Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
والجواب: إنَّ ذلك لازم من حيث أنَّ مطلق التبتل يتضمنه، وكأنَّ قائل ذلك وقع له: أنَّ التبتل الحقيقي الذي تؤمن معه شهوة النساء هو الخصاء. فكأنَّه أخذ بأكثر مما يدل عليه الاسم. وقولكم: هو ألم عظيم مُسَلَّم، لكنه مُغتفرٌ في جنب صيانة الدِّين، فقد يُغتفر الألم العظيم في جنب ما هو أعظم منه، كقطع اليد الآكلة، وكالكيِّ، والبَطِّ، وغير ذلك. وقولكم: هو مُفْض إلى الهلاك غالبًا، غير مُسلَّم، بل نقول: وقوعُ الهلاك منه نادرٌ، فلا يُلْتَفتُ إليه، وخصاء البهائم يشهد بذلك. وما ذكرناه إنَّما هو تقدير ما وقع لسعدٍ، ولا يُظَنُّ: أنَّ ذلك يجوز لأحدٍ اليوم، بل هو محرّم بالإجماع. وكلُّ ما ذكرناه مبنيٌّ على الأخذ بظاهر: "لاختصينا"، ويحتمل أن يريد به سعدٌ: لمنعنا أنفسنا من النساء، منع المختصي. والظاهر هو الأول، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا خصي البهائم فمما تنازع فيه العلماء.
فروى مالك في [الْمُوَطَّأِ] (١٦٩٩)، ومن طريقه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٨٤٤٠) عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْإِخْصَاءَ، وَيَقُولُ فِيهِ تَمَامُ الْخَلْقِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
стр. 5637
ورواه البيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٥٧٩) مِنْ طَرِيْقِ عبيد الله بن عمر عن نافع به.
وروي مرفوعاً، وهو ما رواه أحمد (٤٧٦٩) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إِخْصَاءِ الْخَيْلِ وَالْبَهَائِمِ» وقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهَا نَمَاءُ الْخَلْقِ.
قُلْتُ: عبد الله بن نافع، شديد الضعف. فَالْحَدِيُثُ مُنْكَرٌ.
وروى ابن عدي في [الْكَامِلِ] (٧/ ١٧١)، وابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْقَ] (١٠/ ٣٧٨) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي يَعْقُوبَ الْأَفْطَسِ، حَدَّثَنا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَر، «أَنْ النَّبيّ ﷺ نَهَى عَنْ الإِخْصَاءِ وَقَالَ: "فِيهِ نَمَاءُ الْخَلْقِ"».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَدِيٍّ ﵀ فِي [الْكَامِلِ] (٧/ ١٧١): «وهذا عن مالك بهذا الإسناد يرويه أبو يعقوب هذا وهو منكر» اهـ.
وأورد له الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [الْمِيْزَانِ] (٤/ ٤٧٦) هذا الحديث، وحديث: «إنَّ اللهَ يَدْعُو بِالْعَبْدِ فَيَسْأَلُهُ عَنْ جَاهِهِ كَمَا يَسْأَلُهُ عَنْ مَالِهِ».
ثُمَّ قَالَ ﵀: «قال ابن حبان: هذا لا أصل له من كلام رسول الله ﷺ ، والافطس لا يجوز الاحتجاج بما انفرد به. وقال ابن الجوزي: قال الدارقطني: ثقة.
стр. 5638
قُلْتُ: بل من يروى مثل هذين الخبرين ليس بثقة ولا مأمون» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ٣٩٠ - ٣٩١):
«وأمَّا خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إمَّا لسمن أو غيره. والجمهور من العلماء وجماعتهم على أنَّه لا بأس أن يضحي بالخصي، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره. ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز. وخصى عروة بن الزبير بغلاً له. ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم، وإنَّما جاز ذلك لأنَّه لا يقصد به تعليق الحيوان بالدين لصنم يعبد، ولا لرب يوحد. وإنَّما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل، وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن الأنثى. ومنهم من كره ذلك، لقول النبي ﷺ : "إنَّما يفعل ذلك الذين لا يعلمون". واختاره ابن المنذر وقال: لأنَّ ذلك ثابت عن ابن عمر، وكان يقول: هو نماء خلق الله؛ وكره ذلك عبد الملك بن مروان. وقال الأوزاعي: كانوا يكرهون خصاء كل شيء له نسل» اهـ.
قُلْتُ: حديث: «إنَّما يفعل ذلك الذين لا يعلمون» اهـ. واد في نزو الحمار على الفرس.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٩/ ١٧٧):
стр. 5639
«قَالَ الْبَغَوِيُّ وَكَذَا يَحْرُمُ خِصَاءُ كُلِّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ خِصَاؤُهُ فِي صِغَرِهِ وَيَحْرُمُ فِي كِبَرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وقد ثبت تضحية النبي ﷺ بالخصي، وهو ما رواه أبو داود (٢٧٩٥) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مُوجَأَيْنِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
فدل ذلك على جواز خصي البهائم من أجل اللحم، وأمَّا ما سوى ذلك فالأصل فيه المنع لما فيه من تغيير لخلق الله، وإيذاء للحيوان. والله أعلم.
* * *
стр. 5640
الْمُحَرَّمَاتُ فِي النِّكَاحِ.
٢٩٨ - عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ ذَلِكَ لا يَحِلُّ لِي». قَالَتْ: إنَّا نُحَدَّثُ أَنَّك تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي إنَّهَا لابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ فَلا تَعْرِضْنَ عَلِيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلا أَخَوَاتِكُنَّ».
قَالَ عُرْوَةُ وَثُوَيْبَةُ: مَوْلاةٌ لأَبِي لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ رَآهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟
قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْراً، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ.
الحِيبَةُ: بكسر الحاء: الحالةُ.
قُلْتُ: قولها: «انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ». هي حمنة كما روى ذلك الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٤١٥) حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ، ثنا ابْنُ عَائِشَةَ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
стр. 5641
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ لَكَ فِي حَمْنَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: «أَصْنَعُ مَاذَا؟»، قَالَتْ: تَنْكِحُهَا، قَالَ: «فَهَلْ تَحِلُّ لِي؟»، قَالَتْ: وَاللهِ لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «أَرَبِيبَتِي فِي حِجْرِي فَوَ اللهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي، أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ وَلَا أُمَّهَاتِكُنَّ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ هو: إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز ثقة، ابْنُ عَائِشَةَ هو: عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر.
