Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.
стр. 5531
«لكن يستثنى من ذلك بقاع المناسك كالمسعى والمرمى ونحوهما بلا نزاع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٢/ ٧٩):
«تنبيه: أجمع جميع المسلمين على أنَّ مواضع النسك من الحرم كموضع السعي، وموضع رمي الجمار حكمها حكم المساجد، والمسلمون كلهم سواء فيها.
والظاهر أنَّ ما يحتاج إليه الحجيج من منى، ومزدلفة كذلك، فلا يجوز لأحد أن يضيقهما بالبناء المملوك حتى تضيقا بالحجيج، ويبقى بعضهم لم يجد منزلاً; لأنَّ المبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي أيام التشريق، من مناسك الحج.
فلا يجوز لأحد أن يضيق محل المناسك على المسلمين، حتى لا يبقى ما يسع الحجيج كله» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبقت الإشارة إلى مسألة إجارة وبيع بيوت مكة في شرح حديث أبي شريح في باب حرمة مكة من كتاب الحج.
٤ - وفيه جواز سكن المهاجر في داره التي هاجر منها من غير أن يقيم فيها، وهذا مأخوذ من مفهوم قَوْلِهِ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟». فإنَّه يدل على أنَّ عقيلاً لو ترك دار رسول الله ﷺ لنزل بها.
٥ - أنَّ المسلم لا يرث من الكافر.
стр. 5532
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٤):
«وفيه: أنَّ المسلم لا يرث الكافر، وهذا مذهب العلماء كافة إلاَّ ما روي عن إسحاق بن راهويه وبعض السلف: أنَّ المسلم يرث الكافر» اهـ.
٦ - وظاهره شمول المنافق، والمرتد، والذمي.
لكن قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ٢١٠): «فقول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" لم يدخل فيه المنافقون وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار؛ بل كانوا يورثون ويرثون؛ وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٦):
«وأمَّا توريث المسلم من الكافر فاختلف فيه السلف فذهب كثير منهم إلى أنَّه لا يرث كما لا يرث الكافر المسلم وهذا هو المعروف عند الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقالت طائفة منهم بل يرث المسلم الكافر دون العكس وهذا قول معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين وسعيد بن المسيب ومسروق بن الأجدع وعبد الله بن مغفل ويحيى بن يعمر وإسحاق بن
стр. 5533
راهويه وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قالوا: نرثهم ولا يرثوننا كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءنا.
والذين منعوا الميراث عمدتهم الحديث المتفق عليه: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". وهو عمدة من منع ميراث المنافق الزنديق وميراث المرتد.
قال شيخنا: وقد ثبت بالسنة المتواترة أنَّ النَّبي ﷺ كان يجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين فيرثون ويورثون. وقد مات عبد الله بن أبي وغيره ممن شهد القرآن بنفاقهم ونهي الرسول ﷺ عن الصلاة عليه والاستغفار له وورثهم ورثتهم المؤمنون، كما ورث عبد الله بن أبي ابنه ولم يأخذ النبي ﷺ من تركة أحد من المنافقين شيئاً، ولا جعل شيئاً من ذلك فيئاً بل أعطاه لورثتهم وهذا أمر معلوم بيقين، فعلم أنَّ الميراث مداره على النصرة الظاهرة لا على إيمان القلوب والموالاة الباطنة، والمنافقون في الظاهر ينصرون المسلمين على أعدائهم وإن كانوا من وجه آخر يفعلون خلاف ذلك، فالميراث مبناه على الأمور الظاهرة لا على إيمان القلوب.
стр. 5534
وأمَّا المرتد فالمعروف عن الصحابة مثل علي وابن مسعود أنَّ ماله لورثته من المسلمين أيضاً، ولم يدخلوه في قوله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر" وهذا هو الصحيح.
وأمَّا أهل الذمة فمن قال بقول معاذ ومعاوية ومن وافقهما يقول: قول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر" المراد به الحربي لا المنافق ولا المرتد ولا الذمي فإنَّ لفظ الكافر وإن كان قد يعم كل كافر فقد يأتي لفظه والمراد به بعض أنواع الكفار كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ فهنا لم يدخل المنافقون في لفظ الكافرين، وكذلك المرتد فالفقهاء لا يدخلونه في لفظ الكافر عند الإطلاق، ولهذا يقولون: إذا أسلم الكافر لم يقض ما فاته من الصلاة وإذا أسلم المرتد ففيه قولان. وقد حمل طائفة من العلماء قول النبي ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر" على الحربي دون الذمي ولا ريب أنَّ حمل قَوْلِهِ: "لا يرث المسلم الكافر" على الحربي أولى وأقرب محملاً فإنَّ في توريث المسلمين منهم ترغيباً في الإسلام لمن أراد الدخول فيه من أهل الذمة فإنَّ كثيراً منهم يمنعهم من الدخول في الإسلام خوف أن يموت أقاربهم ولهم أموال فلا يرثون منهم شيئاً. وقد سمعنا ذلك منهم من غير واحد منهم شفاهاً فإذا علم أنَّ
стр. 5535
إسلامه لا يسقط ميراثه ضعف المانع من الإسلام وصارت رغبته فيه قوية وهذا وحده كاف في التخصيص وهم يخصون العموم بما هو دون ذلك بكثير فإنَّ هذه مصلحة ظاهرة يشهد لها الشرع بالاعتبار في كثير من تصرفاته وقد تكون مصلحتها أعظم من مصلحة نكاح نسائهم وليس في هذا ما يخالف الأصول فإنَّ أهل الذمة إنَّما ينصرهم ويقاتل عنهم المسلمون ويفتدون أسراهم والميراث يستحق بالنصرة فيرثهم المسلمون وهم لا ينصرون المسلمين فلا يرثونهم فإنَّ أصل الميراث ليس هو بموالاة القلوب ولو كان هذا معتبراً فيه كان المنافقون لا يرثون ولا يورثون وقد مضت السنة بأنَّهم يرثون ويورثون.
وأمَّا المرتد فيرثه المسلمون، وأمَّا هو فإن مات له ميت مسلم في زمن الردة ومات مرتداً لم يرثه لأنَّه لم يكن ناصراً له وإن عاد إلى الإسلام قبل قسمة الميراث فهذا فيه نزاع بين الناس. وظاهر مذهب أحمد أنَّ الكافر الأصلي والمرتد إذا أسلما قبل قسمة الميراث ورثا كما هو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين وهذا يؤيد هذا الأصل فإنَّ هذا فيه ترغيب في الإسلام وقد نقل عن علي في الرقيق إذا كان ابناً للميت: "أنَّه يشترى من التركة ويرث! ".
стр. 5536
قال شيخنا: ومما يؤيد القول بأنَّ المسلم يرث الذمي ولا يرثه الذمي أنَّ الاعتبار في الإرث بالمناصرة والمانع هو المحاربة؛ ولهذا قال أكثر الفقهاء: إنَّ الذمي لا يرث الحربي وقد قال تعالى في الدية: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. فالمقتول إن كان مسلماً فديته لأهله وإن كان من أهل الميثاق فديته لأهله وإن كان من قوم عدو للمسلمين فلا دية له لأنَّ أهله عدو للمسلمين وليسوا بمعاهدين فلا يعطون ديته ولو كانوا معاهدين لأعطوا الدية ولهذا لا يرث هؤلاء المسلمين فإنَّهم ليس بينهم وبينهم إيمان ولا أمان.
