← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

«أميمة، ويقال أبية بنت بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس بن زيد بن مالك الأغر، وأمها عمرة بنت رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس وهي أخت النعمان بن بشير لأبيه وأمه، أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ » اهـ. قُلْتُ: قوله: «أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ ». يدل على أنَّها كانت أكبر من أخيها النعمان، وذلك أنَّ إسلامها بنفسها، وبيعتها يدل على كبرها، وأمَّا أخوها النعمان فهو أول مولود للأنصار بعد هجرة النبي ﷺ ، ولد بعد الهجرة بأربعة عشر شهراً. وإنَّما ذكرت هذا حتى لا يقال: لعل هذه العطية التي صدرت من بشير بن سعد ﵁ كان قبل مولدها. قُلْتُ: ومما يدل على التسوية بين الذكور والإناث في ذلك ما رواه مسلم (١٦٢٣) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي، فَقَالَ: «أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟». قَالَ: لَا، قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي»، ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا». ووجه الشاهد من الحديث أنَّ النبي ﷺ ذكر العلة في الأمر بالتسوية بين الأولاد، وهي أنَّ ذلك من أسباب المساواة بينهم في برهم لأبيهم، وهذا المعنى لا يفرق فيه بين الذكور، والإناث.

стр. 5182

ولما استوى الذكور والإناث في وجوب بر والدهم، استووا في عطيته. فإن قيل: إنَّ الشرع قد فرق بين الذكر والأنثى في باب الميراث؟ فجواب ذلك: أنَّ الميراث يناله الأولاد بعد موت آبائهم، والتفضيل فيه بين الذكر والأنثى حكم من الله ، لم يجر على أيدي الآباء، فلا يؤثر ذلك على الأولاد، وأمَّا ما كان في حياة الوالد فإنَّه مما يجري على يديه فيورث الأحقاد والضغائن من جهة البنات على البنين، ويورث عقوق البنات لأبائهن، فإنَّه يدخل في نفوسهن أنَّ محبة أبائهن لإخوانهن أعظم من محبتهم لهنَّ، وهذا مما لا وجود له في الميراث المقسوم بعد موت الآباء. والله أعلم. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ١٧٣): «واحتج من رأى التسوية بين الذكر والانثى بقوله: "أليس يسرك أن يكونوا في البر واللطف سواء" قال: نعم. أي: فسو كذلك في العطية بينهم. وقالوا ولم يستثن ذكراً من أنثى» اهـ. وأيضاً جاء في حديث الباب: «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟». وهذا لفظ مسلم (١٦٢٣). وجاء عند البخاري (٢٥٨٦): «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْهُ». وعند مسلم (١٦٢٣) بلفظ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟». وهذا يدل على التساوي بين الأولاد في العطاء فإنَّ المماثلة تدل على ذلك، والأولاد يشمل الذكور والإناث.

стр. 5183

قُلْتُ: وهذا يرد قَولَ الْعَلَّامَةِ ابْنِ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٩٩): «ويحتمل أنَّه أراد التسوية في أصل العطاء، لا في صفته» اهـ. فإنَّ الأمر بالمماثلة ترد هذا التأويل. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٠٠ - ١٠١): «والحجة على من قال: نجعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين كالفرائض، قوله ﵇: "أكل ولدك نحلت مثل هذا"، ولم يقل له: هل فضلت الذكر على الأنثى؟ ولو كان ذلك مستحبًا لسأله عنه كما سأله عن التشريك في العطية، فثبت أنَّ المعتبر عطية الكل على التسوية. فإن قيل: لم يكن لبشير بنت، فلذلك لم يسأله. قيل: قد كان للنعمان أخت لها خبر نقله أصحاب الحديث» اهـ. قُلْتُ: ظاهر ما رواه البخاري (٢٦٥٠) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأُرَاهُ، قَالَ: «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ». ولفظ مسلم (١٦٢٣): فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟». قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟». قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ». يدل على أنَّ النبي ﷺ لم يكن يعلم شيئاً عن أولاد بشير، ولهذا سأله هل له ولد سواه، أو لا، ومع هذا فلم يستفسر عن البنات، بل عمم الحكم بالتسوية بما يدل أنَّه لا فرق في ذلك بين الذكور والإناث، إذ لو كان هناك فرق بين

стр. 5184

الذكور والإناث لاستفسر النبي ﷺ عن ذلك، فلما لم يستفسر دلَّ ذلك على عدم الفرق بينهما. والله أعلم. ٥ - وهل يشمل الحديث ما إذا فضل بعض الأولاد على بعض في العطية لمعنى يقتضي ذلك كشدة حاجة أحدهم، أو لتفرغه للعلم، أو لا يشمل ذلك. الذي يظهر لي أنَّه يجوز التفضيل بين الأولاد لمثل ذلك. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ٢٥٩): «فإن خص بعض ولده لغرض صحيح من زيادة حاجة، أو عائلة، أو اشتغاله بعلم، أو لفسق الآخر وبدعته فقد روي عن أحمد ﵁ ما يدل على جوازه لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان في سبيل الحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة. ووجه ذلك ما روي أنَّ أبا بكر ﵁ قال لعائشة: كنت قد نحلتك جذاذ عشرين وسقاً ووددت أنَّك حزتيه وإنَّما هو اليوم مال الوارث وإنَّما هما أخواك وأختاك. ويحتمل المنع لأنَّ النَّبي ﷺ لم يستفصل بشيراً» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٩٧): «فصل: فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة، أو عمى، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على

стр. 5185

معصية الله، أو ينفقه فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك؛ لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة. والعطية في معناه. ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل أو التخصيص على كل حال؛ لكون النبي ﷺ لم يستفصل بشيراً في عطيته. والأول أولى إن شاء الله؛ لحديث أبي بكر، ولأنَّ بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها، كما لو اختص بالقرابة» اهـ. وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٢٩٥): «لكن إذا خص أحدهما بسبب شرعي: مثل أن يكون محتاجاً مطيعاً لله والآخر غني عاص يستعين بالمال على المعصية فإذا أعطى من أمر الله بإعطائه ومنع من أمر الله بمنعه فقد أحسن» اهـ. ٦ - وفيه النهي عن كل ما يؤدي إلى الشحناء بين الأولاد، والنهي عن الأسباب التي تؤدي إلى عقوق الأولاد. ٧ - وفيه ترك الشهادة على ما لا يجوز. ٨ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٥/ ٤٢):

стр. 5186

«وفيه دليل: على أنَّ حَوْز الأب لابنه الصغير ما وهبه له جائز، ولا يحتاج إلى أن يحوزه غيره؛ فإنَّ النُّعمان كان صغيرًا، وقد جاء به أبوه إلى النبي ﷺ وهو يحمله» اهـ. ٩ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ١٧٣): «وفيه دليل على جواز دخول الحاكم في الشهادات لأنَّهم إنَّما جاؤوا النبي ﷺ ليشهدوه على ذلك» اهـ. ١٠ - ظاهر الحديث أنَّه لا يجب العدل في العطايا مع سائر الورثة، فإنَّ النبي ﷺ استفسر عن الأولاد دون غيرهم، وأمر بالعدل بين الأولاد ولم يذكر غيرهم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٢/ ٢٥٩): «ولا تجب التسوية بين سائر الوراث؛ لأنَّ النَّبي ﷺ علم أنَّ لبشير زوجة فلم يأمره بإعطائها حين أمره بالتسوية بين أولاده» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٠٠): «فصل: وليس عليه التسوية بين سائر أقاربه، ولا إعطاؤهم على قدر مواريثهم سواء كانوا من جهة واحدة، كإخوة وأخوات، وأعمام وبني عم، أو من جهات، كبنات وأخوات وغيرهم.

