Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
وعند سداد القرض يحتاج أن يدفع له ديناراً كاملاً يأخذ منه نصفه ويصارفه في النصف الباقي، ويمكن أن يأخذ عند السداد ما يقابل نصف الدينار من الدراهم بسعر يوم السداد.
وهناك حيلة أخرى في المسألة السابقة وهي أن يعطيه الدينار ويقول له: خذ نصف الدينار مقابل ما اشتريته منك، وقد وكلتك في النصف الآخر أن تصرفه لي من مالك أو من مال غيرك بخمسة دراهم مثلاً وقد أشار إلى ذلك العلامة ابن قدامة ﵀ في قوله السابق: «وكذلك إن وكله فيه». والله أعلم.
المسألة الثالثة: تحويل المال من بلد إلى آخر.
أَقُولُ: تحويل المال من بلد إلى آخر على صورتين:
الصورة الأولى: أن يعطي جهة التحويل عملة سعودية مثلاً على أن يستلمها المحول له في البلد الآخر عملة يمنية، وهذه مصارفة ربوية لعدم التقابض فيها، ويشترط في المصارفة التقابض في المجلس.
لكن إن دفع لجهة التحويل عملة سعودية مثلاً على أن يستلمها المحول له في البلد الآخر عملة يمنية وأعطته جهة التحويل وثيقة بالعملة اليمنية، فهل يعد قبض هذه الوثيقة كقبض العملة اليمنية فيتم التقابض بذلك. هذا مما تنازع فيه أهل العلم.
стр. 4902
فمن أهل العلم من أجاز ذلك، وجعل قبض السند كقبض المال، ومن أهل العلم من منع من ذلك، لأنَّ قبض السند لا يعد قبضاً للمال، ويدل على ذلك أنَّ الحق لا يضيع بضياع السند أو تلفه.
وممن أجاز ذلك اللجنة الدائمة.
فقد جاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩): «س ١: ما حكم المال المحول من عملة لعملة أخرى، مثلاً أقبض راتبي بالريال السعودي، وأحوله للريال السوداني، علماً بأنَّ الريال السعودي يساوي ثلاثة ريالات سودانية، هل هذا ربا؟
ج ١: يجوز تحويل الورق النقدي لدولة إلى ورق نقدي لدولة أخرى، ولو تفاوت العوضان في القدر؛ لاختلاف الجنس، كما في المثال المذكور في السؤال، لكن بشرط التقابض في المجلس، وقبض الشيك أو ورقة الحوالة حكمه حكم القبض في المجلس.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
стр. 4903
وجاء في [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤): «س: عندي مبلغ من المال بالريال السعودي في البنك، وأريد تحويله إلى دولارات أو أي عملة أجنبية، والبنك لا يحوله إلى حسابي بنفس العملة المطلوبة نقداً، أو يفتح له حساباً خاصاً، إنَّما يعطيني مقابل هذا المبلغ شيكاً على حسابه بقيمة العملة المطلوبة، قابلاً لبيعه عليه أو على غيره من البنوك بنفس سعره اليوم في السوق، فهل هذا جائز؟ إذا أراد المسافر إلى أي بلد خارجي هل يجوز له أخذ شيكات من حسابه بالريال محولاً إلى عملة بالبلد المسافر إليه؟
ج: أولاً: إذا أردت شراء عملة أجنبية بالنقد المحلي فلا مانع بشرط التقابض في المجلس، ويقوم استلام الشيك مقام قبض النقود التي تضمنها الشيك المصدق.
ثانياً: يجوز للمسافر استبدال النقد المحلي بعملة أجنبية بالشرط السابق، أي: يداً بيد.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: ومنع من ذلك الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقد جاء في "فتاوى نور على الدرب": «المرسل م. م. ي من الرياض يسأل عن التحويل بواسطة النقود يقول ما حكم تحويل الدراهم عن طريق البنك بمعنى أن أدفع ريالاً سعودياً هنا في
стр. 4904
السعودية، ويعطي لي درهماً مغربياً هناك بموجب الشيك يسلم إليَّ وأبعثه إلى المغرب عن طريق البريد وبعد ذلك يستلم به المبلغ المبعوث هناك والمتفق عليه؟.
فأجاب رحمه الله تعالى: فهمنا من هذا السؤال أنَّه يريد صرف نقد بنقد بدون قبض بمعنى أنَّه يصرف دراهم سعودية إلى دراهم مغربية بدون أن يقبض العوض هذا وجه، وجه آخر أنَّه يقبض الشيك الذي حول إلى دراهم مغربية وقد سلم دراهم سعودية، أمَّا الأول فإنَّه ربا لأننا نرى أنَّ التعامل في هذه الأوراق النقدية يجري فيه ربا النسيئة بمعنى أنَّه لا يصرف بعضها إلى بعض إلَّا يداً بيد؛ لأنَّها نقود اختلف نوعها فتكون بمنزلة الذهب والفضة، والذهب والفضة إذا بيع أحدهما بالآخر فلا بد أن يكون يداً بيد، وأمَّا تحويله إلى شيك فهو أيضاً مثل الأول لأنَّ الشيك يعتبر ورقة تحويل وليس قبضاً للعوض وبهذا لو فرض أنَّه لم يجد رصيداً للجهة التي حول إليها بهذا الشيك يرجع به على الأول ولا يعتبر مستلماً لما حول به، ما دام أنَّ الشيك بيده حتى يقبض عوضه، فلا فرق بين أن يسلم شيكاً به أو يكتب معه كتاب ويبلغ به الجهة الأخرى هذا هو رأينا في هذه المسألة، هذه الأوراق النقدية اختلف فيها الناس اختلافاً كثيراً على نحو ستة أقوال لأهل العلم لكن الذي يترجح لي هو ما أشرت إليه أنَّه يجري فيه ربا النسيئة دون ربا الفضل فنقول الآن الطريق السليم إلى هذا أن تشتري من هنا دراهم مغربية وتعطيها للبنك يحولها لك إلى المغرب مثلاً أو تشتري دولاراً أمريكياً من
стр. 4905
هنا وتعطيه البنك يحوله لك في أمريكا وهكذا، وأمَّا أن تعطيهم عملة سعودية ثم تقبض عوضها عملة أخرى في البلد الذي حولت عليه فلا يجوز هذا» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة ما قاله الشيخ ابن عثيمين ﵀.
ومما يدل على أنَّ استلام الشيك أو السند، أو الصك لا يعتبر قبضاً لما كتب فيه ما رواه مسلم (١٥٢٨) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى»، قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ، «فَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا»، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.
قُلْتُ: فأبو هريرة نهى عن بيع الصكوك، ولو كانت تقوم مقام القبض لما نهى عن ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٢٩ - ٣٠): «و"الصكوك": جمع صَك. وهي: التواقيع السُّلطانية بالأرزاق. وهذا البيع الذي أنكره أبو هريرة للصُّكوك إنَّما هو بيع من اشتراه من رزقه، لا بيع من رزقه؛ لأنَّ الذي رزقه وصل إليه الطعام على جهة العطاء، لا المعاوضة. ودليل ذلك ما ذكره مالك في "الموطأ"،
стр. 4906
قال: إنَّ صكوك الجار خرجت للناس في زمن مروان من طعام الجار، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، وذكر الحديث في "الموطأ" أيضًا: أنَّ حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر للناس، فباع حكيم الطعام حتى يستوفيه، فبلغ ذلك عمر، فردَّه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته قبل أن تستوفيه.