ولهذا لما مات أبو طالب ورثه عقيل دون علي وجعفر مع أنَّ هذا كان في أول الإسلام وقد ثبت في الصحيح أنَّه قيل له ﷺ في حجة الوداع: "ألا تنزل في دارك؟ " فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟! " وذلك لاستيلاء عقيل على رباع بني هاشم لما هاجر النبي ﷺ ليس هو لأجل ميراثه فإنَّه أخذ دار النبي ﷺ التي كانت له التي ورثها من أبيه وداره التي كانت لخديجة وغير ذلك مما لم يكن لأبي طالب فاستولى على رباع بني هاشم بغير طريق الإرث بل كما استولى سائر المشركين على ديار المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم كما استولى أبو سفيان بن حرب على دار أبي أحمد بن
стр. 5537
جحش وكانت داراً عظيمة فكان المشركون لما هاجر المسلمون من كان له قريب أو حليف استولى على ماله ثم لما أسلموا قال: النبي ﷺ : "من أسلم على شيء فهو له" ولم يرد إلى المهاجرين دورهم التي أخذت منهم بل قال: "هذه أخذت في الله أجورهم فيها على الله" وقال لابن جحش: "ألا ترضى أن يكون لك مثلها في الجنة؟! ".
وكان المسلمون ينتظرون ما يأمر به في دار ابن جحش فإن ردها عليه طلبوا هم أن يرد عليهم فأرسل إليه مع عثمان هذه الرسالة فسكت وسكت المسلمون وهذا كان عام الفتح فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له ألا تنزل في دارك فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار؟! "».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٢/ ٣٢٨ - ٣٣٠): «فهؤلاء الكفار لا يرثون مثل هذا المسلم كما قال: ﷺ : "لا يرث الكافر المسلم" لأنَّه حربي والمناصرة بينهم منقطعة فإنَّهم عدو للمسلمين والميراث لا يكون مع العداوة الظاهرة بل مع المناصرة الظاهرة، وأهل الذمة ليسوا عدواً محارباً وقتيلهم مضمون فإذا ورث المسلم منهم كان هذا موافقاً للأصول.
стр. 5538
وَقَوْلُهُ: "الكافر" أريد به الكافر المطلق وهو المعادي المحارب لم يدخل فيه المنافق ولا المرتد ولا الذمي فإذا كان المؤمن يرث المنافق لكونه مسالماً له مناصراً له في الظاهر فكذلك الذمي وبعض المنافقين شر من بعض أهل الذمة.
وقد ذهب بعضهم إلى أنَّه يرث المسلم الكافر بالموالاة وهو أحد القولين في مذهب أحمد نص عليه في رواية الجماعة حنبل وأبي طالب والمروذي والفضل بن زياد في المسلم يعتق العبد النصراني ثم يموت العتيق يرثه بالولاء. واحتجوا بقوله ﷺ : "الولاء لمن أعتق".
قال المانعون من التوريث: له عليه الولاء ولكن لا يرث به.
قال المورثون: ثبوت الولاء يقتضي ثبوت حكمه والميراث من حكمه.
وقال عبد الله بن وهب حدثنا محمد بن عمرو عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم النصراني إلَّا أن يكون عبده أو أمته".
قالوا: وهو إجماع الصحابة أفتى به علي وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله فروى أبو بكر بإسناده عن الحارث عن علي ﵁: "لا يرث المسلم الكافر
стр. 5539
ولا الكافر المسلم إلَّا أن يكون عبداً له أو أمته". وكذلك عن ابن عمر ﵄.
قال المانعون: المراد بهذا: العبد القن إذا كان له مال ومات فإنَّ سيده يأخذ ماله.
قال المورثون: لا يصح هذا لأنَّ العبد القن لا مال له فيورث عنه فعلم أنَّه أراد من كان عبده فأعتقه كما حملتم عليه قوله ﷺ : "من قتل عبده قتلناه" وقلتم: معناه "الذي كان عبده". وكذلك قوله في بلال: "ألا إنَّ العبد قد نام".
قالوا: ولأنَّ الميراث بالولاء من حقوق الملك فلم يمنع منه اختلاف الدين لولاية الكافر على أمته، ولأنَّ الشارع لم يجعله أحق بميراثه لنسب بينه وبينه وإنَّما ذلك جزاء على نعمة المعتق وهذا من محاسن الشريعة وكمالها فأحق الناس بهذا الميراث أحقهم بالإنعام عليه بالعتق. يؤكده أنَّ الميراث بالولاء يجري مجرى المعاوضة ولهذا يرث به المولى المعتق دون العتيق عوضاً عن إحسانه إليه بالعتق.
قال المانعون: الكفر يمنع التوارث فلم يرث به المعتق كالقتل.
قال المورثون: القاتل يحرم الميراث لأجل التهمة ومعاقبة له بنقيض قصده وههنا علة الميراث الإنعام واختلاف الدين لا يكون من علله.
стр. 5540
وهذه المسائل الثلاث من محاسن الشريعة وهي: الأولى: توريث من أسلم على ميراث قبل قسمته، الثانية: وتوريث المعتق عبده الكافر بالولاء، الثالثة: وتوريث المسلم قريبه الذمي وهي مسألة نزاع بين الصحابة والتابعين. وأمَّا المسألتان الأخيرتان فلم يعلم عن الصحابة فيهما نزاع بل المنقول عنهم التوريث.
قال شيخنا: "والتوريث في هذه المسائل على وفق أصول الشرع فإنَّ المسلمين لهم إنعام وحق على أهل الذمة بحقن دمائهم والقتال عنهم وحفظ دمائهم وأموالهم وفداء أسراهم فالمسلمون يمنعونهم وينصرونهم ويدفعون عنهم فهم أولى بميراثهم من الكفار. والذين منعوا الميراث قالوا: مبناه على الموالاة وهي منقطعة بين المسلم والكافر فأجابهم الآخرون بأنَّه ليس مبناه على الموالاة الباطنة التي توجب الثواب في الآخرة فإنه ثابت بين المسلمين وبين أعظم أعدائهم وهم المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾. فولاية القلوب ليست هي المشروطة في الميراث وإنَّما هو بالتناصر والمسلمون ينصرون أهل الذمة فيرثونهم ولا ينصرهم أهل الذمة فلا يرثونهم والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: توريث المسلم من قريبه المنافق أو المرتد الذي يظهر لي هو صحة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.
стр. 5541
أمَّا المنافق فسنة النبي ﷺ فيه ظاهرة، وأمَّا المرتد فقد جاء في توريث اقربائه منه آثار عن أصحاب النبي ﷺ ، وفي بعضها ضعف، فمن ذلك:
ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٠٣٣، ٣٣٤٣٦) حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «إِذَا ارْتَدَّ الْمُرْتَدُّ وَرِثَهُ وَلَدُهُ».
