← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٨/ ٥٤): «قُلْتُ: قد رأيته في نسخة مشرقية في الإسكندرية: "أفلح والله إن صدق"، ويمكن أن يتصحف قوله: والله بقوله: وأبيه» اهـ. الجواب الرابع: أنَّ هذا الذي صدر من النبي ﷺ كان في أول الأمر ثم نسخ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٩): «فيحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٨/ ٥٤ - ٥٥): «جواب آخر بأنَّ هذا منسوخ بقوله: "إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"» اهـ. الجواب الخامس: أنَّ المنهي من ذلك ما كان من قبيل العبادة بحيث يراد به تعظيم المحلوف به، وأمَّا ما كان من قبيل العادة على إرادة التوكيد لا التعظيم فلا ينهى عن ذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٩): «ويحتمل أن يكون النهي إنَّما وقع عنه إذا كان منه على وجه التوقير له والتعظيم لحقه دون ما كان بخلافه ولم يكن ذلك منه على وجه التعظيم بل كان على وجه التوكيد» اهـ.

стр. 7072

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٨/ ٥٥): «جواب آخر: إنَّ النبي ﷺ إنَّما نهى عنه عبادة، فإذا جرى ذلك على الألسن عادة فلا يمنع، فقد كانت العرب تقسم في ذلك بمن تكره، فكيف بمن تعظم؛ قال ابن ميادة: أظنت سفاها من سفاهة رأيها … لأهجوها لما هجتني محارب فلا وأبيها إنني بعشيرتي … ونفسي عن هذا المقام لراغب وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد فقهاء المدينة السبعة: لعمر أبي الواشين أيان نلتقي … لما لا تلاقيها من الدهر أكثر يعدون يوماً واحداً إن لقيتها … وينسون أياماً على النأي تهجر وقال آخر: لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم … لقد كلفتني خطة لا أريدها وقال آخر: فلا وأبي أعدائها لا أزورها. وإذا كان هذا شائعاً كان من هذا الوجه سائغاً» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣٤): «الثاني: أنَّه كان يقع في كلامهم على وجهين: أحدهما: للتعظيم، والآخر: للتأكيد، والنهي إنَّما وقع

стр. 7073

عن الأول فمن أمثلة ما وقع في كلامهم للتأكيد لا للتعظيم قول الشاعر لعمر: أبي الواشين إنِّي أحبها، وقول الآخر: فإن تك ليلى استودعتني أمانة … فلا وأبي أعدائها لا أذيعها. فلا يظن أنَّ قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها كما لم يقصد الآخر تعظيم والد من وشى به، فدل على أنَّ القصد بذلك تأكيد الكلام لا التعظيم. وقال البيضاوي: هذا اللفظ من جملة ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد ولا يراد به القسم كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلى النداء» اهـ. الجواب السادس: أن يقال: لعل النبي ﷺ أضمر في حلفه اسم الله تعالى. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (١٠/ ٢٩): «ويحتمل أنَّه كان ﷺ أضمر فيه اسم الله تعالى كأنَّه قال: لا ورب أبيه، وغيره لا يضمر بل يذهب فيه مذهب التعظيم لأبيه» اهـ. الجواب السابع: أنَّ هذا خاص بالنبي ﷺ . قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ١٠٧): «وقيل: هو خاص، ويحتاج إلى دليل» اهـ.

стр. 7074

الجواب الثامن: أنَّ المراد بذلك التعجب لا الحلف. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣٤): «قاله السهيلي. قال: ويدل عليه أنَّه لم يرد بلفظ أبي، وإنَّما ورد بلفظ: وأبيه، أو وأبيك بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضراً أو غائباً» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا ما جاء في البخاري (٣٥٤٢) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: صَلَّى أَبُو بَكْرٍ ﵁ العَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي، فَرَأَى الحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَقَالَ: "بِأَبِي، شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ لَا شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ " وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ. فهو محمول على غير الحلف. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٧/ ٩٦): «وقال الطيبي في قوله: "بأبي شبيه بالنبي" يحتمل أن يكون التقدير: هو مفدي بأبي شبيه فيكون خبراً بعد خبر، أو أفديه بابي وشبيه بالنبي خبر مبتدأ محذوف، وفيه اشعار بعلية الشبه للتفدية» اهـ. ٢ - وفيه أنَّ الحلف لا يحل إلَّا بالله تعالى، والمراد بذلك ذات الله تعالى لا خصوص هذا الاسم، فيجوز الحلف بكل ما دل على ذات الله تعالى من اسم أو صفة.

стр. 7075

قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣١): «وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصة لكن قد اتفق الفقهاء على أنَّ اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات كما سبق وكأنَّ المراد بقوله بالله الذات لا خصوص لفظ الله» اهـ. قُلْتُ: ويدخل في ذلك القسم بالأسماء المختصة بالله تعالى، وهكذا الأسماء المشتركة إذا نوى بها القسم باسم من أسماء الله تعالى. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٩٣): «الثالث، ما يسمى به الله - تعالى، وغيره، ولا ينصرف إليه بإطلاقه، كالحي، والعالم، والموجود، والمؤمن، والكريم، والشاكر. فهذا إن قصد به اليمين باسم الله - تعالى - كان يميناً، وإن أطلق، أو قصد غير الله - تعالى، لم يكن يميناً، فيختلف هذا القسم والذي قبله في حالة الإطلاق، ففي الأول يكون يميناً، وفي الثاني لا يكون يميناً. وقال القاضي، والشافعي، في هذا القسم: لا يكون يميناً، وإن قصد به اسم الله - تعالى؛ لأنَّ اليمين إنَّما تنعقد لحرمة الاسم، فمع الاشتراك لا تكون له حرمة، والنية المجردة لا تنعقد بها اليمين.

