وطعاماً له ولعائلته ويمتنع على أربابها أخذها؛ لتعلق حاجته بها، فتضيع أموالهم ويستغني هو بها.
فعلى هذا يؤخذ ذلك.
ولا يترك له شيء منه؛ لأنَّه أعيان أموال الناس، فكانوا أحق بها منه، كما لو كانت في أيديهم، أو أخذها منهم غصباً» اهـ.
٧ - واحتج به من قال من ذهب من أهل العلم إلى أنَّ الغرماء لو دفعوا ثمن السلعة إلى صاحبها الذي وجدها بعينها، فلا يلزم بقبول ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٨/ ٤١٢):
«واختلف مالك والشافعي في المفلس يأبى غرماؤه دفع السلعة إلى صاحبها وقد وجدها بعينها ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم لما لهم في قبض السلعة من الفضل، فقال مالك: ذلك لهم وليس لصاحب السلعة أخذها إذا دفع إليه الغرماء الثمن. وقال الشافعي: ليس للغرماء في هذا مقال. قال: وإذا لم يكن للمفلس ولا لورثته أخذ السلعة لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ جعل صاحبها أحق بها منهم فالغرماء أبعد من ذلك، وإنَّما الخيار لصاحب السلعة إن شاء أخذها وإن شاء تركها وضرب مع الغرماء بثمنها.
وبهذا قال أبو ثور وأحمد بن حنبل وجماعة» اهـ.
стр. 5042
٨ - واحتج به من قال: أنَّ التغير في الصفات لا يمنع من الرجوع، وذلك أنَّ النبي ﷺ اشترط بقاء العين، ولم يشترط بقاء الصفات.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٣):
«فصل: وإن نقصت مالية المبيع، لذهاب صفة مع بقاء عينه، كعبد هزل، أو نسي صناعة أو كتابة، أو كبر، أو مرض، أو تغير عقله، أو كان ثوباً فخلق، لم يمنع الرجوع؛ لأنَّ فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين ماله، لكنه يتخير بين أخذه ناقصاً بجميع حقه، وبين أن يضرب مع الغرماء بكمال ثمنه؛ لأنَّ الثمن لا يتقسط على صفة السلعة من سمن، أو هزال، أو علم، أو نحوه، فيصير كنقصه لتغير الأسعار.
ولو كان المبيع أمة ثيباً، فوطئها المشتري، ولم تحمل، فله الرجوع فيها؛ لما ذكرنا، فإنَّها لم تنقص في ذات ولا في صفات.
وإن كانت بكراً، فقال القاضي: له الرجوع؛ لأنَّه فقد صفة، فإنَّه لم يذهب منها جزء، وإنَّما هو كالجراح.
وقال أبو بكر: ليس له الرجوع؛ لأنَّه أذهب منها جزءاً، فأشبه ما لو فقأ عينها.
وإن وجد الوطء من غير المفلس، فهو كوطء المفلس، فيما ذكرنا» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي في هذه المسألة هو صحة ما حرره العلامة ابن قدامة ﵀. والله أعلم.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٧٥)
стр. 5043
«المسألة الثانية عشرة: إذا تغير المبيع في صفته بحدوث عيب فأثبت الشافعي الرجوع إن شاءه البائع بغير شيء يأخذه وإن شاء ضارب بالثمن. وهذا يمكن أن يدرج تحت اللفظ فإنَّه وجده بعينه والتغير حادث في الصفة لا في العين» اهـ.
٩ - ظاهر الحديث أنَّ من وجد ماله بعينه عند المفلس فله أخذ وإن غلا ثمنه، فإذا أراد الغرماء أن يدفعوا له دينه على أن يترك لهم عين ماله لم يجب عليه ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٩٥):
«فصل: فإن بذل الغرماء الثمن لصاحب السلعة ليتركها، لم يلزمه قبوله.
نص عليه أحمد، وبه قال الشافعي، وقال مالك: ليس له الرجوع؛ لأنَّ الرجوع إنَّما يجوز لدفع ما يلحقه من النقص في الثمن، فإذا بذل بكماله، لم يكن له الرجوع، كما لو زال العيب من المعيب.
ولنا، الخبر الذي رويناه، ولأنَّه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه، فلم يجبر صاحب الحق على قبضه، كما لو أعسر الزوج بالنفقة، فبذلها غيره، أو عجز المكاتب، فبذل غيره ما عليه لسيده، وبهذا ينتقض ما ذكروه، وسواء بذلوه من أموالهم أو خصوه بثمنه من التركة، وفي هذا القسم ضرر آخر؛ لأنَّه لا يأمن تجدد ثبوت دين آخر، فيرجع عليه، وإن دفعوا إلى المفلس الثمن، فبذله للبائع، لم يكن له الفسخ؛ لأنَّه زال العجز عن تسليم الثمن، فزال ملك الفسخ، كما لو أسقط سائر الغرماء حقوقهم عنه، فملك أداء الثمن.
стр. 5044
ولو أسقط الغرماء حقوقهم عنه، فتمكن من الأداء، أو وهب له مال.
فأمكنه الأداء منه، أو غلت أعيان ماله، فصارت قيمتها وافية بحقوق الغرماء، بحيث يمكنه أداء الثمن كله، لم يكن للبائع الفسخ؛ لزوال سببه، ولأنَّه أمكنه الوصول إلى ثمن سلعته من المشتري، فلم يكن له الفسخ، كما لو لم يفلس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٥/ ٢٢٣):
«الثالثة: إذا كملت الشروط فله أخذه من غير حكم حاكم على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب لتعينها كوديعة وسواء زادت قيمتها أو نقصت ولو بذل الغرماء ثمنها كله وهو يساوي المبيع أو دونه أو فوقه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُوْسَى الْحَجَّاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِقْنَاعِ] (٢/ ٢١٢):
«فإن بذل الغرماء لصاحب السلعة الثمن من أموالهم أو خصوه به من مال المفلس ليتركها أو قال المفلس: أنا أبيعها وأعطيك ثمنها لم يلزمه قبوله وإن دفعوا إلى المفلس الثمن فبذله له لم يكن له الفسخ» اهـ.
