← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

وسلم لعمر: "لآتينه ولأطوفن به". فهنا إذا قال: إن شاء الله فقد لا يكون غرضه تعليق الإخبار وإنَّما غرضه تحقيقه كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، فإنَّ هذا كلام صحيح؛ إذ الحوادث كلها لا تكون إلَّا بمشيئة الله مثل ما لو قال: ليكونن إن اتفقت أسباب كونه. والناس يعلمون أنَّه إن شاء الله وإن اتفقت أسباب كونه كان فإن لم يكن هو مخبراً لهم بذلك كان متكلماً بما لا يفيد. فهذا إذا نواه هل يرفع الكفارة؟ فبالنظر إلى قصده وجزمه في الخبر قد حصلت المخالفة وبالنظر إلى لفظه وأنَّه إنَّما جزم بمشروط لا بمطلق لم تقع المخالفة؛ وإن أخطأ اعتقاده كما لو حلف على من يظنه كما حلف عليه فتبين بخلافه فإنَّه لما أخبر عن الماضي بموجب اعتقاده لم يحنث؛ بخلاف ما إذا تعمد الكذب. وكذلك هذا لم يتأل على الله؛ لكن يقال: كان ينبغي له أن يشك فلما تألى على الله وأكد المشيئة قاصداً بها تحقيق جزمه بالإخبار صار وجودها زائداً له في التألي لا معلقاً. فقد يقال في معارضة هذا: الجزم يرجع إلى اعتقاده؛ لا إلى كلامه، وأمَّا كلامه فلم يتأل فيه على الله؛ بل أخبر أنَّ هذا يكون إن شاء الله، وقال مع ذلك: أنا معتقد أنَّه يكون جازماً به. فالكفارة وجبت لمخالفة خبري مخبره أو لمخالفة اعتقادي معتقده؟ إنَّما وجبت لمخالفة الخبر فإنِّي لو قُلْتُ: إنِّي أعتقد أن هذا يكون وأنا جازم

стр. 7107

باعتقادي لم يكن علي حنث إذا لم يكن. ومعنى كلامي أنِّي جازم بأنَّ هذا سيكون وأخبركم أنَّه يكون إن شاء الله فعلقت لكم إخباري لا اعتقادي وإلَّا لم يكن في قولي إن شاء الله فائدة؛ إذ لو كان المعنى أني جازم بأنَّه سيكون إن شاء الله لم أكن جازماً مطلقاً. وكذلك لو كان المعنى أنَّ اعتقادي وإخباري إن شاء الله كان هو القسم الأول؛ وإنَّما المعنى أنَّ اعتقادي ثابت به وإخباري لكم معلق به علقته به لأنَّه لا ينبغي لأحد أن يخبر بالمستقبلات إلَّا معلقاً بمشيئة الله. فهذا فيه نظر. وبهذا التقسيم يظهر قول من قال: إن نوى بالاستثناء معنى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فإنَّ الرجل مأمور أن لا يقول لأفعلنَّه غداً إلاَّ أن يقول إن شاء الله» اهـ. ٨ - الحديث يفيد أنَّ الاستثناء ينفع في باب الأخبار، وهل ينفع في الإنشاءات أو لا؟. الصحيح أنَّه لا ينفع فيها، وذلك أنَّ الاستثناء يكون في الأمر المعلق في المستقل، والإنشاءات ليست كذلك. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٥/ ٣١٢):

