Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
حتى تبلغ فلا تصير يتيمة. والكتاب والسنة صريح في دخول اليتيمة قبل البلوغ في ذلك؛ إذ البالغة التي لها أمر في مالها يجوز لها أن ترضى بدون صداق المثل؛ ولأنَّ ذلك مدلول اللفظ وحقيقته ولأنَّ ما بعد البلوغ وإن سمي صاحبه يتيماً مجازاً فغايته أن يكون داخلاً في العموم. وأمَّا أن يكون المراد باليتيمة البالغة دون التي لم تبلغ: فهذا لا يسوغ حمل اللفظ عليه بحال. والله أعلم» اهـ.
وهذا الذي رده شيخ الإسلام هو تأويل الْعَلَّامَةِ الْخَطَّابِيِّ ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٣/ ٢٠٢) حيث قال:
«واليتيمة ههنا هي البكر البالغ التي مات أبوها قبل بلوغها فلزمها اسم اليتم فدعيت به وهي بالغ، والعرب ربما ادعت الشيء بالاسم الأول الذي إنَّما سمي به لمعنى متقدم ثم ينقطع ذلك المعنى ولا يزول الاسم من ذلك أنَّهم يسمون الرجل المستجمع السن غلاماً وحد الغلومة ما بين أيام الصبى إلى أوقات الشباب.
وقد روي عن ابن عباس أنَّه قال كان الغلام الذي قتله الخضر رجلاً مستجمع السن وقالت ليلى الأخيلية:
إذا ورد الحجاج أرضاً مريضة … تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العقام الذي بها … غلام إذا هز القناة سقاها
стр. 5812
فجعلته غلاماً وهو رجل محتنك السن وكذلك مذهبهم في نسبة الشيء واضافته إلى من كان مرة يملكه، كقولهم دار عمرو بن حُريث، وبستان ابن عامر، وقصر أوس، وقبة الحجاج. وقد يلي الرجل الإمارة والقضاء زماناً ثم يعزل فيدعى أميراً أو قاضياً، ومثل هذا كثير في كلامهم. وكذلك اليتيمة المذكورة في هذا الحديث هي التي قد لزمها اسم اليتم في صغرها بموت أبيها فاشتهرت به ثم دعيت بذلك في الكبر على هذا المعنى الذي وصفناه بدليل ما تقدم ذكره من الكلام في أول الفصل والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٣/ ١٧٦):
«اليتيمة هي: صغيرة لا أب لها، والمراد هنا: البكر البالغة، سماها باعتبار ما كانت. كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ وفائدة التسمية: مراعاة حقها والشفقة عليها في تحري الكفاية والصلاح؛ فإنَّ اليتيم مظنة الرأفة والرحمة. ثم هي قبل البلوغ لا معنى لإذنها، ولا لإبائها. فكأنَّه ﵊ شرط بلوغها؛ فمعناه: لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر. قاله القاري في المرقاة» اهـ.
стр. 5813
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في الأب هل له أن يزوج ابنته البكر بغير إذنها سواء كانت كبيرة أو صغيرة أو ليس له ذلك بل شأنه في ذلك كشأن غيره من الأولياء؟
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢٥٢):
«ودلَّ الحديث على أنَّ البكر إذا نكحت قبل إذنها بالصمت أنَّ النكاح باطل، كما يبطل نكاح الثيب قبل أن تستأمر. وقالت طائفة: للأب أن يزوج البكر بغير إذنها صغيرة كانت أو كبيرة، ولا يزوج الثيب إلَّا بإذنها، وهو قول ابن أبي ليلى، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «والدليل على أنَّ المراد باستئمار البكر غير ذات الأب ما روى أبو نعيم، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدثني أبو بردة بن أبي موسى، عن أبيه، أنَّ النبي ﷺ قال: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها"، ففرق بتسميته إياها يتيمة بينها وبين من لها أب» اهـ.
قُلْتُ: الصحيح أنَّ الأب في ذلك كغيره ويدل على ذلك ما رواه مسلم (١٤٢١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»، وَرُبَّمَا قَالَ: «وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا».
стр. 5814
واحتج أيضاً من قال أنَّه يجوز للأب أو الجد أن يزوج ابنته البكر بغير إذنها بما رواه مسلم (١٤٢١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا».
وذلك أنَّه جعل الأيم أحق بنفسها فمفهوم ذلك أنَّ البكر لا حق لها في نفسها بل أمرها لأبيها صغيرة كانت أو كبيرة.
قُلْتُ: الصحيح أنَّ البكر إذا زوجت بغير رضاها فنكاحها باطل لحديث الباب فإنَّ الأصل في النهي الفساد، وأمَّا حديث ابن عباس فلا حجة فيه على جواز إجبار الأب لابنته البكر البالغ كما سيأتي بيان ذلك في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٢٢ - ٢٥): «وأمَّا إجبار الأب لابنته البكر البالغة على النكاح: ففيه قولان مشهوران؛ هما روايتان عن أحمد. "أحدهما " أنَّه يجبر البكر البالغ كما هو مذهب مالك والشافعي وهو اختيار الخرقي والقاضي وأصحابه.
و"الثاني" لا يجبرها كمذهب أبي حنيفة وغيره وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز بن جعفر. وهذا القول هو الصواب. والناس متنازعون في "مناط الإجبار" هل هو
стр. 5815
البكارة؟ أو الصغر؟ أو مجموعها؟ أو كل منهما؟ على أربعة أقوال في مذهب أحمد وغيره. والصحيح أنَّ مناط الإجبار هو الصغر وأنَّ البكر البالغ لا يجبرها أحد على النكاح؛ فإنَّه قد ثبت في الصحيح عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر فقيل له: إنَّ البكر تستحي؟ فقال: إذنَّها صماتها"، وفي لفظ في الصحيح: "البكر يستأذنها أبوها" فهذا نهي النبي ﷺ لا تنكح حتى تستأذن. وهذا يتناول الأب وغيره وقد صرح بذلك في الرواية الأخرى الصحيحة؛ وأنَّ الأب نفسه يستأذنها. وأيضاً فإنَّ الأب ليس له أن يتصرف في مالها إذا كانت رشيدة إلَّا بإذنها وبضعها أعظم من مالها فكيف يجوز أن يتصرف في بضعها مع كراهتها ورشدها.
