Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.
стр. 7001
له أن يحلف؟ قيل: ليس في شريعتنا ذنب إذا فعله الإنسان لم يكن له مخرج منه بالتوبة إلَّا بضرر عظيم؛ فإنَّ الله لم يحمل علينا إصراً كما حمله على الذين من قبلنا. فهب هذا قد أتى كبيرة من الكبائر في حلفه بالطلاق ثم تاب من تلك الكبيرة فكيف يناسب أصول شريعتنا أن يبقى أثر ذلك الذنب عليه لا يجد منه مخرجاً وهذا بخلاف الذي ينشئ الطلاق لا بالحلف عليه فإنَّه لا يفعل ذلك إلَّا وهو مريد الطلاق: إمَّا لكراهة المرأة أو غضب عليها ونحو ذلك. وقد جعل الله الطلاق ثلاثة فإذا كان إنَّما يتكلم بالطلاق باختياره وله ذلك ثلاث مرات: كان وقوع الضرر بمثل هذا نادراً؛ بخلاف الأول؛ فإنَّ مقصوده لم يكن الطلاق؛ إنَّما كان أن يفعل المحلوف عليه أو لا يفعله ثم قد يأمره الشرع أو تضطره الحاجة إلى فعله أو تركه فيلزمه الطلاق بغير اختيار لا له ولا لسببه.
وأيضاً: فإنَّ الذي بعث الله تعالى به محمداً ﷺ في "باب الأيمان" تخفيفها بالكفارة؛ لا تثقيلها بالإيجاب أو التحريم. فإنَّهم كانوا في الجاهلية يرون الظهار طلاقاً واستمروا على ذلك في أول الإسلام حتى ظاهر أوس بن الصامت من امرأته.
стр. 7002
وأيضاً: فالاعتبار بنذر اللجاج والغضب فإنَّه ليس بينهما من الفرق إلَّا ما ذكرناه وسنبين إن شاء الله عدم تأثيره. والقياس بإلغاء الفارق أصح ما يكون من الاعتبار باتفاق العلماء المعتبرين؛ وذلك أنَّ الرجل إذا قال: إن أكلت أو شربت فعلي أن أعتق عبدي أو فعلي أن أطلق امرأتي أو فعلي الحج أو فأنا محرم بالحج أو فمالي صدقة أو فعلي صدقة فإنَّه تجزئه كفارة يمين عند الجمهور كما قدمناه؛ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة: فكذلك إذا قال إن أكلت هذا أو شربت هذا فعلي الطلاق. أو فالطلاق لي لازم. أو فامرأتي طالق. أو: فعبيدي أحرار؛ فإنَّ قوله علي الطلاق لا أفعل كذا أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا: فهو بمنزلة قوله علي الحج لا أفعل كذا أو الحج لي لازم لا أفعل كذا. وكلاهما يمينان محدثان ليستا مأثورتين عن العرب ولا معروفتين عن الصحابة؛ وإنَّما المتأخرون صاغوا من هذه المعاني أيماناً وربطوا إحدى الجملتين بالأخرى كالأيمان التي كان المسلمون من الصحابة يحلفون بها وكانت العرب تحلف بها؛ لا فرق بين هذا وهذا إلَّا أنَّ قوله: إن فعلت فمالي صدقة. يقتضي وجوب الصدقة عند الفعل. وقوله: فامرأتي طالق. يقتضي وجود الطلاق. فالكلام يقتضي وقوع الطلاق بنفس الشرط وإن لم يحدث بعد هذا طلاقاً ولا يقتضي وقوع الصدقة حتى يحدث صدقة» اهـ.
стр. 7003
قُلْتُ: وقد سبق أن نقلت كلامه على ذلك فيما مضى.
وَقَالَ -بعد ذلك- ﵀: «فصل: موجب "نذر اللجاج والغضب" عندنا أحد شيئين على المشهور إمَّا التكفير وإمَّا فعل المعلق. ولا ريب أنَّ موجب اللفظ في مثل قوله: إن فعلت كذا فعلي صلاة ركعتين أو صدقة ألف أو فعلي الحج أو صوم شهر: هو الوجوب عند الفعل. فهو مخير بين هذا الوجوب وبين وجوب الكفارة. فإذا لم يلتزم الوجوب المعلق ثبت وجوب الكفارة. فاللازم له أحد الوجوبين؛ كل منهما ثابت بتقدير عدم الآخر؛ كما في الواجب المخير.
وكذلك إن قال: إن فعلت كذا فعلي عتق هذا العبد؛ أو تطليق هذه المرأة أو علي أن أتصدق أو أهدي. فإنَّ ذلك يوجب استحقاق العبد للإعتاق؛ والمال للتصدق والبدنة للهدي. ولو أنَّه نجز ذلك فقال: هذا المال صدقة وهذه البدنة هدي وعلي عتق هذا العبد: فهل يخرج عن ملكه بذلك؟ أو يستحق الإخراج؟ فيه خلاف وهو يشبه قوله: هذا وقف. فأمَّا إذا قال: هذا العبد حر، وهذه المرأة طالق. فهو إسقاط؛ بمنزلة قوله: ذمة فلان بريئة من كذا، أو من دم فلان، أو من قذفي، فإنَّ إسقاط حق الدم والمال والعرض من باب إسقاط حق الملك بملك البضع وملك اليمين.
стр. 7004
فإن قال: إن فعلت فعلي الطلاق، أو فعلي العتق، أو فامرأتي طالق، أو فعبيدي أحرار. وقلنا: إنَّ موجبه أحد الأمرين؛ فإنَّه يكون مخيراً بين وقوع ذلك وبين وجوب الكفارة كما لو قال: فهذا المال صدقة أو هذه البدنة هدي، ونظير ذلك ما لو قال: إذا طلعت الشمس فعبيدي أحرار، أو نسائي طوالق. وقلنا التخيير إليه؛ فإنَّه إذا اختار أحدهما كان ذلك بمنزلة اختياره أحد الأمرين من الوقوع أو وجوب الكفارة. ومثال ذلك أيضاً إذا أسلم وتحته أكثر من أربع؛ أو أختان فاختار إحداهما. فهذه المواضع التي تكون الفرقة أحد اللازمين: إمَّا فرقة معين أو نوع الفرقة؛ لا يحتاج إنشاء طلاق؛ لكن لا يتعين الطلاق إلَّا بما يوجب تعيينه كما في النظائر المذكورة. ثم إذا اختار الطلاق فهل يقع من حين الاختيار؟ أو من حين الحنث؟ يخرج على نظير ذلك. فلو قال في جنس مسائل نذر اللجاج والغضب: اخترت التكفير أو اخترت فعل المنذور: هل يتعين بالقول؟ أو لا يتعين إلَّا بالفعل؟ إن كان التخيير بين الوجوبين تعين بالقول كما في التخيير بين الإنشاء وبين الطلاق والعتق، وإن كان بين الفعلين لم يتعين إلَّا بالفعل كالتخيير بين خصال الكفارة، وإن كان بين الفعل والحكم كما في قوله: إن فعلت كذا فعبدي
стр. 7005
حر، أو امرأتي طالق، أو دمي هدر، أو مالي صدقة، أو بدنتي هدي: تعين الحكم بالقول ولم يتعين الفعل إلَّا بالفعل. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس للغاية قد لا تجد نظيره في كلام غيره ﵀.
