← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

من يقول نذر غير الطاعة لا شيء فيه. ويكون قوله: إن فعلت كذا فأنت طالق. بمنزلة قوله: فعلي أن أطلقك كما كان عند أولئك الصحابة ومن وافقهم قوله: فعبيدي أحرار. بمنزلة قوله: فعلي أن أعتقهم. على أنِّي إلى الساعة لم يبلغني عن أحد من الصحابة كلام في الحلف بالطلاق وذلك - والله أعلم - لأنَّ الحلف بالطلاق لم يكن قد حدث في زمانهم وإنَّما ابتدعه الناس في زمن التابعين ومن بعدهم فاختلف فيه التابعون ومن بعدهم. فأحد القولين أنَّه يقع به كما تقدم. والقول الثاني أنَّه لا يلزم الوقوع. ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه: "أنَّه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئاً. قُلْتُ: أكان يراه يميناً؟ قال: لا أدري". فقد أخبر ابن طاووس عن أبيه أنَّه كان لا يراه موقعاً للطلاق وتوقف في كونه يميناً يوجب الكفارة؛ لأنَّه من باب نذر ما لا قربة فيه. وفي كون مثل هذا يميناً خلاف مشهور، وهذا قول أهل الظاهر: كداود وأبي محمد بن حزم؛ لكن بناء على أنَّه لا يقع طلاق معلق ولا عتق معلق. واختلفوا في المؤجل وهو بناء على ما تقدم من أنَّ العقود لا يصح منها إلَّا ما دل نص أو إجماع على وجوبه أو جوازه» اهـ.

стр. 6967

قُلْتُ: أثر طاووس رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (١١٤٠١) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ بَاطِلٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ»، قُلْتُ: أكَانَ يَرَاهُ يَمِينًا؟ قَالَ: «لَا أَدْرِي». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ. وقد جاء عن الصحابة ما يدل على عدم وقوع الطلاق بالحلف به، وهو ما ذكره ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْمُحَلَى] (٩/ ٤٧٧) فَقَالَ: «وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَأَرَادَ سَفَرًا فَأَخَذَهُ أَهْلُ امْرَأَتِهِ، فَجَعَلَهَا طَالِقًا إنْ لَمْ يَبْعَثْ بِنَفَقَتِهَا إلَى شَهْرٍ، فَجَاءَ الْأَجَلُ وَلَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا بِشَيْءٍ فَلَمَّا قَدِمَ خَاصَمُوهُ إلَى عَلِيٍّ فَقَالَ عَلِيٌّ: اضْطَهَدْتُمُوهُ حَتَّى جَعَلَهَا طَالِقًا، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ» اهـ. قُلْتُ: لكن رواية الحسن عن علي مرسلة كما ذهب إليه أبو زرعة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٢٥ - ٢٦): «وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إكْرَاهٌ بِضَرْبٍ، وَلَا أَخْذِ مَالٍ، وَإِنَّمَا طَالَبُوهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهَا، وَذَلِكَ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، وَلَكِنْ لَمَّا تَعَنَّتُوهُ بِالْيَمِينِ جَعَلَهُ مُضْطَهَدًا؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ

стр. 6968

الْيَمِينَ؛ لِيَتَوَصَّلَ إلَى قَصْدِهِ مِنْ السَّفَرِ، فَلَمْ يَكُنْ حَلِفُهُ عَنْ اخْتِيَارٍ، بَلْ هُوَ كَالْمَحْمُولِ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكْرَهِ أَنَّ الْمُكْرَهَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِاحْتِمَالِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَاصِدٌ لِلْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ بِالْتِزَامِ مَا طُلِبَ مِنْهُ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ رَاضٍ، وَلَا مُؤْثِرًا لِمَا الْتَزَمَهُ، وَلَيْسَ لَهُ وَطَرٌ فِيهِ. فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَنَزِّلْهُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ يَرَى الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ مُوقِعًا لِلطَّلَاقِ إذَا حَنِثَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: وَلَا يُعْلَمُ لِعَلِيٍّ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ» اهـ. وقد ذكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ عدة أدلة تدل على أنَّ الحلف بالطلاق والعتق من الأيمان المكفرة فقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٢٦٧ - ٣٠٧): «والدليل على هذا القول: الكتاب والسنة والأثر والاعتبار. أمَّا الكتاب فقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فوجه الدلالة

стр. 6969

أنَّ الله قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وهذا نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون أنَّ الله قد فرض لها تحلة، وذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد للنبي ﷺ مع علمه سبحانه بأنَّ الأمة يحلفون بأيمان شتى، فلو فرض يمين واحدة ليس لها تحلة لكان مخالفاً للآية، كيف وهذا عام لم تخص منه صورة واحدة لا بنص ولا بإجماع، بل هو عام عموماً معنوياً مع عمومه اللفظي؛ فإنَّ اليمين معقودة توجب منع المكلف من الفعل فشرع التحلة لهذه العقدة مناسب لما فيه من التخفيف والتوسعة. وهذا موجود في اليمين بالعتق والطلاق أكثر منه في غيرهما من أيمان نذر اللجاج والغضب. فإنَّ الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلنَّ النفس أو ليقطعنَّ رحمه أو ليمنعنَّ الواجب عليه من أداء أمانة ونحوها: فإنَّه يجعل الطلاق عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين الناس أكثر مما يجعل الله عرضة ليمينه؛ ثم إن وفى بيمينه كان عليه من ضرر الدنيا والدين ما قد أجمع المسلمون على تحريم الدخول فيه، وإن طلق امرأته ففي الطلاق أيضاً من ضرر الدين والدنيا ما لا خفاء فيه.

стр. 6970

أمَّا الدين فإنَّه مكروه باتفاق الأمة مع استقامة حال الزوجين: إمَّا كراهة تنزيه أو كراهة تحريم، فكيف إذا كانا في غاية الاتصال وبينهما من الأولاد والعشرة ما يكون في طلاقهما من ضرر الدين أمر عظيم، وكذلك ضرر الدنيا كما يشهد به الواقع؛ بحيث لو خير أحدهما بين أن يخرج من ماله ووطنه وبين الطلاق لاختار فراق ماله ووطنه على الطلاق، وقد قرن الله فراق الوطن بقتل النفس؛ ولهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه متابعة لعطاء: إنَّها إذا أحرمت بالحج فحلف عليها زوجها بالطلاق أنَّها لا تحج صارت محصرة وجاز لها التحلل؛ لما عليها في ذلك من الضرر الزائد على ضرر الإحصار بالعدو أو القريب منه، وهذا ظاهر فيما إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أطلقك أو أعتق عبيدي؛ فإنَّ هذا في نذر اللجاج والغضب بالاتفاق كما لو قال: والله لأطلقنك أو لأعتقنَّ عبيدي؛ وإنَّما الفرق بين وجود العتق ووجوبه هو الذي اعتمده المفرقون. وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. وأيضاً: فإنَّ الله قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وذلك يقتضي أنَّه ما من تحريم لما أحل الله إلَّا والله غفور لفاعله رحيم به، وأنَّه لا علة تقتضي ثبوت ذلك التحريم؛ لأنَّ قوله: ﴿لِمَ﴾ لأي شيء.