قُلْتُ: حديث القاسم عن جده ابن مسعود مرسل.
ورواه الطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٣٠١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: «مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا بين الحكم وابن مسعود.
ومن ذلك ما رواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٠٣٤، ٣٣٤٣٤)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٢٤٢)، ورواه أيضاً (٤١) من غير طريقه، وهكذا رواه أيضاً سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٣١١)، والدارمي (٣٠٧٥)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٢٩٨) مِنْ طَرِيْقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ
стр. 5542
عَلِيٍّ، «أَنَّهُ أُتِيَ بِمُسْتَوْرِدٍ الْعِجْلِيِّ وَقَدِ ارْتَدَّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَبَى فَقَتَلَهُ وَجَعَلَ مِيرَاثَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٦/ ٢٥٤):
«قال الشافعي ﵀: قد يزعم بعض أهل الحديث منكم أنَّه غلط.
قال الشافعي في موضع آخر: فقلت له - يعني للذي يناظره -: هل سمعت من أهل الحديث منكم من يزعم أنَّ الحافظ لم يحفظوا عن علي ﵁ فقسم ماله بين ورثته المسلمين ونخاف أن يكون الذي زاد هذا غلط. قال الإمام أحمد ﵀. وقرأت في رواية أبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ عن أحمد بن حنبل ﵀ أنَّه ضعف الحديث الذي روي عن علي ﵁ أنَّ ميراث المرتد لورثته من المسلمين. قال الشيخ: قد رويت قصة المستورد من وجه آخر عن علي وليس فيها هذه اللفظة وإنَّما فيها أنّه لم يعرض لماله» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي أشار إليه البيهقي هو ما رواه ابن الجعد في [مُسْنَدِهِ] (٢٣٣٥)، ومن طريقه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٢٤٣)، والطحاوي في [شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ] (٥٢٩٩) مِنْ طَرِيْقِ شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْرَصِ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ جَالِسًا، حَتَّى أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عَجِلٍ يُقَالُ لَهُ
стр. 5543
الْمُسْتَوْرِدُ كَانَ مُسْلِمًا فَلَحِقَ بِالْأَكْيَرَاخِ فَتَنَصَّرَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ مَا لَكَ؟ قَالَ: وَجَدْتُ دِينَهُمْ خَيْرًا مِنْ دِينِكُمْ قَالَ: وَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: دِينُ عِيسَى، قَالَ عَلِيٌّ: وَأَنَا عَلَى دِينِ عِيسَى، وَلَكِنْ مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَقَالَ كَلِمَةً خَفِيَتْ عَلَيَّ لَمْ أَفْهَمْهَا فَزَعَمَ الْقَوْمُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ رَبُّهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: اقْتُلُوهُ فَتَوَطَّأَهُ الْقَوْمُ حَتَّى مَاتَ، فَجَاءَ أَهْلُ الْحِيرَةِ فَأُعْطُوا بِجُبَّةٍ لَهُ صُوفٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا فَأَبَى عَلَيْهِمْ عَلِيٌّ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ بِالنَّارِ وَلَمْ يَعْرِضْ لِمَالِهِ».
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٢٩٦١٥، ٣٣٤٠٩) حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْرَصِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ تَنَصَّرَ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَنْ كَلِمَةٍ، فَقَالَ لَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَرَفَسَهُ بِرِجْلِهِ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ».
ورواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١٨٧١١) مِنْ طَرِيْقِ الثوري عن سماك.
قُلْتُ: ابن عبيد اسمه دثار من جملة المجهولين.
وروى الطبري أيضاً في [تَهْذِيْبِ الْآثَارِ] (١٣٨٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، أَنَّ رَجُلًا، مِنْ بَنِي عِجْلٍ كَانَ طَوِيلَ الْجِهَادِ، فَتَنَصَّرَ، فَكَتَبَ فِيهِ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ إِلَى عَلِيٍّ قَالَ:
стр. 5544
«فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُسَرِّحَ بِهِ إِلَيْهِ» قَالَ: فَجِيءَ بِهِ رَجُلًا مُكَبَّلًا فِي الْحَدِيدِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُكَلِّمُهُ وَيُدِيرُهُ، حَتَّى تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ كَانَتْ فِيهَا هَلَكَتُهُ، قَالَ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، غَيْرَ أَنَّهُ شَهِدَ أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، قَالَ: «فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَوَطِئَهُ، وَوَطِئَهُ النَّاسُ» فَقَالَ: أَمْسِكُوا، فَأَمْسَكُوا، فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُرِّقَ، فَجَعَلَتِ النَّصَارَى تَقُولُ: «شَهِيدًا، فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ مَا وَجَدُوا مِنْ عِظَامِهِ، وَمِنْ دَمِهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وليس فيه ذكر الميراث.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٠٣٥)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٢٢٤٠) مِنْ طَرِيْقِ حَجَّاجٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيٍّ، «فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
قُلْتُ: حجاج هو ابن أرطأه ضعيف ومدلس، والحكم هو ابن عتيبة، وحديثه عن علي منقطع.
ومن ذلك أيضاً ما رواه أحمد (٢٢٠٥٨، ٢٢١١٠) مِنْ طَرِيْقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ بِالْيَمَنِ فَارْتَفَعُوا إِلَيْهِ فِي يَهُودِيٍّ مَاتَ وَتَرْكَ أَخَاهُ مُسْلِمًا، فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ» فَوَرَّثَهُ.
стр. 5545
لكن رواه أبو داود (٢٩١٢) مِنْ طَرِيْقِ أبي الأسود، أنَّ رجلاً، حدثه أنَّ معاذاً. فهذه الرواية تدل على أنَّ أبا الأسود لم يسمع الحديث من معاذ، وإنَّما رواه بواسطة رجل مبهم.
قُلْتُ: والحديث مما اختلف في إسناده.
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (٦/ ٨٧ - ٨٨):
«يرويه عمر، وابن أبي حكيم، وهو عمرو بن كردي الواسطي، واختلف عنه؛ فرواه شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدؤلي، عن معاذ بن جبل.
وكذلك رواه عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن أبي حكيم.
ورواه خالد الحذاء، عن عمرو بن كردي، عن يحيى بن يعمر، عن معاذ، أسقط من الإسناد رجلين، أحدهما عبد الله بن بريدة، والآخر أبو الأسود الدؤلي، قال ذلك حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، واختلف عن حماد، فقال: زيد بن الحباب، عن حماد، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن كردي، عن يحيى بن يعمر، أو غيره، شك حماد، عن معاذ بن جبل.
стр. 5546
والصحيح عن حماد، عن خالد الحذاء، ولم يضبط الإسناد غير شعبة، وعبد الوارث» اهـ.
