Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
مالك بن أوس بن الحدثان النصري، قال: كانت عندي امرأة، وقد ولدت لي، فتوفيت، فوجدت عليها، فلقيت علي بن أبي طالب ﵁، قال لي: مالك؟ قُلْتُ: توفيت المرأة، قال: لها ابنة؟ قُلْتُ: نعم، قال: كانت في حجرك؟ قُلْتُ: لا، هي في الطائف. قال: فانكحها، قُلْتُ: فأين قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، قال: إنَّها لم تكن في حجرك، وإنَّما ذلك إذا كانت في حجرك.
وصح عن إبراهيم بن ميسرة، أنَّ رجلاً من بنى سواءة يقال له: عبيد الله بن معبد، أثنى عليه خيراً، أخبره أنَّ أباه أو جده كان قد نكح امرأة ذات ولد من غيره، ثم اصطحبا ما شاء الله، ثم نكح امرأة شابة، فقال: أحد بني الأولى قد نكحت على أمنا وكبرت واستغنيت عنها بامرأة شابة، فطلقها، قال: لا والله إلَّا أن تنكحني ابنتك، قال: فطلقها وأنكحه ابنته، ولم تكن في حجره هي ولا أبوها. قال: فجئت سفيان ابن عبد الله، فقُلْتُ: استفت لي عمر بن الخطاب ﵁. قال: لتحجن معي، فأدخلني على عمر ﵁ بمنى، فقصصت عليه الخبر، فقال عمر: لا بأس بذلك، فاذهب فسل فلاناً، ثم تعال فأخبرني. قال: ولا أراه إلَّا علياً قال: فسألته، فقال: لا بأس بذلك، وهذا مذهب أهل الظاهر. فإذا كان عمر وعلي
стр. 5672
﵄ ومن يقول بقولهما قد أباحا الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج، مع أنَّها ابنة امرأته من النسب، فكيف يحرمان عليه ابنتها من الرضاع، وهذه ثلاثة قيود ذكرها الله في تحريمها. أن تكون في حجره، وأن تكون من امرأته، وأن يكون قد دخل بأمها. فكيف يحرم عليه مجرد ابنتها من الرضاعة، وليست في حجره، ولا هي ربيبته لغة، فإنَّ الربيبة بنت الزوجة، والربيب ابنها باتفاق الناس، وسميا ربيباً وربيبة لأنَّ زوج أمهما يربهما في العادة، وأمَّا من أرضعتهما امرأته بغير لبنه، ولم يربها قط، ولا كانت في حجره، فدخولها في هذا النص في غاية البعد لفظاً ومعنىً، وقد أشار النبي ﷺ بتحريم الربيبة بكونها في الحجر. ففي "صحيح البخاري" من حديث الزهري، عن عروة، أن زينب بنت أم سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: يا رسول الله، أخبرت أنَّك تخطب بنت أبي سلمة، فقال: بنت أم سلمة؟ قالت: نعم، فقال: "إنَّها لو تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي". وهذا يدل على اعتباره ﷺ القيد الذى قيده الله في التحريم، وهو أن تكون في حجر الزوج. ونظير هذا سواء، أن يقال في زوجة ابن الصلب إذا كانت محرمة برضاع: لو لم تكن حليلة ابني الذي لصلبي، لما حلت لي سواء، ولا فرق بينهما، وبالله التوفيق» اهـ.
стр. 5673
مسألة: في التحريم بلبن الفحل.
قُلْتُ: ويدل على أنَّ التحريم يحصل بلبن الفحل ما رواه البخاري (٥٢٣٩)، ومسلم (١٤٤٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّهُ عَمُّكِ، فَأْذَنِي لَهُ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي المَرْأَةُ، وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ» قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الحِجَابُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٤٩):
«وهذا كله متفق عليه بين المسلمين: أنَّ انتشار الحرمة إلى الرجل؛ فإنَّ هذه تسمى "مسألة الفحل" والذي ذكرناه هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين. وكان بعض السلف يقول: لبن الفحل لا يحرم. والنصوص الصحيحة: هي تقرر مذهب الجماعة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٥٦٤):
стр. 5674
«الحكم الثاني: المستفاد من هذه السنة، أنَّ لبن الفحل يحرم، وأنَّ التحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة، وهذا هو الحق الذى لا يجوز أن يقال بغيره، وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم، فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع، ويترك ما خالفها لأجلها، ولا تترك هي لأجل قول أحد كائناً من كان. ولو تركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو لتأويلها، أو غير ذلك، لترك سنن كثيرة جداً، وتركت الحجة إلى غيرها، وقول من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه، وقول المعصوم إلى قول غير المعصوم، وهذه بلية، نسأل الله العافية» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا المرتضعة بلبن الزنا، فَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٨٦): «والمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ في رواية ابنه عبد الله أنَّها محرمة كالبنت من الزنا» اهـ.
قُلْتُ: وقد أباحها جمع من أهل العلم وسيأتي بمشيئة الله تعالى تفصيل القول فيها في أول أحاديث الرضاع.
وأمَّا المحرمات على التأبيد من جهة الصهر فهنَّ: زوجة الأب، وزوجة الجد من جهة الأب أو الأم مهما ارتفعن، وزوجة الابن، وزوجة ابن الابن مهما نزلن،
стр. 5675
وزوجة ابن البنت مهما نزلن، وأم الزوجة، وجدتها من جهة الأب أو الأم مهما ارتفعن، وبنت الزوجة إذا دخل بأمها، وبنت ابنها مهما، وبنت بنتها مهما نزلن.
وهؤلاء عشر عن طريق البسط ويرجعنَّ إلى أربع عن طريق الاختصار وهن: أمهات النساء من زوجات أو إماء مدخول بهنَّ وإن علون، وبناتهن وإن نزلن إذا كان قد دخل بهن، ونساء الآباء من زوجات أو إماء مدخول بهنَّ وإن علون، وحلائل الأبناء من زوجات أو إماء مدخول بهنَّ وإن نزلن من نسب وفي الرضاع نزاع كما سيأتي.
ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
قُلْتُ: ويدخل في أمهات النساء: الأم القريبة، والجدات من جميع الجهات مهما ارتفعن، ويحرم أمهات النساء بمجرد العقد على بناتهن وإن لم يحصل وطء إلَّا إذا كانت نساء الرجل من الإماء فلا تحرم أمها إلَّا بعد وطء بنتها وذلك أنَّ الأمة لا
стр. 5676
تصير من نساء الرجل إلَّا بالوطء. وسيأتي ذلك في كلام العلامة ابن القيم ﵀ عند الكلام على الربيبة في ملك اليمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٩٩): «نص عليه أحمد وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعمران بن حصين، وكثير من التابعين، وبه يقول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وحكي عن علي ﵁ أنَّها لا تحرم إلَّا بالدخول بابنتها، كما لا تحرم ابنتها إلَّا بالدخول، ولنا قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، والمعقود عليها من نسائه، فتدخل أمها في عموم الآية.
قال ابن عباس: أبهموا ما أبهم القرآن يعني: عمموا حكمها في كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها» اهـ.
وهل يدخل في ذلك أم المزني بها.
في ذلك نزاع والصحيح عدم الدخول لأنَّها ليست من أمهات نسائه، وذلك أنَّ المزني بها ليست من نسائه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٥/ ١١٤ - ١١٥):
стр. 5677
«الرابعة عشرة: واختلفوا في الوطء بالزنى هل يحرم أم لا؛ فقال أكثر أهل العلم: لو أصاب رجل امرأة بزنى لم يحرم عليه نكاحها بذلك؛ وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحد، ثم يدخل بامرأته. ومن زنى بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو ابنتها لم تحرما عليه بذلك. وقالت طائفة: تحرم عليه. روي هذا القول عن عمران بن حصين؛ وبه قال الشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي عن مالك؛ وأنَّ الزنى يحرم الأم والابنة وأنَّه بمنزلة الحلال، وهو قول أهل العراق. والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز: أنَّ الزنى لا حكم له؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ وليست التي زنى بها من أمهات نسائه، ولا ابنتها من ربائبه. وهو قول الشافعي وأبي ثور» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ١١٩):
«مسألة: لو أنَّ رجلاً زنى بامرأة، فهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ وهل يحرم عليها أصله وفرعه؟ لا يحرم؛ لأنَّه لا يدخل في قول: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، والزانية لا تدخل في هذا، فالمزني بها من ليست من
стр. 5678
حلائل الأبناء، وكذلك أمُّ المزني بها ليست من أمهات نسائك، إذاً فتكون حلالاً لدخولها في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وفي قراءة و"أَحلَّ لكم ما وراء ذلك"» اهـ.
قُلْتُ: وهل يدخل في ذلك أم الملوط به؟
الصواب عدم الدخول لأنَّ الوطء الحرام لا ينشر التحريم في المصاهرة، وذهب الإمام أحمد إلى تحريم ذلك، كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام في الربيبة.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢١٠ - ٢١١):
«وأمَّا تحريم النكاح باللواط، فإنَّ أصحاب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم لا يحرمون النكاح باللواط، وقال الثوري: إذا لعب بالصبى حرمت عليه أمه، وهو قول أحمد بن حنبل، قال: إذا تلوط بابن امرأته، أو أبيها، أو أخيها، حرمت عليه امرأته. وقال الأوزاعي: إذا لاط غلام بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها؛ لأنَّها بنت من قد دخل هو به، وهو قول أحمد بن حنبل» اهـ.
стр. 5679
ويدخل في الربيبة: بنت الزوجة المدخول بها، وبنت الزوجة من زوج متقدم عليه، أو من زوج متأخر عنها، كأن يطلقها ثم تتزوج بغيره وتنجب منه بناتاً. ويدخل في البنات القريبات والبعيدات من جهة الأبناء، أو البنات كما سبق بيان ذلك.
وَجَاءَ فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٣٠٤) للبعلي:
«وتحرم بنت الربيبة لأنَّها ربيبة وابن الربيب أيضاً نص عليهما الإمام أحمد في رواية صالح.
قال أبو العباس: ولا أعلم في ذلك نزاعاً» اهـ.
وهل يدخل في الربيبة بنت الملوط به؟
في ذلك نزاع سبق ذكره والصواب عدم دخوله لعدم الدليل على ذلك، ولأنَّ الوطء الحرام لا يثير تحريم المصاهرة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٣٠٤): «والمنصوص عن الإمام أحمد في مسألة التلوط إنَّما هو أنَّ الفاعل لا يتزوج بنت المفعول وكذلك أمه، وهذا قياس جيد، فأمَّا تزوج المفعول بأم الفاعل وابنته ففيه نظر ولم ينص عليه، وذلك لأنَّ واحداً منهما لم يتمتع بأصل الآخر وفرعه،
стр. 5680
والمنصوص والأصل: أنَّه يتمتع بالرجل أصل وفرع، أو يتمتع بالمرأة أصل وفرع، وهذا المفعول به يتمتع به في أحد الطرفين، وهو يتمتع في الطرف الآخر.
والوطء الحرام لا يثير تحريم المصاهرة» اهـ.
وذكر "الدخول" في الآية يقتضي أنَّه إذا ماتت قبل الدخول بها حلت له ابنتها.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠١):
«والموت لا يجري مجرى الدخول في الإحصان والإحلال وعدة الأقراء، وقيامه مقامه من وجه ليس بأولى من مفارقته إياه من وجه آخر، ولو قام مقامه من كل وجه، فلا يترك صريح نص الله تعالى ونص رسوله لقياس ولا غيره» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٢١):
«فإذا لم يوجد الدخول لم يثبت التحريم، وسواء حصلت الفرقة بموت أو طلاق، هذا مقتضى النص.
وذهب زيد بن ثابت، ومن وافقه، وأحمد في رواية عنه: إلى أن موت الأم في تحريم الربيبة كالدخول بها، لأنَّه يكمل الصداق، ويوجب العدة والتوارث، فصار كالدخول، والجمهور أبوا ذلك، وقالوا: الميتة غير مدخول بها، فلا تحرم ابنتها، والله تعالى قيد التحريم بالدخول، وصرح بنفيه عند عدم الدخول» اهـ.