стр. 5187

وقال أبو الخطاب: المشروع في عطية الأولاد وسائر الأقارب، أن يعطيهم على قدر ميراثهم، فإن خالف وفعل، فعليه أن يرجع ويعمهم بالنحلة؛ لأنَّهم في معنى الأولاد، فثبت فيهم مثل حكمهم. ولنا أنَّها عطية لغير الأولاد في صحته، فلم تجب عليه التسوية، كما لو كانوا غير وارثين. ولأنَّ الأصل إباحة تصرف الإنسان في ماله كيف شاء، وإنَّما وجبت التسوية بين الأولاد بالخبر، وليس غيرهم في معناهم؛ لأنَّهم استووا في وجوب بر والدهم، فاستووا في عطيته. وبهذا علل النبي ﷺ حين قال: "أيسرك أن يستووا في برك"؟ قال: نعم. قال: "فسو بينهم". ولم يوجد هذا في غيرهم، ولأنَّ للوالد الرجوع فيما أعطى ولده، فيمكنه أن يسوي بينهم باسترجاع ما أعطاه لبعضهم، ولا يمكن ذلك في غيرهم، ولأنَّ الأولاد لشدة محبة الوالد لهم، وصرف ماله إليهم عادة. يتنافسون في ذلك، ويشتد عليهم تفضيل بعضهم، ولا يباريهم في ذلك غيرهم، فلا يصح قياسه عليهم، ولا نص في غيرهم، ولأنَّ النبي ﷺ قد

стр. 5188

علم لبشير زوجة، ولم يأمره بإعطائها شيئاً حين أمره بالتسوية بين أولاده، ولم يسأله هل لك وارث غير ولدك؟» اهـ. قُلْتُ: وهذا كلام جيد، واحتجاج قوي. ١١ - وفيه أنَّ من فاضل بين الأولاد في العطية أمر بردها. وإن سوى بينهم أغناه ذلك عن ردها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٢٩٤): «وجملة ذلك أنَّه يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية، وإذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل، فإن خص بعضهم بعطيته، أو فاضل بينهم فيها أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين؛ إمَّا رد ما فضل به البعض، وإمَّا إتمام نصيب الآخر» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٢٨١): «فإن لم يكن المعطي أعطى بقية الأولاد مثل ذلك وإلَّا وجب عليه أن يرد ذلك أو يعطي الباقين مثل ذلك» اهـ. قُلْتُ: وإنَّ مات الوالد قبل ردها، يجب على الولد أن يردها إلى جملة الميراث؛ لأنَّها هبة غير شرعية. قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ اللهِ بِنْ أَحْمَدَ ﵀ فِي [مَسَائِلِهِ لِأَبِيْهِ] (ص: ٣٨٧): «قلت لابي فَإِنْ مَاتَ وَقد فضل بعض وَلَده على بعض.

стр. 5189

قَالَ لَيْسَ اجترئ عَلَيْهِ وان ذهب ذَاهِب أَنْ يردهُ بعد مَوته كَانَ مذهبا وَرَأَيْت ابي كَأَنَّهُ يذهب الى هَذَا ويميل إِلَيْهِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٦٠ - ٦١): «مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَرْدُدْهُ، فَقَدْ ثَبَتَ لِمَنْ وَهَبَ لَهُ، إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ) يَعْنِي إذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطَايَا، أَوْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِعَطِيَّةٍ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ، ثَبَتَ ذَلِكَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَزِمَ، وَلَيْسَ لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ الرُّجُوعُ. هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَالْمَيْمُونِيِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ، وَصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ أَنْ يَرْتَجِعُوا مَا وَهَبَهُ. اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيَّانِ. وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: عُرْوَةُ قَدْ رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ؛ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَحَدِيثَ عُمَرَ، وَحَدِيثَ عُثْمَانَ، وَتَرَكَهَا وَذَهَبَ إلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ "يَرُدُّ فِي حَيَاةِ الرَّجُلِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ". وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إذَا مَاتَ الرَّجُلُ فَهُوَ مِيرَاثٌ بَيْنَهُمْ، لَا يَسَعُ أَنْ يَنْتَفِعَ أَحَدٌ مِمَّا أُعْطِيَ دُونَ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى ذَلِكَ جَوْرًا بِقَوْلِهِ: "لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ". وَالْجَوْرُ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ لِلْفَاعِلِ

стр. 5190

فِعْلُهُ، وَلَا لِلْمُعْطَى تَنَاوُلُهُ. وَالْمَوْتُ لَا يُغَيِّرُهُ عَنْ كَوْنِهِ جَوْرًا حَرَامًا، فَيَجِبُ رَدَّهُ، وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَمَرَا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، أَنْ يَرُدَّ قِسْمَةَ أَبِيهِ حِينَ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ، وَلَا أَعْطَاهُ شَيْئًا، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ سَعْدٍ، فَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ. أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ، وَخَرَجَ إلَى الشَّامِ، فَمَاتَ بِهَا، ثُمَّ وُلِدَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَدٌ فَمَشَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، إلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، فَقَالَا: إنَّ سَعْدًا قَسَّمَ مَالَهُ، وَلَمْ يَدْرِ مَا يَكُونُ، وَإِنَّا نَرَى أَنْ تَرُدَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ. فَقَالَ قَيْسٌ: لَمْ أَكُنْ لِأُغَيِّرَ شَيْئًا صَنَعَهُ سَعْدٌ، وَلَكِنْ نَصِيبِي لَهُ. وَهَذَا مَعْنَى الْخَبَرِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁، لِعَائِشَةَ، لَمَّا نَحَلَهَا نِحَلًا: وَدِدْت لَوْ أَنَّك كُنْت حُزْتِيهِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَازَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ: لَا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةً يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَالِدِ. وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لِوَلَدِهِ فَلَزِمَتْ بِالْمَوْتِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. وَقَوْلُهُ: " إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطِيَّتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ لَا تَنْفُذُ؛ لِأَنَّ الْعَطَايَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ، فِي أَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ إذَا كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ إجْمَاعًا، فَكَذَلِكَ لَا تَنْفُذُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ حُكْمَ الْهِبَاتِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الْوَاهِبُ، حُكْمُ الْوَصَايَا، هَذَا مَذْهَبُ الْمَدِينِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْكُوفِيِّ.

