بها، وإذا قيل: عليهم فالمراد الدعاء عليهم باللعنة فالمعنيان مفترقان. وقد يراد بقوله: "عليهم" الخبر: أي وقعت عليهم فحرف الاستعلاء غير ما أفاده حرف الاختصاص وإن كانا يشتركان في أن أولئك ملعونون. وقوله: "اشترطي لهم" مباين لمعنى اشترطي عليهم فكيف يفسر معنى اللفظ بمعنى ضده، وأيضاً فعائشة قد كانت اشترطت ذلك عليهم وقالت: "إن شاءوا عددتها لهم عدة واحدة ويكون ولاؤك لي فامتنعوا". وأيضاً فإنَّ ثبوت الولاء للمعتق لا يحتاج إلى اشتراطه؛ بل هو إذا أعتق كان الولاء له سواء شرط ذلك على البائع أو لم يشرط.
стр. 4814
يبقى حمل الحديث على أنَّ هذا يشعر بأنَّ الولاء إنَّما يصير لهم إذا شرطته وهذا باطل. ومن تدبر الحديث تبين له قطعاً أنَّ الرسول لم يرد هذا.
وأمَّا ما دل عليه الحديث: فأشكل عليهم من جهتين. من جهة أنَّ الرسول كيف يأمر بالشرط الباطل. والثاني من جهة أنَّ الشرط الباطل كيف لا يفسد العقد. وقد أجاب طائفة بجواب ثالث ذكره أحمد وغيره. وهو أنَّ القوم كانوا قد علموا أنَّ هذا الشرط منهي عنه فأقدموا على ذلك بعد نهي النَّبي ﷺ فكان وجود اشتراطهم كعدمه، وبين لعائشة أنَّ اشتراطك لهم الولاء لا يضرك فليس هو أمراً بالشرط؛ لكن إذناً للمشتري في اشتراطه إذا أبى البائع أن يبيع إلَّا به وإخباراً للمشتري أنَّ هذا لا يضره ويجوز للإنسان أن يدخل في مثل ذلك. فهو إذن في الشراء مع اشتراط البائع ذلك وإذن في الدخول معهم في اشتراطه لعدم الضرر في ذلك ونفس الحديث صريح في أنَّ مثل هذا الشرط الفاسد لا يفسد العقد. وهذا هو الصواب. وهو قول ابن أبي ليلى وغيره وهو مذهب أحمد في أظهر الروايتين عنه. وإنَّما استشكل الحديث من ظن أنَّ الشرط الفاسد يفسد العقد وليس كذلك؛ لكن إن كان المشترط يعلم أنَّه شرط محرم لا يحل اشتراطه فوجود اشتراطه كعدمه؛ مثل هؤلاء القوم. فيصح اشتراء المشتري ويملك المشتري وبلغو هذا الشرط الذي قد علم البائع أنَّه محرم لا يجوز الوفاء به. وأمَّا أولئك القوم فإن كانوا قد علموا بالنهي قبل استفتاء عائشة فلا شبهة. لكن ليس في
стр. 4815
الحديث ما يدل عليه؛ بل فيه أنَّ النَّبي ﷺ قام عشية فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط". وهذا كان عقب استفتاء عائشة، وقد علم أولئك بهذا بلا ريب وكان عقد عائشة معهم بعد هذا الإعلام من الرسول ﷺ فإمَّا أن يكونوا تابوا عن هذا الشرط، أو أقدموا عليه مع العلم بالتحريم. وحينئذ فلا يضر اشتراطه. هذا هو الذي يدل عليه الحديث وسياقه. ولا إشكال فيه ولله الحمد والمنة. وأمَّا إن كان المشترط لمثل هذا الشرط الباطل جاهلاً بالتحريم ظاناً أنَّه شرط لازم، فهذا لا يكون البيع في حقه لازماً ولا يكون أيضاً باطلاً. وهذا ظاهر مذهب أحمد؛ بل له الفسخ إذا لم يعلم أنَّ هذا الشرط لا يجب الوفاء به؛ فإنَّه إنَّما رضي بزوال ملكه بهذا الشرط، فإذا لم يحصل له فملكه له إن شاء، وإن شاء أن ينفذ البيع أنفذه، كما لو ظهر بالمبيع عيب، وكالشروط الصحيحة إذا لم يوف له بها إذا باع بشرط رهن أو ضمين فلم يأت به فله الفسخ وله الإمضاء.