وأيضاً: فإنَّ الصغر سبب الحجر بالنص والإجماع. وأمَّا جعل البكارة موجبة للحجر فهذا مخالف لأصول الإسلام؛ فإنَّ الشارع لم يجعل البكارة سبباً للحجر في موضع من المواضع المجمع عليها فتعليل الحجر بذلك تعليل بوصف لا تأثير له في الشرع.
وأيضاً: فإنَّ الذين قالوا بالإجبار اضطربوا فيما إذا عينت كفؤاً وعين الأب كفؤاً آخر: هل يؤخذ بتعيينها؟ أو بتعيين الأب؟ على وجهين في مذهب الشافعي
стр. 5816
وأحمد. فمن جعل العبرة بتعيينها نقض أصله ومن جعل العبرة بتعيين الأب كان في قوله من الفساد والضرر والشر ما لا يخفى فإنَّه قد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: "الأيم أحق بنفسها من وليها؛ والبكر تستأذن وإذنها صماتها" وفي رواية: "الثيب أحق بنفسها من وليها". فلما جعل الثيب أحق بنفسها دل على أنَّ البكر ليست أحق بنفسها؛ بل الولي أحق وليس ذلك إلَّا للأب والجد. هذه عمدة المجبرين وهم تركوا العمل بنص الحديث وظاهره؛ وتمسكوا بدليل خطابه؛ ولم يعلموا مراد الرسول ﷺ . وذلك أنَّ قَوْلَهُ: "الأيم أحق بنفسها من وليها" يعم كل ولي وهم يخصونه بالأب والجد. "والثاني" قَوْلُهُ: "والبكر تستأذن" وهم لا يوجبون استئذانها؛ بل قالوا: هو مستحب حتى طرد بعضهم قياسه؛ وقالوا لما كان مستحباً اكتفى فيه بالسكوت وادعى أنَّه حيث يجب استئذان البكر فلا بد من النطق. وهذا قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد. وهذا مخالف لإجماع المسلمين قبلهم؛ ولنصوص رسول الله ﷺ فإنَّه قد ثبت بالسنة الصحيحة المستفيضة؛ واتفاق الأئمة قبل هؤلاء أنَّه إذا زوج البكر أخوها أو عمها فإنَّه يستأذنها؛ وإذنها صماتها. وأمَّا المفهوم: فالنبي ﷺ فرق بين البكر والثيب؛ كما قال في الحديث الآخر: "لا تنكح البكر حتى
стр. 5817
تستأذن ولا الثيب حتى تستأمر" فذكر في هذه لفظ "الإذن" وفي هذه لفظ "الأمر" وجعل إذن هذه الصمات؛ كما أنَّ إذن تلك النطق. فهذان هما الفرقان اللذان فرق بهما النبي ﷺ بين البكر والثيب؛ لم يفرق بينهما في الإجبار وعدم الإجبار؛ وذلك لأنَّ "البكر" لما كانت تستحي أن تتكلم في أمر نكاحها لم تخطب إلى نفسها؛ بل تخطب إلى وليها ووليها يستأذنها فتأذن له؛ لا تأمره ابتداء: بل تأذن له إذا استأذنها وإذنها صماتها. وأمَّا الثيب فقد زال عنها حياء البكر فتتكلم بالنكاح فتخطب إلى نفسها وتأمر الولي أن يزوجها. فهي آمرة له وعليه أن يعطيها فيزوجها من الكفء إذا أمرته بذلك. فالولي مأمور من جهة الثيب ومستأذن للبكر. فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي ﷺ . وأمَّا تزويجها مع كراهتها للنكاح: فهذا مخالف للأصول والعقول والله لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة إلَّا بإذنها ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده. فكيف يكرهها على مباضعة ومعاشرة من تكره مباضعته ومعاشرة من تكره معاشرته والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة فإذا كان لا يحصل إلَّا مع بغضها له ونفورها عنه. فأي مودة ورحمة في ذلك؟» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٩٦ - ٩٩):
стр. 5818
«وموجب هذا الحكم أنَّه لا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلَّا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذى ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله ﷺ وأمره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمته.
أمَّا موافقته لحكمه، فإنَّه حكم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا الحديث مرسلة بعلة فيه، فإنَّه قد روى مسنداً ومرسلاً. فإن قلنا بقول الفقهاء: إنَّ الاتصال زيادة، ومن وصله مقدم على من أرسله، فظاهر وهذا تصرفهم في غالب الأحاديث، فما بال هذا خرج عن حكم أمثاله، وإن حكمنا بالإرسال، كقول كثير من المحدثين، فهذا مرسل قوى قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة، والقياس وقواعد الشرع كما سنذكره، فيتعين القول به.
وأمَّا موافقة هذا القول لأمره، فإنَّه قال: "والبكر تستأذن"، وهذا أمر مؤكد، لأنَّه ورد بصيغة الخبر الدال على تحقق المخبر به وثبوته ولزومه، والأصل في أوامره ﷺ أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماع على خلافه.
وأمَّا موافقته لنهيه، فلِقَوْلِهِ: "لا تنكح البكر حتى تستأذن"، فأمر ونهي، وحكم بالتخيير، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق.