إن قيل: فما في "الموطأ" يدل على فسخ البيعين: بيع المعطى له، وبيع المشترى منه؛ إذ فيه: أنَّ مروان بعث الحرس لينتزعوا الصكوك من أيدي الناس، ولم يفرق. فالجواب ما قد بينه بتمام الحديث، حيث قال: ويردُّونها إلى من ابتاعها. وكذلك فعل عمر بحكيم، فإنَّه ردَّ الطعام عليه؛ لأنَّه هو الذي كان اشتراه من الذي أعطيه، فباعه قبل أن يستوفيه كما قد نصَّ عليه فيه. والجار موضع معروف بالسَّاحل كان يجتمع فيه الطعام فيُرزق الناس منه» اهـ.
قُلْتُ: ووجه الربا فيه ما رواه البخاري (٢١٣٢) عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، «نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: «ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ».
ورواه مسلم (١٥٢٥) عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ»، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ فَقَالَ: «أَلَا تُرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَسْطَلَانِي ﵀ فِي [إِرْشَادِ السَّارِيِّ] (٤/ ٥٦): «ومعنى الحديث أن يشتري من إنسان طعامًا بدينار إلى أجل ثم يبيعه منه أو من غيره قبل
стр. 4907
أن يقبضه بدينارين مثلاً فلا يجوز لأنَّه في التقدير بيع ذهب بذهب والطعام غائب فكأنَّه قد باعه ديناره الذي اشترى به الطعام بدينارين فهو ربًا» اهـ.
الصورة الأخرى: وهي أنَّ يحول شخص مالاً من بلده إلى بلد آخر بنفس العملة فيقوم وكيله بالبلد الآخر بأخذ عملة أخرى بسعر اليوم.
وهذه الصورة مما لا إشكال في جوازها، وهي داخلة في قبض الدين بعملة أخرى بسعر يوم القضاء، وذلك أنَّ الحوالات داخلة عندهم أهل العلم في "السفتجة" والسفتجة داخلة في مسائل القرض، وحقيقة هذه المعاملة أنَّ صاحب المصرف مقترض من المحول، ومسدد لقرضه في البلد الآخر، ووكيل المحول في البلد الآخر مستلم للقرض، ومستلم القرض يجوز أن يستلمه بجنسه أو بجنس آخر بمثل سعره في يوم السداد. وتكون حينئذ من المصارفة بين ذمة وعين وهو مشروع في قول أكثر العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٧٥): «فصل: ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الأخر، ويكون صرفاً بعين وذمة، في قول أكثر أهل العلم» اهـ.
فإن قيل: لما لا تكون هذه المعاملة من باب البيع فيكون المحول قد اشترى بما معه من المال مالاً أخر في بلد آخر.
فالجواب: أنَّها لو كانت بيعاً لكانت من المعاملات الربوية، وذلك أنَّه لا يجوز بيع الأثمان بعضها ببعض إلَّا يداً بيد، ويستوي في ذلك تماثل الأثمان واختلافها.
стр. 4908
وقد سئل العلامة ابن عثيمين ﵀ كما في "فتاوى نور على الدرب" فقال السائل:
«ما حكم تحويل ريالات سعودية من المملكة مثلاً إلى دولارات إلى خارج المملكة عن طريق الحوالات؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة لها صورتان جائزتان:
الصورة الأولى: أن يصرف الدراهم السعودية في المملكة بدولارات ويأخذ الدولارات ثم يحول هذه الدولارات إلى بلده وهذا لا إشكال في جوازه لأنَّه صرف دراهم سعودية بدولارات مقبوضة.
والصورة الثانية: أن يحول الدراهم السعودية إلى البلد الثاني على أنَّها دراهم سعودية ثم هناك يتعاقد وكيله مع الجهة التي حولت إليها الدراهم السعودية على أن تبدل الدراهم السعودية بدولار بسعره في ذلك المكان فيصرف الدراهم السعودية إلى دولارات بسعرها في ذلك المكان وهذا أيضاً لا إشكال في جوازه.
الصورة الثالثة: فيها إشكال وهي أن يعطيه دراهم سعودية هنا ويقدر قيمتها من الدولار ويتم العقد بينهما ثم يحول الدولارات إلى البلد الثاني فهذه محل نظر لأنَّها مصارفة بدون قبض العوض، لكني أقول إن شاء الله تعالى وأسأل الله أن يعفو عني إن أخطأت أقول: إذا دعت الضرورة إلى هذا ولم يكن سبيل إلى إيصال
стр. 4909
الدراهم لبلد الصارف إلَّا بهذه الطريقة فأرجو أن لا يكون في ذلك بأس لما في ذلك من التيسير على المسلمين وعدم وجود دليل قطعي يمنع ذلك» اهـ.
قُلْتُ: من دفع لجهة التحويل نقداً لتحويله إلى بلد آخر بنفس العملة فلا يتم في هذه المعاملة تحويل عين المال المدفوع، وإنَّما نظيره من نفس العملة.
وهذه الصورة هي المسمى عند أهل العلم بـ"السفتجة".
وقد تنازع فيها العلماء قديماً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٠٤ - ١٠٥): «وقد نص أحمد على أنَّ من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز، ومعناه: اشتراط القضاء في بلد آخر، وروي عنه جوازها؛ لكونها مصلحة لهما جميعاً.
وقال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فيأخذونها منه.
فسئل عن ذلك ابن عباس، فلم ير به بأساً، وروي عن علي ﵁ أنَّه سئل عن مثل هذا، فلم ير به بأساً.
وممن لم ير به بأساً ابن سيرين، والنخعي. رواه كله سعيد.
وذكر القاضي أنَّ للوصي قرض مال اليتيم في بلد أخرى ليربح خطر الطريق.
والصحيح جوازه؛ لأنَّه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها.
стр. 4910
ولأنَّ هذا ليس بمنصوص على تحريمه، ولا في معنى المنصوص، فوجب إبقاؤه على الإباحة» اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن الزبير رواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠٩٤٧) قَالَ: وحَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أنا حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَكْتُبُ بِهَا إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ، فَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ أَخَذُوا أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِمْ، قَالَ: "لَا بَأْسَ إِذَا أَخَذُوا بِوَزْنِ دَرَاهِمِهِمْ".
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنَّمَا أَرَادَ وَاللهُ أَعْلَمُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ اهـ.
ورواه ابن أبي شيبة [مُصَنَّفِهِ] (٢١٠٢٣) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَا «لَا يَرَيَانِ بَأْسًا أَنْ يُؤْخَذَ الْمَالُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، وَيُعْطَى بِأَرْضِ الْعِرَاقِ أَوْ يُؤْخَذَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، وَيُعْطَى بِأَرْضِ الْحِجَازِ».
قُلْتْ: لَا يَصِحُ أَثَرُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَبَّاسٍ من أجل حجاج بن أرطأة.