والقول بأنَّ البيع باطل في مثل هذا ضعيف مخالف للأصول؛ بل هو غير لازم يتسلط فيه المشتري على الفسخ كالمشتري للمعيب وللمصراة ونحوهما؛ فإنَّ حقه مخير بتمكينه من الفسخ. وقد قيل في مذهب أحمد: إنَّ له أرش ما نقص من الثمن بإلغاء هذا الشرط كما قيل مثل ذلك في المعيب وهو أشهر الروايتين عنه. والرواية الأخرى لا يستحق إلَّا الفسخ؛ وإنَّما له الأرش بالتراضي أو عند تعذر الرد كقول
стр. 4816
جمهور الفقهاء. وهذا أصح؛ فإنَّه كما أنَّ المشترط لم يرض إلَّا بالشرط فلا يلزم البيع بدونه؛ بل له الخيار فكذلك الآخر لم يرض إلَّا بالثمن المسمى، وإن كان رضي به مع الشرط فإذا ألغى الشرط وصار الولاء له فهو لم يرض بأكثر من الثمن في هذه الصورة بل إن شاء فسخ البيع فلا يلزم بالزيادة؛ بل إذا أعطى الثمن فإن شاء الآخر قبل وأمضى وإن شاء فسخ البيع وإن تراضيا بالأرش جاز لكن لا يلزم به واحد منهما إلَّا برضاه فإنَّه معاوضة عن الجزء الفائت. وهكذا يقال في نظائر هذا … » اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٤٨):
«وإن عرف أنَّه حرام وشرطه فهو كشرط أهل بريرة: شرطه باطل ولا يبطل العقد. ولا فرق في ذلك بين النكاح والبيع وغير ذلك من العقود» اهـ.
١٧ - وفيه جواز الشراء بالنسيئة.
١٨ - وفيه جواز مكاتبة من لا مال له ولا حرفة.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٩٣):
«وفي الحديث أيضاً جواز كتابة من لا حرفة له وفاقاً للجمهور واختلف عن مالك وأحمد؛ وذلك أنَّ بريرة جاءت تستعين على كتابتها ولم تكن قضت منها شيئاً فلو كان لها مال أو حرفة لما احتاجت إلى الاستعانة لأنَّ كتابتها لم تكن حالة، وقد وقع
стр. 4817
عند الطبري مِنْ طَرِيْقِ أبي الزبير عن عروة أنَّ عائشة ابتاعت بريرة مكاتبة وهي لم تقض من كتابتها شيئاً. وتقدمت الزيادة من وجه آخر» اهـ.
١٩ - وفيه أنَّ العد في الدراهم الصحاح المعلومة الوزن يكفي عن الوزن.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٩٣):
«لكن يحتمل قول عائشة أعدها لهم عدة واحدة أي أدفعها لهم وليس مرادها حقيقة العد ويؤيده قولها في طريق عمرة في الباب الذي يليه: "أن أصب لهم ثمنك صبه واحدة"» اهـ.
قُلْتُ: رواه البخاري (٢٥٦٤) عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ ﵂: فَقَالَتْ لَهَا: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً، فَأُعْتِقَكِ، فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ بَرِيرَةُ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا، فَقَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى: فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
٢٠ - وفيه جواز البيع بشرط العتق.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٩٣):
«وفيه جواز البيع على شرط العتق بخلاف البيع بشرط أن لا يبيعه لغيره ولا يهبه مثلاً» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز كل ذلك.
стр. 4818
٢١ - وفيه جواز بيع المكاتب.
٢٢ - وفيه جواز قبول خبر المرأة الواحدة، ولو كانت أمة، فإنَّ النَّبي ﷺ قبل خبرها، وبنى عليه الإنكار على من اشترط الشرط الفاسد.
٢٣ - وفيه الإنكار على من جاء بمخالفة بمجرد خبر العدل الواحد، ولا يشترط في ذلك من إقامة شاهدين عدلين.
٢٤ - وفيه جواز السجع في الكلام إذا لم يكن متكلفاً.
٢٥ - وفيه تحريم الشروط المخالفة لكتاب الله .