стр. 7076

ولنا، أنَّه أقسم باسم الله تعالى، قاصداً به الحلف به، فكان يميناً مكفرة، كالقسم الذي قبله. وقولهم: إنَّ النية المجردة لا تنعقد بها اليمين. نقول به، وما انعقد بالنية المجردة إنَّما انعقد بالاسم المحتمل، المراد به اسم الله تعالى، فإنَّ النية تصرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته، فيصير كالمصرح به، كالكنايات وغيرها، ولهذا لو نوى بالقسم الذي قبله غير الله - تعالى، لم يكن يميناً، لنيته» اهـ. قُلْتُ: ويدخل في ذلك أيضاً الحلف بصفة من صفات الله تعالى، وقد تنازع العلماء في بعض ذلك منها: الحلف بعلم الله تعالى: فالأكثر على أنَّ ذلك من اليمين الموجبة للكفارة، وهذا هو الصحيح، ونازع في ذلك أبو حنيفة، وذهب إلى أنَّ الحلف بذلك لا يعتبر يميناً موجباً للكفارة، وذلك لاحتمال إرادة المعلوم. قُلْتُ: هذا الاحتمال وإن كان وارداً لكنَّه خلاف الظاهر من اللفظ، وإذا نواه في يمينه فله ما نوى، وقد قالت الحنفية بمشروعية الحلف بقدرة الله، مع أنَّ القدرة تأتي على معنى المقدور، ولا فرق بين اليَمِيْنَيْنِ.

стр. 7077

ومن ذلك الحلف بحق الله تعالى: والأكثر على أنَّ ذلك من اليمين المكفرة، بناءً على أنَّ المراد بحق الله تعالى ما يستحقه لنفسه من البقاء، والعظمة، والجلال، والعزة وغير ذلك. ومنع من ذلك أبو حنيفة بناء على أنَّ المراد بحق الله تعالى طاعته ومفروضاته، وليست صفة له. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّه إذا أراد الصفة، فله ما نوى، وإن أطلق القول فهو محمول على الصفة، وإذا نوى الطاعة فله ما نوى وهي حينئذ من الأيمان الشركية التي لا كفارة فيها. ومن ذلك قول القائل: لعمر الله. فالأكثر على أنَّ ذلك من الحلف بصفات الله تعالى، فإنَّه من الحلف ببقاء الله وحياته، وقد كان الصحابة يحلفون بذلك بين يدي رسول الله ﷺ ولا ينكر عليهم، ومن ذلك ما رواه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠) عن عائشة في حديث الإفك الطويل، وفيه: « … فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي»، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْذُرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنَ

стр. 7078

الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ - فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ، فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوْسُ، وَالخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَنَزَلَ، فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ. الحديث. وقال الشافعي، إن قصد اليمين، فهي يمين، وإلَّا فلا. قُلْتُ: الصحيح القول الأول. والله أعلم. ومن ذلك: الحلف بالقرآن، أو بآية منه، أو بكلام الله تعالى. وهذا من الأيمان الشرعية المكفرة، وهو من الحلف بصفات الله تعالى في قول عامة العلماء، وشذت الحنفية فمنعوا من ذلك، وقالوا: ليس ذلك بيمين، ولا تجب به كفارة، فمنهم من زعم أنَّه مخلوق، ومنهم من قال: لا يعهد اليمين به. قُلْتُ: وهو قول من قال من أهل البدع بخلق القرآن، أو بخلق كلام الله تعالى عموماً، كالجهمية والمعتزلة.

стр. 7079

ومن ذلك: الحلف بالعهد، كقوله: وعهد الله. فأكثر العلماء أنَّه من الأيمان المكفرة، ونازع أبو حنيفة فلم يرها يميناً مكفرة. قُلْتُ: الصحيح مذهب الجمهور وذلك أنَّ عهد الله هو كلامه الذي أمرنا به ونهانا، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١]، وقول الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. ومن ذلك: قول القائل: أقسمت، أو حلفت، ولا يذكر اسماً من أسماء الله تعالى، ولا صفة من صفاته. وهذا مما تنازع فيه العلماء، فمذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين أنَّها يمين سواء قصد اليمين أو أطلق، وذهب أحمد في الرواية الأخرى وهو مذهب مالك أنَّه إن نوى اليمين بالله كان يميناً، وإلَّا فلا. وذهب الشافعي إلى أنَّها ليست بيمين وإن نوى. قُلْتُ: الصحيح أنَّها من الأيمان سواء نوى بها اليمين بالله أو أطلق، وهي من الأيمان المعروفة في لغة العرب، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٤٧٥٧) عن عائشة ﵂ في حديث الإفك الطويل، وفيه قول الصديق لها:

стр. 7080

«أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيْ بُنَيَّةُ إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ». وروى البخاري (٦١٤٠)، ومسلم (٢٠٥٧) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: «دُونَكَ أَضْيَافَكَ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ»، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا، فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا، قَالَ: اطْعَمُوا، قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا، قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ، فَأَبَوْا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ»، فَسَكَتُّ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ»، فَسَكَتُّ، فَقَالَ: «يَا غُنْثَرُ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَّا جِئْتَ»، فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ، فَقَالُوا: صَدَقَ، أَتَانَا بِهِ، قَالَ: «فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي، وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ»، فَقَالَ الآخَرُونَ: وَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، قَالَ: «لَمْ أَرَ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ، وَيْلَكُمْ، مَا أَنْتُمْ؟ لِمَ لَا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هَاتِ طَعَامَكَ»، فَجَاءَهُ، فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ، الأُولَى لِلشَّيْطَانِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا».

стр. 7081

زاد مسلم: فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَرُّوا وَحَنِثْتُ، قَالَ: فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَخْيَرُهُمْ»، قَالَ: وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ. ومن ذلك: الحلف بأمانة الله تعالى. وقد عدها أحمد وأبو حنيفة من الأيمان المكفرة، وذهب الشافعي إلى أنَّ اليمين لا تنعقد بها، وحجته في ذلك أنَّ الأمانة تطلق على الفرائض كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وتطلق على الودائع والحقوق كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]. قُلْتُ: الصحيح القول الأول، وذلك أنَّ الأصل في إضافة المعاني إلى ذوات أنَّها من إضافة الصفات إلى الموصوف بها. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مُخْتَصَرِ الْفَتَاوَى الْمَصْرِيَّةِ] (ص: ٥٤٨): «فمن حلف بالأمانة لا يدري ما حلف به أو عني به مخلوقاً فقد أساء، وإن أراد بها صفة من صفات الله نحو وأمانة الله أو عصمته جاز ذلك» اهـ.

