Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ" رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. قَالَ الْأَثْرَمُ قُلْت: لِأَحْمَدْ مَا مَعْنَى قَوْله: "لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ"؟ قَالَ: لَا يَدْفَعُ رَهْنًا إلَى رَجُلٍ، وَيَقُولُ: إنْ جِئْتُك بِالدَّرَاهِمِ إلَى كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك» اهـ.
قُلْتُ: ورجح الجواز العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والعلامة العثيمين رحمهما الله تعالى.
السلامة ترك ذلك فإنَّ هذا البيع لا يخلوا من مفسدة، وذلك أنَّ الرهن قد يزيد وقد ينقص وقد يتغير فيحصل بسبب ذلك النزاع.
* * *
стр. 5007
أَحْكَامِ الْحَوَالَةِ.
٢٧٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تحريم مماطلة الغني، وأصل المطل في اللغة: المد يقال: مطلت الحديدة إذا مددتها لتطول، وكل ممدود ممطول، والمراد بذلك في هذا الحديث تأخير أداء الحق بغير عذر.
والمراد بالغنى في هذا الحديث القدرة على الأداء، ولو كان الشخص فقيراً.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٦٥):
«والغنى مختلف في تفريعه، ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيراً» اهـ.
قُلْتُ: فيخرج بذلك الفقير الذي لا يقدر على الأداء، ومن كان ذا مال لكنه ليس متمكناً من الأداء لغيبة المال أو لغير ذلك.
٢ - ويدل بمفهومه أنَّ تأخير أداء الحق من قبل العاجز ليس بظلم.
٣ - وفيه أنَّ المدين إذا أحال دائنه على غني باذل وجب عليه أن يحتال إليه.
стр. 5008
وحمله الجمهور على الاستحباب، وقال بالوجوب أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر.
وهذه المسألة هي التي يسميها العلماء "الحوالة" وهي تحويل الدين من ذمة إلى ذمة.
والحوالة من قبيل الاستيفاء، لا من قبيل بيع الدين بالدين خلافاً لمن زعم ذلك، ثم ادعى بعد ذلك أنَّ الحوالة خلاف القياس.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ٥١٢):
«الوجه الثاني: أنَّ الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع. فإنَّ صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي له في ذمة المحيل» اهـ.
٤ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٦٦):
«واستدل به على أنَّ الحوالة إذا صحت ثم تعذر القبض بحدوث حادث كموت أو فلس لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل، لأنَّه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغني فائدة، فلما شرطت علم أنَّه انتقل انتقالاً لا رجوع له كما لو عوضه عن دينه بعوض ثم تلف العوض في يد صاحب الدين فليس له رجوع. وقال الحنفية: يرجع عند التعذر وشبهوه بالضمان» اهـ.
قُلْتُ: وبيان ذلك: أنَّ المحتال لو كان له الرجوع مطلقاً لما احتيج إلى اشتراط الغنى، بل لاستوى الغني وغيره في هذا، وإذا لم يمكنه أن يستوفي حقه من المعسر
стр. 5009
أو الغني فإنَّه يرجع إلى المحال واستوفى حقه منه، فلما اشترط النبي ﷺ في وجوب قبول الإحالة أن يكون المحتال إليه غنياً دلَّ ذلك على أنَّ الحوالة تقتضي الانتقال التام إلى المحال إليه من غير رجوع إلى المحيل. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٧٣) عند كلامه على الحوالة:
«فإذا كملت شروطها برئت ذمة المحيل بانتقال الحق الذي كان عليه إلى ذمة المحال عليه. فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل، وإن أفلس المحال عليه، أو مات. وهذا قول الجمهور.
وقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه، إن تعذر أخذ الدين من المحال عليه. والأول الصحيح؛ لأنَّ الحوالة عقد معاوضة، فلا يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم، كسائر عقود المعاوضات؛ ولأنَّ ذمة المحيل قد برئت من الحق المحال به بنفس الحوالة، فلا تعود مشتغلةً به إلَّا بعقد آخر، ولا عقد، فلا شغل. غير أنَّ مالكًا قال: إن غرَّ المحيل المحال بذمَّة المحال عليه كان له الرُّجوع على المحيل. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لوضوحه» اهـ.
٥ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٤/ ٤٦٦):
«واستدل به على اعتبار رضى المحيل والمحتال دون المحال عليه لكونه لم يذكر في الحديث، وبه قال الجمهور، وعن الحنفية يشترط أيضاً، وبه قال الإصطخري من الشافعية» اهـ.
стр. 5010
قُلْتُ: وهل يجبر المدين على الحوالة إن كان معسراً، وله دين عند غني باذل؟
الذي يظهر لي في ذلك أنَّه يلزم بأحد أمرين: إمَّا الإحالة، وإمَّا أن يقبض المال بنفسه من غريمه ثم يوفي دينه، لأننا إن لم نلزمه بذلك ضاعت الحقوق.
وأمَّا المحتال، فالصحيح أنَّه لا يعتبر رضاه إذا أحيل على مليء يمكن مطالبته، وقولي: "يمكن مطالبته" لإخراج المماطل، ومن لا يمكن إحضاره إلى مجلس الحكم كالوالد، والسلطان.
وإنَّما لم نعتبر رضا المحتال لأمر النبي ﷺ له أن يحتال. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥):
«فَإِذَا أُحِيلَ عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَزِمَ الْمُحْتَالَ وَالْمُحَالَ عَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ، فَيُعْتَبَرُ الرِّضَا مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحْتَالِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِالدَّيْنِ عَرْضًا.
فَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَالُ عَدُوَّهُ. وَلِلشَّافِعِي فِي اعْتِبَارِ رِضَائِهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ. وَهُوَ يَحْكِي عَنْ الزُّهْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ تَتِمُّ بِهِ الْحَوَالَةُ، فَأَشْبَهَ الْمُحِيلَ. وَالثَّانِي: لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى رِضَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَالتَّوْكِيلِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ
стр. 5011
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ". وَلِأَنَّ لِلْمُحِيلِ أَنْ يُوَفِّيَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ، وَقَدْ أَقَامَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّقْبِيضِ فَلَزِمَ الْمُحَالَ الْقَبُولُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي إبْقَائِهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ عَرْضًا؛ لِأَنَّهُ يُعْطِيه غَيْرَ مَا وَجَبَ لَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الزَّرْكَشِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْخِرَقِيِّ] (٤/ ١١٤):
«وفهم من كلام الخرقي ﵀ أنه لا يعتبر رضا المحتال، ولا المحال عليه، وهو الصحيح، أما المحتال فللحديث، وأما المحال عليه فلأن للإنسان أن يستوفي حقه بنفسه وبوكيله، والمحتال قد أقامه المحيل مقام الوكيل، والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُوْسَى الْحَجَّاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِقْنَاعِ] (٢/ ١٨٩):
«ولا يعتبر رضا المحال عليه ولا رضا المحتال إن كان المحال عليه مليئًا فيجب أن يحتال فإن امتنع أجبر على قبولها ويبرأ المحيل بمجرد الحوالة قبل الأداء وقبل إجبار المحتال على قبولها» اهـ.