وقسَّم شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ صيغ الطلاق إلى ثلاثة أقسام فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ١٣ - ١٤):
«والصيغ ثلاثة:
صيغة إيقاع كقوله: أنت طالق: فهذه ليست يميناً باتفاق الناس.
وصيغة قسم كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا فهذه صيغة يمين باتفاق الناس. وصيغة تعليق كقوله: إن زنيت فأنت طالق، فهذا إن قصد به الإيقاع عند وجود الصفة. بأن يكون يريد إذا زنت إيقاع الطلاق ولا يقيم مع زانية؛ فهذا إيقاع وليس بيمين، وإن قصد منعها وزجرها ولا يريد طلاقها إذا زنت فهذا يمين باتفاق الناس» اهـ.
وذكر ﵀ أنَّه لا نزاع بين العلماء في عدم وقوع العتق بمجرد الفعل فيما إذا حلف بالعتق على صيغة الإيجاب دون الإيجاد فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٨٥): «وأمَّا إذا قال: إن فعلته فعلي إذاً عتق عبدي. فاتفقوا على أنَّه لا يقع
стр. 7006
العتق بمجرد الفعل؛ لكن يجب عليه العتق. وهو مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة. وقيل: لا يجب عليه شيء وهو قول طائفة من التابعين وقول داود وابن حزم. وقيل: عليه كفارة يمين وهو قول الصحابة وجمهور التابعين ومذهب الشافعي وأحمد وهو مخير بين التكفير والإعتاق على المشهور عنهما» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (٣٣/ ١٤٠ - ١٤٤):
«وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
صِيغَةُ التَّنْجِيزِ. وَالْإِرْسَالُ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: صِيغَةُ قَسَمٍ كَقَوْلِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَن كَذَا. أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا. فَهَذَا يَمِينٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَاتِّفَاقِ طَوَائِفِ الْفُقَهَاءِ وَاتِّفَاقِ الْعَامَّةِ وَاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَرْضِ. الثَّالِثُ: صِيغَةُ تَعْلِيقٍ كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ. فَهَذِهِ إنْ كَانَ قَصْدُهُ بِهِ الْيَمِينَ - وَهُوَ الَّذِي يَكْرَهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا كَمَا يَكْرَهُ الِانْتِقَالَ عَنْ دِينِهِ - إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ. أَوْ يَقُولُ الْيَهُودِيُّ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُسْلِمٌ: فَهُوَ يَمِينٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. فَإِنَّ الْيَمِينَ هِيَ مَا تَضَمَّنَتْ حَضًّا أَوْ مَنْعًا أَوْ تَصْدِيقًا أَوْ تَكْذِيبًا بِالْتِزَامِ مَا يَكْرَهُ الْحَالِفُ وُقُوعَهُ عِنْدَ
стр. 7007
الْمُخَالَفَةِ. فَالْحَالِفُ لَا يَكُونُ حَالِفًا إلَّا إذَا كَرِهَ وُقُوعَ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ. فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ لَمْ يَكُنْ حَالِفًا سَوَاءٌ كَانَ يُرِيدُ الشَّرْطَ وَحْدَهُ وَلَا يَكْرَهُ الْجَزَاءَ عِنْدَ وُقُوعِهِ أَوْ كَانَ يُرِيدُ الْجَزَاءَ عِنْدَ وُقُوعِهِ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهُ أَوْ كَانَ مُرِيدًا لَهُمَا. فَأَمَّا إذَا كَانَ كَارِهًا لِلشَّرْطِ وَكَارِهًا لِلْجَزَاءِ مُطْلَقًا - يَكْرَهُ وُقُوعَهُ؛ وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الشَّرْطِ؛ أَوْ لِيَحُضَّ بِذَلِكَ - فَهَذَا يَمِينٌ. وَإِنْ قَصَدَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ وُجُودِ الْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ؛ إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِذَا زَنَيْت فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَقَصْدُهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْفَاحِشَةِ؛ لَا مُجَرَّدُ الْحَلِفِ عَلَيْهَا: فَهَذَا لَيْسَ بِيَمِينِ؛ وَلَا كَفَارَّةٍ فِي هَذَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ؛ بَلْ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إذَا وَجَدَ الشَّرْطَ عِنْدَ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
فَالْيَمِينُ الَّتِي يَقْصِدُ بِهَا الْحَضَّ أَوْ الْمَنْعَ أَوْ التَّصْدِيقَ؛ أَوْ التَّكْذِيبَ - بِالْتِزَامِهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ مَا يَكْرَهُ وُقُوعَهُ - سَوَاءٌ كَانَتْ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ؛ أَوْ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ: يَمِينٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ كَوْنَ الْكَلَامِ يَمِينًا مِثْلَ كَوْنِهِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا وَخَبَرًا. وَهَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ: الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا تَتَنَوَّعُ اللُّغَاتُ فِي الْأَلْفَاظِ؛ لَا فِي الْمَعَانِي؛ بَلْ مَا كَانَ مَعْنَاهُ يَمِينًا أَوْ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا عِنْدَ الْعَجَمِ فَكَذَلِكَ
стр. 7008
مَعْنَاهُ يَمِينٌ أَوْ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَهَذَا أَيْضًا يَمِينُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَمِينٌ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ وَيَمِينٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ. وَإِذَا كَانَ " يَمِينًا " فَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلْيَمِينِ إلَّا حُكْمَانِ. إمَّا أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً مُحْتَرَمَةً فَفِيهَا الْكَفَّارَةُ. وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ مُنْعَقِدَةً مُحْتَرَمَةً - كَالْحَلِفِ بِالْمَخْلُوقَاتِ: مِثْلَ الْكَعْبَةِ وَالْمَلَائِكَةِ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ - فَهَذَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ. فَأَمَّا يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ؛ مُحْتَرَمَةٌ غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ: فَهَذَا حُكْمٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَلَا يَقُومُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ سَالِمٌ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَامِ. فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ دَخَلَتْ فِي قَوْله تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَيْمَانِهِمْ؛ بَلْ كَانَتْ مِنْ الْحَلِفِ بِالْمَخْلُوقَاتِ: فَلَا يَجِبُ بِالْحِنْثِ لَا كَفَّارَةَ وَلَا غَيْرَهَا فَتَكُونُ مَهْدَرَةً.
فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاعْتِبَارِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِلْزَامَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ لِلْحَالِفِ فِي يَمِينِهِ حَكَمٌ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَحَسَبُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُسَوِّغُ الِاجْتِهَادَ. فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ الْعَمَلُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْقَوْلِ: فَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ مَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ النِّزَاعِ وَالْأَدِلَّةِ. وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ وَخَفِيَ عَلَيْهِ
стр. 7009
الْقَوْلُ الرَّاجِحُ كَانَ حَسْبُهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سَائِغًا لَا يَمْنَعُ مِنْ الْحُكْمِ بِهِ وَالْفُتْيَا بِهِ. أَمَّا إلْزَامُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَمَنْعُهُمْ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: فَهَذَا خِلَافُ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. فَمَنْ مَنَعَ الْحُكْمَ وَالْفُتْيَا بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَتَقْلِيدِ مَنْ نَفَى بِذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَهَذَا حَسْبُهُ أَنْ يُعْذَرَ؛ لَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَمُعَانِدٌ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ إذَا ظَهَرَ لَهُ وَلَا يُصْغِي لِمَنْ يَقُولُهُ لِيَعْرِفَ مَا قَالَ؛ بَلْ يَتَّبِعُ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ فَإِنَّهُ: إمَّا مُقَلِّدٌ وَإِمَّا مُجْتَهِدٌ. فَالْمُقَلِّدُ لَا يُنْكِرُ الْقَوْلَ الَّذِي يُخَالِفُ مَتْبُوعُهُ إنْكَارَ مَنْ يَقُولُ هُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُحْرَمَ الْقَوْلَ بِهِ وَيُوجِبَ الْقَوْلَ بِقَوْلِ سَلَفِهِ. وَالْمُجْتَهِدُ يَنْظُرُ وَيُنَاظِرُ وَهُوَ مَعَ ظُهُورِ قَوْلِهِ لَا يُسَوِّغُ قَوْلَ مُنَازِعِيهِ الَّذِي سَاغَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَنَّهُ خَالَفَ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا فَمَنْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ مَنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ اتَّبَعَ هَذِهِ الْفُتْيَا فَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ وَلَدُ زِنًا: كَانَ هَذَا الْقَائِلُ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْمُشَاقَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
стр. 7010
وَعَلَى الْجُمْلَةِ إذَا كَانَ الْمُلْتَزَمُ بِهِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى يَقْصِدُ بِهِ الْقُرْبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى: لَزِمَهُ فِعْلُهُ أَوْ الْكَفَّارَةُ. وَلَوْ الْتَزَمَ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ: كَالتَّطْلِيقِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَمِثْلِ ذَلِكَ: لَمْ يَلْزَمْهُ؛ بَلْ يَجْزِيه كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ يُكْرَهُ وُقُوعُهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ كَمَا يُكْرَهُ وُقُوعُ الْكُفْرِ: فَلَا يَقَعُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: وعلى ما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية من أنَّ الحلف بالطلاق يعتبر يميناً مكفرة سار أكثر كبار علماء العصر، فقد جَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٢٠/ ١٢٧ - ١٢٨): «س ٧: رجل قدم إليه أحد أقاربه بعد أدائه عملية جراحية، فحلف عليه بالطلاق أن تموت ذبيحته، فما كان من الضيف إلاَّ أن حلف أيضاً بالطلاق أنَّه ما يذوقها. فهل يقوم الرجل الأول - الذي حلف أن تموت ذبيحة الضيف- بذبحها وتقسيمها على الضعفاء والمساكين، أم هناك كفارة لحلفه الذي حلف به؟.
ج ٧: الذي حلف بالطلاق أن يذبح شاة لإكرام قريبه ولم يذبحها- عليه أن يكفر كفارة يمين، وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم لكل مسكين ثوب، أو يعتق
стр. 7011
رقبة، فإن لم يجد شيئاً من هذه الثلاث صام ثلاثة أيام؛ لأنَّ الحلف بالطلاق إذا لم ينو إيقاع الطلاق يأخذ حكم اليمين. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … نائب الرئيس … الرئيس
بكر أبو زيد … عبد العزيز آل الشيخ … صالح الفوزان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى الْلَّجْنَةِ الْدَّائِمَةِ] (٢٠/ ١٢٨ - ١٢٩): «س: أنا رجل متزوج بامرأة ولي منها طفلة، وموجود هنا بالمملكة وعلي ديون وتأخرت عنها، وبسبب هذا التأخير تشاجر معي بعض إخواني في الله في التأخير، فوقع مني حلف ألا أنفق عليها، حلف بالطلاق، وبعد فترة أرسلت إليها، علما أن هذا الحلف كان وقت غضب، فهل يقع علي هذا الطلاق؟ مع العلم أنني رجعت إلى الله في هذا الحلف، واعتقدت أن هذا الحلف شرك فما رأيكم؟.
ج: الحلف بالطلاق ليس من الأيمان المشروعة، وعلى من حلف بالطلاق لإلزام نفسه بعدم فعل الواجب: أن يكفر كفارة يمين، فإن كان قصدك من حلفك
стр. 7012
بالطلاق منع نفسك من إرسال النفقة- وجب عليك أن تفعل الواجب، وأن تكفر كفارة يمين عن حلفك، والكفارة هي: عتق رقبة مؤمنة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام، وإن كان قصدك من الحلف بالطلاق وقوع الطلاق إن حنثت في حلفك ثم حنثت في حلفك- وقع طلقة واحدة، وجاز لك مراجعتها ما زالت في العدة، إن لم تكن هذه هي الطلقة الثالثة. ولا يسمى مثل هذا الحلف شركاً، وإنَّما هو يمين في المعنى: إذا قصد صاحبه الامتناع من الشيء، وحث نفسه على فعله. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … عضو … عضو … الرئيس
بكر بن عبد الله أبو زيد … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ … صالح بن فوزان الفوزان … عبد العزيز بن عبد الله بن باز» اهـ.
وَجَاءَ فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (٧/ ١٤): «وأمَّا "مسألة الحلف بالطلاق" وما إذا فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً وكان حلفه بالطلاق.
стр. 7013
فالذي يترجح في ذلك عندنا الرواية الثانية عن أحمد ﵀ وهي عدم الوقوع، وصوب ذلك في "الإنصاف"، قال في "الفروع": وهو أظهر، وهو قول اسحاق، واختاره الشيخ تقي الدين ﵀، وقال: إنَّ رواتها بقدر رواة التفريق.
وقال: إنَّه أظهر قولي الشافعي. أملاه الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم. "ص - م في ٩/ ٧/ ١٣٧٣ هـ وهي بخط مدير مكتبه الخاص"» اهـ.
