← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ١١ - ١٢): «فبين أنَّ الطلاق الذي ذكره هو الطلاق الرجعي الذي يكون فيه أحق بردها: هو مرتان مرة بعد مرة، كما إذا قيل للرجل: سبح مرتين. أو سبح ثلاث مرات. أو مائة مرة. فلا بد أن يقول: سبحان الله. سبحان الله. حتى يستوفي العدد. فلو أراد أن يجمل ذلك فيقول: سبحان الله مرتين أو مائة مرة. لم يكن قد سبح إلَّا مرة واحدة والله تعالى لم يقل: الطلاق طلقتان. بل قال: مرتان فإذا قال لامرأته: أنت طالق اثنتين أو ثلاثاً أو عشراً أو ألفاً. لم يكن قد طلقها إلَّا مرة واحدة. وقول النبي ﷺ لأم المؤمنين جويرية: "لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه. سبحان الله زنة عرشه. سبحان الله رضا نفسه. سبحان الله مداد كلماته" أخرجه مسلم في "صحيحه" فمعناه أنَّه سبحانه يستحق التسبيح بعدد ذلك كقوله ﷺ : "ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد". ليس المراد أنَّه سبح تسبيحاً بقدر ذلك. فالمقدار تارة يكون وصفاً لفعل العبد وفعله محصور. وتارة يكون لما يستحقه الرب فذاك الذي يعظم قدره؛ وإلَّا فلو قال المصلي في صلاته: سبحان الله عدد خلقه. لم يكن قد سبح إلَّا

стр. 5847

مرة واحدة. ولما شرع النبي ﷺ أن يسبح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ويحمد ثلاثاً وثلاثين ويكبر ثلاثاً وثلاثين. فلو قال: سبحان الله والحمد لله والله أكبر عدد خلقه. لم يكن قد سبح إلَّا مرة واحدة. ولا نعرف أنَّ أحداً طلق على عهد النبي ﷺ امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة فألزمه النبي ﷺ بالثلاث ولا روي في ذلك حديث صحيح ولا حسن ولا نقل أهل الكتب المعتد عليها في ذلك شيئاً» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٢٤٤): «ومن تأمل القرآن حق التأمل، تبين له ذلك، وعرف أنَّ الطلاق المشروع بعد الدخول هو الطلاق الذى يملك به الرجعة، ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة؛ قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلَّا متعاقبتين … » اهـ. الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١].

стр. 5848

الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٨٠): «فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي العدة فيسرحها بإحسان فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان» اهـ. الدليل الرابع: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٧٩): «وَقَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يدل على أنَّه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنَّه إنَّما أباح الطلاق للعدة. أي لاستقبال العدة فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين». إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٣٣/ ٧٩ - ٨٠): «وأمَّا من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنَّه يقول: إنَّ الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة وما كان صاحبه مخيراً فيها بين الإمساك بمعروف

стр. 5849

والتسريح بإحسان وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزاً فلم يكن ذلك طلاقاً للعدة» اهـ. الدليل الخامس: ما رواه النسائي (٣٤٠٦) أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄ تُرَدُّ إِلَى الْوَاحِدَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: ابن جريج مدلس وقد عنعن، لكن للحديث طريق أخرى عند الدارقطني (٤٠٣٣)، والحاكم (٢٧٩٢) وفيه عبد الله بن المؤمل ضعيف الحديث، فيتقوى الحديث من هذين الوجهين. ورواه مسلم (١٤٧٢) عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ»؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَعَمْ». ورواه مسلم (١٤٧٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً،

стр. 5850

فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ». ورواه مسلم (١٤٧٢) عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ، «أَلَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً»؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٩٧ - ٩٨): «وهكذا الإلزام بالثلاث. من جعل قول عمر فيه شرعاً لازماً. قيل له: فهذا اجتهاده قد نازعه فيه غيره من الصحابة وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول والحجة مع من أنكر هذا القول المرجوح. وإمَّا أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة وهذا أشبه الأمرين بعمر، ثم العقوبة بذلك يدخلها الاجتهاد من "وجهين" من جهة أنَّ العقوبة بذلك: هل تشرع؟ أم لا؟ فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لا يرى العقوبة به غيره كتحريق عليٍّ الزنادقة بالنار؛ وقد أنكره عليه ابن عباس وجمهور الفقهاء مع ابن عباس. ومن جهة أنَّ العقوبة إنَّما تكون لمن يستحقها فمن كان من المتقين استحق أن يجعل الله له فرجاً

стр. 5851

ومخرجاً لم يستحق العقوبة. ومن لم يعلم أن جمع الثلاث محرم فلما علم أنَّ ذلك محرم تاب من ذلك اليوم أن لا يطلق إلَّا طلاقاً سنياً. فإنَّه من المتقين في باب الطلاق. فمثل هذا لا يتوجه إلزامه بالثلاث مجموعة؛ بل يلزم بواحدة منها. وهذه المسائل عظيمة. وقد بسطنا الكلام عليها في موضع آخر من مجلدين؛ وإنَّما نبهنا عليها هاهنا تنبيهاً لطيفاً. والذي يحمل عليه أقوال الصحابة أحد أمرين: إمَّا أنَّهم رأوا ذلك من باب التعزير الذي يجوز فعله بحسب الحاجة: كالزيادة على أربعين في الخمر. وإمَّا لاختلاف اجتهادهم فرأوه لازماً وتارة غير لازم. وأمَّا القول بكون لزوم الثلاث شرعاً لازماً كسائر الشرائع: فهذا لا يقوم عليه دليل شرعي. وعلى هذا القول الراجح لهذا الموقع أن يلتزم طلقة واحدة ويراجع امرأته؛ ولا يلزم شيء لكونها كانت حائضاً إذا كان ممن اتقى الله وتاب من البدعة» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٣٥ - ٣٦): «والمقصود أنَّ هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم ولم يأت بعده إجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر ﵁ أنَّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة فرأى من المصلحة

стр. 5852

عقوبتهم بإمضائه عليهم ليعلموا أنَّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل فإنَّه كان من أشد الناس فيه فإذا علموا ذلك كفوا عن الطرق المحرم فرأى عمر أنَّ هذا مصلحة لهم في زمانه ورأى أنَّ ما كانوا عليه في عهد النبي ﷺ وعهد الصديق وصدراً من خلافته كان الأليق بهم لأنَّهم لم يتتابعوا فيه وكانوا يتقون الله في الطلاق وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجاً فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنَّ الله تعالى إنَّما شرع الطلاق مرة بعد مرة ولم يشرعه كله مرة واحدة فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله وظلم نفسه ولعب بكتاب الله فهو حقيق أن يعاقب ويلزم بما التزمه ولا يقر على رخصة الله وسعته وقد صعبها على نفسه ولم يتق الله ولم يطلق كما أمره الله وشرعه له بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحساناً ولبس على نفسه واختار الأغلظ والأشد فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان وعلم الصحابة ﵃ حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به وصرحوا لمن استفتاهم بذلك» اهـ.