٦ - قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٢٣):
«وفي قوله: "مطل الغنى ظلم". قيل: هذا دليل أنَّ الحوالة لا تصح إلَّا عن دين حال، إذ لا يكون ظالماً، ولا مطولاً من لم يحل عليه الدين» اهـ.
٧ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٤١٣):
стр. 5012
«قال بعضهم: وفيه دلالة لمذهب مالك والشافعي والجمهور أنَّ المعسر لا يحل حبسه، ولا ملازمته، ولا مطالبته حتى يوسر» اهـ.
قُلْتُ: وذلك لانتفاء الظلم عنه كما يدل عليه مفهوم الحديث، فإذا انتفى الظلم عنه، فلا يجوز حبسه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٦٥):
«قوله: "مطل الغني ظلم" دلالته أنَّه إذا لم يكن غنياً يجد ما يقضيه لم يكن ظالماً، وإذا لم يكن ظالماً لم يجز حبسه؛ لأنَّ الحبس عقوبة، ولا عقوبة على غير الظالم» اهـ.
وأصرح من هذا ما رواه أحمد (١٧٩٧٥، ١٩٤٧٤، ١٩٤٨١)، وأبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي (٤٦٨٩، ٤٦٩٠)، وابن ماجة (٢٤٢٧) مِنْ طَرِيْقِ وَبْرِ بْنِ أَبِي دُلَيْلَةَ، شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مُسَيْكَةَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ».
قُلْتُ: لكن فيه ابن مسيكة جهله ابن المديني، ولم يوثقه معتبر.
٨ - ومفهوم الحديث أنَّه إذا أحيل على غير مليء فلا يجب عليه أن يحتال، وهل تصح هذه الحوالة، أو لا تصح؟
الجواب: أنَّها تصح إذا رضا المحال بذلك، وإلَّا فلا.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٦/ ٤٢٧): «استدل به ابن حزم على أنَّه لا تجوز الحوالة إلَّا على مليء فلو أحاله على
стр. 5013
غير مليء فهو فاسد وحقه باق على المحيل كما كان سواء درى أنَّه غير مليء أم لا، وفيه نظر فإنَّه لم يمنع في الحديث من الحوالة على غير المليء، وإنَّما أمر بقبول الحوالة على المليء وسكت عن الحوالة على غيره فلم يأمر بقبولها ولم ينه عنه بل الأمر فيها إلى خيرة المحال والله أعلم» اهـ.
٩ - ظاهر الحديث أنَّ الحوالة تصح من غير شرط.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٦) شروطاً أربعة:
أحدها: تماثل الحقين.
ويكون ذلك في ثلاثة أشياء وهي:
الأولى: الجنس. فيحيل من عليه ذهب بذهب، ومن عليه فضة بفضة.
ولو أحال من عليه ذهب بفضة، أو من عليه فضة بذهب، لم يصح.
الثاني: الصفة. فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة لم يصح.
الثالث: الحلول والتأجيل. ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين، فإن كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، أو أجل أحدهما إلى شهر والآخر إلى شهرين، لم تصح الحوالة.
هكذا ذكر ابن قدامة، ومنهم من أضاف إلى ذلك المقدار، فلا تصح الحوالة بعشرة على خمسة، ولا عكسه، وتصح بخمسة من العشرة، وبالخمسة على خمسة من العشرة.
стр. 5014
وإنَّما اعتبرت هذه الصفات حتى لا تخرج الحوالة من موضوعها إلى معنى المعاوضة فتأخذ حينئذٍ أحكام البيع. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٧٣):
«ومنها: أن يكون الدين المحال عليه من جنس المحال به؛ لأنَّه إن خالفه في نوعه خرج من باب المعروف إلى باب المبايعة، والمكايسة، فيكون بيع الدَّين بالدَّين المنهي عنه» اهـ.
وإذا اجتمعت هذه الأمور، وصحت الحوالة، وتراضيا بأن يدفع المحال عليه خيراً من حقه، أو رضي المحتال بدون الصفة، أو رضي من عليه المؤجل بتعجيله، أو رضي من له الحال بإنظاره، جاز؛ لأنَّ ذلك يجوز في القرض، ففي الحوالة أولى.
الشرط الثاني: أن تكون على دين مستقر. فلا تصح الحوالة على المكاتب بمال الكتابة؛ لأنَّه غير مستقر، فإنَّ له أن يمتنع من أدائه، ويسقط بعجزه.
وإن أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول، لم يصح؛ لأنَّه غير مستقر. لكن إن كان المهر قد سمى فأحالت بنصف حقها فهل تصح بذلك الحوالة، ظاهر كلام أهل العلم أنَّها لا تصح لعدم استقرار نصف المهر، وذلك لاحتمال أن يحصل الفسخ من جهتها أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح إن اعتبرناه الولي.
قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْكَبِيْرِ] (٥/ ٥٧):
«وإن أحالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول لم يصح لأنَّه غير مستقر يحتمل أن يسقط بانفساخ النكاح بسبب من جهتها» اهـ.
стр. 5015
قُلْتُ: فأمَّا دين المحيل فلا يشترط أن يكون مستقراً. فيجوز إحالة الدين الغير مستقر على دين مستقر.
الشرط الثالث: أن تكون بمال معلوم. أي على مال معلوم. والمعلوم هو الذي يصح فيه السلم كالمثليات فلا تصح الحوالة بالجواهر على الجواهر.
الشرط الرابع: أن يُحيل برضاه؛ لأنَّ الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين الذي على المحال عليه، ولا خلاف في هذا.
وهذه الشروط معتبرة عند جمهور العلماء.
* * *
стр. 5016
أَحْكَامُ الْمُفْلِسِ.
٢٧٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ - أَوْ إِنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ».
روى مسلم (٢٥٨١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٤/ ٣٠٦):
«وَالْمُفْلِسُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: مَنْ دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ، وَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ مِنْ دَخْلِهِ. وَسَمَّوْهُ مُفْلِسًا وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فِي جِهَةِ دَيْنِهِ، فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ مُفْلِسُ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ حَسَنَاتٍ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ دُونَ مَا عَلَيْهِ، فَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَبَقِيَ لَا شَيْءَ لَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ عَدَمِ مَالِهِ
стр. 5017
بَعْدَ وَفَاءِ دَيْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، إلَّا الشَّيْءَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ، كَالْفُلُوسِ وَنَحْوِهَا» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ من وجد ماله بعينه عند مفلس فهو أحق به من غيره.
