Полный текст (8 095 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
«ويجوز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل ويجعل الزائد في مقابلة الصيغة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٥ - ١٤١):
«وأمَّا ربا الفضل فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا فإنَّ ما حرم سداً للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغته محرمة كالآنية حرم بيعه بجنسه وغير جنسه وبيع هذا هو الذي أنكره عبادة على معاوية فإنَّه يتضمن مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان وهذا لا يجوز كآلات الملاهي. وأمَّا إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها فإنَّه سفه وإضاعة للصنعة والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه، فلم يبق إلَّا أن يقال لا يجوز بيعها بجنسها البتة بل يبيعها بجنس آخر، وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تتقيه الشريعة، فإنَّ أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب، وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إمَّا متعذر أو متعسر والحيل باطلة في الشرع وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه، فلم يبق إلَّا جواز بيعه كما تباع السلع فلو لم يجز بيعه بالدراهم فسدت
стр. 4937
مصالح الناس والنصوص الواردة عن النبي ﷺ ليس فيها ما هو صريح في المنع وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة والجمهور يقولون لم تدخل في ذلك الحلية ولا سيما فإنَّ لفظ النصوص في الموضعين قد ذكر تارة بلفظ الدراهم والدنانير كقوله: "الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير". وفي الزكاة قوله: "في الرقة ربع العشر". والرقة هي الورق وهي الدراهم المضروبة، وتارة بلفظ الذهب والفضة، فإنَّ حمل المطلق على المقيد كان نهيا عن الربا في النقدين وإيجابا للزكاة فيهما ولا يقتضي ذلك نفي الحكم عن جملة ما عداهما بل فيه تفصيل فتجب الزكاة ويجري الربا في بعض صوره لا في كلها وفي هذا توفية الأدلة حقها وليس فيه مخالفة بشيء لدليل منها.
يوضحه أنَّ الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع لا من جنس الأثمان ولهذا لم تجب فيها الزكاة فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع وإن كانت من غير جنسها فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأعدت للتجارة فلا محذور في بيعها بجنسها ولا يدخلها إمَّا أن تقضي وإمَّا أن تربي إلَّا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل، ولا ريب أنَّ هذا قد يقع فيها لكن لو سد على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين وتضرروا بذلك غاية الضرر.
стр. 4938
يوضحه أنَّ الناس على عهد نبيهم ﷺ كانوا يتخذون الحلية وكان النساء يلبسنها وكن يتصدقن بها في الأعياد وغيرها والمعلوم بالضرورة أنَّه كان يعطيها للمحاويج ويعلم أنَّهم يبيعونها، ومعلوم قطعاً أنَّها لا تباع بوزنها فإنَّه سفه، ومعلوم أنَّ مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا تساوي ديناراً، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها وهم كانوا أتقى لله وأفقه في دينه وأعلم بمقاصد رسوله من أن يرتكبوا الحيل أو يعلموها الناس.
يوضحه أنَّه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنَّه نهى أن يباع الحلي إلَّا بغير جنسه أو بوزنه والمنقول عنهم إنَّما هو في الصرف.
يوضحه أنَّ تحريم ربا الفضل إنَّما كان سداً للذريعة كما تقدم بيانه وما حرم سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة، وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك وتحريم التفاضل إنَّما كان سداً للذريعة فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع ولا تتم مصلحة الناس إلَّا به أو بالحيل والحيل باطلة في الشرع، وغاية ما في ذلك جعل الزيادة في مقابلة الصياغة المباحة
стр. 4939
المتقومة بالأثمان في الغصوب وغيرها، وإذا كان أرباب الحيل يجوزون بيع عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلساً ويقولون الخمسة في مقابلة الخرقة فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصناعة، وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمة وعدلاً ورحمة وجلالة بإباحة هذا وتحريم ذلك، وهل هذا إلَّا عكس للعقول والفطر والمصلحة.
والذي يقضي منه العجب مبالغتهم في ربا الفضل أعظم مبالغة حتى منعوا بيع رطل زيت برطل زيت وحرموا بيع الكسب بالسمسم، وبيع النشا بالحنطة، وبيع الخل بالزبيب، ونحو ذلك وحرموا بيع مد حنطة ودرهم بمد ودرهم، وجاءوا إلى ربا الفضل النسيئة ففتحوا للتحيل عليه كل باب، فتارة بالعينة، وتارة بالمحلل، وتارة بالشرط المتقدم المتواطأ عليه، ثم يطلقون العقد من غير اشتراط، وقد علم الله والكرام الكاتبون والمتعاقدان ومن حضر أنَّه عقد ربا مقصوده وروحه بيع خمسة عشر مؤجلة بعشرة نقداً ليس إلَّا، ودخول السلعة كخروجها حرف جاء لمعنى في غيره، فهلا فعلوا ههنا كما فعلوا في مسألة مد عجوة ودرهم بمد ودرهم، وقالوا: قد يجعل وسيلة إلى ربا الفضل بأن يكون المد في أحد الجانبين يساوي بعض مد في الجانب الآخر فيقع التفاضل فيا لله العجب كيف حرمت هذه الذريعة إلى ربا الفضل وأبيحت تلك الذرائع القريبة الموصلة إلى ربا النسيئة بحتاً خالصاً، وأين مفسدة بيع الحلية بجنسها ومقابلة الصياغة بحظها من الثمن إلى
стр. 4940
مفسدة الحيل الروية التي هي أساس كل مفسدة وأصل كل بلية، وإذا حصحص الحق فليقل المتعصب الجاهل ما شاء وبالله التوفيق.
فإن قيل: الصفات لا تقابل بالزيادة ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء، ولما أبطل الشارع ذلك علم أنَّه منع من مقابلة الصفات بالزيادة.
قيل الفرق بين الصنعة التي هي أثر فعل الآدمي وتقابل بالأثمان ويستحق عليها الأجرة وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته، فالشارع بحكمته وعدله منع من مقابلة هذه الصفة بزيادة إذ ذلك يفضي إلى نقض ما شرعه من المنع من التفاضل فإنَّ التفاوت في هذه الأجناس ظاهر والعاقل لا يبيع جنساً بجنسه إلَّا لما هو بينهما من التفاوت فإن كانا متساويين من كل وجه لم يفعل ذلك، فلو جوز لهم مقابلة الصفات بالزيادة لم يحرم عليهم ربا الفضل، وهذا بخلاف الصياغة التي جوز لهم المعاوضة عليها معه.
يوضحه أنَّ المعاوضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردة جازت عليها مضمونة إلى غير أصلها وجوهرها ولا فرق بينهما في ذلك.
يوضحه أنَّ الشارع لا يقول لصاحب هذه الصياغة بع هذا المصوغ بوزنه واخسر صياغتك، ولا يقول له لا تعمل هذه الصياغة واتركها، ولا يقول له: تحيل على
стр. 4941
بيع المصوغ بأكثر من وزنه بأنواع الحيل، ولم يقل قط: لا تبعه إلَّا بغير جنسه، ولم يحرم على أحد أن يبيع شيئاً من الأشياء بجنسه.
فإن قيل: فهب أنَّ هذا قد سلم لكم في المصوغ فكيف يسلم لكم في الدراهم والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك مفاضلاً وتكون الزيادة في مقابلة صناعة الضرب.