стр. 7108

«ويتبين بهذا البحث الذي ذكرناه أنَّ الاستثناء الرافع للكفارة إنَّما يعلق ما في اليمين من معنى الخبر المحض أو المشوب؛ لا يعلق ما فيها من معنى الطلب المحض أو المشوب؛ إذ مخالفة الطلب لا توجب كفارة وإنَّما يوجبها مخالفة الخبر، وذلك لأنَّ الرفع إنَّما يكون إذا كان في المشيئة تعليق، والتعليق إنَّما يكون فيما لم يقع؛ بخلاف ما قد وقع. ومن هنا يعلم أنَّ الاستثناء لا يرفع الإنشاءات بأسرها لا الطلاق ولا غيره كما لا يرفع موجب الطلب. وينبغي أن يؤخذ من هذه أن هذه الصيغ المغلب عليها حكم الإنشاءات؛ لامتناع الاستثناء فيها وأنَّ الاستثناء فيها بأسرها استثناء تحقيق؛ لا تعليق كقوله: كان هذا بمشيئة الله وكان بقدرة الله» اهـ. قُلْتُ: ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تفصيل حسن حول قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، حيث قَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (١٣/ ٤٤): «ولو قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله: ففيه نزاع مشهور وقد رجحنا التفصيل؛ وهو أنَّ الكلام يراد به شيئان: يراد به إيقاع الطلاق تارة، ويراد به منع إيقاع تارة، فإن كان مراده أنت طالق بهذا اللفظ. فقوله: إن شاء الله مثل قوله بمشيئة الله، وقد شاء الله الطلاق حين أتى بالتطليق فيقع، وإن كان قد علق لئلا يقع، أو علقه على مشيئة توجد بعد هذا لم يقع به الطلاق حتى يطلق بعد هذا،

стр. 7109

فإنَّه حينئذ شاء الله أن تطلق. وقول من قال: المشيئة تنجزه ليس كما قال بل نحن نعلم قطعاً أنَّ الطلاق لا يقع إلَّا إذا طلقت المرأة بأن يطلقها الزوج أو من يقوم مقامه من ولي أو وكيل، فإذا لم يوجد تطليق لم يقع طلاق قط، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله وقصد حقيقة التعليق لم يقع إلَّا بتطليق بعد ذلك، وكذلك إذا قصد تعليقه لئلا يقع الآن. وأمَّا إن قصد إيقاعه الآن وعلقه بالمشيئة توكيداً وتحقيقاً فهذا يقع به الطلاق» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [الْاخْتِيَارِاتِ الْفِقْهِيَةِ] (ص: ٥٧٧): «وإذا قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله أنَّه لا يقع به الطلاق عند أكثر العلماء وإن قصد أنَّه يقع به الطلاق وقال: إن شاء الله تثبيتاً لذلك وتأكيداً لإيقاعه وقع عند أكثر العلماء، ومِن العلماء مَنْ قال: لا يقع مطلقاً، ومنهم من قال: يقع مطلقاً، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو الصواب» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ بعد بحث له واسع في ذلك في كتابه [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٤/ ٧٧): «فالتحقيق في المسألة أنَّ المستثني إمَّا أن يقصد بقوله: إن شاء الله التحقيق أو التعليق، فإن قصد به التحقيق والتأكيد وقع الطلاق، وإن

стр. 7110

قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلق، هذا هو الصواب في المسالة وهو اختيار شيخنا وغيره من الأصحاب» اهـ. قُلْتُ: وشبيه بهذا إذا قال لعبده: أنت حر إن شاء الله، فإنَّه يجري فيه التفصيل السابق. ٩ - وَقُوْلُهُ: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ». على أنَّ الاستثناء يكون باللسان فإنَّ القول إذا أطلق فالمراد به كلام اللسان، فلا يكون الاستثناء بالقلب. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ١٥٣): «فصل: ويشترط أن يستثني بلسانه، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب. في قول عامة أهل العلم؛ منهم الحسن، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر، ولا نعلم لهم مخالفاً؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "من حلف، فقال: إن شاء الله". والقول هو النطق، ولأنَّ اليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء. وقد روي عن أحمد: إن كان مظلوماً فاستثنى في نفسه؛ رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه.