стр. 5191

فَإِنْ أَعْطَى أَحَدَ بَنِيهِ فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ أَعْطَى الْآخَرَ فِي مَرَضِهِ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ زَوَّجَ ابْنَهُ، فَأَعْطَى عَنْهُ الصَّدَاقَ، ثُمَّ مَرِضَ الْأَبُ، وَلَهُ ابْنٌ آخَرَ، هَلْ يُعْطِيه فِي مَرَضِهِ كَمَا أَعْطَى الْآخَرَ فِي صِحَّتِهِ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَعْطَاهُ فِي صِحَّتِهِ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عَطِيَّتَهُ فِي مَرَضِهِ كَوَصِيَّتِهِ، وَلَوْ وَصَّى لَهُ لَمْ يَصِحَّ، فَكَذَلِكَ إذَا أَعْطَاهُ. وَالثَّانِي يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا وَاجِبَةٌ، وَلَا طَرِيقَ لَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا بِعَطِيَّةِ الْآخَرِ، فَتَكُونُ وَاجِبَةً، فَتَصِحُّ، كَقَضَاءِ دَيْنِهِ» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٢٧٧): «والصحيح من قولي العلماء أنَّ هذا الذي خص بناته بالعطية دون حمله يجب عليه أن يرد ذلك في حياته كما أمر النبي ﷺ ، وإن مات ولم يرده رد بعد موته على أصح القولين أيضاً؛ طاعة لله ولرسوله واتباعاً للعدل الذي أمر به؛ واقتداء بأبي بكر وعمر ﵄. ولا يحل للذي فضل أن يأخذ الفضل؛ بل عليه أن يقاسم إخوته في جميع المال بالعدل الذي أمر الله به. والله أعلم» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣١/ ٢٩٧): «يجب على الرجل أن يسوي بين أولاده في العطية ولا يجوز أن يفضل بعضاً على بعض كما أمر النبي ﷺ بذلك حيث نهى عن الجور في التفضيل وأمر برده. فإن فعل ومات قبل العدل كان الواجب على من فضل أن يتبع العدل

стр. 5192

بين إخوته؛ فيقتسمون جميع المال - الأول والآخر - على كتاب الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين. والله أعلم» اهـ. ١٢ - وعموم قول النبي ﷺ : «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلادِكُمْ». يشمل الأم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٢/ ٣٠١): «فصل: والأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب؛ لقول النبي ﷺ : "اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم". ولأنَّها أحد الوالدين، فمنعت التفضيل كالأب، ولأنَّ ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والعداوة، يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها، فثبت لها مثل حكمه في ذلك» اهـ. ١٣ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٥/ ٣٧٩): «قُلْتُ: وَإِذَا وَهَبَتِ الْأُمُّ لِأَوْلَادِهَا، فَهِيَ كَالْأَبِ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ، وَكَذَا الِابْنُ إِذَا وَهَبَ لِوَالِدَيْهِ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: فَإِنْ فَضَّلَ فَلْيُفَضِّلِ الْأُمَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٧/ ١٣٧): «تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ " فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ " دُخُولَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ. يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ " الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ " فَقَدْ يَكُونُ فِي وَلَدِ الْوَلَدِ مَنْ يَرِثُ. وَهَذَا

стр. 5193

الْمَذْهَبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَخْصُوصٌ بِأَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ. وَهُوَ وَجْهٌ. وَذَكَرَ الْحَارِثِيُّ: لَا وَلَدُ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ» اهـ. قُلْتُ: الأظهر عدم دخول الجد والجدة. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْرَمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ] (٥/ ٤١٦): «وَيُسَنُّ لِلْوَلَدِ الْعَدْلُ أَيْضًا فِي عَطِيَّةِ أُصُولِهِ، فَإِنْ فَضَّلَ كُرِهَ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ» اهـ. قُلْتُ: فيه نظر، ولا يظهر صحة ذلك لعدم الدليل عليه. ١٤ - وأدخل بعض العلماء في ذلك التسوية في الطعام وغيره. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٧/ ٤١٣): «قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ فِي طَعَامٍ وَغَيْرِهِ وَكَانَ يُقَالُ: يَعْدِلُ بَيْنَهُمْ فِي الْقُبَلِ» اهـ. * * *

стр. 5194

أَحْكَامُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةِ وَأَنْوَاعِ الْمُشَارَكَاتِ. ٢٨٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ أَهَلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ». . وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - جواز المساقاة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٣٩٢): «في هذه الأحاديث جواز المساقاة، وبه قال مالك، والثوري، والليث، والشافعي، وأحمد، وجميع فقهاء المحدثين، وأهل الظاهر، وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأول هذه الأحاديث على أنَّ خيبر فتحت عنوة، وكان أهلها عبيداً لرسول الله ﷺ ، فما أخذه فهو له، وما تركه فهو له. واحتج الجمهور بظواهر هذه الأحاديث، وبقوله ﷺ : "أقركم ما أقركم الله". وهذا حديث صريح في أنَّهم لم يكونوا عبيداً» اهـ. قُلْتُ: والشبهة التي طرأت للحنفية في منعهم للمساقاة هي أنَّهم ظنوا أنَّ المساقاة عقد إجارة بأجرة لم تخلق بعد، وليس الأمر كذلك فليست المساقاة من عقود الإجارات ولكن من عقود المشاركات كالمضاربة. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ١٢٢):

стр. 5195

«والمساقاة، والمزارعة، والمضاربة ليست من أنواع الإجارة التي يشترط فيها تقدير العمل والأجرة، فإنَّ تلك يكون المقصود فيها العمل؛ وإنَّما هي من جنس المشاركة، فإنَّهما يشتركان بمنفعة بدن هذا ومنفعة مال هذا وهما مشتركان في المغنم والمغرم» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ١٢٥): «ومن منع ذلك ظن أنَّه إجارة بعوض مجهول، وليس كذلك بل هو مشاركة كالمضاربة، والمضاربة على وفق القياس لا على خلافه؛ فإنَّها ليست من جنس الإجارة بل من جنس المشاركات» اهـ. ٢ - وفيه أنَّ المساقاة تكون في جميع الثمار، وهذا هو القول الصحيح من أقوال العلماء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٣٠٠ - ٣٠١): «وجملة ذلك أنَّ المساقاة جائزة في جميع الشجر المثمر. هذا قول الخلفاء الراشدين ﵃. وبه قال سعيد بن المسيب، وسالم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وقال داود: لا يجوز إلَّا في النخيل؛ لأنَّ الخبر إنَّما ورد بها فيه.