стр. 5819
وأمَّا موافقته لقواعد شرعه، فإنَّ البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من مالها إلَّا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يرقها، ويخرج بضعها منها بغير رضاها إلى من يريد هو، وهي من أكره الناس فيه، وهو من أبغض شيء إليها؟ ومع هذا فينكحها إياه قهراً بغير رضاها إلى من يريده، ويجعلها أسيرة عنده، كما قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اتقوا الله في النساء فإنَّهن عوان عندكم" أي: أسرى، ومعلوم أنَّ إخراج مالها كله بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها، ولقد أبطل من قال: إنَّها إن عينت كفئاً تحبه، وعين أبوها كفئاً، فالعبرة بتعيينه، ولو كان بغيضاً إليها، قبيح الخلقة.
وأمَّا موافقته لمصالح الأمة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضد ذلك بمن تبغضه وتنفر عنه، فلو لم تأت السنة الصريحة بهذا القول، لكان القياس الصحيح، وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره، وبالله التوفيق.
فإن قيل: قد حكم رسول الله ﷺ بالفرق بين البكر والثيب، وقال: "ولا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" وقال: "الأيم
стр. 5820
أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذنها أبوها" فجعل الأيم أحق بنفسها من وليها، فعلم أنَّ ولي البكر أحق بها من نفسها، وإلَّا لم يكن لتخصيص الأيم بذلك معنى.
وأيضاً فإنَّه فرق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذن الثيب النطق، وإذن البكر الصمت، وهذا كله يدل على عدم اعتبار رضاها، وأنَّها لا حق لها مع أبيها.
فالجواب: أنَّه ليس في ذلك ما يدل على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها وعقلها ورشدها، وأن يزوجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفئاً، والأحاديث التي احتججتم بها صريحة في إبطال هذا القول، وليس معكم أقوى من قَوْلِهِ: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، هذا إنَّما يدل بطريق المفهوم، ومنازعوكم ينازعونكم في كونه حجة، ولو سلم أنَّه حجة، فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصريح، وهذا أيضاً إنَّما يدل إذا قلْت: إنَّ للمفهوم عموماً، والصواب أنَّه لا عموم له، إذ دلالته ترجع إلى أنَّ التخصيص بالمذكور لا بد له من فائدة، وهي نفي الحكم عمَّا عداه، ومعلوم أنَّ انقسام ما عداه إلى ثابت الحكم ومنتفيه فائدة، وأنَّ إثبات حكم آخر للمسكوت عنه فائدة وإن لم يكن ضد حكم المنطوق، وأن تفصيله فائدة، كيف
стр. 5821
وهذا مفهوم مخالف للقياس الصريح، بل قياس الأولى كما تقدم، ويخالف النصوص المذكورة.
وتأمل قوله ﷺ : "والبكر يستأذنها أبوها" عقيب قَوْلِهِ: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، قطعاً لتوهم هذا القول، وأنَّ البكر تزوج بغير رضاها ولا إذنها، فلا حق لها في نفسها البتة، فوصل إحدى الجملتين بالأخرى دفعاً لهذا التوهم. ومن المعلوم أنَّه لا يلزم من كون الثيب أحق بنفسها من وليها أن لا يكون للبكر في نفسها حق البتة.
وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستة أقوال:
أحدها: أنَّه يجبر بالبكارة، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد في رواية.
الثاني: أنَّه يجبر بالصغر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في الرواية الثانية.
الثالث: أنَّه يجبر بهما معاً، وهو الرواية الثالثة عن أحمد.
الرابع: أنَّه يجبر بأيهما وجد وهو الرواية الرابعة عنه.
الخامس: أنَّه يجبر بالإيلاد، فتجبر الثيب البالغ، حكاه القاضي إسماعيل عن الحسن البصري قال: وهو خلاف الإجماع. قال: وله وجه حسن من الفقه، فيا ليت شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم؟!
стр. 5822
السادس: أنَّه يجبر من يكون في عياله، ولا يخفى عليك الراجح من هذه المذاهب» اهـ.
قُلْتُ: وهنالك من نقل عن مالك خلاف ما ذكره ابن القيم.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي [بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ] (٣/ ٣٤):
«اخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِ الْإِجْبَارِ هَلْ هُوَ الْبَكَارَةُ؟ أَوِ الصِّغَرُ؟ فَمَنْ قَالَ: الصِّغَرُ - قَالَ: لَا تُجْبَرُ الْبِكْرُ الْبَالِغُ. وَمَنْ قَالَ: الْبَكَارَةُ - قَالَ: تُجْبَرُ الْبِكْرَ الْبَالِغُ، وَلَا تُجْبَرُ الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ. وَمَنْ قَالَ: كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا يُوجِبُ الْإِجْبَارَ إِذَا انْفَرَدَ - قَالَ: تُجْبَرُ الْبِكْرُ الْبَالِغُ وَالثَّيِّبُ الْغَيْرُ الْبَالِغِ. وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ تَعْلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي تَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّالِثُ تَعْلِيلُ مَالِكٍ. وَالْأُصُولُ أَكْثَرُ شَهَادَةً لِتَعْلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ» اهـ.
قُلْتُ: وإذا زوجت الثيب بغير إذنها فنكاحها باطل لما رواه البخاري (٥١٣٨) عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «فَرَدَّ نِكَاحَهُ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٢٥٥):
«اتفق أئمة الفتوى بالأمصار على أنَّ الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير رضاها أنَّه لا يجوز ويرد، واحتجوا بحديث خنساء، وشذ الحسن البصري، والنخعي، فخالفا
стр. 5823
الجماعة، فقال الحسن: نكاح الأب جائز على ابنته بكرًا كانت أو ثيبًا، كرهت أو لم تكره. وقال النخعي: إن كانت الابنة في عياله زوجها ولم يستأمرها، وإن لم تكن في عياله وكانت نائية عنه استأمرها. وإن لم يكن أحد من الأئمة مال إلى هذين القولين لمخالفتهما للسنة الثابتة في خنساء وغيرها، وما خالف السنة فهو مردود. واختلف الأئمة القائلون بحديث خنساء إن زوجها بغير إذنها، ثم بلغها فأجازت، فقال إسماعيل القاضي: أصل قول مالك أنَّه لا يجوز إن أجازته إلَّا أن يكون بالقرب، كأنَّه في فور واحد، ويبطل إذا بعد؛ لأنَّ عقده عليها بغير أمرها ليس بعقد ولا يقع فيه طلاق. وقال الكوفيون: إذا أجازته جاز، وإذا أبطلته بطل. وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور: إذا زوجها بغير إذنها فالنكاح باطل وإن رضيت؛ لأنَّ النبي، ﵇، رد نكاح خنساء ولم يقل إلَّا أن تجيزه» اهـ.