стр. 7111

فهذا في حق الخائف على نفسه؛ لأنَّ يمينه غير منعقدة أو لأنَّه بمنزلة المتأول، وأمَّا في حق غيره فلا» اهـ. قُلْتُ: يمكن للمظلوم أن يستثني من غير أن يحرك شفتيه، ولا يرفع صوته فلا يُشعر باستثنائه، وذلك أنَّ حروف الاستثناء لا تحتاج إلى الشفتين، كحروف الشهادة بالتوحيد. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [إِعْلَامِ الْمُوَقِعِيْنَ] (٣/ ٣٧٠): «إذا استحلف على شيء فاحب أن يحلف ولا يحنث فالحيلة أن يحرك لسانه بقول: إن شاء الله، وهل يشترط أن يسمعها نفسه فقيل لا بد أن يسمع نفسه، وقال شيخنا هذا لا دليل عليه بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلماً وإن لم يسمع نفسه، وهكذا حكم الاقوال الواجبة والقراءة الواجبة. قُلْتُ: وكان بعض السلف يطبق شفتيه ويحرك لسانه بلا إله إلَّا الله ذاكراً وإن لم يسمع نفسه، فإنَّه لاحظ للشفتين في حروف هذه الكلمة بل كلها حلقية لسانية فيمكن الذاكر أن يحرك لسانه بها ولا يسمع نفسه ولا أحداً من الناس ولا تراه العين يتكلم، وهكذا التكلم بقول إن شاء الله يمكن مع إطباق الفم فلا يسمعه أحد ولا يراه، وإن اطبق اسنانه وفتح شفتيه أدنى شيء سمعته أذناه بجملته» اهـ.

стр. 7112

١٠ - وفيه التكني عمَّا يستحي منه، وذلك مأخوذ من قوله: «لَأَطُوفَنَّ». فإنَّ المراد بذلك الوطء. ١١ - وفيه أنَّ الاستثناء في اليمين من أسباب حصول المطلوب. * * *

стр. 7113

٣٥٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. قَوْلُهُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ». كلام العلماء فيها يدور على ثلاثة معاني: الأول: أن يصبر نفسه عليها أي: يحبس نفسه على فعلها غير مبال بها، ومعنى حبس النفس إلزامها بها. الثاني: أن يُصبر من أجلها، أي: يحبس من أجلها، والمعنى أن يحبسه الحاكم حتى يأتي بها. الثالث: أنَّ الصبر عليها بمعنى الجرأة عليها، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، أي: ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار، وهذا على أحد معانيها.

стр. 7114

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ فِي [كَشْفِ الْمُشْكِلِ مِنْ حَدِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ] (ص: ٢٠٧): «وقوله: "على يمين صبر" في معناها قولان: أحدهما: أن يصبر نفسه أي: يحبسها على اليمين الكاذبة غير مبال بها. والثاني: أن يكون معنى الصبر الجرأة من قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾، أي: يجترئ بتلك اليمين على هتك دينه» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ البغوي ﵀ فِي [شَرْحِ السُّنَّةِ] (١٠/ ١٠٠): «وقوله: "على يمين صبر": هي اليمين اللازمة لصاحبها من جهة الحكم، فيصبر من أجلها، أي: يحبس، وأصل الصبر: الحبس، ومنه قولهم: قتل فلان صبراً، أي: حبساً، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يقتل شيء من الدواب صبراً، وهو أن يحبس حياً، فيرمى إليه حتى يموت، فكل من حبس لقتل، أو يمين، فهو قتل صبر ويمين صبر» اهـ. وَقَالَ صَاحِبُ [تُحْفَةِ الْأَحْوَذِيِّ] (٧/ ٣٤١): «وتوضيحه ما قاله ابن الملك: الصبر الحبس، والمراد بيمين الصبر أن يحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها، وهي لازمة لصاحبها من جهة الحكم.

