← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

أَرُدُّ الْمُكَافَأَةَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الْمُكَافَأَةِ، فَلَوْ لَمْ يُكَافَأْ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَكَافَأَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ جَازَ وَلَا رُجُوعَ لِلْوَاهِبِ، لِوُصُولِ الثَّوَابِ إِلَيْهِ، وَلَا رُجُوعَ لِلْمُكَافِئِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِمَا أَثَابَ عَنْهُ وَكَافَأَ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ إِلَّا أَنْ يكافئ بِأَمْرِهِ فَيَرْجِعَ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يُكَافِئْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَنِ الْهِبَةِ حَتَّى تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَفِي وُجُوبِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ وَيُثِيبَ فِي الْحَالِ الَّتِي إِنْ رَدَّ وَلَمْ يُثِبْ فَعَلَى هَذَا تتلف غير مضمونة عليه. والقول الثَّانِي: أَنَّ الثَّوَابَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالْعَقْدِ، فَإِنْ أَثَابَ وَإِلَّا ضَمِنَهَا بِالْقِيمَةِ لِتَلَفِهَا عَنْ بَدَلٍ فَائِتٍ» اهـ. قُلْتُ: الأظهر في هبة الثواب أنَّ له أن يرجع فيها إذا لم يحصل له مقصوده كما أفتى بذلك عمر بن الخطاب ﵁، وتعرف هبة الثواب بالقول أو القرينة الدالة على ذلك، والأظهر أنَّ الإثابة تكون بمقدار الهبة ولا يشترط الرضا لحديث الأعرابي فإنَّه لم يرض بالست البكرات وليس في الحديث أنَّه رد الهبة إليه بسبب عدم الرضا. ١٠ - ويستثنى من النهي من رد الهدية بعد قبولها ليأخذ غيرها فإنَّ للمهدي أن يأخذها، لما روى البخاري (٣٧٣)، ومسلم (١٢٣٨) عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ

стр. 5147

قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي». ١١ - ويدخل في عموم ذم العود في الهبة، عود المرأة عن هبتها ليومها لبعض ضراتها. قُلْتُ: المرأة إن وهبت يومها لبعض ضراتها فليس لها الرجوع في ذلك أي فيما مضى، وإن كان لها الرجوع في المستقبل. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٧٧): «ومتى رجعت الواهبة في ليلتها، فلها ذلك في المستقبل؛ لأنَّها هبة لم تقبض، وليس لها الرجوع فيما مضى؛ لأنَّه بمنزلة المقبوض» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٢/ ٤٨٦): «وإن وهبت ليلتها ثم رجعت لا يصح الرجوع فيما مضى لأنه هبة اتصل بها القبض ويصح في المستقبل لأنها هبه لم يتصل بها القبض» اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ ابْنُ الْحَصْكَفِيِّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَلَى تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ مَعَ حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِيْنَ] (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧): «(وَلَوْ تَرَكَتْ قِسْمَهَا) بِالْكَسْرِ: أَيْ نَوْبَتَهَا (لِضَرَّتِهَا) (صَحَّ، وَلَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ) فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّهُ مَا وَجَبَ فَمَا سَقَطَ» اهـ.

стр. 5148

قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الضِّيَاءِ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَالِكِي ﵀ فِي [مُخْتَصَرِهِ مَعَ شَرحِ الْخَرَشِيُّ] (٤/ ٦): «وَإِنْ وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا مِنْ ضَرَّةٍ لَهُ الْمَنْعُ لَا لَهَا وَتَخْتَصُّ بِخِلَافٍ مِنْهُ وَلَهَا الرُّجُوعُ» اهـ. ١٢ - ويدخل في عموم الحديث نهي المرأة أن ترجع في هبتها لزوجها. وهذه المسألة مما تنازع فيها العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٠٥): «اختلف العلماء في الزوجين يهب كل واحد منهما لصاحبه، فقال جمهور العلماء: ليس لواحد منهما أن يرجع فيما يعطيه للآخر، هذا قول عمر بن عبد العزيز، والنخعي، وعطاء، وربيعة، وبه قال مالك، والليث، والثوري، والكوفيون، والشافعي، وأبو ثور، وفيها قول آخر، وهو أنَّ لها أن ترجع فيما أعطته، وليس له أن يرجع فيما أعطاها، روى هذا عن شريح، والشعبي، والزهري. قال الزهري: ما رأيت القضاة إلَّا يقيلون المرأة فيما وهبت لزوجها، ولا يقيلون الرجل فيما وهب لامرأته. وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن سليمان الشيباني، قال: كتب عمر بن الخطاب أنَّ النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيَّما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت. والقول الأول أحسن لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، وروى عن علي ابن أبي طالب، أنَّه قال: إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة

стр. 5149

دراهم، ويشترى بها عسلاً، ويأخذ من ماء السماء فيتداوى به، فيجمع هنيئًا مريئًا وماء مباركًا، فلو كان لهن فيه رجوع لم يكن هنيئًا مريئًا» اهـ. قُلْتُ: أثر عمر رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٥٦٢)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١١٢٢) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ النِّسَاءَ يُعْطِينَ أَزْوَاجَهُنَّ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، فَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْطَتْ زَوْجَهَا شَيْئًا فَأَرَادَتْ أَنْ تَعْتَصِرَهُ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ بين محمد بن عبيد الله الثقفي، وعمر بن الخطاب ﵁. وأمَّا أثر علي بن أبي طالب، فرواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٤١٥٥) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُغِيرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا فَلْيَسْأَلِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ صَدَاقِهَا، فَلْيَشْتَرِ بِهَا عَسَلًا، فَيَشْرَبْهُ بِمَاءِ السَّمَاءِ، فَيَجْمَعُ اللَّهُ الْهَنِيءَ الْمَرِيءَ وَالْمَاءَ الْمُبَارَكَ وَالشِّفَاءَ». قُلْتُ: في إسناده يعفور لم يوثقه معتبر، فقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجلي، وقد علم تساهلهما في توثيق المجاهيل، ويبقى النظر هل سمع من علي أو لا. قُلْتُ: ولأحمد في هذه المسألة ثلاث روايات: الرواية الأولى: ليس لها الرجوع.