قُلْتُ: وجاء في تخييرها بين الإمضاء والفسخ ما رواه أحمد (٢٤٦٩)، وأبو داود (٢٠٩٦) مِنْ طَرِيْقِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ «أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ ».
стр. 5824
فالصحيح في هذا الحديث الإرسال، فقد قال أبو داود إثر روايته له: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ النَّاسُ مُرْسَلًا مَعْرُوفٌ» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١/ ٤١٧):
«قال أبي: هذا خطأ، إنَّما هو كما رواه الثقات، عن أيوب، عن عكرمة: أنَّ النبي ﷺ مرسلاً منهم: ابن علية، وحماد بن زيد: أنَّ رجلاً تزوج وهو الصحيح.
قُلْتُ: الوهم ممن هو؟ قال: من حسين ينبغي أن يكون، فإنَّه لم يرو عن جرير غيره.
قال أبي: رأيت حسيناً المروروذي، ولم أسمع منه.
قال أبو زرعة: حديث أيوب ليس هو بصحيح» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [سُنَنِهِ] (٤/ ٣٤٠): «وكذلك رواه زيد بن حبان عن أيوب وتابعه أيوب بن سويد عن الثوري عن أيوب عن عكرمة عن ابن
стр. 5825
عباس وغيره يرسله عن الثوري عن أيوب عن عكرمة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والصحيح مرسل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٧/ ١١٧): «فهذا حديث أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني والمحفوظ عن أيوب عن عكرمة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مرسلاً» اهـ.
لكنه يتقوى بما رواه أحمد (٢٥٠٤٣)، والنسائي (٣٢٦٩)، مِنْ طَرِيْقِ كَهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ يَرْفَعُ بِي خَسِيسَتَهُ «فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا» قَالَتْ: فَإِنِّي قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ لِلْآبَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.
قَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٥/ ٨٩ - ٩٠):
«يرويه كهمس بن الحسن، واختلف عنه؛ فرواه جعفر بن سليمان الضبعي، وعلي بن غراب، ووكيع، عن كهمس، عن ابن بريدة، عن عائشة وخالفهم عبد الله بن إدريس، ويزيد بن هارون، وعون بن كهمس، رووه عن كهمس، عن ابن بريدة، أنَّ فتاة أتت عائشة، فقالت: إنَّ أبي زوجني ولم يستأمرني فجاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 5826
وَسَلَّمَ، فذكرت ذلك له فيكون مرسلاً في رواية هؤلاء الثلاثة، وهو أشبه بالصواب» اهـ.
قُلْتُ: ورواه ابن ماجة (١٨٧٤) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. به، وجعله من مسند بريدة.
وقد خالف هناد الإمام أحمد فقد رواه في [الْمُسْنَدِ] (٢٥٠٤٣) حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وجعله من مسند عائشة.
وتابع أحمدَ إسحاقُ بن راهويه في [مُسْنَدِهِ] (١٣٥٩).
ورواه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٣٥٥٧) من طريق جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَائِشَةَ به.
ورواه أيضاً من طرق أخرى ثم قال: هَذِهِ كُلُّهَا مَرَاسِيلُ ابْنُ بُرَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ شَيْئًا» اهـ.
وهكذا رواه النسائي (٣٢٦٩)، مِنْ طَرِيْقِ عَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
رواية أحمد وإسحاق عن وكيع أصح، وعلى كل حال فالحديث معل.
стр. 5827
ويمكن حمل حديث التخيير إذا زوج الأب ابنته البكر بغير رضاها، والبطلان على الثيب.
قُلْتُ: وتنازع العلماء هل لغير الأب أن يزوج موليته الصغيرة، والذي يظهر لي جواز ذلك لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣].
روى البخاري (٤٥٧٤) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: «﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ: اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]: رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ
стр. 5828
وَالجَمَالِ، قَالَتْ: فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسْطِ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ المَالِ وَالجَمَالِ».
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٢/ ٢٠٨): «وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألَّا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنَّهن كثير، ولم يضيق الله عليه» اهـ.
وقول الله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧].
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٤٣١):
«مسألة؛ قال: وليس هذا لغير الأب. يعني ليس لغير الأب إجبار كبيرة، ولا تزويج صغيرة، جداً كان أو غيره. وبهذا قال مالك، وأبو عبيد والثوري، وابن أبي ليلى.
стр. 5829
وبه قال الشافعي إلَّا في الجد، فإنَّه جعله كالأب؛ لأنَّ ولايته ولاية إيلاد، فملك إجبارها كالأب.
وقال الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وطاووس، وقتادة، وابن شبرمة، والأوزاعي، وأبو حنيفة: لغير الأب تزويج الصغيرة، ولها الخيار إذا بلغت.
وقال هؤلاء غير أبي حنيفة: إذا زوج الصغيرين غير الأب، فلهما الخيار إذا بلغا.
قال أبو الخطاب: وقد نقل عبد الله، عن أبيه، كقول أبي حنيفة».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (١٤/ ٤٣٣): «وقد خطب عمر ﵁ أم كلثوم ابنة أبي بكر بعد موته إلى عائشة ﵂ فأجابته، وهي لدون عشر، لأنَّها إنَّما ولدت بعد موت أبيها، وإنَّما كانت ولاية عمر عشراً، فكرهته الجارية، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، ولم ينكره منكر، فدل على اتفاقهم على صحة تزويجها قبل بلوغها بولاية غير أبيها. والله أعلم» اهـ.