وَجَاءَ فِي [مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ] (٢١/ ٢٨١): «أمَّا الحلف بالطلاق فقد كنت فيما مضى أفتي بالوقوع، ثم ظهر لي أخيراً من نحو سنة أو أكثر قليلاً عدم الوقوع، وأفتيت بذلك مرات كثيرة إذا كان المطلق لم يرد إيقاع الطلاق عند وقوع الشرط، وإنَّما أراد معنى آخر من حث، أو منع، أو تصديق، أو تكذيب، ولا يخفى أنَّ هذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمة الله عليهما» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (١٣/ ١٢٦ - ١٢٧): «واعلم أنَّه لم يرد عن الصحابة ﵃ شيء في حكم الحلف بالطلاق؛ لأنَّه غير موجود في عصرهم، لكن ورد عنهم الحلف بالنذر، بأن يقول الإنسان:
стр. 7014
لله علي نذر أن لا ألبس هذا الثوب، أو يقول: إن لبست هذا الثوب فللّه عليَّ نذر أن أصوم سنة، وهذا النذر عند الصحابة جعلوا حكمه حكم اليمين، فإذا كانوا جعلوا النذر الذي يقصد به المنع حكمه حكم اليمين، مع أنَّ الوفاء بالنذر واجب، فلأن يجعلوا الطلاق الذي هو مكروه حكمه حكم اليمين - إذا قصد به المنع - من باب أولى، وهذا قياس بعدم الفارق فهو من القياس الجلي؛ لأنَّ القياس الجلي هو الذي نُصَّ على علته، أو ثبتت علته بإجماع أو قُطِعَ فيه بنفي الفارق» اهـ.
وأمَّا الحلف بالحرام، فيدخل في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١، ٢].
وروى مسلم (١٤٧٣) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَرَامِ: «يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾».
ورواه البخاري (٤٩١١) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «فِي الحَرَامِ يُكَفَّرُ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾».
стр. 7015
فإن قيل: الذي صدر من النبي ﷺ هو الحلف لا التحريم المحض، كما روى البخاري (٤٩١٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى، أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ: «لَا، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، لَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا».
فقد أجاب عن ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فيما مضى فقال: «وأيضاً: فإنَّ قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إمَّا أن يراد به: لم تحرم بلفظ الحرام؟ وإمَّا: لم تحرمه باليمين بالله تعالى ونحوها؟ وإمَّا: لم تحرمه مطلقاً؟ فإن أريد الأول والثالث فقد ثبت أنَّ تحريمه بغير الحلف بالله يمين فيعم. وإن أريد به تحريمه بالحلف بالله فقد سمى الله الحلف بالله تحريماً للحلال ومعلوم أنَّ اليمين بالله لم توجب الحرمة الشرعية؛ لكن لما أوجبت امتناع الحالف من الفعل فقد حرمت عليه الفعل تحريماً شرطياً لا شرعياً فكل يمين توجب امتناعه من الفعل فقد حرمت عليه الفعل فيدخل في عموم قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وحينئذ فقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ لا بد أن يعم كل يمين حرمت الحلال
стр. 7016
لأنَّ هذا حكم ذلك الفعل فلا بد أن يطابق صوره؛ لأنَّ تحريم الحلال هو سبب قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وسبب الجواب إذا كان عاماً كان الجواب عاماً لئلا يكون جواباً عن البعض مع قيام السبب المقتضي للتعميم، وهذا التقدير في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾.
وأيضاً: فإنَّ الصحابة فهمت العموم وكذلك العلماء عامتهم حملوا الآية على اليمين بالله وغيرها.
وأيضاً: فنقول: على الرأس. سلمنا أنَّ اليمين المذكورة في الآية المراد بها اليمين بالله تعالى، وأنَّ ما سوى اليمين بالله تعالى لا يلزم بها حكم فمعلوم أنَّ الحلف بصفاته كالحلف به كما لو قال: وعزة الله تعالى أو لعمر الله أو: والقرآن العظيم فإنَّه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصفات ونحوها عن النبي ﷺ والصحابة؛ ولأنَّ الحلف بصفاته كالاستعاذة بها - وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلَّا بالله في مثل قول النبي ﷺ : "أعوذ بوجهك"، و"أعوذ بكلمات الله التامات"، و"أعوذ برضاك من سخطك"، ونحو ذلك - وهذا أمر متقرر عند العلماء. وإذا كان كذلك فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلف
стр. 7017
بصفات الله؛ فإنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج. فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج عليه حكم من أحكام الله تعالى وهو من صفاته. وكذلك لو قال: فعلي تحرير رقبة. وإذا قال: فامرأتي طالق وعبدي حر. فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات الله كما أنَّ الإيجاب من صفات الله وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فجعل صدوره في النكاح والطلاق والخلع من آياته؛ لكنه إذا حلف بالإيجاب والتحريم فقد عقد اليمين لله كما يعقد النذر لله فإن قوله: علي الحج والصوم. عقد لله؛ ولكن إذا كان حالفاً فهو لم يقصد العقد لله بل قصد الحلف به فإذا حنث ولم يوف به فقد ترك ما عقد لله كما أنَّه إذا فعل المحلوف فقد ترك ما عقده لله» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء في سبب نزول الآية الماضية تحريم النبي ﷺ على نفسه مارية، وذلك فيما رواه النسائي (٣٩٥٩) أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ حَرَمِيٌّ، هُوَ لَقَبُهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
стр. 7018
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وللحديث عدة طرق.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٦٥٧): «فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معاً» اهـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٧٤): «إذا حلف الرجل بالحرام فقال: الحرام يلزمني لا أفعل كذا، أو الحل علي حرام لا أفعل كذا، أو ما أحل الله علي حرام إن فعلت كذا، أو ما يحل للمسلمين يحرم علي إن فعلت كذا، أو نحو ذلك وله زوجة: ففي هذه المسألة نزاع مشهور بين السلف والخلف؛ ولكن القول الراجح أنَّ هذه يمين من الأيمان لا يلزمه بها طلاق» اهـ.
قُلْتُ: وأمَّا تحريم الرجل لامرأته ففيها أكثر من عشرين مذهباً كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم ﵀، وأحسن هذه المذاهب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٥/ ٣٠٦):
«المذهب الثالث عشر: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزاً أو معلقاً تعليقاً مقصوداً، وبين أن يخرجه مخرج اليمين، فالأول: ظهار بكل حال ولو نوى به الطلاق، ولو وصله بقوله: أعنى به الطلاق.
стр. 7019
والثاني: يمين يلزمه به كفارة يمين، فإذا قال: أنت على حرام، أو إذا دخل رمضان، فأنت على حرام، فظهار. وإذا قال: إن سافرت، أو إن أكلت هذا الطعام أو كلمت فلاناً، فامرأتي على حرام، فيمين مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذه أصول المذاهب في هذه المسألة وتتفرع إلى أكثر من عشرين مذهباً» اهـ.
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٥/ ٣١٣): «وأمَّا من قال: إنَّه يمين مكفرة بكل حال، فمأخذ قوله: أنَّ تحريم الحلال من الطعام والشراب واللباس يمين تكفر بالنص، والمعنى، وآثار الصحابة، فإنَّ الله سبحانه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١، ٢]، ولابد أن يكون تحريم الحلال داخلاً تحت هذا الفرض، لأنَّه سببه، وتخصيص محل السبب من جملة العام ممتنع قطعاً، إذ هو المقصود بالبيان أولاً، فلو خص لخلا سبب الحكم عن البيان، وهو ممتنع، وهذا استدلال في غاية القوة، فسألت عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فقال: نعم التحريم يمين كبرى في الزوجة كفارتها كفارة الظهار، ويمين صغرى فيما عداها كفارتها كفارة اليمين بالله. قال: وهذا معنى قول ابن عباس وغيره من الصحابة ومن بعدهم، إنَّ التحريم يمين تكفر» اهـ.