قُلْتُ: وبنت أبي سلمة هي دُرَّة، فقد جاء في رواية للبخاري (٥١٠٧)، ومسلم (١٤٤٩):
«إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ».
وَقُوْلُهَا: «لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ».
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٣):
«"لست لك بمخلية" بضم الميم وسكون المعجمة وكسر اللام اسم فاعل من أخلى يخلي أي: لست بمنفرده بك ولا خاليه من ضره، وقال بعضهم: هو بوزن
стр. 5642
فاعل الأخلاء متعدياً ولازماً من أخليت بمعنى خلوت من الضرة أي: لست بمتفرغه ولا خالية من ضره» اهـ.
قَوْلُهُ: «رَبِيبَتِي». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٤): «مشتقة من الرب وهو الإصلاح لأنَّه يقوم بأمرها، وقيل من التربية وهو غلط من جهة الاشتقاق» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٧٨):
«ووقع في بعض كتب الفقه أنَّها مشتقة من التربية وهذا غلط فاحش فإنَّ من شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية ولام الكلمة وهو الحرف الأخير مختلف فإنَّ آخر "رب" باء موحدة وفي آخر "ربي" ياء مثناة من تحت، والله أعلم» اهـ.
قَوْلُهُ: «غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ».
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ ﵀ فِي [مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ] (٢/ ٣٦٨):
«وَفِي حَدِيث أبي لَهب: "إِلَّا أَنِّي سقيت فِي مثل هَذِه" الْإِشَارَة بالضمير فِي هَذِه إِلَى النقرة الَّتِي بَين الْإِبْهَام والسبابة» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٥):
стр. 5643
«قَوْلُهُ: "غير إنِّي سقيت في هذه" كذا في الأصول بالحذف أيضاً، ووقع في رواية عبد الرزاق المذكورة وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، وفي رواية الإسماعيلي المذكورة، وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٣٨):
«و"ثُوَيْبَةُ"- بضم الثاء المثلثة، وفتح الواو، وياء التصغير-: تصغير: ثوبة؛ وهي الْمَرَّةُ الواحدةُ، من: ثَابَ: إذا رَجَع. يقال: ثاب، يثوب، ثوبًا، وثوبة. وثويبةُ هذه هي: جاريةُ أبي لهب، كانت أرضعت النبيَّ ﷺ وأبا سلمة، ولأجل رضاعها للنبي ﷺ سقي أبو لهب نطفةً من ماء في جهنم» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [الْإِصَابَةِ] (٨/ ٦٠):
«التي أرضعت النبي ﷺ ، وهي مولاة أبي لهب.
ذكرها ابن منده، وقال: اختلف في إسلامها. وقال أبو نعيم: لا أعلم أحداً أثبت إسلامها انتهى.
وفي باب من أرضع النبي ﷺ من طبقات ابن سعد ما يدل على أنَّها لم تسلم، ولكن لا يدفع قول ابن منده بهذا» اهـ.
стр. 5644
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - محبة أم حبيبة الخير لأختها.
٢ - وفيه تحريم الجمع بين المرأة وأختها. وسيأتي الكلام على ذلك في آخر شرحنا للحديث.
٣ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٣):
«ولم أقف على اسم من أخبر بذلك ولعله كان من المنافقين فإنَّه قد ظهر أنَّ الخبر لا أصل له وهذا مما يستدل به على ضعف المراسيل» اهـ.
٤ - وفيه جواز نسبة الشخص إلى أمه لبيان حكم شرعي متعلق بتلك النسبة، وذلك أنَّ النبي ﷺ نسب بنت أبي سلمة إلى أمها وهي زوجه من أجل أنَّ يُبَيِّنْ أنَّها ربيبته، فلا يجوز له أن يتزوجها. والله أعلم.
٥ - وفيه استعمال قياس الأولى، وهو فحوى الخطاب.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٣):
«وكأنَّ أم حبيبه استدلت على جواز الجمع بين الأختين بجواز الجمع بين المرأة وابنتها بطريق الأولى؛ لأنَّ الربيبة حرمت على التأييد والأخت حرمت في صورة
стр. 5645
الجمع فقط فأجابها ﷺ بأنَّ ذلك لا يحل، وأنَّ الذي بلغها من ذلك ليس بحق، وإنَّها تحرم عليه من جهتين» اهـ.
٦ - وفيه تعليل الحكم بعلتين. فإنَّه علَّل تحريمها: بأنَّها ربيبة، وابنة أخ.
٧ - وفيه تحريم بنت الأخ من الرضاعة. وسيأتي الكلام على ذلك في آخر شرحنا للحديث.
٨ - قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ١٤٥ - ١٤٦):
«وفي الحديث دلالة على أنَّ الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة لكنه مخالف لظاهر القرآن قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وأجيب أولاً بأنَّ الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعلَّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به، وثانياً على تقدير القبول فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي ﷺ مخصوصاً من ذلك بدليل قصة أبي طالب كما تقدم أنَّه خفف عنه فنقل من الغمرات إلى الضحضاح، وقال البيهقي ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنَّهم لا يكون لهم التخلص من النار ولا دخول الجنة ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما
стр. 5646
ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عملوه من الخيرات، وأمَّا عياض فقال: انعقد الإجماع على أنَّ الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب وإن كان بعضهم أشد عذاباً من بعض.
قُلْتُ: وهذا لا يرد الاحتمال الذي ذكره البيهقي فإنَّ جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر وأمَّا ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه.
وقال القرطبي: هذا التخفيف خاص بهذا وبمن ورد النص فيه.
وقال ابن المنير في "الحاشية": هنا قضيتان: إحداهما محال: وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره لأنَّ شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح وهذا مفقود من الكافر، الثانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال تفضلاً من الله تعالى وهذا لا يحيله العقل فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبي طالب والمتبع في ذلك التوقيف نفياً وإثباتاً.
قُلْتُ: وتتمة هذا أن يقع التفضل المذكور إكراماً لمن وقع من الكافر البر له ونحو ذلك والله أعلم» اهـ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٠/ ٧٦٩):
стр. 5647
«فَإِنَّ الْكَافِرَ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُطْعِمُهُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ يُخَفِّفُ عَنْهُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ؛ كَمَا خَفَّفَ عَنْ أَبِي طَالِبٍ لِإِحْسَانِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ » اهـ.
٩ - تحريم نكاح الربيبة.
١٠ - واحتج به من قال: إنَّ الربيبة لا تحرم إلَّا إذا كانت في الحجر، وسيأتي الكلام في ذلك، في بيان المحرمات من النكاح.