стр. 7082

قُلْتُ: بقى أن يقال: من أين أخذت صفة الأمانة لله تعالى. قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ ﵀ كَمَا فِي [فَتَاوَى وَرَسَائِلَ مُحَمَدِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ آل الْشَّيْخِ] (١/ ١٥٠): «الحلف بالأَمانة إذا اطلق فهو مكروه أَوْ حرام، لأَنَّ الأَمانة فيها اشتراك، وذلك أَنْ الأَمانة بالنسبة إلى المخلوق كمال، ومن المعلوم أَنَّ كل كمال اتصف به المخلوق فالله أَحق وأَولى به» اهـ. وقال بعضهم: هي مأخذوة من اسم الله الأمين، ولا أعلم لهذا الاسم أصلاً في الكتاب أو السنة بهذا اللفظ إلَّا ما سيأتي في اسم المهيمن. قُلْتُ: ويمكن أن تؤخذ من اسم الله المهيمن، فإنَّه على أحد التفاسير بمعنى الأمين. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ] (١/ ١٦٦): «ومنها المهيمن قال الله : ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. ورويناه في خبر الأسامي. قال الحليمي: ومعناه لا ينقص المطيعين يوم الحساب من طاعاتهم شيئاً فلا يثيبهم عليه لأنَّ الثواب لا يعجزه ولا هو مستكره عليه فيضطر إلى كتمان بعض الأعمال أو جحدها، وليس ببخيل فيحمله استكثار الثواب إذا كثرت الأعمال على كتمان

стр. 7083

بعضها، ولا يلحقه نقص بما يثيب فيحبس بعضه، لأنَّه ليس منتفعاً بملكه حتى إذا نفع غيره به زال انتفاعه عنه بنفسه، وكما لا ينقص المطيع من حسناته شيئاً لا يزيد العصاة على ما اجترحوه من السيئات شيئاً، فيزيدهم، عقاباً على ما استحقوه لأنَّ واحداً من الكذب والظلم غير جائز عليه، وقد سمى عقوبة أهل النار جزاء، فما لم يقابل منها ذنباً لم يكن جزاء، ولم يكن وفاقاً، فدل ذلك على أنَّه لا يفعله. قُلْتُ: وهذا الذي ذكره شرح قول أهل التفسير في المهيمن إنَّه الأمين. قال أبو سليمان: وأصله مؤيمن فقلبت الهمزة هاء لأنَّ الهاء أخف من الهمزة» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا إذا قال: والأمانة ولم يضفها إلى الله تعالى، ففيها روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: أنَّها يمين، وهي محمولة على صفة الله تعالى. والثانية: لا تكون يميناً؛ لأنَّه لم يضفها إلى الله - تعالى، فيحتمل غير ذلك» اهـ. قُلْتُ: وهذا الثاني هو الذي يظهر لي صحته، لما رواه أحمد (٢٣٠٣٠)، وأبو داود (٣٢٥٣) عَنِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.

стр. 7084

ومن ذلك: القسم بنائب حرف القسم. ويدل عليه ما رواه مسلم (٢٧٠١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قَالَ آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟» قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي، أَنَّ اللهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ». قَالَ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِهِ لِسُنَنِ النَّسَائِيِّ] (٨/ ٢٤٩): «آلله ما أجلسكم بهمزة ممدودة هو عوض من باء القسم» اهـ. قُلْتُ: وهذه الهمزة يقال لها همزة الاستفهام وليس حقيقتها الاستفهام. وهذه الإنابة خاص بلفظ الجلالة "الله".

стр. 7085

ومن خصوصياته أيضاً حذف واو القسم وإبدالها بـ"ها التنبيه" نحو: ها الله لأفعلنَّ، ولك حذف الألف في "ها"، والهمزة من اسم الله تعالى؛ فتقول: هالله لأفعلنَّ. ولك أن تثبت ألفها، وتقطع الهمزة من اسم الله تعالى؛ فتقول: ها ألله لأفعلنَّ. ولك أن تحذف ألف "ها" أيضاً فتقول: هألله لأفعلنَّ. وذهب البصريون: إلى أنَّه لا يجوز إعمال حرف الجر محذوفًا إلَّا بعوض كالأمثلة السابقة، وأجاز الكوفيون ذلك بغير عوض. وهذا جائز في القسم باسم الجلالة "الله" دون غيره لكثرة الاستعمال فحذفوا حرف القسم تخفيفاً فنقل عن العرب قولهم: اللهِ لأفعلنَّ. ٣ - وفيه النهي عن الحلف بغير الله تعالى، وهو يشمل الحلف بالنبي محمد ﷺ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦): «ولم يقل أحد من العلماء المتقدمين أنَّه تنعقد اليمين بأحد من الأنبياء إلَّا في نبينا ﷺ فإنَّ عن أحمد روايتين في أنَّه تنعقد اليمين به وقد طرد بعض أصحابه - كابن عقيل - الخلاف في سائر الأنبياء وهذا ضعيف. وأصل

стр. 7086

القول بانعقاد اليمين بالنبي ضعيف شاذ ولم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنَّه لا تنعقد اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد وهذا هو الصحيح» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٧/ ٣٤٩): «وعن أحمد بن حنبل رواية أنَّه يحلف بالنبي ﷺ خاصة؛ لأنَّه يجب الإيمان به خصوصاً ويجب ذكره في الشهادتين والأذان. فللإيمان به اختصاص لا يشركه فيه غيره. وقال ابن عقيل: بل هذا لكونه نبياً. وطرد ذلك في سائر الأنبياء مع أنَّ الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أنَّه لا يحلف بمخلوق لا نبي ولا غير نبي ولا ملك من الملائكة ولا ملك من الملوك ولا شيخ من الشيوخ» اهـ. قُلْتُ: والنهي عن الحلف بغير الله تعالى محرم على الصحيح من أقوال العلماء. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠): «والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره، وهو أحد القولين في مذهب أحمد كما تقدم، حتى أنَّ ابن مسعود وابن عباس وغيرهما يقول أحدهم: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقاً. وفي