стр. 7020
وَقَالَ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٩٢ - ٩٣): «وفي المسألة مذهب آخر وراء هذا كله وهو أنَّه إن أوقع التحريم كان ظهاراً ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يميناً مكفرة، وهذا اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية وعليه يدل النص والقياس، فإنَّه إذا أوقعه كان قد أتى منكراً من القول وزوراً وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرمة، وإذا حلف به كان يميناً من الايمان كما لو حلف بالتزام العتق والحج والصدقة، وهذا محض القياس والفقه ألا ترى أنَّه إذا قال: لله على أن أعتق أو أحج أو أصوم لزمه، ولو قال: إن كلمت فلاناً فالله على ذلك على وجه اليمين فهو يمين، وكذلك لو قال: هو يهودي او نصراني كفر بذلك، ولو قال: إن فعلت كذلك فهو يهودي أو نصراني كان يميناً، وطرد هذا بل نظيره من كل وجه أنَّه إذا قال: أنت على كظهر أمي كان ظهاراً، فلو قال: إن فعلت كذا فأنت على كظهر أمي كان يميناً، وطرد هذا أيضاً إذا قال: أنت طالق كان طلاقاً، وإن قال: إن فعلت كذا فانت طالق كان يميناً فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنة والميزان وبالله التوفيق» اهـ.
وأمَّا الحلف بالظهار، فهو داخل في الحلف بالحرام، وذلك أنَّ الظهار تحريم الرجل لزوجه، فإذا ظاهر الرجل من زوجه بصيغة التحريم كأن يقول: أنت علي كظهر
стр. 7021
أمي فهو ظهار فيه كفارة اليمين الكبرى، وإن كان بصيغة التعليق كأن يقول: إن فعلت كذا فأنت على كظهر أمي كان يميناً فيه كفارة اليمين الصغرى.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٧٢): «وما زال السلف يسمون الظهار ونحوه يميناً» اهـ.
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣١٨): «وقد سمى الله كل تحريم يميناً بقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ - إلى قوله - ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ كما سمى الصحابة نذر اللجاج والغضب يميناً، وهو جملة شرطية؛ نظراً إلى المعنى. يوضح ذلك أنَّ الظهار لو كان إنشاءً محضاً لأوجب حكمه؛ ولم يكن فيه كفارة؛ إذ الكفارة لا تكون لرفع عقد أو فسخ؛ وإنَّما تكون لرفع إثم المخالفة التي تضمنها عقده؛ ولهذا لما كان كل من عقد اليمين وعقد الظهار لا يوجب الكفارة إلَّا إذا وجدت المخالفة علم أنَّه يمين» اهـ.
٧ - وفي الحديث إثبات الكفارة لمن حلف على نفسه بفعل شيء أو تركه، وهذا لا إشكال فيه، وأمَّا إذا حلف على غيره فلم يتعرض له الحديث، وفي ذلك تفصيل حرره شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ بكلام نفيس سوف أذكره بطوله لكثرة فوائده.
стр. 7022
فَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣٠٧ - ٣١٥): «فصل: جليل القدر:
اليمين المتضمنة حضاً أو منعاً لنفسه كقوله؛ لأفعلنَّ ولا أفعل. فيها معنى الطلب والخبر؛ وكذلك الوعد والوعيد بخلاف الخبر المحض كقوله: "والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً". أو والله ليقدمنَّ الركب. فإنَّ هذا إخبار محض بأمر سيكون كما يخبر عن الماضي بمثل ذلك؛ وبخلاف الطلب المحض؛ كقوله لغيره: افعل أو بالله افعل ونحو ذلك. إذا لم يكن منه إلَّا مجرد الطلب وهو لا يدري أيطيعه أم يعصيه؛ ولهذا لا يحسن الاستثناء في هذا الضرب ولا كفارة فيه لعدم المخالفة؛ فإنَّه طلب محض مؤكد بالله كقوله: سألتك بالله إلَّا ما فعلت أو سألتك بالله لا تفعل.
فأمَّا إذا كان المخصوص أو الممنوع ممن يغلب على ظنه موافقته له - كعبده وزوجته وولده - فهو كنفسه فيها معنى الطلب والخبر؛ فإنَّه لكونه مطيعاً له في العادة جرى مجرى طاعة نفسه لنفسه فطلب الفعل منهما طلباً قرنه بالإخبار عن كونه. فقوله: لأقومنَّ غداً. يتضمن أمرين:
أحدهما: أنِّي مريد القيام غداً.
стр. 7023
والثاني: سيكون القيام غداً؛ بخلاف القسم الخبري المحض فإنَّه بمعنى سيكون، وبخلاف القسم الطلبي المحض فإنَّه بمعنى أريد منك وأطلب منك أن تقوم، والحنث في اليمين لم يجئ لمخالفة المطلوب كما تقدم في الطلب المحض، وإنَّما جاء لمخالفة الخبر كما لو كان خبراً محضاً عن مستقبل، والاستثناء يعلق الفعل بالمشيئة فيصير المعنى ليكونن هذا إن شاء الله فإن لم يشأ الله لم يكن مخبراً بكونه فلا مخالفة فلا حنث؛ ولهذا يصح الاستثناء فالخبر المحض كقوله: "لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأة فلتأتين كل امرأة بفارس يقاتل في سبيل الله". والولادة ليست من فعله المقدور عليه، وكما تقول: والله ليجيء زيد إن شاء الله. فصار القائل: لأفعلنَّ كذا إن شاء الله ثلاث نيات:
تارة يكون غرضه تعليق الإرادة، والمعنى إن شاء الله كنت الساعة مريداً له وطالباً؛ وإلَّا فلا. فهذا لا يصح أن يكون مريداً ولا ترتفع الكفارة بهذا وحده كما في قوله: أنت طالق إن شئت فقالت قد شئت إن شئت. أنَّ المشيئة لا يصح تعليقها فكذا هذا. فمتى قال هذا لم تكن إرادته حاصلة فهذا مثل الذي يطلب منه شيء فيقول: أعطيك إن شاء الله. فلا وعد له وإذا نوى هذا في اليمين صح لكن لا يرفع الكفارة؛ لأنَّ مخالفة الطلب لم توجب الكفارة وإنَّما أوجبه مخالفة الخبر فلو
стр. 7024
كان خبراً لا طلب معه غير تعليق وجبت الكفارة. فأكثر ما في هذا انتفاء الطلب والحض من اليمين.