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وشذت في ذلك الحنفية.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٦٣ - ٦٤):
«وخالف الحنفية فتأولوه لكونه خبر واحد خالف الأصول لأنَّ السلعة صارت بالبيع ملكاً للمشتري ومن ضمانه واستحقاق البائع أخذها منه نقض لملكه وحملوا الحديث على صورة وهي ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة، وتعقب بأنَّه لو كان كذلك لم يقيد بالفلس ولا جعل أحق بها لما يقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك، وأيضاً فما ذكروه ينتقض بالشفعة، وأيضاً فقد ورد التنصيص في حديث الباب على أنَّه في صورة المبيع، وذلك فيما رواه سفيان الثوري في "جامعه"، وأخرجه مِنْ طَرِيْقِه بن خزيمة وبن حبان وغيرهما عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد بلفظ: "إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء". ولابن حبان مِنْ طَرِيْقِ هشام بن يحيى المخزومي عن أبي هريرة بلفظ: "إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته". والباقي مثله، ولمسلم في رواية بن أبي حسين المشار إليها قبل: "إذا وجد عنده المتاع أنَّه لصاحبه الذي باعه". وفي
стр. 5018
مرسل بن أبي مليكة عند عبد الرزاق: "من باع سلعة من رجل لم ينقده ثم أفلس الرجل فوجدها بعينها فليأخذها من بين الغرماء". وفي مرسل مالك المشار إليه: "أيما رجل باع متاعاً". وكذا هو عند من قدمنا أنَّه وصله فظهر أنَّ الحديث وارد في صورة البيع ويلتحق به القرض وسائر ما ذكر من باب الأولى» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٦٧):
«وقد تعسَّف بعض الحنفية في تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات لا تقوم على أساس، ولا تتمشى على لغةٍ، ولا قياسٍ. فليُضرب عن ذكرها، لوضوح فسادها» اهـ.
٢ - وأخذ بعض العلماء من قوله: "بعينه" أنَّه إذا تغير بزيادة أو نقصان، أو تغيير صفة، فليس هو بأحق به من غيره، ويكون أسوة الغرماء.
ومن أجل هذا اشترط العلماء شروطاً في هذا المال، وبعضها متنازع فيها، وهي عند الحنابلة خمسة شروط، وبيانها فيما يلي:
الشرط الأول: أن تكون السلعة باقية بعينها.
وفي ذلك صور:
الأولى: أن يتلف بعضها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٠ - ٣٠١):
стр. 5019
«فإن تلف جزء منها كبعض أطراف العبد، أو ذهبت عينه، أو تلف بعض الثوب، أو انهدم بعض الدار، أو اشترى شجراً مثمراً لم تظهر ثمرته، فتلفت الثمرة، أو نحو هذا، لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة الغرماء وبهذا قال إسحاق.
وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، والعنبري: له الرجوع في الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف؛ لأنَّها عين يملك الرجوع في جميعها، فملك الرجوع في بعضها، كالذي له الخيار، وكالأب فيما وهب لولده.
ولنا، قول النبي ﷺ : "من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به".
فشرط أن يجده بعينه، ولم يجده بعينه.
ولأنَّه إذا أدركه بعينه، حصل له بالرجوع فصل الخصومة، وانقطاع ما بينهما من المعاملة، بخلاف ما إذا وجد بعضه.
ولا فرق بين أن يرضى بالموجود بجميع الثمن، أو يأخذه بقسطه من الثمن؛ لأنَّه فات شرط الرجوع. وإن كان المبيع عينين، كعبدين، أو ثوبين تلف أحدهما، أو بعض أحدهما، ففي جواز الرجوع في الباقي منهما روايتان:
إحداهما: لا يرجع.
نقلها أبو طالب، عن أحمد، قال: لا يرجع ببقية العين، ويكون أسوة الغرماء؛ لأنَّه لم يجد المبيع بعينه، فأشبه ما لو كان عيناً واحدة.
стр. 5020
ولأنَّ بعض المبيع تالف، فلم يملك الرجوع، كما لو قطعت يد العبد.
ونقل الحسن بن ثواب عن أحمد، إن كان ثوباً واحداً، فتلف بعضه، فهو أسوة الغرماء، وإن كان رزماً، فتلف بعضها، فإنَّه يأخذ بقيمتها إذا كان بعينه؛ لأنَّ السالم من المبيع وجده البائع بعينه، فيدخل في عموم قوله ﷺ : "من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به".
ولأنَّه مبيع، وجده بعينه، فكان للبائع الرجوع فيه، كما لو كان جميع المبيع» اهـ.
قُلْتُ: ما قاله الإمام مالك، والأوزاعي، والشافعي، والعنبري: من أنَّ له الرجوع في الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف، وهو الذي يظهر لي صحته، وذلك أنَّ عين ماله ما زال باقياً، وهذا النقص لم يذهب بعين ماله بالكلية، وبعض المال مال، فيلحق بجميعه.
وليس هنالك فرق معتبر بين نقصان ما اتصلت أجزاؤه كالعبد، والبهيمة، أو ما انفصلت أجزاؤه كالحب وغيره. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي [السَّيْلِ الْجرَّارِ] (ص: ٨٠٤):
«وكما يكون أحق به فهو أحق ببعض بقي منه لأنَّه قد وجد عين ماله وإن نقص بعضها فإنَّ هذا لا يخرج الباقي عن كونه عين مال مالكها» اهـ.
الصورة الثانية: أن تختلط بغيرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٦):
стр. 5021
«فصل: فإن اشترى زيتاً، فخلطه بزيت آخر، أو قمحاً، فخلطه بما لا يمكن تمييزه منه، سقط حق الرجوع.
وقال مالك: يأخذ زيته.
وقال الشافعي: إن خلطه بمثله أو دونه، لم يسقط الرجوع، وله أن يأخذ متاعه بالكيل أو الوزن، وإن خلطه بأجود منه، ففيه قولان؛ أحدهما، يسقط حقه من العين قال الشافعي: وبه أقول.
واحتجوا بأنَّ عين ماله موجودة مِنْ طَرِيْقِ الحكم، فكان له الرجوع كما لو كانت منفردة، ولأنَّه ليس فيه أكثر من اختلاط ماله بغيره، فلم يمنع الرجوع، كما لو اشترى ثوباً فصبغه، أو سويقاً فلته.
ولنا، أنَّه لم يجد عين ماله، فلم يكن له الرجوع، كما لو تلفت، ولأنَّ ما يأخذه من غير عين ماله، إنَّما يأخذه عوضاً عن ماله، فلم يختص به دون الغرماء، كما لو تلف ماله.
وقول النبي ﷺ : "من أدرك متاعه بعينه".
أي من قدر عليه، وتمكن من أخذه من المفلس؛ بدليل ما لو وجده بعد زوال ملك المفلس، أو كانت مسامير قد سمر بها باباً، أو حجراً قد بني عليه، أو خشباً في سقفه، أو أمة استولدها، وهذا إذا أخذ كيله أو قيمته إنَّما يأخذ عوض ماله، فهو كالثمن والقيمة.
стр. 5022
وفارق المصبوغ، فإنَّ عينه يمكنه أخذها، والسويق كذلك، فاختلفا» اهـ.