٦ - وفي قَوْلِهِ: «لَا تُنْكَحُ». دليل على أنَّ النكاح يكون بولي.
قُلْتُ: وهذا قول عامة أهل العلم، وخالف في ذلك أبو حنيفة فأجاز نكاح المرأة بغير ولي، واحتج بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ
стр. 5830
أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. ووجه الاحتجاج بالآيتين أنَّ الله تعالى أضاف النكاح إليهنَّ.
ولعل إضافة النكاح إليهنَّ لوقوعه بهن لا لعقدهنَّ له بأنفسهنَّ.
وأجاب عن ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣٥٨) فقال:
«وأمَّا الآية، فإنَّ عضلها الامتناع من تزويجها، وهذا يدل على أن نكاحها إلى الولي.
ويدل عليه أنَّها نزلت في شأن معقل بن يسار، حين امتنع من تزويج أخته، فدعاه النبي ﷺ فزوجها.
وأضافه إليها لأنَّها محل له» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (١/ ٢٧٦)
«وفي الآية دليل على أنَّ المرأة لا تلي عقد النكاح إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن هناك عضل ولا لنهي الولي عن العضل معنى» اهـ.
قُلْتُ: وبناءً على هذا فتكون الآية الثانية من الآيات الدالات على أنَّه لا بد من الولي في النكاح، ومما يدل على ذلك أيضاً أنَّ الله أضاف النكاح إلى الأولياء في قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وفي
стр. 5831
قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
ومما يدل على ذلك من السنة، ما رواه أحمد (١٩٥٣٦، ١٩٧٢٥، ١٩٧٦١)، وأبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١) مِنْ طَرِيْقِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [التَّلْخِيْصِ الْحَبِيْرِ] (٣/ ٣٤٢):
«قال الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش. قال: وفي الباب عن علي وابن عباس، ثم سرد تمام ثلاثين صحابياً، وقد جمع طرقه الدمياطي من المتأخرين» اهـ.
وروى أحمد (٢٤٢٥١، ٢٥٣٦٥)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩) مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ
стр. 5832
نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. وابن جريج قد صرَّح بالتحديث في "المسند"، وسليمان بن موسى هو القرشي ثقة في الزهري.
وأولياء المرأة الحرة هم عصابتها ويرتبون على ترتيب العصبات في الفرائض، فيما عدا الأب والابن وأبناء الابن فالجمهور على تقديم الأب، وخالف في ذلك الإمام مالك، وأبو حنيفة في رواية، وأبو يوسف، وإسحاق، وابن المنذر فذهبوا إلى تقديم الابن على الأب.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣٦٩) مرجحاً قول الجمهور:
«ولأنَّ الأب أكمل نظراً، وأشد شفقة، فوجب تقديمه في الولاية، كتقديمه على الجد، ولأنَّ الأب يلي ولده في صغره وسفهه وجنونه، فيليه في سائر ما ثبتت الولاية عليه فيه، بخلاف ولاية الابن، ولذلك اختص بولاية المال، وجاز له أن يشتري لها من ماله، وله من مالها، إذا كانت صغيرة، بخلاف غيره، ولأنَّ الولاية احتكام، واحتكام الأصل على فرعه أولى من العكس، وفارق الميراث، فإنَّه لا
стр. 5833
يعتبر له النظر، ولهذا يرث الصبي والمجنون وليس فيه احتكام ولا ولاية على الموروث، بخلاف ما نحن فيه» اهـ.
قُلْتُ: والذي يظهر لي هو صحة ما ذهب إليه الجمهور.
وهكذا في تقديم الجد على الابن نزاع فقدمه عليه الإمام الشافعي، وأحمد في رواية وأبو حنيفة، وقدم الابن عليه الإمام مالك، وأحمد في رواية، وجميع من سبق فيما مضى.
والإمام الشافعي ﵀ لا يرى ولاية في النكاح للابن. وهذا خلاف الصواب.
وفي الجد والأخ نزاع والصحيح تقدم الجد عليه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣٧٠):
«وعن أحمد، رواية ثالثة، أنَّ الأخ يقدم على الجد.
وهو قول مالك؛ لأنَّ الجد يدلي بأبوة الأب، والأخ يدلي ببنوة، والبنوة مقدمة، وعن أحمد أنَّ الجد والأخ سواء؛ لاستوائهما في الميراث بالتعصيب، واستوائهما في القرابة، فوجب أن يستويا في الولاية كالأخوين، ولأنَّهما عصبتان لا يسقط أحدهما بالآخر، فاستويا في الولاية كالأخوين.
стр. 5834
ولنا، أنَّ الجد له إيلاد وتعصيب، فيقدم عليهما، كالأب، ولأن الابن والأخ يقادان بها، ويقطعان بسرقة مالها، والجد بخلافه، والجد لا يسقط في الميراث إلَّا بالأب، والأخ يسقط به وبالابن وابنه، وإذا ضاق المال، وفي المسألة جد وأخ، سقط الأخ وحده، فوجب تقديمه عليهما كالأب، ولتقدمه على العم وسائر العصبات» اهـ.
قُلْتُ: واختلفوا في الأخ من أبوين هل يقدم على الأخ من أب أم هما سواء، فذهب إلى تقديم الشقيق الجمهور وأحمد في رواية، والمشهور عن أحمد أنَّهما سواء. والصحيح مذهب الجمهور كما في الميراث.
وهكذا الخلاف في بني الإخوة والأعمام وبنيهم.
ولا ولاية لغير أصحاب العصبات في مذهب الجمهور وخالف أبو حنيفة في إحدى الروايتين فأثبتها لكل من يرث بفرض أو تعصيب. والصحيح مذهب الجمهور.