стр. 7115

وقيل: يمين الصبر هي التي يكون فيها متعمداً للكذب قاصداً لإذهاب مال المسلم كأنَّه يصبر النفس على تلك اليمين، أي: يحبسها عليها، كذا في المرقاة. وقال في المجمع: يمين صبر بالإضافة أي ألزم بها، وحبس لها شرعاً ولو حلف بغير إحلاف لم يكن صبراً» اهـ. وَقَوْلُهُ: «هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ». أي: كاذب. وَقَوْلُهُ: «يَقْتَطِعُ بِهَا». بمعنى: يقطع بها شيئاً من حق غيره، القطع هنا هو الأخذ؛ لأنَّ من أخذ شيئاً لنفسه من مال أخيه، فقد قطعه عن مالكه، أو بمعنى: يأخذ بها قطعة من مال غيره. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - حرمة يمين الصبر، وأنَّها من الكبائر. وتسمى هذه اليمين اليمين الغموس، وذلك فيما رواه البخاري (٦٩٢٠) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الكَبَائِرُ؟ قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ عُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «اليَمِينُ الغَمُوسُ» قُلْتُ: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ».

стр. 7116

٢ - حرمة أخذ مال المسلم بغير حق. ٣ - إثبات صفة الغضب لله تعالى على ما يليق به سبحانه من غير مماثلة خلقه. وقد رد أهل البدع هذه الصفة بحجة أنَّ الغضب غليان دم القلب، وهذا لا يليق في حق الله تعالى، وقد أجاب عن ذلك شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فَقَالَ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٥/ ٥٧٠): «والغضب - وإن كان بعض الناس يقول: إنَّه غليان دم القلب فهو - صفة تقوم بنفس الغضبان غير غليان دم القلب؛ وإنَّما ذلك أثره؛ فإنَّ حرارة الغضب تسخن الدم حتى يغلي. فإنَّ مبدأ الغضب من النفس هي التي تتصف به أولاً ثم يسري ذلك إلى الجسم، وكذلك الحزن والفرح وسائر الأحوال النفسانية. والحزن يوجب دخول الدم؛ ولهذا يصفر لون الحزين وهو من الأحوال النفسانية؛ لكن الحزين يستشعر العجز عن دفع المكروه الذي أصابه وييأس من ذلك؛ فيغور دمه والغضبان يستشعر قدرته على الدفع أو المعاقبة؛ فينبسط دمه» اهـ. ٤ - واحتج به أنَّ اليمين الغموس لا ترفع إثمها الكفارة، فلا تشرع فيها. قُلْتُ: وهذا مذهب أكثر العلماء، وخالف في ذلك الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه فذهبا إلى وجوب الكفارة.

стр. 7117

والصحيح أنَّه لا تشرع فيها الكفارة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٢/ ٨٦ - ٨٧): «ولنا، أنَّها يمين غير منعقدة، فلا توجب الكفارة، كاللغو، أو يمين على ماض، فأشبهت اللغو، وبيان كونها غير منعقدة، أنَّها لا توجب براً، ولا يمكن فيها؛ ولأنَّه قارنها ما ينافيها، وهو الحنث، فلم تنعقد، كالنكاح الذي قارنه الرضاع، ولأنَّ الكفارة لا ترفع إثمها، فلا تشرع فيها، ودليل ذلك أنَّها كبيرة، فإنَّه يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس". رواه البخاري، وروي فيه: "خمس من الكبائر لا كفارة لهن؛ الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وبهت المؤمن، وقتل المسلم بغير حق، والحلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم". ولا يصح القياس على المستقبلة؛ لأنَّها يمين منعقدة، يمكن حلها والبر فيها، وهذه غير منعقدة، فلا حل لها. وقول النبي ﷺ : "فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير". يدل على أنَّ الكفارة إنَّما تجب بالحلف على فعل يفعله فيما يستقبله. قاله ابن المنذر» اهـ.