قُلْتُ: والحجة في ذلك حديث الباب، وبناءً على ذلك إذا كان عين المال عبارة عن أرض اشتريت من المفلس بعشرة آلاف وبعد الإفلاس ارتفعت إلى مائة مليون مثلاً وكانت ديون الغرماء مائة وعشرة ملايين فله أن يأخذ عين ماله، ولو قال له المفلس: أنا أبيعها وأعطيك دينك، أو طلب منه الغرماء تركها على أن يقضوه دينه فلا يلزمه تركها.
стр. 5045
لكن الحيلة في ذلك أن يدفع له الغرماء للمفلس مقدار دينه ليدفعه لبائع الأرض ثم تخلص الأرض لسداد دين بقية الغرماء.
* * *
«قوله: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" أي: بينت مصارف الطرق وشوارعها، كأنَّه من التصرف أو من التصريف. وقال ابن مالك: معناه خلصت وبانت وهو مشتق من الصِرف بكسر المهملة الخالص من كل شيء» اهـ.
قُلْتُ: والشفعة مأخوذة من الشفع وهو ضد الوتر.
وهي شرعاً: استحقاق الشريك أو الجار انتزاع حصة شريكه أو جاره المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إثبات الشفعة في المال الذي لم يقسَّم.
٢ - احتج بعمومه من أثبت الشفعة في ما لا يقبل القسمة إلَّا بضرر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٥٥):
«فصل: الشرط الثالث، أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأمَّا ما لا يمكن قسمته من العقار، كالحمام الصغير، والرحى الصغيرة، والعضادة، والطريق الضيقة، والعراص الضيقة، فعن أحمد فيها روايتان:
إحداهما: لا شفعة فيه. وبه قال يحيى بن سعيد، وربيعة، والشافعي.
والثانية: فيها الشفعة. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وابن سريج.
وعن مالك كالروايتين.
ووجه هذا عموم قوله ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم".
стр. 5048
وسائر الألفاظ العامة، ولأنَّ الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة والضرر في هذا النوع أكثر؛ لأنَّه يتأبد ضرره.
والأول ظاهر المذهب لما روي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة".
والمنقبة: الطريق الضيق. رواه أبو الخطاب في "رءوس المسائل".
وروي عن عثمان ﵁ أنَّه قال: لا شفعة في بئر ولا فحل.
ولأنَّ إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع؛ لأنَّه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع، فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع، فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها.
ويمكن أن يقال: إن الشفعة إنَّما تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة، لما يحتاج إليه من إحداث المرافق الخاصة، ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم … » اهـ.
قُلْتُ: الصحيح ثبوت الشفعة في ذلك لعموم الأدلة، وقد سبق حديث جابر في مسلم: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ». ولم يستثني النبي ﷺ ما لا يمكن قسمته.
قُلْتُ: حديث: «لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة». لم أقف عليه مسنداً.
وذكره ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [الْتَحْقِيْقِ] (٢/ ٢١٧) واكتفى بقوله:
стр. 5049
«وقد روى أصحابنا أنَّ النبي ﷺ قال: "لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة"» اهـ.
وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٤٢٧) أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا شُفْعَةَ فِي مَاءٍ، وَلَا طَرِيقٍ، وَلَا فَحْلٍ» يَعْنِي النَّخْلَ.
قُلْتُ: ابن أبي سبرة هو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة متروك الحديث، ثم الحديث مرسل.
وأمَّا أثر عثمان فرواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٣٩٨)، ومِنْ طَرِيْقِه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٣٩٣، ١٤٤٢٦) البيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٣٥٦) مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: «إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فِي فَحْلِ النَّخْلِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين أبي بكر وعثمان.
ورواه أيضاً ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٢٥٠٦، ٢٣١٩١)، وأحمد في [مَسَائِلِهِ] (١٦١٢) من رواية ابنه صالح عَنْ ابنِ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثَمْانَ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ: «لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ، وَلَا فحلٍ».
فزاد عبد الله بن إدريس أباناً بين أبي بكر وعثمان.
стр. 5050
وقد تابع ابن إدريس صفوان بن عيسى كما في [الْعِلَلِ] للدارقطني (٣/ ١٥)، وبهذا يزول الانقطاع، ويبقى الأثر في منزلة الحسن.
وروى ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [الْتَحْقِيْقِ] (٢/ ٢١٧) أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ أَنْبَأَ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنْبَأَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ ثَنَا دعْلج ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قَالَ ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد حدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِمَارَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ: «لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا نَخْلٍ».
قُلْتُ: رواية أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر منقطعة. ثم هو شاذ عن عمر، والمحفوظ عن عثمان، كما روى ذلك الإمام مالك، وعبد الله بن إدريس عن محمد بن عمارة.
قَالَ فِيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٤/ ١٧٨):
«الأثر الذي ذكره منقطع، وهو مشهور عن عثمان» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ٣٨١ - ٣٨٤): «اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل القسمة - قسمة الإجبار- كالقرية والبستان ونحو ذلك. وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار؛ وإنَّما يقسم بضرر، أو رد عوض فيحتاج إلى التراضي. هل تثبت فيه الشفعة؟ على قولين:
стр. 5051
أحدهما: تثبت وهو مذهب أبي حنيفة واختاره بعض أصحاب الشافعي: كابن سريج. وطائفة من أصحاب أحمد: كأبي الوفاء بن عقيل. وهي رواية المهذب عن مالك. وهذا القول هو الصواب كما سنبينه إن شاء الله.
والثاني: لا تثبت فيه الشفعة وهو قول الشافعي نفسه واختيار كثير من أصحاب أحمد.
وهذا القول له حجتان:
أحدهما قولهم: إنَّ الشفعة إنَّما شرعت لرفع ضرر مؤنة القسمة وما لا تجب قسمته ليس فيه هذا الضرر.
والثاني: أنَّه لو وجبت فيه الشفعة لتضرر الشريك؛ فإنَّه إن باعه لم يرغب الناس في الشراء؛ لخوفهم من انتزاعه بالشفعة. وإن طلب القسمة لم تجب إجابته فلا يمكنه البيع ولا القسمة فلا يقدر أن يتخلص من ضرر شريكه. فلو أثبتنا فيه الشفعة لرفع ضرر الشريك الذي لم يبع لزم إضرار الشريك البائع. والضرر لا يزال بالضرر.