وإذا اجتمع أكثر من ولي في درجة واحدة فينبغي لهم أن يقدموا الأكبر والأعلم والأروع، فإن تشاحوا فزوج المرأة واحد منهم بإذنها صح النكاح.
وإن أقرعوا بينهما فلا يصح أن يزوجها إلَّا من خرجت القرعة عليه، وقد صرَّح بذلك علماء الشافعية.
стр. 5835
قُلْتُ: فإن لم يكن لها ولي فوليها السلطان ومن ينوبه في ذلك كالقاضي وقد مضى حديث عائشة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».
فإن كانوا في بلد لا سلطان للمسلمين فيه زوجها رئيس القرية فإن لم يوجد فمن وضعه الناس لذلك كأئمة المساجد فإن لم يوجد فأي رجل من المسلمين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣٨١):
«فصل: فإن لم يوجد للمرأة ولي ولا ذو سلطان، فعن أحمد ما يدل على أنَّه يزوجها رجل عدل بإذنها، فإنَّه قال في دهقان قرية: يزوج من لا ولي لها إذا احتاط لها في الكفء والمهر، إذا لم يكن في الرستاق قاض.
قال ابن عقيل: أخذ قوم من أصحابنا من هذه الرواية، أنَّ النكاح لا يقف على ولي.
قال: وقال القاضي: نصوص أحمد تمنع من ذلك.
والصحيح أنَّ هذا القول مختص بحال عدم الولي والسلطان؛ لأنَّه شرط أن لا يكون في الرستاق قاض ووجه ذلك أن اشتراط الولي هاهنا يمنع النكاح بالكلية، فلم يجز» اهـ.
стр. 5836
قُلْتُ: دهقان القرية هو رئيسها.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٣٥):
«وأمَّا من لا ولي لها فإن كان في القرية أو الحلة نائب حاكم زوجها هو وأمير الأعراب ورئيس القرية. وإذا كان فيهم إمام مطاع زوجها أيضاً بإذنها. والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْمَسَائِلِ وَالْأَجْوِبَةِ] (ص: ١٣٨):
«فصل:
وأمَّا السؤال عن رجل يسرق الأسيرة من المغل أو غيرهم، وما لها أحدٌ، وهو يريد أن ينهزم بها، ويخبؤها ليلاً ونهارًا ويختلي بها، ويخفيها خوفًا من المغل، فأراد الرجل أن يتزوجها، وقال الرجل: إني أشهد الله وملائكته أني رضيت بها زوجة، وأن صداقها علي كذا وكذا. وقالت المرأة: أشهد الله وملائكته أني رضيت بالصداق المعين. وأن يكون زوجها، فهل يجوز ذلك مع الضرورة والخوف من الفتك والوقوع في الزنا لخلوته بها في طول مسافة الطريق وانكشافه عليها ليلاً ونهارًا أم لا؟
стр. 5837
والجواب: إنه إن أمكنه أن يذهب بها إلى مكان يزوجها به ولي أمر ذلك المكان ذهب أو وَكَّل، وإن كان قاضي المكان لا يزوجها زوجها غيره ممن له سلطان كوالي الحرب، أو رئيس القرية، أو أمير الأعراب أو التركمان أو الأكراد، فمتى زوجها ذو سلطان - وهو المطاع - جاز النكاح، نصَّ عليه أحمد بن حنبل وغيره، نصَّ أحمد على أن والي الحرب يزوج إذا كان القاضي جهميًّا، وعلى أن دهقان القرية يزوج إذا لم يكن هناك حاكم، وكذلك إذا وكَّلت عالمًا مشهورًا أو خطيب القرية ونحو ذلك جاز أن يزوجها إذا وكلته، وإن تعذر هذا كله وكلت رجلاً من المسلمين يزوجها بهذا الرجل فلا تباشر هي العقد، وإن تعذر هذا كله واحتاجا إلى النكاح زوجته نفسها؛ فإن ما أمر الله به في العقود وغيرها يجب مع القدرة، وأما مع العجز فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فلا يحرم ما يحتاج إليه الناس من النكاح لعجزهم عن بعض ما أمر به من ذلك، بل ما عجزوا عنه سقط وجوبه، والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: ولا يصح عقد البعيد مع وجود القريب من الأولياء إذا كان حاضراً وغير معضل وهذا مذهب الشافعي وأحمد، وذلك أنَّ البعيد لا ولاية له مع القريب كما
стр. 5838
أنَّه لا ميراث له مع القريب، وخالف في ذلك الإمام مالك فأجاز عقد البعيد مع وجود القريب. والمذهب الأول أصح.
وقال بعض العلماء يصير العقد بذلك موقوفاً إلى إجازة البعيد أو رده وإلى هذا ذهب أحمد في رواية.
ويشترط في الولاية: العقل، والحرية، والإسلام، والذكورية، والبلوغ، وهناك من أضاف العدالة ولا يظهر اشتراط ذلك. كما هو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.
أمَّا اشتراط العقل فظاهر فإنَّ المجنون لا يقوم بنفسه فضلاً عن أن يقوم بغيره.
وأمَّا اشتراط الحرية فلأنَّ العبد لا ولاية له على نفسه فلا يصح أن يزوج نفسه بغير إذن سيده فكيف تكون له ولاية على غيره.
وأمَّا اشتراط الإسلام فلقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
وأمَّا اشتراط الذكورية، فلأنَّ الأنثى لا ولاية لها على نفسها فكيف تكون لها ولاية على غيرها.
стр. 5839
وأمَّا اشتراط البلوغ فلأنَّ الصغير لا ولاية له على نفسه فضلاً من أن تكون له ولاية على غيره. ولأنَّ المقصود بولاية النكاح النظر في الحظ للمرأة والصبي وهكذا من لا عقل له لا يحصل بهما المقصود من ذلك.
وذهب أحمد في رواية إلى ثبوت ولاية من له عشر سنين، وفي رواية من له اثنتا عشرة سنة.