والمراد بكتاب الله في هذا الحديث حكمه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٤٧):
«فإذا كان المشروط مخالفاً لكتاب الله وشرطه كان الشرط باطلاً. وهذا معنى قوله ﷺ "من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق". فإنَّ قوله: "من اشترط شرطاً" أي مشروطاً وقوله: "ليس في كتاب الله" أي ليس المشروط في كتاب الله فليس هو مما أباحه الله كاشتراط الولاء لغير المعتق والنسب لغير الوالد وكالوطء بغير ملك يمين ولا نكاح ونحو ذلك مما لم يبحه الله بحال. ومن ذلك تزوج المرأة بلا مهر ولهذا قال: "كتاب الله
стр. 4819
أحق وشرط الله أوثق". وهذا إنَّما يقال: إذا كان المشروط يناقض كتاب الله وشرطه فيجب تقديم كتاب الله وشرطه ويقال: "كتاب الله أحق وشرط الله أوثق". وأمَّا إذا كان نفس الشرط والمشروط لم ينص الله على حله؛ بل سكت عنه؛ فليس هو مناقضاً لكتاب الله وشرطه حتى يقال: "كتاب الله أحق وشرطه أوثق". فقوله: "من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله". أي مخالفاً لكتاب الله. وسواء قيل: المراد من الشرط المصدر أو المفعول. فإنَّه متى خالف أحدهما كتاب الله خالفه الآخر؛ بخلاف ما سكت عنه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩):
«وأمَّا معارضتها بما ذكرتم فليس بحمد الله بينها وبينه تعارض وهذا إنَّما يعرف بعد معرفة المراد بكتاب الله في قوله: "ما كان من شرط ليس في كتاب الله". ومعلوم أنَّه ليس المراد به القرآن قطعاً فإنَّ أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن بل علمت من السنة، فعلم أنَّ المراد بكتاب الله حكمه كقوله:
﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وقول النبي ﷺ : "كتاب الله القصاص". في كسر السن، فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وحكمه الذي حكم به على لسان رسوله، ومعلوم أنَّ كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له فيكون باطلاً فإذا كان الله ورسوله ﷺ قد حكم بأنَّ الولاء للمعتق فشرط خلاف ذلك يكون شرطاً مخالفاً لحكم الله، ولكن أين في هذا أنَّ ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلاً حراماً. وتعدي حدود الله هو تحريم ما أحله الله أو
стр. 4820
إباحة ما حرمه أو إسقاط ما أوجبه، لا إباحة ما سكت عنه وعفا عنه بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده» اهـ.
قُلْتُ: وللشروط الفاسدة صور كثيرة منها:
الصورة الأولى: أن يكون الشرط في أمر مجهول. فإنَّ ذلك من جملة الغرر المنهي عنه.
ويدخل في ذلك إذا اشترط ألَّا خسارة عليه، فإنَّ مقتضى ذلك أنَّ البائع يتحمل خسارة المشتري، وذلك مما يجهل مقداره.
وهكذا إذا باع بيتاً واشترط سكناها ما شاء ونحو ذلك من الشروط المجهولة.
الصورة الثانية: أن يكون الشرط منافي لمقصود العقد. كشرط الفسخ عند حلول أجل معين.
وكأن يشترط أنَّه متى نفق المبيع وإلَّا رده، فإنَّ هذا شرط منافي لمقصود العقد، فإنَّه مشروط فيه الفسخ عند عدم الرواج، وشرط الفسخ منافٍ لمقصود العقد، كشرط الطلاق في النكاح مثلاً.
الصورة الثالثة: أن يكون الشرط من الشروط الربوية.
الصورة الرابعة: أن يكون الشرط من شروط القمار، وغير ذلك من الشروط المخالفة للكتاب والسنة.
قُلْتُ: وهناك شروط مختلف فيها:
стр. 4821
فمنها: الجمع بين البيع والإجارة المعلومة كأن يقول: بعتك هذه البيت وأجرتكها شهراً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ١٧١):
«فصل: ولو قال: بعتك هذه الدار وأجرتكها شهراً.
لم يصح؛ لأنَّه إذا باعه فقد ملك المشتري المنافع، فإذا أجره إياها، فقد شرط أن يكون له بدل في مقابلة ما ملكه المشتري فلم يصح».
ثم قال ﵀: «ويحتمل الجواز بناء على اشتراط منفعة البائع في المبيع» اهـ.
قُلْتُ: والصحيح جواز ذلك، فإنَّ غاية ما في ذلك أنَّه اشترط شيئاً من منافع المبيع لنفسه مدةً معينة، ومن قال بفساد ذلك طولب بالدليل.
ومنها: أن يشترط إن هو باعه فالبائع أحق به بالثمن الأول.
وهذا الشرط متنازع فيه، وقد أجازه الإمام أحمد ﵀ في إحدى الروايتين عنه، وهو الصحيح.
ومنها: إذا شرط البائع على المشتري أن لا يبيع ما اشتراه ولا يهبه.