لكن روى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١٠٢٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ، كَانَ يُعْطِي التُّجَّارَ الْمَالَ هَهُنَا، وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ بِأَرْضٍ أُخْرَى، فَذَكَرْتُ أَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: «لَا بَأْسَ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
стр. 4911
وأثر علي رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١٠٢١، ٢١٠٢٢) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الْمَالَ بِالْمَدِينَةِ وَيَأْخُذَ بِإِفْرِيقِيَّةَ».
وَقَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، بِنَحْوِهِ.
قُلْتُ: وَلَا يَصِحُ هَذَا الْأَثَرُ لجهالة حفص وأبيه.
وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١٠٢٤) حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ، وَخَارِجَةَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ «كَانَ يَأْخُذُ الْمَالَ بِالْحِجَازِ وَيُعْطِيهِ بِالْعِرَاقِ، أَوْ بِالْعِرَاقِ وَيُعْطِيهِ بِالْحِجَازِ».
قُلْتُ: وَلَا يَصِحُ هَذَا الْأَثَرُ لما فيه من الضعف والجهالة والإبهام.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٥٥ - ٤٥٦): «والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة ويوجب المضرة المرجوحة كما قد عرف ذلك من أصول الشرع. وهذا كما أنَّ من أخذ "السفتجة" من المقرض وهو أن يقرضه دراهم يستوفيها منه في بلد آخر مثل أن يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر. والمقترض له دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض فيقترض منه في بلد دراهم المقرض ويكتب له سفتجة - أي ورقة - إلى بلد دراهم المقترض فهذا يجوز في أصح قولي العلماء. وقيل: ينهى عنه لأنَّه قرض جر منفعة والقرض إذا جر منفعة كان ربا. والصحيح الجواز لأنَّ المقترض
стр. 4912
رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض. والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه؛ وإنَّما ينهى عما يضرهم ويفسدهم وقد أغناهم الله عنه. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١١) - عند كلامه على السفتجة -:
«والصحيح أنَّها لا تكره لأنَّ المنفعة لا تخص المقرض بل ينتفعان بها جميعاً» اهـ.
قُلْتُ: وقد منعها الحنفية والشافعية والمالكية، ورواية عن أحمد. والصحيح جواز ذلك.
فإذا تبين أنَّ هذه الحوالة المصرفية من قبيل القرض، يبقى فيها إشكال وهو: أنَّ أصحاب الحوالة المصرفية يشترطون شيئاً من المال لأنفسهم، وحقيقة ذلك اشتراط المقترض أن يسدد للمقرض أقل مما اقترض، فإنَّ المحول إن حول مثلاً عشرة آلاف ريالاً سعودياً، ودفع للمحول مائة ريالاً سعودياً من أجل التحويل، فكأنَّه دفع له عشرة آلاف ومائة ريالاً على أن يقضي وكيله في اليمن عشرة آلاف ريالاً سعودياً، فقد اشترط عليه المقترض أن يسدد لوكيله أقل مما اقترض.
وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء بين مجيز ومانع.
ومن أجاز ذلك نظر إلى أنَّ اشتراط النقصان من جهة المقترض، لا من جهة المقرض، والمحذور أن يشترط المقرض زيادة على قرضه، أمَّا التنازل عن بعض
стр. 4913
حقه فهو خلاف الربا، وليس القرض من جملة المعاوضات حتى يشترط فيه التماثل من الجانبين، بل هو من عقود الإرفاق، والتبرعات، والصدقات.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٠٩): «فصل: وإن شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه، وكان ذلك مما يجري فيه الربا، لم يجز؛ لإفضائه إلى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه. وإن كان في غيره، لم يجز أيضاً.
وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وفي الوجه الآخر، يجوز؛ لأنَّ القرض جعل للرفق بالمستقرض، وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه، بخلاف الزيادة.
ولنا، أنَّ القرض يقتضي المثل، فشرط النقصان يخالف مقتضاه. فلم يجز، كشرط الزيادة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١١١): «ولو أراد رجل أن يبعث إلى عياله نفقة، فأقرضها رجلاً، على أن يدفعها إلى عياله. فلا بأس، إذا لم يأخذ عليها شيئاً» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الكَّافِي] (٢/ ٧٠): «وإن شرط رد دون ما أخذ لم يجز لأنَّه ينافي مقتضاه وهو رد المثل فأشبه شرط الزيادة ويحتمل أنَّه لا يبطله لأنَّه نفع المقترض لا يمنع منه لأنَّ القرض إنَّما شرع رفقاً به فأشبه شرط الأجل بخلاف الزيادة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٥/ ١٠٢): «الثانية: شرط النقص كشرط الزيادة على الصحيح من المذهب جزم به في المغنى والشَّرْحُ والحاويين وغيرهم وقدمه في الفروع والرعايتين.
стр. 4914
وقيل: يجوز. قال في الفروع ويتوجه أنَّه فيما لا ربا فيه» اهـ.
أَقُولُ: أضف إلى ذلك أنَّ حاجة الناس إلى التعامل مع هذه الجهات لتحويل أموالهم حاجة ماسة للغاية، فإنَّه يتعسر على الشخص أن يجد مسافراً يرسل معه شيئاً من ماله كلما أراد أن يرسل إلى أهله شيئاً من المال، وقد يكون الأمر مستعجلاً لا يحتمل التأخير، وقد يكون المال كثيراً لا يمكن إرساله مع المسافرين خشية قطاع الطرق، وغير ذلك من الأعذار.
ولا يمكن إلزام جهات التحويل أن تقوم بتحويل المال من غير أن تأخذ على ذلك شيئاً، فإنَّ جهات التحويل لا تقوم إلَّا بأموال كبيرة، فإنَّ فيها العمال الذين يتعاطون أجورهم، وفيها المكاتب المستأجرة المنتشرة في كثير من البلدان.
فإلزام هذه الجهات بعدم أخذ شيء من المال معناه إغلاق هذه الجهات، وفي ذلك ضرر عظيم على الناس، والشريعة لا تنهى عمَّا فيه مصلحة راجحة للناس. فالذي يظهر لي جواز مثل ذلك للمصلحة الراجحة. والله أعلم.
وَجَاء فِي [أَبْحَاثِ هَيْئَةِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ] (٥/ ٣٥٩ - ٣٦٠): «ثم إنَّ بين المعاملات التي يقوم بها الأفراد والمعاملات التي تقوم بها المصارف فرقاً شاسعاً، فالمقترض في السفتجة القديمة لا يقوم بعمل للمقرض ولا يتحمل مئونة؛ لأنَّه إن كان مسافراً فهو مسافر لحاجة نفسه، وغالباً ما يتجر في بلده أو في طريقه أو في البلد
стр. 4915
الذي يصل إليه، وقد أصبح المال الذي اقترضه ملكاً له، فأرباحه كلها تخصه، وما صنع شيئاً للمقرض سوى كتابته الصك، ثم توفية الدين له أو لصديقه مثلاً.