قُلْتُ: وللنكاح أركان وشروط:
فأركانه ثلاثة: الزوجان الخاليان من الموانع، والإيجاب، والقبول.
وشروطه: الولي، والشاهدان أو الاستفاضة، وتعيين الزوجين، والرضا ممن يعتبر رضاه.
والمهر واجب لا يصح النكاح بنفيه، ولا يبعد أن يعد شرطاً فيه.
٧ - احتج به ابن حزم على عدم على أنَّ البكر لا تزوج إذا صرحت بالرضا نطقاً، فقال ﵀ في [الْمُحَلَّى] (٩/ ٤٧١): «مسألة: وكل ثيب فإذنها في نكاحها لا يكون إلاَّ بكلامها بما يعرف به رضاها، وكل بكر فلا يكون إذنها في نكاحها إلَّا بسكوتها، فإن سكتت فقد أذنت ولزمها النكاح، فإن تكلمت بالرضا أو بالمنع أو
стр. 5840
غير ذلك، فلا ينعقد بهذا نكاح عليها. برهان ذلك: ما ذكرناه قبل من قول رسول الله ﷺ في البكر إذنها صماتها» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ١٠٠):
«وقضى ﷺ بأن إذن البكر الصمات، وإذن الثيب الكلام، فإن نطقت البكر بالإذن بالكلام فهو آكد، وقال ابن حزم: لا يصح أن تزوج إلاَّ بالصمات، وهذا هو اللائق بظاهريته» اهـ.
* * *
стр. 5841
أَحْكَامُ الْمُطَّلَقَةِ ثَلَاثَاً، وَدَعْوَى الْمَرْأَةِ الْعِنَّةِ فِي زَوْجِهَا.
٣٠٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي. فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيْرِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ».
قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى أَبَا بَكْرٍ: أَلا تَسْمَعُ إلَى هَذِهِ: مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيْرِ هو بفتح الزاي وكسر الباء كما ضبطه أهل العلم كابن الجوزي والنووي وابن حجر وغيرهم.
«الْهُدْبَةُ»: هي طرف الثوب الذي لم ينسج، مأخوذة من هُدْبِ العين وهو شعر جفنها.
وجاء في مسلم (١٤٣٣) أنَّها قالت: «وَاللهِ، مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ، وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا».
стр. 5842
قُلْتُ: شبهت ذكر زوجها بذلك لاسترخائه وعدم انتشاره.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١٠/ ٢٨٢):
«قال الداودي: يحتمل تشبيهها بالهدبة انكساره وأنَّه لا يتحرك وأنَّ شدته لا تشتد، ويحتمل أنَّها كَنَّت بذلك عن نحافته، أو وصفته بذلك بالنسبة للأول. قال: ولهذا يستحب نكاح البكر لأنَّها تظن الرجال سواء بخلاف الثيب» اهـ.
وقد أكذبها زوجها في ذلك فروى البخاري (٥٨٢٥) عنه أنَّه قال: «فَقَالَ: كَذَبَتْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الأَدِيمِ، وَلَكِنَّهَا نَاشِزٌ، تُرِيدُ رِفَاعَةَ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْأَثِيْرِ ﵀ فِي [الْنِّهَايَةِ] (٥/ ٢٠٦): «أَيْ أُجْهِدُها وأعرُكُها، كَمَا يُفْعل بِالْأَدِيمِ عِنْدَ دِباغِه» اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٩/ ١٠٣): «وهذه الكناية من الفصاحة العجيبة، وهي أبلغ في المعنى من الحقيقة» اهـ.
وَقَوْلُهُ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُطَرَّزِيُّ ﵀ فِي [الْمُغْرِبِ] (ص: ٣١٦):
стр. 5843
«"الْعُسَيْلَةُ" تَصْغِيرُ الْعَسَلَةِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الْعَسَلِ كَاللَّحْمَةِ وَالشَّحْمَةِ لِلْقِطْعَةِ مِنْهُمَا وَقَدْ ضُرِبَ ذَوْقُهَا مَثَلًا لِإِصَابَةِ حَلَاوَةِ الْجِمَاعِ وَلَذَّتِهِ وَإِنَّمَا صُغِّرَتْ إشَارَةً إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُحِلُّ» اهـ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٤٦٦):
«قَوْلُهُ: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" كذا في الموضعين بالتصغير واختلف في توجيهه فقيل: هي تصغير العسل لأنَّ العسل مؤنث جزم به الفزاز، ثم قال: وأحسب التذكير لغة. وقال الأزهري: يذكر ويؤنث. وقيل: لأنَّ العرب إذا حقرت الشيء أدخلت فيه هاء التأنيث، ومن ذلك قولهم: دريهمات فجمعوا الدرهم جمع المؤنث عند إرادة التحقير. وقالوا أيضاً في تصغير هند هنيدة.
وقيل التأنيث باعتبار الوطأة إشارة إلى أنَّها تكفي في المقصود من تحليلها للزوج الأول. وقيل: المراد قطعة من العسل والتصغير التقليل إشارة إلى أنَّ القدر القليل كاف في تحصيل الحل. قال الأزهري: الصواب أنَّ معنى العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج وأنث تشبيها بقطعة من عسل.
وقال الداودي: صغرت لشدة شبهها بالعسل. وقيل: معنى العسيلة النطفة. وهذا يوافق قول الحسن البصري. وقال جمهور العلماء: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة
стр. 5844
وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة وزاد الحسن البصري حصول الإنزال وهذا الشرط انفرد به عن الجماعة … » اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - احتج بقولها: «فَبَتَّ طَلاقِي». على إيقاع الثلاث التطليقات دفعة واحدة.
قُلْتُ: وليس هذا هو المراد، بل المراد أنَّه طلقها آخر ثلاث تطليقات، ويدل على أنَّ هذا هو المراد ما رواه البخاري (٦٠٨٤)، ومسلم (١٤٣٣) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ في هذا الحديث وفيه أنَّها قالت: «فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ».