قُلْتُ: وما قالته الحنابلة هو الذي يظهر لي رجحانه. والله أعلم.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٩):
«فصل: وإن اشترى ثوباً فصبغه، أو سويقاً فلته بزيت، فقال أصحابنا: لبائع الثوب والسويق الرجوع في أعيان أموالهما وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّ عين مالهما قائمة مشاهدة، ما تغير اسمها، ويكون المفلس شريكاً لصاحب الثوب والسويق بما زاد عن قيمتهما.
فإن حصل زيادة، فهي له، وإن حصل نقص، فعليه.
وإن نقصت قيمة الثوب أو السويق، فإن شاء البائع أخذهما ناقصين، ولا شيء له، وإن شاء تركهما، وله أسوة الغرماء؛ لأنَّ هذا نقص صفة، فهو كالهزال.
ويحتمل أن لا يكون له الرجوع إذا زادت القيمة؛ لأنَّه اتصل بالمبيع زيادة للمفلس، فمنعت الرجوع، كما لو سمن العبد، ولأنَّ الرجوع هاهنا لا يتخلص به البائع من المفلس، ولا يحصل به المقصود من قطع المنازعة، وإزالة المعاملة، بل يحصل به ضرر الشركة، فلم يكن في معنى المنصوص عليه، فلا يمكن إلحاقه به» اهـ.
الصورة الثالثة: أن تنقل إلى شيء آخر.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٧):
стр. 5023
«فصل: وإن اشترى حنطة فطحنها أو زرعها، أو دقيقاً فخبزه، أو زيتاً فعمله صابوناً، أو ثوباً فقطعه قميصاً، أو غزلاً فنسجه ثوباً، أو خشباً فنجره أبواباً، أو شريطاً فعمله إبراً، أو شيئاً فعمل به ما أزال اسمه، سقط حق الرجوع.
وقال الشافعي: فيه قولان؛ أحدهما، به أقول، يأخذ عين ماله، ويعطي قيمة عمل المفلس فيها؛ لأنَّ عين ماله موجودة، وإنَّما تغير اسمها، فأشبه ما لو كان المبيع حملاً فصار كبشاً، أو ودياً فصار نخلاً.
ولنا، أنَّه لم يجد متاعه بعينه، فلم يكن له الرجوع، كما لو تلف، ولأنَّه غير اسمه وصفته، فلم يملك الرجوع، كما لو كان نوى فنبت شجراً.
والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع، وإن سلم، فإنَّه لم يتغير اسمه، بخلاف مسألتنا» اهـ.
قُلْتُ: هذا كلام سديد.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٨):
«فصل: وإن كان حباً فصار زرعاً، أو زرعاً فصار حباً، أو نوى فنبت شجراً، أو بيضاً فصار فراخاً، سقط حق الرجوع.
وقال القاضي: لا يسقط. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي المنصوص عليه منهما؛ لأنَّ الزرع نفس الحب، والفرخ نفس البيضة.
ولنا، أنَّه لم يجد عين ماله، فلم يرجع، كما لو أتلفه متلف فأخذ قيمته.
стр. 5024
ولأنَّ الحب أعيان ابتدأها الله تعالى، لم تكن موجودة عند البيع، وكذلك أعيان الزرع والفرخ.
ولو استأجر أرضاً، واشترى بذراً وماء، فزرع، وسقى، واستحصد، وأفلس، فالمؤجر وبائع البذر والماء غرماء، لا حق لهم في الرجوع؛ لأنَّهم لم يجدوا أعيان أموالهم.
وعلى قول من قال: له الرجوع في الزرع. يكون عليه غرامة الأجرة وثمن الماء، أو قيمة ذلك» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح عدم الرجوع؛ لأنَّه لم يجد عين ماله.
الشرط الثاني: أن لا يكون المبيع زاد زيادة متصلة، كالسمن، والكبر، وتعلم الصناعة، أو الكتابة، أو القرآن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣١٣ - ٣١٤):
«واختلف المذهب في هذا، فذهب الخرقي إلى أنَّها تمنع الرجوع.
وروى الميموني، عن أحمد، أنَّها لا تمنع. وهو مذهب مالك، والشافعي، إلَّا أنَّ مالكاً يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها به.
واحتجوا بالخبر، وبأنَّه فسخ لا تمنع منه الزيادة المنفصلة، فلا تمنعه المتصلة، كالرد بالعيب، وفارق الطلاق، فإنَّه ليس بفسخ، ولأنَّ الزوج يمكنه الرجوع في قيمة العين، فيصل إلى حقه تاماً.
وهاهنا لا يمكنه الرجوع في الثمن.
стр. 5025
ولنا، أنَّه فسخ بسبب حادث، فلم يملك به الرجوع في عين المال الزائدة زيادة متصلة، كفسخ النكاح بالإعسار أو الرضاع، ولأنَّها زيادة في ملك المفلس، فلم يستحق البائع أخذها، كالمنفصلة، وكالحاصلة بفعله، ولأنَّ النماء لم يصل إليه من البائع، فلم يستحق أخذه منه، كغيره من أمواله، وفارق الرد بالعيب لوجهين؛ أحدهما، أنَّ الفسخ فيه من المشتري، فهو راض بإسقاط حقه من الزيادة، وتركها للبائع، بخلاف مسألتنا.
والثاني، أنَّ الفسخ ثم لمعنى قارن العقد، وهو العيب القديم، والفسخ هاهنا لسبب حادث، فهو أشبه بفسخ النكاح الذي لا يستحق به استرجاع العين الزائدة.
وقولهم: إنَّ الزوج إنَّما لم يرجع في العين لكونه يندفع عنه الضرر بالقيمة - لا يصح؛ فإنَّ اندفاع الضرر عنه بطريق آخر لا يمنعه من أخذ حقه من العين، ولو كان مستحقاً للزيادة لم يسقط حقه منها بالقدرة على أخذ القيمة، كمشتري المعيب ثم كان ينبغي أن يأخذ قيمة العين زائدة؛ لكون الزيادة مستحقة، فلما لم يكن كذلك، علم أنَّ المانع من الرجوع كون الزيادة للمرأة، وأنَّه لا يمكن فصلها، فكذلك هاهنا، بل أولى؛ فإنَّ الزيادة يتعلق بها حق المفلس والغرماء، فمنع المشتري من أخذ زيادة ليست له، أولى من تفويتها على الغرماء الذين لم يصلوا إلى تمام ديونهم، والمفلس المحتاج إلى تبرئة ذمته عند اشتداد حاجته.
стр. 5026
فصل: وأمَّا الخبر فمحمول على من وجد متاعه على صفته، ليس بزائد، ولم يتعلق به حق آخر، وهاهنا قد تعلقت به حقوق الغرماء، لما فيه من الزيادة، لما ذكرنا من الدليل، يحققه أنَّه إذا كان تلف بعض المبيع مانعاً من الرجوع من غير ضرر يلحق بالمفلس، ولا بالغرماء، فلأنَّ يمنع الزيادة فيه مع تفويتها بالرجوع عليهم أولى، ولأنَّه إذا رجع في الناقص، فما رجع إلَّا فيما باعه وخرج منه، وإذا رجع في الزائد، أخذ ما لم يبعه، واسترجع ما لم يخرج عنه، فكان بالمنع أحق» اهـ.