١١ - وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ٣٨):
«وقد احتج بعضهم على عدم اشتراط الِحْجر بقول النبي ﷺ : "لا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن"، ولم يقل: اللاتي في حجري» اهـ.
فائدة: في بيان المحرمات من النكاح.
المحرمات بالنكاح ينقسمن إلى قسمين: محرمات على التأبيد، ومحرمات على التأقيت، والمحرمات على التأبيد تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي:
محرمات من جهة النسب، والصهر، والرضاع، ويلتحق بذلك ما سيأتي ذكره، ويمكن أن تقسم المحرمات مطلقاً إلى قسمين وهما:
стр. 5648
محرمات بالأنساب، ومحرمات بالأسباب، ويدخل في الأسباب الصهر، والرضاع، وغير ذلك.
وأمَّا المحرمات على التأبيد من جهة النسب فهنَّ: الأم، والجدة وإن علت من جهة الأب أو الأم، والبنت، وبنات الابن أو البنت وإن نزلن، والأخوات الشقيقات أو لأب أو لأم، وبنات الإخوة والأخوات الشقيقات مهما نزلن، والعمات مطلقاً مهما ارتفعن سواء كنَّ من جهة الأب وآبائه وأمهاته، أو من جهة الأم وأمهاتها وآبائها، ومثلهن في ذلك الخالات.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٢٣٦): «وتلخيصه يحرم كل نسيبة سوى بنت عمة وعم وبنت خالة وخال» اهـ.
ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣].
قُلْتُ: فيدخل في الأمهات: كل من انتسبت إليها بولادة، وتدخل في ذلك الجدة من جهة الأم، أو الأب.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٥):
«فدخل في "الأمهات" أم أبيه وأم أمه وإن علت بلا نزاع أعلمه بين العلماء» اهـ.
стр. 5649
قُلْتُ: ويدخل في ذلك أمهات الأب من الزنا.
ويدخل في البنات: كل أنثى انتسبت إليك بولادتك كابنة الصلب، وبنات البنين والبنات، وإن نزلت درجتهن.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٥): «وكذلك دخل في "البنات" بنت ابنه وبنت ابن ابنته وإن سفلت بلا نزاع أعلمه» اهـ.
قُلْتُ: ويدخل في ذلك ابنته من وطء الشبهة أيضاً، وهكذا ابنته من الزنا على الصحيح.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٣٤ - ١٣٧):
«الحمد لله، مذهب الجمهور من العلماء أنَّه لا يجوز التزويج بها وهو الصواب المقطوع به؛ حتى تنازع الجمهور: هل يقتل من فعل ذلك؟ على قولين. والمنقول عن أحمد: أنَّه يقتل من فعل ذلك. فقد يقال: هذا إذا لم يكن متأولاً. وأمَّا المتأول فلا يقتل؛ وإن كان مخطئاً. وقد يقال: هذا مطلقاً كما قاله الجمهور: إنَّه يجلد من شرب النبيذ المختلف فيه متأولاً؛ وإن كان مع ذلك لا يفسق عند الشافعي وأحمد
стр. 5650
في إحدى الروايتين وفسقه مالك وأحمد في الرواية الأخرى. والصحيح: أنَّ المتأول المعذور لا يفسق؛ بل ولا يأثم. وأحمد لم يبلغه أنَّ في هذه المسألة خلافاً؛ فإنَّ الخلاف فيها إنَّما ظهر في زمنه لم يظهر في زمن السلف؛ فلهذا لم يعرفه. والذين سوغوا نكاح البنت من الزنا حجتهم في ذلك أن قالوا: ليست هذه بنتاً في الشرع؛ بدليل أنَّهما لا يتوارثان؛ ولا يجب نفقتها؛ ولا يلي نكاحها ولا تعتق عليه بالملك ونحو ذلك من أحكام النسب، وإذا لم تكن بنتاً في الشرع لم تدخل في آية التحريم فتبقى داخلة في قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. وأمَّا حجة الجمهور فهو أن يقال: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية هو متناول لكل من شمله هذا اللفظ سواء كان حقيقة أو مجازاً وسواء ثبت في حقه التوارث وغيره من الأحكام: أم لم يثبت إلَّا التحريم خاصة، ليس العموم في آية التحريم كالعموم في آية الفرائض ونحوها؛ كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ آية التحريم تتناول البنت وبنت الابن وبنت البنت؛ كما يتناول لفظ العمة عمة الأب؛ والأم والجد. وكذلك بنت الأخت وبنت ابن الأخت. وبنت
стр. 5651
بنت الأخت. ومثل هذا العموم لا يثبت لا في آية الفرائض ولا نحوها من الآيات، والنصوص التي علق فيها الأحكام بالأنساب.
الثاني: أنَّ تحريم النكاح يثبت بمجرد الرضاعة كما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة"، وفي لفظ: "ما يحرم من النسب"، وهذا حديث متفق على صحته وعلى الأئمة به: فقد حرم الله على المرأة أن تتزوج بطفل غذته من لبنها أو أن تنكح أولاده وحرم على أمهاتها وعماتها وخالتها؛ بل حرم على الطفلة المرتضعة من امرأة أن تتزوج بالفحل صاحب اللبن وهو الذي وطئ المرأة حتى در اللبن بوطئه. فإذا كان يحرم على الرجل أن ينكح بنته من الرضاع ولا يثبت في حقها شيء من أحكام النسب - سوى التحريم وما يتبعها من الحرمة - فكيف يباح له نكاح بنت خلقت من مائه وأين المخلوقة من مائه من المتغذية بلبن در بوطئه فهذا يبين التحريم من جهة عموم الخطاب ومن جهة التنبيه والفحوى وقياس الأولى.
الثالث: أنَّ الله تعالى قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾.
قال العلماء: احتراز عن ابنه الذي تبناه كما قال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، ومعلوم أنَّهم في الجاهلية كانوا
стр. 5652
يستلحقون ولد الزنا أعظم مما يستلحقون ولد المتبني، فإذا كان الله تعالى قيد ذلك بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ علم أنَّ لفظ البنات ونحوها يشمل كل من كان في لغتهم داخلاً في الاسم.