قيل هذا سؤال قوي وارد وجوابه أنَّ السكة لا تتقوم فيه الصناعة للمصلحة العامة المقصودة منها فإنَّ السلطان يضربها لمصلحة الناس العامة، وإن كان الضارب يضربها بأجرة فإنَّ القصد بها أن تكون معياراً للناس لا يتجرون فيها كما تقدم، والسكة فيها غير مقابلة بالزيادة في العرف، ولو قوبلت بالزيادة فسدت المعاملة، وانتقضت المصلحة التي ضربت لأجلها، واتخذها الناس سلعة، واحتاجت إلى التقويم بغيرها، ولهذا قام الدرهم مقام الدرهم من كل وجه وإذا أخذ الرجل الدراهم رد نظيرها وليس المصوغ كذلك، ألا ترى أنَّ الرجل يأخذ مائة خفافاً ويرد خمسين ثقالاً بوزنها، ولا يأبي ذلك الآخذ ولا القابض ولا يرى أحدهما أنَّه قد خسر شيئاً، وهذا بخلاف المصوغ والنبي ﷺ وخلفاؤه لم يضربوا درهماً واحداً، وأول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان، وإنَّما كانوا يتعاملون بضرب الكفار.
فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن تجوزوا بيع فروع الأجناس بأصولها متفاضلاً فجوزوا بيع الحنطة بالخبز متفاضلاً، والزيت بالزيتون، والسمسم بالشيرج.
стр. 4942
قيل هذا سؤال وارد أيضاً وجوابه أنَّ التحريم إنَّما يثبت بنص أو إجماع، أو تكون الصورة المحرمة بالقياس مساوية من كل وجه للمنصوص على تحريمها، والثلاثة منتفية في فروع الأجناس مع أصولها، وقد تقدم أنَّ غير الأصناف الأربعة لا يقوم مقامها ولا يساويها في إلحاقها بها، وأمَّا الأصناف الأربعة ففرعها إن خرج عن كونه قوتاً لم يكن من الربويات وإن كانت قوتا كان جنساً قائماً بنفسه وحرم بيعه بجنسه الذي هو مثله متفاضلاً كالدقيق بالدقيق، والخبز بالخبز، ولم يحرم بيعه بجنس آخر وإن كان جنسهما واحداً، فلا يحرم السمسم بالشيرج، ولا الهريسة بالخبز، فإنَّ هذه الصناعة لها قيمة فلا تضيع على صاحبها، ولم يحرم بيعها بأصولها في كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولا حرام إلَّا ما حرمه الله، كما أنَّه لا عبادة إلَّا ما شرعها الله وتحريم الحلال كتحليل الحرام … » اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو ما ذهب إليه أكثر العلماء من تحريم التفاضل بين الحلي من الذهب إذا بيع بالدنانير، وهكذا القول في حلي الفضة مع الدراهم، لما رواه مسلم (١٥٩١) عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ».
ووجه الشاهد من هذا الحديث أنَّه لو جاز التفاضل بين الحلي من الذهب، والدنانير لما قال النَّبي ﷺ لفضالة: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ». فإنَّه إنَّما أمره بالفصل قبل البيع من أجل معرفة التماثل بين الذهبين، فإنَّه
стр. 4943
لا يمكن معرفة ذلك من غير فصل، فدل هذا الحديث على وجوب التماثل بين الحلي، والدنانير، وأنَّه لا أثر للصنعة في ذلك، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.
وأمَّا ما يتعلق بزكاة الحلي فالصحيح وجوب الزكاة فيه كما سبق بيان ذلك في كتاب الزكاة.
٦ - ويدخل في النهي عن التفاضل بين الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ما إذا باع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما إذا قصد التحيل على الربا، كأن يبيع عشرة دراهم بكيس بخمسة عشر درهماً بغير كيس، وذلك الكيس لا يساوي خمسة دراهم.
وهذه هي التي تسمى عند العلماء بـ"مد عجوة"، وضابطها أن يبيع مالاً ربوياً بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما، والصحيح فيها تحريمها إن قصد بها التحايل على الربا، وجوازها إذا لم يقصد ذلك.
وقد سئل شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٥٧ - ٤٥٨):
«عن الفلوس وبيع بعضها ببعض متفاضلاً وصرفها بالدراهم من غير تقابض في الحال ودافع الدرهم يأخذ ببعضه فلوساً وببعضه قطعة من فضة.
стр. 4944
فأجاب: إذا دفع الدرهم فقال: أعطني بنصفه فضة وبنصفه فلوساً. وكذلك لو قال: أعطني بوزن هذه الدراهم الثقيلة أنصافاً أو دراهم خفافاً؛ فإنَّه يجوز سواء كانت مغشوشة أو خالصة. ومن الفقهاء من يكره ذلك ويجعله من باب "مد عجوة" لكونه باع فضة ونحاساً بفضة ونحاس. وأصل مسألة "مد عجوة" أن يبيع مالاً ربوياً بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما، فإنَّ للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: المنع مطلقاً كما هو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد. والثاني: الجواز مطلقا كقول أبي حنيفة ويذكر رواية عن أحمد.
والثالث: الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلاً أو لا يكون وهذا مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه. فإذا باع تمراً في نواه بنوى أو تمراً منزوع النوى. أو شاة فيها لبن بشاة ليس فيها لبن أو بلبن ونحو ذلك. فإنَّه يجوز عندهما؛ بخلاف ما إذا باع ألف درهم بخمسمائة درهم في منديل؛ فإنَّ هذا لا يجوز. فمن كان قصده بيع الربوي بجنسه متفاضلاً لم يجز وإن كان تبعاً غير مقصود جاز. ومالك ﵀ يقدر ذلك بالثلث. وهكذا إذا باع حنطة فيها شعير يسير بحنطة فيها شعير يسير فإنَّ ذلك يجوز عند الجمهور. وكذلك إذا باع الدراهم التي فيها غش بجنسها. فإنَّ الغش غير مقصود والمقصود بيع الفضة بالفضة وهما متماثلان. وكذلك صرف الفلوس بالدراهم المغشوشة يقول من يكرهه: إنَّه بيع فضة ونحاس بنحاس. والصحيح الذي عليه الجمهور أنَّ هذا كله جائز» اهـ.
стр. 4945
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٦٦):
«والأشبه الجواز في ذلك وفي سائر هذا الباب إذا لم يشتمل على الربا المحرم. والأصل حمل العقود على الصحة والحاجة داعية إلى ذلك» اهـ.
* * *
стр. 4946
٢٧١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟»، قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٩٠):
«وقوله: "أوه". كلمة تقال عند التوجع وهي مشددة الواو مفتوحة وقد تكسر والهاء ساكنة وربما حذفوها ويقال بسكون الواو وكسر الهاء وحكى بعضهم مد الهمزة بدل التشديد. قال ابن التين: إنَّما تأوه ليكون أبلغ في الزجر. وقاله أمَّا للتألم من هذا الفعل، وأمَّا من سوء الفهم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٠٤):
«وقوله: "عين الربا"؛ أي: هو الربا المحرم نفسه، لا ما يشبهه» اهـ.
والبَرني: تمر أصفر مدور، وهو من التمر الجيد.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم التفاضل بين التمر الرديء والجيد.
стр. 4947
٢ - أنَّه لا ينظر في مسائل الربا إلى اختلاف الصفات، بل العبرة الاتحاد في الكيل أو الوزن وإن اختلفت الصفات.
وتستوي في ذلك الصفات المخلوقة من قبل الله تعالى التي ليس للبشر فيها عمل، والمصنوعة من جهة البشر، ويدل على الثاني ما رواه مسلم (١٥٩١) عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ».
قُلْتُ: لكن إذا أخرجت الصناعة الشيء المصنوع إلى شيء آخر، كالبر إذا صار خبزاً، فهل يجري ربا الفضل بينهما، في ذلك نزاع بين العلماء، والذي يظهر لي عدم جريان الربا بينهما، لأنَّ هذه الصناعة مخرجة للبر عن اسمه وحقيقته، بعكس صياغة الذهب حلياً فإنَّها لا تخرجه عن اسمه وحقيقته، فإذا حلف شخص أن لا يشتري ذهباً واشترى حلياً حنث بذلك، لكن إن حلف أن لا يشتري براً واشترى خبزاً فلا يحنث بذلك.