стр. 6971

استفهام في معنى النفي والإنكار والتقدير لا سبب لتحريمك ما أحل الله لك والله غفور رحيم، فلو كان الحالف بالنذر والعتاق والطلاق على أنَّه لا يفعل شيئاً لا رخصة له لكان هنا سبب يقتضي تحريم الحلال ولا يبقى موجب المغفرة والرحمة على هذا الفاعل. وأيضاً: قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ والحجة منها كالحجة من الأولى وأقوى؛ فإنَّه قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وهذا عام لتحريمها بالأيمان من الطلاق وغيرها؛ ثم بين وجه المخرج من ذلك بقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي فكفارة تعقيدكم أو عقدكم الأيمان وهذا عام؛ ثم قال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ وهذا عام كعموم قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. ومما يوضح عمومه أنَّهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق في عموم قوله ﷺ : "من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك". فأدخلوا فيه الحلف بالطلاق والعتاق والنذر والحلف بالله. وإنَّما لم يدخل مالك وأحمد وغيرهما تنجيز الطلاق موافقة لابن عباس لأنَّ إيقاع الطلاق ليس بحلف؛ وإنَّما

стр. 6972

الحلف المنعقد ما تضمن محلوفاً به ومحلوفاً عليه: إمَّا بصيغة القسم وإمَّا بصيغة الجزاء وما كان في معنى ذلك؛ كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وهذه الدلالة تنبيه على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهم في مسألة "نذر اللجاج والغضب" فإنَّهم احتجوا على التكفير فيه بهذه الآية وجعلوا قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ عاماً في اليمين بالله واليمين بالنذر، ومعلوم أنَّ شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوهما سواء. فإن قيل: المراد في الآية اليمين بالله فقط فإنَّ هذا هو المفهوم من مطلق اليمين، ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام والإضافة في قوله: ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ منصرفاً إلى اليمين المعهودة عندهم وهي اليمين بالله وحينئذ فلا يعم اللفظ إلَّا المعروف عندهم. والحلف بالطلاق ونحوه لم يكن معروفاً عندهم، ولو كان اللفظ عاماً فقد علمنا أنَّه لم يدخل فيه اليمين التي ليست مشروعة كاليمين بالمخلوقات فلا يدخل فيه الحلف بالطلاق ونحوه؛ لأنَّه ليس من اليمين المشروعة؛ لقوله: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليصمت". وهذا سؤال من يقول كل يمين غير مشروعة فلا كفارة لها ولا حنث.

стр. 6973

فيقال: لفظ "اليمين" شمل هذا كله بدليل استعمال النبي ﷺ والصحابة والعلماء اسم اليمين في هذا كله كقوله ﷺ : "النذر حلف" وقول الصحابة لمن حلف بالهدي والعتق: كفر يمينك. وكذلك فهمه الصحابة من كلام النبي ﷺ كما سنذكره. ولإدخال العلماء لذلك في قوله ﷺ : "من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك". ويدل على عمومه في الآية أنَّه سبحانه قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فاقتضى هذا أنَّ نفس تحريم الحلال يمين كما استدل به ابن عباس وغيره. وسبب نزول الآية: إمَّا تحريمه العسل، وإمَّا تحريمه مارية القبطية. وعلى التقديرين فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية؛ وليس يميناً بالله؛ ولهذا أفتى جمهور الصحابة - كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم - أنَّ تحريم الحلال يمين مكفرة: إمَّا كفارة كبرى كالظهار، وإمَّا كفارة صغرى كاليمين بالله. وما زال السلف يسمون الظهار ونحوه يميناً. وأيضاً: فإنَّ قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إمَّا أن يراد به: لم تحرم بلفظ الحرام؟ وإمَّا: لم تحرمه باليمين بالله تعالى ونحوها؟ وإمَّا: لم تحرمه مطلقاً؟ فإن

стр. 6974

أريد الأول والثالث فقد ثبت أنَّ تحريمه بغير الحلف بالله يمين فيعم. وإن أريد به تحريمه بالحلف بالله فقد سمى الله الحلف بالله تحريماً للحلال ومعلوم أنَّ اليمين بالله لم توجب الحرمة الشرعية؛ لكن لما أوجبت امتناع الحالف من الفعل فقد حرمت عليه الفعل تحريماً شرطياً لا شرعياً فكل يمين توجب امتناعه من الفعل فقد حرمت عليه الفعل فيدخل في عموم قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وحينئذ فقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ لا بد أن يعم كل يمين حرمت الحلال لأنَّ هذا حكم ذلك الفعل فلا بد أن يطابق صوره؛ لأنَّ تحريم الحلال هو سبب قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وسبب الجواب إذا كان عاماً كان الجواب عاماً لئلا يكون جواباً عن البعض مع قيام السبب المقتضي للتعميم، وهذا التقدير في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾. وأيضاً: فإنَّ الصحابة فهمت العموم وكذلك العلماء عامتهم حملوا الآية على اليمين بالله وغيرها. وأيضاً: فنقول: على الرأس. سلمنا أنَّ اليمين المذكورة في الآية المراد بها اليمين بالله تعالى، وأنَّ ما سوى اليمين بالله تعالى لا يلزم بها حكم فمعلوم أنَّ الحلف

стр. 6975

بصفاته كالحلف به كما لو قال: وعزة الله تعالى أو لعمر الله أو: والقرآن العظيم فإنَّه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصفات ونحوها عن النبي ﷺ والصحابة؛ ولأنَّ الحلف بصفاته كالاستعاذة بها - وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلَّا بالله في مثل قول النبي ﷺ : "أعوذ بوجهك"، و"أعوذ بكلمات الله التامات"، و"أعوذ برضاك من سخطك"، ونحو ذلك - وهذا أمر متقرر عند العلماء. وإذا كان كذلك فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله؛ فإنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي الحج. فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج عليه حكم من أحكام الله تعالى وهو من صفاته. وكذلك لو قال: فعلي تحرير رقبة. وإذا قال: فامرأتي طالق وعبدي حر. فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات الله كما أنَّ الإيجاب من صفات الله وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فجعل صدوره في النكاح والطلاق والخلع من آياته؛ لكنه إذا حلف بالإيجاب والتحريم فقد عقد اليمين لله كما يعقد النذر لله فإنَّ قوله: علي الحج والصوم. عقد لله؛ ولكن إذا كان حالفاً فهو لم يقصد العقد لله بل قصد الحلف به فإذا حنث ولم يوف به فقد ترك ما عقد لله كما أنَّه إذا فعل المحلوف فقد ترك ما عقده لله.

стр. 6976

يوضح ذلك أنَّه إذا حلف بالله أو بغير الله مما يعظمه بالحلف فإنَّما حلف به ليعقد به المحلوف عليه ويربطه به لأنَّه يعظمه في قلبه إذا ربط به شيئاً لم يحله؛ فإذا حلَّ ما ربطه به فقد انتقصت عظمته من قلبه وقطع السبب الذي بينه وبينه. وكما قال بعضهم: اليمين العقد على نفسه لحق من له حق، ولهذا إذا كانت اليمين غموساً كانت من الكبائر الموجبة للنار كما قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وذكرها النبي ﷺ في عد الكبائر؛ وذلك أنَّه إذا تعمد أن يعقد بالله ما ليس منعقداً به فقد نقص الصلة التي بينه وبين ربه بمنزلة من أخبر عن الله بما هو منزه عنه أو تبرأ من الله؛ بخلاف ما إذا حلف على المستقبل فإنَّه عقد بالله فعلاً قاصداً لعقده على وجه التعظيم لله؛ لكن الله أباح له حل هذا العقد الذي عقده؛ كما يبيح له ترك بعض الواجبات لحاجة أو يزيل عنه وجوبها. ولهذا قال أكثر أهل العلم: إذا قال: هو يهودي. أو نصراني إن لم يفعل ذلك. فهي يمين بمنزلة قوله: والله لأفعلنَّ؛ لأنَّه ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله فيكون قد ربط الفعل بإيمانه بالله وهذا هو حقيقة الحلف بالله.