стр. 5196

وقال الشافعي: لا يجوز إلَّا في النخيل والكرم؛ لأنَّ الزكاة تجب في ثمرتهما، وفي سائر الشجر قولان: أحدهما: لا يجوز فيه؛ لأنَّ الزكاة لا تجب في نمائه، فأشبه ما لا ثمرة له. وقال أبو حنيفة، وزفر: لا تجوز بحال؛ لأنَّها إجارة بثمرة لم تخلق، أو إجارة بثمرة مجهولة، أشبه إجارة نفسه بثمرة غير الشجر الذي يسقيه. ولنا السنة والإجماع، ولا يجوز التعويل على ما خالفهما. وقولهم: إنَّها إجارة. غير صحيح، إنَّما هو عقد على العمل في المال ببعض نمائه، فهي كالمضاربة، وينكسر ما ذكروه بالمضاربة؛ فإنَّه يعمل في المال بنمائه، وهو معدوم مجهول، وقد جاز بالإجماع، وهذا في معناه ثم قد جوز الشارع العقد في الإجارة على المنافع المعدومة للحاجة، فلم لا يجوز على الثمرة المعدومة للحاجة، مع أنَّ القياس إنَّما يكون في إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه، أو المجمع عليه، فأمَّا في إبطال نص، وخرق إجماع بقياس نص آخر، فلا سبيل إليه. وأمَّا تخصيص ذلك بالنخيل، أو به وبالكرم، فيخالف عموم قوله: "عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر". وهذا عام في كل ثمر، ولا تكاد بلدة ذات أشجار تخلو من شجر غير النخيل، وقد جاء في لفظ بعض الأخبار، أنَّ النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من النخل والشجر، ولأنَّه شجر يثمر كل حول، فأشبه النخيل والكرم، ولأنَّ الحاجة تدعو إلى المساقاة عليه، كالنخل وأكثر؛ لكثرته، فجازت المساقاة

стр. 5197

عليه كالنخل، ووجوب الزكاة ليس من العلة المجوزة للمساقاة، ولا أثر له فيها، وإنَّما العلة في ما ذكرناه» اهـ. قُلْتُ: الحديث الذي ذكره ابن قدامة رواه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٢٩٤٧): حَدَّثَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَا: نا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ». وَقَالَ يُوسُفُ: مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ، قَالَ ابْنُ صَاعِدٍ: وَهِمَ فِي ذِكْرِ الشَّجَرِ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ١٤٤): «وكون الشجر نخلاً لا أثر له البتة، فحكم الشيء حكم نظيره، فبلد شجرهم الأعناب والتين وغيرهما من الثمار في الحاجة إلى ذلك، حكمه حكم بلد شجرهم النخل سواء، ولا فرق» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٣): «واستدل به على جواز المساقاة في النخل والكرم وجميع الشجر الذي من شأنه أن يثمر بجزء معلوم يجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور، وخصه الشافعي في "الجديد" بالنخل والكرم، وألحق المقل بالنخل لشبهه به، وخصه داود بالنخل. وقال أبو حنيفة وزفر: لا يجوز بحال لأنَّها إجارة بثمرة معدومة أو مجهولة.

стр. 5198

وأجاب من جوزه بأنَّه عقد على عمل في المال ببعض نمائه فهو كالمضاربة، لأنَّ المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه وهو معدوم ومجهول. وقد صح عقد الإجارة مع أنَّ المنافع معدومة فكذلك هنا. وأيضاً فالقياس في إبطال نص، أو إجماع مردود» اهـ. ٢ - جواز المزارعة. وقد سبق الكلام على المزارعة عند شرحنا لحديث جابر في النهي عن المخابرة. ٣ - وفيه جواز معاملة اليهود بالمساقاة والمزارعة. ٤ - وفيه أنَّ المساقاة والمزارعة تكون بالنسب المشاعة المعلومة، كالنصف، والثلث، والربع، وغير ذلك. ٥ - وفيه جواز المساقاة، والمزارعة، إلى غير أجل معلوم. وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا». رواه البخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١) عن ابن عمر. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٤): «وفيه دليل على جواز دفع النخل مساقاة، والأرض مزارعة من غير ذكر سنين معلومة، فيكون للمالك أن يخرج العامل متى شاء، وقد أجاز ذلك من أجاز المخابرة والمزارعة. وقال أبو ثور: إذا أطلقا حمل على سنة واحدة. وعن مالك: إذا قال ساقيتك كل سنة بكذا جاز ولو لم يذكر أمداً، وحمل قصة خيبر على ذلك. واتفقوا على أنَّ الكرى لا يجوز إلَّا بأجل معلوم وهو من العقود اللازمة» اهـ.

стр. 5199

وقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ في [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٦/ ٤٧٠): «اختلف العلماء في المزارعة من غير أجل، فكرهها مالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور حتى يسمى أجلاً معلوماً. قال ابن المنذر: وقال أبو ثور: إذا لم يسم سنين معلومةً فهو على سنة واحدة، وحكى عن بعض الناس أنَّه قال: أجيز ذلك استحسانًا، وأدع القياس. وقال ابن المنذر: قال بعض أصحابنا: ذلك جائز واحتج بقوله ﵇: "نقركم ما شئنا"، وفي ذلك دليل على إجازة دفع النخل مساقاة والأرض مزارعة من غير ذكر سنين معلومة، فيكون لصاحب الأرض والنخل أن يخرج المساقي والزارع من الأرض والنخل متى شاء، وفي ذلك دلالة أنَّ المزارعة بخلاف الكراء، ولا يجوز في الكراء أن يقول: أخرجك عن أرضى متى شئت. ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ الكراء في الدور والأرضين لا يجوز إلَّا وقتًا معلومًا» اهـ. ٦ - وظاهر الحديث أنَّ البذر كان من أهل خيبر. وأصرح من هذا ما رواه مسلم (١٥٥١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، «أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَطْرُ ثَمَرِهَا». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٩/ ١١٧ - ١٢٥):

стр. 5200

«والذين جوزوا المزارعة منهم من اشترط أن يكون البذر من المالك. وقالوا: هذه هي المزارعة. فأمَّا إن كان البذر من العامل لم يجز. وهذا إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه، وأصحاب مالك والشافعي حيث يجوزون المزارعة. وحجة هؤلاء: قياسها على المضاربة وبذلك احتج أحمد أيضاً. قال الكرماني: قيل لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: رجل دفع أرضه إلى الأكار على الثلث، أو الربع؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان البذر من رب الأرض، والبقر، والحديد، والعمل من الأكار يذهب فيه مذهب المضاربة. ووجه ذلك: أنَّ البذر هو أصل الزرع كما أنَّ المال هو أصل الربح فلا بد أن يكون البذر ممن له الأصل ليكون من أحدهما العمل ومن الآخر الأصل. والرواية الثانية عنه: لا يشترط ذلك؛ بل يجوز أن يكون البذر من العامل وقد نقل عنه جماهير أصحابه -أكثر من عشرين نفساً -أنَّه يجوز أن يكري أرضه بالثلث، أو الربع كما عامل النبي ﷺ أهل خيبر. فقالت طائفة من أصحابه -كالقاضي أبي يعلى -إذا دفع أرضه لمن يعمل عليها ببذره بجزء من الزرع للمالك، فإن كان على وجه الإجارة جاز وإن كان على وجه المزارعة لم يجز وجعلوا هذا التفريق تقريراً لنصوصه؛ لأنَّهم رأوا في عامة نصوصه صرائح كثيرة جداً في جواز كراء الأرض بجزء من الخارج منها، ورأوا أنَّ هذا هو ظاهر مذهبه عندهم من أنَّه لا يجوز في المزارعة أن يكون البذر من المالك كالمضاربة. ففرقوا بين باب المزارعة والمضاربة وباب الإجارة. وقال آخرون -منهم أبو الخطاب -معنى قوله