стр. 5150

والثانية: لها الرجوع. والثالثة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩): «وعن أحمد رواية أخرى ثالثة، نقلها أبو طالب، إذا وهبت له مهرها، فإن كان سألها ذلك، رده إليها، رضيت أو كرهت؛ لأنَّها لا تهب إلَّا مخافة غضبه، أو إضرار بها بأن يتزوج عليها. وإن لم يكن سألها، وتبرعت به، فهو جائز. فظاهر هذه الرواية، أنَّه متى كانت مع الهبة قرينة، من مسألته لها، أو غضبه عليها، أو ما يدل على خوفها منه، فله الرجوع؛ لأنَّ شاهد الحال يدل على أنَّها لم تطب بها نفسها، وإنَّما أباحه الله تعالى عند طيب نفسها، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]» اهـ. ١٣ - واحتج بقوله: «كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». على عدم تحريم عود الواهب في هبته؛ لأنَّ الكلب غير متعبد فالقيء ليس حراماً عليه. وهذا مذهب الحنفية. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٣٥): «وتعقب باستبعاد ما تأوله ومنافرة سياق الأحاديث له، وبأنَّ عرف الشرع في مثل هذه الأشياء يريد به المبالغة في الزجر» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٢٥٨):

стр. 5151

«ولهذا يذكر: أنَّ الشافعي وأحمد تناظرا في هذه المسألة فقال له الشافعي: الكلب ليس بمكلف. فقال له أحمد: ليس لنا مثل السوء. وهذه الحجة في نفس الحديث؛ فإنَّ النبي ﷺ لم يذكر هذا المثل إلَّا ليبين أن الإنسان إذا شابه الكلب كان مذموماً وإن لم يكن الكلب مذموماً في ذلك من جهة التكليف؛ ولهذا ليس لنا مثل السوء. والله سبحانه قد بين بقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾، أنَّ التمثيل بالكلب مثل سوء والمؤمن منزه عن مثل السوء. فإذا كان له مثل سوء من الكلب كان مذموماً بقدر ذلك المثل السوء» اهـ. قُلْتُ: الحديث الذي أشار إليه شيخ الإسلام هو ما رواه البخاري (٢٦٢٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ». ورواه أيضاً (٦٩٧٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ». ١٤ - وفيه أنَّ الحمل في سبيل الله تمليك لمن حمله فيجوز له بيعه وهبته. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ١٥٧): «وفيه: أنَّه من حمل على فرس في سبيل الله وغزا به فله أن يفعل به بعد ذلك ما يفعل في سائر ماله، ألا ترى أنَّ رسول الله لم ينكر على بائعه بيعه، وإنَّما أنكر على عمر شراءه» اهـ.

стр. 5152

١٥ - وفيه النهي عن التشبه بالحيوان. قُلْتُ: وقد دلت الأدلة المتكاثرة على النهي عن التشبه بالحيوان منها: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧]. الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. الدليل الثالث: قول الله تعالى: قول الله تعالى ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١]. الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].

стр. 5153

الدليل الخامس: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. الدليل السادس: قول الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]. الدليل السابع: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]. قُلْتُ: والشاهد من هذه الآيات أنَّ الله شبه الكافرين بالأنعام في موضع الذم، فدل ذلك على ذم التشبه بالأنعام. وبيَّن في آية لقمان أنَّ رفع الصوت بالصياح من التشبه بالحمير، وأنَّ ذلك من أنكر الأصوات، وهذا يقتضي ذم التشبه بالحمير في أصواتها. الدليل الثامن: ما رواه أحمد (١٥٥٧١، ١٥٧٠٥)، وأبو داود (٨٦٢)، والنسائي (١١١٢)، وابن ماجة (١٤٢٩) مِنْ طَرِيْقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ تَمِيمِ بْنِ مَحْمُودٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «يَنْهَى عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَعَنْ افْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوطِنَ الرَّجُلُ الْمَقَامَ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرُ».

стр. 5154

قُلْتُ: تميم في حديثه لين. ويشهد له ما رواه أحمد (٢٣٨٠٩) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَعَنْ فَرْشَةِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوطِنَ الرَّجُلُ مَقَامَهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرُ». قُلْتُ: عبد الحميد بن سلمة مجهول، والحديث حسن بهذين الطريقين. الدليل التاسع: ما رواه البخاري (٨٢٢)، ومسلم (٤٩٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كَالكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ». الدليل العاشر: ما رواه أحمد (٨٠٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: «أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ بشواهده. وأمَّا النهي عن بروك كبروك الإبل فلا يثبت. قُلْتُ: وأمَّا ما روى البزار (٢٩٣) عَنْ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا عَلَى عَاتِقَيِّ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: نِعْمَ الْفَرَسُ تَحْتَكُمَا قَالَ: «وَنِعْمَ الْفَارِسَانِ هُمَا». فلا يثبت في ذلك عن النبي ﷺ شيء، وقد

стр. 5155

تكلم على ذلك بتوسع فأفاد وأجاد الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [الضَّعِيْفَةِ] (٦٥٩٤)، وكان مما قاله: «ضعيف جداً. روي عن عمر، وسلمان، وأبي جعفر الباقر مرسلاً، ﵃ جميعاً، والأسانيد عنهم واهية» اهـ. قُلْتُ: وجاء من حديث جابر، وقد أورده الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [الضَّعِيْفَةِ] (٢٦٦١) وقال: «منكر جداً بهذا السياق» اهـ. قُلْتُ: وأحسن ما في الباب ما رواه الترمذي (٣٧٨٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَامِلَ الْحُسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: نِعْمَ المَرْكَبُ رَكِبْتَ يَا غُلَامُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَنِعْمَ الرَّاكِبُ هُوَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ من أجل زمعة بن صالح، وليس فيه التشبه بالحيوان، فإنَّ حمل الأطفال على العواتق ليس من التشبه بالحيوان في شيء. وِلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ مبحث نفيس حول التشبه بالحيوان قال فيه كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٢٥٦ - ٢٦٠):

стр. 5156

«فَصْلٌ: التَّشَبُّهُ بِالْبَهَائِمِ فِي الْأُمُورِ الْمَذْمُومَةِ فِي الشَّرْعِ مَذْمُومٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ: فِي أَصْوَاتِهَا وَأَفْعَالِهَا؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِثْلُ: أَنْ يَنْبَحَ نَبِيحَ الْكِلَابِ؛ أَوْ يَنْهَقَ نَهِيقَ الْحَمِيرِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَذَلِكَ لِوُجُوهِ: أَحَدُهَا: أَنَّا قَرَّرْنَا فِي "اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ" نَهْيَ الشَّارِعِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ جِنْسُهُمْ نَاقِصٌ كَالتَّشَبُّهِ؛ بِالْأَعْرَابِ وَبِالْأَعَاجِمِ وَبِأَهْلِ الْكِتَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فِي أُمُورٍ مِنْ خَصَائِصِهِمْ وَبَيَّنَّا أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ. أَنَّ الْمُشَابِهَةَ تُورِثُ مُشَابَهَةَ الْأَخْلَاقِ؛ وَذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ أَكْثَرَ عِشْرَةَ بَعْضِ الدَّوَابِّ اكْتَسَبَ مِنْ أَخْلَاقِهَا: كَالْكَلَّابِينَ وَالْجَمَّالِينَ. وَذَكَرْنَا مَا فِي النُّصُوصِ مِنْ ذَمِّ أَهْلِ الْجَفَاءِ وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ: أَهْلَ الْإِبِلِ وَمِنْ مَدْحِ أَهْلِ الْغَنَمِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ التَّشَبُّهُ بِنَفْسِ الْبَهَائِمِ فِيمَا هِيَ مَذْمُومَةٌ بَلْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ النَّهْيَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْبَهَائِمِ مُطْلَقًا فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلَى فِعْلِ مَا هُوَ مَذْمُومٌ بِعَيْنِهِ؛ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كَوْنَ الشَّخْصِ أَعْرَابِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا خَيْرٌ مِنْ كَوْنِهِ كَلْبًا أَوْ حِمَارًا أَوْ خِنْزِيرًا فَإِذَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهَذَا الصِّنْفِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فِي خَصَائِصِهِ؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ تَشَبُّهًا فِيمَا يَسْتَلْزِمُ النَّقْصَ وَيَدْعُو إلَيْهِ: فَالتَّشَبُّهُ بِالْبَهَائِمِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا وَمَنْهِيًّا عَنْهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ مِثْلَ الْبَهَائِمِ مَذْمُومٌ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ

стр. 5157

كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا شَبَّهَ الْإِنْسَانَ بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ وَنَحْوِهِمَا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ () سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الْآيَةَ. وَإِذَا كَانَ التَّشَبُّهُ بِهَا إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ الْمَذْمُومُ التَّشَبُّهَ بِهَا: فَالْقَاصِدُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا؛ لَكِنْ إنْ كَانَ تَشَبَّهَ بِهَا فِي عَيْنِ مَا ذَمَّهُ الشَّارِعُ: صَارَ مَذْمُومًا مِنْ وَجْهَيْنِ. وَإِنْ كَانَ فِيمَا لَمْ يَذُمُّهُ بِعَيْنِهِ: صَارَ مَذْمُومًا مِنْ جِهَةِ التَّشَبُّهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمَذْمُومِ بِعَيْنِهِ. يُؤَيِّدُ هَذَا: الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الصَّحِيحِ: "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ؛ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ". وَلِهَذَا يُذْكَرُ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَد تَنَاظَرَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: الْكَلْبُ لَيْسَ بِمُكَلَّفِ. فَقَالَ لَهُ أَحْمَد: لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْمَثَلَ إلَّا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا شَابَهَ الْكَلْبَ كَانَ مَذْمُومًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكَلْبُ مَذْمُومًا فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ التَّكْلِيفِ؛ وَلِهَذَا لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ

стр. 5158

بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ أَنَّ التَّمْثِيلَ بِالْكَلْبِ مَثَلُ سَوْءٍ وَالْمُؤْمِنُ مُنَزَّهٌ عَنْ مَثَلِ السَّوْءِ. فَإِذَا كَانَ لَهُ مَثَلُ سَوْءٍ مِنْ الْكَلْبِ كَانَ مَذْمُومًا بِقَدْرِ ذَلِكَ الْمَثَلِ السَّوْءِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ" وَقَالَ: "إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مَنْ فَضْلِهِ وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا" فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَصْوَاتَهَا مُقَارِنَةٌ لِلشَّيَاطِينِ وَأَنَّهَا مُنَفِّرَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشَابِهَ لِلشَّيْءِ لَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ مِنْ أَحْكَامِهِ بِقَدْرِ الْمُشَابَهَةِ فَإِذَا نَبَحَ نِبَاحَهَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ مُقَارَنَةِ الشَّيَاطِينِ وَتَنْفِيرُ الْمَلَائِكَةِ بِحَسَبِهِ. وَمَا يَسْتَدْعِي الشَّيَاطِينَ وَيُنَفِّرُ الْمَلَائِكَةَ: لَا يُبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُبَحْ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ إلَّا لِضَرُورَةِ؛ لِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ: كَالصَّيْدِ. أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْ الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ حَتَّى قَالَ ﷺ : "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ". وَبِالْجُمْلَةِ: فَالتَّشَبُّهُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي مِنْ الْحَمْدِ وَالذَّمِّ بِحَسَبِ الشَّبَهِ؛ لَكِنَّ كَوْنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ لَا يَنْفِي التَّكْلِيفَ عَنْ الْمُتَشَبِّهِ كَمَا لَوْ تَشَبَّهَ بِالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِين. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ والمتشبهات مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَجَعَلَ صَلَاحَهُ وَكَمَالَهُ فِي أَمْرٍ مُشْتَرِكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَبَيْنَ أَمْرٍ مُخْتَصٍّ بِهِ. فَأَمَّا الْأُمُورُ

стр. 5159

الْمُشْتَرِكَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَوَاقِعِ النَّهْيِ؛ وَإِنَّمَا مَوَاقِعُ النَّهْيِ الْأُمُورُ الْمُخْتَصَّةُ. فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُورُ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِ النِّسَاءِ لَيْسَ لِلرِّجَالِ التَّشَبُّهُ بِهِنَّ فِيهَا وَالْأُمُورُ الَّتِي مِنْ خَصَائِصِ الرِّجَالِ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ فِيهَا: فَالْأُمُورُ الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِ الْبَهَائِم لَا يَجُوزُ لِلْآدَمِيِّ التَّشَبُّهُ بِالْبَهَائِمِ فِيهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيَوَانِ قَدْرٌ جَامِعٌ مُشْتَرِكٌ وَقَدْرٌ فَارِقٌ مُخْتَصٌّ ثُمَّ الْأَمْرُ الْمُشْتَرِكُ: كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنِّكَاحِ وَالْأَصْوَاتِ وَالْحَرَكَاتِ؛ لَمَّا اقْتَرَنَتْ بِالْوَصْفِ الْمُخْتَصِّ كَانَ لِلْإِنْسَانِ فِيهَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهُ؛ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِمَا يَفْعَلُهُ الْحَيَوَانُ فِيهَا. فَالْأُمُورُ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ أَوْلَى؛ مَعَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا مُشْتَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا؛ وَلَكِنْ فِيهِ أَوْصَافٌ تُشْبِهُ أَوْصَافَهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ. وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرِكُ إنَّمَا وُجُودُهُ فِي الذِّهْنِ؛ لَا فِي الْخَارِجِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ الْإِنْسَانَ مُخَالِفًا بِالْحَقِيقَةِ لِلْحَيَوَانِ وَجَعَلَ كَمَالِهِ وَصَلَاحَهُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تُنَاسِبُهُ وَهِيَ جَمِيعُهَا لَا يُمَاثِلُ فَهَا الْحَيَوَانَ؛ فَإِذَا تَعَمَّدَ مُمَاثَلَةَ الْحَيَوَانِ وَتَغْيِيرَ خَلْقِ اللَّهِ: فَقَدْ دَخَلَ فِي فَسَادِ الْفِطْرَةِ وَالشِّرْعَةِ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. ١٥ - وفيه سؤال المرء عمَّا يجهل. ١٦ - قَالَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٥/ ٢٢):

стр. 5160

«استدل بقوله في رواية الشيخين: "وإن أعطاكه بدرهم". على أنَّه يجوز لصاحب السلعة أن يبيعها بغبن فاحش ولا رجوع له في ذلك وبهذا قال جمهور العلماء. وقال البغداديون من المالكية متى انتهى الغبن للثلث فله الرجوع في البيع، وجعلوا قوله في هذا الحديث: "وإن أعطاكه بدرهم". ضرب مثل لا حقيقة، وقال الجمهور لا مانع من الحقيقة فلا يعدل عنها بغير دليل والله أعلم» اهـ. ١٧ - واحتج به على جواز وقف الحيوان، وهذا الاحتجاج إنَّما يستقيم إذا جعلنا عمر أوقف فرسه، ولم يتصدق به، وقد سبق الكلام في هذا. قُلْتُ: وقد أجاز وقف الحيوان الشافعي، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنهما، ومنعا من ذلك في الرواية الأخرى، وهو مذهب أبي يوسف. ومما يدل على جواز وقف الحيوان، وغيره من المنقولات، ما رواه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « … وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٨/ ١٣٣): «و"الأعتاد": جمع عتد، وكذلك الأعتد في غير هذه الرواية، وكلاهما جمع قلة، وهو الفرس الصلب. وقيل: هو المعد للركوب. وقيل: السريع الوثب» اهـ. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه أحمد (٢٧٣٢٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَحَجَّاجٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ

стр. 5161

قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى أُمِّ مَعْقِلٍ الْأَسَدِيَّةِ يَسْأَلُهَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَتْهُ، أَنَّ زَوْجَهَا جَعَلَ بَكْرًا لَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنَّهَا أَرَادَتِ الْعُمْرَةَ، فَسَأَلَتْ زَوْجَهَا الْبَكْرَ فَأَبَى، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ»، وَقَالَ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً، أَوْ تُجْزِئُ حَجَّةً»، وَقَالَ حَجَّاجٌ: «تَعْدِلُ بِحَجَّةٍ أَوْ تُجْزِئُ بِحَجَّةٍ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. والحديث فيه اختلاف، وقد سبق ذكر الحديث عند شرح حديث ابن عباس أول أحاديث كتاب الزكاة. ١٨ - وفيه النهي عن العود بالقيء. * * *

стр. 5162

٢٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - تحريم العود في الهبة. ٢ - وهل يدخل في عمومة الرجوع بهدايا الخطبة عند فسخها أولا؟ محل نزاع بين العلماء. فذهب الشافعية إلى أنَّها هبة ويشرع العود فيها لأنَّها هبة مشروطة بتمام الخطبة وحصول النكاح، فإذا لم يحصل ذلك شرع الرجوع فيها. وذهبت الحنفية إلى استرداد ما كان قائماً دون الهالك والمستهلك. وذهب بعض المالكية إلى عدم الرجوع، وذهب بعضهم إلى الرجوع بالشطر. وذهبت الحنابلة إلى أنَّ الفسخ إن كان من قبل الخاطب فلا يرجع بشيء. وإذا كان من جهة المخطوبة، فللخاطب أن يسترد الهدايا، سواء أكانت قائمة أم هالكة، فإن هلكت أو استهلكت وجبت قيمتها، لأنَّه وهب بشرط بقاء العقد، فإن زال العقد، فله الرجوع، وهذا أصح المذاهب. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٣٢٥):

стр. 5163

«وَلَيْسَتْ هَدِيَّتُهُ مِنْ الْمَهْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ وَقَدْ وَعَدَ بِهِ فَزَوَّجُوا غَيْرَهُ رَجَعَ، قَالَهُ شَيْخُنَا، وَقَالَ: مَا قُبِضَ بِسَبَبِ نِكَاحٍ فَكَمَهْرٍ» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [قَوَاعِدِهِ] (ص: ٣٢٢): «وَمِنْهَا: مَاحَكَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَوْلَى يَتَزَوَّجُ الْعَرَبِيَّةَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهَا بَعْضَ الْمَهْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا يَرُدُّوهُ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى هَدِيَّةً يَرُدُّونَهَا عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ; لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَهَبَ لَهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ فَإِذَا زَالَ مَلَكَ الرُّجُوعَ بِهَا كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ انْتَهَى» اهـ. وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ يُونُسَ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ] (٣/ ٢٤): «(فَمَا) أَهْدَاهُ زَوْجٌ (قَبْلَ عَقْدٍ إنْ وَعَدُوهُ) بِأَنْ يُزَوِّجُوهُ (وَلَمْ يَفُوا) بِأَنْ يُزَوِّجُوهَا غَيْرَهُ (رَجَعَ بِهَا) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَإِنْ كَانَ الْإِعْرَاضُ مِنْهُ أَوْ مَاتَتْ فَلَا رُجُوعَ لَهُ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْمَنْثُورِ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ] (٣/ ٢٩٦) «وَمِنْهَا: إذَا خَطَبَ امْرَأَةً فَأَجَابَتْهُ فَحَمَلَ إلَيْهِمْ هَدِيَّةً ثُمَّ لَمْ تَنْكِحْهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا سَاقَهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَّا بِنَاءً عَلَى إنْكَاحِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّدَاقِ، قَالَ: وَلَا فَرْقَ فِي الرُّجُوعِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُهْدَى مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ» اهـ.

стр. 5164

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ الْشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ] (٧/ ٤٢١ - ٤٢٢): «"فَرْعٌ" خَطَبَ امْرَأَةً ثُمَّ أَرْسَلَ أَوْ دَفَعَ بِلَا لَفْظِ إلَيْهَا مَالًا قَبْلَ الْعَقْدِ أَيْ وَلَمْ يَقْصِدْ التَّبَرُّعَ ثُمَّ وَقَعَ الْإِعْرَاضُ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ رَجَعَ بِمَا وَصَلَهَا مِنْهُ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْبَغَوِيّ وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَنَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الرَّافِعِيِّ أَيْ اقْتِضَاءً يَقْرُبُ مِنْ الصَّرِيحِ وَعِبَارَةُ قَوَاعِدِهِ خَطَبَ امْرَأَةً فَأَجَابَتْهُ فَحَمَلَ إلَيْهِمْ هَدِيَّةً ثُمَّ لَمْ يَنْكِحْهَا رَجَعَ بِمَا سَاقَهُ إلَيْهَا لِأَنَّهُ سَاقَهُ بِنَاءً عَلَى إنْكَاحِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّدَاقِ» اهـ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ الْشَّافِعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْجَمَلِ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ] (٤/ ١٢٩): «(فَرْعٌ) سُئِلَ - أي الشهاب الرملي الشافعي- عَمَّنْ خَطَبَ امْرَأَةً ثُمَّ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةً لِيَتَزَوَّجَهَا فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَهُ أَوْ لَا. فَأَجَابَ: بِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى مَنْ دَفَعَهُ لَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ مَأْكَلًا أَمْ مَشْرَبًا أَمْ مَلْبَسًا أَمْ حَلْوَى أَمْ حُلِيًّا وَسَوَاءٌ رَجَعَ هُوَ أَمْ مُجِيبُهُ أَمْ مَاتَ أَحَدُهُمَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَهُ لِأَجْلِ تَزَوُّجِهَا فَيَرْجِعُ بِهِ إنْ بَقِيَ وَبِبَدَلِهِ إنْ تَلِفَ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّعَرُّضِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ الْهَدِيَّةَ لَا لِأَجْلِ تَزَوُّجِهِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذْ لَوْ قَصَدَ ذَلِكَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي عَدَمِ الرُّجُوعِ اهـ. فَتَاوَى م ر الْكَبِيرِ وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ.