قُلْتُ: ورواية شعبة وعبد الوارث ليس فيها الرجل المبهم، فالذي يظهر لي صحة الحديث إن كان أبو الأسود سمعه من معاذ، ولا يبعد ذلك فإنَّه من المخضرمين. والله أعلم.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْتِرْمِذِيُّ ﵀ فِي [سُنَنِهِ] (٤/ ٤٢٣): «واختلف بعض أهل العلم في ميراث المرتد فجعل أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم المال لورثته من المسلمين» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا ميراث المسلم من عتيقه الكافر بالولاء، ففيه نزاع كما سبق في كلام العلامة ابن القيم ﵀.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ١٥٨ - ١٥٩):
«وقال مالك: يرث المسلم مولاه النصراني؛ لأنَّه يصلح له تملكه، ولا يرث النصراني مولاه المسلم؛ لأنَّه لا يصلح له تملكه.
وجمهور العلماء على أنَّه لا يرثه مع اختلاف دينهما؛ لقول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم".
стр. 5547
ولأنَّه ميراث، فيمنعه اختلاف الدين، كميراث النسب؛ ولأنَّ اختلاف الدين مانع من الميراث، فمنع الميراث بالولاء، كالقتل والرق، يحققه أنَّ الميراث بالنسب أقوى، فإذا منع الأقوى فالأضعف أولى، ولأنَّ النبي ﷺ ألحق الولاء بالنسب، بِقَوْلِهِ: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
وكما يمنع اختلاف الدين التوارث مع صحة النسب وثبوته، كذلك يمنعه مع صحة الولاء، وثبوته، فإذا اجتمعا على الإسلام، توارثا كالمتناسبين، وهذا أصح في الأثر والنظر، إن شاء الله تعالى» اهـ.
قُلْتُ: وقد قال العلامة ابن القيم في كلامه السابق عند تقريره لميراث المسلم من عتيقه الكافر بالولاء:
«قالوا: ولأنَّ الميراث بالولاء من حقوق الملك فلم يمنع منه اختلاف الدين لولاية الكافر على أمته، ولأنَّ الشارع لم يجعله أحق بميراثه لنسب بينه وبينه وإنَّما ذلك جزاء على نعمة المعتق وهذا من محاسن الشريعة وكمالها فأحق الناس بهذا الميراث أحقهم بالإنعام عليه بالعتق. يؤكده أنَّ الميراث بالولاء يجري مجرى المعاوضة ولهذا يرث به المولى المعتق دون العتيق عوضاً عن إحسانه إليه بالعتق» اهـ.
стр. 5548
قُلْتُ: اجتمع في هذه المسألة عمومان، أحدهما يقتضي التوريث، وهو قول النبي ﷺ : «الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». وعموم يقتضي عدم التوريث، وهو قول النبي ﷺ : «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ». ويتقوى تقديم العموم الأول باعتبار أنَّ الولاء كما ذكر العلامة ابن القيم يجري مجرى المعاوضة؛ ولهذا يرث به المولى المعتق دون العتيق عوضاً عن إحسانه إليه بالعتق، وهذا المعنى غير موجود في النسب فإنَّ الميراث بالنسب يكون من الجانبين، أضف إلى ذلك أنَّ سيد العبد الكافر مالك لماله قبل عتقه بسبب الرق فلا يبعد أن يكون مالكاً لبعض ماله بعد عتقه له بسبب عتقه، فهذا الذي يظهر لي رجحانه، والله أعلم.
فإن قيل: فلم لا تورثون من أجل ذلك الكافر من عتيقه المسلم؟!.
فالجواب: أنَّ عموم الحديث الآخر هاهنا أقوى من الأول، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فلو جعلنا للكافر ولاءً على المسلم فقد جعلنا له عليه سبيلاً، ولجعلنا له علواً على المؤمنين، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بمشيئة الله تعالى في شرحنا لحديث عائشة الآتي.
стр. 5549
٧ - وفيه أنَّ الكافر لا يرث المسلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٤): «وأجمعوا أنَّ الكافر لا يرث المسلم» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْجَوَابِ الصَّحِيْحِ] (٢/ ٢٧٨):
«واتفق المسلمون على أنَّ اليهودي والنصراني لا يرث مسلماً ولو كان ابنه وأباه لأنَّ الله قطع الموالاة بينهما» اهـ.
قُلْتُ: لكن إن أسلم قبل قسمة التركة فهل يرث منه أولا؟ في ذلك نزاع بين العلماء، فذهب الإمام أحمد في رواية إلى توريثه، وفي رواية توقف عن الافتاء فيها، وذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم توريثه.
قُلْتُ: وروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٨٩٤)، والقاضي أبو إسحاق الجهضمي في [أَحَادِيْثِ أَيُوبَ السِّخْتِيَانِي] (٥١)، وأبو نعيم في [مَعْرِفَةِ الْصَحَابَةِ] (٥١)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (١٨٠٩٢)
مِنْ طَرِيْقِ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ أَنِ اسْأَلْ يَزِيدَ بْنَ قَتَادَةَ عَمَّا أَمَرْتَنِي، وَإِنِّي سَأَلْتُهُ، فَقَالَ: تُوُفِّيَتْ أُمِّي نَصْرَانِيَّةً، وَأَنَا مُسْلِمٌ، وَإِنَّهَا تَرَكَتْ ثَلَاثِينَ عَبْدًا وَوَلِيدَةً، وَمِئَتَيْ نَخْلَةٍ، فَرَكِبْنَا فِي
стр. 5550
ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَضَى عُمَرُ: «أَنَّ مِيرَاثَهَا لِزَوْجِهَا وَلِابْنِ أَخِيهَا، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، وَلَمْ يُوَرِّثْنِي شَيْئًا»، قَالَ يَزِيدُ بْنُ قَتَادَةَ: ثُمَّ تُوُفِّيَ جَدِّي، وَهُوَ مُسْلِمٌ، كَانَ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا، وَتَرَكَ ابْنَتَهُ، فَرَكِبْنَا فِي ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ أَنَا وَابْنُ أَخِيهِ، وَابْنَتُهُ نَصْرَانِيَّةٌ، فَوَرَّثَنِي عُثْمَانُ مَالَهُ كُلَّهُ، وَلَمْ يُوَرِّثِ ابْنَتَهُ شَيْئًا، فَحُزْتُهُ عَامًا أَوِ اثْنَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَتِ ابْنَتُهُ، فَرَكِبْنَا إِلَى عُثْمَانَ فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَرْقَمِ، فَقَالَ لَهُ: كَانَ عُمَرُ يَقْضِي مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَإِنَّ لَهُ مِيرَاثَهُ وَاجِبًا بِإِسْلَامِهِ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ كُلَّ ذَلِكَ، وَأَنَا شَاهِدٌ.
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ كَلُّهُمْ ثِقَاتٌ غير يزيد بن قتادة فقد اختلف في صحبته، والأظهر عدم إثبات الصحبة.
ورواه ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (٣٢٢٩٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قَتَادَةَ، «أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، وَيَزِيدُ مُسْلِمٌ، وَلَهُ إِخْوَةٌ نَصَارَى، فَلَمْ يُوَرِّثْهُ عُمَرُ مِنْهُ»، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّ يَزِيدَ وَهِيَ مُسْلِمَةٌ، فَأَسْلمَ إِخْوَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَطَلَبُوا الْمِيرَاثَ، فَارْتَفَعُوا إِلَى عُثْمَانَ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، «فَوَرَّثَهُمْ».
