← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

وطئها، سقط خيارها ولو لم تعلم أنَّ لها الفسخ، والرواية الأولى أصح، فإن عتق الزوج قبل أن تختار وقلنا: إنَّه لا خيار للمعتقة تحت حر بطل خيارها لمساواة الزوج لها، وحصول الكفاءة قبل الفسخ. قال الشافعي في أحد قوليه وليس هو المنصور عند أصحابه: لها الفسخ لتقدم ملك الخيار على العتق فلا يبطله، والأول أقيس لزوال سبب الفسخ بالعتق، وكما لو زال العيب في البيع والنكاح قبل الفسخ به، وكما لو زال الإعسار في زمن ملك الزوجة الفسخ به. وإذا قلنا: العلة ملكها نفسها، فلا أثر لذلك، فإن طلقها طلاقاً رجعياً، فعتقت في عدتها، فاختارت الفسخ، بطلت الرجعة، وإن اختارت المقام معه، صح، وسقط اختيارها للفسخ، لأنَّ الرجعية كالزوجة. وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: لا يسقط خيارها إذا رضيت بالمقام دون الرجعة، ولها أن تختار نفسها بعد الارتجاع، ولا يصح اختيارها في زمن الطلاق فإنَّ الاختيار في زمن هي فيه صائرة إلى بينوته، ممتنع فإذا راجعها، صح حينئذ أن تختاره وتقيم معه، لأنَّها صارت زوجة، وعمل الاختيار عمله، وترتب أثره عليه. ونظير هذا إذا ارتد زوج الأمة بعد الدخول، ثم عتقت في زمن الردة، فعلى القول الأول لها الخيار قبل إسلامه، فإن اختارته، ثم أسلم، سقط ملكها للفسخ، وعلى

стр. 5567

قول الشافعي: لا يصح لها خيار قبل إسلامه، لأنَّ العقد صائر إلى البطلان فإذا أسلم، صح خيارها. فإن قيل: فما تقولون إذا طلقها قبل أن تفسخ، هل يقع الطلاق أم لا؟ قيل: نعم يقع، لأنَّها زوجة؛ وقال بعض أصحاب أحمد وغيرهم: يوقف الطلاق، فإن فسخت، تبينا أنَّه لم يقع، وإن اختارت زوجها تبينا وقوعه. فإن قيل: فما حكم المهر إذا اختارت الفسخ؟ قيل: إمَّا أن تفسخ قبل الدخول أو بعده. فإن فسخت بعده، لم يسقط المهر، وهو لسيدها سواء فسخت أو أقامت، وإن فسخت قبله ففيه قولان، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا مهر، لأنَّ الفرقة من جهتها، والثانية، يجب نصفه، ويكون لسيدها لا لها. فإن قيل: فما تقولون في المعتق نصفها، هل لها خيار؟ قيل: فيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، فإن قلنا: لا خيار لها كزوج مدبرة له لا يملك غيرها وقيمتها مائة، فعقد على مائتين مهراً، ثم مات، عتقت، ولم تملك الفسخ قبل الدخول، لأنَّها لو ملكت، سقط المهر، أو انتصف، فلم تخرج من الثلث، فيرق بعضها، فيمتنع

стр. 5568

الفسخ قبل الدخول، بخلاف ما إذا لم تملكه، فإنها تخرج من الثلث، فيعتق جميعها» اهـ. وَقَال الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٨٩ - ١٩٠): «وإنَّما كان لها الخيار؛ لأنَّها إذا حدثت لها الحرية فقد حدث لها حال كمال ترتفع به عن العبد، ونقص الزوج عنها، وأيضًا فإنَّها حين عقد عليها سيدها لم تكن من أهل الاختيار لنفسها، فجعل لها الاختيار حين صارت أكمل حرمة من زوجها» اهـ. وَقَوْلُهُ ﵀: «وليست الروايتان مبنيتين على كون زوجها عبداً أو حراً، بل على تحقيق المناط في إثبات الخيار لها، وفيه ثلاثة مآخذ للفقهاء؛ أحدها: زوال الكفاءة، وهو المعبر عنه بقولهم: كملت تحت ناقص، الثاني: أنَّ عتقها أوجب للزوج ملك طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له بالعقد، وهذا مأخذ أصحاب أبي حنيفة، وبنوا على أصلهم أنَّ الطلاق معتبر بالنساء لا بالرجال، الثالث: ملكها نفسها، ونحن نبين ما في هذه». قُلْتُ: المأخذ الأول قاله الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد. والمأخذ الثالث: اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

стр. 5569

قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ١٧٧): «وَعَنْهُ: لَهَا الْخِيَارُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْخُلَاصَةِ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ وَغَيْرُهُ: أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ فِي الْفَسْخِ تَحْتَ حُرٍّ. وَإِنْ كَانَ زَوَّجَ بَرِيرَةَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ رَقَبَتَهَا. فَلَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا إلَّا بِاخْتِيَارِهَا» اهـ. وذهب إلى ذلك محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة في [الْحُجَّةِ عَلَى أَهِلِ الْمَدِيْنَةِ] (٤/ ٢٣). قُلْتُ: حديث: «قَدْ مَلَكْتِ نَفْسَكِ فَاخْتَارِي». لم أقف له على أصل، وقد ذكره الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٥٧) فقال: «واحتجوا أيضاً بما روي في بعض الآثار في قصة بريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: "قد ملكت نفسك فاختاري"» اهـ. قُلْتُ: وإذا اختارت فراق زوجها بانت عنه على الصحيح. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٥٥): «لا معنى لقول من قال: إنَّها طلقة رجعية؛ لأنَّ زوجها لو ملك رجعتها لم يكن لاختيارها معنى، وأي شيء كان يفيدها فرارها عن زوجها ومفارقتها إياه