والقول الأول أصح؛ فإنَّه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط. فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به". ولم يشترط النبي ﷺ في الأرض والربعة والحائط أن يكون مما يقبل القسمة:
стр. 5052
فلا يجوز تقييد كلام الرسول بغير دلالة من كلامه؛ لا سيما وقد ذكر هذا في باب تأسيس إثبات الشفعة. وليس عنه لفظ صحيح صريح في الشفعة أثبت من هذا. ففي الصحيحين عن النبي ﷺ : "أنَّه قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". فلم يمنع الشفعة إلَّا مع إقامة الحدود وصرف الطرق، وهذا الحديث في الصحيح عن جابر. وفي السنن عنه عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظره بها. وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً". فإذا قضى بها للاشتراك في الطريق؛ فلأن يقضي بها للاشتراك في رقبة الملك أولى وأحرى.
وقد تنازع الناس في شفعة الجار على ثلاثة أقوال. أعدلها هذا القول: إنَّه إن كان شريكاً في حقوق الملك ثبتت له الشفعة وإلَّا فلا.
وأيضاً فمن المعلوم أنَّه إذا أثبت النبي ﷺ الشفعة فيما يقبل القسمة فما لا يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيه؛ فإنَّ الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة، وما لا يمكن فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشد. وظن من ظن أنَّها تثبت لرفع المقاسمة؛ لا لضرر المشاركة كلام ظاهر البطلان؛ فإنَّه قد ثبت بالنص والإجماع. أنَّه إذا طلب أحد الشريكين القسمة فيما يقبلها وجبت إجابته إلى المقاسمة، ولو كان ضرر المشاركة أقوى (١) لم يرفع أدنى
стр. 5053
الضررين بالتزام أعلاهما ولم يوجب الله ورسوله الدخول في الشيء الكثير لرفع الشيء القليل؛ فإنَّ شريعة الله منزهة عن مثل هذا.
وأمَّا قولهم: هذا يستلزم ضرر الشريك البائع. فجوابه أنَّه إذا طلب المقاسمة ولم يمكن قسمة العين؛ فإنَّ العين تباع ويجبر الممتنع على البيع ويقسم الثمن بينهما. وهذا مذهب جمهور العلماء: كمالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل. وذكر بعض المالكية أنَّ هذا إجماع. وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من أعتق شركاً له في غلام، وكان له من المال ما يبلغ ثمن الغلام قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلَّا فقد عتق منه ما عتق". فدل هذا الحديث على أنَّ حق الشريك في نصف قيمة الجميع؛ لا في قيمة نصف الجميع؛ فإنَّه إذا بيع العبد كله ساوى ألف درهم مثلاً، وإذا بيع نصفه ساوى أقل من خمسمائة درهم، وحق الشريك نصف الألف. فهكذا في العقار الذي لا يقسم يستحق نصف قيمته جميعه فيباع جميع العقار ويعطى حصته من الثمن إذا طلب ذلك وبهذا يرتفع عنه الضرر، وبهذا يتبين كمال محاسن الشريعة وما فيها من مصالح العباد في المعاش والمعاد. والحمد لله وحده» اهـ.
٣ - واحتج بعمومة من أثبت للذمي شفعة على المسلم.
стр. 5054
قُلْتُ: وقد حرر هذه المسألة الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ تحريراً بالغاً فقال في [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (١/ ٢١٧ - ٢٢١):
«ولهذا لم يثبت عن واحد من السلف لهم حق شفعة على مسلم، وأخذ بذلك الإمام أحمد وهي من مفرداته التي برز بها على الثلاثة لأنَّ الشقص يملكه المسلم إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي كنا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى كافر بطريق القهر للمسلم وهذا خلاف الأصول. والشفعة في الأصل إنَّما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر بمنزلة الحقوق التي تجب للمسلم على المسلم كإجابة الدعوة وعيادة المريض وكمنعه أن يبيع على بيع أخيه أو يخطب على خطبته.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الذمي اليهودي والنصراني لهم شفعة قال: لا. قُلْتُ: المجوسي؟ قال: ذاك أشد.
وقال حرب سألت أحمد قُلْتُ: أهل الذمة لهم شفعة؟ قال: لا.
وقال أبو داود: سمعت أبا عبد الله يسأل للذمي شفعة قال: لا. وكذلك نقل أبو طالب وصالح وأبو الحارث والأثرم كلهم عنه ليس للذمي شفعة، زاد أبو الحارث مع المسلم، قال: الأثرم قيل له لم قال: لأنَّه ليس له مثل حق المسلم واحتج فيه.
قال الأثرم: ثنا ابن الطباع ثنا هشيم أخبرنا الشيباني عن الشعبي أنَّه كان يقول ليس لذمي شفعة.
стр. 5055
وقال سفيان عن حميد عن أبيه إنَّما الشفعة لمسلم ولا شفعة لذمي.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن ليث عن مجاهد أنَّه قال: ليس ليهودي ولا لنصراني شفعة.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن الحسن بن هارون قال سئل أبو عبد الله وأنا أسمع عن الشفعة للذمي قال: ليس للذمي شفعة ليس له حق المسلم.
أخبرني عصمة بن عصام حدثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله قال: ليس ليهودي ولا لنصراني شفعة إنَّما ذلك للمسلمين بينهم.
وقال في رواية إسحاق بن منصور: ليس لليهودي والنصراني شفعة قيل ولم قال: لأنَّ النبي ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب".
وهذا مذهب شريح والحسن والشعبي. واحتج الإمام أحمد بثلاث حجج:
إحداها: أنَّ الشفعة من حقوق المسلمين بعضهم على بعض فلا حق للذمي فيها ونكتة هذا الاستدلال أنَّ الشفعة من حق المالك لا من حق الملك.
الحجة الثانية: قول النبي ﷺ : "لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه".
وتقرير الاستدلال من هذا أنَّه لم يجعل له حقاً في الطريق المشترك عند تزاحمهم مع المسلمين فكيف يجعل لهم حقاً إلى انتزاع ملك المسلم منه قهراً، بل هذا تنبيه على المنع من انتزاع الأرض من يد المسلم وإخراجه منها لحق الكافر لنفي ضرر
стр. 5056
الشركة عنه وضرر الشركة على الكافر أهون عند الله من تسليطه على إزالة ملك المسلم عنه قهراً.
الدليل الثالث: قوله ﷺ : "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب". ووجه الاستدلال من هذا أنَّ النَّبي ﷺ حكم بإخراجهم من أرضهم ونقلها إلى المسلمين لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله فكيف نسلطهم على انتزاع أراضي المسلمين منهم قهراً وإخراجهم منها؟.