قُلْتُ: عبد الوهاب هو ابن عبد المجيد، وخالد هو الحذاء. وحديث أيوب أصح. والله أعلم.
стр. 5551
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٠ - ٣٢٤):
«وهذا من فقه الصحابة ﵃ الذي عجز عنه كثير ممن بعدهم فإنَّهم أجروا حالة الموت قبل القسمة مجرى ما قبل الموت فإنَّ التركة لم يقع عليها استيلاء الورثة وحوزهم وتصرفهم فكأنَّها في يد الميت حكماً فهي ما بين الموت والقسمة لها حالة وسط فألحقت بما قبل الموت وكان أولى استصحاباً لحال بقائها. وأيضاً فإنَّ التركة قبل القسمة على ملك الميت فلو زادت ونمت وفيت ديونه من الزيادة ولو نصب مناجل وشبكة قبل الموت فوقع فيها صيد بعده وقبل القسمة كان على ملكه فتوفي منه ديونه وتنفذ منه وصاياه.
وأيضاً فإنَّ توريث المسلم قبل القسمة مما يرغب في الإسلام ويزيد فيه ويدعو إليه فلو لم يكن فيه إلاَّ مجرد الاستحسان لكان ذلك من محاسن الشريعة وكمالها ألا يحرم ولد رجل ميراثه بمانع قد زال فعل المقتضي عمله، فإنَّ النسب هو مقتض للميراث ولكن عاقبه الشارع بالحرمان على كفره فإذا أسلم لم يبق محلاً للعقوبة بل صار بالثواب أولى منه بالعقاب.
يوضحه أن زوال المانع قبل القسمة يجعله في حكم ما لم يكن أصلاً فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له والنازع عن الكفر كمن لم يكفر فلا معنى لحرمانه وقد
стр. 5552
أكرمه الله بالإسلام ومال موروثه لم يتعين بعد لغيره بل هو في حكم الباقي على ملكه من وجه وفي حكم الزائل من وجه، يوضحه أنَّه إذا أسلم قبل القسمة وقبل حيازة بيت المال التركة ساوى المسلمين في الإسلام وامتاز عنهم بقرابة الميت فكان أحق بماله. وهذه المسألة مما برز به الإمام أحمد ومن قال: بقوله وهي من محاسن الشريعة وعند أحمد فيها من الآثار عن الصحابة ما لم يبلغ غيره» اهـ.
قُلْتُ: هذا قول قوي كما ترى.
ويستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت كتابية تحت مسلم ثم مات المسلم، فأسلمت هذه الزوجة قبل قسمة الميراث فالصحيح أنَّها لا ترث؛ وذلك أنَّ عقد النكاح السابق لم يكن مقتضياً للميراث، وبعد الموت قد زال العقد فلا أثر لإسلامها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَةِ] (٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣):
«فإن قيل: فما تقولون في الزوجة تسلم قبل قسمة الميراث قيل قد ذكر أبو بكر في "كتاب الطلاق" هذه المسألة فقال: إذا أسلم على ميراث قبل أن يقسم كان داخلاً في الميراث في أحد القولين والقول الآخر لا يرث وأمَّا الزوجة فخارجة عن الميراث في القولين جميعاً.
стр. 5553
قال القاضي: "وظاهر كلام أحمد والخرقي أنَّها ترث وهو الصحيح عندي لأنَّ المانع من الميراث إذا كان لاختلاف الدين فإذا زال قبل القسمة لم يمنع الإرث كالنسب. ووجه قول أبي بكر أنَّ إرث الزوجة بعقد النكاح على صفة وهي الاتفاق في الدين وبالموت قد زال العقد فإذا وجد الاتفاق بعد ذلك لم يؤثر كعدم العقد وليس كذلك النسب لأنَّه يورث به على صفة وبالموت لم يزل النسب فإذا وجد الاتفاق في الدين صادف سبباً ثابتاً فلهذا ورث".
يبين صحة هذا ما قلناه في المولى المناسب إذا فسق سقطت ولايته فإذا صار عدلاً عادت ولايته لأنَّ النسب باق لم يزل ولو استفاد الولاية بالحكم وفسق الحاكم سقطت ولايته فإن صار عدلاً في الثاني لم تعد ولايته لأنَّها إنَّما استفادها بالعقد والعقد قد بطل فلم يؤثر وجود العدالة في الثاني.
وأجاب آخرون بالجواب المركب وهو إن لم يكن بين الصورتين فرق في مسألة العبد والزوجة والكافر فالصواب التسوية وإن كان بينهما فرق بطل الإلزام والله أعلم» اهـ.
* * *
стр. 5554
٢٩٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاءِ وَهِبَتِهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن بيع الولاء، والنهي يقتضي الفساد.
٢ - النهي عن هبة الولاء، وهو يقتضي الفساد أيضاً.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٥٠):
«الفقهاء بالعراق والحجاز مجمعون على أنَّه لا يجوز بيع الولاء ولا هبته.
قال ابن المنذر: وفيه قول ثان: روي أنَّ ميمونة بنت الحارث وهبت ولاء مواليها بني العباس، وولاؤهم اليوم لهم، وأنَّ عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير، وذكر عبد الرزاق عن عطاء أنَّه يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالى من شاء، وهذا هو هبة الولاء» اهـ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي [إِكْمَالِ الْمُعْلِمِ] (٥/ ٦٥):
«وأجاز بعض السلف من الصحابة نقله، ورأى بعضهم أنَّ الحديث لم يبلغهم» اهـ.
стр. 5555
٣ - وهكذا لا ينتقل الولاء بالإرث، فالولاء لا يورث وإنَّما يورث به، وهو مذهب الجمهور.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤١٢ - ٤١٣):
«فَصْلٌ: وَلَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنْ الْمُعْتَقِ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ، وَإِنَّمَا يَرِثُونَ الْمَالَ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ لِلْمُعْتَقِ. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَابْن قُسَيْطٍ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَدَاوُد.
وَشَذَّ شُرَيْحٌ، وَقَالَ: الْوَلَاءُ كَالْمَالِ، يُورَثُ عَنْ الْمُعْتِقِ، فَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ. وَرَوَاهُ حَنْبَلٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ أَحْمَدَ. وَغَلَّطَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵇: "الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ". وَقَوْلِهِ: "الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ". وَالنَّسَبُ لَا يُورَثُ وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُورَثُ بِهِ، فَلَا يَنْتَقِلُ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ.
* * *
стр. 5556
٢٩٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟». قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ»، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا: «إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
قَوْلُهَا: «كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٤٩):
«تعني به: أنَّ هذه الثلاث هي أظهر ما في حديثها من القضايا والسُّنن، وإلَّا فقد تبيَّن: أنَّ فيه من ذلك العدد الكثير، حتى قد بلغت سننه إلى مائةٍ أو أكثر. ويحتمل أن يكون تخصيصها هذه الثلاث بالذكر؛ لكونها أصولاً لما عداها مِمَّا تضمنه الحديث، أو لكونها أهم، والحاجة إليها أمسّ. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٤٩):
стр. 5557
«والذي قصدته عائشة ﵂ في هذا الحديث هو عظم الأمر في قصة بريرة؛ لأنَّ ذلك أصول وأحكام وأركان من الحلال والحرام» اهـ.