стр. 5853

الدليل السادس: ما رواه أحمد (٢٣٨٧) حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: طَلَّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ أَخُو بَنِي الْمُطَّلِبِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا، قَالَ: فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَيْفَ طَلَّقْتَهَا؟» قَالَ: طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَالَ: فَقَالَ: «فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؟» قَالَ: نَعَمْ قَالَ: «فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَأَرْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ» قَالَ: فَرَجَعَهَا فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يَرَى أَنَّمَا الطَّلَاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ». قُلْتُ: هَذَا إِسْنَادٌ ظَاهِرُهُ أنَّهُ حَسَنٌ لكن قال عليٌّ ابن المديني: ما روى عن عكرمة، فمنكر الحديث. وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير. وروى الحديث أبو داود (٢١٩٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ أَبُو رُكَانَةَ، وَإِخْوَتِهِ أُمَّ رُكَانَةَ، وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: مَا يُغْنِي عَنِّي إِلَّا كَمَا تُغْنِي هَذِهِ الشَّعْرَةُ، لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ رَأْسِهَا، فَفَرِّقْ

стр. 5854

بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَخَذَتِ النَّبِيَّ ﷺ حَمِيَّةٌ، فَدَعَا بِرُكَانَةَ، وَإِخْوَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَجُلَسَائِهِ: «أَتَرَوْنَ فُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟، مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ، وَفُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا؟». قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ يَزِيدَ: «طَلِّقْهَا». فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: «رَاجِعِ امْرَأَتَكَ أُمَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ؟». قَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا». وَتَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. قُلْتُ: وفيه جهالة بعض بني أبي رافع. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ] (١/ ٢٨٧): «الوجه الثاني: أنَّ هذا المجهول هو من التابعين من أبناء مولى النبي ﷺ ولم يكن الكذب مشهوراً فيهم، والقصة معروفة محفوظة وقد تابعه عليها داود بن الحصين وهذا يدل على أنَّه حفظها» اهـ. وقد حسَّن الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ الحديث من هذين الطريقين، فقال في [صَحِيْحِ أَبِي دَاوُدَ] (١٩٠٦): «أخرجه أحمد، وصححه هو، والحاكم والذهبي وابن القيم، وقال ابن تيمية: "إسناده جيد"، وقواه الحافظ، وهو عندي حسن لغيره» اهـ.

стр. 5855

وَقَالَ ﵀ فِي [الْإِرْوَاءِ] (٢٠٦٣): «فلا أقل من أن يكون الحديث حسناً بمجموع الطريقين عن عكرمة» اهـ. قال أبو داود بعد روايته للحديث: «وحديث نافع بن عجير، وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده، أنَّ ركانة، طلق امرأته البتة، فردها إليه النبي ﷺ أصح، لأنَّ ولد الرجل، وأهله أعلم به، إنَّ ركانة إنَّما طلق امرأته البتة، فجعلها النبي ﷺ واحدة». قُلْتُ: وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ بعد ذكره للطريق الأولى كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٨٥): «ولم يذكر أبو داود هذا الطريق الجيد؛ فلذلك ظنَّ أنَّ تطليقة واحدة بائناً أصح؛ وليس الأمر كما قاله بل الإمام أحمد رجح هذه الرواية على تلك؛ وهو كما قال أحمد» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي أنَّ الحديث لا يصح، وذلك أنَّ المراد ببعض بني أبي رافع هو محمد بن عبيد الله بن أبي رافع كما جاء ذلك في [مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ] (٣٨١٧) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ بِمَكَّةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ الصَّنْعَانِيُّ، ثنا يَزِيدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي

стр. 5856

رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. فذكره، ومحمد هذا شديد الضعف فلا يقوي ما قبله. والله أعلم. ٢ - واحتج به على مشروعية إيقاع الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد. قُلْتُ: ولا حجة في ذلك فإنَّ رفاعة فرق طلاق امرأته كما سبق بيان ذلك. وسائر ما ذكرناه من الآيات في عدم إيقاع الثلاث الطلقات دفعة واحدة تدل على تحريم ذلك. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٧٦ - ٨١): «وأمَّا جمع "الطلقات الثلاث" ففيه قولان: "أحدهما" محرم أيضاً عند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه واختاره أكثر أصحابه. وقال أحمد: تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الطلاق الرجعي - يعني طلاق المدخول بها - غير قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وعلى هذا القول: فهل له أن يطلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بأن يفرق الطلاق على ثلاثة أطهار فيطلقها في كل طهر طلقة؟ فيه "قولان" هما روايتان عن أحمد "إحداهما" له ذلك وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبي حنيفة.

стр. 5857

"والثانية" ليس له ذلك وهو قول أكثر السلف وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد التي اختارها أكثر أصحابه كأبي بكر عبد العزيز والقاضي أبي يعلى وأصحابه. "والقول الثاني" أنَّ جمع الثلاث ليس بمحرم؛ بل هو ترك الأفضل وهو مذهب الشافعي والرواية الأخرى عن أحمد: اختارها الخرقي. واحتجوا بأنَّ فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثاً، وبأنَّ امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثاً، وبأن الملاعن طلق امرأته ثلاثاً ولم ينكر النبي ﷺ ذلك. وأجاب الأكثرون بأنَّ حديث فاطمة وامرأة رفاعة إنَّما طلقها ثلاثاً متفرقات هكذا ثبت في الصحيح أنَّ الثالثة آخر ثلاث تطليقات؛ لم يطلق ثلاثاً لا هذا ولا هذا مجتمعات. وقول الصحابي: طلق ثلاثاً. يتناول ما إذا طلقها ثلاثاً متفرقات. بأن يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها. وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة. وهو المشهور على عهد رسول الله ﷺ في معنى الطلاق ثلاثاً.