وهذا الشرط عند كثير من العلماء من الشروط الفاسدة، ولا يظهر لي فساده فإنَّ البائع قد يكون له غرض صحيح في هذا الشرط كأن تكون له جارية يحبها واحتاج إلى بيعها فباعها لرجل يعرف منه الدين والإحسان ويخشى أنَّها إذا انتقلت إلى غيره حصل لها شيء من الضرر فيشترط مثل هذا الشرط، وكأن يبيع شيئاً لصديق بثمن بخس وغرضه بهذا البيع انتفاع صديقه بذلك الشيء وإلَّا لما
стр. 4822
باعه له فيشترط عليه ذلك الشرط، فالذي يظهر لي صحة ذلك ولا أعلم حجة قوية في منعه، وغاية ما احتج به من قال بفساده أنَّه شرط منافي لمقتضى العقد، وسيأتي قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد. قيل له: أينافي مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقاً؟ فإن أراد الأول: فكل شرط كذلك. وإن أراد الثاني: لم يسلم له؛ وإنَّما المحذور: أن ينافي مقصود العقد كاشتراط الطلاق في النكاح أو اشتراط الفسخ في العقد. فأمَّا إذا شرط ما يقصد بالعقد لم يناف مقصوده. هذا القول هو الصحيح: بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافي» اهـ.
ومنها: شرط البيع بعد انتهاء الإجارة، وهو الذي يسمى بالإجارة المنتهية بالتمليك، والصحيح عدم جوازه.
وقد جاء في قرار مجلس هيئة كبار العلماء في موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك قرار رقم [١٩٨] وتاريخ ٦/ ١١/ ١٤٢٠ هـ:
«الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فإنَّ مجلس هيئة كبار العلماء درس موضوع الإيجار المنتهي بالتمليك في دوراته التاسعة والأربعين، والخمسين، والحادية والخمسين، بناء على استفتاءات متعددة وردت إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، واطلع على
стр. 4823
البحوث المعدة في الموضوع من قِبل عدد من الباحثين، وفي دورته الثانية والخمسين المنعقدة في مدينة الرياض ابتداء من تاريخ ٢٩/ ١٠/ ١٤٢٠ هـ، استأنف دراسة هذا الموضوع، وبعد البحث والمناقشة رأى المجلس بالأكثرية أنَّ هذا العقد غير جائز شرعاً لما يأتي:
أولاً: أنَّه جامع بين عقدين على عين واحدة غير مستقر على أحدهما وهما مختلفان في الحكم متنافيان فيه، فالبيع يوجب انتقال العين بمنافعها إلى المشتري، وحينئذٍ لا يصح عقد الإجارة على المبيع؛ لأنَّه ملك للمشتري، والإجارة توجب انتقال منافع العين فقط إلى المستأجر، والمبيع مضمون على المشتري بعينه ومنافعه، فتلفه عليه عيناً ومنفعة، فلا يرجع بشيء منهما على البائع، والعين المستأجرة من ضمان مؤجرها، فتلفها عليه عيناً ومنفعة، إلَّا أن يحصل من المستأجر تعدٍ أو تفريط.
ثانياً: أنَّ الأجرة تقدر سنوياً أو شهرياً بمقدار مقسط يستوفي به قيمة المعقود عليه، يعده البائع أجرة من أجل أن يتوثق بحقه حيث لا يمكن للمشتري بيعه، مثال ذلك: إذا كانت قيمة العين التي وقع عليها العقد خمسين ألف ريال، وأجرتها شهرياً ألف ريال حسب المعتاد جعلت الأجرة ألفين، وهي في الحقيقة قسط من الثمن حتى تبلغ القيمة المقدرة، فإن أعسر بالقسط الأخير مثلاً سحبت منه.
ثالثاً: إنَّ هذا العقد وأمثاله أدى إلى تساهل الفقراء في الديون حتى أصبح ذمم كثير منهم مشغولة منهكة، وربما يؤدي إلى إفلاس بعض الدائنين؛ لضياع حقوقهم في ذمم الفقراء.
стр. 4824
ويرى المجلس أن يسلك المتعاقدان طريقاً صحيحاً وهو أن يبيع الشيء ويرهنه على ثمنه، ويحتاط لنفسه بالاحتفاظ بوثيقة العقد واستمارة السيارة، ونحو ذلك.
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم» اهـ.
قُلْتُ: ولا تخلو هذه المعاملة من شيء من القمار، وذلك أنَّ المستأجر يدفع أكثر من قيمة الإجارة ليغنم العين المستأجرة في نهاية مدة الإجارة، وإذا عجز عن قسط من الأقساط فإنَّه يغرم ما دفعه مما هو زائد على أجرة المثل وهذا هو عين القمار.
وفيها أيضاً تعليق البيع إلى أجل مجهول وهذا لا يشرع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٩/ ٣٤٢):
«وَلَا تَعْلِيقُ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ بِأَنْ يَقُولَ إذَا جَاءَ الْمَطَرُ أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ أَوْ إذَا جَاءَ زَيْدٌ أَوْ إذَا غربت الشمس أو ما أَشْبَهَ هَذَا فَقَدْ بِعْتُكَهُ وَهَذَا عَقْدٌ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْ بيع الغرر» اهـ.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ١٢):
«ولا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل كمجيء المطر، وقدوم زيد، وطلوع الشمس، لأنه غرر، ولأنه عقد معاوضة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل، كالنكاح» اهـ.