قُلْتُ: ما قاله العلامة ابن قدامة هو الذي يظهر لي صحته فالزيادة في المبيع المؤثرة في زيادة القيمة تمنع من الرجوع فيه، ككبر البهيمة مثلاً، كأن تكون ذات مخاض فتصير جذعة، وكالعبد إذا كان رضيعاً فصار شاباً، والقول بالرجوع في مثل ذلك ظلم للمفلس لا تأتي به الشريعة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣١٥):
«فصل: فأمَّا الزيادة المنفصلة، كالولد والثمرة والكسب، فلا تمنع الرجوع.
بغير خلاف بين أصحابنا، وهو قول مالك، والشافعي.
وسواء نقص بها المبيع أو لم ينقص، إذا كان نقص صفة، والزيادة للمفلس.
هذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأنَّه منع الرجوع بالزيادة المتصلة، لكونها للمفلس، فالمنفصلة أولى.
وهذا قول ابن حامد والقاضي، ومذهب الشافعي، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
стр. 5027
وقال أبو بكر: الزيادة للبائع. وهو مذهب مالك.
ونقل حنبل عن أحمد، في ولد الجارية، ونتاج الدابة: هو للبائع؛ لأنَّها زيادة، فكانت للبائع كالمتصلة.
ولنا، أنَّها زيادة انفصلت في ملك المشتري فكانت له، كما لو رده بعيب، ولأنَّه فسخ استحق به استرجاع العين، فلم يستحق أخذ الزيادة المنفصلة، كفسخ البيع بالعيب أو الخيار أو الإقالة، وفسخ النكاح بسبب من أسباب الفسخ، وقول النبي ﷺ : "الخراج بالضمان". يدل على أنَّ النماء والغلة للمشتري لكون الضمان عليه، وأمَّا الزيادة المتصلة، فقد دللنا على أنَّها للمفلس أيضاً، وفي ذلك تنبيه على كون المنفصلة له ثم لو سلمنا ثم، فالفرق ظاهر، فإن المتصلة تتبع في الفسوخ والرد بالعيب، بخلاف المنفصلة، ولا ينبغي أن يقع في هذا اختلاف لظهوره، وكلام أحمد، في رواية حنبل، يحمل على أنَّه باعهما في حال حملهما، فيكونان مبيعين، ولهذا خص هذين بالذكر دون بقية النماء» اهـ.
قُلْتُ: القول بأنَّ الزيادة المنفصلة للبائع لا يخفى بطلانه.
الشرط الثالث: أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئاً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٣٣ - ٣٣٤):
«فإن كان قد قبض بعض ثمنها، سقط حق الرجوع.
стр. 5028
وبهذا قال إسحاق، والشافعي في "القديم"، وقال في "الجديد": له أن يرجع في قدر ما بقي من الثمن؛ لأنَّه سبب ترجع به العين كلها إلى العاقد، فجاز أن يرجع به بعضها، كالفرقة قبل الدخول في النكاح.
وقال مالك: هو مخير، إن شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين، وإن شاء حاص الغرماء ولم يرجع.
ولنا، ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، ولم يكن قد قبض من ثمنها شيئاً، فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء".
رواه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني.
ولأنَّ في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضاً للصفقة على المشتري، وإضراراً به، وليس ذلك للبائع.
فإن قيل: لا ضرر عليه في ذلك؛ لأنَّ ماله يباع، ولا يبقى له، فيزول عنه الضرر قلنا: لا يندفع الضرر بالبيع؛ فإن قيمته تنقص بالتشقيص، ولا يرغب فيه مشقصاً، فيتضرر المفلس والغرماء بنقص القيمة.
ولأنَّه سبب يفسخ به البيع، فلم يجز تشقيصه، كالرد بالعيب والخيار، وقياس البيع على البيع أولى من قياسه على النكاح.
стр. 5029
ولا فرق بين كون المبيع عيناً واحدة، أو عينين، لما ذكرنا من الحديث والمعنى، فإن قيل: حديثكم يرويه أبو بكر بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ مرسلاً، ولا حجة في المراسيل.
قلنا: قد رواه مالك وموسى بن عقبة عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، كذلك ذكره ابن عبد البر، وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني في "سننهم" متصلاً، فلا يضر إرسال من أرسله، فإن راوي المسند معه زيادة لا يعارضها ترك مرسل الحديث لها، وعلى أنَّ المرسل حجة، فلا يضر إرساله» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح في الحديث الإرسال، والمرسل من أقسام الضعيف، لكنه حسن بشواهده، غير جملة: الموت.
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ في [سُنَنِهِ] (٣/ ٤٣١): «ولا يثبت هذا عن الزهري مسنداً، وإنَّما هو مرسل» اهـ.
وقد روى الحديث مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٣٥٧)، ومِنْ طَرِيْقِه أبو داود (٣٥٢٠) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ، الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ».
стр. 5030
ورواه أبو داود (٣٥٢١) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ، زَادَ: «وَإِنْ كَانَ قَدْ قَضَى مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهَا».
قُلْتُ: ويونس هو ابن يزيد الأيلي.
ورواه أبو داود (٣٥٢٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ يَعْنِي الْخَبَايِرِيَّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَبُو الْهُذَيْلِ الْحِمْصِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ قَالَ: «فَإِنْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ وَأَيُّمَا امْرِئٍ هَلَكَ وَعِنْدَهُ مَتَاعُ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَقْتَضِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدِيثُ مَالِكٍ أَصَحُّ اهـ.
وروى ابن ماجة (٢٣٥٩) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: فذكره.
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٣/ ٢١٥):
«وحديث ابن شهاب منقطع لو لم يخالفه غيره لم يكن مما يثبته أهل الحديث فلو لم يكن في تركه حجة إلَّا هذا انبغى لمن عرف الحديث تركه من الوجهين» اهـ.
стр. 5031
قُلْتُ: الحديث وإن كان مرسلاً، لكنه جاء من وجه آخر رواه أحمد (١٠٨٠٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَوَجَدَ رَجُلٌ عِنْدَهُ مَالَهُ، وَلَمْ يَكُنْ اقْتَضَى مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ».
قُلْتُ: وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بين الحسن وأبي هريرة.
ومؤيد بأثر لعثمان ﵁.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي [صَحِيْحِهِ - مع فتح الباري -] (٣/ ١٥٥):
«وقال سعيد بن المسيب قضى عثمان من اقتضى من حقه قبل أن يفلس فهو له، ومن عرف متاعه بعينه فهو أحق به» اهـ.
قُلْتُ: وَهُوَ أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وصله إسماعيل بن جعفر في [جُزْءِ حَدِيْثِهِ] (٣٢١)، ومِنْ طَرِيْقِه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٩١٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٠٣٥) عن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ مَوْلًى لِأُمِّ حَبِيبَةَ أَفْلَسَ، فَأُتِيَ بِهِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَضَى فِيهِ عُثْمَانُ: «أَنْ مَنْ كَانَ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ عَرَفَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ».