стр. 5165

"فَرْعٌ" دَفَعَ الْخَاطِبُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ وَلِيِّهِ شَيْئًا مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ أَوْ نَقْدٍ أَوْ مَلْبُوسٍ لِمَخْطُوبَتِهِ أَوْ وَلِيِّهَا ثُمَّ حَصَلَ إعْرَاضٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مَوْتٌ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا رَجَعَ الدَّافِعُ أَوْ وَارِثُهُ بِجَمِيعِ مَا دَفَعَهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ مَاتَ إلَّا إنْ مَاتَتْ هِيَ وَلَا رُجُوعَ بَعْدَ الدُّخُولِ مُطْلَقًا» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَرَشِيُّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيْلٍ] (٣/ ١٧١): «فَإِنْ أَنْفَقَ أَوْ أَهْدَى ثُمَّ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ وَمِثْلُهُ لَوْ أَهْدَى أَوْ أَنْفَقَ لِمَخْطُوبَةٍ غَيْرِ مُعْتَدَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ» اهـ. وَقَالَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الدَّرْدِيرِ الْعَدَوِيِّ الْمَالِكِي ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِأَقْرَبَ الْمَسَالِكِ] (٢/ ٤٥٥): «وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ مِنْ نَحْوِ فَوَاكِهَ وَحَلْوَى وَسُكَّرٍ وَبُنٍّ وَخِمَارٍ وَعِمَامَةٍ، فَإِنْ وَقَعَتْ حَالَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ تَشَطَّرَتْ، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا كَأُمِّهَا وَأُخْتِهَا وَخَالِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ الْخَاتَمُ الَّذِي يُرْسِلُهُ لَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ وَبَعْدَ الْخِطْبَةِ، وَسَوَاءٌ اشْتَرَطَتْ أَوْ لَمْ تَشْتَرِطْ» اهـ. فَقَالَ ابْنُ عَابِدِيْنَ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ] (٣/ ١٥٣): «(خَطَبَ بِنْتَ رَجُلٍ وَبَعَثَ إلَيْهَا أَشْيَاءَ وَلَمْ يُزَوِّجْهَا أَبُوهَا فَمَا بَعَثَ لِلْمَهْرِ يُسْتَرَدُّ عَيْنُهُ قَائِمًا) فَقَطْ وَإِنْ تَغَيَّرَ بِالِاسْتِعْمَالِ (أَوْ قِيمَتُهُ هَالِكًا) لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَلَمْ تَتِمَّ فَجَازَ

стр. 5166

الِاسْتِرْدَادُ (وَكَذَا) يَسْتَرِدُّ (مَا بَعَثَ هَدِيَّةً وَهُوَ قَائِمٌ دُونَ الْهَالِكِ وَالْمُسْتَهْلَكَ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْهِبَةِ» اهـ. وَقَالَ الْأَمِيْرُ الصَّنْعَانِيُّ ﵀ فِي [سُبُلِ السَّلَامِ] (٢/ ٢٢٠): «وَأَمَّا مَا يُعْطِي الزَّوْجُ فِي الْعُرْفِ مِمَّا هُوَ لِلْإِتْلَافِ كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ شُرِطَ فِي الْعَقْدِ كَانَ مَهْرًا، وَمَا سُلِّمَ قَبْلَ الْعَقْدِ كَانَ إبَاحَةً فَيَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ مَعَ بَقَائِهِ إذَا كَانَ فِي الْعَادَةِ يُسَلَّمُ لِلتَّلَفِ، وَإِنْ كَانَ يُسَلَّمُ لِلْبَقَاءِ رَجَعَ فِي قِيمَتِهِ بَعْدَ تَلَفِهِ إلَّا أَنْ يَتَمَنَّعُوا مِنْ تَزْوِيجِهِ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ فِي الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا. وَإِذَا مَاتَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ امْتَنَعَ هُوَ مِنْ التَّزْوِيجِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا سَلَّمَ لِلْبَقَاءِ، وَفِيمَا تَلِفَ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي يُعْتَادُ التَّلَفُ فِيهِ لَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ» اهـ. ٣ - يشمل النهي عن الرجوع في الهبة من وهب لذي رحم محرم ولغيرهم. وخالفت الحنفية في ذلك وقيدت النهي بذي الرحم محرم. وقد روى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٢٦٧١) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «أَنَّ الْمُسْلِمَ يَنْكِحُ النَّصْرَانِيَّةَ، وَأَنَّ النَّصْرَانِيَّ لَا يَنْكِحُ الْمُسْلِمَةَ، وَيَتَزَوَّجُ الْمُهَاجِرُ الْأَعْرَابِيَّةَ، وَلَا يَتَزَوَّجُ الْأَعْرَابِيُّ الْمُهَاجِرَةَ لِيُخْرِجَهَا مِنْ دَارِ هِجْرَتِهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ جَازَتْ هِبَتُهُ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ فَلَمْ يُثِبْهُ مِنْ هِبَتِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا». قُلْتُ: يزيد بن أبي زياد ضعيف الحديث.

стр. 5167

وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٥٢٨) عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ يَقْبِضُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا أَوْ يُسْتَهْلَكُ أَوْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا». قُلْتُ: الحجاج هو ابن أرطأة ضعيف الحديث، والحكم هو ابن عتيبة، وهذا الحديث وهم والصحيح ما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٥٢٥) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يُثَابَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١٧٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ فَهِيَ جَائِزَةٌ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يَثِبْ مِنْهَا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٨٢١) من طريق الأعمش به. وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢١٧٠٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يُثِبْهُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

стр. 5168

وجميع هذا محمول على الهبة التي يريد صاحبها الثواب. ويدل عليه ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٤٤٠) عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يُرْضَ مِنْهَا». قُلْتْ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ وقد سبق في شرح الحديث قبله. وقد مضى الكلام في أحكامه في شرح الحديث السابق. ٤ - وهل يشمل العود في الهبة قبل قبضها أو لا؟. ويدل على ذلك ما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٤٠) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: "وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ. وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ، وَأُخْتَاكِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ". قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ، فَمَنِ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ، أُرَاهَا جَارِيَةً"». قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٧/ ٢٣١ - ٢٣٢):

стр. 5169

«اتَّفَقَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْحِيَازَةِ لَهَا. وَمَعْنَى الْحِيَازَةِ الْقَبْضُ بِمَا يَقْبِضُ بِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْهِبَةِ. إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي هِبَةِ الْمَشَاعِ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْهِبَةُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا أَصِفُهُ لَكَ تَصِحُّ بِالْقَوْلِ مِنَ الْوَاهِبِ وَالْقَبُولِ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ تَتِمُّ بِالْقَبْضِ وَالْحِيَازَةِ وَمَا دَامَ الْوَاهِبُ حَيًّا فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا الْوَاهِبَ حَتَّى يَقْبِضَهَا فَإِنْ قَبَضَهَا تَمَّتْ لَهُ وَصَارَتْ مِلْكًا مِنْ مِلْكِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى يَمُوتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتِ الْهِبَةُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهَا حِينَ وَهَبَهَا وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ مَنْزِلَةَ مَنْ أَرَادَ إِخْرَاجَ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لِوَارِثٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثٍ وَكَانَتْ فِي يَدِهِ طُولَ حَيَاتِهِ فَلَمْ يَرْضَ بِهَا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ هَذَا حُكْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِذَا مَاتَ الْوَاهِبُ فَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَهُ كَانَ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَهُ أَنْ يَقُومُوا مَقَامَهُ بِالْمُطَالَبَةِ لَهَا حَتَّى يُسَلِّمَ إِلَيْهِمُ الْوَاهِبُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمُ: الْهِبَةُ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَتَسْلِيمٍ مِنَ الْوَاهِبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَهِيَ بَاطِلٌ وليس الموهوب بِهِ أَنْ يُطَالِبَ الْوَاهِبَ بِتَسْلِيمِهَا لِأَنَّهَا مَا لَمْ تُقْبَضْ عِدَةً وَعَدَهُ بِهَا فَإِنْ وَفَّى حُمِدَ وَإِنْ لَمْ يُوفِ بِمَا وَعَدَ وَلَمْ يوهب بما سلم لم يقض عليه بشيء. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ.