стр. 7118

قُلْتُ: وسميت هذه اليمين غموساً لأنَّها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار. ٥ - أنَّ الحديث من جملة ما يفسر به الآية السابقة. قُلْتُ: وذكر نزول الآية على معنى الحديث جاء في البخاري عن ابن مسعود، وأمَّا مسلم فإنَّما جاء عنده من رواية الأشعث بن قيس الآتي، ولفظه (١٣٨) عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، قَالَ: فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِيَّ نَزَلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟» فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَيَمِينُهُ»، قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. قُلْتُ: وقد جاء ما يدل على أنَّ الآية نزلت في غير ذلك، وهو ما رواه البخاري (٢٠٨٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁: «أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً وَهُوَ فِي

стр. 7119

السُّوقِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ» فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٨/ ٢١٣): «ويحمل على أنَّ النزول كان بالسببين جميعاً ولفظ الآية أعم من ذلك» اهـ. وَقَالَ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٦٠): «أو أنَّ القصتين وقعتا في وقت واحد فنزلت الآية واللفظ عام متناول لهما ولغيرهما» اهـ. ٦ - وفيه اثبات لقاء العبد لربه يوم القيامة. وقد استدل به أهل العلم على رؤية الله تعالى في الدار الآخرة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [حَادِي الْأَرْوَاحِ] (ص: ٢٨٨): «فصل: الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلام﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ وأجمع أهل اللسان على أنَّ اللقاء متى نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ فقد دلت

стр. 7120

الأحاديث الصحيحة الصريحة على أنَّ المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة بل والكفار أيضًا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة» اهـ. * * *

стр. 7121

٣٥٦ - عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ»، فَقُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُو عَلَيْهِ غَضْبَانُ». قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي [السِّيَر] (٢/ ٣٨): «وَكَانَ اسْمُ الأَشْعَثِ: مَعْدِيْ كَرِبَ. وَكَانَ أَبَداً أَشْعَثَ الرَّأْسِ؛ فَغَلَبَ عَلَيْهِ» اهـ. وروى الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٦٤٩)، وأبو نعيم في [الْمَعْرِفَةِ] (٩٣٩) من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلْمٍ الرَّازِيُّ، ثنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: لَمَّا قُدِمَ بِالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَسِيرًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَطْلَقَ وِثَاقَهُ وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، فَاخْتَرَطَ سَيْفَهُ، وَدَخَلَ سُوقَ الْإِبِلِ، فَجَعَلَ لَا يَرَى جَمَلًا وَلَا نَاقَةً إِلَّا عَرْقَبَهُ، وَصَاحَ النَّاسُ: كَفَرَ الْأَشْعَثُ، فَلَمَّا فَرَغَ، طَرَحَ سَيْفَهُ، وَقَالَ: «إِنِّي وَاللهِ مَا كَفَرْتُ، وَلَكِنْ زَوَّجَنِي

стр. 7122

هَذَا الرَّجُلُ أُخْتَهُ، وَلَوْ كُنَّا فِي بِلَادِنَا كَانَتْ لَنَا وَلِيمَةٌ غَيْرَ هَذِهِ، يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، انْحَرُوا وَكُلُوا، وَيَا أَصْحَابَ الْإِبِلِ، تَعَالَوْا خُذُوا شَرْوَاهَا». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مَنْظُورٍ ﵀ فِي [اللِّسَانِ] (١/ ٥٩٤): «عرقب: العُرْقُوب: العَصَبُ الغليظُ، المُوَتَّرُ، فَوْقَ عَقِبِ الإِنسان. وعُرْقُوبُ الدَّابَّةِ فِي رِجْلِهَا، بِمَنْزِلَةِ الرُّكْبة فِي يَدِهَا؛ قَالَ أَبو دُواد: حَديدُ الطَّرْفِ والمَنْكِبِ … والعُرْقُوب والقَلْبِ قَالَ الأَصمعي: وَكُلُّ ذِي أَربع، عُرْقُوباه فِي رِجْلَيْهِ، ورُكبتاه فِي يَدَيْهِ». قُلْتُ: وقد كان الأشعث ﵁ ارتد بعد وفاة النبي ﷺ ثم عاد إلى الإسلام في زمن الصديق. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - أنَّ البينة على المدعي. ٢ - أنَّه لا بد من شاهدين في دعاوى الحقوق المالية.