стр. 5681
وذكر الحجر في الآية لم يخرج مخرج الشرط في قول أكثر العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠٠): «وأمَّا الآية فلم تخرج مخرج الشرط، وإنَّما وصفها بذلك تعريفاً لها بغالب حالها، وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢):
«وأمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فجمهور الأئمة على أنَّ الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له كقوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.
وفي الصحيحين أنَّ أم حَبيبة قالت: يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان - وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أبي سفيان-قال: "أو تحبين ذلك؟ " قالت: نعم، لَسْتُ لك بمُخْليَة، وأحب من شاركني في خير أختي. قال: "فإنَّ ذلك لا يَحل لي". قالت: فإنا نُحَدثُ أنَّك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: "بنْتَ أم سلمة؟ " قالت: نعم. قال: "إنَّها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حَلَّتْ لي، إنَّها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثُوَيْبَة فلا تَعْرضْن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن".
стр. 5682
وفي رواية للبخاري: "إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي".
فجعل المناط في التحريم مجرد تزويجه أم سلمة وحكم بالتحريم لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف. وقد قيل بأنَّه لا تحرم الربيبة إلَّا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم يكن كذلك فلا تحرم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام -يعني ابن يوسف- عن ابن جريج، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي، فوجِدْت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: مالك؟ فقُلْتُ: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قُلْتُ: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قُلْتُ: لا هي بالطائف قال: فانكحها. قُلْتُ: فأين قول الله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، قال: إنَّها لم تكن في حجْرك، إنَّما ذلك إذا كانت في حجرك.
هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب، على شرط مسلم، وهو قول غريب جدًّا، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك، ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو
стр. 5683
عبد الله الذهبي أنَّه عَرَض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية، ﵀، فاستشكله، وتوقف في ذلك، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: إسناد الأثر عن علي ﵁ صَحِيْحٌ كما ذكر الحافظ ﵀.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٢١):
«وأمَّا كونها في حجره، فلما كان الغالب ذلك ذكره لا تقييداً للتحريم به، بل هو بمنزلة قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، ولما كان من شأن بنت المرأة أن تكون عند أمها، فهي في حجر الزوج وقوعاً وجوازاً، فكأنَّه قال: اللاتي من شأنهن أن يكن في حجوركم، ففي ذكر هذا فائدة شريفة، وهي جواز جعلها في حجره، وأنَّه لا يجب عليه إبعادها عنه، وتجنب مؤاكلتها، والسفر، والخلوة بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك.
ولما خفى هذا على بعض أهل الظاهر، شرط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر الزوج، وقيد تحريمها بالدخول بأمها» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ١٢٢ - ١٢٣):
«فربيبة الزوج اشترط الله تعالى فيها شرطين:
الأول: أن تكون في حجر الزوج.
стр. 5684
الثاني: أن يكون قد دخل بأمها.
هذان الشرطان ذكر الله تعالى مفهوم أحدهما، ولم يذكر مفهوم الآخر، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يقل: وإن لم يكُنَّ في حجوركم فلا جناح عليكم، فصرح بمفهوم القيد الثاني، وهو قَوْلُهُ: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، وسكت عن مفهوم الأول، فيستدل بهذا على أنَّ القيد الأول غير معتبر؛ وأكثر العلماء على ذلك، وإن كان هناك قول للسلف والخلف أنَّه شرط، ولكننا نقول: ليس بشرط؛ لأنَّ الله تعالى صرح بمفهوم القيد الثاني، فدل ذلك على أنَّ مفهوم القيد الأول غير معتبر.
فإن قال قائل: إذا كان غير معتبر فعلى أي شيء تخرجون الآية؟
فالجواب: أننا نخرجها بناءً على الغالب، وإشارةً للعلة، أمَّا كونه بناءً على الغالب فلأنَّ الغالب - لا سيما في صدر الإسلام - أنَّ بنت الزوجة إذا تزوجت أمها تكون معها.
وأمَّا الثاني وهو الإشارة إلى العلة فكأنَّه قال: إنَّها تحرم على الزوج؛ لأنَّها كبناته، إذ إنَّها في حجره، وهو ينظر إليها نظر مربٍّ لها، ولذلك تجدها مثلاً بنتاً لها سبع سنين، أو عشر سنين، أو اثنتا عشرة سنة تأتي إلى زوج أمها وتقدم له الطعام،
стр. 5685
وتكشف وجهها له وكأنَّها ابنته تماماً، فليس من المناسب أن يدخل عليها وينكحها.
وهذا القول الذي عليه الجمهور هو الراجح أنَّه لا يشترط في تحريم الربيبة على زوج أمها إلَّا شرط واحد، وهو الدخول بأمها.
فلو عقد على امرأة وطلقها قبل الدخول، أو ماتت قبل الدخول فإنَّه يحل له بناتها، ولو كن في حجره على قول الجمهور وهو الأرجح» اهـ.
قُلْتُ: هذا تحرير نفيس.
والربيبة في ملك اليمين مما تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢٥٢):
«وأمَّا الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أنَّ عمر بن الخطاب سُئلَ عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعًا. يريد أن أطَأهُمَا جميعاً بملك يميني. وهذا منقطع.
стр. 5686
وقال سُنَيد بن داود في تفسيره: حدثنا أبو الأحوص، عن طارق بن عبد الرحمن عن قيس قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله.
قال الشيخ أبو عُمَر بن عبد البر، ﵀: لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين، لأنَّ الله حرم ذلك في النكاح، قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، وملك اليمين هم تبع للنكاح، إلَّا ما روي عن عُمَر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. وروى هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة. وكذا قال قتادة عن أبي العالية» اهـ.
قُلْتُ: أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيْحٌ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٢٢ - ١٢٣):
«فإن قيل: فمن أين أدخلتم ربيبته التي هي بنت جاريته التي دخل بها، وليست من نسائه؟.