قَوْلُهَا: «وَأُدْمٍ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٥٥٦):
«وقد اختلف الناس في الأدم فالجمهور أنَّه ما يؤكل به الخبز بما يطيبه سواء كان مرقاً أم لا، واشترط أبو حنيفة وأبو يوسف الاصطناع» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (١١/ ٥٧١): «قال ابن القصار: لا خلاف بين أهل اللسان أنَّ من أكل خبزاً بلحم مشوي أنَّه ائتدم به، فلو قال: أكلت خبزاً بلا إدام كذب، وإن قال: أكلت خبزاً بإدام صدق، وأمَّا قول الكوفيين الإدام اسم للجمع بين الشيئين فدل على أنَّ المراد أن يستهلك الخبز فيه بحيث يكون تابعاً له بأن تتداخل اجزاؤه في اجزائه وهذا لا يحصل إلَّا بما يصطبغ به، فقد أجاب من خالفهم بأنَّ الكلام الأول مسلم، لكن دعوى التداخل لا دليل عليه قبل التناول وإنَّما المراد الجمع، ثم الاستهلاك بالأكل فيتداخلان حينئذ» اهـ.
قَوْلُهُ: «واشترط أبو حنيفة وأبو يوسف الاصطناع» صوابها: الاصطباغ بالموحدة التحتية والظاهر أنَّ تصحفت على الناسخ.
قَالَ السَّرْخَسِيُّ الْحَنَفِيُّ ﵀ فِي [الْمَبْسُوْطِ] (٨/ ١٧٧):
стр. 5558
«وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: الْإِدَامُ تَبَعٌ وَلَكِنْ حَقِيقَةُ التَّبَعِيَّةِ فِيمَا يَخْتَلِطُ بِالْخُبْزِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُحْمَلَ مَعَهُ كَالْخَلِّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ"، فَمَا يَصْطَبِغُ بِهِ فَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَمَّا اللَّحْمُ وَالْجُبْنُ وَالْبَيْضُ يُحْمَلُ مَعَ الْخُبْزِ فَلَا يَكُونُ إدَامًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُؤْكَلُ مَعَهُ كَالْعِنَبِ، تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْإِدَامَ مَا لَا يَتَأَتَّى أَكْلُهُ وَحْدَهُ كَالْمِلْحِ، فَإِنَّهُ إدَامٌ، وَالْخَلُّ وَاللَّبَنُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْأَكْلُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ شَرَابًا لَا أَكْلًا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إدَامٌ، فَأَمَّا اللَّحْمُ وَالْجُبْنُ وَالْبَيْضُ يَتَأَتَّى الْأَكْلُ فِيهَا وَحْدَهَا، فَلَمْ تَكُنْ إدَامًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠):
«والمقصود: أنَّ أكل الخبز مأدوماً من أسباب حفظ الصحة، بخلاف الاقتصار على أحدهما وحده. وسمى الْأَدْمُ أُدُماً: لإصلاحه الخبز، وجعله ملائماً لحفظ الصحة. ومنه قوله في إباحته للخاطب النظر: "إنَّه أحرى أن يؤدم بينهما"، أي: أقرب إلى الالتئام والموافقة، فإنَّ الزوج يدخل على بصيرة، فلا يندم» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (١/ ٣٠٧):
«البرمة: القدر مطلقاً وجمعها برام وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف في الحجاز واليمن» اهـ.
стр. 5559
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تخيير الأمة اعتقت تحت عبد بين بقائها تحته أو طلاقها، وهل تخير إذا كانت تحت حر، في ذلك نزاع بين العلماء، والأظهر أنَّ لها التخيير أيضاً، كما سيأتي تحرير ذلك في كلام العلامة ابن القيم ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٦٨ - ١٧٤):
«وفي القصة من الفقه تخيير الأمة المزوجة إذا أعتقت وزوجها عبد، وقد اختلفت الرواية في زوج بريرة، هل كان عبداً أو حراً؟ فقال القاسم، عن عائشة ﵂: كان عبداً ولو كان حراً لم يخيرها. وقال عروة عنها: كان حراً. وقال ابن عباس: كان عبداً أسود يقال له: مغيث، عبداً لبني فلان، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة، وكل هذا في الصحيح. وفى سنن أبي داود عن عروة عن عائشة: كان عبداً لآل أبي أحمد، فخيرها رسول الله ﷺ وقال لها: "إن قربك، فلا خيار لك".
وفى مسند أحمد، عن عائشة ﵂، أنَّ بريرة كانت تحت عبد، فلما أعتقها، قال لها رسول الله ﷺ : "اختاري فإن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، وإن شئت أن تفارقيه".
стр. 5560
وقد روى في "الصحيح": أنَّه كان حراً.
وأصح الروايات، وأكثرها: أنَّه كان عبداً، وهذا الخبر رواه عن عائشة ﵂ ثلاثة: الأسود، وعروة، والقاسم، أمَّا الأسود، فلم يختلف عنه عن عائشة أنَّه كان حراً، وأمَّا عروة، فعنه روايتان صحيحتان متعارضتان، إحداها: أنَّه كان حراً؛ والثانية: أنَّه كان عبداً، وأمَّا عبد الرحمن بن القاسم، فعنه روايتان صحيحتان، إحداها: أنَّه كان حراً، والثانية: الشك. قال داود بن مقاتل: ولم تختلف الرواية عن ابن عباس أنَّه كان عبداً.
واتفق الفقهاء على تخيير الأمة إذا أعتقت وزوجها عبد، واختلفوا إذا كان حراً؛ فقال الشافعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه: لا تخير، وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الثانية: تخير.
وليست الروايتان مبنيتين على كون زوجها عبداً أو حراً، بل على تحقيق المناط في إثبات الخيار لها، وفيه ثلاثة مآخذ للفقهاء؛ أحدها: زوال الكفاءة، وهو المعبر عنه بقولهم: كملت تحت ناقص، الثاني: أنَّ عتقها أوجب للزوج ملك طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له بالعقد، وهذا مأخذ أصحاب أبي حنيفة، وبنوا على أصلهم
стр. 5561
أنَّ الطلاق معتبر بالنساء لا بالرجال، الثالث: ملكها نفسها، ونحن نبين ما في هذه.
المأخذ الأول: وهو كمالها تحت ناقص، فهذا يرجع إلى أنَّ الكفاءة معتبرة في الدوام، كما هي معتبرة في الابتداء، فإذا زالت، خيرت المرأة، كما تخير إذا بان الزوج غير كفء لها، وهذا ضعيف من وجهين.
أحدهما: أنَّ شروط النكاح لا يعتبر دوامها واستمرارها، وكذلك توابعه المقارنة لعقدة لا يشترط أن تكون توابع في الدوام، فإنَّ رضى الزوجة غير المجبرة شرط في الابتداء دون الدوام، وكذلك الولي والشاهدان، وكذلك مانع الإحرام والعدة والزنى عند من يمنع نكاح الزانية، إنَّما يمنع ابتداء العقد دون استدامته، فلا يلزم من اشتراط الكفاءة ابتداء اشتراط استمرارها ودوامها.