стр. 7123

قُلْتُ: وقد جاء عن النبي ﷺ الاكتفاء بالشاهد واليمين، وذلك فيما رواه مسلم (١٧١٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ». قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٣/ ١٤٢): «فصل: وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين. وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ وهو قول الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وشريح، وإياس، وعبد الله بن عتبة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر، وربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، وأبي الزناد، والشافعي. وقال الشعبي، والنخعي، وأصحاب الرأي، والأوزاعي: لا يقضى بشاهد ويمين. وقال محمد بن الحسن: من قضى بالشاهد واليمين، نقضت حكمه» اهـ. وجاء أيضاً الاكتفاء بشاهد وامرأتين، وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].

стр. 7124

وذهب بعض العلماء إلى مشروعية الاكتفاء بالشاهد الواحد إذا علم صدق الشاهد، واحتج بما رواه أبو داود (٣٦٠٧)، والنسائي (٤٦٤٧) من طريق الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّ عَمَّهُ، حَدَّثَهُ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ، فَأَسْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ، فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَهُ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسِ وَإِلَّا بِعْتُهُ؟ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: «أَوْ لَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟» فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا، وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَلَى، قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ» فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ، يَقُولُ هَلُمَّ شَهِيدًا، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: «بِمَ تَشْهَدُ؟»، فَقَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.

стр. 7125

وأصل ذلك في البخاري (٢٨٠٧) عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ»، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١١٢ - ١١٣): «والنبي ﷺ لما حكم بالشاهد واليمين لم يشترط اليمين بل قوى بها شهادة الشاهد، وقد قال أبو داود في "السنن" باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به. ثم ساق حديث خزيمة بن ثابت أنَّ النبي ﷺ ابتاع فرساً من أعرابي فأسرع النبي ﷺ المشي وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أنَّ النبي ﷺ ابتاعه فنادى الأعرابي رسول الله ﷺ إن كنت مبتاعاً هذا الفرس وإلَّا بعته فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي فقال: "أوليس قد ابتعته منك". قال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي ﷺ : "بلى قد ابتعته منك". فطفق الأعرابي

стр. 7126

يقول: هلم شهيداً، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنَّك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: "بم تشهد". قال: بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين رواه النسائي. وفي هذا الحديث عدة فوائد: منها: جواز شراء الإمام الشيء من رجل من رعيته. ومنها: مباشرته الشراء بنفسه. ومنها: جواز الشراء ممن يجهل حاله ولا يسأل من أين لك هذا. ومنها: أنَّ الإشهاد على البيع ليس بلازم. ومنها: أنَّ الإمام إذا تيقن من غريمه اليمين الكاذبة لم يكن له تعزيره إذ هو غريمه. ومنها: الاكتفاء بالشاهد الواحد إذا علم صدقه فإنَّ النبي ﷺ ما قال لخزيمة: أحتاج معك إلى شاهد آخر، وجعل شهادته بشهادتين لأنَّها تضمنت شهادته لرسول الله ﷺ بالصدق العام فيما يخبر به عن الله والمؤمنون مثله في هذه الشهادة، وانفرد خزيمة بشهادته له بعقد التبايع مع الأعرابي دون الحاضرين لدخول هذا الخبر في جملة الأخبار التي يجب على كل مسلم تصديقه فيها وتصديقه فيها من لوازم الإيمان وهي الشهادة التي تختص