стр. 6977

فربط الفعل بأحكام الله من الإيجاب أو التحريم أدنى حالاً من ربطه بالله. يوضح ذلك أنَّه إذا عقد اليمين بالله فهو عقد لها بإيمانه بالله وهو ما في قلبه من جلال الله وإكرامه الذي هو جد الله ومثله الأعلى في السموات والأرض، كما أنَّه إذا سبح الله وذكره فهو مسبح لله وذاكر له بقدر ما في قلبه من معرفته وعبادته؛ ولذلك جاء التسبيح تارة لاسم الله كما في قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ مع قوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ فحيث عظم العبد ربه بتسبيح اسمه أو الحلف به أو الاستعاذة به فهو مسبح له بتوسط المثل الأعلى الذي في قلبه من معرفته وعبادته وعظمته ومحبته علماً وفضلاً وإجلالاً وإكراماً وحكم الإيمان والكفر إنَّما يعود إلى ما كسبه قلبه من ذلك كما قال سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وكما في موضع آخر: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. فلو اعتبر الشارع ما في لفظ القسم من انعقاده بالأيمان وارتباطه به دون قصد الحلف لكان موجبه أنَّه إذا حنث بغير أيمانه تزول حقيقته كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، وكما أنَّه إذا حلف على ذلك يميناً فاجرة كانت من الكبائر، وإذا اشترى بها مالاً معصوماً فلا خلاق له في الآخرة ولا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم؛ لكن الشارع

стр. 6978

علم أنَّ الحالف بها ليفعلنَّ أو لا يفعل ليس غرضه الاستخفاف بحرمة اسم الله والتعلق به لغرض الحالف باليمين الغموس فشرع له الكفارة وحل هذا العقد وأسقطها عن لغو اليمين؛ لأنَّه لم يعقد قلبه شيئاً من الجناية على إيمانه فلا حاجة إلى الكفارة. وإذا ظهر أنَّ موجب لفظ اليمين انعقاد الفعل بهذا اليمين الذي هو إيمانه بالله فإذا عدم الفعل كان مقتضى لفظه عدم إيمانه. هذا لولا ما شرع الله من الكفارة كما أنَّ مقتضى قوله: إن فعلت كذا أوجب علي كذا. أنَّه عند الفعل يجب ذلك الفعل لولا ما شرع الله من الكفارة. يوضح ذلك أنَّ النبي ﷺ قال: "من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال" أخرجاه في الصحيحين. فجعل اليمين الغموس في قوله: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا كالغموس في قوله: والله ما فعلت كذا؛ إذ هو في كلا الأمرين قد قطع عهده من الله حيث علق الإيمان بأمر معدوم والكفر بأمر موجود بخلاف اليمين على المستقبل. وطرد هذا المعنى أنَّ اليمين الغموس إذا كانت في النذر أو الطلاق أو العتاق وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة كما يقع الكفر بذلك في أحد قولي العلماء. وبهذا يحصل الجواب عن قولهم: المراد به اليمين المشروعة.

стр. 6979

وأيضاً: قوله : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فإنَّ السلف مجمعون أو كالمجمعين على أنَّ معناها أنَّكم لا تجعلوا الله مانعاً لكم إذا حلفتم به من البر والتقوى والإصلاح بين الناس؛ بأن يحلف الرجل أن لا يفعل معروفاً مستحباً أو واجباً، أو ليفعلنَّ مكروهاً أو حراماً ونحوه فإذا قيل له: افعل ذلك أو لا تفعل هذا. قال: قد حلفت بالله: فيجعل الله عرضة ليمينه. فإذا كان قد نهى عباده أن يجعلوا نفسه مانعاً لهم في الحلف من البر والتقوى. والحلف بهذه الأيمان إن كان داخلاً في عموم الحلف به وجب أن لا يكون مانعاً من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنَّه إذا نهى أن يكون هو سبحانه عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي فغيره أولى أن نكون منهيين عن جعله عرضة لأيماننا، وإذا تبين أننا منهيون عن أن نجعل شيئاً من الأشياء عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي ونصلح بين الناس فمعلوم أنَّ ذلك إنَّما هو لما في البر والتقوى والإصلاح مما يحبه الله ويأمر به فإذا حلف الرجل بالنذر أو بالطلاق أو بالعتاق أن لا يبر ولا يتقي ولا يصلح فهو بين أمرين: إن وفى بذلك فقد جعل هذه الأشياء عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين الناس، وإن حنث فيها وقع عليه الطلاق ووجب عليه فعل المنذور؛ فقد يكون خروج أهله منه أبعد عن البر

стр. 6980

والتقوى من الأمر المحلوف عليه فإن أقام على يمينه ترك البر والتقوى وإن خرج عن أهله وماله ترك البر والتقوى فصارت عرضة ليمينه أن يبر ويتقي فلا يخرج عن ذلك إلَّا بالكفارة. وهذا المعنى هو الذي دلت عليه السنة: ففي الصحيحين من حديث همام عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه". ورواه البخاري أيضاً من حديث عكرمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من استلج في أهله بيمين فهو أعظم إثماً" فأخبر النبي ﷺ أنَّ اللجاج باليمين في أهل الحالف أعظم من التكفير. واللجاج التمادي في الخصومة؛ ومنه قيل رجل لجوج إذا تمادى في الخصومة ولهذا تسمي العلماء هذا نذر اللجاج والغضب فإنَّه يلج حتى يعقده ثم يلج في الامتناع من الحنث. فبين النبي ﷺ أنَّ اللجاج باليمين أعظم إثماً من الكفارة وهذا عام في جميع الأيمان. وأيضاً: فإنَّ النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك". أخرجاه في الصحيحين، وفي رواية في الصحيحين: "فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير". .

стр. 6981

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير" وفي رواية: "فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه". وهذا نكرة في سياق الشرط فيعم كل حلف على يمين كائناً ما كان الحلف؛ فإذا رأى غير اليمين المحلوف عليها خيراً منها وهو أن يكون اليمين المحلوف عليها تركاً لخير فيرى فعله خيراً من تركه، أو يكون فعلاً لشر فيرى تركه خيراً من فعله فقد أمر النبي ﷺ أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه. وقوله هنا: "على يمين" هو والله أعلم من باب تسمية المفعول باسم المصدر سمي الأمر المحلوف عليه يميناً كما يسمى المخلوق خلقاً والمضروب ضرباً والمبيع بيعاً ونحو ذلك، وكذلك أخرجاه في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري في قصته وقصة أصحابه؛ لما جاءوا إلى النبي ﷺ ليستحملوه فقال: "والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه"، ثم قال: "إنِّي والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلاَّ أتيت الذي هو خير وتحللتها". وفي رواية في الصحيحين: "إلَّا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير". وروى مسلم في صحيحه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا

стр. 6982

حلف أحدكم على اليمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفرها وليأت الذي هو خير". وفي رواية لمسلم أيضاً: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفرها وليأت الذي هو خير". وقد رويت هذه السنة عن النبي ﷺ من غير هذه الوجوه من حديث عبد الله بن عمر وعوف بن مالك الجشمي. فهذه نصوص رسول الله ﷺ المتواترة أنَّه أمر من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير ولم يفرق بين الحلف بالله أو النذر ونحوه. وروى النسائي عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "ما على الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيراً منها إلَّا أتيته". وهذا صريح بأنَّه قصد تعميم كل يمين في الأرض وكذلك الصحابة فهموا منه دخول الحلف بالنذر في هذا الكلام فروى أبو داود في سننه حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا خبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب: أنَّ أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: إنَّ الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 6983

"لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك". فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر هذا الذي حلف بصيغة الشرط ونذر نذر اللجاج والغضب بأن يكفر يمينه وأن لا يفعل ذلك المنذور واحتج بما سمعه من النبي ﷺ أنَّه قال: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك". ففهم من هذا أنَّ من حلف بيمين أو نذر على معصية أو قطيعة فإنَّه لا وفاء عليه في ذلك النذر وإنَّما عليه الكفارة؛ كما أفتاه عمر. ولولا أنَّ هذا النذر كان عنده يميناً لم يقل له كفر عن يمينك. وإنَّما قال ﷺ : "لا يمين ولا نذر" لأنَّ اليمين ما قصد بها الحض أو المنع والنذر ما قصد به التقرب وكلاهما لا يوفى به في المعصية والقطيعة. وفي هذا الحديث دلالة أخرى وهو أنَّ قول النبي ﷺ : "لا يمين ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة رحم" يعم جميع ما يسمى يميناً أو نذراً سواء كانت اليمين بالله أو كانت بوجوب ما ليس بواجب من الصدقة أو الصيام أو الحج أو الهدي أو كانت بتحريم الحلال كالظهار والطلاق والعتاق. ومقصود النبي ﷺ إمَّا أن يكون نهيه عن المحلوف عليه من المعصية والقطيعة فقط، أو يكون مقصوده مع ذلك لا يلزمه ما في اليمين والنذر

стр. 6984

من الإيجاب والتحريم، وهذا الثاني هو الظاهر؛ لاستدلال عمر بن الخطاب به؛ فإنَّه لولا أنَّ الحديث يدل على هذا لم يصح استدلال عمر بن الخطاب ﵁ على ما أجاب به السائل من الكفارة دون إخراج المال في كسوة الكعبة؛ ولأنَّ لفظ النبي ﷺ يعم ذلك كله. وأيضاً: فمما يبين دخول الحلف بالنذر والطلاق والعتاق في اليمين والحلف في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه". رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن. وأبو داود ولفظه: حدثنا أحمد بن حنبل ثنا سفيان؛ عن أيوب عن نافع عن ابن عمر يبلغ به النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فقد استثنى". ورواه أيضاً من طريق عبد الرزاق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث". رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ولفظه "فله ثنياه". والنسائي وقال: "فقد استثنى".

стр. 6985

ثم عامة الفقهاء أدخلوا الحلف بالنذر وبالطلاق وبالعتاق في هذا الحديث وقالوا: ينفع فيه الاستثناء بالمشيئة؛ بل كثير من أصحاب أحمد يجعل الحلف بالطلاق لا خلاف فيه في مذهبه وإنَّما الخلاف فيما إذا كان بصيغة الجزاء. وإنَّما الذي لا يدخل عند أكثرهم هو نفس إيقاع الطلاق والعتاق والفرق بين إيقاعهما والحلف بهما ظاهر. وسنذكر إن شاء الله "قاعدة الاستثناء" فإذا كانوا قد أدخلوا الحلف بهذه الأشياء في قوله: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه". فكذلك يدخل في قوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه". فإن كلا اللفظين سواء وهذا واضح لمن تأمله؛ فإنَّ قوله ﷺ : "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه". العموم فيه مثله في قوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي خير وليكفر عن يمينه". وإذا كان لفظ رسول الله ﷺ في حكم الاستثناء هو لفظه في حكم الكفارة وجب أن يكون كل ما ينفع فيه الاستثناء ينفع فيه التكفير، وكل ما ينفع فيه التكفير ينفع فيه الاستثناء كما نص عليه أحمد في غير موضع. ومن قال: إنَّ رسول الله ﷺ قصد بقوله: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه". جميع الأيمان التي

стр. 6986

يحلف بها من اليمين بالله وبالنذر وبالطلاق وبالعتاق وبقوله: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها" إنَّما قصد به اليمين بالله أو اليمين بالله والنذر. فقوله ضعيف فإنَّ حضور موجب أحد اللفظين بقلب النبي ﷺ مثل حضور موجب اللفظ الآخر إذ كلاهما لفظ واحد؛ والحكم فيهما من جنس واحد وهو رفع اليمين. إمَّا بالاستثناء وإمَّا بالتكفير». إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: «ثم يقال بعد ذلك قول أحمد وغيره: الطلاق والعتاق لا يكفران. كقوله وقول غيره: لا استثناء فيهما وهذا في إيقاع الطلاق والعتاق. وأمَّا الحلف بهما فليس تكفيراً لهما؛ وإنَّما هو تكفير للحلف بهما كما أنَّه إذا حلف بالصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي ونحو ذلك في نذر اللجاج والغضب فإنَّه لم يكفر الصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي وإنَّما يكفر الحلف بهم وإلَّا فالصلاة لا كفارة فيها وكذلك هذه العبادات لا كفارة فيها لمن يقدر عليها، وكما أنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق. فإنَّ عليه الكفارة بلا خلاف في مذهب أحمد وموافقيه من القائلين بنذر اللجاج والغضب؛ وليس ذلك تكفيراً للعتق وإنَّما هو تكفير للحلف به. فلازم قول أحمد هذا أنَّه إذا جعل الحلف بهما يصح فيه

стр. 6987

الاستثناء كان الحلف بهما تصح فيه الكفارة وهذا موجب سنة رسول الله ﷺ كما قدمناه. وأمَّا من لم يجعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كأحد القولين في مذهب أحمد ومذهب مالك فهو قول مرجوح ونحن في هذا المقام إنَّما نتكلم بتقدير تسليمه وسنتكلم إن شاء الله في "مسألة الاستثناء" على حدة. وإذا قال أحمد أو غيره من العلماء: إنَّ الحلف بالطلاق والعتاق لا كفارة فيه لأنَّه لا استثناء فيه لزم من هذا القول أنَّ الاستثناء في الحلف بهما. وأمَّا من فرق من أصحاب أحمد فقال: يصح في الحلف بهما الاستثناء ولا تصح الكفارة. فهذا الفرق لم أعلمه منصوصاً عليه عن أحمد؛ ولكنَّهم معذورون فيه من قوله حيث لم يجدوه نص في تكفير الحلف بهما على روايتين كما نص في الاستثناء في الحلف بهما على روايتين؛ لكن هذا القول لازم على إحدى الروايتين عنه التي ينصرونها. ومن سوى الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها ولو تفطن لكان إمَّا أن يلتزمها أو لا يلتزمها بل يرجع عن الملزوم أو لا يرجع عنه ويعتقد أنَّها غير لوازم. والفقهاء من أصحابنا وغيرهم إذا خرجوا على قول عالم لوازم قوله وقياسه. فإمَّا أن لا يكون نص على ذلك اللازم لا بنفي ولا إثبات، أو نص على نفيه. وإذا نص