وأمَّا قول القائل: إنَّه لا يثبت في حقها الميراث ونحوه. فجوابه أنَّ النسب تتبعض أحكامه فقد ثبت بعض أحكام النسب دون بعض كما وافق أكثر المنازعين في ولد الملاعنة على أنَّه يحرم على الملاعن ولا يرثه. واختلف العلماء في استلحاق ولد الزنا إذا لم يكن فراشاً؟ على قولين. كما ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه ألحق ابن وليدة زمعة بن الأسود بزمعة بن الأسود وكان قد أحبلها عتبة بن أبي وقاص فاختصم فيه سعد وعبد ابن زمعة فقال سعد: ابن أخي. عهد إليَّ أنَّ ابن وليدة زمعة هذا ابني. فقال عبد: أخي وابن وليدة أبي؛ ولد على فراش أبي. فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش وللعاهر الحجر؛ احتجبي منه يا سودة". لما رأى من شبهه البين بعتبة فجعله أخاها في الميراث دون الحرمة. وقد تنازع العلماء في ولد الزنا: هل يعتق بالملك؟ على قولين في مذهب أبي حنيفة وأحمد. وهذه المسألة لها بسط لا تسعه هذه الورقة. ومثل هذه المسألة الضعيفة ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين؛ لا على
стр. 5653
وجه القدح فيه ولا على وجه المتابعة له فيها فإنَّ في ذلك ضرباً من الطعن في الأئمة واتباع الأقوال الضعيفة وبمثل ذلك صار وزير التتر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة ويوقعهم في مذاهب الرافضة وأهل الإلحاد. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٤٢) وقد سئل: عن رجل تزوج ابنته من الزنا؟
فأجاب: «لا يجوز أن يتزوج بها عند جمهور أئمة المسلمين. حتى إنَّ الإمام أحمد أنكر أن يكون في ذلك نزاع بين السلف؛ وقال: من فعل ذلك فإنَّه يقتل. وقيل له عن مالك: إنَّه أباحه فكذب النقل عن مالك. وتحريم هذا هو قول أبي حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه؛ ومالك وجمهور أصحابه وهو قول كثير من أصحاب الشافعي. وأنكر أن يكون الشافعي نص على خلاف ذلك؛ وقالوا: إنَّما نص على بنته من الرضاع؛ دون الزانية التي زنى بها. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٦٩ - ٥٧٠):
«وقد دل التحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة من ماء الزاني دلالة الأولى والأحرى، لأنَّه إذا حرم عليه أن ينكح من قد تغذت بلبن ثار بوطئه، فكيف يحل
стр. 5654
له أن ينكح من قد خلق من نفس مائة بوطئه؟ وكيف يحرم الشارع بنته من الرضاع لما فيها من لبن كان وطء الرجل سبباً فيه، ثم يبيح له نكاح من خلقت بنفس وطئه ومائة؟ هذا من المستحيل، فإنَّ البعضية التي بينه وبين المخلوقة من مائة أكمل وأتم من البعضية التي بينه وبين من تغذت بلبنه، فإنَّ بنت الرضاع فيها جزء ما من البعضية، والمخلوقة من مائة كاسمها مخلوقة من مائة، فنصفها أو أكثرها بعضه قطعاً، والشطر الآخر للأم، وهذا قول جمهور المسلمين، ولا يعرف في الصحابة من أباحها، ونص الإمام أحمد ﵀، على أنَّ من تزوجها، قتل بالسيف محصناً كان أو غيره. وإذا كانت بنته من الرضاعة بنتاً في حكمين فقط: الحرمة، والمحرمية، وتخلف سائر أحكام البنت عنها لم تخرجها عن التحريم، وتوجب حلها، فكذا بنته من الزنى تكون بنتاً في التحريم. وتخلف أحكام البنت عنها لا يوجب حلها، والله سبحانه خاطب العرب بما تعقله في لغاتها، ولفظ البنت لفظ لغوي لم ينقله الشارع عن موضعه الأصلي، كلفظ الصلاة والإيمان ونحوهما، فيجمل على موضوعه اللغوي حتى يثبت نقل الشارع له عنه إلى غيره، فلفظ البنت كلفظ الأخ والعم والخال ألفاظ باقية على موضوعاتها اللغوية. وقد ثبت في "الصحيح" أنَّ الله تعالى أنطق ابن الراعي الزاني بِقَوْلِهِ: "أبي فلان
стр. 5655
الراعي"، وهذا الإنطاق لا يحتمل الكذب، وأجمعت الأمة على تحريم أمه عليه. وخلقه من مائها، وماء الزاني خلق واحد، وإثمهما فيه سواء، وكونه بعضاً له مثل كونه بعضاً لها، وانقطاع الإرث بين الزاني والبنت لا يوجب جواز نكاحها، ثم من العجب كيف يحرم صاحب هذا القول أن يستمني الإنسان بيده، ويقول: هو نكاح ليده، ويجوز للإنسان أن ينكح بعضه، ثم يجوز له أن يستفرش بعضه الذى خلقه الله من مائه، وأخرجه من صلبه، كما يستفرش الأجنبية» اهـ.
ويدخل في الحرمة ابنة ابنته من الزنا، وهكذا إذا زنت ابنته أو ابنه من الصلب فإنَّ بناتهم يحرمنَّ عليه مهما نزلن.
قُلْتُ: وابنة من لاعنها محرمة على الملاعن درءاً للشبهة وإن لم تدخل في لفظ البنات.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٣٩):
«وبنت الملاعنة لا تباح للملاعن عند عامة العلماء؛ وليس فيه إلَّا نزاع شاذ؛ مع أنَّ نسبها ينقطع من أبيها ولكن لو استلحقها للحقته وهما لا يتوارثان باتفاق الأئمة» اهـ.
ويدخل في الأخوات: الشقيقات، أو لأب، أو لأم.
стр. 5656
وهل يدخل في ذلك الأخت من الزنا؟
في ذلك نزاع والذي يظهر لي دخولها وهو مذهب أكثر العلماء؛ وذلك أنَّ الزنا ينشر الحرمة في النسب دون الصهر. والله أعلم.
ويدخل في العمات: أخوات الأب من الجهات الثلاث، وأخوات الأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم، قريباً كان الجد أو بعيداً.
ويدخل في الخالات: أخوات الأم وأخوات الجدات من جهة الأب أو الأم وإن علون. فإنَّ الخالة هي أخت الأم، والجدة أم ولهذا يقال: أبونا آدم، وأمنا حواء، وهي من الجدات.
ويدخل في الخالات والعمالات اللاتي من زنا، وهكذا عمات وخالات الأب من الزنا.
ويدخل في بنات الأخ: كل امرأة انتسبت إلى أخ بولادة من أي جهة كان الأخ.
وهكذا يدخل في ذلك بنات الأخ إذا كان الأخ من زنا، وهكذا البنات التي خلقن من ماء الأخ عن طريق الزنا.
ويدخل في بنات الأخت: كل امرأة انتسبت إلى أخت بولادة من أي جهة كانت الأخت.