وحقيقة الأمر أنَّ الصناعة المخرجة للمصنوع عن اسمه وحقيقته أشبه ما تكون بالاستحالة، والمُستحال له أحكام غير أحكام ما استحال منه، كالمني، والعلقة إذا استحالتا حيواناً، والميتة إذا استحالت ملحاً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٤٠ - ١٤١):
стр. 4948
«إن قيل: فيلزمكم على هذا أن تجوزوا بيع فروع الأجناس بأصولها متفاضلاً فجوزوا بيع الحنطة بالخبز متفاضلاً، والزيت بالزيتون، والسمسم بالشيرج.
قيل: هذا سؤال وارد أيضاً، وجوابه: أنَّ التحريم إنَّما يثبت بنص أو إجماع، أو تكون الصورة المحرمة بالقياس مساوية من كل وجه للمنصوص على تحريمها، والثلاثة منتفية في فروع الأجناس مع أصولها، وقد تقدم أنَّ غير الأصناف الأربعة لا يقوم مقامها، ولا يساويها في إلحاقها بها، وأمَّا الأصناف الأربعة ففرعها إن خرج عن كونه قوتاً لم يكن من الربويات، وإن كانت قوتاً كان جنساً قائماً بنفسه وحرم بيعه بجنسه الذي هو مثله متفاضلاً، كالدقيق بالدقيق، والخبز بالخبز، ولم يحرم بيعه بجنس آخر وإن كان جنسهما واحداً، فلا يحرم السمسم بالشيرج، ولا الهريسة بالخبز، فإنَّ هذه الصناعة لها قيمة فلا تضيع على صاحبها، ولم يحرم بيعها بأصولها في كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولا حرام إلَّا ما حرمه الله، كما أنَّه لا عبادة إلَّا ما شرعها الله، وتحريم الحلال كتحليل الحرام» اهـ.
قُلْتُ: ويحكى جواز ذلك عن مالك وأبي ثور، وابن حزم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٢):
«ولا يجوز بيع الحنطة بشيء من فروعها وهي ثلاثة أقسام: أحدها السويق، فلا يجوز بيعه بالحنطة، وبهذا قال الشافعي، وحكي عن مالك، وأبي ثور جواز ذلك، متماثلاً، ومتفاضلاً.
стр. 4949
ولنا، أنَّه بيع الحنطة ببعض أجزائها متفاضلاً، فلم يجز، كبيع مكوك حنطة بمكوكي دقيق، ولا سبيل إلى التماثل؛ لأنَّ النار قد أخذت من أحدهما دون الآخر، فأشبهت المقلية» اهـ.
٣ - استحباب أن يهدي الشخص من أجود ما يجد.
٤ - السؤال عن الطعام المهدي عند الشك في أمره.
٥ - التوجع من المخالفة للشرع، وإن كان المخالف جاهلاً بالحكم.
٦ - جواز استعمال الحيل الشرعية للابتعاد عن الحرام.
ويشبه هذا الحديث ما رواه البخاري (٢٢٠١، ٢٢٠٢)، ومسلم (١٥٩٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا».
قُلْتُ: والحيلة إذا كان المقصود بها إحقاق حق، أو إبطال باطل، وتوصل لها بالطرق المشروعة فإنَّ ذلك مما يجوز، وهكذا إذا أريد بها التخلص من الإثم، بالأسباب المشروعة، وهكذا إذا قصد بها التخلص مما لا يلزمه من الشروط، ونحو ذلك فكل ذلك يجوز إذا استعمل فيها الطرق المشروعة.
стр. 4950
وأمَّا إذا أريد بها إبطال حق، أو إحقاق باطل، أو انتهاك محرم من المحرمات، أو ترك واجب من الواجبات، فكل ذلك مما لا يجوز سواء استعمل في ذلك الطرق المباحة من حيث الأصل، كإخراج ذلك مخرج البيع، أو الإجارة، أو استعمل في ذلك الطرق المحرمة.
وأمَّا إذا أراد احقاق حق، أو إبطال باطل، لكنه سلك في ذلك طرقاً غير مشروعة، فذلك مما لا يجوز، كأن يأخذ حقاً من حقوقه بشهود الزور، ونحو ذلك. والله أعلم.
٧ - لم يأمر النَّبي ﷺ بلالاً أن يفسخ البيع فهل يدل ذلك على صحة ذلك من الجاهل؟.
الجواب: لا، لما رواه مسلم (١٥٩٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا التَّمْرُ مِنْ تَمْرِنَا؟»، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِعْنَا تَمْرَنَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ، ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا».
٨ - واحتج به من قال بتجويز الحيل المحرمة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٠٤):
«قد يحتج بإطلاقه من لم يقل بسدِّ الذرائع. وهو الشافعي، وأبو حنيفة، وكافتهم، فأجازوا شراء "البرني" مثلاً ممن باع منه "الجمع". ومنعه مالك ﵀ على
стр. 4951
أصله في سدِّ الذرائع. فإنَّ هذه الصورة تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلاً، ويكون الثمن لغواً. ولا حجَّة لهم في هذا الحديث؛ لأنَّه ﷺ لم ينص على جواز شراء التمر الثاني ممن باع منه التمر الأول، ولا تناوله ظاهر اللفظ بعموم، بل بإطلاقه. والمطلق يحتمل التقييد احتمالاً يوجب الاستفسار، فكأنَّه إلى الإجمال أقرب. وبهذا فرق بين العموم والإطلاق. فإنَّ العموم ظاهر في الاستغراق، والمطلق صالح له، لا ظاهر فيه. وإذا كان كذلك فيتقيد بأدنى دليل. وقد دلَّ على تقييده الدليل الذي دلَّ على سدِّ الذرائع، كما بيَّنَّاه في الأصول» اهـ.
أقول: الأفضل أن يبيع الجنس الربوي الرديء من رجل بالأثمان، ويشتري من غيره، فإن باع ذلك لنفس من اشترى منه من غير مواطأة بينهما فلا بأس بذلك، وإن كان ذلك عن مواطأة بينهما فلا يجوز، فإنَّه يصير من بيع الربوي بجنسه متفاضلاً، ويكون الثمن لغواً، كالتيس المستعار، فهذا محلل في باب الربا، وذلك محلل في باب النكاح.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٨٥ - ٨٦):
«فصل: وإذا باع مدي تمر رديء بدرهم، ثم اشترى بالدرهم تمراً جنيباً، أو اشترى من رجل ديناراً صحيحاً بدراهم، وتقابضاها، ثم اشترى منه بالدراهم قراضة من غير مواطأة، ولا حيلة، فلا بأس به.
وقال ابن أبي موسى: لا يجوز، إلَّا أن يمضي إلى غيره ليبتاع منه، فلا يستقيم له، فيجوز أن يرجع إلى البائع، فيبتاع منه.
стр. 4952
وقال أحمد في رواية الأثرم: يبيعها من غيره أحب إلي.
قلت له: قال لم يعلمه أنَّه يريد أن يبيعها منه؟ فقال: يبيعها من غيره، فهو أطيب لنفسه وأحرى أن يستوفي الذهب منه، فإنه إذا ردها إليه لعله أن لا يوفيه الذهب، ولا يحكم الوزن، ولا يستقصي، يقول: هي ترجع إليه.
قيل لأبي عبد الله: فذهب ليشتري الدراهم بالذهب الذي أخذها منه من غيره، فلم يجدها، فرجع إليه؟ فقال: إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره، فنعم.
فظاهر أن هذا على وجه الاستحباب، لا الإيجاب.
ولعل أحمد إنَّما أراد اجتناب المواطأة على هذا، ولهذا قال: إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره، فنعم.
وقال مالك: إن فعل ذلك مرة، جاز، وإن فعله أكثر من مرة، لم يجز؛ لأنَّه يضارع الربا.