وأيضاً: فالشفعة حق يختص العقار فلا يساوي الذمي فيه المسلم كالاستعلاء في البنيان. يوضحه أنَّ الاستعلاء تصرف في هواء ملكه المختص به فإذا منع منه فكيف يسلط على انتزاع ملك المسلم به قهراً وهو ممنوع من التصرف في هوائه تصرفاً يستعلي فيه على المسلم فأين هذا الاستعلاء من استعلائه عليه بإخراجه من ملكه قهراً.
وأيضاً: فالشفعة وجبت لإزالة الضرر عن الشفيع وإن كان فيها ضرر بالمشتري فإذا كان المشتري مسلماً فسلط الذمي على انتزاع ملكه منه قهراً كان فيه تقديم حق للذمي على حق المسلم وهذا ممتنع.
وأيضاً: فإنَّه يتضمن مع إضراره بالمسلم إضراراً بالدين وتملك دار المسلمين منهم قهراً وشغلها بما يسخط الله بدل ما يرضيه وهذا خلاف قواعد الشرع. ولذلك حرم عليهم نكاح المسلمات إذ كان فيه نوع استعلاء عليهن ولذلك لم يجز القصاص بينهم وبين المسلمين، ولا حد القذف ولا يمكنون من تملك رقيق
стр. 5057
مسلم وقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾. ومن أعظم السبيل تسليط الكافر على انتزاع أملاك المسلمين منهم وإخراجهم منها قهراً، وقد قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، وهذا يقتضي مطلق المساواة بين المسلم والكافر لا نفي المساواة المطلقة فإنَّها منتفية عن كل شيئين وإن تماثلا وبهذه الآية احتج من نفي القصاص بينهم وبين المسلمين.
وأيضاً فالذمي تبع لنا في الدار وليس بأصل من أهل الدار، ولهذا عند الشافعي يؤدي الجزية أجرة لمكان السكنى والتبسط في دار الإسلام ولهذا متى نقض العهد ألحق بمأمنه وأخرج من دارنا وألحق بداره فهو في دار الإسلام أجري مجرى الساكن المنتفع لا مجرى الساكن الحقيقي وحق السكنى لا يقوى على انتزاع الشقص من يد مالكه وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. وقال النبي ﷺ لليهود: "اعلموا أنَّ الأرض لله ورسوله" فعباده الصالحون هم وارثوها وهم الملاك لها على الحقيقة، والكفار فيها تبع ينتفعون بها لضرورة إبقائهم بالجزية فلا يساوون المالكين حقيقة.
ولهذا منعهم كثير من الأئمة من شراء الأرض العشرية لما في ذلك من إسقاط حق المسلم من العشر الذي يجب فكيف يسلطون على انتزاع نفس أرض المسلم وعقاره منه قهراً؟.
стр. 5058
وأيضاً: فلو كانوا مالكين حقيقة لما أوصى النَّبي ﷺ بإخراجهم من جزيرة العرب وقال: "لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" هذا مع بقائهم على عهدهم وعدم نقضهم له فلو كانوا مالكين لدورهم حقيقة لما أخرجهم منها ولم ينقضوا عهداً.
ولهذا احتج الإمام أحمد بذلك على أنَّه لا شفعة لهم على مسلم وهذا من ألطف ما يكون من الفهم وأدق ما يكون من الفقه.
وأيضاً: فالشفعة تقف على ملك ومالك فإذا اختصت الشفعة بملك دون مالك وهو العقار دون غيره فأولى أن تختص بمالك دون مالك وهو المسلم دون غيره وهذا على أصل من يقول الشفعة تثبت على خلاف القياس ظاهر جداً فإنَّها تسليط على انتزاع ملك الغير منه قهراً لمصلحة الشفيع فيجب أن يقتصر بها على ما قام عليه الدليل وثبت به الإجماع دون غيره.
وأمَّا نحن فليست الشفعة عندنا على خلاف القياس ولكن حكمة الشارع وقياس أصوله أوجبتها دفعاً لضرر الشركة بحسب الإمكان وإذا كان البائع قد رغب عن الشقص ورضي بالثمن فرغبته عنه لشريكه ليدفع عنه ضرر الشريك الدخيل أولى وهو يأخذ منه الثمن الذي يأخذه من الشريك ولا يفوت عليه شيء.
فهذا محض قياس الأصول ولكن هذا حق للمسلم على المسلم فلا حق للذمي فيه كسائر الحقوق التي لأهل الإسلام بعضهم على بعض وإذا كان كثير من الفقهاء يمنعون الذمي من التمليك بالإحياء كعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد في
стр. 5059
رواية وكثير من المالكية مع أنَّ الإحياء لا يتضمن انتزاع ملك مسلم منه فلأن يمنع من انتزاع أرض المسلم وعقاره منه قهراً أولى وأحرى.
وأيضاً: فإذا منع من مشاركة المسلم في انتزاع أرض المسلم في تجديد الملك فيما هو مشترك -وفيه عمارة لدار الإسلام -فأحرى أن يمنع من انتزاع عقار ثبت عليه ملك المسلم واختص به، فإنَّ إزالة الملك الخاص وانتزاعه من المسلم قهراً أشد ضرراً من المشاركة فيما هو مشترك بين العموم.
وليس مع الموجبين للشفعة نص من كتاب الله ولا سنة من رسول الله ﷺ ولا إجماع من الأمة وغاية ما معهم إطلاقات وعمومات مقولة: قضى رسول الله ﷺ فيما لم يقسم وقوله: "من كان له شريك في ربعة أو حائط فلا يحل أن يبيع حتى يؤذن شريكه" ونحو ذلك مما لا يعرض فيه للمستحق، وإنَّما سيقت لأحكام الأملاك لا لعموم الأملاك من أهل الملة وغيرها وليس معهم قياس استوى فيه الأصل والفرع في المقتضى للحكم فإنَّ قياس الكافر على المسلم من أفسد القياس وكذلك قياس بعضهم من تجب له الشفعة بمن تجب عليه من أفسد القياس.
أيضاً: فإنَّ الذمي يستحق عليه القصاص ولا يستحقه هو على المسلم، ويستحق عليه حد القذف ولا يستحقه، وكذلك المطلق في مرض الموت يستحق عليه الميراث ولا يستحقه، وكذلك المسلم يستحق تعلية البنيان على الذمي ولا
стр. 5060
يستحقه الذمي عليه، والمسلم يستحق نكاح الكافرة وشراء الرقيق الكافر ولا يستحق الذمي نكاح المسلمة ولا شراء الرقيق المسلم، والمسلم يستأجر الكافر للخدمة دون العكس» اهـ.