стр. 5858

وأمَّا جمع الثلاث بكلمة فهذا كان منكراً عندهم إنَّما يقع قليلاً؛ فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا؛ بل هذا قول بلا دليل؛ بل هو بخلاف الدليل. وأمَّا الملاعن فإنَّ طلاقه وقع بعد البينونة؛ أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة فكان مؤكداً لموجب اللعان. والنزاع إنَّما هو في طلاق من يمكنه إمساكها؛ لا سيما والنبي ﷺ قد فرق بينهما فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح. والمعروف أنَّه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثاً فدل ذلك على أنَّ الثلاث لم يقع بها إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره وامتنع حينئذ أن يفرق النبي ﷺ بينهما؛ لأنَّهما صارا أجنبيين ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريماً مؤبداً. فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما؛ فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح وأنَّ الثلاث لم تقع جميعاً؛ بخلاف ما إذا قيل إنه يقع بها واحدة رجعية فإنَّه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما. وقول سهل بن سعد: طلقها ثلاثاً. فأنفذه عليه رسول الله ﷺ دليل على أنَّه احتاج إلى إنفاذ النبي ﷺ واختصاص الملاعن

стр. 5859

بذلك ولو كان من شرعه أنَّها تحرم بالثلاث لم يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ. فدل على أنَّه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه أنفذ النبي ﷺ مقصوده؛ بل زاده؛ فإنَّ تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق؛ إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجاً غيره وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة. واستدل الأكثرون بأن القرآن العظيم يدل على أنَّ الله لم يبح إلَّا الطلاق الرجعي وإلَّا الطلاق للعدة كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وهذا إنَّما يكون في الرجعي. وَقَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يدل على أنَّه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنَّه إنَّما أباح الطلاق للعدة. أي لاستقبال العدة فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين. فإن كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وابن حزم فقد بينا فساده في موضع آخر؛ فإن هذا قول ضعيف؛ لأنَّهم كانوا في أول الإسلام إذا أراد الرجل

стр. 5860

إضرار امرأته طلقها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ليطيل حبسها فلو كان إذا لم يراجعها تستأنف العدة لم يكن حاجة إلى أن يراجعها والله تعالى قصرهم على الطلاق الثلاث دفعاً لهذا الضرر كما جاءت بذلك الآثار ودل على أنه كان مستقراً عند الله أنَّ العدة لا تستأنف بدون رجعة سواء كان ذلك لأن الطلاق لا يقع قبل الرجعة؟ أو يقع ولا يستأنف له العدة؟ وابن حزم إنَّما أوجب استئناف العدة بأن يكون الطلاق لاستقبال العدة فلا يكون طلاق إلَّا يتعقبه عدة؛ إذا كان بعد الدخول كما دل عليه القرآن فلزمه على ذلك هذا القول الفاسد. وأمَّا من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنَّه يقول: إنَّ الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة وما كان صاحبه مخيراً فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزاً فلم يكن ذلك طلاقاً للعدة؛ ولأنَّه قال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي العدة فيسرحها بإحسان فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان. وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ

стр. 5861

بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فهذا يقتضي أنَّ هذا حال كل مطلقة فلم يشرع إلَّا هذا الطلاق، ثم قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أي هذا الطلاق المذكور مرتان. وإذا قيل: سبح مرتين. أو ثلاث مرات: لم يجزه أن يقول سبحان الله مرتين؛ بل لا بد أن ينطق بالتسبيح مرة بعد مرة فكذلك لا يقال: طلق مرتين إلَّا إذا طلق مرة بعد مرة فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً. أو مرتين: لم يجز أن يقال: طلق ثلاث مرات ولا مرتين؛ وإن جاز أن يقال طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين؛ ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فهذه الطلقة الثالثة لم يشرعها الله إلَّا بعد الطلاق الرجعي مرتين. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآية. وهذا إنَّما يكون فيما دون الثلاث وهو يعم كل طلاق فعلم أنَّ جمع الثلاث ليس بمشروع. ودلائل تحريم الثلاث كثيرة قوية: من الكتاب والسنة؛ والآثار والاعتبار كما هو مبسوط في موضعه. وسبب ذلك أنَّ الأصل في الطلاق الحظر وإنَّما أبيح منه قدر الحاجة كما ثبت في الصحيح عن جابر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أنَّ إبليس ينصب عرشه على البحر ويبعث سراياه: فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا؛ حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى

стр. 5862

فرقت بينه وبين امرأته؛ فيدنيه منه؛ ويقول: أنت، أنت ويلتزمه" وقد قال تعالى في ذم السحر: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وفي السنن عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إنَّ المختلعات والمنتزعات هن المنافقات"، وفي السنن أيضاً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة"، ولهذا لم يبح إلَّا ثلاث مرات وحرمت عليه المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجاً غيره وإذا كان إنَّما أبيح للحاجة فالحاجة تندفع بواحدة فما زاد فهو باق على الحظر» اهـ. قُلْتُ: واختار العلامة ابن باز ﵀ أنَّ من جمع الثلاث بلفظ واحد فهي واحدة وإن فرَّق فهي ثلاث. وهذا أحد أقوال المنسوبة لابن عباس، فروى عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١١٠٧٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَجْمَعْ كُنَّ ثَلَاثًا» قَالَ: فَأَخْبَرْتُ ذَلِكَ طَاوُسًا قَالَ: فَأَشْهَدَ مَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَاهُنَّ إِلَّا وَاحِدَةً.