الثاني: أنَّه لو زالت الكفاءة في أثناء النكاح بفسق الزوج، أو حدوث عيب موجب للفسخ، لم يثبت الخيار على ظاهر المذهب، وهو اختيار قدماء الأصحاب، ومذهب مالك. وأثبت القاضي الخيار بالعيب الحادث، ويلزم إثباته بحدوث فسق الزوج، وقال الشافعي: إن حدث بالزوج، ثبت الخيار، وإن حدث بالزوجة، فعلى قولين.
стр. 5562
وأمَّا المأخذ الثاني: وهو أنَّ عتقها أوجب للزوج عليها ملك طلقة ثالثة، فمأخذ ضعيف جداً، فأي مناسبة بين ثبوت طلقة ثالثة، وبين ثبوت الخيار لها؟ وهل نصب الشارع ملك الطلقة الثالثة سبباً لملك الفسخ، وما يتوهم من أنَّها كانت تبين منه باثنتين فصارت لا تبين إلَّا بثلاث، وهو زيادة إمساك وحبس لم يقتضه العقد فاسد، فإنَّه يملك ألا يفارقها ألبتة، ويمسكها حتى يفرق الموت بينهما، والنكاح عقد على مدة العمر، فهو يملك استدامة إمساكها، وعتقها لا يسلبه هذا الملك، فكيف يسلبه إياه ملكه عليها طلقة ثالثة، وهذا لو كان الطلاق معتبراً بالنساء، فكيف والصحيح أنَّه معتبر بمن هو بيده وإليه، ومشروع في جانبه.
وأمَّا المأخذ الثالث: وهو ملكها نفسها، فهو أرجح المآخذ وأقربها إلى أصول الشرع، وأبعدها من التناقض، وسر هذا المأخذ أنَّ السيد عقد عليها بحكم الملك حيث كان مالكاً لرقبتها ومنافعها، والعتق يقتضى تمليك الرقبة والمنافع للمعتق، وهذا مقصوده وحكمته، فإذا ملكت رقبتها، ملكت بضعها ومنافعها، ومن جملتها منافع البضع، فلا يملك عليها إلَّا باختيارها، فخيرها الشارع بين أن تقيم مع زوجها، وبين أن تفسخ نكاحه، إذ قد ملكت منافع بضعها، وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة، أنَّه ﷺ قال لها: "ملكت نفسك فاختاري".
стр. 5563
فإن قيل: هذا ينتقض بما لو زوجها ثم باعها، فإن المشترى قد ملك رقبتها وبضعها ومنافعه، ولا تسلطونه على فسخ النكاح. قلنا لا يرد هذا نقضاً، فإنَّ البائع نقل إلى المشترى ما كان مملوكاً له، فصار المشترى خليفته، هو لما زوجها، أخرج منفعة البضع عن ملكه إلى الزوج، ثم نقلها إلى المشترى مسلوبة منفعة البضع، فصار كما لو آجر عبده مدة، ثم باعه. فإن قيل: فهب أنَّ هذا يستقيم لكم فيما إذا باعها، فهلا قلتم ذلك إذا أعتقها، وأنَّها ملكت نفسها مسلوبة البضع، كما لو آجرها، ثم أعتقها، ولهذا ينتقض عليكم هذا المأخذ؟
قيل: الفرق بينهما: أنَّ العتق في تمليك العتيق رقبته ومنافعه أقوى من البيع، ولهذا ينفذ فيما لم يعتقه ويسرى في حصة الشريك، بخلاف البيع، فالعتق إسقاط ما كان السيد يملكه من عتيقه، وجعله له محرراً، وذلك يقتضي إسقاط ملك نفسه ومنافعها كلها. وإذا كان العتق يسرى في ملك الغير المحض الذي لا حق له فيه البتة، فكيف لا يسري إلى ملكه الذي تعلق به حق الزوج، فإذا سرى إلى نصيب الشريك الذي لا حق للمعتق فيه، فسريانه إلى ملك الذي يتعلق به حق الزوج أولى وأحرى، فهذا محض العدل والقياس الصحيح.
стр. 5564
فإن قيل: فهذا فيه إبطال حق الزوج من هذه المنفعة بخلاف الشريك، فإنَّه يرجع إلى القيمة.
قيل: الزوج قد استوفى المنفعة بالوطء، فطريان ما يزيل دوامها لا يسقط له حقاً، كما لو طرأ ما يفسد أو يفسخه برضاع أو حدوث عيب، أو زوال كفاءة عند من يفسخ به.
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه النسائي، من حديث ابن موهب، عن القاسم بن محمد، قال: كان لعائشة ﵂ غلام وجارية، قالت: فأردت أن أعتقهما، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال "ابدئي بالغلام قبل الجارية". ولولا أنَّ التخيير يمنع إذا كان الزوج حراً لم يكن للبداءة بعتق الغلام فائدة، فإذا بدأت به، عتقت تحت حر، فلا يكون لها اختيار.
وفى سنن النسائي أيضاً: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت، فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها".
قيل: أمَّا الحديث الأول: فقال أبو جعفر العقيلي وقد رواه: هذا خبر لا يعرف إلَّا بعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب وهو ضعيف. وقال ابن حزم: هو خبر لا يصح. ثم لو صح لم يكن فيه حجة، لأنَّه ليس فيه أنَّهما كانا زوجين، بل قال: كان
стр. 5565
لها عبد وجارية. ثم لو كانا زوجين لم يكن في أمره لها بعتق العبد أولاً ما يسقط خيار المعتقة تحت الحر، وليس في الخبر أنَّه أمرها بالابتداء بالزوج لهذا المعنى، بل الظاهر أنَّه أمرها بأن تبتدئ بالذكر لفضل عتقه على الأنثى، وأن عتق أنثيين يقوم مقام عتق ذكر، كما في الحديث الصحيح مبيناً.
وأمَّا الحديث الثاني: فضعف، لأنَّه من رواية الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري وهو مجهول. فإذا تقرر هذا، وظهر حكم الشرع في إثبات الخيار لها، فقد روى الإمام أحمد بإسناده، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها، إن شاءت فارقته، وإن وطئها فلا خيار لها ولا تستطيع فراقه".
ويستفاد من هذا قضيتان:
إحداهما: أنَّ خيارها على التراخي ما لم تمكنه من وطئها، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة. وللشافعي ثلاثة أقوال:
هذا أحدها. والثاني: أنَّه على الفور؛ والثالث: أنَّه إلى ثلاثة أيام.