٤ - وقوله: «فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ». يدل بمفهومه على أنَّ الحدود إذا لم تقع، والطرق لم تصرف فالشفعة ما زالت قائمة، وفي هذا إثبات للشفعة في الجوار.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٤٠):
«وذهب الجمهور: إلى أنَّ الشفعة لا تجب بالجوار؛ وهو مذهب عمر، وعلي، وعثمان، ومن بعدهم، كسعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذهب أبو حنيفة والكوفيون: إلى أنَّه تجب به الشفعة، وبه قال ابن مسعود» اهـ.
قُلْتُ: وهذا القول هو الصحيح الذي يدل عليه الدليل، وهو مذهب أهل البصرة، وإحدى الأقوال في مذهب الإمام أحمد، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم ﵏.
وقد احتج من أثبت الشفعة في الجوار بعدة أدلة منها حديث جابر السابق، ومنها: ما رواه البخاري (٦٩٧٧) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ، قَالَ: جَاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى سَعْدٍ، فَقَالَ أَبُو رَافِعٍ، لِلْمِسْوَرِ: أَلَا تَأْمُرُ هَذَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنِّي بَيْتِي الَّذِي فِي دَارِي؟ فَقَالَ: لَا
стр. 5061
أَزِيدُهُ عَلَى أَرْبَعِ مِائَةٍ، إِمَّا مُقَطَّعَةٍ وَإِمَّا مُنَجَّمَةٍ، قَالَ: أُعْطِيتُ خَمْسَ مِائَةٍ نَقْدًا فَمَنَعْتُهُ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» مَا بِعْتُكَهُ أَوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتُكَهُ.
وقوله: «إِمَّا مُقَطَّعَةٍ وَإِمَّا مُنَجَّمَةٍ» شك من الراوي وهما بمعنى واحد.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٣/ ٧٥): «الصقب: القرب والملاصقة» اهـ.
قُلْتُ: وقد تأول المنازعون هذا الحديث وحملوا الجار على معنى الشريك، وهذا لا ترده اللغة، لكن الأصل إبقاء اللفظ على غالب استعماله.
ومنهم من تأوله على معنى أنَّ الجار أولى من غير الجار في الكرامة والبر وسائر الحقوق الذي إذا اجتمع فيها الجار ومن ليس بجار، وجب إيثار الجار على من ليس بجار مِنْ طَرِيْقِ مكارم الأخلاق وحسن الجوار، لا مِنْ طَرِيْقِ الفرض اللازم.
قُلْتُ: الأصل إبقاء الحديث على عمومه، ولا سيما وقد احتج به أبو رافع على هذه المسألة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ١٤٠):
«وقد تأوَّل بعض العلماء "الجار" في حديث البخاري بأنَّه الشريك، كما قد تأول بعضهم: أنَّ "الصقب" المذكور فيه حق الجوار، كما قال في الحديث الآخر: أنَّ
«على أنِّي أقول: إنَّ حديث عبد الملك هذا في ذكر الطريق قد أنكره يحيى القطان وغيره وقالوا: لو جاء بآخر مثله ترك حديثه وليس عبد الملك هذا مما يعارض به أبو سلمة وأبو الزبير وفيما ذكرنا من روايتهما عن جابر ما يدفع رواية عبد الملك هذه» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الدِّرَايَةِ] (٢/ ٢٠٢):
«وقال الشافعي: نخاف أن لا يكون محفوظاً. وقال أحمد: هو منكر. وقال يحيى بن سعيد: أنكره الناس عليه. ويقال أنَّه رأى عطاء أدرجه عبد الملك» اهـ.
قُلْتُ: ومن جملة الأدلة الدالة على ثبوت الشفعة بالجوار ما رواه أحمد (٢٠١٠٠، ٢٠١٤٠، ٢٠١٥٩، ٢٠٢٠٨، ٢٠٢١٢)، وأبو داود (٣٥١٧)، والترمذي (١٣٦٨)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١١٧١٧) مِنْ طَرِيْقِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ».
قُلْتُ: الحسن لم يسمع من سمرة غير حديث العقيقة. لكنَّه حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
ورواه النسائي في [الْكُبْرَى] (١١٧١٣)، والترمذي في [الْعِلَلِ] (٢٣٥)، والبزار في [مُسْنَدِهِ] (٧١١٩)، ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥١٨٢)، والطبراني في [الْأَوْسَطِ] (٨١٤٦)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٩٩٦، ٥٩٩٧)
مِنْ طَرِيْقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ».
стр. 5064
قُلْتُ: وهذا الحديث وهم عند حفاظ الحديث.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤٧٧):
«وسألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث؛ رواه عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: "جار الدار أحق بالدار".
قالا: هذا خطأ، روى هذا الحديث همام، وحماد بن سلمة: فقال حماد: عن قتادة، عن الشريد، وقال همام: عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن الشريد.
وقالا: نظن أنَّ عيسى وهم فيه، لشبه الشريد بأنس.
قال أبي: أشبه أن يكون قتادة عن الشريد، لأنَّ ابن أبي عروبة، فيما قال: عن أنس، لو كان بينهم عمرو، كان يقول، فلما قال: أنس، دل على أنَّه عن الشريد، وأنس يشبه شريداً.
وقال أبو زرعة: والصحيح عندنا: قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن الشريد ووهم فيه عيسى» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْتِرْمِذِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ الْكَبِيْرِ] (١/ ٤٧٤):
«سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: الصحيح حديث الحسن، عن سمرة، وحديث قتادة عن أنس، ليس بمحفوظ، ولم يعرف أنَّ أحداً رواه عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس غير عيسى بن يونس، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا مروان بن معاوية، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، قال: أخبرنا عمرو بن
стр. 5065
الشريد، عن أبيه، أصح. وقد روى عمرو بن الشريد، عن أبي رافع، قصة غير قصة أبيه وأرجو أن يكون حديث أبي رافع محفوظاً» اهـ.
ومن ذلك ما رواه أحمد (١٩٤٧٧) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «جَارُ الدَّارِ، أَحَقُّ بِالدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ».
قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْحَافِظُ الْذَهَبِيُّ ﵀ فِي [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٢/ ١٢٧):
«قال: وحديث الشريد؛ فقال ابن المنذر: منكر، لا أصل له.
قُلْتُ: بل إسناده صالح» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٢٤ - ١٢٦):
«والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث أنَّه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق الأملاك مِنْ طَرِيْقٍ أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة، وإن لم يكن بينهما حق مشترك البتة بل كان كل واحد منهما متميز ملكه وحقوق ملكه فلا شفعة. وهذا الذي نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فإنَّه سأله عن الشفعة لمن هي فقال: إذا كان طريقهما واحداً فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة. وهو
стр. 5066
قول عمر بن عبد العزيز، وقول القاضيين سوار بن عبيد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبري.
وقال أحمد في رواية ابن مشيش: أهل البصرة يقولون: إذا كان الطريق واحداً كان بينهم الشفعة مثل دارنا هذه على معنى حديث جابر الذي يحدثه عبد الملك انتهى.
فأهل الكوفة يثبتون شفعة الجوار مع تميز الطرق والحقوق، وأهل المدينة يسقطونها مع الاشتراك في الطريق والحقوق، وأهل البصرة يوافقون أهل المدينة إذا صرفت الطرق ولم يكن هناك اشتراك في حق من حقوق الأملاك ويوافقون أهل الكوفة إذا اشترك الجاران في حق من حقوق الأملاك كالطريق وغيرها وهذا هو الصواب وهو أعدل الأقوال وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «والقياس الصحيح يقتضي هذا القول فإنَّ الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على المشتري فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه فهذا المذهب أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها الى العدل وعليه يحمل الاختلاف عن عمر ﵁ فحيث قال: لا شفعة ففيما إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، وحيث أثبتها ففيما إذا لم تصرف الطرق فإنَّه قد روي عنه هذا وهذا وكذلك ما روي عن علي فإنَّه قال: إذا حدت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
стр. 5067
ومن تأمل أحاديث شفعة الجوار رآها صريحة في ذلك وتبين له بطلان حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة وبالله التوفيق.
فإن قيل بقي عليكم أنَّ في حديث جابر وأبي هريرة: "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة". فأسقط الشفعة بمجرد وقوع الحدود وعند أرباب هذا القول إذا حصل الاشتراك في الطريق فالشفعة ثابتة وإن وقعت الحدود وهذا خلاف الحديث.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنَّ من الرواة من اختصر أحد اللفظين ومنهم من جود الحديث فذكرهما ولا يكون إسقاط من أسقط أحد اللفظين مبطلاً لحكم اللفظ الآخر.
الثاني: أنَّ تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود، فإنَّ الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلها واقعة بل بعضها حاصل وبعضها منتف فوقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: القول بإثبات الشفعة بالجوار مطلقاً، وإن لم يوجد اشتراك في حقوق الإملاك، كالطريق، ومجرى الماء، يرده ظاهر حديث الباب فإنَّ فيه: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ». ووجه الدلالة من مفهوم الحديث أنَّ النبي ﷺ أبطل الشفعة بعد حصول القسمة، مع أنَّ الشراكة إذا ارتفعت بقى الجوار، وهذا الجوار الذي لا شفعة فيه محمول على الجوار الذي لا اشتراك فيه في حقوق الملك، وإنَّما حملته على ذلك جمعاً بين أول
стр. 5068
الحديث وآخره، فإنَّ في آخره ما يدل على بقاء الشفعة إذا لم تصرف الطرق. والله أعلم.
٥ - واحتج بقوله: «فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ». من قال: إنَّ الشفعة مختصة بالأرض، وما كان تبعاً للأرض كالبناء والغراس، وأمَّا غير الأرض من المنقولات فلا شفعة فيها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٥٢):
«فَصْلٌ: الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ أَرْضًا؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، وَيُدَوِّهِ ضَرَرُهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ:
أَحَدَهُمَا: تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، وَهُوَ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ يُبَاعُ مَعَ الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا نَعْرِفُ فِيهِ بَيْنَ مَنْ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ خِلَافًا. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَضَاؤُهُ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكٍ لَمْ يُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ.
وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبِنَاءُ وَالْأَشْجَارُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا وَلَا مُفْرَدًا، وَهُوَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ تُبَاعُ مَعَ الْأَرْضِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ مَعَ الْأَصْلِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يُؤْخَذُ ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ مَعَ أُصُولِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ، فَيَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا، كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ.
وجاء أيضاً بلفظ: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ».
قُلْتُ: فقد ذكر النبي ﷺ الشفعة في الأرض، والربع وهي الدار، والجدار، والنخل، ولم يفرق بين ما كان تابعاً للأرض، وما لم يكن كذلك.
٦ - واحتج بعمومه من أثبت الشفعة في انتقال حصة الشريك بغير البيع كالصدقة، والهبة، والميراث.
وهذا محكي عن مالك في رواية، وابن أبي ليلى.
قُلْتُ: وذهب جمهور العلماء على اختصاص الشفعة بالبيع، وما انتقل بعوض كالهبة المشروط فيها ثواب معلوم. وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم (١٦٠٨) عن جابر قال: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».
وفي لفظ عنده: «مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ، أَوْ نَخْلٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ».
стр. 5072
وجاء أيضاً بلفظ: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ».
قُلْتُ: وإذا حابى البائع المشتري محاباة خارجة عن العادة فالأظهر أنَّ من شفع في المبيع يأخذه بقيمته لا بالثمن المبذول.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْفَتَاوَى الْكُبْرَى] (٥/ ٤٢٢)
«وَإِذَا حَابَى الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ مُحَابَاةً خَارِجَةً عَنْ الْعَادَةِ، يُتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُهُ إلَّا بِالْقِيمَةِ أَوْ أَنْ لَا شُفْعَةَ لَهُ، فَإِنَّ الْمُحَابَاةَ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ» اهـ.
قُلْتُ: وتنازع العلماء فيما إذا نقل الشريك نصيبه بعوض غير المال كالمهر، ونحوه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٥٩ - ١٦٠):
«القسم الثاني، ما انتقل بعوض غير المال، نحو أن يجعل الشقص مهراً، أو عوضاً في الخلع، أو في الصلح عن دم العمد، فظاهر كلام الخرقي أنَّه لا شفعة فيه؛ لأنَّه لم يتعرض في جميع مسائله لغير البيع.