стр. 7127

بهذه الدعوى وقد قبلها منه وحده والحديث صريح فيما ترجم عليه أبو داود ﵀. وليس هذا الحكم الشاهد الواحد مخصوصاً بخزيمة دون من هو خير منه أو مثله من الصحابة، فلو شهد أبو بكر وحده أو عمر أو عثمان أو علي أو أبي بن كعب لكان أولى بالحكم بشهادته وحده والأمر الذي لأجله جعل شهادته بشاهدين موجود في غيره ولكنه أقام الشهادة وأمسك عنها غيره وبادر هو إلى وجوب الأداء إذ ذلك من موجبات تصديقه لرسول الله ﷺ » اهـ. قُلْتُ: الذي عليه أكثر العلماء أنَّ هذا من خصائص خزيمة بن ثابت، وهو الذي فهمه الصحابة ﵃ أجمعين فروى الحاكم في [الْمُسْتَدْرَكِ] (٦٩٧٧)، والطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٣٤١٠)، والبزار في [مُسْنَدِهِ] (٧٠٩٠)، والطحاوي في [شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ] (١٠/ ٣٧٤/ ١٤/ ٢٢٢) من طريق عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «افْتَخَرَ الْحَيَّانِ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، فَقَالَتِ الْأَوْسُ: مِنَّا مَنِ اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَمِنَّا مَنْ حَمَتْهُ الدِّبْرُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْأَفْلَحِ، وَمِنَّا مَنْ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ، وَمِنَّا مَنْ أُجِيزَتٍ

стр. 7128

شَهَادَتُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّونَ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ جَمَعُوا الْقُرْآنَ لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. فلو كان هذا حاصل لغير خزيمة بن ثابت لما خصوه به وعدوه من المفاخر. فمع وجود هذا الاحتمال فالأصل عدم الخروج عن الأدلة الصريحة القاضية على أنَّ الحقوق المالية لا تثبت بأقل من الشاهد واليمين إلَّا بأمر غير صريح محتمل. والله أعلم. قُلْتُ: وجاء قبول الشاهد الواحد في المال عند عدم المنازع فيما رواه البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا التَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ عَلَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ المَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ المَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ»، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ»، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ

стр. 7129

لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟»، فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: لَاهَا اللَّهِ، إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، يُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ»، فَأَعْطَاهُ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ. وأمَّا شهادة الثلاثة فجاءت في دعوى الفاقة التي تحل المسألة، وذلك فيما رواه مسلم (١٠٤٤) عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ، تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا».

стр. 7130

٣ - أنَّ المدعي إذا لم تكن له بينه فاليمين على المدعى عليه. قُلْتُ: وهذا ما لم يقوى جانب المدعي، فإن قوي جانبه فاليمين في جهته، ولهذا في القسامة لما قوى جانب المدعين باللوث كانت اليمين في جهتهم، وقد قضى النبي ﷺ بالشاهد واليمين، وذلك لقوه جانب المدعي بالشاهد. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٤/ ٨١ - ٨٢): «الوجه الخامس: أنَّ الأصل المستقر في الشريعة أنَّ اليمين مشروعة في جنبة أقوى المتداعيين؛ سواء ترجح ذلك بالبراءة الأصلية؛ أو اليد الحسية أو العادة العملية؛ ولهذا إذا ترجح جانب المدعي كانت اليمين مشروعة في حقه عند الجمهور كمالك والشافعي وأحمد؛ كالأيمان في القسامة وكما لو أقام شاهداً عدلاً في الأموال فإنَّه يحكم له بشاهد ويمين والنبي ﷺ جعل البينة على المدعى عليه إذا لم يكن مع المدعي حجة ترجح جانبه؛ ولهذا قال جمهور العلماء في الزوجين إذا تنازعا في متاع البيت فإنَّه يحكم لكل منهما بما جرت العادة باستعماله إياه فيحكم للمرأة بمتاع النساء وللرجل بمتاع الرجال؛ وإن كانت اليد الحسية منهما ثابتة على هذا وهذا لأنَّه يعلم بالعادة أنَّ كلاً منهما يتصرف في متاع