стр. 7087

لفظ: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أضاهي. فالحلف بغير الله شرك والشرك أعظم من الكذب» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٣٥٥ - ٣٥٧): «وقد اختلف العلماء في أنَّ الحلف بمخلوق حرام أو مكروه، والخلاف عند المالكية والحنابلة لكن المشهور عند المالكية الكراهة، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال أهل الظاهر، ويوافقه ما جاء عن ابن عباس: "لأن أحلف بالله تعالى مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر"، وقال ابن عبد البر: فيه أنَّه لا يجوز الحلف بغير الله، وهذا أمر مجتمع عليه، ثم قال: أجمع العلماء على أنَّ اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز الحلف لأحد بها، واختلفوا في الكفارة إذا أحنث فأوجبها بعضهم، وأباها بعضهم، وهو الصواب انتهى. وقال الشافعي: أخشى أن يكون الحلف بغير الله تعالى معصية. قال أصحابه: أي حراماً، وإثماً قالوا: فأشار إلى تردد فيه، وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بأنَّه ليس بحرام بل مكروه، ولذا قال النووي في "شرح مسلم": هو عند أصحابنا مكروه، وليس بحرام، ويوافقه تبويب الترمذي عليه كراهية الحلف بغير الله، وقيد ذلك والدي ﵀ في شرح الترمذي بالحلف بغير اللات والعزى وملة

стр. 7088

غير ملة الإسلام، فأمَّا الحلف بنحو هذا فهو حرام، وكأنَّ ذلك لأنَّها قد عظمت بالعبادة، وقد قال أصحابنا إنَّه لو اعتقد الحالف بالمخلوق في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر، وعلى هذا يحمل ما روي أنَّ النبي ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد كفر" انتهى فمعظم اللات والعزى كافر لأنَّ تعظيمها لا يكون إلَّا للعبادة بخلاف معظم الأنبياء والملائكة والكعبة والآباء والعلماء والصالحين لمعنى غير العبادة لا تحريم فيه لكن الحلف به مكروه أو محرم على الخلاف في ذلك لورود النهي عنه، وحكمته أنَّ حقيقة العظمة مختصة بالله تعالى كما قال تعالى: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" فلا ينبغي مضاهاة غيره به في الألفاظ، وإن لم ترد تلك العظمة المخصوصة بالإله المعبود، وأمَّا الحلف بالنصرانية ونحوها فلا أشك في أنَّه كفر؛ لأنَّ تعظيمها بأي وجه كان يقتضي حقيقتها، وذلك كفر إلَّا أن يتأول الحالف أنَّه أراد تعظيمها حين كانت حقاً قبل نسخها فلا أكفره حينئذ، ولكن أحكم عليه بالعصيان لبشاعة هذا اللفظ والتشبه فيه بأهل الكفر والضلال، والله أعلم انتهى» اهـ. ٤ - قَالَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ ﵀ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٣٦٤): «فيه أنَّه إذا قال: أقسمت لأفعلنَّ كذا وكذا لا تكون يميناً لأنَّه لم يحلف

стр. 7089

بالله تعالى، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأحمد إن نوى بالله أو بصفة من صفاته كان يميناً، وإلَّا فلا، وقال أبو حنيفة هو يمين مطلقاً» اهـ. قُلْتُ: الذي يظهر لي أنَّها تعتبر يميناً إذا نوى القسم باسم من أسماء الله، أو صفة من صفاته، فإنَّما الأعمال بالنيات. وقد مضى القول في ذلك. ٥ - وفيه إطلاق الصمت على السكوت عن بعض الكلام، وإن كان متكلماً بغيره. * * *

стр. 7090

٣٥٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَأَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ». قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ». قَوْلُهُ: «فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» يعني: قالَ له المَلَكُ. قَوْلُهُ: «لَأَطُوفَنَّ». الطواف: هو الدوران حول الشيء، وهو ها هنا كناية عن الجماع. قَوْلُهُ: «فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» يعني: قالَ له المَلَكُ. قد جاء ذلك صريحاً فيما رواه البخاري (٥٢٤٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ المَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَأَطَافَ بِهِنَّ، وَلَمْ تَلِدْ

стр. 7091

مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ"». وَقُوْلُهُ: «وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ». الدرك اللحاق، ومنه قول الله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]، والمعنى: لحصل له مطلوبه. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - أنَّ القسم ينعقد بنيته مع حذف القسم والمقسم به، إذا وجد ما يدل عليه وهو جواب القسم. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٦٠): «واللام جواب القسم وهو محذوف أي: والله لأطوفنَّ، ويؤيده قوله في آخره: "لم يحنث"؛ لأنَّ الحنث لا يكون إلَّا عن قسم، والقسم لا بد له من مقسم به» اهـ. قُلْتُ: إذا وقع بعد لام القسم فعل مستقبل ومعه النون الثقيلة أو الخفيفة، فذلك دليل على قسم محذوف. نحو قولك: لتذهبنَّ، ولتسافرنَّ. أي: والله لتذهبن، وولله لتسافرنَّ.