стр. 5687
قلنا: السرية قد تدخل في جملة نسائه، كما دخلت في قَوْلِهِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾، ودخلت في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، ودخلت في قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النّسَاءِ﴾.
فإن قيل: فليزمكم على هذا إدخالها في قَوْلِهِ: ﴿وَأُمّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فتحرم عليه أم جاريته؟
قلنا: نعم وكذلك نقول: إذا وطيء أمته، حرمت عليه أمها وابنتها.
فإن قيل: فأنتم قد قررتم أنَّه لا يشترط الدخول بالبنت في تحريم أمها فكيف تشترطونه هاهنا؟
قلنا: لتصير من نسائه، فإنَّ الزوجة صارت من نسائه بمجرد العقد، وأمَّا المملوكة، فلا تصير من نسائه حتى يطأها، فإذا وطئها، صارت من نسائه، فحرمت عليه أمها وابنتها.
فإن قيل: فكيف أدخلتم السرية في نسائه في آية التحريم، ولم تدخلوها في نسائه في آية الظهار والإيلاء؟
قيل: السياق والواقع يأبى ذلك، فإنَّ الظهار كان عندهم طلاقاً، وإنَّما محله الأزواج لا الإماء، فنقله الله سبحانه من الطلاق إلى التحريم الذى تزيله الكفارة،
стр. 5688
ونقل حكمه وأبقى محله، وأمَّا الإيلاء، فصريح في أنَّ محله الزوجات، لقوله تعالى: ﴿لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطّلَاقَ فَإِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾» اهـ.
قُلْتُ: وهل تقوم الخلوة والمباشرة مقام الوطء في هذا نزاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠١):
«إذا ثبت هذا، فإنَّ الدخول بها هو وطؤها، كني عنه بالدخول، فإن خلا بها ولم يطأها، لم تحرم ابنتها؛ لأنَّها غير مدخول بها.
وظاهر قول الخرقي تحريمها؛ لِقَوْلِهِ: فإن خلا بها وقال: لم أطأها وصدقته لم يلتفت إلى قولهما وكان حكمها حكم المدخول في جميع أمورها، إلَّا في الرجوع إلى زوج طلقها ثلاثاً، وفي الزنا، فإنَّهما يجلدان ولا يرجمان وسنذكره فيما بعد إن شاء الله» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٣٠٤):
стр. 5689
«قال القاضي: والخلوة إن تجردت عن نظر أو مباشرة دون الفرج فروايتان قال: وفيما أطلق القول في رواية أبي الحارث إذا خلا بها وجب الصداق والعدة ولا يحل أن يتزوج أمها وبنتها ولا تحل المرأة لأبيه وابنه.
قال: وهذا محمول على أنَّه حصل مع الخلوة نظر أو مباشرة فيخرج كلامه على إحدى الروايتين.
قال أبو العباس: وهذا ضعيف وإنَّما الخلوة هنا إن اتصلت بعقد النكاح قامت مقام الوطء فأمَّا الخلوة بالأمة والأجنبية فلا أثر لها» اهـ.
وهل يدخل في ذلك بنت الموطوءة من زنا إذا كانت من غيره؟
في ذلك نزاع والأظهر عدم الدخول؛ لأنَّ الزنا لا ينشر الحرمة من جهة الصهر.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٣٨):
- حين سئل - رحمه الله تعالى -: عن رجل زنى بامرأة في حال شبوبيته وقد رأى معها في هذه الأيام بنتاً وهو يطلب التزويج بها ولم يعلم هل هي منه أو من غيره وهو متوقف في تزويجها؟
فأجاب -:
стр. 5690
«الحمد لله، لا يحل له التزويج بها عند أكثر العلماء؛ فإنَّ بنت التي زنى بها من غيره لا يحل التزوج بها عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين. وأمَّا بنته من الزنا فأغلظ من ذلك وإذا اشتبهت عليه بغيرها حرمتا عليه» اهـ.
وأمَّا ابنة الموطوءة بشبهة من غيره فتحرم عليه بالاتفاق.
وهل يدخل في الربيبة بنت الزوجة التي وطئت قبل أن تكون مطيقة للوطء.
وذلك كأن يطأها ثم يفارقها فتتزوج غيره عند إطاقتها وبلوغها فتلد له بنتاً فهل يحل له أن يتزوج بابنتها.
في ذلك نزاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١١٩):
«وفي وطء الصغيرة أيضاً وجهان؛ أحدهما، ينشرها.
وهو قول أبي يوسف؛ لأنَّه وطء لآدمية حية في القبل، أشبه وطء الكبيرة.
والثاني، لا ينشرها.
وهو قول أبي حنيفة؛ لأنَّه ليس بسبب للبعضية أشبه وطء الميتة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٨٨ - ٨٩):
«قوله: "فإن كانت الموطوأة ميتة أو صغيرة فعلى وجهين".
стр. 5691
وأطلقهما في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والخلاصة والكافي والمغني والشَّرْحُ والمحرر والرعايتين والحاوي الصغير والفروع وتجريد العناية.
أحدهما: لا يثبت التحريم بذلك وهو المذهب.
اختاره بن عبدوس في تذكرته وصححه في التصحيح.
وجزم به في الوجيز وغيره.
وقدمه بن رزين في شرحه.
وقاله القاضي في خلافه في وطء الصغيرة وقال هو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ وصححه الزركشي في الصغيرة.
والوجه الثاني: يثبت به التحريم وقاله القاضي في الجامع في الصغيرة.
وهو ظاهر ما جزم به في المنور فيها.
تنبيه: مراده بالصغيرة الصغيرة التي لا يوطأ مثلها قاله الأصحاب» اهـ.
قُلْتُ: من أمكن وطؤها فوطئت فإنَّ حرمة المصاهرة تحصل بذلك وتحديد ذلك في الأنثى بتسع سنين وبالذكر بعشر سنين لا أعلم له مستنداً صحيحاً.
وهل يدخل في ذلك بنت الميتة الموطوءة.