وهناك من المعاصرين من أجاز الإجارة المنتهية بالتمليك إذا كان التمليك عن طريق الهبة لا البيع كما ذهب إلى ذلك مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية عشرة
стр. 4825
بالرياض في المملكة العربية السعودية، من ٢٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ إلى غرة رجب ١٤٢١ هـ (٢٣ - ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٠ م). قراره رقم: ١١٠ (٤/ ١٢).
وهذا القول فيه نظر فقد نهى النبي ﷺ عن سلف وبيع.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٦٢ - ٦٣):
«فنهى ﷺ عن أن يجمع بين سلف وبيع. فإذا جمع بين سلف وإجارة فهو جمع بين سلف وبيع أو مثله. وكل تبرع يجمعه إلى البيع والإجارة مثل: الهبة والعارية والعرية والمحاباة في المساقاة والمزارعة وغير ذلك: هي مثل القرض. فجماع معنى الحديث: أن لا يجمع بين معاوضة وتبرع؛ لأنَّ ذلك التبرع إنَّما كان لأجل المعاوضة؛ لا تبرعاً مطلقاً، فيصير جزءاً من العوض فإذا اتفقا على أنَّه ليس بعوض جمعا بين أمرين متنافيين؛ فإنَّ من أقرض رجلاً ألف درهم وباعه سلعة تساوي خمسمائة بألف: لم يرض بالإقراض إلَّا بالثمن الزائد للسلعة والمشتري لم يرض ببذل ذلك الثمن الزائد إلَّا لأجل الألف التي اقترضها، فلا هذا باع بيعاً بألف ولا هذا أقرض قرضاً محضاً؛ بل الحقيقة: أنَّه أعطاه الألف والسلعة بألفين فهي مسألة "مد عجوة" فإذا كان المقصود أخذ ألف بأكثر من ألف: حرم بلا تردد وإلَّا خرج على الخلاف المعروف، وهكذا من اكترى الأرض التي تساوي مائة بألف وأعراه الشجر أو رضي من ثمرها بجزء من ألف جزء. فمعلوم بالاضطرار: أنَّه إنَّما تبرع بالثمرة لأجل الألف التي أخذها وأنَّ المستأجر
стр. 4826
إنَّما بذل الألف لأجل الثمرة فالثمرة هي جل المقصود المعقود عليه أو بعضه فليست الحيلة إلَّا ضرباً من اللعب والإفساد؛ وإلَّا فالمقصود المعقود عليه ظاهر» اهـ.
قُلْتُ: وهذا الذي استأجر بشرط الهبة فقد جمع بين تبرع - وهي الهبة- ومعاوضة -وهي الإجارة-.
ويكون بهذا قد جمع بين أمرين متنافيين فإنَّ الهبة تبرع، وكون الواهب إنَّما وهب بشرط الإجارة صارت الهبة معاوضة، والمعاوضة والتبرع أمران متنافيان لا يجتمعان.
٢٦ - وفيه حل الشروط التي لا تخالف كتاب الله .
قُلْتُ: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تحرير نفيس حول الشروط التي تصح والتي لا تصح مدون في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١٢٦ - ١٣٨) حيث قال:
«القاعدة الثالثة: في العقود والشروط فيها فيما يحل منها ويحرم وما يصح منها ويفسد. ومسائل هذه القاعدة كثيرة جداً. والذي يمكن ضبطه فيها قولان:
أحدهما: أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر؛ إلَّا ما ورد الشرع بإجازته. فهذا قول أهل الظاهر وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا. وكثير من أصول الشافعي وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد. فإنَّ أحمد قد يعلل أحياناً بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس. كما قاله في
стр. 4827
إحدى الروايتين في وقف الإنسان على نفسه. وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنَّها تخالف مقتضى العقد ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل.
أمَّا أهل الظاهر فلم يصححوا لا عقداً ولا شرطاً إلَّا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع. وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه واستصحبوا الحكم الذي قبله وطردوا ذلك طرداً جارياً؛ لكن خرجوا في كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم غيرهم.