стр. 5201

في رواية الجماعة: يجوز كراء الأرض ببعض الخارج منها. أراد به: المزارعة والعمل من الأكار. قال أبو الخطاب ومتبعوه: فعلى هذه الرواية: إذا كان البذر من العامل فهو مستأجر للأرض ببعض الخارج منها، وإن كان من صاحب الأرض: فهو مستأجر للعامل بما شرط له. قال: فعلى هذا ما يأخذه صاحب البذر يستحقه ببذره وما يأخذه من الأجرة يأخذه بالشرط. وما قاله هؤلاء من أنَّ نصه على المكاري ببعض الخارج هو المزارعة على أن يبذر الأكار: هو الصحيح ولا يحتمل الفقه إلَّا هذا، أو أن يكون نصه على جواز المؤاجرة المذكورة يقتضي جواز المزارعة بطريق الأولى. وجواز هذه المعاملة مطلقاً هو الصواب الذي لا يتوجه غيره أثراً ونظراً. وهو ظاهر نصوص أحمد المتواترة عنه واختيار طائفة من أصحابه. والقول الأول -قول من اشترط أن يبذر رب الأرض وقول من فرق بين أن يكون إجارة، أو مزارعة -هو في الضعف نظير من سوى بين الإجارة الخاصة والمزارعة، أو أضعف. أمَّا بيان نص أحمد: فهو أنَّه إنَّما جوز المؤاجرة ببعض الزرع استدلالاً بقصة معاملة النبي ﷺ لأهل خيبر، ومعاملته لهم إنَّما كانت مزارعة؛ لم تكن

стр. 5202

بلفظ الإجارة. فمن الممتنع أنَّ أحمد لا يجوز ما فعله النبي ﷺ إلَّا بلفظ إجارة، ويمنع فعله باللفظ المشهور. وأيضاً فقد ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ شارط أهل خيبر على أن يعملوها من أموالهم كما تقدم، ولم يدفع إليهم النبي ﷺ بذراً، فإذا كانت المعاملة التي فعلها النبي ﷺ إنَّما كانوا يبذرون فيها من أموالهم فكيف يحتج بها أحمد على المزارعة، ثم يقيس عليها إذا كانت بلفظ الإجارة، ثم يمنع الأصل الذي احتج به من المزارعة التي بذر فيها العامل، والنبي ﷺ قد قال لليهود: "نقركم فيها ما أقركم الله" لم يشترط مدة معلومة حتى يقال: كانت إجارة لازمة؛ لكن أحمد حيث قال: - في إحدى الروايتين - إنَّه يشترط كون البذر من المالك. فإنَّما قاله متابعة لمن أوجبه قياساً على المضاربة، وإذا أفتى العالم بقول لحجة ولها معارض راجح لم يستحضر حينئذ ذلك المعارض الراجح، ثم لما أفتى بجواز المؤاجرة بثلث الزرع استدلالاً بمزارعة خيبر، فلا بد أن يكون في خيبر كان البذر عنده من العامل وإلَّا لم يصح الاستدلال. فإن فرضنا أنَّ أحمد فرق بين المؤاجرة بجزء من الخارج وبين المزارعة ببذر العامل كما فرق بينهما طائفة من أصحابه فمستند هذا الفرق ليس مأخذاً شرعياً. فإنَّ أحمد لا يرى اختلاف أحكام العقود باختلاف العبارات؛ كما يراه طائفة من أصحابه الذين يجوزون هذه المعاملة بلفظ الإجارة ويمنعونها بلفظ المزارعة، وكذلك

стр. 5203

يجوزون بيع ما في الذمة بيعاً حالاً بلفظ البيع ويمنعونه بلفظ السلم؛ لأنَّه يصير سلماً حالاً، ونصوص أحمد وأصوله تأبى هذا كما قدمناه عنه في مسألة صيغ العقود؛ فإنَّ الاعتبار في جميع التصرفات القولية بالمعاني لا بما يحمل على الألفاظ كما تشهد به أجوبته في الأيمان، والنذور، والوصايا، وغير ذلك من التصرفات، وإن كان هو قد فرق بينهما كما فرق طائفة من أصحابه، فيكون هذا التفريق رواية عنه مرجوحة، كالرواية المانعة من الأمرين. وأمَّا الدليل على جواز ذلك: فالسنة والإجماع والقياس. أمَّا السنة: فما تقدم من معاملة النبي ﷺ لأهل خيبر على أن يعتملوها من أموالهم ولم يدفع إليهم بذراً، وكما عامل الأنصار المهاجرين على أنَّ البذر من عندهم قال حرب الكرماني: حدثنا محمد بن نصر حدثنا حسان بن إبراهيم عن حماد بن سلمة عن يحيى عن إسماعيل بن حكيم: أنَّ عمر بن الخطاب أجلى أهل نجران، وأهل فدك، وأهل خيبر، واستعمل يعلى بن منية فأعطى العنب والنخل على أنَّ لعمر الثلثين، ولهم الثلث، وأعطى البياض - يعني بياض الأرض - على إن كان البر، والبقر، والحديد من عند عمر فلعمر الثلثان، ولهم الثلث، وإن كان منهم فلعمر الشطر، ولهم الشطر.

стр. 5204

فهذا عمر ﵁، ويعلى بن منية عامله صاحب رسول الله ﷺ قد عمل في خلافته بتجويز كلا الأمرين: أن يكون البذر من رب الأرض، وأن يكون من العامل. وقال حرب: حدثنا أبو معن حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن الحارث بن حصيرة الأزدي عن صخر بن الوليد عن عمرو بن صليع بن محارب قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إنَّ فلاناً أخذ أرضاً فعمل فيها وفعل. فدعاه فقال: ما هذه الأرض التي أخذت؟ فقال: أرض أخذتها أكري أنهارها، وأعمرها وأزرعها. فما أخرج الله من شيء فلي النصف وله النصف. فقال: لا بأس بهذا. فظاهره: أنَّ البذر من عنده، ولم ينهه علي عن ذلك ويكفي إطلاق سؤاله وإطلاق علي الجواب. وأمَّا القياس: فقد قدمنا أن هذه المعاملة نوع من الشركة ليست من الإجارة الخاصة. وإن جعلت إجارة فهي من الإجارة العامة التي تدخل فيها الجعالة والسبق والرمي. وعلى التقديرين: فيجوز أن يكون البذر منهما؛ وذلك أنَّ البذر في المزارعة ليس من الأصول التي ترجع إلى ربها؛ كالثمن في المضاربة؛ بل البذر يتلف كما تتلف المنافع؛ وإنَّما ترجع الأرض أو بدن البقرة والعامل. فلو كان البذر مثل رأس المال لكان الواجب أن يرجع مثله إلى مخرجه ثم يقتسمان الفضل؛ وليس الأمر كذلك بل يشتركان في جميع الزرع. فظهر أنَّ الأصول فيها من أحد الجانبين هي الأرض بمائها وهوائها وبدن العامل والبقر وأكثر الحرث والبذر