стр. 5692
وذلك كأن يعقد على امرأة لها بنت فتموت قبل أن يطأها ثم وطأها بعد موتها فهل تحرم عليه ابنتها. في ذلك نزاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١١٩):
«فصل: ووطء الميتة يحتمل وجهين؛ أحدهما، ينشر الحرمة؛ لأنَّه معنى ينشر الحرمة المؤبدة، فلم يختص بالحياة كالرضاع.
والثاني، لا ينشرها.
وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأنَّه ليس بسبب للبعضية، ولأنَّ التحريم يتعلق باستيفاء منفعة الوطء، والموت يبطل المنافع» اهـ.
قُلْتُ: لا يظهر لي حصول حرمة المصاهرة بمثل هذا الوطء، وذلك أنَّ الميتة لا تشتهى طبعاً.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِ مُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ] (٨/ ٣٩٠): «(أو) كان الوطء (بشبهة أو بزنا بشرط حياتهما) أي الواطئ والموطوءة فلو أولج ذكره في فرج ميتة أو أدخلت امرأة حشفة ميت في فرجها لم يؤثر في تحريم المصاهرة» اهـ.
ويدخل في حلائل الأبناء: أزواج أبنائه، وأبناء أبنائهم، وأبناء بناتهم وإن نزلوا.
стр. 5693
والحليلة هي زوجة الابن سميت بذلك لأنَّها تحل محل إزاره، أو لأنَّها تحل له، أو لأنَّها تحل معه في فراش واحد.
ويحصل التحريم بمجرد العقد، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠٢): «ولا نعلم في هذا خلافاً» اهـ.
ويدخل في ذلك موطوءة الابن بملك يمين أو شبهة.
ويدخل في منكوحة الأب: زوج الأب القريب، أو الجد مهما علا من جهة الأب، أو الأم، ويدخل في ذلك موطوءة الأب والجد بملك يمين أو شبهة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٦):
«ومن وطئ امرأة بما يعتقده نكاحاً فإنَّه يلحق به النسب ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء فيما أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣٢/ ٦٧): «فالنسب والحرية يتبع اعتقاد الواطئ وإن كان مخطئاً؛ فكذلك تحريم المصاهرة؛ وإنَّما تنازع العلماء في الزنا المحض هل ينشر حرمة المصاهرة فيه نزاع مشهور بين السلف والخلف. التحريم قول أبي حنيفة وأحمد والجواز مذهب الشافعي؛ وعن مالك روايتان» اهـ.
стр. 5694
وَجَاء فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٧٧): «وسئل شيخ الإسلام ﵀: عن رجل اشترى جارية ووطئها ثم ملكها لولده. فهل يجوز لولده وطؤها؟
فأجاب: الحمد الله، لا يجوز للابن أن يطأها بعد وطء أبيه والحال هذه باتفاق المسلمين. ومن استحل ذلك فإنَّه يستتاب فإن تاب وإلاَّ قتل» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣٢/ ٦٨): «لا يجوز له تزويج سرية جده التي كان يطؤها باتفاق المسلمين، وإذا تزوجها فرق بينهما؛ ولا يحل إبقاؤه معها؛ وإن استحل ذلك استتيب ثلاثاً فإن تاب وإلَّا قتل» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٦):
«وهؤلاء الأصناف الأربعة يحرمن بالعقد؛ إلَّا الربيبة فإنَّها لا تحرم حتى يدخل بأمها فإنَّ الله لم يجعل هذا الشرط إلاَّ في الربيبة والبواقي أطلق فيهن التحريم. فلهذا قال الصحابة: أبهموا ما أبهم الله. وعلى هذا الأئمة الأربعة وجماهير العلماء» اهـ.
وهل يدخل في ذلك موطوءة الأب بالزنا؟
فيه نزاع بين العلماء، والأظهر عدم دخولها؛ وذلك أنَّ تحريمها من جهة الصهر، والزنا لا ينشر الحرمة من جهة الصهر كما سيأتي.
стр. 5695
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٤٢) عن رجل زنى بامرأة ومات الزاني: فهل يجوز لولد المذكور أن يتزوج بها أم لا؟
فأجاب: «هذه حرام في مذهب أبي حنيفة وأحمد وأحد القولين في مذهب مالك، وفي القول الآخر يجوز وهو مذهب الشافعي» اهـ.
وهل تثبت حرمة المصاهرة بالوطء الحرام في ذلك نزاع، والصحيح أنَّها لا تثبت بذلك.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٤٠):
«ولكن النزاع المشهور بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الزنا هل ينشر حرمة المصاهرة؛ فإذا أراد أن يتزوج بأمها وبنتها من غيره؟ فهذه فيها نزاع قديم بين السلف؛ وقد ذهب إلى كل قول كثير من أهل العلم: كالشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه: يبيحون ذلك؛ وأبو حنيفة وأحمد ومالك في الرواية الأخرى: يحرمون ذلك. فهذه إذا قلد الإنسان فيها أحد القولين جاز ذلك. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] ص (٣٠٥): «والوطء الحرام لا ينشر تحريم المصاهرة» اهـ.
стр. 5696
وذكره أيضاً الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٨٨).
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (١/ ٣٦٦):
«ولهذا كان الراجح في الدليل: أنَّ الزنى لا يثبت حرمة المصاهرة كما لا يثبت التوارث والنفقة وحقوق الزوجية ولا يثبت به النسب ولا العدة على الصحيح وإنَّما تستبرأ بحيضة ليعلم براءة رحمها ولا يقع فيه طلاق ولا ظهار ولا إيلاء ولا يثبت المحرمية بينه وبين أمها وابنتها فلا يثبت حرمة المصاهرة ولا تحريمها فإنَّ الشارع جعل وصلة الصهر فيه مع وصلة النسب وجمع بينهما في قوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] فإذا انتفت وصلة النسب فيه انتفت وصلة الصهر
وكنا ننصر القول بالتحريم ثم رأينا الرجوع إلى عدم التحريم أولى لاقتضاء الدليل له» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فيِ [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٦):
«والقول الراجح أنَّ ذلك لا يحرم كما هو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك فإنَّ التحريم بذلك موقوف على الدليل ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح وقياس السفاح على النكاح في ذلك لا يصح لما بينهما من الفروق والله تعالى جعل الصهر قسيم النسب وجعل ذلك من نعمة التي امتن بها
стр. 5697
على عباده فكلاهما من نعمه وإحسانه فلا يكون الصهر من آثار الحرام وموجباته كما لا يكون النسب من آثاره بل إذا كان النسب الذي هو أصل لا يحصل بوطء الحرام فالصهر الذي هو فرع عليه ومشبه به أولى ألَّا يحصل بوطء الحرام، وأيضاً فإنَّه لو ثبت تحريم المصاهرة لا تثبت المحرمية التي هي من أحكامه فإذا لم تثبت المحرمية لم تثبت الحرمة، وأيضاً فإنَّ الله تعالى إنَّما قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]. ومن زنا بها الابن لا تسمى حليلة لغة ولا شرعاً ولا عرفاً وكذلك قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. إنَّما المراد به النكاح الذي هو ضد السفاح ولم يأت في القرآن النكاح المراد به الزنا قط ولا الوطء المجرد عن عقد.