стр. 6988

على نفيه فإمَّا أن يكون نص على نفي لزومه أو لم ينص، فإن كان قد نص على نفي ذلك اللازم وخرجوا عنه خلاف المنصوص عنه في تلك المسألة مثل أن ينص في مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين أو يعلل مسألة بعلة ينقضها في موضع آخر كما علل أحمد هنا عدم التكفير بعدم الاستثناء وعنه في الاستثناء روايتان. فهذا مبني على تخريج ما لم يتكلم فيه بنفي ولا إثبات هل يسمى ذلك مذهباً؟ أو لا يسمى؟ ولأصحابنا فيه خلاف مشهور. فالأثرم والخرقي وغيرهما يجعلونه مذهباً له، والخلال وصاحبه وغيرهما لا يجعلونه مذهباً له. والتحقيق أنَّ هذا قياس قوله ولازم قوله؛ فليس بمنزلة المذهب المنصوص عنه؛ ولا أيضاً بمنزلة ما ليس بلازم قوله؛ بل هو منزلة بين منزلتين. هذا حيث أمكن أن لا يلازمه. وأيضاً: فإنَّ الله شرع الطلاق مبيحاً له أو آمراً به أو ملزماً له إذا أوقعه صاحبه وكذلك العتق وكذلك النذر. وهذه العقود من النذور والطلاق والعتاق تقتضي وجوب أشياء على العبد أو تحريم أشياء عليه. والوجوب والتحريم إنَّما يلزم العبد إذا قصده أو قصد سببه؛ فإنَّه لو جرى على لسانه هذا الكلام بغير قصد لم يلزمه شيء بالاتفاق ولو تكلم بهذه الكلمات مكرهاً لم يلزمه حكمها عندنا وعند

стр. 6989

الجمهور كما دلت عليه السنة وآثار الصحابة؛ لأنَّ مقصوده إنَّما هو دفع المكروه عنه؛ لم يقصد حكمها؛ ولا قصد التكلم بها ابتداء. فكذلك الحالف إذا قال: إن لم أفعل كذا فعلي الحج أو الطلاق ليس يقصد التزام حج ولا طلاق ولا تكلم بما يوجبه ابتداء؛ وإنَّما قصده الحض على ذلك الفعل. أو منع نفسه منه كما أنَّ قصد المكره دفع المكروه عنه؛ ثم قال على طريق المبالغة في الحض والمنع: إن فعلت كذا فهذا لي لازم أو هذا علي حرام؛ لشدة امتناعه من هذا اللزوم والتحريم علق ذلك به فقصده منعهما جميعاً لا ثبوت أحدهما ولا ثبوت سببه. وإذا لم يكن قاصداً للحكم ولا لسببه وإنَّما قصده عدم الحكم لم يجب أن يلزمه الحكم. وأيضاً: فإنَّ اليمين بالطلاق بدعة محدثة في الأمة لم يبلغني أنَّه كان يحلف بها على عهد قدماء الصحابة؛ ولكن قد ذكروها في أيمان البيعة التي رتبها الحجاج بن يوسف وهي تشتمل على اليمين بالله وصدقة المال والطلاق والعتاق. ولم أقف إلى الساعة على كلام لأحد من الصحابة في الحلف بالطلاق وإنَّما الذي بلغنا عنهم الجواب في الحلف بالعتق كما تقدم. ثم هذه البدعة قد شاعت في الأمة وانتشرت انتشاراً عظيماً؛ ثم لما اعتقد من اعتقد أنَّ الطلاق يقع بها لا محالة: صار في وقوع الطلاق بها من الأغلال على الأمة ما

стр. 6990

هو شبيه بالأغلال التي كانت على بني إسرائيل ونشأ عن ذلك خمسة أنواع من الحيل والمفاسد في الأيمان حتى اتخذوا آيات الله هزواً، وذلك أنَّهم يحلفون بالطلاق على ترك أمور لا بد لهم من فعلها إمَّا شرعاً وإمَّا طبعاً، وعلى فعل أمور يصلح فعلها إمَّا شرعاً وإمَّا طبعاً، وغالب ما يحلفون بذلك في حال اللجاج والغضب. ثم فراق الأهل فيه من الضرر في الدين والدنيا ما يزيد على كثير من أغلال اليهود، وقد قيل إنَّ الله إنَّما حرم المطلقة ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره لئلا يسارع الناس إلى الطلاق؛ لما فيه من المفسدة. فإذا حلفوا بالطلاق على الأمور اللازمة أو الممنوعة وهم محتاجون إلى فعل تلك الأمور أو تركها مع عدم فراق الأهل قدحت الأفكار لهم أربعة أنواع من الحيل أخذت عن الكوفيين وغيرهم. الحيلة الأولى في المحلوف عليه: فيتأول لهم خلاف ما قصدوه وخلاف ما يدل عليه الكلام في عرف الناس وعاداتهم. وهذا هو الذي وصفه بعض المتكلمين في الفقه ويسمونه "باب المعاياة" و"باب الحيل في الأيمان" وأكثره مما يعلم بالاضطرار من الدين أنَّه لا يسوغ في الدين ولا يجوز حمل كلام الحالف عليه؛ ولهذا كان الأئمة كأحمد وغيره يشددون النكير على من يحتال في هذه الأيمان.

стр. 6991

الحيلة الثانية إذا تعذر الاحتيال في الكلام المحلوف عليه احتالوا للفعل المحلوف عليه؛ بأن يأمروه بمخالعة امرأته ليفعل المحلوف عليه في زمن البينونة وهذه الحيلة أحدث من التي قبلها وأظنها حدثت في حدود المائة الثالثة؛ فإنَّ عامة الحيل إنَّما نشأت عن بعض أهل الكوفة وحيلة الخلع لا تمشي على أصلهم؛ لأنَّهم يقولون: إذا فعل المحلوف عليه في العدة وقع به الطلاق لأنَّ المعتدة من فرقة بائنة يلحقها الطلاق عندهم فيحتاج المحتال بهذه الحيلة أن يتربص حتى تنقضي العدة ثم يفعل المحلوف عليه بعد انقضائها وهذا فيه ضرر عليه من جهة طول المدة. فصار يفتي بها بعض أصحاب الشافعي. وربما ركبوا معها أحد قوليه الموافق لأشهر الروايتين عن أحمد من: أنَّ الخلع فسخ؛ وليس بطلاق. فيصير الحالف كلما أراد الحنث خلع زوجته وفعل المحلوف عليه ثم تزوجها؛ فإمَّا أن يفتوه بنقص عدد الطلاق؛ أو يفتوه بعدمه وهذا الخلع الذي هو "خلع الأيمان" شبيه بنكاح المحلل سواء؛ فإنَّ ذلك عقد عقداً لم يقصده وإنَّما قصد إزالته وهذا فسخ فسخاً لم يقصده وإنَّما قصد إزالته وهذه حيلة محدثة باردة قد صنف أبو عبد الله ابن بطة جزءاً في إبطالها وذكر عن السلف في ذلك من الآثار ما قد ذكرت بعضه في غير هذا الموضع.