стр. 5863

قُلْتُ: لا يذكرون للزهري سماعاً من ابن عباس، وهو يروي عن ابن عباس بواسطة، وأمَّا أثر طاووس فَصَحِيْحٌ. وهو يدل على أنَّ من مذاهب ابن عباس أنَّ الطلاق الثلاث وإن فرق فهو واحدة. ٣ - واحتج به من قال: إنَّ العنين لا يضرب له أجل يختبر فيه. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣٠٨ - ٣٠٩): «باب أجل العنين والخصي غير المجبوب. العنين: هو العاجز عن الإيلاج. وهو مأخوذ من عَنَّ. أي: اعترض؛ لأنَّ ذكره يعن إذا أراد إيلاجه، أي يعترض، والعنن الاعتراض. وقيل: لأنَّه يعن لقبل المرأة عن يمينه وشماله، فلا يقصده. فإذا كان الرجل كذلك فهو عيب به، ويستحق به فسخ النكاح، بعد أن تضرب له مدة يختبر فيها، ويعلم حاله بها. وهذا قول عمر، وعثمان، وابن مسعود، والمغيرة بن شعبة، ﵃ وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وعمرو بن دينار، والنخعي، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان.

стр. 5864

وعليه فتوى فقهاء الأمصار، منهم؛ مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد وشذ الحكم بن عيينة، وداود، فقالا: لا يؤجل، وهي امرأته وروي ذلك عن علي ﵁؛ لأنَّ امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنَّ رفاعة طلقني، فبت طلاقي، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير، وإنَّما له مثل هدبة الثوب، فقال: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك". ولم يضرب له مدة. ولنا، ما روي أنَّ عمر ﵁ أجل العنين سنة. وروى ذلك الدارقطني، بإسناده عن عمر وابن مسعود، والمغيرة بن شعبة ولا مخالف لهم. ورواه أبو حفص عن علي ولأنَّه عيب يمنع الوطء، فأثبت الخيار، كالجب في الرجل، والرتق في المرأة، فأمَّا الخبر، فلا حجة لهم فيه؛ فإن المدة إنَّما تضرب له مع اعترافه، وطلب المرأة ذلك، ولم يوجد واحد منهما وقد روي أنَّ الرجل أنكر ذلك، وقال: إنِّي لأعركها عرك الأديم. وقال ابن عبد البر: وقد صح أنَّ ذلك كان بعد طلاقه، فلا معنى لضرب المدة.

стр. 5865

وصحح ذلك قول النبي ﷺ : "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة". ولو كان قبل طلاقه لما كان ذلك إليها. وقيل: إنَّها ذكرت ضعفه، وشبهته بهدبة الثوب مبالغة، ولذلك قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حتى تذوقي عسيلته" والعاجز عن الوطء لا يحصل منه ذلك» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٥/ ٣١٠ - ٣١١): «ويؤجل سنة في قول عامة أهل العلم. وعن الحارث بن ربيعة، أنَّه أجل عشرة أشهر. ولنا قول من سمينا من الصحابة، ولأنَّ هذا العجز قد يكون لعنة، وقد يكون لمرض، فضربت له سنة لتمر به الفصول الأربعة، فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة، وإن كان من رطوبة زال في فصل الحرارة، وإن كان من انحراف مزاج زال في فصل الاعتدال. فإذا مضت الفصول الأربعة، واختلفت عليه الأهوية فلم تزل، علم أنَّه خلقة. وحكي عن أبي عبيد، أنَّه قال: أهل الطب يقولون: الداء لا يستجن في البدن أكثر من سنة، ثم يظهر. وابتداء السنة منذ ترافعه.

стр. 5866

قال ابن عبد البر: على هذا جماعة القائلين بتأجيله. قال معمر في حديث عمر: يؤجل سنة: من يوم مرافعته، فإذا انقضت المدة فلم يطأ، فلها الخيار، فإن اختارت الفسخ، لم يجز إلَّا بحكم حاكم؛ لأنَّه مختلف فيه، فإما أن يفسخ، وإما أن يرده إليها فتفسخ هي. في قول عامة القائلين به ولا يفسخ حتى تختار الفسخ وتطلبه؛ لأنَّه لحقها، فلا تجبر على استيفائه، كالفسخ للإعسار، فإذا فسخ فهو فسخ وليس بطلاق. وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة، ومالك والثوري يفرق الحاكم بينهما، وتكون تطليقة؛ لأنَّه فرقة لعدم الوطء، فكانت طلاقاً، كفرقة المولي. ولنا، أنَّ هذا خيار ثبت لأجل العيب، فكان فسخاً، كفسخ المشتري لأجل العيب» اهـ. وروى عبد الرزاق [مُصَنَّفِهِ] (١٠٧٢٣)، وابن أبي شيبة [مُصَنَّفِهِ] (١٦٤٩٠) مِنِ طَرِيْقِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الرُّكَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، وَحُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «يُؤَجَّلُ الْعِنِّينَ سَنَةً، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ.

стр. 5867

وروى عبد الرزاق [مُصَنَّفِهِ] (١٠٧٢٠) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ النِّسَاءَ أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً». وروى عبد الرزاق [مُصَنَّفِهِ] (١٠٧٢١) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ: «جَعَلَ لِلْعِنِّينَ أَجَلَ سَنَةٍ، وَأَعْطَاهَا صَدَاقَهَا وَافِيًا». وروى ابن أبي شيبة [مُصَنَّفِهِ] (١٦٥٠٢) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ: «أَنَّهُ أَجَّلَ الْعِنِّينَ سَنَةً». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، والأظهر قبل رواية سعيد عن عمر وإن كانت مرسلة. وللأثر طرق متعددة. ٤ - وفيه أنَّ المطلقة ثلاثاً لا تحل للزوج الأول إلَّا بعد وطء الزوج الآخر. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٥٠): «وجمهور أهل العلم على أنَّها لا تحل للأول حتى يطأها الزوج الثاني وطئاً يوجد فيه التقاء الختانين إلَّا أنَّ سعيد بن المسيب من بينهم قال: إذا تزوجها تزويجاً صحيحاً لا يريد به إحلالاً فلا بأس أن يتزوجها الأول. قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً من أهل العلم قال بقول سعيد بن المسيب هذا إلَّا الخوارج أخذوا بظاهر قوله سبحانه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾» اهـ.