стр. 5170

وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ وَجْهٍ لَا يَحْتَجُّ بِهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ ﵀ اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلَيٍّ ﵃ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا مَقْبُوضَةً. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّ الْهِبَةَ إِذَا كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُوزَنُ لَمْ يَصَحَّ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِالْقَبْضِ وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ فَالْهِبَةُ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَضْ وَذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي هِبَةِ الْمُشَاعِ وَكَيْفَ الْقَبْضُ فِيهَا: فَقَالَ مَالِكٌ: هِبَةُ الْمُشَاعِ جَائِزَةٌ وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِقَبْضِ الْجَمِيعِ وَتَصِحُّ لِلشَّرِيكِ فِي الْمُشَاعِ إِذَا تَخَلَّ الْوَاهِبُ عَنْهَا وَأَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ وَانْفَرَدَ الشَّرِيكُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: تَصِحُّ الْهِبَةُ فِي الْمُشَاعِ وَالْقَبْضُ فِيهَا كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ سَوَاءٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: الْهِبَةُ لِلْمُشَاعِ بَاطِلٌ وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مَقْبُوضَةً مَعْلُومَةً مُفْرَدَةً كَمَا يَصِحُّ الرَّهْنُ عِنْدَهُمْ فَيُفْرَدُ الْمُرْتَهَنُ وَكَذَلِكَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَيَقْبِضُهُ وَلَا شَرِكَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤١): «إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ لَا تَلْزَمُ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ إلَّا بِالْقَبْضِ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ؛ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يَلْزَمُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ

стр. 5171

السَّلَامُ -: "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ، كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ". وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، كَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ وَرُبَّمَا قَالُوا: تَبَرُّعٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ، كَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ. وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ يَنْقُلُ الْمِلْكَ، فَلَمْ يَقِفْ لُزُومُهُ عَلَى الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ. وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ فَإِنَّ مَا قُلْنَاهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ» اهـ. وَقَالَ ﵀ (٦/ ٤٢): «فَصْلٌ: وَالْوَاهِبُ بِالْخِيَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ، إنْ شَاءَ أَقْبَضَهَا وَأَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهَا وَمَنَعَهَا. وَلَا يَصِحُّ قَبْضُهَا إلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ تَتِمَّ الْهِبَةُ، وَلَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا قَبَضَهَا فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ قَامَتْ مَقَامَ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ، لِكَوْنِهَا دَالَّةً عَلَى رِضَاهُ بِالتَّمْلِيكِ الَّذِي لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ. وَلَنَا أَنَّهُ قَبَضَ الْهِبَةَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَاهِبِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا بَعْدَ الْمَجْلِسِ، أَوْ كَمَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ قَبْضِهَا، وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الْوَاهِبِ. فَلَا يَصِحُّ التَّسْلِيمُ إلَّا بِإِذْنِهِ، كَمَا لَوْ أَخَذَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ تَسْلِيمِ ثَمَنِهِ. وَلَا يَصِحُّ جَعْلُ الْهِبَةِ إذْنًا فِي الْقَبْضِ، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَ الْمَجْلِسِ. وَلَوْ أَذِنَ الْوَاهِبُ فِي الْقَبْضِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ، أَوْ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ، صَحَّ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقَبْضٍ وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْقَبْضِ، لَمْ يَنْفَعْ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمَّتْ» اهـ.

стр. 5172

* * * ٢٨١ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ. فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُشْهِدَ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ"؟ قَالَ: لا. قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلادِكُمْ، فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ"». وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «فَلا تُشْهِدْنِي إذاً. فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ». وَفِي لَفْظٍ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي». وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - الإشهاد على العطية. ٢ - أنَّ العطية داخلة في مسمى الصدقة. ٣ - وجوب العدل بين الأولاد في العطية وإلى هذا ذهب مجاهد، وطاووس، وعروة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، والبخاري. وهذا هو القول الصحيح. والله أعلم. وذهب الجمهور إلى أنَّ العدل مستحب.

стр. 5173

ومما يدل على وجوب العدل بين الأولاد في العطية أنَّ ترك ذلك من أسباب العقوق، وقطيعة الرحم بأن يبغض الأخ أخاه من أجل ذلك، وما كان سبباً إلى ترك واجب من الواجبات، أو الوقوع في محرم من المحرمات فتركه واجب. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٤٢٩): «بل ينهى عن التفضيل بين الأولاد وينبغي أن يعدل بينهم باتفاق المسلمين؛ وإن كان قد تقدم ما ذكر من الإقرار والعدل بينهم واجب في أصح قولي العلماء» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَي الْمَصْرِيَّةِ] (١/ ٣٨٢): «ولا يجوز للولد الذي فُضل أخذ الفضل، بل عليه أن يرد ذلك في حياة الظالم الجائر، أو بعد موته كما يرد في حياته في أصح قولي العلماء» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٠٦): «وفي لفظ في الصحيح "أكل ولدك نحلته مثل هذا"؟ قال لا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فأرجعه". وفي لفظ قال "فرده". وفي لفظ آخر قال فيه: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". فرجع أبي في تلك الصدقة. وفي لفظ لهما "فلا تشهدني إذن، فإنِّي لا أشهد على جور". وفي آخر "فلا تشهدني على جور". وفي آخر "فأشهد على هذا غيري". وفي آخر "أيسرك أن يكون بنوك في البر سواء"؟ قال: بلى قال: "فلا إذن". وفي لفظ آخر "أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته"؟. قال لا. قال: "فليس يصلح هذا. وإنِّي لا أشهد إلَّا على حق". وكل هذه الألفاظ في الصحيح

стр. 5174

وغالبها في صحيح مسلم. وعند البخاري منها: "لا تشهدني على جور". وقوله: "لا أشهد على جور". والأمر برده. وفي لفظ "سو بينهم". وفي لفظ "هذا جور، أشهد على هذا غيري". وهذا صريح في أنَّ قوله: "أشهد على هذا غيري". ليس إذناً، بل هو تهديد لتسميته إياه جوراً. وهذه كلها ألفاظ صحيحة صريحة في التحريم والبطلان من عشرة أوجه، تؤخذ من الحديث. ومنها قوله: "أشهد على هذا غيري" فإنَّ هذا ليس بإذن قطعاً. فإنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ لا يأذن في الجور، وفيما لا يصلح، وفي الباطل، فإنَّه قال: "إنِّي لا أشهد إلَّا على حق" فدل ذلك على أنَّ الذي فعله أبو النعمان لم يكن حقاً فهو باطل قطعاً. فقوله إذن: "أشهد على هذا غيري" حجة على التحريم كقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، وقوله ﷺ : "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" أي الشهادة على هذا ليست من شأني، ولا تنبغي لي. وإنَّما هي من شأن من يشهد على الجور والباطل، وما لا يصلح، وهذا في غاية الوضوح. وقد كتبت في هذه المسألة مصنفاً مفرداً استوفيت فيه أدلتها، وبينت من خالف هذا الحديث ونقضها عليهم، وبالله التوفيق» اهـ. قُلْتُ: وقد ذكر الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ حجج الفريقين، ثم رجح الوجوب، فقال فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤١): «وعند هذا الانفصال يتبيَّن للناظر: أنَّ القائل بالتحريم هو الذي صال. وأمَّا القول بالجواز فلم يظهر له وجه فيه يجاز» اهـ.