стр. 5657
وهكذا يدخل في ذلك بنات الأخت إذا كانت الأخ من زنا، وهكذا البنات اللاتي نسبن للأخت عن طريق الزنا.
قُلْتُ: والزنا في جميع ما سبق ينشر الحرمة.
وهؤلاء هنَّ المحرمات على التأبيد من جهة النسب، ويحرم نظيرهن من جهة الرضاع.
قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
قُلْتُ: ويدخل في الأمهات المرضعات: الأمهات اللاتي أرضعنك وأمهاتهن وجداتهن وإن علت درجتهن.
ويدخل في الأخوات من الرضاعة: كل امرأة أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد، كرجل له امرأتان، لهما لبن أرضعتك إحداهما، وأرضعتها الأخرى، فهي أختك محرمة عليك.
стр. 5658
قُلْتُ: وجاءت السنة بأكثر من ذلك فروى البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: «لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ».
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٣٨ - ٣٩): «وأمَّا إخوة المرتضع من النسب؛ وأبوه من النسب وأمه من النسب: فهم أجانب أبيه وأمه وإخوته من الرضاع؛ ليس بين هؤلاء وهؤلاء صلة ولا نسب ولا رضاع؛ لأنَّ الرجل يمكن أن يكون له أخ من أبيه وأخ من أمه ولا نسب بينهما؛ بل يجوز لأخيه من أبيه أن يتزوج أخته من أمه؛ فكيف إذا كان أخ من النسب وأخت من الرضاع؛ فإنَّه يجوز لهذا أن يتزوج هذا ولهذا أن يتزوج هذا. وبهذا تزول الشبهة التي تعرض لبعض الناس فإنَّه يجوز للمرتضع أن يتزوج أخوه من الرضاعة بأمه من النسب، كما يتزوج بأخته من النسب. ويجوز لأخيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاعة وهذا لا نظير له في النسب؛ فإنَّ أخ الرجل من النسب لا يتزوج بأمه من النسب. وأخته من الرضاع ليست بنت أبيه من
стр. 5659
النسب ولا ربيبته فلهذا جاز أن تتزوج به. فيقول من لا يحقق: يحرم في النسب على أخي أن يتزوج أمي ولا يحرم مثل هذا في الرضاع. وهذا غلط منه؛ فإنَّ نظير المحرم من النسب أن تتزوج أخته أو أخوه من الرضاعة بابن هذا الأخ أو بأمه من الرضاعة كما لو ارتضع هو وآخر من امرأة واللبن لفحل؛ فإنَّه يحرم على أخته من الرضاعة أن تتزوج أخاه وأخته من الرضاعة؛ لكونهما أخوين للمرتضع ويحرم عليهما أن يتزوجا أباه وأمه من الرضاعة؛ لكونهما ولديهما من الرضاعة؛ لا لكونهما أخوي ولديهما. فمن تدبر هذا ونحوه زالت عنه الشبهة» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٤٠ - ٤١):
«وتحرم عليه أم أخيه من النسب؛ لأنَّها أمه أو امرأة أبيه؛ وكلاهما حرام عليه. وأمَّا أم أخيه من الرضاعة فليست أمه ولا امرأة أبيه؛ لأنَّ زوجها صاحب اللبن ليس أباً لهذا؛ لا من النسب ولا من الرضاعة. فإذا قال القائل: إنَّ النبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" وأم أخيه من النسب حرام فكذلك من الرضاع. قلنا: هذا تلبيس وتدليس؛ فإنَّ الله لم يقل: حرمت عليكم أمهات أخواتكم؛ وإنَّما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فحرم على الرجل أمه ومنكوحة أبيه وإن لم
стр. 5660
تكن أمه. وهذه تحرم من الرضاعة فلا يتزوج أمه من الرضاعة. وأمَّا منكوحة أبيه من الرضاع فالمشهور عند الأئمة أنَّها تحرم؛ لكن فيها نزاع لكونها من المحرمات بالصهر؛ لا بالنسب والولادة. وليس الكلام هنا في تحريمها فإنَّه إذا قيل: تحرم منكوحة أبيه من الرضاعة وفينا بعموم الحديث. وأمَّا أم أخيه التي ليست أمَّا ولا منكوحة أب: فهذه لا توجد في النسب؛ فلا يجوز أن يقال: تحرم من النسب فلا يحرم نظيرها من الرضاعة فتبقى أم الأم من النسب لأخيه من الرضاعة أو الأم من الرضاعة لأخيه من النسب: لا نظير لها من الولادة فلا تحرم. وهذا متفق عليه بين المسلمين. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ويستوي في حرمة الرضاع من رضع مع الطفل من أولاد المرضعة ومن رضع قبل ذلك أو بعد ذلك ومن لم يرضع منها وإنَّما من غيرها باتفاق العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٣٢):
«ولا فرق باتفاق المسلمين بين أولاد المرأة الذين رضعوا مع الطفل وبين من ولد لها قبل الرضاعة وبعد الرضاعة: باتفاق المسلمين. وما يظنه كثير من الجهال أنَّه إنَّما يحرم من رضع معه: هو ضلال على صاحبه إن لم يرجع عنه فإن أصر على
стр. 5661
استحلال ذلك استتيب كما يستتاب سائر من أباح الإخوة من الرضاعة فإن تاب وإلَّا قتل» اهـ.
قُلْتُ: وما يثبت به الحرمة في النسب من الوطء الحرام أو لشبة فيحرم نظيره في الرضاع.
وهل يحرم من الرضاع ما يحرم من الصهر، في ذلك نزاع بين العلماء، فالأكثر على الإلحاق، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عدم الإلحاق.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧): «وقال شيخنا: ولم يقل الشارع: ما يحرم بالمصاهرة، فأم امرأته برضاع أو امرأة أبيه أو ابنه من الرضاعة التي لم ترضعه وبنت امرأته بلبن غيره حرمن بالمصاهرة لا بالنسب، ولا نسب ولا مصاهرة بينه وبينهنَّ فلا تحريم» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] ص (٣٠٨): «وتحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع، فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته وابنتها من الرضاع، ولا يحرم على المرأة نكاح أبي زوجها وأمه من الرضاع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٢٤ - ١٢٥):
стр. 5662
«وأمَّا حليلة ابنه من الرضاع، فإنَّ الأئمة الأربعة ومن قال بقولهم يدخلونها في قَوْلِهِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، ولا يخرجونها بِقَوْلِهِ: ﴿الّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ويحتجون بقول النبي ﷺ : "حرموا من الرضاع ما تحرمون من النسب".