стр. 5868

٥ - وعمومه يشمل جميع صور الوطء من الزوج ما حلَّ منه وما حرم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٥٤): «فصل: واشترط أصحابنا أن يكون الوطء حلالاً، فإن وطئها في حيض، أو نفاس، أو إحرام من أحدهما، أو منهما، أو وأحدهما صائم فرضاً، لم تحل. وهذا قول مالك؛ لأنَّه وطء حرام لحق الله تعالى فلم يحصل به الإحلال، كوطء المرتدة. وظاهر النص حلها وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وهذه قد نكحت زوجاً غيره، وأيضاً قَوْلُهُ: "حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك". وهذا قد وجد، ولأنَّه وطء في نكاح صحيح في محل الوطء على سبيل التمام، فأحلها، كالوطء الحلال، وكما لو وطئها وقد ضاق وقت الصلاة، أو وطئها مريضة يضرها الوطء. وهذا أصح إن شاء الله تعالى. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي. وأمَّا وطء المرتدة، فلا يحلها، سواء وطئها في حال ردتهما، أو ردتها، أو وطئ المرتد المسلمة؛ لأنَّه إن لم يعد المرتد منهما إلى الإسلام، تبين أنَّ الوطء في غير

стр. 5869

نكاح، وإن عاد إلى الإسلام في العدة، فقد كان الوطء في نكاح غير تام؛ لأنَّ سبب البينونة حاصل فيه. وهكذا لو أسلم أحد الزوجين، فوطئها الزوج قبل إسلام الآخر، لم يحلها لذلك» اهـ. ٦ - وعموم العلة في الحديث تشمل وطء الحر، والعبد، والذمي، والمجنون، والمراهق. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٧/ ٥٥ - ٥٦): «فصل: فإن تزوجها مملوك، ووطئها، أحلها. وبذلك قال عطاء، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم لهم مخالفاً، ولأنَّه دخل في عموم النص، ووطؤه كوطء الحر. وإن تزوجها مراهق، فوطئها، أحلها في قولهم، إلَّا مالكاً وأبا عبيد، فإنَّهما قالا: لا يحلها. ويروى ذلك عن الحسن؛ لأنَّه وطء من غير بالغ، فأشبه وطء الصغير. ولنا، ظاهر النص، وأنَّه وطء من زوج في نكاح صحيح، فأشبه البالغ، ويخالف الصغير؛ فإنَّه لا يمكن الوطء منه، ولا تذاق عسيلته.

стр. 5870

قال القاضي: ويشترط أن يكون له اثنتا عشرة سنة؛ لأنَّ من دون ذلك لا يمكنه المجامعة. ولا معنى لهذا؛ فإنَّ الخلاف في المجامع، ومتى أمكنه الجماع، فقد وجد منه المقصود فلا معنى لاعتبار سن ما ورد الشرع باعتبارها، وتقديره بمجرد الرأي والتحكم. وإن كانت ذمية، فوطئها زوجها الذمي، أحلها لمطلقها المسلم. نص عليه أحمد. وقال: هو زوج، وبه تجب الملاعنة والقسم. وبه قال الحسن، والزهري، والثوري، والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي وابن المنذر. وقال ربيعة، ومالك: لا يحلها. ولنا، ظاهر الآية، ولأنَّه وطء من زوج في نكاح صحيح تام، أشبه وطء المسلم. وإن كانا مجنونين، أو أحدهما، فوطئها، أحلها. وقال أبو عبد الله بن حامد: لا يحلها؛ لأنَّه لا يذوق العسيلة. ولنا، ظاهر الآية، ولأنَّه وطء مباح في نكاح صحيح، أشبه العاقل.

стр. 5871

وَقَوْلُهُ: لا يذوق العسيلة. لا يصح، فإنَّ الجنون إنَّما هو تغطية العقل، وليس العقل شرطاً في الشهوة وحصول اللذة، بدليل البهائم، لكن إن كان المجنون ذاهب الحس، كالمصروع، والمغمى عليه، لم يحصل الحل بوطئه، ولا بوطء مجنونة في هذه الحال؛ لأنَّه لا يذوق العسيلة ولا تحصل له لذة. ولعل ابن حامد إنَّما أراد المجنون الذي هذه حاله، فلا يكون هاهنا اختلاف ولو وطئ مغمى عليها، أو نائمة لا تحس بوطئه، فينبغي أن لا تحل بهذا؛ لما ذكرناه. وحكاه ابن المنذر. ويحتمل حصول الحل في ذلك كله، أخذاً من عموم النص. والله أعلم» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٢٧٢): «واعتبر المالكية بلوغ الزوج. ولم يعتبره الحنفية والشافعية والحنابلة فاكتفى الشافعية بتأتي الجماع منه، واعتبر الحنفية والحنابلة أن يكون مراهقاً، ولعل التعبيرين مستويان في المعنى» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّ وطء النائمة لا يحصل به الإحلال لأنَّها لم تذق بذلك عُسيلته. والله أعلم.

стр. 5872

٧ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٧/ ٤٨١): «وفى هذا الحديث دليل على أنَّ للمرأة المطالبة بحقها من الجماع وأنَّ لها أن تدعو إلى فسخ النكاح» اهـ. ٨ - قَوْلُهُ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». التصغير يقتضي الاكتفاء بالقدر القليل من الوَطء الذي يحصل به الحل، وذلك يكون بوطأة واحدة تغيب الحشفة بها في الفرج. ٩ - احتج به على جواز شهادة المختبئ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٢٧٣): «استدل البخاري في "صحيحه" على جواز شهادة المختبئ، ووجهه أنَّ خالد بن سعيد بن العاص رتب على سماع كلام هذه المرأة، وهي وراء حجاب قَوْلَهُ: يا أبا بكر ألا تزجر هذه عمَّا تجهر به عند رسول الله ﷺ ، قال: وأجازه عمرو بن حريث قال: وكذلك يفعل بالكاذب الفاجر، وقال الشعبي وابن سيرين وعطاء وقتادة: السمع شهادة، وكان الحسن يقول: لم تشهدوني على شيء، وإنِّي سمعت كذا وكذا، ومذهب الأئمة الأربعة جواز شهادة المختفي لكن لا بد من