وقد تناظر الشافعي هو وبعض العراقيين في هذه المسألة ونحن نذكر مناظرته بلفظها.
قال الشافعي: الزنا لا يحرم الحلال، وقال به ابن عباس.
قال الشافعي: لأنَّ الحرام ضد الحلال، ولا يقاس شيء على ضده، فقال لي قائل: ما تقول لو قبلت امرأة الرجل ابنه بشهوة حرمت على زوجها أبداً؟ فقُلْتُ: لم قلت ذا والله تعالى إنَّما حرم أمهات نسائكم ونحو هذا بالنكاح فلم يجز أن يقاس
стр. 5698
الحرام بالحلال؟ فقال: أجد جماعاً وجماعاً، قُلْتُ: جماعاً حمدت به وأحصنت وجماعاً رجمت به، أحدهما نقمة والآخر نعمة، وجعله الله نسباً وصهراً وأوجب به حقوقاً، وجعلك محرماً لأم امرأتك وابنتها تسافر بهما، وجعل على الزنا نقمة في الدنيا بالحد وفي الآخرة بالنار، إلَّا أن يعفو الله، فتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة؟
وقلت له: فلو قال لك وجدت المطلقة ثلاثاً تحل بجماع زوج وإصابة فأحلها بالزنا لأنَّه جماع كجماع، قال: إذا أخطئ؛ لأنَّ الله تعالى أحلها بنكاح زوج، قُلْتُ: وكذلك ما حرم الله في كتابه بنكاح زوج وإصابة زوج، قال: أفيكون شيء يحرمه الحلال ولا يحرمه الحرام أقول به؟ قُلْتُ: نعم ينكح أربعاً فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة، أفيحرم عليه إذا زنى بأربع شيء من النساء؟ قال: لا يمنعه الحرام مما يمنعه الحلال، قال: فقد ترتد فتحرم على زوجها، قُلْتُ: نعم، وعلى جميع الخلق، وأقتلها وأجعل مالها فيئاً، قال: فقد نجد الحرام يحرم الحلال، قُلْتُ: أمَّا في مثل ما اختلفنا فيه من أمر النساء فلا، انتهى.
ومما يدل على صحة هذا القول أنَّ أحكام النكاح التي رتبها الله تعالى عليه من العدة والإحداد والميراث والحل والحرمة ولحوق النسب، ووجوب النفقة والمهر
стр. 5699
وصحة الخلع والطلاق والظهار والإيلاء والقصر على أربع ووجوب القسم والعدل بين الزوجات وملك الرجعة وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول وغير ذلك من الأحكام لا يتعلق شيء منها بالزنا، وإن اختلف في العدة والمهر.
والصواب أنَّه لا مهر لبغي كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ ، وكما فطر الله عقول الناس على استقباحه، فكيف يثبت تحريم المصاهرة من بين هذه الأحكام؟» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٢/ ١٢٠):
«والمذهب أنَّ الزنا كالنكاح، فإذا زنا بامرأةٍ حرم عليه أصولها وفروعها، وحرم عليها أصوله وفروعه تحريماً مؤبداً، وهذا من غرائب العلم، أن يُجْعل السفاح كالنكاح، وهو من أضعف الأقوال، وأضعف منه - أيضاً - من قال: إنَّ الرجل إذا لاط بشخص - والعياذ بالله - فهو كالمرأة المعقود عليها عقداً شرعياً!! فيحرم على هذا اللائط فروع الملوط به وأصوله، ويحرم على الملوط به فروع اللائط وأصوله، هذا أبعد وأبعد من القول الأول!! وذلك لأن اللواط لا يحل الفرج بأي حال من الأحوال، لا بعقد ولا بغير عقد، أما فرج المرأة فيمكن أن تعقد على امرأة ويحل لك.
стр. 5700
فالصواب أنه لا أثر في تحريم المصاهرة بغير عقد صحيح؛ وذلك لأن العقود إذا أطلقت في الشرع حملت على الصحيح، ومن الغرائب أنهم يقولون في الظهار: لو ظاهر الإنسان من امرأة أجنبية لا يثبت الظهار، مع أن قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] مثل: "أمهات نسائكم" في هذا، وكذلك في الإيلاء: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] قالوا: ما يثبت إلَّا مع زوجة، فكيف نقول بالتحريم في هذه المسألة؟! فالصواب أن كل ما كان طريقه محرماً فإنَّه لا أثر له في التحريم والمصاهرة» اهـ.
قُلْتُ: ومن أمثلة الوطء المحرم الزنا، واللواط. ويدخل في ذلك أيضاً وطء الميتة، وفي انتشار التحريم بذلك نزاع بين العلماء.
وقد سبق القول في وطء الميتة.
وأمَّا الوطء في الدبر في زوجة أو أمة وهو وإن كان محرماً لكن تثبت به المصاهرة باتفاق الأئمة الأربعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٩/ ٨١٨ - ٨١٩):
«وجملة أحكام التي تتعلق بالوطء ثلاثة أضرب: أحدها: ما يختص بالوطء في القبل، لا يثبت بالوطء في الدبر.