стр. 6992

الحيلة الثالثة إذا تعذر الاحتيال في المحلوف عليه احتالوا في المحلوف به فيبطلونه بالبحث عن شروطه. فصار قوم من المتأخرين من أصحاب الشافعي يبحثون عن صفة عقد النكاح لعله اشتمل على أمر يكون به فاسداً؛ ليرتبوا على ذلك أنَّ الطلاق في النكاح الفاسد لا يقع ومذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد في إحدى روايتيه أنَّ الولي الفاسق لا يصح نكاحه والفسوق غالب على كثير من الناس فينفق سوق هذه المسألة بسبب الاحتيال لرفع يمين الطلاق حتى رأيت من صنف في هذه المسألة مصنفاً مقصوده به الاحتيال لرفع الطلاق. ثم تجد هؤلاء الذين يحتالون بهذه الحيلة إنَّما ينظرون في صفة عقد النكاح وكون ولاية الفاسق لا تصح عند إيقاع الطلاق الذي قد ذهب كثير من أهل العلم أو أكثرهم إلى أنَّه يقع في الفاسد في الجملة وأمَّا عند الوطء والاستمتاع الذي أجمع المسلمون على أنَّه لا يباح في النكاح الفاسد فلا ينظرون في ذلك ولا ينظرون في ذلك أيضاً عند الميراث وغيره من أحكام النكاح الصحيح؛ بل عند وقوع الطلاق خاصة. وهذا نوع من اتخاذ آيات الله هزوا ومن المكر في آيات الله؛ إنَّما أوجبه الحلف بالطلاق والضرورة إلى عدم وقوعه.

стр. 6993

الحيلة الرابعة الشرعية في إفساد المحلوف به أيضاً؛ لكن لوجود مانع؛ لا لفوات شرط؛ فإنَّ أبا العباس بن سريج وطائفة بعده اعتقدوا أنَّه إذا قال لامرأته: إذا وقع عليك طلاقي وإذا طلقتك فأنت طالق قبل ثلاثاً فإنَّه لا يقع عليها بعد ذلك طلاق أبداً؛ لأنَّه إذا وقع المنجز لزم وقوع المعلق وإذا وقع المعلق امتنع وقوع المنجز فيفضي وقوعه إلى عدم وقوعه فلا يقع، وأمَّا عامة فقهاء الإسلام من جميع الطوائف فأنكروا ذلك؛ بل رأوه من الزلات التي يعلم بالاضطرار كونها ليست من دين الإسلام؛ حيث قد علم بالضرورة من دين محمد بن عبد الله ﷺ أنَّ الطلاق أمر مشروع في كل نكاح وأنَّه ما من نكاح إلَّا ويمكن فيه الطلاق: وسبب الغلط أنَّهم اعتقدوا صحة هذا الكلام فقالوا: إذا وقع المنجز وقع المعلق. وهذا الكلام ليس بصحيح فإنَّه مستلزم وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث ممتنع في الشريعة. فالكلام المشتمل على ذلك باطل؛ وإذا كان باطلاً لم يلزم من وقوع المنجز وقوع المعلق؛ لأنَّه إنَّما يلزم إذا كان التعليق صحيحاً. ثم اختلفوا هل يقع من المعلق تمام الثلاث؟ أم يبطل التعليق ولا يقع إلَّا المنجز؟ على قولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. وما أدري هل استحدث ابن سريج هذه المسألة للاحتيال على رفع الطلاق؟ أم قاله طرداً لقياس

стр. 6994

اعتقد صحته واحتال بها من بعده؟ لكنِّي رأيت مصنفاً لبعض المتأخرين بعد المائة الخامسة صنفه في هذه المسألة ومقصوده بها الاحتيال على عدم وقوع الطلاق. ولهذا صاغوها بقوله: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً. لأنَّه لو قال: إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً لم تنفعه هذه الصيغة في الحيلة وإن كان كلاهما في الدور سواء. وذلك لأنَّ الرجل إذا قال لامرأته إذا طلقتك فعبدي حر أو فأنت طالق: لم يحنث إلَّا بتطليق ينجزه بعد هذه اليمين؛ أو يعلقه بعدها على شرط فيوجد. فإن كل واحد من التنجيز والتعليق الذي وجد شرطه تطليق. أمَّا إذا كان قد علق طلاقها قبل هذه اليمين بشرط ووجد الشرط بعد هذه اليمين لم يكن مجرد وجود الشرط ووقوع الطلاق به تطليقاً؛ لأنَّ التطليق لا بد أن يصدر عن المطلق ووقوع الطلاق بصفة يفعلها غيره ليس فعلاً منه. فأمَّا إذا قال: إذا وقع عليك طلاقي. فهذا يعم المنجز والمعلق بعد هذا بشرط والواقع بعد هذا بشرط تقدم تعليقه. فصوروا المسألة بصورة قوله: إذا وقع عليك طلاقي. حتى إذا حلف الرجل بالطلاق لا يفعل شيئاً قالوا له: قل إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً. فيقول ذلك فيقولون له: افعل الآن ما حلفت عليه؛ فإنَّه لا يقع عليك طلاق فهذا "التسريج" المنكر عند عامة أهل الإسلام المعلوم يقيناً أنَّه ليس

стр. 6995

من الشريعة التي بعث الله بها محمداً ﷺ إنَّما نفقه في الغالب وأحوج كثيراً من الناس إلَّا الحلف بالطلاق وإلَّا فلولا ذلك لم يدخل فيه أحد؛ لأنَّ العاقل لا يكاد يقصد انسداد باب الطلاق عليه إلَّا نادراً. الحيلة الخامسة إذا وقع الطلاق ولم يمكن الاحتيال لا في المحلوف عليه قولاً ولا فعلاً ولا في المحلوف به إبطالاً ولا منعاً احتالوا لإعادة النكاح "بنكاح المحلل" الذي دلت السنة وإجماع الصحابة مع دلالة القرآن وشواهد الأصول على تحريمه وفساده ثم قد تولد من نكاح المحلل من الفساد ما لا يعلمه إلَّا الله كما قد نبهنا على بعضه في كتاب "إقامة الدليل على بطلان التحليل" وأغلب ما يحوج الناس إلى نكاح المحلل هو الحلف بالطلاق؛ وإلَّا فالطلاق الثلاث لا يقدم عليه الرجل في الغالب إلَّا إذا قصده ومن قصده لم يترتب عليه من الندم والفساد ما يترتب على من اضطر لوقوعه لحاجته إلى الحنث. فهذه "المفاسد الخمس" التي هي الاحتيال على نقض الأيمان وإخراجها من مفهومها ومقصودها ثم الاحتيال بالخلع وإعادة النكاح ثم الاحتيال بالبحث عن فساد النكاح ثم الاحتيال بمنع وقوع الطلاق ثم الاحتيال بنكاح المحلل: في هذه الأمور من المكر والخداع والاستهزاء بآيات الله واللعب الذي ينفر العقلاء عن دين الإسلام ويوجب

стр. 6996

طعن الكفار فيه كما رأيته في بعض كتب النصارى وغيرها وتبين لكل مؤمن صحيح الفطرة أنَّ دين الإسلام بريء منزه عن هذه الخزعبلات التي تشبه حيل اليهود ومخاريق الرهبان. وأكثر ما أوقع الناس فيها وأوجب كثرة إنكار الفقهاء فيها واستخراجهم لها هو حلف الناس بالطلاق واعتقاد وقوع الطلاق عند الحنث لا محالة؛ حتى لقد فرع الكوفيون وغيرهم من فروع الأيمان شيئاً كثيراً مبناه على هذا الأصل وكثير من الفروع الضعيفة التي يفرعها هؤلاء ونحوهم هي كما كان الشيخ أبو محمد المقدسي ﵀ يقول: مثالها مثال رجل بنى داراً حسنة على حجارة مغصوبة فإذا نوزع في استحقاق تلك الحجارة التي هي الأساس فاستحقها غيره انهدم بناؤه؛ فإنَّ الفروع الحسنة إن لم تكن على أصول محكمة وإلَّا لم يكن لها منفعة. فإذا كان الحلف بالطلاق واعتقاد لزوم الطلاق عند الحنث قد أوجب هذه المفاسد العظيمة التي قد غيرت بعض أمور الإسلام عند من فعل ذلك وصار في هؤلاء شبه من أهل الكتاب كما أخبر به النبي ﷺ مع أنَّ لزوم الطلاق عند الحلف به ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أفتى به أصحاب رسول الله ﷺ بل ولا أحد منهم فيما أعلمه ولا اتفق عليه التابعون لهم