وهذا قول أبي بكر. وبه قال الحسن، والشعبي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه عنهم ابن المنذر، واختاره.
وقال ابن حامد: تجب فيه الشفعة. وبه قال ابن شبرمة، والحارث العكلي، ومالك، وابن أبي ليلى، والشافعي.
стр. 5073
ثم اختلفوا بم يأخذه؟ فقال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى: يأخذ الشقص بقيمته.
قال القاضي: هو قياس قول ابن حامد؛ لأننا لو أوجبنا مهر المثل، لقومنا البضع على الأجانب، وأضررنا بالشفيع؛ لأنَّ مهر المثل يتفاوت مع المسمى، لتسامح الناس فيه في العادة، بخلاف البيع.
وقال الشريف أبو جعفر، قال ابن حامد: إن كان الشقص صداقاً، أو عوضاً في خلع، أو متعة في طلاق، أخذه الشفيع بمهر المرأة، وهو قول العكلي، والشافعي؛ لأنَّه ملك الشقص ببدل ليس له مثل، فيجب الرجوع إلى قيمة البدل في الأخذ بالشفعة، كما لو باعه بعوض، واحتجوا على أخذه بالشفعة بأنَّه عقار مملوك بعقد معاوضة، فأشبه البيع.
ولنا، أنَّه مملوك بغير مال، أشبه الموهوب والموروث، ولأنَّه يمتنع أخذه بمهر المثل؛ لما ذكره مالك، وبالقيمة لأنَّها ليست عوض الشقص، فلا يجوز الأخذ بها، كالموروث، فيتعذر أخذه، ولأنَّه ليس له عوض يمكن الأخذ به، فأشبه الموهوب والموروث، وفارق البيع، فإنَّه أمكن الأخذ بعوضه» اهـ.
قُلْتُ: الذي دلت على السنة هو أنَّ الشفعة متعلقة بالبيع، وقد ذكرت الأحاديث في ذلك فيما مضى.
٧ - وعموم الحديث يقتضي أنَّ الشفعة لا تقيد بوقت معين.
стр. 5074
قُلْتُ: الصحيح الذي تدل عليه الأدلة أنَّ الشفعة للشريك مالم يرض بانتقال حصة شريكه إلى غيره.
ويعرف الرضا إمَّا بالقول، أو بطول المدة في ترك المطالبة بالشفعة من غير عذر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٧٣):
«الصحيح في المذهب أنَّ حق الشفعة على الفور، إن طالب بها ساعة يعلم بالبيع، وإلَّا بطلت.
نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، فقال: الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم.
وهذا قول ابن شبرمة، والبتي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والعنبري، والشافعي في أحد قوليه.
وحكي عن أحمد رواية ثانية، أنَّ الشفعة على التراخي لا تسقط، ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى، من عفو، أو مطالبة بقسمة، ونحو ذلك.
وهذا قول مالك، وقول الشافعي، إلَّا أنَّ مالكاً قال: تنقطع بمضي سنة.
وعنه: بمضي مدة يعلم أنَّه تارك لها؛ لأنَّ هذا الخيار لا ضرر في تراخيه، فلم يسقط بالتأخير، كحق القصاص.
وبيان عدم الضرر أنَّ النفع للمشتري باستغلال المبيع وإن أحدث فيه عمارة، من غراس أو بناء، فله قيمته.
وحكي عن ابن أبي ليلى، والثوري، أنَّ الخيار مقدر بثلاثة أيام.
стр. 5075
وهو قول للشافعي؛ لأنَّ الثلاث حد بها خيار الشرط، فصلحت حداً لهذا الخيار. والله أعلم.
ولنا، ما روى ابن البيلماني، عن أبيه، عن عمر، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشفعة كحل العقال".
وفي لفظ أنَّه قال: "الشفعة كنشطة العقال، إن قيدت ثبتت، وإن تركت فاللوم على من تركها".
وروي عن النبي ﷺ ، أنَّه قال: "الشفعة لمن واثبها". رواه الفقهاء في كتبهم» اهـ.
قُلْتُ: حديث ابن عمر رواه ابن ماجة (٢٥٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ جِدَاً محمد بن الحارث متروك الحديث، ومحمد بن عبد الرحمن بن البيلماني منكر الحديث، وقد اتهم، وأبوه ضعيف الحديث، وحديثه عن ابن عمر مرسل.
قُلْتُ: والعقال هو الحبل.
وأمَّا الحديث الثاني فَقَالَ فِيْهِ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التَّلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٣/ ١٣٧): «هذا الحديث ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي
стр. 5076
هكذا بلا إسناد، وذكره ابن حزم من حديث ابن عمر بلفظ: "الشفعة كحل العقال فإن قيدها مكانه ثبت حقه وإلَّا فاللوم عليه". ذكره عبد الحق في الأحكام عنه، وتعقبه ابن القطان بأنَّه لم يره في المحلى، وأخرج عبد الرزاق من قول شريح إنَّما الشفعة لمن واثبها، وذكره قاسم بن ثابت في دلائله» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا الحديث الثالث فهو من قول شريح كما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٤٤٠٦) عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: «إِنَّمَا الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا».
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَهُوَ قَوْلُ مَعْمَرٍ اهـ.
ومعنى واثبها أي بادرها.
قُلْتُ: إذا باع الشريك الثاني نصيبه من الشقص، أو بعضه عالماً ببيع الشريك الأول هل يسقط بذلك حظه من الشفعة؟
الذي يظهر لي سقوط الشفعة؛ لأنَّ الشفعة شرعت لإزالة ضرر الشراكة، وقد زال الضرر عنه ببيعه، وللمشتري الأول من الشريك الأول الشفعة من مشتري الشقص من الشريك الآخر.
وأمَّا إذا باع البعض فالضرر مازال قائماً، فتثبت له الشفعة من أجل ذلك. وللمشتري الأول من الشريك الأول الشفعة من المشتري الآخر بقدر ما اشتراه من الشقص.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٨٣):
стр. 5077
«فصل: ومن وجبت له الشفعة، فباع نصيبه عالماً بذلك، سقطت شفعته؛ لأنَّه لم يبق له ملك يستحق به، ولأنَّ الشفعة ثبتت له لإزالة الضرر الحاصل بالشركة عنه، وقد زال ذلك ببيعه.