стр. 5175

قُلْتُ: واحتج من لم يوجب ذلك بما جاء في بعض ألفاظ الحديث: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي». رواه مسلم (١٦٢٣)، وقد سبق رد ابن القيم ﵀ على هذا الاستدلال. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٩٥): «وقول النبي ﷺ : "فأشهد على هذا غيري". ليس بأمر؛ لأنَّ أدنى أحوال الأمر الاستحباب والندب، ولا خلاف في كراهة هذا. وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده، مع أمره برده، وتسميته إياه جوراً، وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي ﷺ على التناقض والتضاد. ولو أمر النبي ﷺ بإشهاد غيره، لامتثل بشير أمره، ولم يرد، وإنَّما هذا تهديد له على هذا، فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه. والله أعلم» اهـ. وبما رواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٤٠) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: "وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ. وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ، وَأُخْتَاكِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ".

стр. 5176

قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ، فَمَنِ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ، أُرَاهَا جَارِيَةً"». قُلْتُ: وإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وقوله: «جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا». يعني ما يجد منه في كل صرام عشرون وسقاً. فالجادّ: بمعنى المجْدُود. قُلْتُ: والجواب عن ذلك بأنَّ أبا بكر ﵁ لعله خصها بهذه العطية لمعنى اقتضى ذلك كحاجتها وغنى غيرها. والله أعلم. وهناك جواب آخر ذكره الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فَقَالَ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢١٥): «وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأنَّ أخوتها كانوا راضين بذلك» اهـ. وهناك جواب آخر: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ١٨١): «وقال آخرون: لعله أعطى قبلها من سواها، أو علم أنَّهم راضون بما فعل» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٩٥): «ويحتمل أنَّ أبا بكر ﵁ خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه، مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ وغير ذلك من فضائلها، ويحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك. ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه؛ لأنَّ حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات» اهـ.

стр. 5177

٤ - وفي الحديث الأمر بالعدل بين الأولاد في العطية، والعدل وضع الشيء في موضعه وهو لا يستلزم التسوية ولا يمنعها. وقد تنازع العلماء في كيفية العدل بين الأولاد فذهب عطاء، وطاووس، أحمد، وإسحاق، وبعض الشافعية، والمالكية إلى أنَّ العدل في ذلك أن يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين كالميراث. وقال الأكثر: لا فرق بين الذكر والأنثى في ذلك. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥١٦): «ويجب التعديل في عطية أولاده على حسب ميراثهم وهو مذهب أحمد مسلماً كان الولد أو ذمياً، ولا يجب على المسلم التسوية بين أولاد أهل الذمة، ولا يجب التسوية بين سائر الأقارب الذين لا يرثون كالأعمام، والإخوة مع وجود الأب ويتوجه في البنين التسوية كآبائهم» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ٦٧٢ - ٦٧٣): «عطية الأولاد المشروع أن يكون على قدر موارثيهم لأنَّ الله تعالى منع مما يؤدي إلى قطيعة الرحم، والتسوية بين الذكر والأنثى مخالفة لما وضعه الشرع من التفصيل فيفضي ذلك إلى العداوة؛ ولأنَّ الشرع أعلم بمصالحنا فلو لم يكن الأصلح التفضيل بين الذكر والأنثى لما شرعه؛ ولأنَّ حاجة الذكر إلى المال أعظم من حاجة الأنثى؛ ولأنَّ الله تعالى جعل الأنثى على النصف من الذكر في

стр. 5178

الشهادات، والميراث، والديات، وفي العقيقة بالسنة؛ ولأنَّ الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء، فإذا علم الذكر أنَّ الأب زاد الأنثى على العطية التي أعطاها الله وسواها بمن فضله الله عليها أفضى ذلك إلى العداوة والقطيعة كما إذا فضل عليه من سوى الله بينه وبينه. فأي فرق بين أن يفضل من أمر الله بالتسوية بينه وبين أخيه ويسوى بين من أمر الله بالتفضيل بينهما» اهـ. قُلْتُ: واحتج من قال بالتسوية بما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١١٨٢٨)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٣٥٧) مِنْ طَرِيْقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ فَلَوْ كُنْتُ مُفَضِّلًا أَحَدًا لَفَضَّلْتُ النِّسَاءَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ لضعف سعيد بن يوسف، ووصل الحديث من منكراته، فقد روى الحديث سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٩٣) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أنا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَاوُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ، وَلَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا أَحَدًا لَآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ». قُلْتُ: إرسال الأوزاعي هو المعروف في هذا الحديث، والوصل منكر.

стр. 5179

وبما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٥٠٧٣، ٥٨٣٦)، وأبو عوانة في [مُسْتَخْرَجِهِ] (٤٥٩٧) مِنْ طَرِيْقِ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، عَلَى مِنْبَرِنَا هَذَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ، كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا بَيْنَكُمْ فِي الْبِرِّ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، لكن الحديث رواه جرير بن عبد الحميد عن مغيرة عن الشعبي بلفظ: «اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ». رواه ابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٥١٠٤)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٧٨٣)، وابن أبي الدنيا في [النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ] (٣٣)، وحديث جرير أصح من حديث ورقاء بن عمر. وجاء الحديث عن الشعبي بلفظ: «اعْدِلُوا». كما روى ذلك حصين بن عبد الرحمن عنه. وحديثه عند البخاري (٢٥٨٧). وهكذا رواه سيار أبو الحكم، وحديثه في [مُسْتَخْرَجِ أَبِي عَوَانَةَ] (٤٥٩٠). وزبيد بن الحارث وحديثه عند ابن جميع الصيداوي في [مُعْجَمِ الشُّيْوخِ] (٣٦). ورواه أحمد (١٨٤٤٣، ١٨٤٤٣، ١٨٤٤٥، ١٩٣٧٢)، وأبو داود (٣٥٤٤)، والنسائي (٣٦٨٧) مِنْ طَرِيْقِ الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمُ اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ».