الثاني: أن يكون غرضه تعليق الإخبار. والمعنى أنَّ قيامي كائن إن شاء الله، أو أنَّ قيامك كائن إن شاء الله فأنا مخبر بوقوعه إن شاء الله وقوعه وإن لم يشأ فلا أخبر به. وإذا لم يخبر به فلا مخالفة فلا حنث وإن كنت مريداً له الساعة جزماً فهذا هو المعنى الذي يرفع الكفارة فكأنَّه قال: أنا شاك في الوقوع فلست أخبر بوقوعه جزماً وإنَّما أخبر بوقوعه عند هذه الصفة. كقوله: لأقومنَّ إن قدم زيد وإن أعطيتني مائة ونحو ذلك وهو وعد أو وعيد معلق بشرط وإن كان الواعد أو المتواعد مريداً في الحال لإنفاذه؛ ولهذا قلنا إنَّ قوله: لأصومنَّ غداً إن شاء الله من رمضان لا يقدح؛ لأنَّ التعليق عاد إلى الإخبار لا إلى الإرادة. ومن الفقهاء من قال: هذا يقدح في إرادته. وهؤلاء يقولون: إنَّه إذا نوى عود الاستثناء إلى طلبه وإرادته نفعه في الكفارة أو لا ترتفع إلَّا بهذا الشرط. وعلى خاطري هنا قول لا أستثبته.
الثالث: أن لا يكون غرضه تعليق واحد منهما؛ لأنَّه جازم بإرادته وجازم بأنَّه سيكون كما لو كان خبراً محضاً مثل قوله: لينزلنَّ ابن مريم، وليخرجنَّ الدجال،
стр. 7025
ولتقومنَّ الساعة. وهذه أيمان أمر الله رسوله بنوع منها كقوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾، فهذا ماض وحاضر وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، فأمره أن يحلف على وقوع إتيان الساعة وبعث الناس من قبورهم وهما مستقلان من فعل غيره وهذا كقول النبي ﷺ لعمر: "لآتينه ولأطوفنَّ به". فهنا إذا قال: إن شاء الله فقد لا يكون غرضه تعليق الإخبار وإنَّما غرضه تحقيقه كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، فإنَّ هذا كلام صحيح؛ إذ الحوادث كلها لا تكون إلَّا بمشيئة الله مثل ما لو قال: ليكوننَّ إن اتفقت أسباب كونه. والناس يعلمون أنَّه إن شاء الله وإن اتفقت أسباب كونه كان فإن لم يكن هو مخبراً لهم بذلك كان متكلماً بما لا يفيد.
فهذا إذا نواه هل يرفع الكفارة؟ فبالنظر إلى قصده وجزمه في الخبر قد حصلت المخالفة، وبالنظر إلى لفظه وأنَّه إنَّما جزم بمشروط لا بمطلق لم تقع المخالفة؛ وإن أخطأ اعتقاده كما لو حلف على من يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه فإنَّه لما أخبر عن الماضي بموجب اعتقاده لم يحنث؛ بخلاف ما إذا تعمد الكذب. وكذلك هذا لم يتأل على الله؛ لكن يقال: كان ينبغي له أن يشك فلما تألى على الله وأكد المشيئة
стр. 7026
قاصداً بها تحقيق جزمه بالإخبار صار وجودها زائداً له في التألي لا معلقاً. فقد يقال في معارضة هذا: الجزم يرجع إلى اعتقاده؛ لا إلى كلامه، وأمَّا كلامه فلم يتأل فيه على الله؛ بل أخبر أن هذا يكون إن شاء الله وقال مع ذلك: أنا معتقد أنَّه يكون جازماً به. فالكفارة وجبت لمخالفة خبري مخبره أو لمخالفة اعتقادي معتقده؟ إنَّما وجبت لمخالفة الخبر فإنِّي لو قُلْتُ: إنِّي أعتقد أن هذا يكون وأنا جازم باعتقادي لم يكن علي حنث إذا لم يكن. ومعنى كلامي أنِّي جازم بأن هذا سيكون وأخبركم أنَّه يكون إن شاء الله فعلقت لكم إخباري لا اعتقادي وإلَّا لم يكن في قولي إن شاء الله فائدة؛ إذ لو كان المعنى أني جازم بأنَّه سيكون إن شاء الله لم أكن جازماً مطلقاً. وكذلك لو كان المعنى أنَّ اعتقادي وإخباري إن شاء الله كان هو القسم الأول؛ وإنَّما المعنى أنَّ اعتقادي ثابت به وإخباري لكم معلق به علقته به لأنَّه لا ينبغي لأحد أن يخبر بالمستقبلات إلَّا معلقاً بمشيئة الله. فهذا فيه نظر. وبهذا التقسيم يظهر قول من قال: إن نوى بالاستثناء معنى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فإنَّ الرجل مأمور أن لا يقول لأفعلنَّه غداً إلَّا أن يقول إن شاء الله. ويتبين بهذا البحث الذي ذكرناه أنَّ الاستثناء الرافع للكفارة إنَّما يعلق ما في اليمين من معنى الخبر المحض أو المشوب؛ لا يعلق ما فيها
стр. 7027
من معنى الطلب المحض أو المشوب؛ إذ مخالفة الطلب لا توجب كفارة وإنَّما يوجبها مخالفة الخبر وذلك لأنَّ الرفع إنَّما يكون إذا كان في المشيئة تعليق، والتعليق إنَّما يكون فيما لم يقع؛ بخلاف ما قد وقع. ومن هنا يعلم أنَّ الاستثناء لا يرفع الإنشاءات بأسرها لا الطلاق ولا غيره كما لا يرفع موجب الطلب. وينبغي أن يؤخذ من هذه أن هذه الصيغ المغلب عليها حكم الإنشاءات؛ لامتناع الاستثناء فيها وأنَّ الاستثناء فيها بأسرها استثناء تحقيق؛ لا تعليق كقوله: كان هذا بمشيئة الله وكان بقدرة الله. ويخرج من هذا الاستثناء في الأيمان إن عاد إلى الموافاة فعلى بابه؛ لأنَّ إطلاق الاسم يقتضي استحقاق الجنة كما قاله ابن مسعود وخالفه فيه صاحب معاذ بتأويل صحيح وتركه جائز. وإن كان فعله أحسن من تركه. وهذا معنى كلام أحمد في … ومن أصحابنا من أوجبه كما أنَّ المرجئة تحظره ومن الناس من قد يرى تركه أحسن. فالإقسام فيه: إمَّا واجب أو مستحب أو ممنوع. حظراً أو كراهة أو مسنوناً أو مستوي الحالتين. وبهذا الذي ذكرناه في اليمين يظهر معنى الوعد والوعيد من جواز نسخ ذلك أو الخلف فيه؛ فإنَّ من رآهما خبراً: قال النسخ يقتضي الكذب والآخر يقول هو خبر متضمن معنى الطلب.