стр. 5205

يذهب كما تذهب المنافع. وكما تذهب أجزاء من الماء والهواء والتراب فيستحيل زرعاً. والله سبحانه يخلق الزرع من نفس الحب والتراب والماء والهواء، كما يخلق الحيوان من ماء الأبوين، بل ما يستحيل في الزرع من أجزاء الأرض أكثر مما يستحيل من الحب، والحب يستحيل فلا يبقى بل يفلقه الله ويحيله كما يحيل أجزاء الماء والهواء، وكما يحيل المني، وسائر مخلوقاته من الحيوان. والمعدن والنبات. ولما وقع ما وقع من رأي كثير من الفقهاء: اعتقدوا أنَّ الحب والنوى في الزرع والشجر: هو الأصل، والباقي تبع حتى قضوا في مواضع بأن يكون الزرع والشجر لرب النوى والحب مع قلة قيمته ولرب الأرض أجرة أرضه، والنَّبي ﷺ إنَّما قضى بضد هذا حيث قال: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته". فأخذ أحمد وغيره من فقهاء الحديث بهذا الحديث. وبعض من أخذ به يرى أنَّه خلاف القياس، وأنَّه من صور الاستحسان، وهذا لما انعقد في نفسه من القياس المتقدم، وهو أنَّ الزرع تبع للبذر، والشجر تبع للنوى. وما جاءت به السنة هو القياس الصحيح الذي تدل عليه الفطرة؛ فإنَّ إلقاء الحب في الأرض بمنزلة إلقاء المني في الرحم سواء؛ ولهذا سمى الله النساء حرثاً في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. كما سمى الأرض المزروعة حرثاً، والمغلب في ملك الحيوان إنَّما هو جانب الأم. ولهذا تبع الولد الآدمي أمَّه في الحرية والرق دون أبيه، ويكون جنين البهيمة لمالك الأم دون

стр. 5206

مالك الفحل الذي نهي عن عسبه؛ وذلك لأنَّ الأجزاء التي استمدها من الأم أضعاف الأجزاء التي استمدها من الأب. وإنَّما للأب حق الابتداء فقط، ولا ريب أنَّه مخلوق منهما جميعاً. وكذلك الحب والنوى؛ فإنَّ الأجزاء التي خلق منها الشجر والزرع أكثرها من التراب والماء والهواء، وقد يؤثر ذلك في الأرض فتضعف بالزرع فيها؛ لكن لما كانت هذه الأجزاء تستخلف دائماً - فإنَّ الله سبحانه لا يزال يمد الأرض بالماء والهواء وبالتراب إمَّا مستحيلاً من غيره، وإمَّا بالموجود، ولا يؤثر في الأرض نقص الأجزاء الترابية شيئاً، إمَّا للخلف بالاستحالة وإمَّا للكثرة، ولهذا صار يظهر أنَّ أجزاء الأرض في معنى المنافع، بخلاف الحب والنوى الملقى فيها؛ فإنَّه عين ذاهبة غير مستخلفة، ولا يعوض عنها. لكن هذا القدر لا يوجب أن يكون البذر هو الأصل فقط؛ فإنَّ العامل هو، وبقره لا بد له مدة العمل من قوت وعلف يذهب أيضاً، ورب الأرض لا يحتاج إلى مثل ذلك؛ ولذلك اتفقوا على أنَّ البذر لا يرجع إلى ربه كما يرجع في القراض، ولو جرى عندهم مجرى الأصول لرجع. فقد تبين أنَّ هذه المعاملة اشتملت على ثلاثة أشياء: أصول باقية وهي الأرض، وبدن العامل، والبقر، والحديد. ومنافع فانية. وأجزاء فانية أيضاً، وهي البذر، وبعض أجزاء الأرض، وبعض أجزاء العامل، وبقره. فهذه الأجزاء الفانية كالمنافع الفانية سواء فتكون الخيرة إليهما فيمن يبذل هذه الأجزاء ويشتركان على أي وجه شاءا. ما لم يفض إلى بعض ما نهى عنه النبي ﷺ من أنواع الغرر، أو الربا، وأكل المال بالباطل.

стр. 5207

ولهذا جوز أحمد سائر أنواع المشاركات التي تشبه المساقاة والمزارعة مثل أن يدفع دابته أو سفينته أو غيرهما إلى من يعمل عليها والأجرة بينهما» اهـ. قُلْتُ: وهذا كلام نفيس، فقد حرر ﵀ المسألة تحريراً نافعاً. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ١٤٤ - ١٤٥): «وفي ذلك دليل على أنَّه لا يشترط كون البذر من رب الأرض، فإنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ صالحهم عن الشطر، ولم يعطهم بذراً البتة، ولا كان يرسل إليهم ببذر، وهذا مقطوع به من سيرته، حتى قال بعض أهل العلم: إنَّه لو قيل باشتراط كونه من العامل، لكان أقوى من القول باشتراط كونه من رب الأرض، لموافقته لسنة رسول الله ﷺ في أهل خيبر. والصحيح: أنَّه يجوز أن يكون من العامل، وأن يكون من رب الأرض، ولا يشترط أن يختص به أحدهما، والذين شرطوه من رب الأرض، ليس معهم حجة أصلاً أكثر من قياسهم المزارعة على المضاربة، قالوا: كما يشترط في المضاربة أن يكون رأس المال من المالك، والعمل من المضارب، فهكذا في المزارعة، وكذلك في المساقاة يكون الشجر من أحدهما، والعمل عليها من الآخر، وهذا القياس إلى أن يكون حجة عليهم أقرب من أن يكون حجة لهم، فإنَّ في المضاربة يعود رأس المال إلى المالك، ويقتسمان الباقي، ولو شرط ذلك في المزارعة، فسدت عندهم،

стр. 5208

فلم يجروا البذر مجرى رأس المال، بل أجروه مجرى سائر البقل، فبطل إلحاق المزارعة بالمضاربة على أصلهم. وأيضاً: فإنَّ البذر جار مجرى الماء، ومجرى المنافع، فإنَّ الزرع لا يتكون وينمو به وحده، بل لا بد من السقي والعمل، والبذر يموت في الأرض، وينشئ الله الزرع من أجزاء أخر تكون معه من الماء والريح، والشمس والتراب والعمل، فحكم البذر حكم هذه الأجزاء. وأيضاً: فإنَّ الأرض نظير رأس المال في القراض، وقد دفعها مالكها إلى المزارع، وبذرها وحرثها وسقيها نظير عمل المضارب، وهذا يقتضى أن يكون المزارع أولى بالبذر من رب الأرض تشبيهاً له بالمضارب، فالذي جاءت به السنة هو الصواب الموافق لقياس الشرع وأصوله» اهـ. ٧ - ألحق العلماء بالمزارعة، والمساقاة سائر المشاركات الشبيهة بها، كالقراض، وهي المضاربة، وغير ذلك مما سيأتي بيانه. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٦٢): «وكذلك كل ما كان من هذا الجنس مثل أن يدفع دابته، أو سفينته إلى من يكتسب عليها والربح بينهما، أو من يدفع ماشيته أو نخله لمن يقوم عليها والصوف واللبن والولد والعسل بينهما» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٠/ ١١٤ - ١١٥):