قالوا: وهذه الحليلة تحرم إذا كانت لابن النسب، فتحرم إذا كانت لابن الرضاع. قالوا: والتقييد لإخراج ابن التبني لا غير، وحرموا من الرضاع بالصهر نظير ما يحرم بالنسب. ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا تحرم حليلة ابنه من الرضاعة، لأنَّه ليس من صلبه، والتقييد كما يخرج حليلة ابن التبني يخرج حليلة ابن الرضاع سواء، ولا فرق بينهما.
قالوا: وأمَّا قوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فهو من أكبر أدلتنا وعمدتنا في المسألة، فإنَّ تحريم حلائل الآباء والأبناء إنَّما هو بالصهر لا بالنسب، والنبي ﷺ قد قصر تحريم الرضاع على نظيره من النسب لا على شقيقه من الصهر، فيجب الاقتصار بالتحريم على مورد النص.
стр. 5663
قالوا: والتحريم بالرضاع فرع على تحريم النسب، لا على تحريم المصاهرة، فتحريم المصاهرة أصل قائم بذاته، والله سبحانه لم ينص في كتابه على تحريم الرضاع إلَّا من جهة النسب، ولم ينبه على التحريم به من جهة الصهر ألبتة، لا بنص ولا إيماء ولا إشارة، والنبي ﷺ أمر أن يحرم به ما يحرم من النسب، وفي ذلك إرشاد وإشارة إلى أنَّه لا يحرم به ما يحرم بالصهر، ولولا أنَّه أراد الاقتصار على ذلك لقال: "حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب والصهر".
قالوا: وأيضاً فالرضاع مشبه بالنسب، ولهذا أخذ منه بعض أحكامه وهو الحرمة والمحرمية فقط دون التوارث، والإنفاق وسائر أحكام النسب، فهو نسب ضعيف، فأخذ بحسب ضعفه بعض أحكام النسب، ولم يقوى على سائر أحكام النسب، وهو ألصق به من المصاهرة، فكيف يقوى على أخذ أحكام المصاهرة مع قصوره عن أحكام مشبهه وشقيقه؟
وأمَّا المصاهرة والرضاع، فإنَّه لا نسب بينهما ولا شبهة نسب، ولا بعضية، ولا اتصال.
قالوا: ولو كان تحريم الصهرية ثابتاً لبينه الله ورسوله بياناً شافياً يقيم الحجة ويقطع العذر، فمن الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم والانقياد،
стр. 5664
فهذا منتهى النظر في هذه المسألة، فمن ظفر فيها بحجة، فليرشد إليها وليدل عليها، فإنَّا لها منقادون، وبها معتصمون، والله الموفق للصواب» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٥٧ - ٥٦٤):
«وهل يحرم نظير المصاهرة بالرضاع، فيحرم عليه أم امرأته من الرضاع، وبنتها من الرضاعة، وامرأة ابنه من الرضاعة، أو يحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة، أو بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها من الرضاعة؟ فحرمه الأئمة الأربعة وأتباعهم، وتوقف فيه شيخنا وقال: إن كان قد قال أحد بعدم التحريم، فهو أقوى.
قال المحرمون: تحريم هذا يدخل في قوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فأجرى الرضاعة مجرى النسب، وشبهها به، فثبت تنزيل ولد الرضاعة وأبي الرضاعة منزلة ولد النسب وأبيه، فما ثبت للنسب من التحريم، ثبت للرضاعة، فإذا حرمت امرأة الأب والابن، وأم المرأة، وابنتها من النسب، حرمن بالرضاعة. وإذا حرم الجمع بين أختي النسب، حرم بين أختي الرضاعة، هذا تقدير احتجاجهم على التحريم.
стр. 5665
قال شيخ الإسلام: الله سبحانه حرم سبعاً بالنسب، وسبعاً بالصهر، كذا قال ابن عباس. قال: ومعلوم أنَّ تحريم الرضاعة لا يسمى صهراً، إنَّما يحرم منه ما يحرم من النسب، والنبي ﷺ قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة". وفى رواية: "ما يحرم من النسب". ولم يقل: وما يحرم بالمصاهرة، ولا ذكره الله سبحانه في كتابه، كما ذكر تحريم الصهر، ولا ذكر تحريم الجمع في الرضاع كما ذكره في النسب، والصهر قسيم النسب، وشقيقه، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ فالعلاقة بين الناس بالنسب والصهر، وهما سببا التحريم، والرضاع فرع على النسب، ولا تعقل المصاهرة إلَّا بين الأنساب، والله تعالى إنَّما حرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، لئلا يفضي إلى قطيعة الرحم المحرمة. ومعلوم أنَّ الأختين من الرضاع ليس بينهما رحم محرمة في غير النكاح، ولا ترتب على ما بينهما من أخوة الرضاع حكم قط غير تحريم أحدهما على الآخر، فلا يعتق عليه بالملك، ولا يرثه، ولا يستحق النفقة عليه، ولا يثبت له عليه ولاية النكاح ولا الموت، ولا يعقل عنه، ولا يدخل في الوصية والوقف على أقاربه وذوي رحمه، ولا يحرم التفريق بين الأم وولدها الصغير من الرضاعة، ويحرم من النسب،
стр. 5666
والتفريق بينهما في الملك كالجمع بينهما في النكاح سواء، ولو ملك شيئاً من المحرمات بالرضاع، لم يعتق عليه بالملك، وإذا حرمت على الرجل أمه وبنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة، لم يلزم أن يحرم عليه أم امرأته التي أرضعت امرأته، فإنَّه لا نسب بينه وبينها، ولا مصاهرة، ولا رضاع، والرضاعة إذا جعلت كالنسب في حكم لا يلزم أن تكون مثله في كل حكم، بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعاف ما اجتمعا فيه منها، وقد ثبت جواز الجمع بين اللتين بينهما مصاهرة محرمة، كما جمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وابنته من غيرها. وإن كان بينهما تحريم يمنع جواز نكاح أحدها للآخر لو كان ذكراً، فهذا نظير الأختين من الرضاعة سواء، لأنَّ سبب تحريم النكاح بينهما في أنفسهما، ليس بينهما وبين الأجنبي منهما الذي لا رضاع بينه وبينهما ولا صهر، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. واحتج أحمد بأنَّ عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة عليِّ وابنته، ولم ينكر ذلك أحد، قال البخاري: وجمع الحسن بن الحسن بن علي، بين بنتي عم في ليلة، وجمع عبد الله بن جعفر بين امرأة على وابنته، وقال ابن شبرمة: لا بأس به، وكرهه الحسن مرة ثم قال: لا بأس به. وكرهه جابر بن زيد للقطيعة، وليس فيه تحريم، لقوله : ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ هذا كلام البخاري.