стр. 7092

ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وقوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٨]. وقد تكون مع الماضي متصلة بقد نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، أي والله لقد علمتم. ومن ذلك أنَّ القسم قد يحذف وتدل عليه اللام الْمُوَطِّئَةِ أو المؤذنة بالقسم. اللام الموطئة وتسمى: المؤذنة، وهي الداخلة على أداة شرط للإيذان بأنَّ الجواب بعدها مبني على قسم مقدر لا على الشرط، سميت موطئة لأنَّها وطأت الجواب للقسم أي مهدته له، مثل: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]، وأكثر ما تدخل على إن، وقد تدخل على غيرها، نحو: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ

стр. 7093

وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. فقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ فـ: "اللام" موطِّئة للقسم أي لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة، و: "ما" اسم شرط جازم مبنيٌّ في محلِّ نصب مفعول به مقدَّم و: "آتيت" فعل ماض مبنيٌّ على السكون في محلِّ جزم فعل الشرط. وجواب القسم: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ واللام واقعة في جواب القسم. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨]، فقوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ﴾ فـ: "اللام" موطّئة للقسم، و: "من" اسم شرط جازم مبنيٌّ في محلِّ رفع مبتدأ. ٢ - وفيه أنَّ الإكثار من النساء فوق الأربع مما كان مباحاً للأنبياء الماضين. وَقَوْلُهُ: «تِسْعِينَ امْرَأَةً». هذه إحدى الروايات في الصحيحين، وهذا مما اختلف فيه الرواة، فقد رواه البخاري (٢٨١٩) بلفظ: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ». ورواه البخاري (٥٢٤٢) بلفظ: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ».

стр. 7094

ورواه البخاري (٣٤٢٤)، ومسلم (١٦٥٤) بلفظ: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً». ورواه البخاري (٧٤٦٩)، ومسلم (١٦٥٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ ﵇ كَانَ لَهُ سِتُّونَ امْرَأَةً، فَقَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي فَلْتَحْمِلْنَ كُلُّ امْرَأَةٍ، وَلْتَلِدْنَ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ، فَمَا وَلَدَتْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَلَدَتْ شِقَّ غُلَامٍ، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَوَلَدَتْ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٦/ ٤٦٠): «فمحصل الروايات ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة، والجمع بينها أنَّ الستين كنَّ حرائر وما زاد عليهن كنَّ سراري، أو بالعكس، وأمَّا السبعون فللمبالغة، وأمَّا التسعون، والمائة فكنَّ دون المائة وفوق التسعين فمن قال: تسعون ألغى الكسر، ومن قال: مائة جبره، ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر» اهـ. ٣ - وفيه ما كان عليه نبي الله سليمان ﵊ من القوة على الجماع، والحرص على الجهاد في سبيل الله تعالى. ٤ - وفيه أنَّه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام، ولا قبل فراغه منه.

стр. 7095

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧): «فصل: وقوله ﷺ في الخطبة: "إلَّا الإذخر"، بعد قول العباس له: إلَّا الإذخر، يدل على مسألتين: إحداهما: إباحة قطع الإذخر. والثانية: أنَّه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام، ولا قبل فراغه، لأنَّ النبي ﷺ لو كان ناوياً لاستثناء الإذخر من أول كلامه، أو قبل تمامه، لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك، وإعلامه أنَّهم لا بد لهم منه لقينهم وبيوتهم، ونظير هذا استثناؤه ﷺ لسهيل ابن بيضاء من أسارى بدر بعد أن ذكره به ابن مسعود، فقال: "لا ينفلتن أحد منهم إلَّا بفداء أو ضربة عنق" فقال ابن مسعود: إلَّا سهيل ابن بيضاء، فإنِّي سمعته يذكر الإسلام، فقال: "إلَّا سهيل ابن بيضاء" ومن المعلوم أنَّه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه. ونظيره أيضاً: قول الملك لسليمان لما قال: "لأطوفنَّ الليلة على مائة امرأة تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله"، فقال له الملك: قل: إن شاء الله تعالى، فلم يقل، فقال النبي ﷺ : "لو قال: إن شاء الله تعالى، لقاتلوا في سبيل الله

стр. 7096

أجمعون"، وفي لفظ: "لكان دركاً لحاجته" فأخبر أنَّ هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحالة لنفعه، ومن يشترط النية يقول: لا ينفعه. ونظير هذا قوله ﷺ : "والله لأغزونَّ قريشاً، والله لأغزون قريشاً" ثلاثاً، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله"، فهذا استثناء بعد سكوت، وهو يتضمن إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه، وقد نص أحمد على جوازه، وهو الصواب بلا ريب، والمصير إلى موجب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق» اهـ. قُلْتُ: وذهب بعض علماء الشافعية والحنابلة والحنفية أنَّ الاستثناء لا بد أن ينويه المرء قبل أن ينتهي من التلفظ بالمستثنى منه، وهذا خلاف الحديث. ومن الشافعية من قال: لا يصح إلَّا أن يكون ينوي ذلك من ابتداء الكلام. قُلْتُ: والاستثناء المنقطع عن اليمين لا يرفع الحنث إلَّا إذا كان قريباً من اليمين كأن يسكت الحالف وينقطع لسماع من يحثه على الاستثناء فيستثني بعد سماعه وسكوته كما جاءت بذلك السنة. وأمَّا ما رواه الطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (٥/ ١٨٢) فَقَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ

стр. 7097

مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِذَا قُلْتَ شَيْئًا فَلَمْ تَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُلْ إِذَا ذَكَرْتَ: إِنْ شَاءَ اللهُ» اهـ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وما رواه الطبراني في [الْأَوْسَطِ] (١١٩)، و [الْكَبِيْرِ] (١١٠٦٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١٩٩٣١) من طريق أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: نا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ كَانَ يَرَى الِاسْتِثْنَاءَ وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، يَقُولُ: إِذَا ذَكَرَتْ فَقِيلَ لِلْأَعْمَشِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنْ مُجَاهِدٍ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ اللَّيْثُ، عَنْ مُجَاهِدٍ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَعْمَشِ إِلَّا أَبُو مُعَاوِيَةَ، تَفَرَّدَ بِهِ: يَحْيَى. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وله شاهد يقويه عند الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٧٨٣٣). فللعلماء تأويل له. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ١٩٦): «قَالَ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَلَيْسَ قَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ حِينٍ؟ قَالَ: إنَّمَا هَذَا فِي الْقَوْلِ؛ لَيْسَ فِي الْيَمِينِ؛ كَانَ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ

стр. 7098

اللَّهِ : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إنَّمَا هَذَا فِي الْقَوْلِ؛ لَيْسَ فِي الْيَمِينِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٥٨): «أَيْ: إذَا نَسِيتَ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءَ عَقِيبَ كَلَامِك فَاذْكُرْهُ بِهِ إذَا ذَكَرْت، هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَرَاخِي، وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ عَبَّاسٍ قَطُّ، وَلَا مَنْ هُوَ دُونَهُ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: " أَنْتِ طَالِقٌ " أَوْ لِعَبْدِهِ: " أَنْتَ حُرٌّ " ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَنَةٍ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " إنَّهَا لَا تَطْلُقُ، وَلَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ، وَأَخْطَأَ مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَلْبَتَّةَ، وَلَمْ يَفْهَمُوا مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ» اهـ. وَقَالَ فِي [شِفَاءِ الْعَلِيْلِ] (ص: ٤٧): «قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قال الحسن: "إذا نسيت أن تقول إن شاء الله" وهذا هو الاستثناء الذي كان يجوزه ابن عباس متراخياً ويتأول عليه الآية لا الاستثناء في الإقرار واليمين والطلاق والعتاق وهذا من كمال علم ابن عباس وفقهه في القرآن» اهـ. وَقَالَ فِي [الْمَدَارِجِ] (٢/ ٤٠٣):

стр. 7099

«وَتَفْسِيرُ الْآيَةِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّكَ لَا تَقُلْ لِشَيْءٍ: أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى تَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَإِذَا نَسِيتَ أَنْ تَقُولَهَا فَقُلْهَا مَتَى ذَكَرْتَهَا. وَهَذَا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَرَاخِي الَّذِي جَوَّزَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ الْآيَةَ. وَهُوَ الصَّوَابُ. فَغَلِطَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَهُ وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ قَالَ: نِسَائِيَ الْأَرْبَعُ طَوَالِقُ. ثُمَّ بَعْدَ سَنَةٍ يَقُولُ: إِلَّا وَاحِدَةً، أَوْ: إِلَّا زَيْنَبَ - إِنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ يَنْفَعُهُ. وَقَدْ صَانَ اللَّهُ عَنْ هَذَا مَنْ هُوَ دُونَ غِلْمَانِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِكَثِيرٍ، فَضْلًا عَنِ الْبَحْرِ حَبْرِ الْأُمَّةِ وَعَالِمِهَا الَّذِي فَقَّهَهُ اللَّهُ فِي الدِّينِ وَعَلَّمَهُ التَّأْوِيلَ. وَمَا أَكْثَرَ مَا يَنْقُلُ النَّاسُ الْمَذَاهِبَ الْبَاطِلَةَ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِالْأَفْهَامِ الْقَاصِرَةِ. وَلَوْ ذَهَبْنَا نَذْكُرُ ذَلِكَ لَطَالَ جِدًّا وَإِنْ سَاعَدَ اللَّهُ أَفْرَدْنَا لَهُ كِتَابًا» اهـ. ٥ - وفي قَوْلِهِ: «فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ». ما يدل على أنَّ المرء إذا لم يستثن قد يبتلى بنقيض ما أراد. ٦ - هذا الحديث أحسن ما يفسر به قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤].

стр. 7100

قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ فِي [أَضْوَاءِ الْبَيَانِ] (٣/ ٢٥٤): «فإذا علمت هذا فاعلم أنَّ هذا الحديث الصحيح بين معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ الآية، وأنَّ فتنة سليمان كانت بسبب تركه قوله "إن شاء الله"، وأنَّه لم يلد من تلك النساء إلَّا واحدة نصف إنسان، وأنَّ ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي ألقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ الآية، فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ الآية، من قصة الشيطان الذي أخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان عن ملكه; حتى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر مطروداً عن ملكه، إلى آخر القصة، لا يخفى أنَّه باطل لا أصل له، وأنَّه لا يليق بمقام النبوة. فهي من الإسرائيليات التي لا يخفى أنَّها باطلة. والظاهر في معنى الآية هو ما ذكرنا، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجلة، واختاره بعض المحققين، والعلم عند الله تعالى» اهـ. قُلْتُ: وقد ذكر الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٧/ ٦٨ - ٦٩) في ذلك جملة من الاسرائيليات، ثم قال:

стр. 7101

«وهذه كلها من الإسرائيليات ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا: حدثنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: أراد سليمان أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه - وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه- فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي. فأعطته إياه. فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين فلما خرج سليمان من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي. قالت: قد أعطيته سليمان. قال: أنا سليمان. قالت: كذبت لست سليمان فجعل لا يأتي أحداً يقول له: "أنا سليمان"، إلَّا كذبه حتي جعل الصبيان يرمونه بالحجارة. فلما رأى ذلك عَرَف أنَّه من أمر الله . قال: وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان. قال: فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهن: أتنكرن من سليمان شيئاً؟ قلن: نعم إنَّه يأتينا ونحن حيض وما كان يأتينا قبل ذلك. فلما رأى الشيطان أنَّه قد فطن له ظن أنَّ أمره قد انقطع فكتبوا كتباً فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرءوها على الناس. وقالوا: بهذا كان

стр. 7102

يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفر الناس سليمان ﵇ فلم يزالوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطانُ بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته. وكان سليمان يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان فقال: تحمل لي هذا السمك؟ فقال: نعم. قال: بكم؟ قال بسمكة من هذا السمك. قال: فحمل سليمان ﵇ السمك ثم انطلق به إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه. قال: فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وَهَرب الشيطان حتى دخل جزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان في طلبه وكان شيطاناً مريداً فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوماً نائماً فجاءوا فبنوا عليه بنياناً من رصاص فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلَّا أنماط معه من الرصاص قال: فأخذوه فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان، فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: يعني الشيطان الذي كان سلط عليه.