стр. 5873

مشاهدة المشهود عليه حال تحمل الشهادة، ومنع بعض المالكية شهادة المختفي إذا كان المشهود عليه مخدوعاً أو خائفاً» اهـ. قُلْتُ: والذي يظهر لي هو جواز شهادة المختفي وإن لم ير المشهود عليه، وهذه المسألة شبيهة بشهادة الأعمى والصحيح جوازها كما هو مذهب مالك وأحمد، وقد مضت هذه المسألة في شرح حديث عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». ١٠ - ويؤخذ من الحديث أنَّه لا بد من تغييب الحشفة في الفرج مع الانتشار، فإنَّ ذوق العسيلة لا يكون إلَّا بذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْكَافِي] (٣/ ١٤٧): «وأدناه تغييب الحشفة مع الانتشار لما روت عائشة ﵂ أنَّ رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير فجاءت رسول الله ﷺ فقالت: إنَّها كانت عند رفاعة فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير فقالت: والله ما معه إلاَّ مثل هذه الهدبة فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال: "لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" متفق عليه فإن وطئها في الدبر أو دون الفرج أو غيب

стр. 5874

الحشفة من غير انتشار لم تحل لأنَّ النبي ﷺ علق الحكم بذواق العسيلة ولا يحصل بذلك» اهـ. ١١ - وفيه ما يدل على عدم اشتراط الإنزال وذلك لأنَّ ذوق العسيلة يحصل بدون إنزال. وإلى هذا ذهب عامة العلماء ونازع في ذلك الحسن البصري فاشترط الإنزال. قُلْتُ: وأمَّا ما رواه أحمد (٢٤٣٧٦)، وأبو يعلى (٤٨٨١)، والدارقطني (٣٦١٩)، وابن منده في [الْفَوَائِدِ] (٢)، وأبو نعيم في [الْحِلْيَّةِ] (٩/ ٢٢٦) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَكِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْعُسَيْلَةُ هِيَ الْجِمَاعُ». فَهُوَ حَدِيْثُ ضَعِيْفٌ لضعف أبي عبد الملك، وهو إسماعيل بن عبد الملك. ١٢ - وفي الحديث الضحك مما يضحك منه. ١٣ - وفيه أنَّ ضحك النبي ﷺ كان تبسماً. * * *

стр. 5875

الْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ. ٣٠٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ: أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً ثُمَّ قَسَمَ. وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ: أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً ثُمَّ قَسَمَ». قَالَ أَبُو قِلابَةَ: وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إنَّ أَنَساً رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ . قَوْلُهُ: «الثَّيِّب» وهي المرأة التي وطأها زوجها، وسميت بذلك من الثوب وهو الرجوع. قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْفَيُّومِيُّ الْمُقْرِي ﵀ فِي [الْمِصْبَاحِ الْمُنِيْرِ] (٢/ ٤٥): «لأنَّها ترجع إلى أهلها بوجه غير الأول» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسِ ﵀ فِي [مَقَايِيْسِ اللُّغَةِ] (١/ ٣٩٥) «وَالثَّوْبُ الْمَلْبُوسُ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ; لِأَنَّهُ يُلْبَسُ ثُمَّ يُلْبَسُ وَيُثَابُ إِلَيْهِ» اهـ. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - أنَّ السنة المبيت عند البكر سبعاً عند الزواج بها، والثيب ثلاثاً. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٩/ ٣١٥):

стр. 5876

«وفيه حجة على الكوفيين في قولهم: إنَّ البكر والثيب سواء في الثلاث، وعلى الأوزاعي في قوله للبكر ثلاث وللثيب يومان» اهـ. قُلْتُ: وإذا طلبت الثيب من زوجها أن يسبع لها سبع لها، وسبع لسائر نسائه، وسقط حقها من التثليث، لما رواه مسلم (١٤٦٠) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ، سَبَّعْتُ لِنِسَائِي». وفي لفظ له: «لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ، ثُمَّ دُرْتُ»، قَالَتْ: ثَلِّثْ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٩٠): «فمعناه لا يلحقك هوان ولا يضيع من حقك شيء بل تأخذينه كاملاً، ثم بيَّن ﷺ حقها وأنَّها مخيرة بين ثلاث بلا قضاء وبين سبع ويقضي لباقي نسائه؛ لأنَّ في الثلاثة مزية بعدم القضاء، وفي السبع مزية لها بتواليها وكمال الأنس فيها، فاختارت الثلاث لكونها لا تقضى وليقرب عوده إليها فإنَّه يطوف عليهن ليلة، ليلة ثم يأتيها، ولو أخذت سبعاً طاف بعد ذلك عليهن سبعاً، سبعاً

стр. 5877

فطالت غيبته عنها. قال القاضي: المراد بأهلك هنا نفسه ﷺ أي لا أفعل فعلاً به هوانك علي» اهـ. قُلْتُ: واختلفوا هل هذا المبيت على الوجوب أو الاستحباب، والذي يظهر لي أنَّه على الوجوب لما رواه مسلم (١٤٦٠) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ، وَحَاسَبْتُكِ بِهِ، لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ». فقَوْلُهُ: «لِلْبِكْرِ»، و «وَلِلثَّيِّبِ» يدل على أنَّ هذا من حقوقها الواجبة. والله أعلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٩٠): «واختلفوا في أنَّ هذا المقام عند البكر والثيب إذا كان له زوجة أخرى واجب أم مستحب فمذهب الشافعي وأصحابه وموافقيهم أنَّه واجب وهي رواية ابن القاسم عن مالك وروي عنه ابن عبد الحكم أنَّه على الاستحباب» اهـ. قُلْتُ: ومذهب الحنابلة الاستحباب.