وأمَّا أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنَّه لا يصحح في العقود شروطاً يخالف مقتضاها في المطلق. وإنَّما يصحح الشرط في المعقود عليه إذا كان العقد مما يمكن فسخه. ولهذا أبطل أن يشترط في البيع خيار ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع بحال. ولهذا منع بيع العين المؤجرة. وإذا ابتاع شجرة عليها ثمر للبائع فله مطالبته بإزالته. وإنَّما جوز الإجارة المؤخرة؛ لأنَّ الإجارة عنده لا توجب الملك إلَّا عند وجود المنفعة أو عتق العبد المبيع أو الانتفاع به أو أن يشترط المشتري بقاء الثمر على الشجر وسائر الشروط التي يبطلها غيره. ولم يصحح في النكاح شرطاً أصلاً لأنَّ النكاح عنده لا يقبل الفسخ. ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار أو نحوهما. ولا يبطل بالشروط الفاسدة مطلقاً. وإنَّما صحح أبو حنيفة خيار الثلاثة الأيام للأثر وهو عنده موضع استحسان. والشافعي يوافقه على أنَّ كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل؛ لكنه يستثني مواضع للدليل الخاص. فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث ولا استثناء منفعة المبيع ونحو ذلك مما فيه تأخير
стр. 4828
تسليم المبيع حتى منع الإجارة المؤخرة؛ لأنَّ موجبها - وهو القبض - لا يلي العقد ولا يجوز أيضاً ما فيه منع المشتري من التصرف المطلق إلَّا العتق؛ لما فيه من السنة والمعنى؛ لكنه يجوز استثناء المنفعة بالشرع كبيع العين المؤجرة على الصحيح في مذهبه وكبيع الشجر مع استيفاء الثمرة مستحقة البقاء ونحو ذلك. ويجوز في النكاح بعض الشروط دون بعض ولا يجوز اشتراطها دارها أو بلدها ولا أن يتزوج عليها ولا يتسرى ويجوز اشتراط حريتها وإسلامها. وكذلك سائر الصفات المقصودة على الصحيح من مذهبه كالجمال ونحوه. وهو ممن يرى فسخ النكاح بالعيب والإعسار وانفساخه بالشروط التي تنافيه كاشتراط الأجل والطلاق ونكاح الشغار. بخلاف فساد المهر ونحوه. وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول؛ لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي كالخيار أكثر من ثلاث كاستثناء البائع منفعة المبيع واشتراط المرأة على زوجها أن لا ينقلها ولا يزاحمها بغيرها ونحو ذلك من المصالح. فيقولون: كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل. إلَّا إذا كان فيه مصلحة للمتعاقدين. وذلك أنَّ نصوص أحمد تقتضي أنَّه جوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه الشافعي. فقد يوافقونه في الأصل ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى كما قد يوافق هو أبا حنيفة في الأصل ويستثني أكثر مما يستثني للمعارض. وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر ويتوسعون في الشروط أكثر منهم؛ لقولهم بالقياس والمعاني
стр. 4829
وآثار الصحابة ولما يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر. وعمدة هؤلاء: قصة بريرة المشهورة. وهو ما خرجاه في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني. فقُلْتُ: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس. فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلَّا أن يكون لهم الولاء فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء. فإنَّما الولاء لمن أعتق". ففعلت عائشة ثم قام رسول الله ﷺ في الناس. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أمَّا بعد ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق. وإنما الولاء لمن أعتق". وفي رواية للبخاري: "اشتريها فأعتقيها وليشترطوا ما شاءوا"، فاشترتها فأعتقتها واشترط أهلها ولاءها فقال النبي ﷺ : "الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط". وفي لفظ: "شرط الله أحق وأوثق". وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر: أنَّ عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية لتعتقها. فقال أهلها: نبيعكها على أنَّ ولاءها لنا؟ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . فقال: "لا يمنعك ذلك. فإنَّما الولاء لمن أعتق". وفي مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: أرادت عائشة أن تشتري جارية فتعتقها، فأبى أهلها
стр. 4830
إلَّا أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعك ذلك، فإنَّما الولاء لمن أعتق". ولهم من هذا الحديث حجتان.
إحداهما: قوله: "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل". فكل شرط ليس في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع: فليس في كتاب الله بخلاف ما كان في السنة أو في الإجماع. فإنَّه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع. ومن قال بالقياس - وهو الجمهور - قالوا: إذا دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله: فهو في كتاب الله.