стр. 7103

إسناده إلى ابن عباس قوي ولكن الظاهر أنَّه إنَّما تلقاه ابن عباس - إن صح عنه - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵇ فالظاهر أنَّهم يكذبون عليه ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإنَّ المشهور أنَّ ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهنَّ الله منه تشريفاً وتكريماً لنبيه ﷺ ، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متُلقَّاة من قصص أهل الكتاب والله أعلم بالصواب» اهـ. قُلْتُ: أثر ابن عباس تلقاه من كعب الأحبار كما يدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق في [تَفْسِيْرِهِ] (٢٥٩٦) عَنْ إِسْرَائِيلُ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَرْبَعُ آيَاتٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ أَدْرِ مَا هُنَّ حَتَّى سَأَلْتُ عَنْهُنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ: قَوْمُ تُبَّعٍ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يُذْكَرْ تُبَّعٌ، قَالَ: إِنَّ تُبَّعًا كَانَ مَلِكًا وَكَانَ قَوْمُهُ كُهَّانًا، وَكَانَ فِي قَوْمِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَانَ الْكُهَّانُ يَبْغُونَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيَقْتُلُونَ تَابِعَتَهُمْ، فَقَالَ أَصْحَابُ الْكِتَابِ لِتُبَّعٍ: إِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَقَرِّبُوا قُرْبَانًا فَأَيُّكُمْ كَانَ أَفْضَلَ أَكَلَتِ النَّارُ قُرْبَانَهُ، قَالَ: فَقَرَّبَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْكُهَّانُ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: فَتَبِعَهُمْ

стр. 7104

تُبَّعٌ فَأَسْلَمَ، فَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ قَوْمَهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: شَيْطَانٌ أَخَذَ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ الَّذِي فِيهِ مُلْكُهُ فَقَذَفَ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَوَقَعَ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ، فَانْطَلَقَ سُلَيْمَانُ يَطُوفُ إِذْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ السَّمَكَةِ، فَاشْتَرَاهَا فَأَكَلَهَا، فَإِذَا فِيهَا خَاتَمُهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي [الْفِصَلِ فِي الْمِلَلِ وَالْأَهْوَاءِ وَالنِّحَلِ] (٤/ ١٥): «فهذه الفتنة هي الاختبار حتى يظهر المهتدي من الضال فهذه فتنة الله تعالى لسليمان إنَّما هي اختباره حتى ظهر فضله فقط وما عدا هذا فخرافات ولدها زنادقة اليهود وأشباههم، وأمَّا الجسد الملقى على كرسيه فقد أصاب الله تعالى به ما أراد نؤمن بهذا كما هو ونقول: صدق الله كل من عند الله ربنا، ولو جاء نص صحيح في القرآن أو عن رسول الله ﷺ بتفسير هذا الجسد ما هو لقلنا به، فاذا لم يأت بتفسيره ما هو نص ولا خبر صحيح فلا يحل لاحد القول بالظن الذي هو أكذب الحديث في ذلك فيكون كاذباً على الله ، إلَّا أنَّنا لا نشك البتة في بطلان قول من قال: إنَّه كان جنياً تصور بصورته، بل نقطع على أنَّه كذب، والله تعالى لا يهتك ستر رسوله ﷺ هذا

стр. 7105

الهتك، وكذلك نبعد قول من قال: إنَّه كان ولداً له أرسله إلى السحاب ليربيه، فسليمان ﵇ كان أعلم من أن يربي ابنه بغير ما طبع الله بنية البشر عليه من اللبن والطعام، وهذه كلها خرافات موضوعة مكذوبة لم يصح اسنادها قط» اهـ. ٧ - وفيه أنَّ من حلف وقال في يمينه: إن شاء الله لم يحنث. لكن إن أراد بذلك التحقيق لا التعليق فالقول بحنثه له حظ من النظر، لكن الأرجح عدم حنثه عملاً بعموم الحديث. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣١٠ - ٣١٢): «الثالث: أن لا يكون غرضه تعليق واحد منهما؛ لأنَّه جازم بإرادته وجازم بأنَّه سيكون كما لو كان خبراً محضاً مثل قوله: لينزلن ابن مريم، وليخرجن الدجال، ولتقومن الساعة. وهذه أيمان أمر الله رسوله بنوع منها كقوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾، فهذا ماض وحاضر وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، فأمره أن يحلف على وقوع إتيان الساعة وبعث الناس من قبورهم وهما مستقلان من فعل غيره وهذا كقول النبي صلى الله عليه

стр. 7106

وسلم لعمر: "لآتينه ولأطوفن به". فهنا إذا قال: إن شاء الله فقد لا يكون غرضه تعليق الإخبار وإنَّما غرضه تحقيقه كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، فإنَّ هذا كلام صحيح؛ إذ الحوادث كلها لا تكون إلَّا بمشيئة الله مثل ما لو قال: ليكونن إن اتفقت أسباب كونه. والناس يعلمون أنَّه إن شاء الله وإن اتفقت أسباب كونه كان فإن لم يكن هو مخبراً لهم بذلك كان متكلماً بما لا يفيد. فهذا إذا نواه هل يرفع الكفارة؟ فبالنظر إلى قصده وجزمه في الخبر قد حصلت المخالفة وبالنظر إلى لفظه وأنَّه إنَّما جزم بمشروط لا بمطلق لم تقع المخالفة؛ وإن أخطأ اعتقاده كما لو حلف على من يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه فإنَّه لما أخبر عن الماضي بموجب اعتقاده لم يحنث؛ بخلاف ما إذا تعمد الكذب. وكذلك هذا لم يتأل على الله؛ لكن يقال: كان ينبغي له أن يشك فلما تألى على الله وأكد المشيئة قاصداً بها تحقيق جزمه بالإخبار صار وجودها زائداً له في التألي لا معلقاً. فقد يقال في معارضة هذا: الجزم يرجع إلى اعتقاده؛ لا إلى كلامه، وأمَّا كلامه فلم يتأل فيه على الله؛ بل أخبر أنَّ هذا يكون إن شاء الله، وقال مع ذلك: أنا معتقد أنَّه يكون جازماً به. فالكفارة وجبت لمخالفة خبري مخبره أو لمخالفة اعتقادي معتقده؟ إنَّما وجبت لمخالفة الخبر فإنِّي لو قُلْتُ: إنِّي أعتقد أن هذا يكون وأنا جازم