أمَّا المصرف الذي اعتبر مقترضاً في عملية التحويل فيختلف عن المقترض في السفتجة، فهو شخصية اعتبارية تجمع موظفين وعمالاً يتقاضون رواتب شهرية غير مرتبطة بالعمل قلة وكثرة، ويتخذ مقراً مجهزاً بأثاث وأدوات وآلات كثيرة لاستقبال العملاء وقضاء حاجاتهم. ثم إنَّ العملية ليست كتابة ورقة فحسب وإنَّما هي إجراءات كثيرة، ذات كلفة مالية، فلو لم يأخذ عمولة لما استطاع تغطية النفقات الطائلة التي ينفقها، فاشتراط العمولة محقق للعدالة ومتفق مع أصل التشريع الإسلامي، وليس هناك نص أو إجماع على منع مثل ذلك» اهـ.
وَجَاءَ في [فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ] (١٣/ ٤٥٤): «س ٣: هل يجوز أخذ عمولة على صرف وتحويل العملات؟
ج ٣: يجوز.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَقَالْتْ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ كَمَا فِي [فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ] (١٣/ ٣٤٩): «أمَّا تحويل مبلغ عن طريق البنك بأجرة فيجوز.
стр. 4916
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ فَتَاوِى وَرَسَائِل ابْنِ عُثَيْمِيْن] (٢٩/ ٤٠٣ - ٤٠٤): «وأمَّا التحويل عن طريق البنوك: إن لم يأخذ البنك عليها عوضاً فلا إشكال في جوازه، وإن اتخذ على ذلك عوضاً فإن حصل تحويل عن طريق غير هذا الطريق فهو أولى، وإن لم يحصل سوى هذه الطريق فلا بأس بها للحاجة، وقد منع منها بعض العلماء لأنَّها إعطاء دراهم مع الفضل، وهذا ربا، لكن وجه الرخصة فيه أمران:
الأول: دعاء الحاجة إلى ذلك مع عدم كونها من الربا صريحاً.
الثاني: أنَّ العوض الذي يأخذه البنك على التحويل بمنزلة أجرة حملها إلى المكان الذي حولت إليه، وإذا لم يتحقق كونها من الربا وكانت الحاجة داعية إليها فلا وجه لمنعها» اهـ.
قُلْتُ: وقد منع من ذلك بعض العلماء.
стр. 4917
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٧/ ١٦٨):
«من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم الأخ الشيخ قاسم بن علي بن قاسم الثاني سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: -
فقد وصل إلينا كتابك المتضمن الاستفتاء عن المسائل الآتية:
المسألة الأولى: عن حكم ما يأخذه البنك على عميله عندما يحول له دراهم من بلد إلى بلد. هل يجوز مثل هذا ويعتبر كالأجرة أو يمنع لما فيه من الزيادة خشية الوقوع في الربا.
والجواب: الحمد لله. اختلف كلام العلماء في مثل هذا، فمنهم من قال: هو حرام؛ لما فيه من الزيادة. ومنهم من قال: هو مكروه ومنهم من قال: بجوازه عند الحاجة؛ لأنَّه من جنس السفتجة؛ بشرط أن يكون ما يأخذه البنك بمقدار أجرته فأقل، ولم يكن هناك تحيل على الربا.
والذي أراه في مثل هذا منع الزيادة مطلقاً؛ سداً للذريعة، وسد الذرائع أصل من أصول الشريعة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ حَمُودُ التُّوَيْجِرِيُّ ﵀ فِي [الإِيْضَاحِ وَالتَّبْيِينِ لِمَا وَقَعَ فِيْهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِيْنَ] (ص: ٢٠٨): «ومن شرط جواز السفتجة
стр. 4918
إلَّا يأخذ أحدهما من الآخر زيادة فإن أخذ أحدهما من الآخر زيادة كما يفعله أهل البنوك فالزيادة ربا» اهـ.
ومن المسائل المهمة في ذلك مسألة القيد على الحساب أو القيد المصرفي.
ومن صور ذلك:
الصورة الأولى: أن يشتري شخصُ ذهباً ولا يدفع لصاحب الذهب قيمة الذهب وإنَّما يحول له قيمة الذهب من رصيده في البنك إلى رصيد صاحب الذهب ويكون هذا التحويل في مجلس العقد.
وهذه الصورة أجازها من جعل التقييد بالحساب من جملة القبض.
فَقَدْ جَاءَ فِي [فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ] (١٣/ ٥٠٣) الفتوى رقم (١٩٤٤٠):
«س: نحن من أصحاب محلات بيع الذهب والمجوهرات، وقد عرض علينا استخدام مكينة تسمى: نقطة بيع، وهي عبارة عن آلة تستخدم لتسديد قيمة ما يشتريه منَّا الزبون عن طريق تحويل المبلغ من حسابه إلى حسابنا عن طريق التليفون، ويصدر من الماكينة سند يثبت أن المبلغ أودع في حسابنا، فما هو حكم استخدام مثل هذه الآلة في بيع الذهب؟
ج: ما دام الحال أنَّ جهاز نقاط البيع الذي بموجبه يخصم المبلغ حالاً من حساب المشتري المودع في المصرف المسحوب منه، ويحول حالاً إلى حساب البائع، وليس هناك عمولات لقاء هذا التحويل فإنَّ البيع بهذه الصفة له حكم التقابض في
стр. 4919
المجلس، فيجوز بيع الذهب بالعملة الورقية وتسديد الثمن بواسطة نقطة البيع المذكورة؛ لتوفر الحلول والتقابض في مجلس العقد.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: ما زالت الشبهة قائمة في هذه المعاملة، وذلك أنَّ البنك بالنسبة للبائع والمشتري مدين منهما أي في ذمته ديناً لهما وهو ما يسمى بالحساب أو الرصيد في البنك، فإذا باع البائع ذهباً للمشتري وأحاله على البنك فهو في الحقيقة باعه ذهباً بثمن في ذمة المشتري محال في تسديده على حسابه في ذمة البنك، وبيع الذهب في الذمة لا يجوز لدخوله في ربا النسيئة. ولا يخرج المعاملة من ربا النسيئة كون الحوالة تمت في مجلس العقد.
فلو أنَّ رجلين كان عندهما دين على ثالث فاجتمعوا في مجلس واحد فباع أحد الرجلين ذهباً على الآخر ولم يعطه الثمن بل أحاله في الثمن على الرجل الثالث وكتب المشتري بذلك ورقة وقَّع عليها المشتري والرجل الثالث المحال عليه فإنَّ
стр. 4920
مثل هذا الفعل لا يخرج المعاملة عن الربا لأنَّ حقيقتها بيع ذهب في الذمة يتقاضى من المحال عليه في غير مجلس العقد.
والبنك في المسألة السابقة شبيه بالرجل الثالث في هذه الصورة، ولا يظهر فرق واضح بين التقييد في الحساب في أجهزة البنك، وبين التقييد في الحساب في دفتر المحال إليه.
الصورة الثانية: أن يكون لشخص دين على آخر، ويكون عندهما حساب في بنك فيقوم المدين بتقييد مقدار الدين الذي عليه في حساب الدائن، وقد يكون هذا التقييد عن طريق الهاتف أو بأن يذهب المدين إلى البنك ويقيد الحساب أو غير ذلك من الطرق.