стр. 5570

بتطليقها نفسها وهو يملك رجعتها هذا ما لا معنى له؛ لأنَّها إنَّما اختارت نفسها لتخلصها من عصمته فلو ملك رجعتها لم تتخلص منه، وإذا استحال ذلك فمعلوم أنَّ الطلاق إذا وقع بائناً لم يكن رجعياً بعد، وكيف يكون بائناً عند وقوعه وتكون لزوجها رجعتها أن أعتق هذا محال» اهـ. قُلْتُ: لكن هل اختيارها يكون طلاقاً، أو فسخاً، الذي يترجح عندي أنَّه يكون فسخاً، وذلك أنَّه لم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أمر زوج بريرة بتطليقها، ولم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه طلقها، فإذا كان الأمر كذلك فلم يبق إلَّا أن يكون فراقها مِنْ طَرِيْقِ الفسخ. والله أعلم. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٥٥): «وقال الثوري، والحسن بن حي، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه: إن اختارت الأمة المعتقة نفسها فهو فسخ بغير طلاق، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق» اهـ. قُلْتُ: وهذا هو مذهب مالك أيضاً. ٢ - وفيه أنَّ عتق الأمة لا يعتبر طلاقاً لها، إذ لو كان عتقها طلاقاً لها لما احتاج النبي ﷺ إلى تخييرها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧):

стр. 5571

«اختلف السلف هل يكون بيع الأمة وعتقها طلاقًا لها؟ فروى عن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، أنَّه لا يكون ذلك طلاقًا لها، وهو مذهب كافة الفقهاء. وقالت طائفة: بيعها طلاق لها، روى ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، ومن التابعين سعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد» اهـ. ٣ - أنَّ موالي أزواجه لا يدخلون في موالي آل بيته. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٢/ ٤٦١): «وقد تبين أنَّ دخول أزواجه في آل بيته أصح وإن كان مواليهن لا يدخلون في موالي آله بدليل الصدقة على بريرة مولاة عائشة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (ص: ٢١٨): «فإن قيل: لو كانت الصدقة حراماً عليهم لحرمت على مواليهن كما أنَّها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم. وقد ثبت في - الصحيح - أنَّ بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته ولم يحرمه النَّبي ﷺ وهي مولاة لعائشة ﵂. قيل: هذا هو شبهة من أباحها لأزواج النبي ﷺ .

стр. 5572

وجواب هذه الشبهة: أنَّ تحريم الصدقة على أزواج النَّبي ﷺ ليس بطريق الأصالة وإنَّما هو تبع لتحريمها عليه وإلَّا فالصدقة حلال لهن قبل اتصالهن به فهن فرع في هذا التحريم والتحريم على المولى فرع التحريم على سيده فلما كان التحريم على بني هاشم أصلاً استتبع ذلك مواليهم ولما كان التحريم على أزواج النبي ﷺ تبعاً لم يقو ذلك على استتباع مواليهن لأنَّه فرع عن فرع» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤): «اتفق كافة الفقهاء على أنَّ أزواج النبي، ﵇، لا يدخلن في آله الذين تحرم عليهم الصدقة، فمواليهن أحرى بالصدقة على ما ثبت في شاة ميمونة ولحم بريرة. وإنما اختلف العلماء في موالى بنى هاشم خاصة» اهـ. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٥٦): «وَقد نقل بن بَطَّالٍ أَنَّهُنَّ أَيِ الْأَزْوَاجَ لَا يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ بن قدامَة أَنْ الْخلال أخرج من طَرِيق بن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، قَالَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا قُلْتُ وَإِسْنَادُهُ إِلَى عَائِشَةَ حسن وَأخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِيمَا نَقله بن بطال» اهـ.

стр. 5573

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ فِي [نَيْلِ الْأَوْطَارِ] (٤/ ٢٠٧): «وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْأَزْوَاجِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَلَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَ الْبَعْضِ بِدُخُولِهِنَّ فِي الْآلِ يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِنَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ» اهـ. وقد رد ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [جَلَاءِ الْأَفْهَامِ] (ص: ٢١٧ - ٢١٨) فَقَالَ: «وَلِهَذَا كَانَ القَوْل الصَّحِيح وَهُوَ مَنْصُوص الإِمَام أَحْمد ﵀ إِنْ الصَّدَقَة تحرم عَلَيْهِم لِأَنَّهَا أوساخ النَّاس وَقد صان الله سُبْحَانَهُ ذَلِك الجناب الرفيع وَآله من كل أوساخ بني آدم وَيَا لله الْعجب كَيفَ يدْخل أَزوَاجه فِي قَوْله ﷺ اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا وَقَوله فِي الْأُضْحِية اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد، وَفِي قَول عَائِشَة ﵂ مَا شبع آل رَسُول الله ﷺ من خبز بر، وَفِي قَول الْمُصَلِّي اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَلَا يدخلن فِي قَوْله: "إِنْ الصَّدَقَة لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد" مَعَ كَونهَا من أوساخ النَّاس فأزواج رَسُول الله ﷺ أولى بالصيانة عَنْهَا والبعد مِنْهَا» اهـ.

стр. 5574

قُلْتُ: والدليل على تحريم الصدقة على موالي بني هاشم ما رواه البخاري (٦٧٦١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أَوْ كَمَا قَالَ. وأصرح من هذا ما رواه أحمد (٢٣٩٢٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَبَهْزٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا قَالَ: لَا حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «الصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. والحكم هو ابن عتيبة، وابن أبي رافع هو عبيد الله، وأبوه أبو رافع اختلف في اسمه، وهو من موالي النبي ﷺ . ٤ - ويؤخذ منه أيضاً أنَّه يجوز للغني أن يأكل من الصدقة التي تُصدق بها على الفقير، إذا أهدى له الفقير شيئاً منها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٢/ ١٧):