стр. 6997

بإحسان والعلماء بعدهم ولا هو مناسب لأصول الشريعة ولا حجة لمن قاله أكثر من عادة مستمرة أسندت إلى قياس معتضد بتقليد لقوم أئمة علماء محمودين عند الأمة وهم ولله الحمد فوق ما يظن بهم؛ لكن لم نؤمر عند التنازع إلَّا بالرد إلى الله وإلى الرسول وقد خالفهم من ليس دونهم؛ بل مثلهم أو فوقهم. فإنَّا قد ذكرنا عن أعيان من الصحابة كعبد الله بن عمر المجمع على إمامته وفقهه ودينه وأخته حفصة أم المؤمنين وزينب ربيبة رسول الله ﷺ وهي من أمثل فقيهات الصحابة الإفتاء بالكفارة في الحلف بالعتق والطلاق أولى منه. وذكرنا عن طاووس وهو من أفاضل علماء التابعين علماً وفقهاً وديناً: أنَّه لم يكن يرى اليمين بالطلاق موقعة له. فإذا كان لزوم الطلاق عند الحنث في اليمين به مقتضياً لهذه المفاسد وحاله في الشريعة هذه الحال: كان هذا دليلاً على أنَّ ما أفضى إلى هذا الفساد لم يشرعه الله ولا رسوله كما نبهنا عليه في ضمان الحدائق من يزدرعها ويستثمرها ويبيع الخضر ونحوها. وذلك أنَّ الحالف بالطلاق إذا حلف ليقطعن رحمه وليعقن أباه وليقتلن عدوه المسلم المعصوم وليأتين الفاحشة وليشربن الخمر وليفرقن بين المرء وزوجه ونحو

стр. 6998

ذلك من كبائر الإثم والفواحش فهو بين "ثلاثة أمور" إمَّا أن يفعل هذا المحلوف عليه: فهذا لا يقوله مسلم؛ لما فيه من ضرر الدنيا والآخرة مع أنَّ كثيراً من الناس بل والمفتين إذا رأوه قد حلف بالطلاق كان ذلك سبباً لتخفيف الأمر عليه وإقامة عذره. وإمَّا أن يحتال ببعض تلك الحيل المذكورة كما استخرجه قوم من المفتين: ففي ذلك من الاستهزاء بآيات الله ومخادعته والمكر في دينه والكيد له وضعف العقل والدين والاعتداء لحدوده والانتهاك لمحارمه والإلحاد في آياته: ما لا خفاء به؛ وإن كان في إخواننا الفقهاء من قد يستجيز بعض ذلك فقد دخل من الغلط في ذلك - وإن كان مغفوراً لصاحبه المجتهد المتقي لله - ما فساده ظاهر لمن تأمل حقيقة الدين. وإمَّا أن لا يحتال ولا يفعل المحلوف عليه؛ بل يطلق امرأته كما يفعله من يخشى الله إذا اعتقد وقوع الطلاق. ففي ذلك من الفساد في الدين والدنيا ما لا يأذن الله به ولا رسوله. أمَّا "فساد الدين" فإنَّ الطلاق منهي عنه مع استقامة حال الزوج باتفاق العلماء حتى قال النبي ﷺ : "إنَّ المختلعات والمنتزعات هنَّ المنافقات"

стр. 6999

وقال: "أيَّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة". وقد اختلف العلماء هل هو محرم؟ أو مكروه؟ وفيه روايتان عن أحمد. وقد استحسنوا جواب أحمد ﵁ لما سئل عمن حلف بالطلاق وحرم ليطأن امرأته وهي حائض. فقال: يطلقها ولا يطؤها قد أباح الله الطلاق وحرم وطء الحائض. وهذا الاستحسان يتوجه على أصلين: إمَّا على قوله إنَّ الطلاق ليس بحرام. وإمَّا أن يكون تحريمه دون تحريم الوطء. وإلَّا فإذا كان كلاهما حراماً لم يخرج من حرام إلَّا إلى حرام. وأمَّا "ضرر الدنيا" فأبين من أن يوصف؛ فإنَّ لزوم الطلاق والمحلوف به في كثير من الأوقات يوجب من الضرر ما لم تأت به الشريعة في مثل هذا قط فإنَّ المرأة الصالحة تكون في صحبة زوجها الرجل الصالح سنين كثيرة وهي متاعه الذي قال فيها رسول الله ﷺ : "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة المؤمنة إن نظرت إليها أعجبتك؛ وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك". وهي التي أمر بها النبي ﷺ في قوله: لما سأله المهاجرون أي المال نتخذ؟ فقال: "لسانا ذاكراً؛ وقلباً شاكراً أو امرأة صالحة تعين أحدكم على إيمانه". رواه الترمذي من حديث سالم بن أبي الجعد عن ثوبان،

стр. 7000

ويكون منها من المودة والرحمة ما امتن الله تعالى بها في كتابه فيكون ألم الفراق أشد عليها من الموت أحياناً وأشد من ذهاب المال وأشد من فراق الأوطان؛ خصوصاً إن كان بأحدهما علاقة من صاحبه أو كان بينهما أطفال يضيعون بالفراق ويفسد حالهم ثم يفضي ذلك إلى القطيعة بين أقاربها ووقوع الشر لما زالت نعمة المصاهرة التي امتن الله تعالى بها في قوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ ومعلوم أنَّ هذا من الحرج الداخل في عموم قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ومن العسر المنفي بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وأيضاً: فإذا كان المحلوف عليه بالطلاق فعل بر وإحسان: من صدقة أو عتاقة وتعليم علم؛ وصلة رحم وجهاد في سبيل الله وإصلاح بين الناس ونحو ذلك من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها؛ فإنَّه لما عليه من الضرر العظيم في الطلاق أعظم ألَّا يفعل ذلك؛ بل ولا يؤمر به شرعاً؛ لأنَّه قد يكون الفساد الناشئ من الطلاق أعظم من الصلاح الحاصل من هذه الأعمال. وهذه المفسدة هي التي أزالها الله ورسوله بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، وقوله ﷺ : "لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يأتي الكفارة". فإن قيل: فهو الذي أوقع نفسه في أحد هذه الضرائر الثلاث فلا ينبغي

стр. 7001

له أن يحلف؟ قيل: ليس في شريعتنا ذنب إذا فعله الإنسان لم يكن له مخرج منه بالتوبة إلَّا بضرر عظيم؛ فإنَّ الله لم يحمل علينا إصراً كما حمله على الذين من قبلنا. فهب هذا قد أتى كبيرة من الكبائر في حلفه بالطلاق ثم تاب من تلك الكبيرة فكيف يناسب أصول شريعتنا أن يبقى أثر ذلك الذنب عليه لا يجد منه مخرجاً وهذا بخلاف الذي ينشئ الطلاق لا بالحلف عليه فإنَّه لا يفعل ذلك إلَّا وهو مريد الطلاق: إمَّا لكراهة المرأة أو غضب عليها ونحو ذلك. وقد جعل الله الطلاق ثلاثة فإذا كان إنَّما يتكلم بالطلاق باختياره وله ذلك ثلاث مرات: كان وقوع الضرر بمثل هذا نادراً؛ بخلاف الأول؛ فإنَّ مقصوده لم يكن الطلاق؛ إنَّما كان أن يفعل المحلوف عليه أو لا يفعله ثم قد يأمره الشرع أو تضطره الحاجة إلى فعله أو تركه فيلزمه الطلاق بغير اختيار لا له ولا لسببه. وأيضاً: فإنَّ الذي بعث الله تعالى به محمداً ﷺ في "باب الأيمان" تخفيفها بالكفارة؛ لا تثقيلها بالإيجاب أو التحريم. فإنَّهم كانوا في الجاهلية يرون الظهار طلاقاً واستمروا على ذلك في أول الإسلام حتى ظاهر أوس بن الصامت من امرأته.