وهذه حوالة مشروعة إذا توفرت فيها شروط الحوالة المعروفة في كتب الفقه منها اتحاد المالين في الجنس.
فإذا كان الدين عملةً لبلد ما، ورصيده الذي في البنك عملة لبلد آخر فلا يجوز لأنَّه عند اختلاف الجنس تخرج عن أحكام الحوالة وترجع إلى أحكام المعاوضات التي يشترط فيها التقابض.
وهنا التقابض منتف.
فيجب على المدين أن يستلم دينه أولاً من حسابه الذي في البنك فإذا قبضه فله أن يصارف الدائن حينئذ ويعطيه قيمة دينه من عملة أخرى بسعر يوم السداد.
стр. 4921
ولتقريب هذه المسألة إلى الأفهام أقول: لو أنَّ زيداً اقترض من عمرو ألفاً من العملة السعودية، وكان لكلٍ من عمرو وزيد ديناً بالعملة اليمنية عند بكر، وكان ما لزيد عند بكر مائة ألف من العملة اليمنية، فحضر زيد وعمرو إلى مجلس بكر فقال زيد لبكر قد أحلت عليك لعمرو بثمانين ألفاً أضفه إلى دين عمرو عليك وكتبوا في ذلك كتاباً.
فهذه المعاملة على هذه الصورة لا تشرع لأنَّها حوالة مع اختلاف الجنس ومن شروط الحوالة الاتفاق في الجنس.
وحقيقة هذه المسألة أنَّ الدائن صارف الألف السعودي الذي في ذمة المدين بثمانين ألفاً أحليت له إلى ذمة رجل آخر. فهي من قبيل بيع الدين بالدين وهذا لا يشرع اتفاقاً.
الصورة الثالثة: أن يكون لشخص حساب في بنك أو صيرفي بعملة بلد معين، فيذهب إلى البنك أو الصيرفي ويصرف ما لديه من المال أو بعضه إلى عملة أخرى بسعرها في ذلك اليوم من غير أن يقبض شيئاً من المال وإنَّما يكتفي من البنك أو الصيرفي بتقييد ذلك في الحساب. فبدل أن كان حسابه مقيداً بعملة بلد معين فإنَّه يقيده بعملة بلد آخر.
وهذه الصورة لا تشرع لأنَّها من قبيل المصارفة في الذمة من غير تقابض من الطرفين وهذا مما لا يجوز.
стр. 4922
ولتقريب ذلك أقول: لو أنَّ زيداً اقترض من عمرو ألفاً سعودياً ولم يعينوا لذلك أجلاً فجاء عمرو إلى زيد وقال له: اجعل ديني عليك ثمانين ألفاً يمنياً - وهي صرف الألف السعودي في ذلك الوقت - وكتبوا على ذلك كتاباً.
فحقيقة هذه المعاملة أنَّ الدائن صارف المدين الألف الذي في ذمته بثمانين ألفاً تبقى في ذمة المدين.
فهذه المعاملة من قبيل بيع الدين بالدين ولا يشرع ذلك اتفاقاً.
وهذا التعامل قد يفتح على الناس ما هو شبيه بربا الجاهلية، وذلك أنَّ الدين لو كان عملة يمنية فقلبه صاحب الدين إلى عملة سعودية عند هبوط العملة السعودية، ثم إذا ارتفعت العملة السعودية يقول له إمَّا أن تسدد الدين وإمَّا أن تصارفني الدين إلى عملة يمنية، وهكذا لا يزال يفعله به ذلك حتى يتضاعف عليه الدين فبدل أن كان الدين مائة ألف يصير مائتين من غير نفع يحصل للمستدين. وهذا أشبه ما يكون بربا الجاهلية.
وقد أجاز هذه المسألة المجمع الفقهي الإسلامي برآسة الشيخ ابن باز ﵀ فَقَد جَاءَ فِي [قَرَارَاتِ الْمُجَمَعِ الْفِقْهِيِّ الْإِسْلَامِيِّ لِلْرَابِطَةِ]- مكة (ص: ٦٦):
«يعتبر القيد في دفاتر المصرف، في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى، سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودعة فيه» اهـ.
стр. 4923
قُلْتُ: من جعل القيد المصرفي يأخذ أحكام القبض نظر إليه فوجد أنَّ الشخص الذي قيد له الحساب له التصرف التام بما قيد له فله أن يبيع به ويشتري ويقضي دينه وغير ذلك من المعاملات فهو يتصرف بماله كأنَّه في يده.
ومن منع من ذلك نظر إلى أنَّ المال في الحقيقة في ذمة البنك أو الصيرفي، وغاية ما يصنعه من قيد له الحساب هو أنَّه يحول ما له من الحق في ذمة البنك لغيره من أصحاب الحقوق.
* * *
٢٧٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلاَّ مِثْلاًّ بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِباً بِنَاجِزٍ».
وَفِي لَفْظٍ: «إلَّا يَداً بِيَدٍ». وَفِي لَفْظٍ: «إلاَّ وَزْناً بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ».
قُلْتُ: اللفظ الأول، والآخر لمسلم (١٥٨٤).
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨٠):
«قوله: "ولا تُشِفُّوا". بضم أوله وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء أي: تفضلوا وهو رباعي من اشف والشف بالكسر الزيادة وتطلق على النقص» اهـ.
стр. 4924
قُلْتُ: والناجز هو الحال يقال: نجز المال: إذا حضر، ومنه قوله: أنجز فلان ما وعد: إذا وفى له به وأحضره.
والورق: الفضة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم التفاضل بين الذهب بالذهب، والفضة بالفضة.
٢ - تحريم النسأ في بيع الذهب والفضة.
٣ - الغائب يشمل ما كان مؤجلاً، وما كان حالاً لكنه غير موجود في مجلس العقد.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٣٨٠):
«والمراد بالغائب أعم من المؤجل كالغائب عن المجلس مطلقاً مؤجلاً كان أو حالاً. والناجز الحاضر» اهـ.
قُلْتُ: وقد ظهر في هذه الأزمان ما يسمى بـ"بطاقة الخصم الفوري. أو: البطاقة المدينة".
وهي بطاقة تصرف للعميل لدى البنك، وفائدتها أنَّ العميل كلما استخدمها لدى محل تجاري، ونحوه يقوم البنك-مصدر البطاقة-بالسحب مباشرة من حسابه لسداد قيمة الفاتورة الواردة من التاجر، وتوضع في حساب التاجر في البنك.
وَقَدْ جَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (١٣/ ٥٢٧):
стр. 4925
«س: نرجو من فضيلتكم إفادتنا عن استخدام بطاقة الشبكة السعودية في شراء بعض الاحتياجات من المحلات التجارية والتي تكون بالطريقة التالية: عندما يتحدد مبلغ الشراء مثلا (١٥٠ ريالاً) يقدم البطاقة للبائع ويمررها بالجهاز الموجود لديه، وتخصم القيمة الشرائية في الحال وذلك بتحويل المبلغ المشترى به من حساب المشتري إلى حساب البائع في نفس الوقت، أي: قبل مغادرة المشتري المتجر.