стр. 5575

«وكان ﷺ ينهى المتصدق أن يشترى صدقته، وكان يبيح للغنى أن يأكل من الصدقة إذا أهداها إليه الفقير، وأكل ﷺ من لحم تصدق به على بريرة وقال: "هو عليها صدقة ولنا منها هدية"» اهـ. ٥ - فيه مشروعية تسمية الصدقة هدية. ٦ - وفيه ثبوت الولاء للمعتق، وعمومه يشمل الرجال والنساء. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٦٠ - ٦١): «وأمَّا قوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق" فإنَّه يدخل في قوله من أعتق كل مالك نافذ أمره مستقر ملكه من الرجال والنساء البالغين إلَّا أنَّ النساء ليس لهن من الولاء إلَّا ما أعتقن أو ولاء عتق من أعتق؛ لأنَّ الولاء للعصبات وليس لذوي الفروض مدخل في ميراث الولاء إلَّا أن يكونوا عصبة وليس النساء بعصبة. روى ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري أنَّه أخبره عن سالم أنَّ ابن عمر كان يورث موالي عمر دون بنات عمر، وروي عن زيد بن ثابت معناه، وعليه جماعة أهل العلم، ولا يستحق الولاء من العصبات إلَّا الأقرب فالأقرب، ولا يدخل بعيد على قريب، وإن قربت قراباتهم فأقرب العصبات الأبناء، ثم بنوهم

стр. 5576

وإن سفلوا، ثم الأب؛ لأنَّه ألصق الناس به بعد ولده وولد ولده، ثم الأخوة لأنَّهم بنو الأب، ثم بنو الأخوة وإن سفلوا، ثم الجد أب الأب، ثم العم؛ لأنَّه ابن الجد، ثم بنو العم فعلى هذا التنزيل ميراث الولاء وعلى هذا المجرى يجري ميراث الولاء وما أحرز الأبناء والآباء من الولاء فهو لعصبتهم» اهـ. قُلْتُ: الصحيح أنَّ عصبة الجد مقدمة على عصبة الإخوة وأبنائهم. والله أعلم. والدليل على أنَّ الولاء يرث به العصبة دون غيرهم، ما رواه أحمد (١٨٣)، وأبو داود (٢٩١٧)، وابن ماجه (٢٧٣٢) مِنْ طَرِيْقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رِئَابَ بْنَ حُذَيْفَةَ، تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ، فَمَاتَتْ أُمُّهُمْ فَوَرَّثُوهَا رِبَاعَهَا، وَوَلَاءَ مَوَالِيهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَصَبَةَ بَنِيهَا، فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى الشَّامِ فَمَاتُوا، فَقَدَّم عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمَاتَ مَوْلًى لَهَا وَتَرَكَ مَالًا لَهُ، فَخَاصَمَهُ إِخْوَتُهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ أَوِ الْوَالِدُ، فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ» قَالَ: فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَرَجُلٍ آخَرَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عَبْدُ الْمَلِكِ اخْتَصَمُوا إِلَى هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ - أَوْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامٍ

стр. 5577

- فَرَفَعَهُمْ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: هَذَا مِنَ الْقَضَاءِ الَّذِي مَا كُنْتُ أَرَاهُ، قَالَ: فَقَضَى لَنَا بِكِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَنَحْنُ فِيهِ إِلَى السَّاعَةِ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ولعل المراد بميراث ولائها الميراث به، وإلَّا فإنَّ الولاء لا يورث، وإنَّما يورث به. ٧ - وهل يدخل في عمومه الكافر إذا أعتق عبده المسلم، في ذلك نزاع بين العلماء. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٦٨ - ٦٩): «وأمَّا النصراني يعتق عبده المسلم قبل أن يباع عليه فإنَّ مالكاً وأصحابه يقولون: ليس له من ولائه شيء وولاؤه لجماعة المسلمين ولا يرجع إليه الولاء أبداً وإن أسلم، ولا إلى ورثته وإن كانوا مسلمين. وحجة من قال بهذا القول أنَّ إسلام عبد النصراني يرفع ملكه عنه ويوجب إخراجه عن يده فلما كان ملكه يرتفع بإسلامه لم يثبت الولاء له بعد عتقه وإذا لم يثبت له ثبت لجماعة المسلمين وإذا ثبت لهم الولاء لم ينتقل عنهم لأنَّه لحمة كلحمة النسب وسواء أسلم سيده بعد ذلك أو لم يسلم؛ لأنَّ الولاء قد ثبت لجماعة المسلمين، قالوا: والدليل على ارتفاع ملك النصراني عن عبده المسلم عموم قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

стр. 5578

سَبِيلاً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، والحديث "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه". وقال الشافعي والعراقيون وأصحابهم: إذا أسلم عبد النصراني فاعتقه قبل أن يباع عليه فولاؤه له ولورثته من بعده فإن أسلم مولاه ثم مات المعتق ولم يكن له وارث بالنسب ورثه معتقه وإن لم يسلم لم يرثه لقول رسول الله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" وحجتهم في أنَّ الولاء له عموم قول رسول الله ﷺ "الولاء لمن أعتق" لم يخص مسلماً من كافر ولو لم يكن له عليه ملك ما بيع عليه ودفع ثمنه إليه وقد قال ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب"» اهـ. وقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٢/ ٥٣): «فالجمهور أنَّ الكافر إذا أعتق مسلماً لا يرثه بالولاء، وعن أحمد رواية أنَّه يرثه، ونقل مثله عن علي» اهـ. قُلْتُ: حجة الإمام مالك ﵀ أقوى. ٨ - ويدخل في عمومه ما إذا أعتق مسلم كافراً ثم مات المعتق وليس له عاصب فإنَّ المسلم يرثه، وقد سبقت هذه المسألة في شرح حديث أسامة الماضي.