والحجة الثانية: أنَّهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء؛ لأنَّ العلة فيه: كونه مخالفاً لمقتضى العقد. وذلك: لأنَّ العقود توجب مقتضياتها بالشرع. فيعتبر تغييرها تغييراً لما أوجبه الشرع؛ بمنزلة تغيير العبادات. وهذا نكتة القاعدة. وهي أنَّ العقود مشروعة على وجه فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغيير للمشروع؛ ولهذا كان أبو حنيفة ومالك والشافعي - في أحد القولين - لا يجوزون أن يشترط في العبادات شرطاً يخالف مقتضاها. فلا يجوزون للمحرم أن يشترط الإحلال بالعذر متابعة لعبد الله بن عمر حيث كان ينكر الاشتراط في الحج. ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم؟. وقد استدلوا على هذا الأصل بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قالوا: فالشروط والعقود التي لم تشرع تعد لحدود
стр. 4831
الله وزيادة في الدين. وما أبطله هؤلاء من الشروط التي دلت النصوص على جوازها بالعموم أو بالخصوص قالوا: ذلك منسوخ. كما قاله بعضهم في شروط النَّبي ﷺ مع المشركين عام الحديبية أو قالوا: هذا عام أو مطلق فيخص بالشرط الذي في كتاب الله.
واحتجوا أيضاً بحديث يروى في حكاية عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وشريك: أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث. وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء. وذكروا أنَّه لا يعرف وأنّ الأحاديث الصحيحة تعارضه وأجمع الفقهاء المعروفون - من غير خلاف أعلمه من غيرهم - أنَّ اشتراط صفة في المبيع ونحوه كاشتراط كون العبد كاتباً أو صانعاً أو اشتراط طول الثوب أو قدر الأرض ونحو ذلك: شرط صحيح.
القول الثاني: أنَّ الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلَّا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصاً أو قياساً عند من يقول به. وأصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه؛ لكن أحمد أكثر تصحيحاً للشروط. فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحاً للشروط منه. وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس؛ لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعاً من الصحة ولا يعارض ذلك بكونه شرطاً يخالف مقتضى العقد أو لم يرد به نص. وكان قد بلغه في
стр. 4832
العقود والشروط من الآثار عن النَّبي ﷺ والصحابة ما لا تجده عند غيره من الأئمة. فقال بذلك وبما في معناه قياساً عليه وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص: فقد يضعفه أو يضعف دلالته. وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس. وقد يعتمد طائفة من أصحابه عمومات الكتاب والسنة التي سنذكرها في تصحيح الشروط. كمسألة الخيار أكثر من ثلاث مطلقاً فمالك يجوزه بقدر الحاجة وأحمد في إحدى الروايتين عنه يجوز شرط الخيار في النكاح أيضاً. ويجوزه ابن حامد وغيره في الضمان ونحوه. ويجوز أحمد استثناء بعض منفعة الخارج من ملكه في جميع العقود واشتراط قدر زائد على مقتضاها عند الإطلاق، فإذا كان لها مقتضى عند الإطلاق جوز الزيادة عليه بالشرط والنقص منه بالشرط؛ ما لم يتضمن مخالفة الشرع. كما سأذكره إن شاء الله. فيجوز للبائع أن يستثني بعض منفعة المبيع كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك إذا كانت تلك المنفعة مما يجوز استبقاؤها في ملك الغير اتباعاً لحديث جابر لما باع النبي ﷺ جمله واستثنى ظهره إلى المدينة. ويجوز أيضاً للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته أو حياة السيد أو غيرهما اتباعاً لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة واشترطت عليه خدمة النبي ﷺ ما عاش. ويجوز - على عامة أقواله -: أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها. كما في حديث صفية. وكما فعله أنس بن مالك وغيره وإن لم ترض المرأة؛ كأنَّه أعتقها واستثنى منفعة البضع؛ لكنه
стр. 4833
استثناها بالنكاح إذ استثناؤها بلا نكاح غير جائز بخلاف منفعة الخدمة. ويجوز أيضاً للواقف إذا وقف شيئاً أن يستثني منفعته وغلته جميعها لنفسه لمدة حياته. كما روي عن الصحابة أنَّهم فعلوا ذلك. وروي فيه حديث مرسل عن النَّبي ﷺ . وهل يجوز وقف الإنسان على نفسه؟ فيه عنه روايتان. ويجوز أيضاً - على قياس قوله - استثناء بعض المنفعة في العين الموهوبة والصداق وفدية الخلع والصلح على القصاص ونحو ذلك من أنواع إخراج الملك سواء كان بإسقاط كالعتق أو بتمليك بعوض كالبيع. أو بغير عوض كالهبة. ويجوز أحمد أيضاً في النكاح عامة الشروط التي للمشترط فيها غرض صحيح؛ لما في الصحيحين عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج".