стр. 5701
والثاني: إحلالها دون الدبر، وهي ثلاثة أحكام: أحدها: الإحصان لا يثبت إلَّا بالوطء في القبل، ولا يثبت بالوطء في الدبر.
والثاني: إحلالها للزوج المطلق ثلاثاً لا يكون إلَّا بالوطء في القبل دون الدبر: لقوله ﷺ : "لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها". والعسيلة في القبل.
والثالث: سقوط حكم العنة، لا يكون إلَّا بالوطء في القبل دون الدبر: لأنَّه من حقوق الموطوءة فاختص بالفرج المباح.
والضرب الثاني: يستوي فيه الوطء في القبل والوطء في الدبر، وهي سبعة أحكام: أحدها: وجوب الغسل بالإيلاج عليهما.
والثاني: وجوب الحد بالزنا في القبل والدبر جميعاً.
والثالث: كمال المهر ووجوبه بالشبهة كوجوبه بالوطء في القبل.
والرابع: وجوب العدة منه كوجوبها بالوطء في القبل.
والخامس: تحريم المصاهرة ويثبت به كثبوته بالوطء في القبل.
والسادس: فساد العبادات من الحج والصيام والاعتكاف يتعلق به كتعلقها بالوطء في القبل.
стр. 5702
والسابع: وجوب الكفارة بإفساد الحج والصيام يتعلق به كتعلقها بالوطء في القبل» اهـ.
قُلْتُ: ومثله في ذلك الوطء في زمن الحيض ووطء الأمة قبل استبرائها.
ويضاف إلى جميع ما سبق الملاعنة، والمنفية باللعان، وأزواج النبي ﷺ وسيأتي الكلام فيهنَّ.
أمَّا تحريم نكاح الملاعنة لمن لاعنها، فلما رواه أبو داود (٢٢٥٠) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا».
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
وروى البخاري (٥٣١٢)، ومسلم (١٤٩٣) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ حَدِيثِ المُتَلَاعِنَيْنِ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا».
وعموم الحديث يدل على أنَّه لو أكذب نفسه بعد ذلك فلا تحل له، وهو الصحيح، وعليه جمهور العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٣٣٠):
стр. 5703
«المسألة الثانية، أنَّها تحرم عليه باللعان تحريماً مؤبداً، فلا تحل له، وإن أكذب نفسه، في ظاهر المذهب.
ولا خلاف بين أهل العلم، في أنَّه إذا لم يكذب نفسه لا تحل له، إلَّا أن يكون قولاً شاذاً، وأمَّا إذا أكذب نفسه، فالذي رواه الجماعة عن أحمد، أنَّها لا تحل له أيضاً.
وجاءت الأخبار عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود ﵃، أنَّ المتلاعنين لا يجتمعان أبداً.
وبه قال الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، والنخعي، والزهري، والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو يوسف.
وعن أحمد رواية أخرى: إن أكذب نفسه، حلت له، وعاد فراشه بحاله. وهي رواية شاذة شذ بها حنبل عن أصحابه.
قال أبو بكر: لا نعلم أحداً رواها غيره.
وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما الحاكم، فأمَّا مع تفريق الحاكم بينهما، فلا وجه لبقاء النكاح بحاله، وقد ذكرنا أن مذهب البتي، أنَّ اللعان لا يتعلق به فرقة.
стр. 5704
وعن سعيد بن المسيب: إن أكذب نفسه، فهو خاطب من الخطاب، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن؛ لأنَّ فرقة اللعان عندهما طلاق.
وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه، ردت إليه ما دامت في العدة.
ولنا ما روى سهل بن سعد، قال: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً.
رواه الجوزجاني، في كتابه بإسناده.
وروي مثل هذا عن الزهري ومالك، ولأنَّه تحريم لا يرتفع قبل الحد والتكذيب، فلم يرتفع بهما، كتحريم الرضاع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٤٧٧):
«وذكر جمهور العلماء أنَّ المتلاعنين لا يتناكحان أبدًا، وإن أكذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد ولم ترجع إليه أبدًا. قال مالك: وعلى هذا السنة التي لا شك فيها ولا اختلاف، ذكر ابن المنذر، عن عطاء، أنَّ الملاعن إذا أكذب نفسه بعد اللعان لم يحد. وقال: قد تفرقا بلعنة من الله. وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا أكذب نفسه
стр. 5705
جلد الحد ولحق به الولد، وكان خاطبًا من الخطاب إن شاء، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير، وحجة هؤلاء الإجماع على أنَّه إن أكذب نفسه جلد الحد ولحق به الولد، قالوا: فيعود النكاح حلالاً كما عاد الولد؛ لأنَّه لا فرق بين شيء من ذلك. وحجة الجماعة في أنَّهما لا يجتمعان أبدًا أن النبي ﷺ فرق بين المتلاعنين، وقال: "لا سبيل لك عليها"، ولم يقل له: إلَّا أن تكذب نفسك، فكان كالتحريم المؤبد في الأمهات ومن ذكر معهن، وهذا شأن كل تحريم مطلق التأبيد، ألا ترى أنَّ المطلق ثلاثًا لما لم يكن تحريمه تأبيدًا أوقع فيه الشرط بنكاح زوج غيره، ولو قال: فإن طلقها فلا تحل له، لكان تحريمًا مطلقًا لا تحل له أبدًا، وقد أطلق النبي ﷺ التحريم في الملاعنة، ولم يضمنه بوقت، فهو مؤبد، فإن أكذب نفسه لحق به الولد؛ لأنَّه حق جحده ثم عاد إلى الإقرار به، وليس كذلك النكاح؛ لأنَّه حق ثبت عليه بِقَوْلِهِ: "لا سبيل لك عليها"، فلا يتهيأ له إبطاله» اهـ.
ورجح الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ مذهب الجمهور فَقَالَ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٩٢): «والصحيح: القول الأول الذى دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة» اهـ.
وأمَّا تحريم البنت على من نفاها باللعان؛ فلأنَّ نفيها غير متقين، فلعلها أن تكون ابنته من حيث الواقع، والأصل في الفروج الحرمة.