стр. 5667
وبالجملة: فثبوت أحكام النسب من وجه لا يستلزم ثبوتها من كل وجه، أو من وجه آخر، فهؤلاء نساء النبي ﷺ هنَّ أمهات المؤمنين في التحريم والحرمة فقط، لا في المحرمية، فليس لأحد أن يخلو بهنَّ ولا ينظر إليهنَّ، بل قد أمرهن الله بالاحتجاب عمن حرم عليه نكاحهنَّ من غير أقاربهن، ومن بينهن وبينه رضاع، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ثم هذا الحكم لا يتعدى إلى أقاربهن البتة، فليس بناتهن أخوات المؤمنين يحرمن على رجالهم، ولا بنوهن إخوة لهم يحرم عليهن بناتهن، ولا أخواتهن وإخوتهن خالات وأخوالاً، بل هن حلال للمسلمين باتفاق المسلمين، وقد كانت أم الفضل أخت ميمونة زوج رسول الله ﷺ تحت العباس، وكانت أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة ﵂ تحت الزبير، وكانت أم عائشة ﵂ تحت أبي بكر، وأم حفصة تحت عمر ﵁، وليس لرجل يتزوج أمة، وقد تزوج عبد الله بن عمر وإخوته، وأولاد أبي بكر، وأولاد أبي سفيان من المؤمنات، ولو كانوا أخوالاً لهن، لم يجز أن ينكحوهن، فلم تنتشر الحرمة من أمهات المؤمنين إلى أقاربهن، وإلَّا لزم من ثبوت حكم من أحكام النسب بين الأمة وبينهن ثبوت غيره من الأحكام.
стр. 5668
ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى في المحرمات: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ومعلوم أنَّ لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع، فكيف إذا قيد بكونه ابن صلب، وقصد إخراج ابن التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع، ويوجب دخلوه، وقد ثبت في "الصحيح": أنَّ النبي ﷺ أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة ليصير محرماً لها، فأرضعته بلبن أبي حذيفة زوجها، وصار ابنها ومحرمها بنص رسول الله ﷺ ، سواء كان هذا الحكم مختصاً بسالم أو عاماً كما قالته أم المؤمنين عائشة ﵂، فبقى سالم محرماً لها، لكونها أرضعته وصارت أمه، ولم يصر محرماً لها، لكونها امرأة أبيه من الرضاعة، فإنَّ هذا لا تأثير فيه لرضاعة سهلة له، بل لو أرضعته جارية له، أو امرأة أخرى، صارت سهلة امرأة أبيه، وإنَّما التأثير لكونه ولدها نفسها وقد علل بهذا في الحديث نفسه ولفظه: فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أرضعيه"، فأرضعته خمس رضعات، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، ولا يمكن دعوى الإجماع في هذه المسألة، ومن ادعاه فهو كاذب، فإنَّ سعيد بن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وأبا قلابة، لم يكونوا يثبتون التحريم بلبن الفحل، وهو مروى عن الزبير، وجماعة من
стр. 5669
الصحابة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وكانوا يرون أنَّ التحريم إنَّما هو من قبل الأمهات فقط، فهؤلاء إذا لم يجعلوا المرتضع من لبن الفحل ولداً له، فأن لا يحرموا عليه امرأته، ولا على الرضيع امرأة الفحل بطريق الأولى، فعلى قول هؤلاء فلا يحرم على المرأة أبو زوجها من الرضاعة، ولا ابنه من الرضاعة.
فإن قيل: هؤلاء لم يثبتوا البنوة بين المرتضع وبين الفحل، فلم تثبت المصاهرة، لأنَّها فرع ثبوت بنوة الرضاع، فإذا لم تثبت له، لم يثبت فرعها، وأمَّا من أثبت بنوة الرضاع من جهة الفحل كما دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة، وقال به جمهور أهل الإسلام، فإنَّه تثبت المصاهرة بهذه البنوة، فهل قال أحد ممن ذهب إلى التحريم بلبن الفحل: إنَّ زوجة أبيه وابنه من الرضاعة لا تحرم؟
قيل: المقصود أنَّ في تحريم هذه نزاعاً، وأنَّه ليس مجمعاً عليه، وبقى النظر في مأخذه، هل هو إلغاء لبن الفحل، وأنَّه لا تأثير له، أو إلغاء المصاهرة من جهة الرضاع، وأنَّه لا تأثير لها، وإنَّما التأثير لمصاهرة النسب؟
ولا شك أنَّ المأخذ الأول باطل، لثبوت السنة الصريحة بالتحريم بلبن الفحل، وقد بينا أنَّه لا يلزم من القول بالتحريم به إثبات المصاهرة به إلَّا بالقياس، وقد
стр. 5670
تقدم أنَّ الفارق بين الأصل والفرع أضعاف أضعاف الجامع، وأنَّه لا يلزم من ثبوت حكم من أحكام النسب، ثبوت حكم آخر.
ويدل على هذا أيضاً أنَّه سبحانه لم يجعل أم الرضاع، وأخت الرضاعة داخلة تحت أمهاتنا وأخواتنا، فإنَّه سبحانه قال: ﴿حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾، ثم قال: ﴿وَأُمّهَاتُكُمُ اللّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرّضَاعَةِ﴾ فدل على أنَّ لفظ أمهاتنا عند الإطلاق: إنَّما يراد بها الأم من النسب، وإذا ثبت هذا، فقوله تعالى: ﴿وَأُمّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ مثل قَوْلُهُ: ﴿وَأُمّهَاتُكُمْ﴾، إنَّما هنَّ أمهات نسائنا من النسب، فلا يتناول أمهاتهن من الرضاعة، ولو أريد تحريمهن لقال: وأمهاتهن اللاتي أرضعنهن، كما ذكر ذلك في أمهاتنا وقد بينا أنَّ قَوْلَهُ: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب"، إنَّما يدل على أنَّ من حرم على الرجل من النسب حرم عليه نظيره من الرضاعة، ولا يدل على أنَّ من حرم عليه بالصهر أو بالجمع، حرم عليه نظيره من الرضاعة، بل يدل مفهومه علي خلاف ذلك، مع عموم قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
ومما يدل على أنَّ تحريم امرأة أبيه وابنه من الرضاعة ليس مسألة إجماع، أنَّه قد ثبت عن جماعة من السلف جواز نكاح بنت امرأته إذا لم تكن في حجره، كما صح عن
стр. 5671
مالك بن أوس بن الحدثان النصري، قال: كانت عندي امرأة، وقد ولدت لي، فتوفيت، فوجدت عليها، فلقيت علي بن أبي طالب ﵁، قال لي: مالك؟ قُلْتُ: توفيت المرأة، قال: لها ابنة؟ قُلْتُ: نعم، قال: كانت في حجرك؟ قُلْتُ: لا، هي في الطائف. قال: فانكحها، قُلْتُ: فأين قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، قال: إنَّها لم تكن في حجرك، وإنَّما ذلك إذا كانت في حجرك.