ولنا ما روى أبو سعيد، قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني، فقال له النبي ﷺ : "من أين هذا"؟
قال بلال: كان عندنا تمر رديء، فبعت صاعين بصاع؛ ليطعم النبي ﷺ .
فقال له النبي ﷺ : "أوه، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري، فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به".
стр. 4953
وروى أيضاً أبو سعيد، وأبو هريرة: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال: "أكل تمر خيبر هكذا"؟ قال: لا والله. إنَّا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة.
فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تفعل، بع التمر بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيباً". متفق عليهما.
ولم يأمره أن يبيعه من غير من يشتري منه، ولو كان ذلك محرماً لبينه له، وعرفه إياه. ولأنَّه باع الجنس بغيره من غير شرط، ولا مواطأة، فجاز، كما لو باعه من غيره.
ولأنَّ ما جاز من البياعات مرة، جاز على الإطلاق، كسائر البياعات. فأمَّا إن تواطآ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة، والشافعي: يجوز، ما لم يكن مشروطاً في العقد.
ولنا أنَّه إذا كان عن مواطأة كان حيلة، والحيل محرمة على ما سنذكره» اهـ.
قُلْتُ: وقد ناقش العلامة ابن القيم ﵀ من احتج بهذا الحديث على تجويز الحيل التي يستباح بها المحرمات، وأطال النفس في ذلك فقال ﵀ في [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٨٢ - ٢٩٤):
«وأمَّا حديث أبي هريرة وأبي سعيد بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً فما أصحه من حديث ونحن نتلقاه بالقبول والتسليم والكلام معكم فيه من مقامين:
أحدهما: إبطال استدلالكم به على جواز الحيل.
стр. 4954
وثانيهما: بيان دلالته على نقيض مطلوبكم إذ هذا شأن كل دليل صحيح احتج به محتج على باطل فإنَّه لا بد أن يكون فيه ما يدل على بطلان قوله ظاهراً أو إيماء مع عدم دلالته على قوله.
فأمَّا المقام الاول فنقول: غاية ما دل الحديث عليه أنَّ النبي ﷺ أمره أن يبيع سلعته الأولى بثمن ثم يبتاع بثمنها تمراً آخر، ومعلوم قطعاً أنَّ ذلك إنَّما يقتضي البيع الصحيح فإنَّ النبي ﷺ لا يأذن في العقد الباطل فلا بد أن يكون العقد الذي أذن فيه صحيحاً والشأن كل الشأن في العقد المتنازع فيه فلو سلم لكم المنازع صحته لاستغنيتم عن الاستدلال بالحديث ولا يمكن الاستدلال بالحديث على صحته لأنَّه ليس بعام فإنَّ قوله: "بع". مطلق لا عام فهذا البيع لو كان صحيحاً متفقاً على صحته لم يكن هناك لفظ عام يحتج به على تناوله فكيف وهذا البيع مما قد دلت السنة الصحيحة وأقوال الصحابة والقياس الصحيح على بطلانه كما تقدم.
ولو اختلف رجلان في بيع هل هو صحيح أو فاسد وأراد كل واحد منهما إدخاله في هذا اللفظ لم يمكنه ذلك حتى يثبت أنَّه بيع صحيح ومتى أثبت أنَّه بيع صحيح لم يحتج الى الاستدلال بهذا المطلق فتبين أنَّه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع ألبتة.
стр. 4955
ونكتة الجواب أن يقال: الأمر المطلق بالبيع إنَّما يقتضي البيع الصحيح، ومن سلم لكم أنَّ هذه الصورة التي تواطأ فيها البائع والمشتري على الربا وجعل السلعة الدخيلة محللاً له غير مقصودة بالبيع بيع صحيح وإذا كان الحديث ليس فيه عموم وإنَّما هو مطلق والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمر بشيء من صورها لأنَّ الحقيقة مشتركة بين الافراد والقدر المشترك ليس هو مما يميز به كل واحد من الافراد عن الآخر، ولا هو مستلزماً له فلا يكون الأمر بالمشترك أمراً بالمميز بحال وإن كان مستلزماً لبعض تلك القيود لا بعينه، فيكون عاماً لها على سبيل البدل لكن ذلك لا يقتضى العموم للأفراد على سبيل الجمع وهو المطلق في قوله: "بع هذا الثوب". لا يقتضى الأمر ببيعه من زيد أو عمرو، ولا بكذا، أو كذا، ولا بهذه السوق، أو هذه فإنَّ اللفظ لا دلالة له على شيء من شيء من ذلك إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلاً من جهة وجود تلك الحقيقة لا من جهة تلك القيود، وهذا الامر لا خلاف فيه لكن بعض الناس يعتقد أنَّ عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الاجزاء إذا اتى بها إلَّا بقرينة وهو خطأ، والصواب أنَّ القيود لا تنافى الأمر، ولا تستلزمه وإن كان لزوم بعضها لزوماً عقلياً ضرورة وقوع القدر المشترك في ضمن قيد من تلك القيود وإذا تبين هذا فليس في الحديث أمره أن يبيع التمر لبائع النوع الآخر ولا لغيره ولا بحلول ولا تأجيل ولا بنقد البلد ولا غيره ولا بثمن المثل أو غيره وكل هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ، ولو زعم زاعم أنَّ اللفظ يعم هذا كله كان مبطلاً، لكن اللفظ لا يمنع الاجزاء إذا أتى بها، وإنَّما استفيد عدم الامتثال إذا بيع
стр. 4956
بدون ثمن المثل أو بثمن مؤجل، أو بغير نقد البلد من العرف الذي ثبت للبيع المطلق، وكذلك ليس في اللفظ ما يدل على أنَّه يبيعه من البائع بعينه ولا غيره كما ليس فيه ما يمنعه بل كل واحد من الطرفين يحتاج الى دليل خارج عن اللفظ المطلق فما قام الدليل على إباحته أبيح فعله بالدليل الدال على جوازه لا بهذا اللفظ، وما قام دليل على المنع منه لم يعارض دليل المنع بهذا اللفظ المطلق حتى يطلب الترجيح بل يكون دليل المنع سالماً عن المعارضة بهذا فإن عورض بلفظ عام متناول لإباحته بوضع اللفظ له أو بدليل خاص صحت المعارضة فتأمل هذا الموضع الذي كثيراً ما يغلط فيه الناظر والمناظر وبالله التوفيق.
وقد ظهر بهذا جواب من قال: لو كان الابتياع من المشتري حراماً لنهى عنه فإنَّ مقصوده ﷺ إنَّما كان لبيان الطريق التي بها يحصل اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيداً ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه لأنَّ المقصود ذكر الحكم على وجه الجملة، ولأنَّ المخاطب أحيل على فهمه وعلمه بأنَّه إنَّما أذن له في بيع يتعارفه الناس وهو البيع المقصود في نفسه ولم يؤذن له في بيع يكون وسيلة وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربا صريح، وكان القوم أعلم بالله ورسوله وشريعته من أن يفهموا عنه أنَّه أذن لهم في الحيل الربوية التي ظاهرها بيع وباطنها ربا ونحن نشهد بالله أنَّه كما لم يأذن فيها بوجه لم يفهمها عنه أصحابه بخطابه بوجه».