ومن قال بهذا الحديث قال: إنَّه يقتضي أنَّ الشروط في النكاح أوكد منها في البيع والإجارة. وهذا مخالف لقول من يصحح الشروط في البيع دون النكاح. فيجوز أحمد أن تستثني المرأة ما يملكه الزوج بالإطلاق فتشترط أن لا تسافر معه ولا تنتقل من دارها، وتزيد على ما يملكه بالإطلاق فتشترط أن تكون مخلية به فلا يتزوج عليها ولا يتسرى. ويجوز - على الرواية المنصوصة عنه المصححة عند طائفة من أصحابه - أن يشترط كل واحد من الزوجين في الآخر صفة مقصودة كاليسار والجمال ونحو ذلك ويملك الفسخ بفواته. وهو من أشد الناس قولاً بفسخ النكاح وانفساخه فيجوز فسخه بالعيب كما لو تزوج عليها وقد شرطت
стр. 4834
عليه أن لا يتزوج عليها، وبالتدليس كما لو ظنها حرة فظهرت أمة، وبالخلف في الصفة على الصحيح كما لو شرط الزوج أن له مالاً فظهر بخلاف ما ذكر. وينفسخ عنده بالشروط الفاسدة المنافية لمقصوده كالتوقيت واشتراط الطلاق. وهل يبطل بفساد المهر كالخمر والميتة ونحو ذلك؟ فيه عنه روايتان. إحداهما: نعم كنكاح الشغار. وهو رواية عن مالك. والثانية: لا ينفسخ؛ لأنَّه تابع وهو عقد مفرد كقول أبي حنيفة والشافعي. وعلى أكثر نصوصه يجوز أن يشترط على المشتري فعلاً أو تركاً في المبيع مما هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه. وإن كان أكثر متأخري أصحابه لا يجوزون من ذلك إلَّا العتق. وقد يروى ذلك عنه؛ لكن الأول أكثر في كلامه. ففي "جامع الخلال" عن أبي طالب: سألت أحمد عن رجل اشترى جارية فشرط أن يتسرى بها: تكون جارية نفيسة يحب أهلها أن يتسرى بها ولا تكون للخدمة؟ قال: لا بأس به.
وقال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى من رجل جارية فقال له: إذا أردت بيعها فأنا أحق بها بالثمن الذي تأخذها به مني؟ قال: لا بأس به ولكن لا يطؤها ولا يقربها وله فيها شرط؛ لأنَّ ابن مسعود قال لرجل: لا تقربنها ولأحد فيها شرط. وقال حنبل: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنَّ ابن مسعود اشترى جارية من امرأته وشرط لها: إن باعها فهي لها بالثمن الذي اشتراها به. فسأل ابن مسعود
стр. 4835
عن ذلك عمر بن الخطاب. فقال: لا تنكحها وفيها شرط. وقال حنبل: قال عمي: كل شرط في فرج فهو على هذا. والشرط الواحد في البيع جائز إلَّا أن عمر كره لابن مسعود أن يطأها؛ لأنَّه شرط لامرأته الذي شرط. فكره عمر أن يطأها وفيها شرط. وقال الكرماني سأل أحمد عن رجل اشترى جارية وشرط لأهلها أن لا يبيعها ولا يهبها؟ فكأنَّه رخص فيه. ولكنهم إن اشترطوا له إن باعها فهو أحق بها بالثمن؟ فلا يقربها. يذهب إلى حديث عمر بن الخطاب حين قال لعبد الله بن مسعود. فقد نص في غير موضع على أنَّه إذا أراد البائع بيعها لم يملك إلَّا ردها إلى البائع بالثمن الأول كالمقايلة. وأكثر المتأخرين من أصحابه على القول المبطل لهذا الشرط وربما تأولوا قوله: "جائز" أي العقد جائز وبقية نصوصه تصرح بأنَّ مراده "الشرط" أيضاً. واتبع في ذلك القصة المأثورة عن عمر وابن مسعود وزينب امرأة عبد الله: ثلاثة من الصحابة. وكذلك اشتراط المبيع فلا يبيعه ولا يهبه أو يتسراها ونحو ذلك مما فيه تعيين لمصرف واحد كما روى عمر بن شبة في أخبار عثمان: أنَّه اشترى من صهيب داراً وشرط أن يقفها على صهيب وذريته من بعده. وجماع ذلك: أنَّ الملك يستفاد به تصرفات متنوعة. فكما جاز بالإجماع استثناء بعض المبيع وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه جوز أيضاً استثناء بعض التصرفات. وعلى هذا فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد. قيل له: أينافي مقتضى العقد المطلق أو مقتضى العقد مطلقاً؟ فإن أراد الأول: فكل شرط كذلك. وإن أراد الثاني: لم يسلم له؛ وإنَّما المحذور: أن ينافي مقصود العقد كاشتراط
следующие страницы →