стр. 5878

ومن كانت عنده زوجتان أو ثلاث ثم زفت إليه جديدة فإنَّه يقطع الدور ثم يؤدي حق الزفاف للجديدة ويستأنف القسم بالقرعة بعد أن يوفي من بقى له حق من نسائه القديمات، وهكذا يوفي للجديدة ما لها من حق المبيت. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الرَّوْضَةِ] (٧/ ٣٥٧): «إِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ نِسْوَةٌ فَزُفَّتْ إِلَيْهِ الْجَدِيدَةُ بَعْدَمَا سَوَّى بَيْنَهُنَّ، فَيُوَفِّيهَا حَقَّهَا، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقَسْمُ بَيْنَ الْجَمِيعِ. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ زَوْجَتَانِ فَزُفَّتِ الْجَدِيدَةُ بَعْدَمَا قَسَمَ لِإِحْدَاهُمَا لَيْلَةً، وَفَّى حَقَّ الزِّفَافِ، ثُمَّ يَقْسِمُ لِلْقَدِيمَةِ الْأُخْرَى لَيْلَةً، وَيَبِيتُ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ نِصْفَ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ ثُلُثَ الْقَسْمِ، ثُمَّ يَخْرُجُ بَقِيَّةَ اللَّيْلَةِ إِلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقَسْمَ بَيْنَ الثَّلَاثِ بِالسَّوِيَّةِ» اهـ. وَقَالَ الشِّهَابُ الْعَبَّادِيُّ ﵀ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى الْغُرَرِ البَّهِيَّةِ] (٤/ ٢١٩) «قَوْلُهُ: "ثُمَّ يَقْسِمُ لِلْقَدِيمَةِ الْأُخْرَى لَيْلَةً إلَخْ" وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِعُرُوضِ الْجَدِيدَةِ صَارَ الْقَسْمُ أَثْلَاثًا، وَصَارَتْ اللَّيْلَةُ الْأُولَى مُسْتَحَقَّةً بَيْنَ الْقَدِيمَتَيْنِ نِصْفُهَا حَقٌّ لِلْأُولَى وَنِصْفُهَا حَقٌّ لِلثَّانِيَةِ، فَكَانَتْ نَوْبَةُ الْأُولَى الَّتِي هِيَ حَقُّهَا نِصْفَ لَيْلَةٍ، فَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنْ الْجَدِيدَةِ، وَالْأُخْرَى نِصْفُ لَيْلَةٍ فَيَبِيتُ عِنْدَ الْقَدِيمَةِ الْأُخْرَى لَيْلَةً نِصْفُهَا بِمُقْتَضَى حَقِّ الْقَسْمِ وَنِصْفُهَا عَنْ قَضَاءِ النِّصْفِ الَّذِي أَخَذَتْهُ ضَرَّتُهَا الْأُولَى مِنْ

стр. 5879

حَقِّهَا، ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ نِصْفَ لَيْلَةٍ بِمُقْتَضَى حَقِّ الْقَسْمِ الَّذِي هُوَ أَثْلَاثٌ، كَمَا تَقَرَّرَ هَذَا مَا ظَهَرَ فِي إيضَاحِ الْحُكْمِ وَتَوْجِيهُهُ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الصَّفْحَةِ الْآتِيَةِ مَا يَسُوغُ لِلْبَاحِثِ أَنْ يَقُولَ يَنْبَغِي بَعْدَ وَفَاءِ حَقِّ الزِّفَافِ أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَ الْجَدِيدَةِ، وَالْقَدِيمَةِ الْأُخْرَى فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِلْقَدِيمَةِ فَعَلَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، أَوْ لِلْجَدِيدَةِ بَاتَ عِنْدَهَا نِصْفَ لَيْلَةٍ ثُمَّ يَخْرُجُ لِنَحْوِ مَسْجِدٍ ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الْقَدِيمَةِ لَيْلَةً ثُمَّ يَقْسِمُ بِقُرْعَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِذَا نَظَرَتْ لِقَوْلِ الشَّارِحِ، ثُمَّ يَقْسِمُ دُونَ " يَبِيت "، عَلِمْت أَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى مَا قُلْنَاهُ، كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا» اهـ. وخالف في ذلك الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٧/ ٣١٧) فقال: «فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ، فَبَاتَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا لَيْلَةً، ثُمَّ تَزَوَّجَ ثَالِثَةً قَبْلَ لَيْلَةِ الثَّانِيَةِ، قَدَّمَ الْمَزْفُوفَةَ بِلَيَالِيِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا آكَدُ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْعَقْدِ، وَحَقُّ الثَّانِيَةِ ثَبَتَ بِفِعْلِهِ، فَإِذَا قَضَى حَقَّ الْجَدِيدَةِ، بَدَأَ بِالثَّانِيَةِ، فَوَفَّاهَا لَيْلَتَهَا، ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا وَفَّى الثَّانِيَةَ لَيْلَتَهَا، بَاتَ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ نِصْفَ لَيْلَةٍ ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي يُوَفِّيهَا لِلثَّانِيَةِ نِصْفُهَا مِنْ حَقِّهَا وَنِصْفُهَا مِنْ حَقِّ الْأُخْرَى، فَيَثْبُتُ لِلْجَدِيدَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ نِصْفُ لَيْلَةٍ بِإِزَاءِ مَا حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ

стр. 5880

ضَرَّتَيْهَا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ فِي نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَفِيهِ حَرَجٌ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ مَكَانًا يَنْفَرِدُ فِيهِ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ فِي نِصْفِ اللَّيْلَةِ، أَوْ الْمَجِيءِ مِنْهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْبِدَايَةِ بِهَا بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَفَاءٌ بِحَقِّهَا بِدُونِ هَذَا الْحَرَجِ، فَيَكُونُ أَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٨/ ٣٧٣): «قَالَ فِي الْفُرُوعِ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ قَوْلَ الْقَاضِي وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ لَا يَبِيتُ نِصْفَهَا. بَلْ لَيْلَةً كَامِلَةً؛ لِأَنَّهُ حَرَجٌ» اهـ. قُلْتُ: هذا الذي يظهر لي صحته. ٢ - قَوْلُهُ: «إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ»، وَقَوْلُهُ: «ثُمَّ قَسَمَ». احتج به من قال: إنَّ مبيت السبع عند البكر والثلاث عند الثيب هذا إذا ما كانت عنده زوجة أخرى، وأمَّا من لم تكن عنده زوجة أخرى فلا يلزمه ذلك. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه لا فرق بين من عنده زوجة أُخرى ومن ليس عنده، وذلك أنَّ هذا المبيت من أجل الإيناس وغيره، وحاجة البكر إلى ذلك أشد من الثيب؛ لأنَّها لم تجرب الأزواج من قبل، وهذا المعنى الذي من أجله شُرع المبيت موجود فيما إذا كانت عنده زوجة أخرى أو لا. والله أعلم.