والله أعلم.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٦٣): «وبذلك قال جمهور من أخذ بعموم حديث الباب» اهـ.
стр. 5032
الشرط الرابع: أن لا يكون تعلق بها حق الغير.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٣٥):
«إن رهنها المشتري، ثم أفلس، أو وهبها، لم يملك البائع الرجوع، كما لو باعها، أو أعتقها، ولأنَّ في الرجوع إضراراً بالمرتهن، ولا يزال الضرر بالضرر، ولأنَّ النبي ﷺ قال: "من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به".
وهذا لم يجده عند المفلس.
ولا نعلم في هذا خلافاً، فإن كان دين المرتهن دون قيمة الرهن، بيع كله، فقضي منه دين المرتهن، والباقي يرد على سائر مال المفلس، ويشترك الغرماء فيه، وإن بيع بعضه، فباقيه بينهم يباع لهم أيضاً، ولا يرجع به البائع.
قال القاضي: له الرجوع به. وهو مذهب الشافعي؛ لأنَّه عين ماله، لم يتعلق به حق غيره.
ولنا، أنَّه لم يجد متاعه بعينه، فلم يكن له أخذه، كما لو كان الدين مستغرقاً له.
وما ذكره القاضي لا يخرج على المذهب؛ لأنَّ تلف بعض المبيع يمنع الرجوع، فكذلك ذهاب بعضها بالبيع، ولو رهن بعض العبد لم يكن للبائع الرجوع في باقيه؛ لما ذكرنا.
وإن كان المبيع عينين، فرهن إحداهما، فهل يملك البائع الرجوع في الأخرى؟ على وجهين، بناء على الروايتين فيما إذا تلفت إحدى العينين.
стр. 5033
وإن فك الرهن قبل فلس المشتري. أو أبرئ من دينه، فللبائع الرجوع؛ لأنَّه أدرك متاعه بعينه عند المشتري.
وإن أفلس وهو رهن، فأبرأ المرتهن المشتري من دينه، أو قضى الدين من غيره، فللبائع الرجوع أيضاً كذلك» اهـ.
الشرط الخامس: أن يكون المفلس حياً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٨١ - ٣٨٢):
«مسألة؛ قال: "وإذا مات، فتبين أنَّه كان مفلساً، لم يكن لأحد من الغرماء أن يأخذ عين ماله".
هذا الشرط الخامس لاستحقاق استرجاع عين المال من المفلس، وهو أن يكون حياً، فإن مات، فالبائع أسوة الغرماء، سواء علم بفلسه قبل الموت، فحجر عليه ثم مات، أو مات فتبين فلسه.
وبهذا قال مالك وإسحاق.
وقال الشافعي: له الفسخ واسترجاع العين؛ لما روى ابن خلدة الزرقي، قاضي المدينة قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس، فقال أبو هريرة: هذا الذي قضى فيه رسول الله ﷺ : "أيما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه". رواه أبو داود، وابن ماجه.
стр. 5034
واحتجوا بعموم قوله: ﵇ "من أدرك متاعه بعينه عند رجل، أو إنسان، قد أفلس، فهو أحق به".
ولأنَّ هذا العقد يلحقه الفسخ بالإقالة، فجاز فسخه لتعذر العوض، كما لو تعذر المسلم فيه، ولأنَّ الفلس سبب لاستحقاق الفسخ، فجاز الفسخ به بعد الموت كالعيب.
ولنا، ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في حديث المفلس: "فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء". رواه أبو داود.
وروى أبو اليمان، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أيما امرئ مات، وعنده مال امرئ بعينه، اقتضى من ثمنه شيئاً، أو لم يقتض، فهو أسوة الغرماء". رواه ابن ماجه.
ولأنَّه تعلق به حق غير المفلس والغرماء، وهم الورثة فأشبه المرهون.
وحديثهم مجهول الإسناد، قال ابن المنذر: قال ابن عبد البر يرويه أبو المعتمر، عن الزرقي، وأبو المعتمر غير معروف بحمل العلم.
ثم هو غير معمول به إجماعاً؛ فإنَّه جعل المتاع لصاحبه بمجرد موت المشتري، من غير شرط فلسه، ولا تعذر وفائه، ولا عدم قبض ثمنه، والأمر بخلاف ذلك عند جميع العلماء، إلَّا ما حكي عن الإصطخري من أصحاب الشافعي، أنَّه قال: لصاحب السلعة أن يرجع فيها إذا مات المشتري، وإن خلف وفاء.
стр. 5035
وهذا شذوذ عن أقوال أهل العلم، وخلاف للسنة لا يعرج على مثله.
وأمَّا الحديث الآخر، فنقول به، وإن صاحب المتاع أحق به إذا وجده عند المفلس، وما وجده في مسألتنا عنده، إنَّما وجده عند ورثته، فلا يتناوله الخبر، وإنما يدل بمفهومه على أنَّه لا يستحق الرجوع فيه، ثم هو مطلق وحديثنا يقيده، وفيه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة.
وتفارق حالة الحياة حال الموت لأمرين؛ أحدهما، أنَّ الملك في الحياة للمفلس، وها هنا لغيره.
والثاني، أنَّ ذمة المفلس خربت هاهنا خراباً لا يعود، فاختصاص هذا بالعين يستضر به الغرماء كثيراً، بخلاف حالة الحياة» اهـ.
قُلْتُ: الذي يظهر لي هو صحة هذا الشرط لقول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ - أَوْ إِنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ». وإذا مات المفلس فإنَّما أدرك صاحب المال ماله عند غيره، وهم الورثة.
٣ - واحتج به من ذهب إلى أنَّ من أفلس بعد خروج المبيع من ملكه ببيع ونحوه، ثم عاد إليه، أنَّ البائع الأول أحق به من غيره؛ لأنَّه أدرك ماله بعينه فيدخل في عموم الحديث.
قُلْتُ: وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٣٧):
стр. 5036
«فإن أفلس بعد رجوع ذلك إلى ملكه، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها، له الرجوع؛ للخبر، ولأنَّه وجد عين ماله خالياً عن حق غيره، أشبه ما لو لم يبعه.
والثاني، لا يرجع؛ لأنَّ هذا الملك لم ينتقل إليه منه، فلم يملك فسخه.
ذكر أصحابنا هذين الوجهين.
ولأصحاب الشافعي مثل ذلك.
والثالث، أنَّه إن عاد إليه بسبب جديد، كبيع، أو هبة، أو إرث، أو وصية، أو نحو ذلك.
لم يكن للبائع الرجوع؛ لأنَّه لم يصر إليه من جهته.