стр. 5579

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٦٧): «ويحتج بعمومه أحمد ومن وافقه في أنَّ المسلم إذا أعتق عبداً ذمياً، ثم مات العتيق، ورثه بالولاء، وهذا العموم أخص من قَوْلُهُ: "لا يرث المسلم الكافر" فيخصصه أو يقيده، وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: لا يرثه بالولاء إلَّا أن يموت العبد مسلماً، ولهم أن يقولوا: إنَّ عموم قَوْلُهُ: "الولاء لمن أعتق"، مخصوص بِقَوْلِهِ: "لا يرث المسلم الكافر"» اهـ. قُلْتُ: أمَّا ثبوت الولاء فلا نزاع فيه، وإنَّما تنازع العلماء في الميراث به عند اختلاف الدين. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٥٨): «فصل: وإن اختلف دين السيد وعتيقه، فالولاء ثابت. لا نعلم فيه خلافاً؛ لعموم قول النبي ﷺ : "الولاء لمن أعتق". ولِقَوْلِهِ: "الولاء لحمة كلحمة النسب". ولحمة النسب تثبت مع اختلاف الدين، وكذلك الولاء، ولأنَّ الولاء إنَّما يثبت له عليه لإنعامه بإعتاقه، وهذا المعنى ثابت مع اختلاف دينهما» اهـ. ٩ - يعم الحديث العبد المعتق سائبة، أو كفارة، أو غير ذلك، فإنَّ ولاءه لمن أعتقه.

стр. 5580

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٦٧): «وفي قوله ﷺ : "إنَّما الولاء لمن أعتق" من العموم ما يقتضى ثبوته لمن أعتق سائبة، أو في زكاة، أو كفارة، أو عتق واجب، وهذا قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات، وقال في الرواية الأخرى: لا ولاء عليه، وقال في الثالثة: يرد ولاؤه في عتق مثله» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٦٨): «فصل: وإن أعتق عبداً عن كفارته، أو نذره، أو من زكاته، فقال أحمد في الذي يعتق من زكاته: إن ورث منه شيئاً جعله في مثله. قال: وهذا قول الحسن. وبه قال إسحاق، وعلى قياس ذلك العتق من الكفارة والنذر؛ لأنَّه واجب عليه. وقد روي عن أحمد، أنَّه قال في الذي يعتق في الزكاة: ولاؤه للذي جرى عتقه على يديه، وقال مالك، والعنبري: ولاؤه لسائر المسلمين، ويجعل في بيت المال. وقال أبو عبيد: ولاؤه لصاحب الصدقة. وهو قول الجمهور في العتق في النذر والكفارة؛ لقول النبي ﷺ : "الولاء لمن أعتق"؛ ولأنَّ عائشة، اشترت بريرة بشرط العتق، فأعتقتها، فكان ولاؤها لها. وشرط العتق يوجبه، ولأنَّه معتق عن نفسه فكان الولاء له كما اشترط عليه العتق فأعتق.

стр. 5581

ولنا، أنَّ الذي أعتق من الزكاة معتق من غير ماله، فلم يكن له الولاء، كما لو دفعها إلى الساعي فاشترى بها وأعتق، وكما لو دفع إلى المكاتب مالاً، فأداه في كتابته، وفارق من اشترط عليه العتق فإنَّه إنَّما أعتق ماله، والعتق في الكفارة والنذر واجب عليه، فأشبه العتق من الزكاة. وذهب كثير من أهل العلم إلى أنَّه لا يعتق من الزكاة وعلل بعضهم المنع من ذلك، بأنَّه يجر الولاء إلى نفسه فينتفع بزكاته. وهذا قول لأحمد، رواه عنه جماعة. وهو قول النخعي، والشافعي» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي صحته هو إجراء الحديث على عمومه. والله أعلم. وفي السائبة نزاع بين العلماء، والصحيح إجراء الحديث على عمومه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٦٥ - ١٦٦): «مسألة؛ قال: "ومن أعتق سائبة، لم يكن له الولاء، فإن أخذ من ميراثه شيئاً، رده في مثله". قال أحمد في رواية عبد الله: الرجل يعتق عبده سائبة، هو الرجل يقول لعبده: قد أعتقتك سائبة. كأنَّه يجعله لله، لا يكون ولاؤه لمولاه، قد جعله لله وسلمه. عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود: السائبة يضع ماله حيث شاء.

стр. 5582

وقال أحمد، قال عمر: السائبة والصدقة ليومها. ومتى قال الرجل لعبده: أعتقتك سائبة، أو أعتقتك ولا ولاء لي عليك. لم يكن له عليه ولاء. فإن مات، وخلف مالاً، ولم يدع وارثاً، اشتري بماله رقاب، فأعتقوا. في المنصوص عن أحمد. وأعتق ابن عمر عبداً سائبة، فمات، فاشترى ابن عمر بماله رقاباً فأعتقهم. وقال عمر بن عبد العزيز، والزهري، ومكحول، وأبو العالية، ومالك: يجعل ولاؤه لجماعة المسلمين، وعن عطاء أنَّه قال: كنا نعلم أنَّه إذا قال: أنت حر سائبة فهو يوالي من شاء. ولعل أحمد ﵀ ذهب إلى شراء الرقاب استحباباً لفعل ابن عمر. والولاء للمعتق. وهذا قول النخعي، والشعبي، وابن سيرين، وراشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، والشافعي، وأهل العراق؛ لقوله ﵇: "الولاء لمن أعتق". وجعله لحمة كلحمة النسب فكما لا يزول نسب إنسان ولا ولد عن فراش بشرط، لا يزول ولاء عن معتق ولذلك لما أراد أهل بريرة اشتراط ولائها على

стр. 5583

عائشة، قال لها النبي ﷺ : "اشتريها، واشترطي لهم الولاء، فإنَّما الولاء لمن أعتق". يعني أنَّ اشتراطهم تحويل الولاء عن المعتق لا يفيد شيئاً، ولا يزيل الولاء عن المعتق، وروى مسلم بإسناده عن هزيل بن شرحبيل، قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: إنِّي أعتقت عبداً لي، وجعلته سائبة، فمات، وترك مالاً، ولم يدع وارثاً، فقال عبد الله: إنَّ أهل الإسلام لا يسيبون، وإنَّ أهل الجاهلية كانوا يسيبون، وأنت ولي نعمته، فإن تأثمت وتحرجت من شيء فنحن نقبله، ونجعله في بيت المال. وقال سعيد: ثنا هشيم، ثنا بشر، عن عطاء، أن طارق بن المرقع أعتق سوائب، فماتوا، فكتب إلى عمر ﵁ فكتب عمر، أن ادفع مال الرجل إلى مولاه، فإن قبله وإلَّا فاشتر به رقاباً فأعتقهم عنه. وقال: حدثنا هشيم عن منصور، أنَّ عمر وابن مسعود قالا في ميراث السائبة: هو للذي أعتقه. وهذا القول أصح في الأثر والنظر، وفي المواضع التي جعل الصحابة ميراثه لبيت المال أو في مثله، كان لتبرع المعتق وتورعه عن ميراثه، كفعل ابن عمر في ميراث معتقه، وفعل عمر وابن مسعود في ميراث الذي تورع سيده عن أخذ ماله، وقد