стр. 5881

وقد جاء في بعض الألفاظ عند البخاري (٥٢١٣): «السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا». وفي لفظ عند مسلم (١٤٦١) عن أنس قال: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الْبِكْرِ سَبْعًا». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ١٩٠): «قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أنَّ ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف سواء كان عنده زوجة أم لا لعموم الحديث "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعاً وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً"، لم يخص من لم يكن له زوجة. وقالت طائفة: الحديث فيمن له زوجة أو زوجات غير هذه لأنَّ من لا زوجة له فهو مقيم مع هذه كل دهره مؤنس لها متمتع بها مستمتعة به بلا قاطع بخلاف من له زوجات فإنَّه جعلت هذه الأيام للجديدة تأنيساً لها متصلاً لتستقر عشرتها له وتذهب حشمتها ووحشتها منه، ويقضي كل واحد منهما لذته من صاحبه ولا ينقطع بالدوران على غيرها. ورجح القاضي عياض هذا القول وبه جزم البغوي من أصحابنا في "فتاويه" فقال: إنَّما يثبت هذا الحق للجديدة إذا كان عنده أخرى يبيت عندها فإن لم تكن أخرى أو كان لا يبيت عندها لم يثبت للجديدة حق

стр. 5882

الزفاف، كما لا يلزمه أن يبيت عند زوجاته ابتداء، والأول أقوى وهو المختار لعموم الحديث» اهـ. ٣ - واحتج به من كره للرجل أن يُزَفَ إليه امرأتان معاً، أو أن يُزف إليه أخرى قبل انقضاء حق الأولى من المبيت. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٨٨): «فصل: يكره أن يزف إليه امرأتان في ليلة واحدة، أو في مدة حق عقد إحداهما؛ لأنَّه لا يمكنه أن يوفيهما حقهما، وتستضر التي لا يوفيها حقها وتستوحش. فإن فعل، فأدخلت إحداهما قبل الأخرى، بدأ بها، فوفاها حقها، ثم عاد فوفى الثانية، ثم ابتدأ القسم. وإن زفت الثانية في أثناء مدة حق العقد، أتمه للأولى، ثم قضى حق الثانية. وإن أدخلتا عليه جميعاً في مكان واحد، أقرع بينهما، وقدم من خرجت لها القرعة منهما، ثم وفي الأخرى بعدها» اهـ. ٤ - وَقَوْلُهُ: «أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ». و «أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ». يدل على أنَّ السبع والثلاث خارجات عن القسمة.

стр. 5883

٥ - هل هذا الحق للبكر والثيب يسقط بالطلاق أو الخلع، إذا عاد إليها مرة أخرى، أم لا يسقط بل الواجب عليه أن يقضيها ما بقي من لياليها، وهل يجوز فراقها قبل إيفائها حقها. قُلْتُ: الذي يظهر لي سقوطه فإنَّه من حقوق النكاح فلا يبقى بعد فواته، فإذا تزوجها مرة أخرى فيتجدد لها حق جديد. والله أعلم. وهكذا حق القسمة بعد أداء حق النكاح للبكر والثيب فإنَّ في قضائه نزاعاً. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١٦/ ٧٤): «فصل: فإن قسم لإحداهما، ثم طلق الأخرى قبل قسمها، أثم؛ لأنَّه فوت حقها الواجب لها، فإن عادت إليه، برجعة أو نكاح؛ قضى لها؛ لأنَّه قدر على إيفاء حقها، فلزمه، كالمعسر إذا أيسر بالدين» اهـ. وقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٧/ ٣٥٦): «أمَّا لو أبانها قبل توفية حقها ثم نكحها فيلزمه التوفية بلا خلاف. ولو أقام عند البكر ثلاثاً وافتضها ثم أبانها ثم نكحها فإن قلنا يتجدد حق الزفاف بات عندها ثلاث ليال لأنَّه حق زفاف الثيب. وإن قلنا لا يتجدد بات أربعاً تتميماً للزفاف الأول» اهـ.

стр. 5884

وقَالَ ﵀ فِي [رَوْضَةِ الطَّالِبِيْنَ] (٧/ ٣٦١): «قال المتولي: لو قسم لواحدة فلما جاءت نوبة الأخرى طلقها قبل توفية حقها عصى لأنَّه منعها حقهاً بعد ثبوته، وهذا سبب آخر لكون الطلاق بدعياً. قُلْتُ: هذا النقل غير مختص بالمتولي بل هو مشهور حتى في "التنبيه" والله أعلم. ثم إذا عادت المظلومة إليه بنكاح أو رجعة والتي ظلم بسببها في نكاحه لزمه القضاء لتمكنه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٨/ ٤٠٦): «وإن طلق واحدة وقت قسمها أثم، ويقضيه متى نكحها» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٦٣): «قال أصحابنا: ويأثم إن طلق إحدى زوجتيه وقت قسمها وتعليلهم يقتضي أنَّه إذا طلقها قبل مجيء نوبتها كان له ذلك ويتوجه أنَّ له الطلاق مطلقاً لأنَّ القسم إنَّما يجب ما دامت زوجة كالنفقة وليس هو شيء مستقر في الذمة قبل مضي وقته حتى يقال هو دين.

стр. 5885

نعم لو لم يقسم لها حتى خرجت الليلة التي لها وجب عليه القضاء فلو طلقها قبله كان عاصياً ولو أراد أن يقضيها عن ليلة من ليالي الشتاء ليلة من ليالي الصيف كان لها الامتناع لأجل تفاوت بين الزمانين» اهـ. قُلْتُ: وهذا قول قوي. ٦ - وعموم الحديث يشمل البكر، أو الثيب التي فارقها ثم رجع إليها بنكاح جديد. والذي يظهر لي أنَّ التسبيع والتثليث كما أنَّه شرع من أجل التأنيس وإزالة الوحشة، فهو أيضاً حق من حقوق النكاح، فتعطاه الزوجة وإن حصل لها الإيناس قبل ذلك بالبيات أو بغيره. والله أعلم. ٧ - وظاهر الحديث تتابع السبع والثلاث، وذلك أنَّه عَقَّبَ القسم على نسائه بعد السبع والثلاث. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ﵀ فِي [الْإِعْلَامِ] (٨/ ٢٥٤): «تجب الموالاة في الثلاث، وفي السبع حتى لو فارقها لا يحسب على الأصح، لأنَّ الحشمة لا تزول به» اهـ.
следующие страницы →