стр. 7028
فإذا قال: إن فعلت هذا ضربتك. تضمن إنِّي مريد الساعة لضربك إذا فعلته ومخبرك به؛ فليس هو خبراً محضاً فيكون النسخ عائداً إلى ما فيه من الطلب تغليباً للطلب على الخبر كما أنَّه في باب المشيئة والكفارة غلب الخبر على الطلب؛ لأنَّ الكلام إذا تضمن معنيان فقد يغلب أحدهما بحسب الضمائم؛ ولهذا فرق في الخلف بين الوعد والوعيد لأنَّ الواعد لما تضمن كلامه طلب الخبر الموعود به من نفسه في معرض المقابلة صار ذلك بمنزلة التزامه الأعواض من العقود؛ فإنَّه أمر وجب لغيره عليه فلا يجوز إبطاله والمتوعد تضمن كلامه طلب الشر المتوعد به في معرض المقابلة بمنزلة إلزامه لغيره عوضاً إذا بذل هو ما يجب عليه وما وجب له على الغير فله التزامه وله ترك التزامه.
فقولك: بعتك هذا بألف. في معنى المواعد بالألف عند حصول المبيع وفي معنى المطالب بالمبيع عند بذل الألف. فمطالبته بالوعيد الذي هو العقوبة ليس بأحسن حالاً من مطالبته بسائر الحقوق الواجبة له على سبيل المقابلة؛ فإنَّ أخذ الحقوق من الناس فيها شوب الألم فلا يخلص من نوع عقوبة وإن لم تسم بها فإنَّما الغرض تمثيل هذا بهذا فيما يجب للمتكلم وما يجب عليه فإذا كان الوعد والوعيد وإن تضمنا خبراً فهما متضمنين طلباً صيرهما ذلك بمنزلة الإنشاء الذي وإن كان
стр. 7029
صيغته صيغة الخبر عن الماضي فهو إنشاء لأمر حاضر. وهذان وإن كان لفظهما لفظ الخبر عن المستقبل فهما إنشاء للإرادة والطلب فإذا كان وعد وجب فسمي خلفه كذباً كما قال لمن قال: ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وإذا كان وعيداً لم يجب إنفاذه لتضمنه معنى بيان الاستحقاق. وعلى هذا فيجوز نسخ الوعيد كما ذكره السلف في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، وأمَّا الوعد بعد الاستحقاق فلا يجوز نسخه لأنَّه موجب المشروط.
وأمَّا قبل العمل فيتوجه جواز نسخه كفسخ التعليقات الجائزة غير اللازمة من الجعالة ونحوها؛ فإنَّه إذا قال: من رد عبدي الآبق فله درهم. فله فسخ ذلك قبل العمل. والفسخ كالنسخ. هذا فسخ لإنشاءات هي العقود المتضمنة التزام إرادة له أو عليه وهذا فسخ لطلب أيضاً. وكما أنَّ المتصور في الفسخ أنَّه رفع الحكم الذي هو الطلب أو الإذن فالفسخ رفع الحكم الذي هو الإرادة أو الإباحة وكذلك الوعد والوعيد رفع الحكم الذي هو إرادة الإعطاء أو الإباحة. فهذا كله إنَّما كان لأنَّ من الكلام ما تضمن معنى الطلب والخبر وهو الأيمان والنذور والوعد والوعيد والعقود. فهذا القسم الثالث المركب هو الذي اضطرب الناس
стр. 7030
في أحكامه ولهذا قسم بعضهم الكلام إلى خبر وإنشاء ليكون الإنشاء أعم من الطلب؛ لأنَّه ينشئ طلباً وإذناً وما ثم غير الطلب والإذن؛ لأنَّه إمَّا أن يطلب من نفسه أو من غيره وجوداً أو عدماً. وقد يقال: الإذن يتضمن معنى الطلب؛ لأنَّه طلب من نفسه تمكين المأذون له كما أنَّ الالتزام متضمن معنى الطلب لأنَّه جعل على نفسه حقاً يطلبه المستحق وجوباً وهناك جعله له مباحاً. فهذا هذا. والله أعلم: فيعود الأمر إلى طلب أو خبر؛ أو مركب منهما. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين» اهـ.
فائدة: قسَّم شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ عقد اليمين إلى ثلاثة أقسام فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٤٧ - ٤٨):
«وأمَّا أنواع الأيمان الثلاثة:
فالأول: أن يعقد اليمين بالله.
والثاني: أن يعقدها لله.
والثالث: أن يعقدها بغير الله أو لغير الله.
فأمَّا الأول: فهو الحلف بالله. فهذه يمين منعقدة مكفرة بالكتاب والسنة والإجماع.
стр. 7031
وأمَّا الثالث: وهو أن يعقدها بمخلوق أو لمخلوق مثل: أن يحلف بالطواغيت؛ أو بأبيه. أو الكعبة: أو غير ذلك من المخلوقات: فهذه يمين غير محترمة لا تنعقد ولا كفارة بالحنث فيها باتفاق العلماء».
إِلَى أَنْ قَالَ ﵀ (٣٣/ ٤٨ - ٥٠):
«وأمَّا المعقود لله فعلى وجهين:
أحدهما: أن يكون قصده التقرب إلى الله؛ لا مجرد أن يحض أو يمنع. وهذا هو النذر فإنَّه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
"كفارة النذر كفارة يمين" وثبت عنه أن قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". فإذا كان قصد الإنسان أن ينذر لله طاعة فعليه الوفاء به وإن نذر ما ليس بطاعة لم يكن عليه الوفاء به. وما كان محرماً لا يجوز الوفاء به؛ لكن إذا لم يوف بالنذر لله فعليه كفارة يمين عند أكثر السلف وهو قول أحمد وهو قول أبي حنيفة. قيل: مطلقاً.
وقيل: إذا كان في معنى اليمين.
والثاني: أن يكون مقصوده الحض أو المنع أو التصديق أو التكذيب فهذا هو الحلف بالنذر والطلاق والعتاق والظهار والحرام كقوله: إن فعلت كذا فعلي الحج
стр. 7032
وصوم سنة ومالي صدقة وعبيدي أحرار ونسائي طوالق. فهذا الصنف يدخل في مسائل " الأيمان " ويدخل في مسائل " الطلاق والعتاق والنذر والظهار ". وللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه يلزمه ما حلف به إذا حنث؛ لأنَّه التزم الجزاء عند وجود الشرط وقد وجد الشرط فيلزمه: كنذر التبرر المعلق بالشرط.
والقول الثاني: هذه يمين غير منعقدة فلا شيء فيها إذا حنث؛ لا كفارة ولا وقوع؛ لأن هذا حلف بغير الله وقد قال النبي ﷺ : "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليسكت" وفي رواية في الصحيح: "لا تحلفوا إلَّا بالله"
والقول الثالث: أنَّ هذه أيمان مكفرة إذا حنث فيها كغيرها من الأيمان.