стр. 5584

روي أنَّ سالماً مولى أبي حذيفة أعتقته لبني بنت يعار سائبة فقتل وترك ابنة، فأعطاها عمر نصف ماله، وجعل النصف في بيت المال. وعلى القول المنصوص عن أحمد، إن خلف السائبة مالاً، اشتري به رقاب فأعتقوا، فإن رجع من ميراثهم شيء، اشتري به أيضاً رقاب فأعتقوا. وإن خلف السائبة ذا فرض لا يستغرق ماله، أخذ فرضه، واشتري بباقيه رقاب فأعتقوا، ولا يرد على ذي الفرض» اهـ. عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٢٣١)، وابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٠٨١) مِنْ طَرِيْقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أُتِيَ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا، قَالَ: أَحْسَبُهُ، قَالَ: أَعْتَقْتُهُ سَائِبَةً، فَأَمَرَ أَنْ يُشْتَرَى بِهِ رِقَابٌ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٦٢٢٣) فَقَالَ أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ لَهُ: كَانَ لِي عَبْدٌ فَأَعْتَقْتُهُ وَجَعَلْتُهُ سَائِبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: «إِنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُسَيِّبُونَ إِنَّمَا كَانَ يُسَيِّبُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِنِعْمَتِهِ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ فَإِنْ تَحَرَّجْتَ مِنْ شَيْءٍ، فَأَرِنَاهُ فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ».

стр. 5585

قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ورواه البخاري (٦٧٥٣) مختصراً. وجاء عن ابن مسعود خلاف ذلك وهو ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٠٨٥)، والدارمي في [سُنَنِهِ] (٣١١٧)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٧٤٦٣)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٢١٢٧٦) مِنْ طَرِيْقِ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «السَّائِبَةُ يَضَعُ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. ١٠ - وفيه جواز بقاء الحرة تحت العبد. قُلْتُ: وهكذا يجوز ابتداء نكاح الحرة بالعبد بالاتفاق. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٨٩): «أجمع العلماء أنَّ الحرة يجوز لها أن تنكح العبد إذا رضيت به؛ لأنَّ ولدها منه حر تبع لأمه لقوله ﵇: "كل ذات رحم فولدها بمنزلتها"، يعني في العتق والرق» اهـ. قُلْتُ: هذا الذي أورده ابن بطال لا أعلمه حديثاً، وإنَّما جاء من قول بعض العلماء كالإمام مالك.

стр. 5586

١١ - واحتج به من قال: إنَّ من أعتق عن ميت فولاؤه للمعتق. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٢٠/ ٢٧): «وكذلك العتق عن الميت جائز بإجماع أيضاً إلَّا أنَّ العلماء اختلفوا في الولاء فذهب مالك وأصحابه إلى أنَّ الولاء للمعتق عنه. وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنَّ الولاء للمعتق على كل حال، وذهب الكوفيون إلى أنَّ العتق إن كان بأمر المعتق عنه فالولاء له وإن كان بغير أمره فالولاء للمعتق» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤١٦ - ٤١٧): «مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ رَجُلٍ حَيٍّ بِلَا أَمْرِهِ، أَوْ عَنْ مَيِّتٍ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ) هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَدَاوُد وَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ". وَلِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ غَيْرِهِ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ ولاءه للمعتق على ظاهر الحديث.

стр. 5587

١٢ - وظاهر الحديث أنَّ الولاء لا يورث بعد موت المعتق؛ لأنَّ النبي ﷺ جعله للمعتق فلا ينتقل إلى غيره، لكن يورث المال به. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٦٤): «فصل: ولا ينتقل الولاء عن المعتق بموته، ولا يرثه ورثته، وإنَّما يرثون المال به مع بقائه للمعتق. هذا قول الجمهور. وروي نحو ذلك عن عمر، وعلي، وزيد، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عمر، وأبي مسعود البدري، وأسامة بن زيد. وبه قال عطاء، وطاووس، وسالم بن عبد الله، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والزهري، والنخعي، وقتادة، وأبو الزناد، وابن قسيط ومالك والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وداود وشذ شريح، وقال: الولاء كالمال، يورث عن المعتق، فمن ملك شيئاً حياته فهو لورثته. ورواه حنبل، ومحمد بن الحكم، عن أحمد. وغلطهما أبو بكر، وهو كما قال؛ فإنَّ رواية الجماعة عن أحمد مثل قول الجماعة، وذلك لقوله ﵇: "الولاء للمعتق". وَقَوْلِهِ: "الولاء لحمة كلحمة النسب".

стр. 5588

والنسب لا يورث وإنَّما يورث به، ولأنَّه معنى يورث به، فلا ينتقل كسائر الأسباب، والله تعالى أعلم» اهـ. ١٣ - وعموم الحديث يشمل المكاتب، والْمُدَبَّرِ، فإنَّ ولاءهما لسيدهما. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٧٣): «مسألة؛ قال: "وولاء المكاتب والمدبر لسيدهما إذا أعتقا" هذا قول عامة الفقهاء. وبه يقول الشافعي وأهل العراق، وحكى ابن سراقة عن عمرو بن دينار، وأبي ثور، أنَّه لا ولاء على المكاتب؛ لأنَّه اشترى نفسه من سيده، فلم يكن له عليه ولاء، كما لو اشتراه أجنبي فأعتقه. وكان قتادة يقول: من لم يشترط ولاء المكاتب، فلمكاتبه أن يوالي من شاء. وقال مكحول: أمَّا المكاتب إذا اشترط ولاءه مع رقبته، فجائز. ولنا، أنَّ السيد هو المعتق للمكاتب؛ لأنَّه يتبعه بماله، وماله وكسبه لسيده، فجعل ذلك له، ثم باعه به حتى عتق، فكان هو المعتق، وهو المعتق للمدبر بلا إشكال، وقد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الولاء لمن أعتق". ويدل على ذلك أنَّ المكاتبين يدعون موالي مكاتبيهم، فيقال: أبو سعيد مولى أبي أسيد، وسيرين مولى أنس، وسليمان بن يسار مولى ميمونة، وقد وهبت ولاءه لابن