стр. 7002

وأيضاً: فالاعتبار بنذر اللجاج والغضب فإنَّه ليس بينهما من الفرق إلَّا ما ذكرناه وسنبين إن شاء الله عدم تأثيره. والقياس بإلغاء الفارق أصح ما يكون من الاعتبار باتفاق العلماء المعتبرين؛ وذلك أنَّ الرجل إذا قال: إن أكلت أو شربت فعلي أن أعتق عبدي أو فعلي أن أطلق امرأتي أو فعلي الحج أو فأنا محرم بالحج أو فمالي صدقة أو فعلي صدقة فإنَّه تجزئه كفارة يمين عند الجمهور كما قدمناه؛ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة: فكذلك إذا قال إن أكلت هذا أو شربت هذا فعلي الطلاق. أو فالطلاق لي لازم. أو فامرأتي طالق. أو: فعبيدي أحرار؛ فإنَّ قوله علي الطلاق لا أفعل كذا أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا: فهو بمنزلة قوله علي الحج لا أفعل كذا أو الحج لي لازم لا أفعل كذا. وكلاهما يمينان محدثان ليستا مأثورتين عن العرب ولا معروفتين عن الصحابة؛ وإنَّما المتأخرون صاغوا من هذه المعاني أيماناً وربطوا إحدى الجملتين بالأخرى كالأيمان التي كان المسلمون من الصحابة يحلفون بها وكانت العرب تحلف بها؛ لا فرق بين هذا وهذا إلَّا أنَّ قوله: إن فعلت فمالي صدقة. يقتضي وجوب الصدقة عند الفعل. وقوله: فامرأتي طالق. يقتضي وجود الطلاق. فالكلام يقتضي وقوع الطلاق بنفس الشرط وإن لم يحدث بعد هذا طلاقاً ولا يقتضي وقوع الصدقة حتى يحدث صدقة» اهـ.

стр. 7003

قُلْتُ: وقد سبق أن نقلت كلامه على ذلك فيما مضى. وَقَالَ -بعد ذلك- ﵀: «فصل: موجب "نذر اللجاج والغضب" عندنا أحد شيئين على المشهور إمَّا التكفير وإمَّا فعل المعلق. ولا ريب أنَّ موجب اللفظ في مثل قوله: إن فعلت كذا فعلي صلاة ركعتين أو صدقة ألف أو فعلي الحج أو صوم شهر: هو الوجوب عند الفعل. فهو مخير بين هذا الوجوب وبين وجوب الكفارة. فإذا لم يلتزم الوجوب المعلق ثبت وجوب الكفارة. فاللازم له أحد الوجوبين؛ كل منهما ثابت بتقدير عدم الآخر؛ كما في الواجب المخير. وكذلك إن قال: إن فعلت كذا فعلي عتق هذا العبد؛ أو تطليق هذه المرأة أو علي أن أتصدق أو أهدي. فإنَّ ذلك يوجب استحقاق العبد للإعتاق؛ والمال للتصدق والبدنة للهدي. ولو أنَّه نجز ذلك فقال: هذا المال صدقة وهذه البدنة هدي وعلي عتق هذا العبد: فهل يخرج عن ملكه بذلك؟ أو يستحق الإخراج؟ فيه خلاف وهو يشبه قوله: هذا وقف. فأمَّا إذا قال: هذا العبد حر، وهذه المرأة طالق. فهو إسقاط؛ بمنزلة قوله: ذمة فلان بريئة من كذا، أو من دم فلان، أو من قذفي، فإنَّ إسقاط حق الدم والمال والعرض من باب إسقاط حق الملك بملك البضع وملك اليمين.

стр. 7004

فإن قال: إن فعلت فعلي الطلاق، أو فعلي العتق، أو فامرأتي طالق، أو فعبيدي أحرار. وقلنا: إنَّ موجبه أحد الأمرين؛ فإنَّه يكون مخيراً بين وقوع ذلك وبين وجوب الكفارة كما لو قال: فهذا المال صدقة أو هذه البدنة هدي، ونظير ذلك ما لو قال: إذا طلعت الشمس فعبيدي أحرار، أو نسائي طوالق. وقلنا التخيير إليه؛ فإنَّه إذا اختار أحدهما كان ذلك بمنزلة اختياره أحد الأمرين من الوقوع أو وجوب الكفارة. ومثال ذلك أيضاً إذا أسلم وتحته أكثر من أربع؛ أو أختان فاختار إحداهما. فهذه المواضع التي تكون الفرقة أحد اللازمين: إمَّا فرقة معين أو نوع الفرقة؛ لا يحتاج إنشاء طلاق؛ لكن لا يتعين الطلاق إلَّا بما يوجب تعيينه كما في النظائر المذكورة. ثم إذا اختار الطلاق فهل يقع من حين الاختيار؟ أو من حين الحنث؟ يخرج على نظير ذلك. فلو قال في جنس مسائل نذر اللجاج والغضب: اخترت التكفير أو اخترت فعل المنذور: هل يتعين بالقول؟ أو لا يتعين إلَّا بالفعل؟ إن كان التخيير بين الوجوبين تعين بالقول كما في التخيير بين الإنشاء وبين الطلاق والعتق، وإن كان بين الفعلين لم يتعين إلَّا بالفعل كالتخيير بين خصال الكفارة، وإن كان بين الفعل والحكم كما في قوله: إن فعلت كذا فعبدي

стр. 7005

حر، أو امرأتي طالق، أو دمي هدر، أو مالي صدقة، أو بدنتي هدي: تعين الحكم بالقول ولم يتعين الفعل إلَّا بالفعل. والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: وهذا تحرير نفيس للغاية قد لا تجد نظيره في كلام غيره ﵀. وقسَّم شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ صيغ الطلاق إلى ثلاثة أقسام فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٠/ ١٣ - ١٤): «والصيغ ثلاثة: صيغة إيقاع كقوله: أنت طالق: فهذه ليست يميناً باتفاق الناس. وصيغة قسم كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا فهذه صيغة يمين باتفاق الناس. وصيغة تعليق كقوله: إن زنيت فأنت طالق، فهذا إن قصد به الإيقاع عند وجود الصفة. بأن يكون يريد إذا زنت إيقاع الطلاق ولا يقيم مع زانية؛ فهذا إيقاع وليس بيمين، وإن قصد منعها وزجرها ولا يريد طلاقها إذا زنت فهذا يمين باتفاق الناس» اهـ. وذكر ﵀ أنَّه لا نزاع بين العلماء في عدم وقوع العتق بمجرد الفعل فيما إذا حلف بالعتق على صيغة الإيجاب دون الإيجاد فقال كما في [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٢/ ٨٥): «وأمَّا إذا قال: إن فعلته فعلي إذاً عتق عبدي. فاتفقوا على أنَّه لا يقع
следующие страницы →