ومن العلماء من فرق بين ما عقده لله من الوجوب - وهو الحلف بالنذر - وما عقده لله من تحريم - وهو الحلف بالطلاق والعتاق - فقالوا في الأول: عليه كفارة يمين إذا حنث. وقالوا في الثاني: يلزمه ما علقه وهو الذي حلف به إذا حنث؛ لأنَّ الملتزم في الأول فعل واجب فلا يبرأ إلَّا بفعله فيمكنه التكفير قبل ذلك والملتزم في الثاني وقوع حرمة. وهذا يحصل بالشرط فلا يرتفع بالكفارة.
стр. 7033
و القول الثالث: هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار وعليه تدل أقوال أصحاب رسول الله ﷺ في الجملة كما قد بسط في موضعه» اهـ.
* * *
стр. 7034
٣٥٢ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ-، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - استحباب الاستثناء في اليمين.
٢ - استحباب التحلل من اليمين والانتقال إلى ما هو خير.
٣ - وفيه مشروعية تقديم الكفارة على اليمين بناءً على أنَّ التحلل يكون في الكفارة قبل الحنث، وقد مضى القول في ذلك في شرح الحديث السابق، ويدل على ذلك أنَّ الحديث جاء عند البخاري (٦٧١٨)، مسلم (١٦٤٩) بتقديم الكفارة على الحنث، ولفظه: «إِنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».
وقد يقال بحمل التحلل على التحلل من الإثم، كما في الحديث الذي رواه البخاري (٢٤٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ،
стр. 7035
قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ».
وسبق في شرح الحديث السابق قول الْعَلَّامَةِ ابْنِ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٢/ ١٣٢): «فإنَّها تحل عقد اليمين وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهمه بعض الفقهاء فإنَّ الحنث قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب وإن كان مباحاً فالشارع لم يبح سبب الإثم وإنَّما شرعها الله حلاً لعقد اليمين كما شرع الله الاستثناء مانعاً من عقدها» اهـ.
وسبق التعليق عليه.
قُلْتُ: وللحديث قصة، فقد رواه البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩) عَنْ زَهْدَمٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَأُتِيَ - ذَكَرَ دَجَاجَةً -، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مِنَ المَوَالِي، فَدَعَاهُ لِلطَّعَامِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ لَا آكُلُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلْأُحَدِّثْكُمْ عَنْ ذَاكَ، إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ»، وَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: «أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ؟»، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟
стр. 7036
لَا يُبَارَكُ لَنَا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا سَأَلْنَاكَ أَنْ تَحْمِلَنَا، فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، أَفَنَسِيتَ؟ قَالَ: «لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا».
وروى البخاري (٤٤١٥)، ومسلم (١٦٤٩) عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ الحُمْلَانَ لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ العُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ». وَوَافَقْتُهُ، وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً، إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: «خُذْ هَذَيْنِ القَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ القَرِينَيْنِ - لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ -، فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ، أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ». فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا
стр. 7037
أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ، حَتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى.
٤ - في الحديث إثبات الكفارة عند الحنث في اليمين.
ويستثنى من ذلك بعض الأيمان:
الأولى: ما يجري على اللسان من اليمين من غير قصد له.
وهو داخل في لغو اليمين والدليل على عدم لزوم الكفارة قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
стр. 7038
وروى البخاري (٤٦١٣) عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ».
قُلْتُ: وفي الكفارة نزاع والصحيح عدم الكفارة.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٢١٢ - ٢١٥): «وأمَّا إذا سبق لسانه في المستقبل: ففيه روايتان. وهذه طريقة القاضي وابن عقيل في "الفصول"؛ واختار القاضي في "خلافه" أنَّ قوله في المستقبل لا والله بلى والله ليس بلغو وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما.
ومنهم من قال: ما يسبق على اللسان هو لغو بلا نزاع بين العلماء وفيما إذا حلف على شيء فتبين بخلافه روايتان. وهذه طريقة أبي محمد.
والصواب: أنَّ النزاع في الصورتين؛ فإنَّ الشافعي في رواية الربيع عنه يوجب الكفارة فيمن حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه؛ ولكن القول الآخر للشافعي أنَّ هذا لغو كقول الجمهور وهذا هو قول محمد بن الحسن وكذا هو ظاهر مذهب أحمد أنَّ كلا النوعين لغو لا كفارة فيه وهذا قول جمهور أهل العلم؛ ولهذا جزم أكثر أصحاب أحمد بأنَّه لا كفارة لا في هذا ولا في هذا. ولم
стр. 7039
يذكروا نزاعاً؛ لأنَّه نص على أنَّ كليهما لغو في جوابه كما ذكر ذلك الخرقي وابن أبي موسى وغيرهما من المتقدمين. وذكر طائفة عنه في اللغو "روايتين" رواية كقول أبي حنيفة ومالك. ورواية كقول الشافعي كما ذكر ذلك طائفة: منهم ابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهما. وصرح بعض هؤلاء - كابن عقيل وغيره - بأنَّه إذا قيل: إنَّ اللغو هو أن يسبق على لسانه اليمين من غير قصد فإنَّه إذا حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه حنث. فلهذا صار في مذهبه عدة طرق. "طريقة القدماء" أنَّ كليهما لغو قولاً واحداً.
"وطريقة القاضي" أنَّ الماضي لغو قولاً واحداً وفي سبق اللسان في المستقبل روايتان وهذه الطريقة توافق مذهب أبي حنيفة ومالك.
"وطريقة أبي محمد" أنَّ سبق اللسان لغو قولاً واحداً. وفي الماضي روايتان. وهذه الطريقة توافق مذهب الشافعي.
"والطريقة الرابعة" وهي أضعف الطرق: أنَّ اللغو في إحدى الروايتين هذا دون هذا وفي الأخرى هذا دون هذا.
стр. 7040
"والطريقة الخامسة" وهي الجامعة بين الطرق: أنَّ في مذهبه ثلاث روايات كما ذكر ذلك صاحب المحرر فإذا سبق على لسانه: لا والله بلى والله وهو يعتقد أنَّ الأمر كما حلف عليه: فهذا لغو باتفاق الأئمة الأربعة.
وإذا سبق على لسانه اليمين في المستقبل أو تعمد اليمين على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه: ففي الصورتين أقوال ثلاثة؛ هي الروايات الثلاث عن أحمد.
"أحدها" أنَّ الجميع لغو كقول الجمهور وهو ظاهر مذهب أحمد وهي ومذهبه في إحدى الطريقتين بلا نزاع عنه.
وعلى هذه الطريقة فقد فسر اللغو بهذا. وهذا أحد قولي الشافعي.
"والثاني" أنَّه يحنث في الماضي دون ما سبق على لسانه وهو أحد قولي الشافعي أيضاً.
"والثالث" بالعكس كمذهب أبي حنيفة ومالك.
فقد تبين أنَّ المخطئ في عقد اليمين الذي حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه هو في إحدى الطريقتين كالناسي والجاهل وفي الأخرى لا يحنث قولاً واحداً. والمعروفة عند أئمة أصحاب أحمد. وعلى هذا فالحالف بالطلاق على أمر يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه لا يحنث إذا لم يحنث الناسي والجاهل في
следующие страницы →