стр. 5589

عباس، وكانوا مكاتبين، وكذلك أشباههم، ويدل على ذلك أنَّ في حديث بريرة، أنَّها جاءت عائشة فقالت: يا أم المؤمنين إنِّي كاتبت أهلي على تسع أواق فأعينيني فقالت عائشة: إن شاءوا عددت لهم عدة واحدة ويكون ولاؤك لي فعلت. فأبوا أن يبيعوها إلَّا أن يكون الولاء لهم، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اشتريها واشترطي لهم الولاء". وهذا يدل على أنَّ الولاء كان لهم لو لم تشترها منهم عائشة» اهـ. ١٤ - يدخل في عموم الحديث ما إذا اشترك جماعة في عتق عبد، فإنَّ ولاءه لهم جميعاً. قُلْتُ: وهذا الذي ذكرناه بعض مسائل هذا الحديث على حسب هذا اللفظ الذي أورده صاحب العمدة، ولو تتبع الشخص ألفاظ الحديث خرج بفوائد كثيرة. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٤٨ - ٤٩): «قد أكثر الناس في تشقيق معاني الأحاديث المروية في قصة بريرة وتفتيقها وتخريج وجوهها.

стр. 5590

فلمحمد بن جرير في ذلك كتاب، ولمحمد بن خزيمة في ذلك كتاب، ولجماعة في ذلك أبواب، أكثر ذلك تكلف واستنباط واستخراج محتمل وتأويل ممكن لا يقطع بصحته ولا يستغنى عن الاستدلال عليه» اهـ. * * *

стр. 5591

كِتَابُ النِّكَاحِ. ٢٩٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّ بَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَة فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». قَوْلُهُ: «كِتَابُ النِّكَاحِ». النكاح لغة: الضم والجمع. يقال: تناكحت الأشجار، إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض، وهو بهذا المعنى يشمل العقد والوطء. ويأتي بمعنى الإصابة ومنه نكح المطر الأرض أصابها، ونكح النعاس عينه: أصابها، وهو بهذا المعنى يختص بالوطء. ويطلق النكاح لغة على الوطء والعقد وقرينة الكلام تفرق بين أحد المرادين فإذا قالوا: نكح فلان فلانة أو بنت فلان فالمراد تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته فالمراد جامعها؛ لأنَّ قرينة الزوجية دالة على ذلك. ومن مجيء النكاح بمعنى الوطء قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].

стр. 5592

فائدة: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٤٢١): «ولفظ النكاح وغيره في الأمر يتناول الكامل وهو العقد والوطء كما في قَوْلِهِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وفي النهي يعم الناقص والكامل؛ فينهى عن العقد مفرداً وإن لم يكن وطء كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وهذا لأنَّ الآمر مقصوده تحصيل المصلحة وتحصيل المصلحة إنَّما يكون بالدخول كما لو قال: اشتر لي طعاماً؛ فالمقصود ما يحصل إلَّا بالشراء والقبض، والناهي مقصوده دفع المفسدة فيدخل كل جزء منه؛ لأنَّ وجوده مفسدة» اهـ. وَقَوْلُهُ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٠٨): «المعشر جماعة يشملهم وصف ما، والشباب جمع شاب، ويجمع أيضاً على شببه وشبان بضم أوله والتثقيل، وذكر الأزهري أنَّه لم يجمع فاعل على فعال غيره، وأصله الحركة والنشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين هكذا أطلق الشافعية، وقال القرطبي في "المفهم" يقال له حدث إلى ستة عشر سنة، ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين، ثم كهل، وكذا ذكر الزمخشري في الشباب أنَّه من لدن البلوغ

стр. 5593

إلى اثنتين وثلاثين. وقال ابن شاس المالكي في "الجواهر" إلى أربعين، وقال النووي: الأصح المختار أنَّ الشاب من بلغ ولم يجاوز الثلاثين، ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو شيخ. وقال الروياني وطائفة: من جاوز الثلاثين سمي شيخاً، زاد بن قتيبة: إلى أن يبلغ الخمسين. وقال أبو إسحاق الإسفرايني عن الأصحاب: المرجع في ذلك إلى اللغة، وأمَّا بياض الشعر فيختلف باختلاف الأمزجة» اهـ. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّه اختلف في مبدأ الشباب فمنهم من قال هو البلوغ، ومنهم من حده بستة عشر سنة. واختلفوا أيضاً في منتهى الشباب فقيل بلوغ الثلاثين، وقيل بلوغ اثنين وثلاثين سنة، وقيل بلوغ أربعين سنة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٩٠): «وإخراج الحديث لمخاطبة الشباب: بناء على الغالب لأنَّ أسباب قوة الداعي إلى النكاح فيه موجودة بخلاف الشيوخ والمعنى معتبر إذا وجد في الكهول والشيوخ أيضاً» اهـ. وَقَوْلُهُ: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَة».