стр. 5209

«وليست المزارعة مؤاجرة على عمل معين حتى يشترط فيها العمل بالأجرة؛ بل هي من جنس المشاركة: كالمضاربة ونحوها. وأحمد عنده هذا الباب هو القياس. ويجوز عنده أن يدفع الخيل، والبغال، والحمير، والجمال إلى من يكاري عليها، والكراء بين المالك والعامل، وقد جاء في ذلك أحاديث في سنن أبي داود وغيره. ويجوز عنده أن يدفع ما يصطاد به: الصقر والشباك، والبهائم، وغيرها إلى من يصطاد بها وما حصل بينهما. ويجوز عنده أن يدفع الحنطة إلى من يطحنها، وله الثلث، أو الربع. وكذلك الدقيق إلى من يعجنه، والغزل إلى من ينسجه، والثياب إلى من يخيطها بجزء في الجميع من النماء. وكذلك الجلود إلى من يحذوها نعالاً وإن حكي عنه في ذلك خلاف. وكذلك يجوز عنده -في أظهر الروايتين -أن يدفع الماشية إلى من يعمل عليها بجزء من درها، ونسلها، ويدفع دود القز، والورق إلى من يطعمه ويخدمه وله جزء من القز. وأمَّا قول من فرق بين المزارعة، والإجارة بأنَّ الإجارة عقد لازم؛ بخلاف المزارعة فيقال له: هذا ممنوع؛ بل إذا زارعه حولاً بعينه فالمزارعة عقد لازم، كما تلزم إذا كانت بلفظ الإجارة، والإجارة قد لا تكون لازمة كما إذا قال: آجرتك هذه الدار كل شهر بدرهمين؛ فإنَّها صحيحة في ظاهر مذهب أحمد وغيره، وكلما دخل شهر فله فسخ الإجارة. والجعالة في معنى الإجارة وليست عقداً لازماً.

стр. 5210

فالعقد المطلق الذي لا وقت له لا يكون لازماً، وأمَّا المؤقت فقد يكون لازماً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٢٥ - ٢٧): «تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره بأن يدفع إليه أرضه ويقول اغرسها من الأشجار كذا وكذا والغرس بيننا نصفان، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهما، وكما يدفع إليه شجره يقوم عليه والثمر بينهما، وكما يدفع إليه بقره، أو غنمه، أو إبله يقوم عليها والدر والنسل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها والأجرة بينهما، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما، وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها والماء بينهما، ونظائر ذلك، فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص، والقياس، واتفاق الصحابة، ومصالح الناس، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا مصلحة، ولا معنى صحيح يوجب فسادها، والذين منعوا ذلك عذرهم أنَّهم ظنوا ذلك كله من باب الإجارة فالعوض مجهول فيفسد، ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيهما، والمضاربة للإجماع دون ما عدا ذلك، ومنهم من خص الجواز بالمضاربة، ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة، ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان، وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل كالدر والنسل.

стр. 5211

والصواب جواز ذلك كله وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها، فإنَّه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك هذا بماله وهذا بعمله وما رزق الله فهو بينهما، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة حتى قال شيخ الإسلام: هذه المشاركات أحل من الإجارة. قال: لأنَّ المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصوده، وقد لا يحصل، فيفوز المؤجر بالمال، والمستأجر على الخطر، إذ قد يكمل الزرع، وقد لا يكمل، بخلاف المشاركة فإنَّ الشريكين في الفوز وعدمه على السواء، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما، وإن منعها استويا في الحرمان، وهذا غاية العدل، فلا تأتى الشريعة بحل الإجارة وتحريم هذه المشاركات. وقد أقرَّ النبي ﷺ المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام، فضارب أصحابه في حياته وبعد موته، وأجمعت عليها الأمة، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهذا كأنَّه رأى عين، ثم لم ينسخه، ولم ينه عنه، ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون، وأصحابه بعده، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها، وهم مشغولون بالجهاد وغيره، ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلَّا فيما منع منه النبي ﷺ وهو ما قال الليث بن سعد: إذا نظر ذو البصر بالحلال والحرام علم أنَّه لا يجوز ولو لم تأت هذه

стр. 5212

النصوص والآثار فلا حرام إلَّا ما حرمه الله ورسوله. والله ورسوله لم يحرم شيئاً من ذلك وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك» اهـ. قُلْتُ: ويجوز في المغارسة، أن تكون الأشجار بينهما بالنسب، أو الثمار دون الأشجار، ومنعت المالكية في المغارسة من إبقاء رقبة الأرض لصاحبها وتقاسم الأشجار، وأجازوها مع استحقاق العامل جزءاً من الأرض مع القسط من الشجر، ومنعت الشافعية من المغارسة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٧/ ٣٦٥): «وعلى شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء من ثمره، وظاهر نصه: وبجزء منه ومنهما، كالمزارعة وهي المغارسة والمناصبة، واختاره أبو حفص العكبري والقاضي في تعليقه، وشيخنا» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٤٨٨): «ولو دفع أرضه إلى آخر يغرسها بجزء من الغَرس صح كالمزارعة واختاره أبو حفص العكبري والقاضي في "تعليقه" وهو ظاهر مذهب أحمد» اهـ. قُلْتُ: الْمُنَاصَبَةُ هي المغارسة، وسميت بذلك لأنَّ العامة يسمون الشجرة الصغيرة نصباً أي أنَّها منصوبة. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١١٥ - ١١٧):

стр. 5213

«فصل: وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً، أو كيفما شرطا، صح، نص عليه في رواية الأثرم ومحمد بن أبي حرب وأحمد بن سعيد. ونقل عن الأوزاعي ما يدل على هذا. وكره ذلك الحسن، والنخعي، وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي: لا يصح، والربح كله لرب الدابة؛ لأنَّ الحمل الذي يستحق به العوض منها. وللعامل أجر مثله؛ لأنَّ هذا ليس من أقسام الشركة، إلَّا أن تكون المضاربة، ولا تصح المضاربة بالعروض، ولأنَّ المضاربة تكون بالتجارة في الأعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها. وقال القاضي: يتخرج أن لا يصح، بناء على أنَّ المضاربة بالعروض لا تصح، فعلى هذا إن كان أجر الدابة بعينها فالأجر لمالكها، وإن تقبل حمل شيء فحمله، أو حمل عليها شيئاً مباحاً فباعه، فالأجرة والثمن له، وعليه أجرة مثلها لمالكها. ولنا، أنَّها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها، كالدراهم والدنانير، وكالشجر في المساقاة، والأرض في المزارعة. وقولهم: إنَّه ليس من أقسام الشركة، ولا هو مضاربة.