ج: إذا كان الأمر كما ذكر فإنَّه لا مانع من استخدام البطاقة المذكورة؛ إذا كان المشتري لديه رصيد يغطي المبلغ المطلوب.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
قُلْتُ: والإشكال في هذه البطاقة حاصل عند التعامل بها في شراء الذهب، والفضة، وسائر الأثمان.
فإنَّ من ذهب إلى تاجر الذهب مثلاً، واشترى منه ذهباً، واستعمل هذه البطاقة في تحويل ثمن الذهب من رصيده في البنك، وحوله إلى رصيد تاجر الذهب، وتم
стр. 4926
ذلك في مجلس العقد، فيصدق عليه أنَّه باع ناجزاً بغائب. وقد أجاز التعامل بها في بيع الذهب بعض العلماء.
فَقَد سُئِلَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ كَمَا فِي [لِقَاءِ البَّابِ الْمَفْتُوحِ] (٤/ ٦٣ - ٦٤):
«ما حكم شراء الذهب من محلات بيع الذهب عن طريق بطاقة الصرف (الشبكة السعودية) حيث أنَّ بعض المحلات يوجد بها جهاز لهذا الغرض، وهل هذا من التقابض؟.
الجواب: إذا اشترى ذهباً فهل يكفي أن يعطيه بطاقة الصرف؟ نعم. بشرط أن يكون تحويل المال من حساب المشتري إلى حساب البائع في نفس الوقت، فإذا كان كذلك فهذا قبض» اهـ.
قُلْتُ: وللشيخ فتوى أخرى بتحريمها في بيع الذهب والفضة، فقد سئل كما في [لِقَاءِ البَّابِ الْمَفْتُوحِ] (٣/ ٣٤٠):
«فضيلة الشيخ! انتشرت هذه الأيام آلات الصرف الآلي التي توفرها البنوك لعملائها لتسهيل عمليات السحب النقدي، كما أنَّ هذه الخدمة بدأت تنتشر في المحلات التجارية ومحلات الذهب، فهل يجوز الشراء بهذه الطريقة؟ الشيخ: كيف يعني؟ السائل: يعني: محلات الذهب الظاهر أنَّها مقايضة وليس فيها استلام نقداً بنقد؟ الشيخ: أمَّا الذهب فلا بد من الاستلام، لكن أريد أن أعرف هذا
стр. 4927
الصرف؟ السائل: يعطى العميل بطاقة ويدخلها في الآلة ويطلب نقداً؛ علماً بأنَّ المشتري لا يدفع نقداً، وإنَّما يدخل بطاقته في الجهاز ويحول المبلغ الذي اشترى به على حساب صاحب المحل دون أن يكون هناك تقابض؟
هذا لا يجوز في حال شراء الذهب والفضة؛ لأنَّه يشترط في الذهب والفضة التقابض من الجانبين، أمَّا إذا أخذ المشتري الذهب والفضة وقام بتحويل الثمن عن طريق الكمبيوتر فليس هناك تقابض في هذه الحال، ولذلك لا نرى جواز ذلك.
أمَّا في غير الذهب والفضة فهذا لا بأس به، وهو من التسهيل على المشتري، فمثلاً: يدخل الرجل ويشتري سلعاً بثلاثة آلاف ريال -مثلاً- ولا يدفع نقداً، بل يقوم بتحويل هذا المبلغ إلى رصيد صاحب المحل عن طريق هذا الجهاز، فهذا شيء طيب ولا شيء فيه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي صحته، والحجة في ذلك حديث الباب. والله أعلم.
ومن رأى أنَّ القيد المصرفي يدخل في القبض فالظاهر أنَّهم يجيزون ذلك.
٤ - واحتج به لمذهب الشافعي في قوله: من كان له على رجل دراهم ولآخر عليه دنانير لم يجز أن يقاص أحدهما الآخر بما له عليه، وإن كان قد حل أجلهما جميعًا لأنَّه يدخل في معنى نهيه عليه الصلاة السلام عن بيع الذهب بالورق دينًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٣٠٤ - ٣٠٦) معللاً لذلك:
стр. 4928
«لأنَّه غائب بغائب، وإذا لم يجز غائب بناجز، فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب، وأجاز ذلك مالك إذا كان قد حلا جميعًا، فإن كانا إلى أجل لم يجز؛ لأنَّه يكون ذهب بفضة متأخرًا.
وقال أبو حنيفة: يجوز في الحال وغير الحال. والحجة لمالك في إجازته ذلك في الحال دون الأجل أنَّه إذا حل أجل الدين، واجتمع المتصارفان فإنَّ الذمم تبرأ كالعين إذا لم يفترقا إلَّا وقد تفاضلا في صرفهما، والغائب لا يحل بيعه بناجز، ولا بغائب مثله، ومن حجته حديث ابن عمر أنَّه قال: "كنت أبيع الإبل بالبقيع أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، فسألت رسول الله عن ذلك فقال: لا بأس به إذا كان بسعر يومكما، ولم تفترقا وبينكما شيء". رواه سماك بن حرب عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر.
وحجة من أجاز ذلك في الحال وغير الحال أنَّ النبي ﵇ لما لم يسأله عن الدين أحالاً هو أم مؤجل، دل ذلك على استواء الحكم فيهما، ولو كان بينهما فرق في الشريعة لوقفه عليه.
وأمَّا تقاضى الدنانير من الدراهم، والدراهم من الدنانير من غير دين يكون على الآخر، فأجازه عمر بن الخطاب وابن عمر، وروى عن عطاء وطاووس والحسن والقاسم، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال كثير منهم: إذا كان بسعر يومه. ورخص فيه أبو حنيفة بسعر ذلك
стр. 4929
اليوم وبأغلى وأرخص، وكره ذلك ابن عباس وأبو سلمة وابن شبرمة، وهو قول الليث. وروى عن طاووس قول ثالث: أنَّه كره في البيع، وأجازه في القرض.
وقال ابن المنذر: والقول الأول أولى لحديث ابن عمر.
قال المؤلف: ولا يدخل هذا في نهيه ﵇ عن بيع الذهب بالورق دينًا؛ لأنَّ الذى يقتضى الدنانير من الدراهم لم يقصد إلى تأخير في الصرف، ولا نواه، ولا عمل عليه فهذا الفرق بينهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٧٤):
«فصل: إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب، وللآخر عليه دراهم، فاصطرفا بما في ذمتهما، لم يصح، وبهذا قال الليث، والشافعي.
وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة؛ جوازه؛ لأنَّ الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة؛ ولذلك جاز أن يشتري الدراهم بدنانير من غير تعيين.
ولنا، أنَّه بيع دين بدين، ولا يجوز ذلك بالإجماع.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز.
وقال أحمد: إنَّما هو إجماع.
وقد روى أبو عبيد في الغريب، أنَّ النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ.
وفسره بالدين، بالدين.
إلَّا أنَّ الأثرم روى عن أحمد، أنَّه سئل: أيصح في هذا حديث؟ قال: لا.