الثانية: أنَّها إذا مكنته من نفسها، فوطئها، سقط خيارها، وهذا إذا علمت بالعتق وثبوت الخيار به، فلو جهلتهما، لم يسقط خيارها بالتمكين من الوطء. وعن أحمد رواية ثانية: أنَّها لا تعذر بجهلها بملك الفسخ، بل إذا علمت بالعتق، ومكنته من
стр. 5566
وطئها، سقط خيارها ولو لم تعلم أنَّ لها الفسخ، والرواية الأولى أصح، فإن عتق الزوج قبل أن تختار وقلنا: إنَّه لا خيار للمعتقة تحت حر بطل خيارها لمساواة الزوج لها، وحصول الكفاءة قبل الفسخ. قال الشافعي في أحد قوليه وليس هو المنصور عند أصحابه: لها الفسخ لتقدم ملك الخيار على العتق فلا يبطله، والأول أقيس لزوال سبب الفسخ بالعتق، وكما لو زال العيب في البيع والنكاح قبل الفسخ به، وكما لو زال الإعسار في زمن ملك الزوجة الفسخ به. وإذا قلنا: العلة ملكها نفسها، فلا أثر لذلك، فإن طلقها طلاقاً رجعياً، فعتقت في عدتها، فاختارت الفسخ، بطلت الرجعة، وإن اختارت المقام معه، صح، وسقط اختيارها للفسخ، لأنَّ الرجعية كالزوجة.
وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: لا يسقط خيارها إذا رضيت بالمقام دون الرجعة، ولها أن تختار نفسها بعد الارتجاع، ولا يصح اختيارها في زمن الطلاق فإنَّ الاختيار في زمن هي فيه صائرة إلى بينوته، ممتنع فإذا راجعها، صح حينئذ أن تختاره وتقيم معه، لأنَّها صارت زوجة، وعمل الاختيار عمله، وترتب أثره عليه. ونظير هذا إذا ارتد زوج الأمة بعد الدخول، ثم عتقت في زمن الردة، فعلى القول الأول لها الخيار قبل إسلامه، فإن اختارته، ثم أسلم، سقط ملكها للفسخ، وعلى
стр. 5567
قول الشافعي: لا يصح لها خيار قبل إسلامه، لأنَّ العقد صائر إلى البطلان فإذا أسلم، صح خيارها.
فإن قيل: فما تقولون إذا طلقها قبل أن تفسخ، هل يقع الطلاق أم لا؟
قيل: نعم يقع، لأنَّها زوجة؛ وقال بعض أصحاب أحمد وغيرهم: يوقف الطلاق، فإن فسخت، تبينا أنَّه لم يقع، وإن اختارت زوجها تبينا وقوعه. فإن قيل: فما حكم المهر إذا اختارت الفسخ؟
قيل: إمَّا أن تفسخ قبل الدخول أو بعده. فإن فسخت بعده، لم يسقط المهر، وهو لسيدها سواء فسخت أو أقامت، وإن فسخت قبله ففيه قولان، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا مهر، لأنَّ الفرقة من جهتها، والثانية، يجب نصفه، ويكون لسيدها لا لها.
فإن قيل: فما تقولون في المعتق نصفها، هل لها خيار؟ قيل: فيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، فإن قلنا: لا خيار لها كزوج مدبرة له لا يملك غيرها وقيمتها مائة، فعقد على مائتين مهراً، ثم مات، عتقت، ولم تملك الفسخ قبل الدخول، لأنَّها لو ملكت، سقط المهر، أو انتصف، فلم تخرج من الثلث، فيرق بعضها، فيمتنع
стр. 5568
الفسخ قبل الدخول، بخلاف ما إذا لم تملكه، فإنها تخرج من الثلث، فيعتق جميعها» اهـ.
وَقَال الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ١٨٩ - ١٩٠):
«وإنَّما كان لها الخيار؛ لأنَّها إذا حدثت لها الحرية فقد حدث لها حال كمال ترتفع به عن العبد، ونقص الزوج عنها، وأيضًا فإنَّها حين عقد عليها سيدها لم تكن من أهل الاختيار لنفسها، فجعل لها الاختيار حين صارت أكمل حرمة من زوجها» اهـ.
وَقَوْلُهُ ﵀: «وليست الروايتان مبنيتين على كون زوجها عبداً أو حراً، بل على تحقيق المناط في إثبات الخيار لها، وفيه ثلاثة مآخذ للفقهاء؛ أحدها: زوال الكفاءة، وهو المعبر عنه بقولهم: كملت تحت ناقص، الثاني: أنَّ عتقها أوجب للزوج ملك طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له بالعقد، وهذا مأخذ أصحاب أبي حنيفة، وبنوا على أصلهم أنَّ الطلاق معتبر بالنساء لا بالرجال، الثالث: ملكها نفسها، ونحن نبين ما في هذه».
قُلْتُ: المأخذ الأول قاله الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد.
والمأخذ الثالث: اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
стр. 5569
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ١٧٧):
«وَعَنْهُ: لَهَا الْخِيَارُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ. وَهُمَا وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْخُلَاصَةِ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ وَغَيْرُهُ: أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ فِي الْفَسْخِ تَحْتَ حُرٍّ. وَإِنْ كَانَ زَوَّجَ بَرِيرَةَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ رَقَبَتَهَا. فَلَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا إلَّا بِاخْتِيَارِهَا» اهـ.
وذهب إلى ذلك محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة في [الْحُجَّةِ عَلَى أَهِلِ الْمَدِيْنَةِ] (٤/ ٢٣).
قُلْتُ: حديث: «قَدْ مَلَكْتِ نَفْسَكِ فَاخْتَارِي». لم أقف له على أصل، وقد ذكره الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٥٧) فقال: «واحتجوا أيضاً بما روي في بعض الآثار في قصة بريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: "قد ملكت نفسك فاختاري"» اهـ.
قُلْتُ: وإذا اختارت فراق زوجها بانت عنه على الصحيح.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٥٥):
«لا معنى لقول من قال: إنَّها طلقة رجعية؛ لأنَّ زوجها لو ملك رجعتها لم يكن لاختيارها معنى، وأي شيء كان يفيدها فرارها عن زوجها ومفارقتها إياه
стр. 5570
بتطليقها نفسها وهو يملك رجعتها هذا ما لا معنى له؛ لأنَّها إنَّما اختارت نفسها لتخلصها من عصمته فلو ملك رجعتها لم تتخلص منه، وإذا استحال ذلك فمعلوم أنَّ الطلاق إذا وقع بائناً لم يكن رجعياً بعد، وكيف يكون بائناً عند وقوعه وتكون لزوجها رجعتها أن أعتق هذا محال» اهـ.
قُلْتُ: لكن هل اختيارها يكون طلاقاً، أو فسخاً، الذي يترجح عندي أنَّه يكون فسخاً، وذلك أنَّه لم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أمر زوج بريرة بتطليقها، ولم ينقل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه طلقها، فإذا كان الأمر كذلك فلم يبق إلَّا أن يكون فراقها مِنْ طَرِيْقِ الفسخ. والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (٣/ ٥٥): «وقال الثوري، والحسن بن حي، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه: إن اختارت الأمة المعتقة نفسها فهو فسخ بغير طلاق، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو مذهب مالك أيضاً.
٢ - وفيه أنَّ عتق الأمة لا يعتبر طلاقاً لها، إذ لو كان عتقها طلاقاً لها لما احتاج النبي ﷺ إلى تخييرها.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧):
следующие страницы →