قُلْتُ: ومسألة إيقاع الطلاق الثلاث دفعة واحدة أو دفعات من غير رجعة أو انقضاء عدة، أو عدم إيقاعه من المسائل الكبار التي تنازع فيها العلماء.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢٤٧):
«وأمَّا المسألة الثانية، وهي وقوع الثلاث بكلمة واحدة، فاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب.
أحدها: أنَّها تقع، وهذا قول الأئمة الأربعة، وجمهور التابعين، وكثير من الصحابة ﵃.
стр. 5845
الثاني: أنَّها لا تقع، بل ترد لأنَّها بدعة محرمة، والبدعة مردودة لقوله ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهذا المذهب حكاه أبو محمد ابن حزم، وحكي للإمام أحمد فأنكره، وقال: هو قول الرافضة.
الثالث: أنَّه يقع به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس، ذكره أبو داود عنه. قال الإمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق، يقول: خالف السنة فيرد إلى السنة، انتهى، وهو قول طاووس، وعكرمة، وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية.
الرابع: أنَّه يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث بالمدخول بها، ويقع بغيرها واحدة، وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب "اختلاف العلماء"» اهـ.
قُلْتُ: والمذهب الثالث وهو أنَّه تحسب طلقة واحدة رجعية هو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀.
وهذا القول هو الذي يظهر لي صحته لأدلة منها:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
стр. 5846
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ١١ - ١٢): «فبين أنَّ الطلاق الذي ذكره هو الطلاق الرجعي الذي يكون فيه أحق بردها: هو مرتان مرة بعد مرة، كما إذا قيل للرجل: سبح مرتين. أو سبح ثلاث مرات. أو مائة مرة. فلا بد أن يقول: سبحان الله. سبحان الله. حتى يستوفي العدد. فلو أراد أن يجمل ذلك فيقول: سبحان الله مرتين أو مائة مرة. لم يكن قد سبح إلَّا مرة واحدة والله تعالى لم يقل: الطلاق طلقتان. بل قال: مرتان فإذا قال لامرأته: أنت طالق اثنتين أو ثلاثاً أو عشراً أو ألفاً. لم يكن قد طلقها إلَّا مرة واحدة. وقول النبي ﷺ لأم المؤمنين جويرية: "لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه. سبحان الله زنة عرشه. سبحان الله رضا نفسه. سبحان الله مداد كلماته" أخرجه مسلم في "صحيحه" فمعناه أنَّه سبحانه يستحق التسبيح بعدد ذلك كقوله ﷺ : "ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد". ليس المراد أنَّه سبح تسبيحاً بقدر ذلك. فالمقدار تارة يكون وصفاً لفعل العبد وفعله محصور. وتارة يكون لما يستحقه الرب فذاك الذي يعظم قدره؛ وإلَّا فلو قال المصلي في صلاته: سبحان الله عدد خلقه. لم يكن قد سبح إلَّا
стр. 5847
مرة واحدة. ولما شرع النبي ﷺ أن يسبح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ويحمد ثلاثاً وثلاثين ويكبر ثلاثاً وثلاثين. فلو قال: سبحان الله والحمد لله والله أكبر عدد خلقه. لم يكن قد سبح إلَّا مرة واحدة. ولا نعرف أنَّ أحداً طلق على عهد النبي ﷺ امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة فألزمه النبي ﷺ بالثلاث ولا روي في ذلك حديث صحيح ولا حسن ولا نقل أهل الكتب المعتد عليها في ذلك شيئاً» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢٤٤):
«ومن تأمل القرآن حق التأمل، تبين له ذلك، وعرف أنَّ الطلاق المشروع بعد الدخول هو الطلاق الذى يملك به الرجعة، ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة؛ قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلَّا متعاقبتين … » اهـ.
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١].
стр. 5848
الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢].
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٨٠):
«فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي العدة فيسرحها بإحسان فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان» اهـ.
الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٧٩):
«وَقَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يدل على أنَّه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنَّه إنَّما أباح الطلاق للعدة. أي لاستقبال العدة فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٣٣/ ٧٩ - ٨٠):
«وأمَّا من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنَّه يقول: إنَّ الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة وما كان صاحبه مخيراً فيها بين الإمساك بمعروف
стр. 5849
والتسريح بإحسان وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزاً فلم يكن ذلك طلاقاً للعدة» اهـ.
الدليل الخامس: ما رواه النسائي (٣٤٠٦) أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄ تُرَدُّ إِلَى الْوَاحِدَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ».
قُلْتُ: ابن جريج مدلس وقد عنعن، لكن للحديث طريق أخرى عند الدارقطني (٤٠٣٣)، والحاكم (٢٧٩٢) وفيه عبد الله بن المؤمل ضعيف الحديث، فيتقوى الحديث من هذين الوجهين.
ورواه مسلم (١٤٧٢) عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ»؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَعَمْ».
ورواه مسلم (١٤٧٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً،
стр. 5850
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ».
ورواه مسلم (١٤٧٢) عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ، «أَلَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً»؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ».
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٩٧ - ٩٨): «وهكذا الإلزام بالثلاث. من جعل قول عمر فيه شرعاً لازماً. قيل له: فهذا اجتهاده قد نازعه فيه غيره من الصحابة وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول والحجة مع من أنكر هذا القول المرجوح. وإمَّا أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة وهذا أشبه الأمرين بعمر، ثم العقوبة بذلك يدخلها الاجتهاد من "وجهين" من جهة أنَّ العقوبة بذلك: هل تشرع؟ أم لا؟ فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لا يرى العقوبة به غيره كتحريق عليٍّ الزنادقة بالنار؛ وقد أنكره عليه ابن عباس وجمهور الفقهاء مع ابن عباس. ومن جهة أنَّ العقوبة إنَّما تكون لمن يستحقها فمن كان من المتقين استحق أن يجعل الله له فرجاً
следующие страницы →