стр. 4930
وإنَّما صح الصرف بغير تعيين، بشرط أن يتقابضا في المجلس، فجرى القبض والتعيين في المجلس مجرى وجوده حالة العقد» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح جواز ذلك ولا يدخل في بيع الدين بالدين المنهي عنه لأنَّ الغرض من ذلك إسقاط الدين وإبراء الذمم، والمنهي من ذلك هو إيجاب دين في الذمة بدين آخر لما في ذلك من إشغال الذمم من غير مصلحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ٨ - ٩):
«أحدهما: أنَّ بيع الدين بالدين ليس فيه نص عام ولا إجماع وإنَّما ورد النهي عن بيع الكالئ، بالكالئ والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض كما لو أسلم شيئاً في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق وهو بيع كالئ بكالئ، وأمَّا بيع الدين بالدين فينقسم إلى بيع واجب بواجب كما ذكرنا وهو ممتنع وينقسم إلى بيع ساقط بساقط وساقط بواجب وواجب بساقط وهذا فيه نزاع.
قُلْتُ: الساقط بالساقط في صورة المقاصة والساقط بالواجب كما لو باعه ديناً له في ذمته بدين آخر من غير جنسه فسقط الدين المبيع ووجب عوضه وهي بيع الدين ممن هو ذمته، وأمَّا بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته فقد وجب له عليه دين وسقط له عنه دين غيره وقد حكى الإجماع على امتناع هذا ولا إجماع فيه قاله شيخنا واختار جوازه وهو الصواب إذ لا محذور فيه وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه ولا في معناه فيتناوله بعموم
стр. 4931
المعنى فإنَّ المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة فإنَّه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة وأمَّا ما عداه من الصور الثلاث فلكل منهما غرض صحيح ومنفعة مطلوبة وذلك ظاهر في مسألة التقاص فإنَّ ذمتهما تبرأ من أسرها وبراءة الذمة مطلوب لهما وللشارع فأمَّا في الصورتين الأخيرتين فأحدهما يعجل براءة ذمته والآخر ينتفع بما يربحه وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح وذلك في بيع العين بالدين جاز أن يفرغها من دين ويشغلها بغيره وكأنه شغلها به ابتداء إما بقرض أو بمعاوضة فكانت ذمته مشغولة بشيء فانتقلت من شاغل إلى شاغل وليس هناك بيع كالئ بكالئ وإن كان بيع دين بدين فلم ينه الشارع عن ذلك لا بلفظه ولا بمعنى لفظه بل قواعد الشارع تقتضي جوازه» اهـ.
فائدة: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٥١١ - ٥١٢)
«والصواب الذي عليه جمهور العلماء وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد: أنَّه يجوز بيع الدين ممن هو عليه؛ لأنَّ ما في الذمة مقبوض للمدين؛ لكن إن باعه بما لا يباع به نسيئة اشترط فيه الحلول والقبض؛ لئلا يكون ربا» اهـ.
فائدة أخرى: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٧٦): «فصل: فإن كان المقضي الذي في الذمة مؤجلاً، فقد توقف أحمد فيه.
стр. 4932
وقال القاضي: يحتمل وجهين؛ أحدهما المنع وهو قول مالك، ومشهور قولي الشافعي؛ لأنَّ ما في الذمة لا يستحق قبضه، فكان القبض ناجزاً في أحدهما، والناجز يأخذ قسطاً من الثمن والآخر الجواز، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنَّه ثابت في الذمة بمنزلة المقبوض، فكأنَّه رضي بتعجيل المؤجل.
والصحيح الجواز، إذا قضاه بسعر يومها، ولم يجعل للمقضي فضلاً لأجل تأجيل ما في الذمة؛ لأنَّه إذا لم ينقصه عن سعرها شيئاً، فقد رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض، فأشبه ما لو قضاه من جنس الدين، ولم يستفصل النبي ﷺ ابن عمر حين سأله، ولو افترق الحال لسأل واستفصل» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عمر رواه أحمد (٥٥٥٥، ٥٥٥٩، ٦٢٣٩)، وأبو داود (٣٣٥٤)، والنسائي (٤٥٨٢، ٤٥٨٩)، والترمذي (١٢٤٢) مِنْ طَرِيْقِ حَمَّادٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ إِنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ، وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ».
стр. 4933
ولفظ النسائي، وهو إحدى الروايات عن أحمد: كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ: إِنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ».
ولفظ الترمذي، ورواية عن أحمد: كُنْتُ أَبِيعُ الإِبِلَ بِالبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ فَآخُذُ مَكَانَهَا الوَرِقَ، وَأَبِيعُ بِالوَرِقِ فَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ خَارِجًا مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ بِالقِيمَةِ».
ورواه أحمد (٦٤٢٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ حُجْرَتَهُ، فَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: «إِذَا أَخَذْتَ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ فَلَا يُفَارِقَنَّكَ، وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ بَيْعٌ».
ورواه ابن ماجة (٢٢٦٢) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْحِمَّانِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، أَوْ سِمَاكٌ - وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا سِمَاكًا - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ، فَكُنْتُ آخُذُ الذَّهَبَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَالْفِضَّةَ مِنَ الذَّهَبِ، وَالدَّنَانِيرَ مِنَ الدَّرَاهِمِ، وَالدَّرَاهِمَ مِنَ الدَّنَانِيرِ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
стр. 4934
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِذَا أَخَذْتَ أَحَدَهُمَا، وَأَعْطَيْتَ الْآخَرَ، فَلَا تُفَارِقْ صَاحِبَكَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَبْسٌ»، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
قُلْتُ: لكن روى البيهقي في [الْمَعْرِفَةِ] (٨/ ١١٣ - ١١٤) بإسناده إلى أبي داود الطيالسي أنَّه قال: «كُنَّا عِنْدَ شُعْبَةَ فَجَاءَهُ خَالِدُ بْنُ طَلِيقٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ السَّمَّانُ، وَكَانَ خَالِدٌ الَّذِي سَأَلَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بِسْطَامٍ حَدِّثْنَا بِحَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي اقْتِضَاءِ الْوَرِقِ مِنَ الذَّهَبِ، وَالذَّهَبِ مِنَ الْوَرِقِ.
فَقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
وَحَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَرَفَعَهُ لَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَنَا أُفَرِّقُهُ» اهـ.
ورواه أيضاً العقيلي ﵀ في [الضُّعَفَاءِ] (٢/ ١٧٨).
وقال الترمذي بعد روايته له: «هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلَّا من حديث سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وروى داود بن أبي هند هذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عمر موقوفاً» اهـ.
стр. 4935
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ في [الْبَدْرِ الْمُنِيْرِ] (٦/ ٥٦٦) معقباً على قول شعبة: «قُلْتُ: لما علمه من سوء حفظه، وكذا قال الترمذي وغيره لم يرفعه غير سماك» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن أبي هند عن سعيد بن جبير رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١٦١٩) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَكُونُ عَلَيْهِ الْوَرِقُ، فَيُعْطِي بِقِيمَتِهِ دَنَانِيرَ، إِذَا قَامَتْ عَلَى سِعْرٍ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّنَانِيرُ فَيُعْطِي الْوَرِقَ بِقِيمَتِهَا».
ورواه النسائي (٤٥٨٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ: «كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا، يَعْنِي فِي قَبْضِ الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَالدَّنَانِيرِ مِنَ الدَّرَاهِمِ».