стр. 4957
إلى أن قال ﵀: «وكذلك قوله: "بع الجمع" لو استدل به مستدل على بيع من البيوع المتنازع فيها لم يكن فيه حجة، وليس بالغالب أنَّ بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يقال هذه الصورة غالبة فيحمل اللفظ عليها، ولا هو المتعارف عند الاطلاق عرفاً وشرعاً، وبالجملة فإرادة هذه الصورة وحدها من اللفظ ممتنع، وإرادتها مع غيرها فرع على عمومه ولا عموم له، وإرادة القدر المشترك بين أفراد البيع إنَّما تنصرف الى البيع المعهود عرفاً وشرعاً وعلى التقديرات كلها لا تدخل هذه الصورة
ومما يدل على ذلك أنَّ هذه الصورة لا تدخل في أمر الرجل لعبده وولده ووكيله أن يشتري له كذا فلو قال بع هذه الحنطة العتيقة واشتر لنا جديدة لم يفهم السامع إلَّا بيعاً مقصوداً أو شراء مقصوداً فثبت أنَّ الحديث ليس فيه إشعار بالحيلة الربوية ألبتة».
إلى أن قال ﵀: «يوضحه أنَّ الربا نوعان ربا الفضل وربا النسيئة، فأمَّا ربا الفضل فيمكنه في كل مال ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا ويسمى ما شاء ثم يقول: اشتريت منك هذا للذي هو من جنسه بذلك الذي سماه ولا حقيقة له مقصودة، وأمَّا ربا النسيئة فيمكنه أن يقول: بعتك هذه الحريرة بألف درهم أو عشرين صاعاً إلى سنة وابتعتها منك بخمسمائة حاله أو خمسة عشر صاعاً ويمكنه ربا الفضل فلا يشاء مراب إلَّا أقرضه ثم حاباه في بيع أو إجارة أو غيرهما ويحصل مقصوده من الزيادة فيا سبحان الله أيعود الربا الذي قد عظم الله شأنه في القرآن
стр. 4958
وأوجب محاربة مستحله ولعن آكله موكله وشاهديه وكاتبه وجاء فيه من الوعيد ما لم يجيء في غيره إلى أن يستحل نوعاه بأدنى حيلة لا كلفة فيها أصلاً إلَّا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها ويستهزأ بها فكيف يستحسن أن ينسب إلى نبي من الأنبياء فضلاً عن سيد الأنبياء، بل أن ينسب رب العالمين إلى أن يحرم هذه المحرمات العظيمة ويوعد عليها بأغلظ العقوبات وأنواع الوعيد ثم يبيحها بضرب من الحيل والعبث والخداع الذي ليس له حقيقة مقصودة البتة في نفسه للمتعاقدين، وترى كثيراً من المرابين لما علم أنَّ هذا العقد ليس له حقيقة مقصودة البتة قد جعل عنده خرزة ذهب فكل من جاءه يريد أن يبيعه جنساً بجنسه أكثر منه أو أقل ابتاع منه ذلك الجنس بتلك الخرزة ثم ابتاع الخرزة بالجنس الذي يريد أن يعطيه إياه أفيستجيز عاقل أن يقول: إنَّ الذي حرم بيع الفضة بالفضة متفاضلاً أحلها بهذه الخرزة، وكذلك كثير من الفجار قد أعد سلعة لتحليل ربا النساء فإذا جاءه من يريد الفاً بألف ومائتين أدخل تلك السلعة محللاً ولهذا كانت أكثر حيل الربا في بابها أغلظ من حيل التحليل، ولهذا حرمها أو بعضها من لم يحرم التحليل لأنَّ القصد في البيع معتبر في فطر الناس، ولأنَّ الاحتيال في الربا غالباً إنَّما يتم بالمواطأة اللفظية أو العرفية ولا يفتقر الى شهادة، ولكن يتعاقدان ثم يشهدان أنَّ له في ذمته ديناً، ولهذا إنَّما لعن شاهداه إذا علما به، والتحليل لا يمكن إظهاره وقت العقد لكون الشهادة شرطاً فيه، والشروط
стр. 4959
المتقدمة تؤثر كالمقارنة كما تقدم تقريره إذ تقديم الشرط ومقارنته لا يخرجه عن كونه عقد تحليل ويدخله في نكاح الرغبة والقصود معتبرة في العقود.
وجماع الأمر أنَّه إذا باعه ربوياً بثمن وهو يريد أن يشتري منه بثمنه من جنسه فإمِّا أن يواطئه على الشراء منه لفظاً أو يكون العرف بينهما قد جرى بذلك، أو لا يكون فإن كان الأول فهو باطل كما تقدم تقريره فإن هذا لم يقصد ملك الثمن ولا قصد هذا تمليكه وإنَّما قصد تمليك المثمن بالمثمن وجعلا تسمية الثمن تلبيساً وخداعاً ووسيلة الى الربا فهو في هذا العقد بمنزلة التيس الملعون في عقد التحليل، وإن لم تجر بينهما مواطأة لكن قد علم المشتري أنَّ البائع يريد أن يشترى منه ربوياً بربوي فكذلك لأنَّ علمه بذلك ضرب من المواطأة وهو يمنع قصد الثمن الذي يخرجان به عن قصد الربا، وإن قصد البائع الشراء منه بعد البيع ولم يعلم المشترى فقد قال الإمام أحمد هاهنا لو باع من رجل دنانير بدارهم لم يجز أن يشترى بالدراهم منه ذهباً إلَّا أن يمضى ويبتاع بالورق من غيره ذهباً فلا يستقيم فيجوز أن يرجع إلى الذي ابتاع منه الدنانير فيشترى منه ذهباً، وكذلك كره مالك أن تصرف دراهمك من رجل بدنانير ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم غير دراهمك في الوقت، أو بعد يوم أو يومين.
قال ابن القاسم: فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به.
فوجه ما منعه الإمام أحمد ﵁ أنَّه متى قصد المشتري منه تلك الدنانير لم يقصد تملك الثمن ولهذا لا يحتاط في النقد والوزن ولهذا يقول: إنَّه متى بدا له بعد
стр. 4960
القبض والمفارقة أن يشترى منه بأن يطلب من غيره فلا يجد لم يكن في العقد الأول خلل، والمتقدمون من أصحاب حملوا هذا المنع منه على التحريم.
وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إذا لم يكن شرطاً ومواطأة بينهما لم يحرم وقد أومأ اليه الإمام أحمد في رواية حرب فإنَّه قال قلت لأحمد: اشترى من رجل ذهباً ثم ابتاعه منه. قال: بيعه من غيره أحب إلي. وذكر ابن عقيل أنَّ أحمد لم يكرهه في رواية أخرى، وكره ابن سيرين للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير، وهذه المسألة في ربا الفضل كمسائل العينة في ربا النساء ولهذا عدها من الربا الفقهاء السبعة وأكثر العلماء وهو قول أهل المدينة كمالك وأصحابه وأهل الحديث كأحمد وأصحابه وهو مأثور عن ابن عمر، ففي هذه المسالة قد عاد الثمن إلى المشترى وحصلا على ربا الفضل أو النساء، وفي العينة قد عاد المبيع إلى البائع وأفضى إلى ربا الفضل والنساء جميعاً، ثم إن كان في الموضعين لم يقصد الثمن ولا المبيع وإنَّما جعل وصلة إلى الربا فهذا الذي لاريب في تحريمه، والعقد الأول هاهنا باطل بلا توقف عند من يبطل الحيل، وقد صرح به القاضي في مسألة العينة في غير موضع وحكى أبو الخطاب في صحته وجهين.
قال شيخنا: والأول هو الصواب وإنَّما تردد من تردد من الأصحاب في العقد الأول في مسألة العينة لأنَّ هذه المسألة إنَّما ينسب الخلاف فيها في العقد الثاني بناء على أنَّ الأول صحيح، وعلى هذا التقدير فليست من مسائل الحيل، وإنَّما هي من
стр. 4961
مسائل الذرائع، ولها مأخذ آخر يقتضى التحريم عند أبي حنيفة وأصحابه فإنَّهم لا يحرمون الحيل ويحرمون مسألة العينة، وهو أنَّ الثمن إذا لم يستوف لم يتم العقد الأول فيصير الثاني مبنياً عليه وهذا تعليل خارج عن قاعدة الحيل والذرائع فصار للمسألة ثلاثة مآخذ فلما لم يتمحض تحريمها على قاعدة الحيل توقف في العقد الأول من توقف.