стр. 5180

والمفضل ذكره ابن حبان في "الثقات". قُلْتُ: وجاء الحديث من غير طريق الشعبي بلفظ التسوية، وهو ما رواه النسائي (٣٦٨٥) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ فِطْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: ذَهَبَ بِي أَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُشْهِدُهُ عَلَى شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ، فَقَالَ: «أَلَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، وَصَفَّ بِيَدِهِ بِكَفِّهِ أَجْمَعَ كَذَا، «أَلَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمْ؟». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ويحيى هو ابن سعيد القطان، وفطر هو ابن خليفة. ورواه النسائي (٣٦٨٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ فِطْرٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، يَقُولُ وَهُوَ يَخْطُبُ: انْطَلَقَ بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشْهِدُهُ عَلَى عَطِيَّةٍ أَعْطَانِيهَا، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «سَوِّ بَيْنَهُمْ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وحبان هو ابن موسى، وعبد الله هو ابن المبارك. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ لفظ العدل والتسوية بين الأولاد ثابت في حديث النعمان بن بشير، والتسوية تدل على عدم المفاضلة بين الذكور والإناث، والعدل لا ينافي ذلك. فإن قيل: فلعل أولاد بشير كانوا جميعاً من الذكور، فلهذا أمر بالتسوية بينهم، فالجواب: أنَّ العبرة بعموم اللفظ، على أنَّ ابن سعد ذكر أنَّ للنعمان أختاً اسمها أبية، أو أميمة بنت بشير، فقال ﵀ في [الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى] (٨/ ٣٦٢):

стр. 5181

«أميمة، ويقال أبية بنت بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس بن زيد بن مالك الأغر، وأمها عمرة بنت رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس وهي أخت النعمان بن بشير لأبيه وأمه، أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ » اهـ. قُلْتُ: قوله: «أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ ». يدل على أنَّها كانت أكبر من أخيها النعمان، وذلك أنَّ إسلامها بنفسها، وبيعتها يدل على كبرها، وأمَّا أخوها النعمان فهو أول مولود للأنصار بعد هجرة النبي ﷺ ، ولد بعد الهجرة بأربعة عشر شهراً. وإنَّما ذكرت هذا حتى لا يقال: لعل هذه العطية التي صدرت من بشير بن سعد ﵁ كان قبل مولدها. قُلْتُ: ومما يدل على التسوية بين الذكور والإناث في ذلك ما رواه مسلم (١٦٢٣) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ: «أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟». قَالَ: لَا، قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي»، ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا». ووجه الشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ ذكر العلة في الأمر بالتسوية بين الأولاد، وهي أنَّ ذلك من أسباب المساواة بينهم في برهم لأبيهم، وهذا المعنى لا يفرق فيه بين الذكور، والإناث.

стр. 5182

ولما استوى الذكور والإناث في وجوب بر والدهم، استووا في عطيته. فإن قيل: إنَّ الشرع قد فرق بين الذكر والأنثى في باب الميراث؟ فجواب ذلك: أنَّ الميراث يناله الأولاد بعد موت آبائهم، والتفضيل فيه بين الذكر والأنثى حكم من الله ، لم يجر على أيدي الآباء، فلا يؤثر ذلك على الأولاد، وأمَّا ما كان في حياة الوالد فإنَّه مما يجري على يديه فيورث الأحقاد والضغائن من جهة البنات على البنين، ويورث عقوق البنات لأبائهن، فإنَّه يدخل في نفوسهن أنَّ محبة أبائهن لإخوانهن أعظم من محبتهم لهنَّ، وهذا مما لا وجود له في الميراث المقسوم بعد موت الآباء. والله أعلم. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ١٧٣): «واحتج من رأى التسوية بين الذكر والانثى بقوله: "أليس يسرك أن يكونوا في البر واللطف سواء" قال: نعم. أي: فسو كذلك في العطية بينهم. وقالوا ولم يستثن ذكراً من أنثى» اهـ. وأيضاً جاء في حديث الباب: «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟». وهذا لفظ مسلم (١٦٢٣). وجاء عند البخاري (٢٥٨٦): «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْهُ». وعند مسلم (١٦٢٣) بلفظ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟». وهذا يدل على التساوي بين الأولاد في العطاء فإنَّ المماثلة تدل على ذلك، والأولاد يشمل الذكور والإناث.

стр. 5183

قُلْتُ: وهذا يرد قَولَ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٩٩): «ويحتمل أنَّه أراد التسوية في أصل العطاء، لا في صفته» اهـ. فإنَّ الأمر بالمماثلة ترد هذا التأويل. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٠٠ - ١٠١): «والحجة على من قال: نجعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين كالفرائض، قوله ﵇: "أكل ولدك نحلت مثل هذا"، ولم يقل له: هل فضلت الذكر على الأنثى؟ ولو كان ذلك مستحبًا لسأله عنه كما سأله عن التشريك في العطية، فثبت أنَّ المعتبر عطية الكل على التسوية. فإن قيل: لم يكن لبشير بنت، فلذلك لم يسأله. قيل: قد كان للنعمان أخت لها خبر نقله أصحاب الحديث» اهـ. قُلْتُ: ظاهر ما رواه البخاري (٢٦٥٠) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأُرَاهُ، قَالَ: «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ». ولفظ مسلم (١٦٢٣): فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟». قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟». قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ». يدل على أنَّ النبي ﷺ لم يكن يعلم شيئاً عن أولاد بشير، ولهذا سأله هل له ولد سواه، أو لا، ومع هذا فلم يستفسر عن البنات، بل عمم الحكم بالتسوية بما يدل أنَّه لا فرق في ذلك بين الذكور والإناث، إذ لو كان هناك فرق بين

стр. 5184

الذكور والإناث لاستفسر النبي ﷺ عن ذلك، فلما لم يستفسر دلَّ ذلك على عدم الفرق بينهما. والله أعلم. ٥ - وهل يشمل الحديث ما إذا فضل بعض الأولاد على بعض في العطية لمعنى يقتضي ذلك كشدة حاجة أحدهم، أو لتفرغه للعلم، أو لا يشمل ذلك. الذي يظهر لي أنَّه يجوز التفضيل بين الأولاد لمثل ذلك. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ٢٥٩): «فإن خص بعض ولده لغرض صحيح من زيادة حاجة، أو عائلة، أو اشتغاله بعلم، أو لفسق الآخر وبدعته فقد روي عن أحمد ﵁ ما يدل على جوازه لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان في سبيل الحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة. ووجه ذلك ما روي أنَّ أبا بكر ﵁ قال لعائشة: كنت قد نحلتك جذاذ عشرين وسقاً ووددت أنَّك حزتيه وإنَّما هو اليوم مال الوارث وإنَّما هما أخواك وأختاك. ويحتمل المنع لأنَّ النَّبي ﷺ لم يستفصل بشيراً» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٩٧): «فصل: فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة، أو عمى، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على

стр. 5185

معصية الله، أو ينفقه فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك؛ لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة. والعطية في معناه. ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل أو التخصيص على كل حال؛ لكون النبي ﷺ لم يستفصل بشيراً في عطيته. والأول أولى إن شاء الله؛ لحديث أبي بكر، ولأنَّ بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها، كما لو اختص بالقرابة» اهـ. وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٢٩٥): «لكن إذا خص أحدهما بسبب شرعي: مثل أن يكون محتاجاً مطيعاً لله والآخر غني عاص يستعين بالمال على المعصية فإذا أعطى من أمر الله بإعطائه ومنع من أمر الله بمنعه فقد أحسن» اهـ. ٦ - وفيه النهي عن كل ما يؤدي إلى الشحناء بين الأولاد، والنهي عن الأسباب التي تؤدي إلى عقوق الأولاد. ٧ - وفيه ترك الشهادة على ما لا يجوز. ٨ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤٢):
следующие страницы →