стр. 5594

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٣٨٩): «الباءة: النكاح مشتق من اللفظ الذي يدل على الإقامة والنزول والباءة المنزل فلما كان الزوج ينزل بزوجته: سمى النكاح باءة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١١٧): «و"الباءة" - بفتح الباء، والمد -: النِّكَاح. وأصله: الْمَنْزِل؛ يقال: باءةٌ، ومباءة، ومبوَّأ. ومنه قوله ﷺ في المدينة حين أطلَّ عليها: "هذه المبوَّأ"؛ أي: المنزل. ثم قيل للتزويج: باءة؛ لأنَّ من تزوَّج امرأة بوَّأها منزلاً» اهـ. قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في المراد بالباءة في هذا الحديث، هل الجماع، أو القدرة على مؤنه. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٧٠): «وأصلها في اللغة: الجماع، مشتقة من المباءة وهي المنزل، ومنه مباءة الإبل، وهي مواطنها، ثم قيل لعقد النكاح: باءة؛ لأنَّ من تزوج امرأة بوأها منزلاً. واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما: أنَّ المراد معناها اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه

стр. 5595

بالصوم ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشبان الذين هم مظنة شهوة النساء، ولا ينفكون عنها غالباً. والقول الثاني: أنَّ المراد هنا بالباءة مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطعها فليصم؛ ليدفع شهوته. والذي حمل القائلين بهذا أنَّهم قالوا: قوله ﷺ : "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"، قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن، وأجاب الأولون بما قدمناه في القول الأول، وهو أنَّ تقديره: من لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه، وهو محتاج إلى الجماع فعليه بالصوم. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: تفسير الباءة بمؤنة النكاح هو الذي يظهر لي رجحانه، ولا داعي حينئذ إلى تكلف التأويل. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦): «و"استطاعة النكاح" هو القدرة على المؤنة؛ ليس هو القدرة على الوطء؛ فإنَّ الحديث إنَّما هو خطاب للقادر على فعل الوطء؛ ولهذا أمر من لم يستطع أن يصوم؛ فإنَّه له وجاء» اهـ.

стр. 5596

وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَي الْمَصْرِيَّةِ] (١/ ٣٩٦): «واستطاعة النكاح هي القدرة على المؤنة ليس القدرة على الوطء فإنَّ الحديث إنَّما هو خطاب للقادر على فعل الوطء ولهذا أمر من لم يستطيع الباءة بالصوم فإنَّه له وجاء» اهـ. وَقَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ». أي: أشد خفضاً للبصر والغض الكف. وَقَوْلُهُ: «وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ». أي: أشد إحصاناً له، ومنعاً عن الوقوع في الفاحشة، والإحصان بمعنى المنع. وَقَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». الوجاء هو رض الخصيتين، وقيل رض عروقهما من أجل قطع الشهوة. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - الأمر بالنكاح لمن كان قادراً عليه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣٥٣): «فصل: والناس في النكاح على ثلاثة أضرب؛ منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنَّه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح.

стр. 5597

الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال له به أولى من التخلي لنوافل العبادة. وهو قول أصحاب الرأي. وهو ظاهر قول الصحابة ﵃، وفعلهم». إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «وقال الشافعي: التخلي لعبادة الله تعالى أفضل» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٦٢): «وذهب أهل الظاهر إلى أنَّه فرض على الرجل والمرأة مرة في الدهر إن كان الرجل واجدًا لطول الحرة، وإن عدم لزمه نكاح الأمة، واحتجوا بظاهر هذا الحديث، وحملوا أمره ﵇ بالنكاح على الإيجاب، قالوا: ولكنه أمر لخاص من الناس، وهم الخائفون على أنفسهم العنت بتركهم النكاح، فأمَّا من لم يخف العنت، فهو غير مراد بالحديث. قالوا: وقد بين صحة قولنا إخباره ﵇ عن السبب الذى من أجله أمر الذى يستطيع الباءة بالنكاح، وذلك قَوْلُهُ: "فإنَّه أغض للبصر، وأحصن للفرج"، فمن قدر على غض بصره عن المحارم، وتحصين فرجه فغير فرض عليه النكاح، ومن كان غير قادر على ذلك وخشى مواقعة الحرام، فالنكاح فرض عليه لأمر النبي، ﵇، إياه به» اهـ.

стр. 5598

قُلْتُ: والدليل على عدم وجوب الزواج لمن لم يخش على نفسه الفاحشة قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]. ووجه الشاهد من الآية أنَّ الله خير فيها بين النكاح وملك اليمين، والتخيير يمنع وجوبه على التعيين، وأيضاً فإنَّ الله خير في الآية بين النكاح والتسري، والتسري لا يجب فكذلك النكاح، فإنَّ التخيير لا يكون بين واجب ومستحب. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ١١٧): «وَقَوْلُهُ: "فليتزوج" أمرٌ، وظاهره: الوجوب. وبه قال داود ومَنْ تابعه. والواجب عندهم العَقْدُ لا الدخول، فإنَّه إنَّما يجب عندهم مرة في العمر. والجمهور: على أنَّ التزويج مندوب إليه، مُرَغَّبٌ فيه على الجملة. وقد اعتبره بعض علمائنا بالنظر إلى أحوال النَّاس، وقسَّمه بأقسام الأحكام الخمسة. وذلك واضحٌ. وصرف الجمهورُ ذلك الأمرَ عن ظاهره لشيئين: أحدهما: أنَّ الله تعالى قد خيَّر بين التزويج والتَّسَرِّي بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾،

стр. 5599

والتَّسرِّي ليس بواجب إجماعًا، فالنكاح لا يكون واجبًا؛ لأنَّ التخيير بين الواجب وبين ما ليس بواجب يرفع وجوب الواجب. وبَسْطُ هذا في الأصول. وثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، ولا يقال في الواجب: إنَّ فاعله غير ملوم. ثم هذا الحديث لا حجَّة لهم فيه لوجهين: أحدهما: أنَّا نقول بموجبه في حق الشابّ المستطيع الذي يَخافُ الضررَ على نفسه ودينه من العُزْبة، بحيث لا يرتفع عنه إلَّا بالتزويج، وهذا لا يُختلف في وجوب التزويج عليه. والثاني: أنَّهم قالوا: إنَّما يجب العقد لا الوطء. وظاهرُ الحديث: إنَّما هو الوطء، فإنَّه لا يحصل شيءٌ من الفوائد التي أرشد إليها في ذلك الحديث؛ من تحصين الفرج، وغَضِّ البصر بالعقد. بل: إنَّما يحصل كلُّ ذلك بالوطء، وهو الذي يحصل دفع الشَّبق إليه بالصوم. فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث. وما تناوله الحديثُ لم يذهبوا إليه. وذلك دليل على سوء فهمهم، وقلِّة فطنتهم» اهـ. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١١٠) متعقباً: «كذا قال، وقد صرح أكثر المخالفين بوجوب الوطء فاندفع» اهـ.