стр. 5214

قلنا: نعم، لكنه يشبه المساقاة والمزارعة، فإنَّه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها. وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعروض فاسد؛ فإنَّ المضاربة إنَّما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه. وذكر القاضي، في موضع آخر، فيمن استأجر دابة؛ ليعمل عليها بنصف ما يرزقه الله تعالى أو ثلثه، جاز. ولا أرى لهذا وجهاً؛ فإنَّ الإجارة يشترط لصحتها العلم بالعوض، وتقدير المدة أو العمل، ولم يوجد، ولأنَّ هذا عقد غير منصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص، فهو كسائر العقود الفاسدة، إلَّا أن يريد بالإجارة المعاملة على الوجه الذي تقدم. وقد أشار أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة، فقال: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع؛ لحديث جابر، أنَّ النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر. وهذا يدل على أنَّه قد صار في هذا ومثله إلى الجواز؛ لشبهه بالمساقاة والمزارعة، لا إلى المضاربة، ولا إلى الإجارة. ونقل أبو داود، عن أحمد، فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو أن لا يكون به بأس.

стр. 5215

قال إسحاق بن إبراهيم: قال أبو عبد الله: إذا كان على النصف والربع، فهو جائز. وبه قال الأوزاعي. ونقل أحمد بن سعيد، عن أحمد، فيمن دفع عبده إلى رجل ليكسب عليه، ويكون له ثلث ذلك أو ربعه، فجائز، والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدابة. وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قمصاناً يبيعها، وله نصف ربحها بحق عمله، جاز. نص عليه في رواية حرب، وإن دفع غزلاً إلى رجل ينسجه ثوباً بثلث ثمنه أو ربعه، جاز. نص عليه. ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشافعي شيئاً من ذلك؛ لأنَّه عوض مجهول وعمل مجهول. وقد ذكرنا وجه جوازه. وإن جعل له مع ذلك دراهم معلومة، لم يجز. نص عليه. وعنه الجواز. والصحيح الأول. وقال أبو بكر: هذا قول قديم، وما روي غير هذا فعليه المعتمد. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع.

стр. 5216

وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم ودرهمين؟ قال: أكرهه؛ لأنَّ هذا شيء لا يعرف. والثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً؛ لحديث جابر، أنَّ النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر. قيل لأبي عبد الله: فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهماً؟ قال: فليجعل له ثلثاً وعشري ثلث، ونصف عشر وما أشبه. وروى الأثرم، عن ابن سيرين، والنخعي، والزهري، وأيوب، ويعلى بن حكيم، أنَّهم أجازوا ذلك. وقال ابن المنذر: كره هذا كله الحسن. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: هذا كله فاسد. واختاره ابن المنذر وابن عقيل، وقالوا: لو دفع شبكته إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين، فالصيد كله للصياد، ولصاحب الشبكة أجر مثلها. وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة، وما رزق الله بينهما على ما شرطاه؛ لأنَّها عين تنمى بالعمل فيها، فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا دفع الرجل دابته إلى من يرعاها بشيء من نسلها، ودرها، فقد أجاز ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀ كما سبق ذلك في كلامهما.

стр. 5217

وأمَّا الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فَقَدْ قَالَ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٣٨٧): «فصل: ولو استأجر راعياً لغنم بثلث درها، ونسلها، وصوفها، وشعرها، أو نصفه، أو جميعه، لم يجز. نص عليه أحمد، في رواية جعفر بن محمد النسائي؛ لأنَّ الأجر غير معلوم، ولا يصلح عوضاً في البيع. وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى الرجل، على أن يعلفها ويتحفظها، وما ولدت من ولد بينهما. فقال: أكره ذلك وبه قال أبو أيوب، وأبو خيثمة. ولا أعلم فيه مخالفاً؛ وذلك لأنَّ العوض مجهول معدوم، ولا يدرى أيوجد أم لا، والأصل عدمه، ولا يصح أن يكون ثمناً. فإن قيل: فقد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها. قلنا: إنَّما جاز ثَمَّ تشبيها بالمضاربة؛ لأنَّها عين تنمى بالعمل، فجاز اشتراط جزء من النماء، والمساقاة كالمضاربة، وفي مسألتنا لا يمكن ذلك؛ لأنَّ النماء الحاصل في الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها، فلم يمكن إلحاقه بذلك» اهـ. قُلْتُ: لم يظهر لي فرق معتبر بين الثمرة في المساقاة، والمزارعة، وبين الصوف، والشعر، والنسل في المشاركة في الأنعام، وأمَّا الفرق الذي ذكره ابن قدامة ففيه نظر، وذلك أنَّ نماء الصوف والشعر سببه التغذية التي حصلت بواسطة الراعي،

стр. 5218

وهكذا النسل، فإنَّه لولا ما يقوم به الراعي من الاهتمام بتغذية البهيمة، والقيام بسائر شؤونها، وهكذا ما يقوم به من إرسال الفحل عليها، لهلكت البهيمة، ولما حصل النسل. فالذي يظهر لي هو صحة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.

стр. 5219

أَنْوَاعُ الشَّرِكَاتِ. قُلْتُ: والشركات خمسة أنواع. النَّوْعُ الْأَوَلُ: شَّرِكَةُ العِنَانِ. وهي: أن يشترك بدنان بماليهما. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٢١): «وهي شركة متفق عليها» اهـ. وَقَالَ (١٠/ ١٢٤): «وهي جائزة بالإجماع» اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ خلاف العلماء في سبب تسمية هذه الشركة بذلك، فقال في [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٢٤): «واختلف في علة تسميتها شركة العنان، فقيل: سميت بذلك لأنَّهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما، وتساويا في السير، فإنَّ عنانيهما يكونان سواء. وقال الفراء: هي مشتقة من عن الشيء إذا عرض، يقال: عنت لي حاجة. إذا عرضت، فسميت الشركة بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما عن له أن يشارك صاحبه. وقيل: هي مشتقة من المعاننة، وهي المعارضة، يقال: عاننت فلاناً. إذا عارضته بمثل ماله وأفعاله. فكل واحد من الشريكين معارض لصاحبه بماله وفعاله. وهذا يرجع إلى قول الفراء» اهـ.

стр. 5220

قُلْتُ: المشهور أنَّها مأخوذة من عنان الدابة وهو ما تقاد به، كأنَّ كل واحد من الشريكين أخذ بعنان صاحبه، لا يطلقه يتصرف حيث شاء، أو لأنَّهما يتساويان في المال والتصرف، كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما، وتساويا في السير، فإنَّ عنانيهما يكونان سواء. على ما ذكره ابن قدامة ﵀. قُلْتُ: وقسمة الربح بينهما على ما اتفقا عليه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٠/ ١٤٩): «وأمَّا شركة العنان، وهو أن يشترك بدنان بماليهما، فيجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال مالك والشافعي: من شرط صحتها كون الربح والخسران على قدر المالين؛ لأنَّ الربح في هذه الشركة تبع للمال، بدليل أنَّه يصح عقد الشركة، وإطلاق الربح، فلا يجوز تغييره بالشرط، كالوضيعة. ولنا، أنَّ العمل مما يستحق به الربح، فجاز أن يتفاضلا في الربح مع وجود العمل منهما، كالمضاربين لرجل واحد، وذلك لأنَّ أحدهما قد يكون أبصر بالتجارة من الآخر، وأقوى على العمل، فجاز له أن يشترط زيادة في الربح في مقابلة عمله، كما يشترط الربح في مقابلة عمل المضارب.
следующие страницы →