قال شيخنا: والتحقيق أنَّها إذا كانت من الحيل أعطيت حكم الحيل وإلَّا اعتبر فيها المأخذان الآخران هذا إذا لم يقصد الأول فإن قصد حقيقته فهو صحيح لكن ما دام الثمن في ذمة المشتري لم يجز أن يشترى منه المبيع بأقل منه من جنسه، ولا يجوز أن يبتاع منه بالثمن ربوياً لا يباع بالأول نساء لأنَّ أحكام العقد الأول لا تتم إلَّا بالتقابض فإذا لم يحصل كان ذريعة إلى الربا، وإن تقابضا وكان العقد مقصوداً فله يشتري منه كما يشتري من غيره، وإذا كان الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا خداع فيها ولا تحريم لم يصح أن تلحق بها صورة عقد لم تقصد حقيقته، وإنَّما قصد التوصل به الى استحلال ما حرمه الله والله الموفق.
وإنَّما اطلنا الكلام على هذه الحجة لأنَّها عمدة أرباب الحيل من السنة» اهـ.
٩ - واحتج بهذا الحديث، وحديث أبي هريرة من أجاز بيع العينة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤٥٨) - عند شرحه لحديث أبي هريرة -:
стр. 4962
«واحتج بهذا الحديث أصحابنا وموافقوهم في أنَّ مسألة العينة ليست بحرام، وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلاً إلى مقصود الربا بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين، فيبيعه ثوباً بمائتين، ثم يشتريه منه بمائة، وموضع الدلالة من هذا الحديث: أنَّ النَّبي ﷺ قال له: "بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا"، ولم يفرق بين أن يشتري من المشتري أو من غيره، فدل على أنَّه لا فرق، وهذا كله ليس بحرام عند الشافعي وآخرين، وقال مالك وأحمد: هو حرام» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح المقطوع به هو تحريم بيع العينة، وأنَّها أشد من الربا الصريح، لجمعها بين الربا، والتحيل على الشرع، ولما روى أبو داود (٣٤٦٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ بطرقه.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٨١٢، ١٤٨١٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٠٥٧٩، ١٠٥٨٠)، وابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٤٥١) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ امْرَأَتِهِ، «أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فِي نِسْوَةٍ فَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ، فَبِعْتُهَا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِ مِائَةٍ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ اشْتَرَيْتُهَا مِنْهُ بِسِتِّ مِائَةٍ، فَنَقَدْتُهُ السِتَّمِائَةٍ، وَكَتَبْتُ عَلَيْهِ ثَمَانِ مِائَةٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: " بِئْسَ وَاللَّهِ مَا
стр. 4963
اشْتَرَيْتِ، وَبِئْسَ وَاللَّهِ مَا اشْتَرَيْ، أَخْبِرِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ"، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْتِ إِنْ أَخَذْتُ رَأْسَ مَالِي وَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْفَضْلَ؟ قَالَتْ: ﴿مَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ الْآيَةُ، أَوْ قَالَتْ: ﴿إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَموَالِكُمْ﴾ الْآيَةُ».
ورواه الدارقطني (٣٠٠٢) مِنْ طَرِيْقِ يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية.
قُلْتُ: العالية هي بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق، جهلها الدارقطني بعد روايته لحديثها.
وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٤٦):
«أمَّا إذا باع السلعة إلى أجل واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالاً فهذه تسمى "مسألة العينة" وهي غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم. وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس بن مالك» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا إذا باعها بنقد، واشتراها بعرض أقل من ذلك، أو العكس، فقد قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٢١):
«فصل وإن اشتراها بعرض، أو كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد جاز وبه قال أبو حنيفة.
ولا نعلم فيه خلافاً؛ لأنَّ التحريم إنَّما كان لشبهة الربا، ولا ربا بين الأثمان والعروض.
стр. 4964
فأمَّا إن باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر مثل أن يبيعها بمائتي درهم، ثم اشتراها بعشرة دنانير، فقال أصحابنا: يجوز؛ لأنَّهما جنسان لا يحرم التفاضل بينهما.
فجاز، كما لو اشتراها بعرض، أو بمثل الثمن. وقال أبو حنيفة: لا يجوز استحساناً لأنَّهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية، ولأنَّ ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا، فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول.
وهذا أصح. إن شاء الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.
وذلك أنَّه إذا باع إلى أجل بدراهم ثم اشترى بدنانير كان ذلك ذريعة إلى ربا النسيئة إذ حقيقة ذلك أنَّه باع دراهم مؤجلة بدنانير ناجزة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ١٨١):
«قَالَ شَيْخُنَا: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مِنْ الْحِيَلِ أُعْطِيت حُكْمَ الْحِيَلِ، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ فِيهَا الْمَأْخَذَانِ الْآخَرَانِ، هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ، فَإِنْ قَصَدَ حَقِيقَتَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنْ مَا دَامَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ الْمَبِيعَ بِأَقَلَّ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ الثَّمَنَ رِبَوِيًّا لَا يُبَاعُ بِالْأَوَّلِ نَسَاءً؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالتَّقَابُضِ؛ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ كَانَ ذَرِيعَةً إلَى الرِّبَا، وَإِنْ تَقَابَضَا وَكَانَ الْعَقْدُ مَقْصُودًا فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ كَمَا يَشْتَرِيَ مِنْ غَيْرِهِ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٢١٥):
стр. 4965
«وظاهر كلام المؤلف ولو كان جنسه مما يجري ربا النسيئة فيه بينه وبين الثمن، فإنه يجوز، مثاله: بعت هذا البيت بمائة دينار - تساوي ألف درهم - مؤجلاً ثم رجعت إليه واشتريته بثمانمائة درهم نقداً، فعلى كلام المؤلف يجوز؛ لأنني اشتريته بغير ما بعته به؛ لأن التفاضل بين الذهب والفضة جائز ولا يجري بينهما ربا الفضل، ولكن الصحيح أنه لا يجوز إذا اشتراه بثمن يجري ربا النسيئة بينه وبين الثمن الذي باعه به؛ لأننا نقول: وإن انتفى ربا الفضل فعندنا ربا النسيئة، وهو ممنوع شرعاً وقد يتحيل الإنسان عليه بمثل هذه الصورة.
نعم لو أنني بعت البيت بمائة درهم إلى سنة ثم اشتريته بمائتي كيلو تمر نقداً، فهذا جائز ولا إشكال؛ لأن التفاضل والنسيئة بين الدراهم والتمر جائزان، وإذا جاز التفاضل والنسيئة بينهما على وجه صريح، فهذه المسألة تجوز من باب أولى» اهـ.
قُلْتُ: وإن اشتراها بمثل ثمنها، أو أكثر، فالذي يظهر لي جوازه، إذ ليس هذا من الربا، ولا من التحايل عليه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٢١): «أمَّا بيعها بمثل الثمن أو أكثر، فيجوز لأنَّه لا يكون ذريعة.
وهذا إذا كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع، فإن نقصت، مثل إن هزل العبد، أو نسي صناعة، أو تخرق الثوب، أو بلي جاز له شراؤها بما شاء لأنَّ نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا.
وإن نقص سعرها، أو زاد لذلك أو لمعنى حدث فيها، لم يجز بيعها بأقل من ثمنها، كما لو كانت بحالها.
стр. 4966
نص أحمد على هذا كله» اهـ.