وإن عاد إليه بفسخ، كالإقالة، والرد بعيب، أو خيار، ونحو ذلك، فللبائع الرجوع؛ لأنَّ هذا الملك استند إلى السبب الأول، فإن فسخ العقد الثاني لا يقتضي ثبوت الملك، وإنَّما أزال السبب المزيل لملك البائع، فثبت الملك بالسبب الأول، فملك استرجاع ما ثبت الملك فيه ببيعه» اهـ.
قُلْتُ: وهذا التفصيل هو الذي يظهر لي رجحانه، ويدل على ذلك أنَّ البائع الأول، والثاني إذا تنازعا في أخذ المبيع من المفلس قضينا به للثاني دول الأول. والله أعلم.
٤ - واحتج بعموم الحديث من ذهب إلى أنَّ صاحب الدين المؤجل إذا وجد ماله بعينه أنَّه أولى به من الغرماء.
стр. 5037
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٤٠):
«فصل: وإذا أفلس، وفي يده عين مال، دين بائعها مؤجل، وقلنا: لا يحل الدين بالفلس.
فقال أحمد في رواية الحسن بن ثواب: يكون ماله موقوفاً إلى أن يحل دينه، فيختار البائع الفسخ أو الترك.
وهذا قول بعض أصحاب الشافعي.
والمنصوص عن الشافعي، أنَّه يباع في الديون الحالة.
ويتخرج لنا مثل ذلك؛ لأنَّها حقوق حالة، فقدمت على الدين المؤجل، كدين من لم يجد عين ماله.
وللأول الخبر، ولأنَّ حق هذا البائع تعلق بالعين، فقدم على غيره، وإن كان مؤجلاً. كالمرتهن، والمجني عليه» اهـ.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في الديون المؤجلة هل تحل بالإفلاس، أو لا؟
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٤٤):
«مسألة؛ قال: وإذا كان على المفلس دين مؤجل، لم يحل بالتفليس، وكذلك في الدين الذي على الميت، إذا وثق الورثة. وجملته أنَّ الدين المؤجل لا يحل بفلس من هو عليه، رواية واحدة. قاله القاضي.
وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى، أنَّه يحل. وبه قال مالك.
стр. 5038
وعن الشافعي كالمذهبين.
واحتجوا بأنَّ الإفلاس يتعلق به الدين بالمال، فأسقط الأجل كالموت.
ولنا، أنَّ الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه، كسائر حقوقه، ولأنَّه لا يوجب حلول ماله، فلا يوجب حلول ما عليه، كالجنون والإغماء، ولأنَّه دين مؤجل على حي، فلم يحل قبل أجله، كغير المفلس، ولا نسلم أنَّ الدين يحل بالموت، فهو كمسألتنا، وإن سلمنا، فالفرق بينهما أنَّ ذمته خربت وبطلت بخلاف المفلس.
إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا حجر على المفلس، فقال أصحابنا لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة، بل يقسم المال الموجود بين أصحاب الديون الحالة، ويبقى المؤجل في الذمة إلى وقت حلوله، فإن لم يقتسم الغرماء حتى حلَّ الدين، شارك الغرماء، كما لو تجدد على المفلس دين بجنايته، وإن أدرك بعض المال قبل قسمه، شاركهم فيه، ويضرب فيه بجميع دينه، ويضرب سائر الغرماء ببقية ديونهم.
وإن قلنا: إنَّ الدين يحل.
فإنَّه يضرب مع الغرماء بدينه، كغيره من أرباب الديون الحالة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٤/ ٦٩):
«وما تقدَّم من الأحاديث في المفلس تدلُّ على أن جميع ما عليه من الدَّين يدخل في المحاصَّة، ما حل منها، وما لم يحل. وهو قول الجمهور، خلا أنَّ الشافعي قال في أحد قوليه: لا يحل ما عليه من دين مؤجل. وهذا ليس بصحيح للأحاديث
стр. 5039
المتقدِّمة؛ ولأنَّه إذا خربت ذمَّة المفلس فقد لا تعمر. فلا يحصل لمن تأخر دينه في شيء مع أنَّه يمكن أن يكون عِوَض دينه موجودًا حال الفلس، أو بدله، فيؤخذ سيئه ولا يحصل له شيء» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الذي يظهر لي رجحانه عملاً بعموم الحديث، فإنَّ النبي ﷺ لم يفرق بين الدين الحال والمؤجل. والله أعلم.
٥ - فإن كان الذي أدرك ماله بعينه ثبت حقه بإقرار المفلس بعد الحجر عليه من غير أن تكون له بينه، فهل يدخل في عموم قول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ - أَوْ إِنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ»؟.
الذي يظهر لي عدم الدخول لأنَّه متهم في إقراره على نفسه، فإنَّه قد يفعل ذلك حيلة ليمسك بعض ماله، لكن يلزم بما أقربه بعد فتح الحجر عنه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٥١):
«وإن أقر بدين، لزمه بعد فك الحجر عنه. نص عليه أحمد، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن، والثوري، والشافعي في قول، وقال في الآخر: يشاركهم، واختاره ابن المنذر؛ لأنَّه دين ثابت مضاف إلى ما قبل الحجر، فيشارك صاحبه الغرماء، كما لو ثبت ببينة.
ولنا، أنَّه محجور عليه، فلم يصح إقراره فيما حجر عليه فيه، كالسفيه، أو كالراهن يقر على الرهن، ولأنَّه إقرار يبطل ثبوته حق غير المقر، فلم يقبل، أو إقرار على
стр. 5040
الغرماء، فلم يقبل، كإقرار الراهن، ولأنَّه متهم في إقراره، فهو كالإقرار على غيره، وفارق البينة، فإنَّه لا تهمة في حقها» اهـ.
٦ - فإن أدرك عين ماله عند رجل قد أفلس، وكان ذلك مما لا غنى للمفلس عنه كالثياب، والمسكن، فهل له أن يأخذه عملاً بعموم الحديث؟
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٦٥):
«فصل: وإن كان له داران يستغني بسكنى إحداهما، بيعت الأخرى؛ لأنَّ به غنى عن سكناها.
وإن كان مسكنه واسعاً، لا يسكن مثله في مثله، بيع، واشتري له مسكن مثله، ورد الفضل على الغرماء، كالثياب التي له إذا كانت رفيعة لا يلبس مثله مثلها.
ولو كان المسكن والخادم اللذين لا يستغني عنهما عين مال بعض الغرماء، أو كان جميع ماله أعيان أموال أفلس بأثمانها، ووجدها أصحابها، فلهم أخذها، بالشرائط التي ذكرناها؛ لقول النبي ﷺ : "من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به".
ولأنَّ حقه تعلق بالعين، فكان أقوى سبباً من المفلس، ولأنَّ الإعسار بالثمن سبب يستحق به الفسخ، فلم يمنعه منه تعلق حاجة المشتري، كما قبل القبض، وكالعيب والخيار.
ولأنَّ منعهم من أخذ أعيان أموالهم يفتح باب الحيل، بأن يجيء من لا مال له، فيشتري في ذمته ثياباً يلبسها، وداراً يسكنها، وخادماً يخدمه، وفرساً يركبها،
стр. 5041
وطعاماً له ولعائلته ويمتنع على أربابها أخذها؛ لتعلق حاجته بها، فتضيع أموالهم ويستغني هو بها.