قُلْتُ: أبو هاشم هو الرماني يحيى بن دينار.
وبهذا يتبين أنَّ الصحيح في الحديث الوقف. والله أعلم.
والذي يظهر لي في هذه المسألة صحة هذه المصارفة، على ما قرره العلامة ابن قدامة ﵀.
٥ - وعموم الحديث يشمل النهي عن بيع حلي الذهب بالدينار مع التفاضل، وحلي الفضة بالدرهم مع التفاضل.
وقد نازع في ذلك بعض العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ١٨٨):
стр. 4936
«ويجوز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل ويجعل الزائد في مقابلة الصيغة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٥ - ١٤١):
«وأمَّا ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا فإنَّ ما حرم سداً للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة كالآنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه وبيع هذا هو الذي أنكره عبادة على معاوية فإنَّه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان وهذا لا يجوز كآلات الملاهي. وأمَّا إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها فإنَّه سفه وإضاعة للصنعة والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه، فلم يبق إلَّا أن يقال لا يجوز بيعها بجنسها البتة بل يبيعها بجنس آخر، وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تتقيه الشريعة، فإنَّ أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب، وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إمَّا متعذر أو متعسر والحيل باطلة في الشرع وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه، فلم يبق إلَّا جواز بيعه كما تباع السلع فلو لم يجز بيعه بالدراهم فسدت
стр. 4937
مصالح الناس والنصوص الواردة عن النبي ﷺ ليس فيها ما هو صريح في المنع وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة والجمهور يقولون لم تدخل في ذلك الحلية ولا سيما فإنَّ لفظ النصوص في الموضعين قد ذكر تارة بلفظ الدراهم والدنانير كقوله: "الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير". وفي الزكاة قوله: "في الرقة ربع العشر". والرقة هي الورق وهي الدراهم المضروبة، وتارة بلفظ الذهب والفضة، فإنَّ حمل المطلق على المقيد كان نهيا عن الربا في النقدين وإيجابا للزكاة فيهما ولا يقتضي ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداهما بل فيه تفصيل فتجب الزكاة ويجري الربا في بعض صوره لا في كلها وفي هذا توفية الأدلة حقها وليس فيه مخالفة بشيء لدليل منها.
يوضحه أنَّ الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع لا من جنس الأثمان ولهذا لم تجب فيها الزكاة فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع وإن كانت من غير جنسها فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأعدت للتجارة فلا محذور في بيعها بجنسها ولا يدخلها إمَّا أن تقضي وإمَّا أن تربي إلَّا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل، ولا ريب أنَّ هذا قد يقع فيها لكن لو سد على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين وتضرروا بذلك غاية الضرر.
стр. 4938
يوضحه أنَّ الناس على عهد نبيهم ﷺ كانوا يتخذون الحلية وكان النساء يلبسنها وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها والمعلوم بالضرورة أنَّه كان يعطيها للمحاويج ويعلم أنَّهم يبيعونها، ومعلوم قطعاً أنَّها لا تباع بوزنها فإنَّه سفه، ومعلوم أنَّ مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا تساوي ديناراً، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها وهم كانوا أتقى لله وأفقه في دينه وأعلم بمقاصد رسوله من أن يرتكبوا الحيل أو يعلموها الناس.
يوضحه أنَّه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنَّه نهى أن يباع الحلي إلَّا بغير جنسه أو بوزنه والمنقول عنهم إنَّما هو في الصرف.
يوضحه أنَّ تحريم ربا الفضل إنَّما كان سداً للذريعة كما تقدم بيانه وما حرم سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة، وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك وتحريم التفاضل إنَّما كان سداً للذريعة فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع ولا تتم مصلحة الناس إلَّا به أو بالحيل والحيل باطلة في الشرع، وغاية ما في ذلك جعل الزيادة في مقابلة الصياغة المباحة
стр. 4939
المتقومة بالأثمان في الغصوب وغيرها، وإذا كان أرباب الحيل يجوزون بيع عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلساً ويقولون الخمسة في مقابلة الخرقة فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة، وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمة وعدلاً ورحمة وجلالة بإباحة هذا وتحريم ذلك، وهل هذا إلَّا عكس للعقول والفطر والمصلحة.
والذي يقضي منه العجب مبالغتهم في ربا الفضل أعظم مبالغة حتى منعوا بيع رطل زيت برطل زيت وحرموا بيع الكسب بالسمسم، وبيع النشا بالحنطة، وبيع الخل بالزبيب، ونحو ذلك وحرموا بيع مد حنطة ودرهم بمد ودرهم، وجاءوا إلى ربا الفضل النسيئة ففتحوا للتحيل عليه كل باب، فتارة بالعينة، وتارة بالمحلل، وتارة بالشرط المتقدم المتواطأ عليه، ثم يطلقون العقد من غير اشتراط، وقد علم الله والكرام الكاتبون والمتعاقدان ومن حضر أنَّه عقد ربا مقصوده وروحه بيع خمسة عشر مؤجلة بعشرة نقداً ليس إلَّا، ودخول السلعة كخروجها حرف جاء لمعنى في غيره، فهلا فعلوا ههنا كما فعلوا في مسألة مد عجوة ودرهم بمد ودرهم، وقالوا: قد يجعل وسيلة إلى ربا الفضل بأن يكون المد في أحد الجانبين يساوي بعض مد في الجانب الآخر فيقع التفاضل فيا لله العجب كيف حرمت هذه الذريعة إلى ربا الفضل وأبيحت تلك الذرائع القريبة الموصلة إلى ربا النسيئة بحتاً خالصاً، وأين مفسدة بيع الحلية بجنسها ومقابلة الصياغة بحظها من الثمن إلى
стр. 4940
مفسدة الحيل الروية التي هي أساس كل مفسدة وأصل كل بلية، وإذا حصحص الحق فليقل المتعصب الجاهل ما شاء وبالله التوفيق.
فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء، ولما أبطل الشارع ذلك علم أنَّه منع من مقابلة الصفات بالزيادة.
قيل الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي وتقابل بالأثمان ويستحق عليها الأجرة وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته، فالشارع بحكمته وعدله منع من مقابلة هذه الصفة بزيادة إذ ذلك يفضي إلى نقض ما شرعه من المنع من التفاضل فإنَّ التفاوت في هذه الأجناس ظاهر والعاقل لا يبيع جنساً بجنسه إلَّا لما هو بينهما من التفاوت فإن كانا متساويين من كل وجه لم يفعل ذلك، فلو جوز لهم مقابلة الصفات بالزيادة لم يحرم عليهم ربا الفضل، وهذا بخلاف الصياغة التي جوز لهم المعاوضة عليها معه.
يوضحه أنَّ المعاوضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردة جازت عليها مضمونة إلى غير أصلها وجوهرها ولا فرق بينهما في ذلك.
يوضحه أنَّ الشارع لا يقول لصاحب هذه الصياغة بع هذا المصوغ بوزنه واخسر صياغتك، ولا يقول له لا تعمل هذه الصياغة واتركها، ولا يقول له: تحيل على
следующие страницы →