стр. 5600

قُلْتُ: النكاح سنة من سنن المرسلين كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ] (٣/ ٦٧٩ - ٦٨٠): «استدل على تفضيل النكاح على التخلي لنوافل العبادة بأنَّ الله تعالى اختار النكاح لأنبيائه ورسله فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾، وقال في حق آدم: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾، واقتطع من زمن كليمة عشر سنين في رعاية الغنم مهر الزوجة ومعلوم مقدار هذه السنين العشر في نوافل العبادات. واختار لنبيه محمد أفضل الأشياء فلم يحب له ترك النكاح بل زوجة بتسع فما فوقهن ولا هدي فوقه هدية. ولو لم يكن فيه إلَّا سرور النبي ﷺ يوم المباهاة بأمته. ولو لم يكن فيه إلَّا أنَّه بصدد أنَّه لا ينقطع عمله بموته. ولو لم يكن فيه إلَّا أنَّه يخرج من صلبه من يشهد بالله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة. ولو لم يكن فيه إلَّا غض بصره وإحصان فرجه عن التفاته إلى ما حرم الله تعالى.

стр. 5601

ولو لم يكن فيه إلَّا تحصين امرأة يعفها الله به ويثيبه على قضاء وطره ووطرها فهو في لذاته وصحائف حسناته تتزايد. ولو لم يكن فيه إلَّا ما يثاب عليه من نفقته على امرأته وكسوتها ومسكنها ورفع اللقمة إلى فيها. ولو لم يكن فيه إلَّا تكثير الإسلام وأهله وغيظ أعداء الإسلام. ولو لم يكن فيه إلَّا ما يترتب عليه من العبادات التي لا تحصل للمتخلي للنوافل. ولو لم يكن فيه إلَّا تعديل قوته الشهوانية الصارفة له عن تعلق قلبه بما هو أنفع له في دينه ودنياه فإنَّ تعلق القلب بالشهوة أو مجاهدته عليها تصده عن تعلقه بما هو أنفع له فإنَّ الهمة متي انصرفت إلى شيء انصرفت عن غيره» اهـ. قُلْتُ: روى أحمد (١٢٣١٥، ١٢٣١٦، ١٣٠٧٩، ١٤٠٦٩)، والنسائي (٣٩٣٩) مِنْ طَرِيْقِ سَلَّامٍ أَبِي الْمُنْذِرِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ظَاهِرُهُ أنَّه حَسَنٌ من أجل سلام، لكن رجح الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٢/ ٤٠ - ٤١) الإرسال فقال:

стр. 5602

«حدث به سلام بن سليمان - أبو المنذر، وسلام بن أبي الصهباء، وجعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت، عن أنس. وخالفهم حماد بن زيد، فرواه عن ثابت مرسلاً. وكذلك رواه محمد بن عثمان، عن ثابت البصري مرسلاً. والمرسل أشبه بالصواب» اهـ. وروى أبو داود (٢٠٥٠) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا مُسْتَلِمُ بْنُ سَعِيدٍ ابْنَ أُخْتِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ يَعْنِي ابْنَ زَاذَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا، قَالَ: «لَا» ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وفي النكاح موافقة لإرادة الله وتخفيفه كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٥٧٢):

стр. 5603

«وسياق الكلام يدل على أنَّه ضعيف عن ترك الشهوات فلا بد له من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة؛ ولهذا قال طاووس ومقاتل: ضعيف في قلة الصبر عن النساء. وقال الزجاج وابن كيسان: ضعيف العزم عن قهر الهوى» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٢٧٢): «فذكر تخفيفه في هذا الموضع، وإخباره عن ضعف الإنسان يدل على ضعفه عن احتمال هذه الشهوة، وأنَّه سبحانه خفف عنه أمرها بما أباحه له من أطايب النساء مثنى وثلاث ورباع، وأباح له ما شاء مما ملكت يمينه، ثم أباح له أن يتزوج بالإماء إن احتاج إلى ذلك علاجاً لهذه الشهوة، وتخفيفاً عن هذا الخلق الضعيف، ورحمة به» اهـ. وروى مسلم (١٤٦٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ». وروى البخاري (٥٠٦٩) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً». قُلْتُ: وهذا الأثر يدل على استحباب التعدد من النساء لمن لم يخش الظلم لبعضهن.

стр. 5604

وجميع الأوجه المتقدمة في كلام العلامة ابن القيم ﵀ في الترغيب في النكاح تدل على استحباب التعدد من الأزواج. ٢ - وَقَوْلُهُ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ». الحديث. يبطل قول بعض أهل الزيغ والضلال من أنَّ الشخص يمنع من الزواج قبل أن يبلغ الثامنة عشرة من عمره. قُلْتُ: وقد دلت الأدلة الكثيرة على جواز النكاح دون هذا السن فمن ذلك: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. قُلْتُ: ووجه الشاهد من الآية أنَّ الله جعل عدة المطلقة إذا كانت لا تحيض بثلاثة أشهر وهي الصغيرة التي لم يأتها الحيض بعد، فدل ذلك على جواز نكاح الصغيرة فإنَّه لا طلاق إلَّا بعد سبق نكاح. قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢٣/ ٤٥٢): «﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يقول: وكذلك عدد اللائي لم يحضن من الجواري لصغر إذا طلقهنَّ أزواجهنَّ بعد الدخول» اهـ.

стр. 5605

الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]. روى البخاري (٤٥٧٤) عَنْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: «﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ: اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]: رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ، قَالَتْ: فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسْطِ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ المَالِ وَالجَمَالِ».
следующие страницы →