قُلْتُ: واختلف العلماء في عكس هذه الصورة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٤ - ١٥٥):
«فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟ قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب على أنَّه لا يجوز إلَّا أن تتغير السلعة لأنَّ هذا يتخذ وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي عكسها صورة، وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقداً، لكن في إحدى الصورتين: البائع هو الذي استغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى: المشتري هو الذي استغلت ذمته، فلا فرق بينهما. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية. إذا لم يكن ذلك حيلة ولا مواطأة بل وقع اتفاقاً. وفرق بينهما وبين الصورة الأولى بفرقين. أحدهما: أنَّ النص ورد فيها فيبقى ما عداها على أصل الجواز.
والثاني: أنَّ التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه. والفرقان ضعيفان.
أمَّا الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة. والعينة فعلة من العين، قال الشاعر: أندان أم نعتان، أم ينبري لنا مثل نصل السيف ميزت مضاربه؟
стр. 4967
قال الجوزجاني: أنا أظن أنَّ العينة إنَّما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعين الذي احتاج إليها، وليست به إلى السلعة حاجة.
وأمَّا الفرق الثاني. فكذلك، لأنَّ المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق من الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٨/ ٣٢٣):
«فصل وإن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة، فقال أحمد، في رواية حرب: لا يجوز ذلك إلَّا أن يغير السلعة؛ لأنَّ ذلك يتخذه وسيلة إلى الربا، فأشبه مسألة العينة فإن اشتراها بنقد آخر، أو بسلعة أخرى، أو بأقل من ثمنها نسيئة، جاز؛ لما ذكرناه في مسألة العينة.
ويحتمل أن يجوز له شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه، إلَّا أن يكون ذلك عن مواطأة، أو حيلة، فلا يجوز.
وإن وقع ذلك اتفاقاً من غير قصد، جاز؛ لأنَّ الأصل حل البيع، وإنَّما حرم في مسألة العينة بالأثر الوارد فيه، وليس هذا في معناه، ولأنَّ التوسل بذلك أكثر، فلا يلتحق به ما دونه. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: شراؤها بمثل ثمن بيعها لا بأس فيه، وليس في ذلك ربا، ولا تحايل عليه، وأمَّا شراؤها بأكثر من ثمن بيعها ففيه المحذور الذي ذكره العلامة ابن القيم رحمه
стр. 4968
الله، لكن إن غير المشتري في السلعة بما يقتضي ارتفاع ثمنها كالقماش يصنعه ثوباً، والخشب يصيره باباً مثلاً، فلا بأس أن يبيعه لمن اشتراه منه بأكثر مما اشتراه منه من أجل ذلك. والله أعلم.
وأمَّا شراؤها بأقل من ثمن بيعها لنقص حصل فيها اقتضى ذلك فلا بأس بذلك.
وأمَّا إذا انخفض سعرها لقلة الرغبة فيها، لا لعيب حصل فيها، وهكذا إذا زاد سعرها لكثرة الرغبة فيها، لا لتغيير أحدثه فيها، فالأظهر في ذلك ما ذهب إليه الإمام أحمد من عدم جواز بيعها بأقل من ثمنها، في الصورة الأولى، ولا بأكثر في الصورة الثانية، سداً لذريعة الربا في الصورتين. والله أعلم.
وقوله: «فإن اشتراها بنقد آخر، أو بسلعة أخرى، أو بأقل من ثمنها نسيئة، جاز؛ لما ذكرناه في مسألة العينة».
قُلْتُ: سبق أن نقلنا عنه أنَّه رجح منع بيعها بنقد آخر بأقل من ثمنها، وهو الأظهر كما سبق.
خلاف العلماء في التورق.
واختلف العلماء في "التورق" في حكمه، وهل هو داخل في العينة أو لا، فأجازه أكثر العلماء، وكرهها عمر بن عبد العزيز، وإحدى الروايتين عن أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وله رواية بتحريمها.
стр. 4969
وأقوى ما احتج به المانعون ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٥٠٢٨) أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِذَا اسْتَقَمْتَ بِنَقْدٍ، وَبِعْتَ بِنَقْدٍ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِذَا اسْتَقَمْتَ بِنَقْدٍ فَبِعْتَ بِنَسِيئَةٍ، فَلَا، إِنَّمَا ذَلِكَ وَرِقٌ بِوَرِقٍ».
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ: «مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا».
قَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَا يَسْتَقِيمُ بِنَقْدٍ ثُمَّ يَبِيعُ لِنَفْسِهِ بِدَيْنٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٣):
«ومعنى كلامه: أنَّك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنسيئة كان مقصود المشتري شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة، وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به فلا بأس. فإنَّ ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٤٤٢): «والثالث: أن لا يكون مقصوده لا هذا ولا هذا؛ بل مقصوده دراهم لحاجته إليها. وقد تعذر عليه أن يستسلف قرضاً أو سلماً فيشتري سلعة ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذا هو "التورق" وهو مكروه في أظهر قولي العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد؛ كما قال عمر بن عبد العزيز: التورق أخية الربا. وقال ابن عباس: "إذا استقمت بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس به، وإذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم". ومعنى كلامه إذا استقمت؛ إذا قومت. يعني: إذا
стр. 4970
قومت السلعة بنقد وابتعتها إلى أجل فإنَّما مقصودك دراهم بدراهم هكذا "التورق" يقوم السلعة في الحال ثم يشتريها إلى أجل بأكثر من ذلك. وقد يقول لصاحبه: أريد أن تعطيني ألف درهم فكم تربح؟ فيقول: مائتين أو نحو ذلك. أو يقول: عندي هذا المال يساوي ألف درهم، أو يحضران من يقومه بألف درهم ثم يبيعه بأكثر منه إلى أجل فهذا مما نهي عنه في الصحيح.
وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التي اختلفت فيها الأمة كهذه المعاملات المسئول عنها وغيرها وكان متأولاً في ذلك ومعتقداً جوازه لاجتهاد أو تقليد أو تشبه ببعض أهل العلم، أو لأنَّه أفتاه بذلك بعضهم ونحو ذلك. فهذه الأموال التي كسبوها وقبضوها ليس عليهم إخراجها وإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في ذلك وأنَّ الذي أفتاهم أخطأ. فإنَّهم قبضوها بتأويل فليسوا أسوأ حالاً مما اكتسبه الكفار بتأويل باطل. فإنَّ الكفار إذا تبايعوا بينهم خمراً أو خنزيراً وهم يعتقدون جواز ذلك وتقابضوا من الطرفين، أو تعاملوا بربا صريح يعتقدون جوازه وتقابضوا من الطرفين ثم أسلموا ثم تحاكموا إلينا: أقررناهم على ما بأيديهم وجاز لهم بعد الإسلام أن ينتفعوا بذلك. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فأمرهم بترك ما بقي لهم في الذمم ولم يأمرهم بإعادة ما قبضوه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ٣٠٢): «والأقوى كراهته» اهـ.
стр. 4971
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٦/ ٥٠ - ٥٢):
«وَأَمَّا إنْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ بَيْعًا ثَابِتًا وَلَمْ تَعُدْ إلَى الْأَوَّلِ بِحَالٍ، فَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي كَرَاهَتِهِ وَيُسَمُّونَهُ التَّوَرُّقَ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْوَرِقُ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَكْرَهُهُ وَقَالَ: التَّوَرُّقُ أَخْبَثُ الرِّبَا، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يُرَخِّصُ فِيهِ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ وَأَشَارَ فِي رِوَايَةِ الْكَرَاهَةِ إلَى أَنَّهُ مُضْطَرٌّ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أُسَامَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ" أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ إلَى هَذَا أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّ رِبَا النَّسِيئَةِ يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ بِخِلَافِ رِبَا الْفَضْلِ فَإِنَّهُ نَادِرٌ لَا يَكَادُ يُفْعَلُ إلَّا عِنْدَ صِفَةِ الْمَالَيْنِ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ إنَّمَا الْعَالِمُ زَيْدٌ وَلَا سَيْفَ إلَّا ذُو الْفَقَارِ يَعْنِي أَنَّهُ هُوَ الْكَامِلُ فِي بَابِهِ وَكَذَلِكَ النَّسِيئَةُ هِيَ أَعْظَمُ الرِّبَا وَكُبْرُهُ.
يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا اسْتَقَمْت بِنَقْدٍ فَبِعْت بِنَقْدٍ، فَلَا بَأْسَ، وَإِذَا اسْتَقَمْت بِنَقْدٍ فَبِعْته بِنَسِيئَةٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ تِلْكَ وَرِقٌ بِوَرِقٍ" - رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ - يَعْنِي إذَا قَوَّمْتهَا بِنَقْدٍ ثُمَّ بِعْتهَا نَسِيئًا كَانَ مَقْصُودُ الْمُشْتَرِي اشْتِرَاءَ دَرَاهِمَ مُعَجَّلَةٍ بِدَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ وَهَذَا شَأْنُ الْمُوَرِّقِينَ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ فَيَقُولُ أُرِيدُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَيُخْرِجُ لَهُ سِلْعَةً تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَهَذَا هُوَ الِاسْتِقَامَةُ - يَقُولُ أَقَمْت السِّلْعَةَ وَقَوَّمْتهَا وَاسْتَقَمْتهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهِيَ لُغَةٌ مَكِّيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِمَعْنَى التَّقْوِيمِ - فَإِذَا قَوَّمْتهَا بِأَلْفٍ قَالَ اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَقَوْلُ ابْنِ
стр. 4972
عَبَّاسٍ يُوَافِقُ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ بِنَقْدٍ فَلْيُسَاوِمْهُ بِنَقْدٍ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَهُ بِنَسْأٍ فَلْيُسَاوِمْهُ بِنَسْإٍ كَرِهُوا أَنْ يُسَاوِمَهُ بِنَقْدٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ بِنَسْإٍ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَقْصُودُ بَيْعَ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ دَلِيلٍ عَلَى كَرَاهَتِهِمْ، لِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا قَدْ حُفِظَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا بَيْعَ " ده بدوازده "؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ: أَبِيعُك الْعَشَرَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ، فَكَرِهُوا هَذَا الْكَلَامَ لِمُشَابَهَتِهِ الرِّبَا، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ ذَلِكَ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا" فَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي تَفْسِيرِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ تَفْسِيرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ هُوَ لَك بِنَقْدٍ بِكَذَا وَبِنَسِيئَةٍ بِكَذَا، كَمَا رَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ" قَالَ سِمَاكٌ: الرَّجُلُ يَبِيعُ الْبَيْعَ فَيَقُولُ هُوَ بِنَسْإٍ بِكَذَا وَبِنَقْدٍ بِكَذَا وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَعَلَى هَذَا فَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبِيعَهُ بِأَحَدِهِمَا مُبْهَمًا وَيَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا تَفْسِيرُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرِّبَا هُنَا وَلَا صَفْقَتَيْنِ هُنَا، وَإِنَّمَا هِيَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِثَمَنٍ مُبْهَمٍ.
стр. 4973
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ هِيَ بِنَقْدٍ بِكَذَا أَبِيعُكَهَا بِنَسِيئَةٍ كَذَا كَالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ صَفْقَتَيْ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ النَّقْدَ مِعْيَارًا لِلنَّسِيئَةِ وَهَذَا مُطَابِقٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : "فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا". فَإِنَّ مَقْصُودَهُ حِينَئِذٍ، هُوَ بَيْعُ دَرَاهِمَ عَاجِلَةٍ بِآجِلَةٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا رَأْسَ مَالِهِ، وَهُوَ أَوْكَسُ الصَّفْقَتَيْنِ وَهُوَ مِقْدَارُ الْقِيمَةِ الْعَاجِلَةِ فَإِنْ أَخَذَ الزِّيَادَةَ فَهُوَ مُرْبٍ.
التَّفْسِيرُ الثَّانِي: أَنْ يَبِيعَهُ الشَّيْءَ بِثَمَنٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ ذَلِكَ الثَّمَنَ، وَأَوْلَى مِنْهُ أَنْ يَبِيعَهُ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا أَوْلَى بِلَفْظِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، فَإِنَّهُ بَاعَ السِّلْعَةَ وَابْتَاعَهَا، أَوْ بَاعَ بِالثَّمَنِ وَبَاعَهُ، وَهَذَا صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ حَقِيقَةً، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الْعِينَةُ الْمُحَرَّمَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ نَسْئًا، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا، أَوْ يَبِيعَهُ نَقْدًا، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ نَسْئًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَعُودُ حَاصِلُ هَاتَيْنِ الصَّفْقَتَيْنِ إلَى أَنْ يُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ وَيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَسِلْعَتُهُ عَادَتْ إلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ إلَّا أَوْكَسُ الصَّفْقَتَيْنِ، وَهُوَ النَّقْدُ، فَإِنْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ قَصَدَ بِالْحَدِيثِ هَذَا، وَنَحْوُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ "نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَعَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ" - رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - وَكِلَا هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ يُؤَوَّلَانِ إلَى الرِّبَا، وَفِي النَّهْيِ عَنْ هَذَا كُلِّهِ أَوْضَحُ دَلَالَةٍ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الْحِيَلِ الَّتِي هِيَ فِي الظَّاهِرِ بَيْعٌ وَفِي الْحَقِيقَةِ رِبًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٦):
стр. 4974
«وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنَّها من العينة، وأطلق عليها اسمها. وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: "التورق أخية الربا". ورخص فيها إياس بن معاوية. وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهة في إحداهما بأنَّه بيع مضطر … » اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٣٠):
«وأخفها التورق وقد كرهه عمر بن عبد العزيز وقال: هو أخيه الربا، وعن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى إنَّه مضطر، وهذا من فقهه ﵁، قال: فإنَّ هذا لا يدخل فيه إلَّا مضطر. وكان شيخنا ﵀ يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مراراً وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٥٧) - على لسان أرباب الحيل في ردهم على الحنابلة -:
«وقالوا بجواز مسألة التورق وهي شقيقة مسألة العينة فأي فرق بين مصير السلعة إلى البائع وبين مصيرها إلى غيره، بل قد يكون عودها إلى البائع أرفق بالمشتري وأقل كلفة عليه وأرفع لخسارته وتعنيه، فكيف تحرمون الضرر اليسير وتبيحون ما هو أعظم منه، والحقيقة في الموضوعين واحدة وهي عشرة بخمسة
стр. 4975
عشر وبينهما حريرة رجعت في إحدى الصورتين إلى مالكها وفي الثانية إلى غيره» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٦):
«فأحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أنَّ العينة إنَّما تقع من رجل مضطر إلى نقد، لأنَّ الموسر يضن عليه بالقرض، فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة، وإن باعها من غيره فهي التورق. ومقصوده في الموضعين: الثمن فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل الثمن حال أنقص منه، ولا معنى للربا إلَّا هذا لكنه ربا بسلم، لم يحصل له مقصوده إلَّا بمشقة، ولو لم يقصده كان ربا بسهولة» اهـ.
قُلْتُ: أكثر العلماء من المتقدمين، والمتأخرين على جواز التورق، وقد أفتى بجوازه من العلماء المتأخرين، محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وابن باز، وابن عثيمين، والفوزان، وعبد الله بن غديان، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد العزيز آل الشيخ، واللجنة الدائمة للإفتاء.
قَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (١٩/ ٥٠ - ٥١):
«لكن إذا كان مقصود المشتري لكيس السكر ونحوه بيعه والانتفاع بثمنه، وليس مقصوده الانتفاع بالسلعة نفسها، فهذه المعاملة تسمى مسألة: (التورق) ويسميها بعض العامة (الوعدة)، وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين:
следующие страницы →