وإن باع بعضه، ففيه وجهان:
أحدهما: تسقط أيضاً؛ لأنَّها استحقت بجميعه، فإذا باع بعضه سقط ما تعلق بذلك من استحقاق الشفعة، فيسقط باقيها، لأنَّها لا تتبعض، فيسقط جميعها بسقوط بعضها، كالنكاح والرق، وكما لو عفا عن بعضها.
والثاني: لا تسقط؛ لأنَّه قد بقي من نصيبه ما يستحق به الشفعة في جميع المبيع لو انفرد، فكذلك إذا بقي.
وللمشتري الأول الشفعة على المشتري الثاني في المسألة الأولى، وفي الثانية إذا قلنا بسقوط شفعة البائع الأول؛ لأنَّه شريك في المبيع، وإن قلنا: لا تسقط شفعة البائع. فله أخذ الشقص من المشتري الأول.
وهل للمشتري الأول شفعة على المشتري الثاني؟ فيه وجهان؛ أحدهما، له الشفعة؛ لأنَّه شريك، فإن الملك ثابت له يملك التصرف فيه بجميع التصرفات، ويستحق نماءه وفوائده، واستحقاق الشفعة به من فوائده.
والثاني، لا شفعة له؛ لأنَّ ملكه يوجد بها، فلا تؤخذ الشفعة به، ولأنَّ ملكه متزلزل ضعيف، فلا يستحق الشفعة به لضعفه.
стр. 5078
والأول أقيس؛ فإنَّ استحقاق أخذه منه لا يمنع أن يستحق به الشفعة، كالصداق قبل الدخول، والشقص الموهوب للولد» اهـ.
٨ - وعموم الحديث يشمل ما إذا تصرف به المشتري بما لا تجب به الشفعة كالهبة والوقف، وهذا هو الصحيح لدخول هذه الصورة في عموم الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ١٩٢):
«فصل: وإن تصرف المشتري في الشقص بما لا تجب به الشفعة، كالوقف والهبة والرهن، وجعله مسجداً، فقال أبو بكر: للشفيع فسخ ذلك التصرف، ويأخذه بالثمن الذي وقع البيع به.
وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنَّ الشفيع ملك فسخ البيع الثاني والثالث، مع إمكان الأخذ بهما، فلأن يملك فسخ عقد لا يمكنه الأخذ به أولى، ولأنَّ حق الشفيع أسبق، وجنبته أقوى، فلم يملك المشتري أن يتصرف تصرفاً يبطل حقه.
ولا يمتنع أن يبطل الوقف لأجل حق الغير، كما لو وقف المريض أملاكه وعليه دين، فإنَّه إذا مات، رد الوقف إلى الغرماء والورثة فيما زاد على ثلثه، بل لهم إبطال العتق، فالوقف أولى.
وقال القاضي: المنصوص عن أحمد، في رواية علي بن سعيد، وبكر بن محمد، إسقاط الشفعة فيما إذا تصرف بالوقف والهبة.
стр. 5079
وحكي ذلك عن الماسرجسي في الوقف؛ لأنَّ الشفعة إنَّما تثبت في المملوك، وقد خرج هذا عن كونه مملوكاً.
وقال ابن أبي موسى: من اشترى داراً، فجعلها مسجداً، فقد استهلكها، ولا شفعة فيها.
ولأنَّ في الشفعة هاهنا إضراراً بالموهوب له، والموقوف عليه؛ لأنَّ ملكه يزول عنه بغير عوض، ولا يزال الضرر بالضرر، بخلاف البيع، فإنَّه إذا فسخ البيع الثاني، رجع المشتري الثاني بالثمن الذي أخذ منه، فلا يلحقه ضرر، ولأنَّ ثبوت الشفعة هاهنا يوجب رد العوض إلى غير المالك، وسلبه عن المالك» اهـ.
٩ - وعموم الحديث يشمل الصبي، وتتوقف مطالبته إلى كبره.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٢٠١ - ٢٠٢):
«مسألة؛ قال: "وللصغير إذا كبر المطالبة بالشفعة". وجملة ذلك، أنَّه إذا بيع في شركة الصغير شقص، ثبتت له الشفعة، في قول عامة الفقهاء، منهم الحسن، وعطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وسوار، والعنبري، وأصحاب الرأي.
وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة له. وروي ذلك عن النخعي، والحارث العكلي؛ لأنَّ الصبي لا يمكنه الأخذ، ولا يمكن انتظاره حتى يبلغ. لما فيه من الإضرار بالمشتري، وليس للولي الأخذ؛ لأنَّ من لا يملك العفو لا يملك الأخذ.
стр. 5080
ولنا، عموم الأحاديث، ولأنَّه خيار جعل لإزالة الضرر عن المال، فيثبت في حق الصبي كخيار الرد بالعيب.
وقولهم: لا يمكن الأخذ. غير صحيح؛ فإنَّ الولي يأخذ بها، كما يرد المعيب.
قولهم: لا يمكنه العفو. يبطل بالوكيل فيه، وبالرد بالعيب، فإنَّ ولي الصبي لا يمكنه العفو، ويمكنه الرد.
ولأنَّ في الأخذ تحصيلاً للملك للصبي، ونظراً له، وفي العفو تضييع وتفريط في حقه، ولا يلزم من ملك ما فيه الحظ ملك ما فيه تضييع، ولأنَّ العفو إسقاط لحقه، والأخذ استيفاء له، ولا يلزم من ملك الولي استيفاء حق المولى عليه، ملك إسقاطه، بدليل سائر حقوقه وديونه.
وإن لم يأخذ الولي، انتظر بلوغ الصبي، كما ينتظر قدوم الغائب.
وما ذكروه من الضرر في الانتظار، يبطل بالغائب.
إذا ثبت هذا، فإنَّ ظاهر قول الخرقي، أنَّ للصغير إذا كبر الأخذ بها، سواء عفا عنها الولي أو لم يعف، وسواء كان الحظ في الأخذ بها، أو في تركها.
وهو ظاهر كلام أحمد، في رواية ابن منصور: له الشفعة إذا بلغ فاختار. ولم يفرق.
وهذا قول الأوزاعي، وزفر، ومحمد بن الحسن، وحكاه بعض أصحاب الشافعي عنه؛ لأنَّ المستحق للشفعة يملك الأخذ بها، سواء كان له الحظ فيها أو لم يكن، فلم يسقط بترك غيره، كالغائب إذا ترك وكيله الأخذ بها.