стр. 7107

باعتقادي لم يكن علي حنث إذا لم يكن. ومعنى كلامي أنِّي جازم بأنَّ هذا سيكون وأخبركم أنَّه يكون إن شاء الله فعلقت لكم إخباري لا اعتقادي وإلَّا لم يكن في قولي إن شاء الله فائدة؛ إذ لو كان المعنى أني جازم بأنَّه سيكون إن شاء الله لم أكن جازماً مطلقاً. وكذلك لو كان المعنى أنَّ اعتقادي وإخباري إن شاء الله كان هو القسم الأول؛ وإنَّما المعنى أنَّ اعتقادي ثابت به وإخباري لكم معلق به علقته به لأنَّه لا ينبغي لأحد أن يخبر بالمستقبلات إلَّا معلقاً بمشيئة الله. فهذا فيه نظر. وبهذا التقسيم يظهر قول من قال: إن نوى بالاستثناء معنى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فإنَّ الرجل مأمور أن لا يقول لأفعلنَّه غداً إلاَّ أن يقول إن شاء الله» اهـ. ٨ - الحديث يفيد أنَّ الاستثناء ينفع في باب الأخبار، وهل ينفع في الإنشاءات أو لا؟. الصحيح أنَّه لا ينفع فيها، وذلك أنَّ الاستثناء يكون في الأمر المعلق في المستقل، والإنشاءات ليست كذلك. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣١٢):

стр. 7108

«ويتبين بهذا البحث الذي ذكرناه أنَّ الاستثناء الرافع للكفارة إنَّما يعلق ما في اليمين من معنى الخبر المحض أو المشوب؛ لا يعلق ما فيها من معنى الطلب المحض أو المشوب؛ إذ مخالفة الطلب لا توجب كفارة وإنَّما يوجبها مخالفة الخبر، وذلك لأنَّ الرفع إنَّما يكون إذا كان في المشيئة تعليق، والتعليق إنَّما يكون فيما لم يقع؛ بخلاف ما قد وقع. ومن هنا يعلم أنَّ الاستثناء لا يرفع الإنشاءات بأسرها لا الطلاق ولا غيره كما لا يرفع موجب الطلب. وينبغي أن يؤخذ من هذه أن هذه الصيغ المغلب عليها حكم الإنشاءات؛ لامتناع الاستثناء فيها وأنَّ الاستثناء فيها بأسرها استثناء تحقيق؛ لا تعليق كقوله: كان هذا بمشيئة الله وكان بقدرة الله» اهـ. قُلْتُ: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تفصيل حسن حول قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، حيث قَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٣/ ٤٤): «ولو قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله: ففيه نزاع مشهور وقد رجحنا التفصيل؛ وهو أنَّ الكلام يراد به شيئان: يراد به إيقاع الطلاق تارة، ويراد به منع إيقاع تارة، فإن كان مراده أنت طالق بهذا اللفظ. فقوله: إن شاء الله مثل قوله بمشيئة الله، وقد شاء الله الطلاق حين أتى بالتطليق فيقع، وإن كان قد علق لئلا يقع، أو علقه على مشيئة توجد بعد هذا لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد هذا،

стр. 7109

فإنَّه حينئذ شاء الله أن تطلق. وقول من قال: المشيئة تنجزه ليس كما قال بل نحن نعلم قطعاً أنَّ الطلاق لا يقع إلَّا إذا طلقت المرأة بأن يطلقها الزوج أو من يقوم مقامه من ولي أو وكيل، فإذا لم يوجد تطليق لم يقع طلاق قط، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله وقصد حقيقة التعليق لم يقع إلَّا بتطليق بعد ذلك، وكذلك إذا قصد تعليقه لئلا يقع الآن. وأمَّا إن قصد إيقاعه الآن وعلقه بالمشيئة توكيداً وتحقيقاً فهذا يقع به الطلاق» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٧٧): «وإذا قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله أنَّه لا يقع به الطلاق عند أكثر العلماء وإن قصد أنَّه يقع به الطلاق وقال: إن شاء الله تثبيتاً لذلك وتأكيداً لإيقاعه وقع عند أكثر العلماء، ومِن العلماء مَنْ قال: لا يقع مطلقاً، ومنهم من قال: يقع مطلقاً، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو الصواب» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ بعد بحث له واسع في ذلك في كتابه [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٧٧): «فالتحقيق في المسألة أنَّ المستثني إمَّا أن يقصد بقوله: إن شاء الله التحقيق أو التعليق، فإن قصد به التحقيق والتأكيد وقع الطلاق، وإن

стр. 7110

قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلق، هذا هو الصواب في المسالة وهو اختيار شيخنا وغيره من الأصحاب» اهـ. قُلْتُ: وشبيه بهذا إذا قال لعبده: أنت حر إن شاء الله، فإنَّه يجري فيه التفصيل السابق. ٩ - وَقُوْلُهُ: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ». على أنَّ الاستثناء يكون باللسان فإنَّ القول إذا أطلق فالمراد به كلام اللسان، فلا يكون الاستثناء بالقلب. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ١٥٣): «فصل: ويشترط أن يستثني بلسانه، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب. في قول عامة أهل العلم؛ منهم الحسن، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر، ولا نعلم لهم مخالفاً؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "من حلف، فقال: إن شاء الله". والقول هو النطق، ولأنَّ اليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء. وقد روي عن أحمد: إن كان مظلوماً فاستثنى في نفسه؛ رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه.
следующие страницы →