стр. 5706
وأمَّا من يرى من أهل العلم أنَّ الزنا ينشر الحرمة في الصهر، فتكون هذه البنت بين احتمالين، الأول: أنَّها ابنته، والآخر: أنَّها ربيبته إن كان قد دخل بأمها، وكلاهما محرمان على التأبيد. والله أعلم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٣/ ٢٦): «وتحرم المنفية باللعان لأنَّها ربيبته ولاحتمال أنَّها ابنته» اهـ.
قُلْتُ: وقد اختلف في هذه المسألة علماء الشافعية، قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ﵀ فِي [الْمُهَذَّبِ] (٢/ ٤٣):
«واختلف أصحابنا في المنفية باللعان فمنهم من قال: يجوز للملاعن نكاحها لأنَّها منفية عنه فهي كالبنت من الزنا، ومنهم من قال: لا يجوز للملاعن نكاحها لأنَّها غير منفية عنه قطعاً ولهذا لو أقر بها ثبت النسب» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٧/ ١٠٩):
«والبنت التي نفاها باللعان تحرم عليه إن كان دخل بأمها وكذا إن لم يدخل بها على الأصح» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ١٣٩):
стр. 5707
«وبنت الملاعنة لا تباح للملاعن عند عامة العلماء؛ وليس فيه إلَّا نزاع شاذ؛ مع أنَّ نسبها ينقطع من أبيها ولكن لو استلحقها للحقته وهما لا يتوارثان باتفاق الأئمة» اهـ.
وأمَّا تحريم أزواج النبي ﷺ ، فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
وأمَّا المحرمات على التوقيت فهنَّ: أخت الزوجة وعمتها وخالتها، وزواج الخامسة، والمشركة، والزانية، والمتزوجة ما عدا المسبية، والمعتدة من غيره، أو المستبرأة من غيره قبل استبرائها، والمحرمة، والأمة في حق القادر على نكاح الحرة، أو من لم يخش على نفسه العنت.
قُلْتُ: أمَّا تحريم الجمع بين المرأة وأختها فلقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣].
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ١٠٣):
стр. 5708
«والمذكور في الكتاب الجمع بين الأختين سواء كانتا من نسب أو رضاع، حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة، من أبوين كانتا أو من أب أو أم، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده، لعموم الآية» اهـ.
وأمَّا الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها، فلما رواه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».
وليس في هذه المسألة نزاع بين أهل العلم، ونازع في ذلك من لا يلتفت لقوله كالروافض وغيرهم.
ويدخل في العمات والخالات القريبات منهن والبعيدات كعمة الأب والجد وخالتهما مهما ارتفعتا، وهكذا خالة الأم وعمتها، وخالة الجدة وعمتها مهما ارتفعت.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٦٩):
«و"الضابط" في هذا: أنَّ كل امرأتين بينهما رحم محرم فإنَّه يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكراً لم يجز له التزوج بالأخرى؛ لأجل النسب» اهـ.
стр. 5709
قُلْتُ: وَقَوْلُهُ: «لأجل النسب». لإخراج ما كان من جهة الصهر كالجمع بين المرأة وبنت زوجها السابق.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٧٢): «فإنَّ هاتين المرأتين وإن كانت إحداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم بالمصاهرة لا بالرحم؛ والمعنى إنَّما كان بتحريم قطيعة الرحم؛ فلم يدخل في آية التحريم لا لفظاً ولا معنى» اهـ.
ويدخل في ذلك الجمع إذا كان عن طريق التسري.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٧١ - ٧٢):
«بخلاف الجمع بين الأختين؛ فإنَّه إنَّما كان دفعاً لقطيعة الرحم بينهما وهذا المعنى موجود بين المملوكتين كما يوجد في الزوجتين، فإذا جمع بينهما بالتسري حصل بينهما من التغاير ما يحصل إذا جمع بينهما في النكاح فيفضي إلى قطيعة الرحم. ولما كان هذا المعنى هو المؤثر في الشرع جاز له أن يجمع بين المرأتين إذا كان بينهما حرمة بلا نسب أو نسب بلا حرمة. فالأول مثل أن يجمع بين المرأة وابنة زوجها. كما جمع عبد الله بن جعفر لما مات علي بن أبي طالب بين امرأة علي وابنته. وهذا
стр. 5710
يباح عند أكثر العلماء الأئمة الأربعة وغيرهم. فإنَّ هاتين المرأتين وإن كانت إحداهما تحرم على الأخرى فذاك تحريم بالمصاهرة لا بالرحم؛ والمعنى إنَّما كان بتحريم قطيعة الرحم؛ فلم يدخل في آية التحريم لا لفظاً ولا معنى. وأمَّا إذا كان بينهما رحم غير محرم: مثل بنت العم والخال: فيجوز الجمع بينهما؛ لكن هل يكره؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد؛ لأنَّ بينهما رحماً غير محرم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ قَبْلَ ذَلِكَ (٣٢/ ٦٩): «فمن حرم جمعهما في النكاح حرم جمعهما في التسري فليس له أن يتسرى الأختين ولا الأمة وعمتها؛ والأمة وخالتها. وهذا هو الذي استقر عليه قول أكثر الصحابة؛ وهو قول أكثر العلماء» اهـ.
قُلْتُ: وخالفت الظاهرية فأجازت الجمع بين الأختين بملك اليمين.
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٥/ ٣ - ٤):
«وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ جَارِيَةٌ يَطَؤُهَا فَأَرَادَ وَطْءَ أُخْتِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْءُ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يَطَأَ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُ الَّتِي كَانَ يَطَأُ بِنِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ خُرُوجٍ مِنْ مِلْكِهِ، فَإِذَا فَعَلَ بَعْضَ هَذَا ثُمَّ وَطِئَ الْأُخْتَ ثُمَّ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ أَوْ رُدَّتْ الْمَنْكُوحَةُ كَانَتْ الَّتِي أُبِيحَ لَهُ فَرْجُهَا أَوَّلًا ثُمَّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ غَيْرَ حَلَالٍ لَهُ حَتَّى يَحْرُمَ فَرْجُ الَّتِي وَطِئَ
следующие страницы →