وصح عن إبراهيم بن ميسرة، أنَّ رجلاً من بنى سواءة يقال له: عبيد الله بن معبد، أثنى عليه خيراً، أخبره أنَّ أباه أو جده كان قد نكح امرأة ذات ولد من غيره، ثم اصطحبا ما شاء الله، ثم نكح امرأة شابة، فقال: أحد بني الأولى قد نكحت على أمنا وكبرت واستغنيت عنها بامرأة شابة، فطلقها، قال: لا والله إلَّا أن تنكحني ابنتك، قال: فطلقها وأنكحه ابنته، ولم تكن في حجره هي ولا أبوها. قال: فجئت سفيان ابن عبد الله، فقُلْتُ: استفت لي عمر بن الخطاب ﵁. قال: لتحجن معي، فأدخلني على عمر ﵁ بمنى، فقصصت عليه الخبر، فقال عمر: لا بأس بذلك، فاذهب فسل فلاناً، ثم تعال فأخبرني. قال: ولا أراه إلَّا علياً قال: فسألته، فقال: لا بأس بذلك، وهذا مذهب أهل الظاهر. فإذا كان عمر وعلي
стр. 5672
﵄ ومن يقول بقولهما قد أباحا الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج، مع أنَّها ابنة امرأته من النسب، فكيف يحرمان عليه ابنتها من الرضاع، وهذه ثلاثة قيود ذكرها الله في تحريمها. أن تكون في حجره، وأن تكون من امرأته، وأن يكون قد دخل بأمها. فكيف يحرم عليه مجرد ابنتها من الرضاعة، وليست في حجره، ولا هي ربيبته لغة، فإنَّ الربيبة بنت الزوجة، والربيب ابنها باتفاق الناس، وسميا ربيباً وربيبة لأنَّ زوج أمهما يربهما في العادة، وأمَّا من أرضعتهما امرأته بغير لبنه، ولم يربها قط، ولا كانت في حجره، فدخولها في هذا النص في غاية البعد لفظاً ومعنىً، وقد أشار النبي ﷺ بتحريم الربيبة بكونها في الحجر. ففي "صحيح البخاري" من حديث الزهري، عن عروة، أن زينب بنت أم سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: يا رسول الله، أخبرت أنَّك تخطب بنت أبي سلمة، فقال: بنت أم سلمة؟ قالت: نعم، فقال: "إنَّها لو تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي". وهذا يدل على اعتباره ﷺ القيد الذى قيده الله في التحريم، وهو أن تكون في حجر الزوج. ونظير هذا سواء، أن يقال في زوجة ابن الصلب إذا كانت محرمة برضاع: لو لم تكن حليلة ابني الذي لصلبي، لما حلت لي سواء، ولا فرق بينهما، وبالله التوفيق» اهـ.
стр. 5673
مسألة: في التحريم بلبن الفحل.
قُلْتُ: ويدل على أنَّ التحريم يحصل بلبن الفحل ما رواه البخاري (٥٢٣٩)، ومسلم (١٤٤٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّهُ عَمُّكِ، فَأْذَنِي لَهُ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ» قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الحِجَابُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٤٩):
«وهذا كله متفق عليه بين المسلمين: أنَّ انتشار الحرمة إلى الرجل؛ فإنَّ هذه تسمى "مسألة الفحل" والذي ذكرناه هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين. وكان بعض السلف يقول: لبن الفحل لا يحرم. والنصوص الصحيحة: هي تقرر مذهب الجماعة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٦٤):
стр. 5674
«الحكم الثاني: المستفاد من هذه السنة، أنَّ لبن الفحل يحرم، وأنَّ التحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة، وهذا هو الحق الذى لا يجوز أن يقال بغيره، وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم، فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع، ويترك ما خالفها لأجلها، ولا تترك هي لأجل قول أحد كائناً من كان. ولو تركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو لتأويلها، أو غير ذلك، لترك سنن كثيرة جداً، وتركت الحجة إلى غيرها، وقول من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه، وقول المعصوم إلى قول غير المعصوم، وهذه بلية، نسأل الله العافية» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا المرتضعة بلبن الزنا، فَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٨٦): «والمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ في رواية ابنه عبد الله أنَّها محرمة كالبنت من الزنا» اهـ.
قُلْتُ: وقد أباحها جمع من أهل العلم وسيأتي بمشيئة الله تعالى تفصيل القول فيها في أول أحاديث الرضاع.
وأمَّا المحرمات على التأبيد من جهة الصهر فهنَّ: زوجة الأب، وزوجة الجد من جهة الأب أو الأم مهما ارتفعن، وزوجة الابن، وزوجة ابن الابن مهما نزلن،
стр. 5675
وزوجة ابن البنت مهما نزلن، وأم الزوجة، وجدتها من جهة الأب أو الأم مهما ارتفعن، وبنت الزوجة إذا دخل بأمها، وبنت ابنها مهما، وبنت بنتها مهما نزلن.
وهؤلاء عشر عن طريق البسط ويرجعنَّ إلى أربع عن طريق الاختصار وهن: أمهات النساء من زوجات أو إماء مدخول بهنَّ وإن علون، وبناتهن وإن نزلن إذا كان قد دخل بهن، ونساء الآباء من زوجات أو إماء مدخول بهنَّ وإن علون، وحلائل الأبناء من زوجات أو إماء مدخول بهنَّ وإن نزلن من نسب وفي الرضاع نزاع كما سيأتي.
ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
قُلْتُ: ويدخل في أمهات النساء: الأم القريبة، والجدات من جميع الجهات مهما ارتفعن، ويحرم أمهات النساء بمجرد العقد على بناتهن وإن لم يحصل وطء إلَّا إذا كانت نساء الرجل من الإماء فلا تحرم أمها إلَّا بعد وطء بنتها وذلك أنَّ الأمة لا
следующие страницы →