فعلى هذا يؤخذ ذلك.
ولا يترك له شيء منه؛ لأنَّه أعيان أموال الناس، فكانوا أحق بها منه، كما لو كانت في أيديهم، أو أخذها منهم غصباً» اهـ.
٧ - واحتج به من قال من ذهب من أهل العلم إلى أنَّ الغرماء لو دفعوا ثمن السلعة إلى صاحبها الذي وجدها بعينها، فلا يلزم بقبول ذلك.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٨/ ٤١٢):
«واختلف مالك والشافعي في المفلس يأبى غرماؤه دفع السلعة إلى صاحبها وقد وجدها بعينها ويريدون دفع الثمن إليه من قبل أنفسهم لما لهم في قبض السلعة من الفضل، فقال مالك: ذلك لهم وليس لصاحب السلعة أخذها إذا دفع إليه الغرماء الثمن. وقال الشافعي: ليس للغرماء في هذا مقال. قال: وإذا لم يكن للمفلس ولا لورثته أخذ السلعة لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ جعل صاحبها أحق بها منهم فالغرماء أبعد من ذلك، وإنَّما الخيار لصاحب السلعة إن شاء أخذها وإن شاء تركها وضرب مع الغرماء بثمنها.
وبهذا قال أبو ثور وأحمد بن حنبل وجماعة» اهـ.
стр. 5042
٨ - واحتج به من قال: أنَّ التغير في الصفات لا يمنع من الرجوع، وذلك أنَّ النبي ﷺ اشترط بقاء العين، ولم يشترط بقاء الصفات.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٣٠٣):
«فصل: وإن نقصت مالية المبيع، لذهاب صفة مع بقاء عينه، كعبد هزل، أو نسي صناعة أو كتابة، أو كبر، أو مرض، أو تغير عقله، أو كان ثوباً فخلق، لم يمنع الرجوع؛ لأنَّ فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين ماله، لكنه يتخير بين أخذه ناقصاً بجميع حقه، وبين أن يضرب مع الغرماء بكمال ثمنه؛ لأنَّ الثمن لا يتقسط على صفة السلعة من سمن، أو هزال، أو علم، أو نحوه، فيصير كنقصه لتغير الأسعار.
ولو كان المبيع أمة ثيباً، فوطئها المشتري، ولم تحمل، فله الرجوع فيها؛ لما ذكرنا، فإنَّها لم تنقص في ذات ولا في صفات.
وإن كانت بكراً، فقال القاضي: له الرجوع؛ لأنَّه فقد صفة، فإنَّه لم يذهب منها جزء، وإنَّما هو كالجراح.
وقال أبو بكر: ليس له الرجوع؛ لأنَّه أذهب منها جزءاً، فأشبه ما لو فقأ عينها.
وإن وجد الوطء من غير المفلس، فهو كوطء المفلس، فيما ذكرنا» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي في هذه المسألة هو صحة ما حرره العلامة ابن قدامة ﵀. والله أعلم.
وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٧٥)
стр. 5043
«المسألة الثانية عشرة: إذا تغير المبيع في صفته بحدوث عيب فأثبت الشافعي الرجوع إن شاءه البائع بغير شيء يأخذه وإن شاء ضارب بالثمن. وهذا يمكن أن يدرج تحت اللفظ فإنَّه وجده بعينه والتغير حادث في الصفة لا في العين» اهـ.
٩ - ظاهر الحديث أنَّ من وجد ماله بعينه عند المفلس فله أخذ وإن غلا ثمنه، فإذا أراد الغرماء أن يدفعوا له دينه على أن يترك لهم عين ماله لم يجب عليه ذلك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ٢٩٥):
«فصل: فإن بذل الغرماء الثمن لصاحب السلعة ليتركها، لم يلزمه قبوله.
نص عليه أحمد، وبه قال الشافعي، وقال مالك: ليس له الرجوع؛ لأنَّ الرجوع إنَّما يجوز لدفع ما يلحقه من النقص في الثمن، فإذا بذل بكماله، لم يكن له الرجوع، كما لو زال العيب من المعيب.
ولنا، الخبر الذي رويناه، ولأنَّه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه، فلم يجبر صاحب الحق على قبضه، كما لو أعسر الزوج بالنفقة، فبذلها غيره، أو عجز المكاتب، فبذل غيره ما عليه لسيده، وبهذا ينتقض ما ذكروه، وسواء بذلوه من أموالهم أو خصوه بثمنه من التركة، وفي هذا القسم ضرر آخر؛ لأنَّه لا يأمن تجدد ثبوت دين آخر، فيرجع عليه، وإن دفعوا إلى المفلس الثمن، فبذله للبائع، لم يكن له الفسخ؛ لأنَّه زال العجز عن تسليم الثمن، فزال ملك الفسخ، كما لو أسقط سائر الغرماء حقوقهم عنه، فملك أداء الثمن.
стр. 5044
ولو أسقط الغرماء حقوقهم عنه، فتمكن من الأداء، أو وهب له مال.
فأمكنه الأداء منه، أو غلت أعيان ماله، فصارت قيمتها وافية بحقوق الغرماء، بحيث يمكنه أداء الثمن كله، لم يكن للبائع الفسخ؛ لزوال سببه، ولأنَّه أمكنه الوصول إلى ثمن سلعته من المشتري، فلم يكن له الفسخ، كما لو لم يفلس» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٥/ ٢٢٣):
«الثالثة: إذا كملت الشروط فله أخذه من غير حكم حاكم على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب لتعينها كوديعة وسواء زادت قيمتها أو نقصت ولو بذل الغرماء ثمنها كله وهو يساوي المبيع أو دونه أو فوقه» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مُوْسَى الْحَجَّاوِيُّ ﵀ فِي [الْإِقْنَاعِ] (٢/ ٢١٢):
«فإن بذل الغرماء لصاحب السلعة الثمن من أموالهم أو خصوه به من مال المفلس ليتركها أو قال المفلس: أنا أبيعها وأعطيك ثمنها لم يلزمه قبوله وإن دفعوا إلى المفلس الثمن فبذله له لم يكن له الفسخ» اهـ.
قُلْتُ: والحجة في ذلك حديث الباب، وبناءً على ذلك إذا كان عين المال عبارة عن أرض اشتريت من المفلس بعشرة آلاف وبعد الإفلاس ارتفعت إلى مائة مليون مثلاً وكانت ديون الغرماء مائة وعشرة ملايين فله أن يأخذ عين ماله، ولو قال له المفلس: أنا أبيعها وأعطيك دينك، أو طلب منه الغرماء تركها على أن يقضوه دينه فلا يلزمه تركها.
стр. 5045
لكن الحيلة في ذلك أن يدفع له الغرماء للمفلس مقدار دينه ليدفعه لبائع الأرض ثم تخلص الأرض لسداد دين بقية الغرماء.
* * *
следующие страницы →