стр. 7131

جنسه. وهنا العادة جارية بأنَّ الرجل ينفق على امرأته ويكسوها فإن لم يعلم لها جهة تنفق منها على نفسها أجري الأمر على العادة» اهـ. وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مجموع الفتاوى] (٣٤/ ١٤٧): «ومذهب أبي حنيفة يحلف المدعى عليهم أولاً؛ فإنَّ مذهبه أنَّ اليمين لا تكون إلَّا في جانب المدعى عليه، والجمهور يقولون: هي في جنب أقوى المتداعيين» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ١١٠ - ١١١): «الثالث: أنَّ اليمين إنَّما كانت في جانب المدعى عليه حيث لم يترجح جانب المدعى بشيء غير الدعوى فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين لقوته بأصل براءة الذمة فكان هو أقوى المدعيين باستصحاب الأصل فكانت اليمين من جهته، فإذا ترجح المدعى بلوث أو نكول أو شاهد كان أولى باليمين لقوة جانبه بذلك فاليمين مشروعة في جانب أقوى المتداعيين فأيهما قوى جانبه شرعت اليمين في حقه بقوته وتأكيده، ولهذا لما قوى جانب المدعين باللوث شرعت الأيمان في جانبهم، ولما قوي جانب المدعى بنكول المدعى عليه ردت اليمين عليه كما حكم به الصحابة وصوبه الإمام أحمد، وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ ولما قوي جانب المدعى عليه بالبراءة الأصلية كانت اليمين في حقه، وكذلك الأمناء

стр. 7132

كالمودع والمستأجر والوكيل والوصي القول قولهم ويحلفون لقوة جانبهم بالأيمان، فهذه قاعدة الشريعة المستمرة، فإذا أقام المدعي شاهداً واحداً قوي جانبه فترجح على جانب المدعى عليه الذي ليس معه إلَّا مجرد استصحاب الأصل وهو دليل ضعيف يدفع بكل دليل يخالفه ولهذا يدفع بالنكول واليمين المردودة واللوث والقرائن الظاهرة فدفع بقول الشاهد الواحد وقويت شهادته بيمين المدعي فأي قياس أحسن من هذا وأوضح مع موافقته للنصوص والآثار التي لا تدفع» اهـ. ٤ - واحتج بقوله: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» من قال من أهل العلم: إنَّ من ادعى على غريمه شيئاً ثم أحلفه، ثم أراد إقامة البينة عليه بعد الإحلاف فلا يقبل ذلك منه، وذلك أنَّ النبي ﷺ خير المدعي بين شيئين إمَّا البينة، وإمَّا اليمين، فليس له أن يجمع بينهما، وهذا قول للإمام للشافعي ﵀، وأجاز ذلك الإمام مالك ﵀، وهذا هو الصحيح، فإنَّ صاحب الحق قد يرضى باليمين من غريمه لظنه أنَّه لا بينة معه، وقد يأتيه بعد ذلك من يشهد له ممن لم يعلم قبل ذلك بشهادته. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْطُرُقِ الْحُكْمِيَّةِ] (ص: ٩٩):

стр. 7133

«وَلَكِنَّهَا لَا تُسْقِطُ الْحَقَّ، وَلَا تُبْرِئُ الذِّمَّةَ، بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا. فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: سُمِعَتْ وَقُضِيَ بِهَا» اهـ. وَكَذَا لَوْ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَنَكَلَ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، سُمِعَتْ وَحُكِمَ بِهِ» اهـ. وأمَّا الحديث فقد محمول على غير هذا، وهو ما قاله الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٤٥٨): «وقد يقال في هذا: إنَّ المقصود من الكلام نفي طريق أخرى لإثبات الحق فيعود المعنى إلى حصر الحجة في هذين الجنسين - أعني البينة واليمين -» اهـ. ٥ - وفيه قبول يمين الكافر إذا ادعى عليه مسلم بغير بينه، وذلك أنَّ الرجل الذي خاصمه الأشعث كان يهودياً، وقد جاء ذلك صريحاً فيما رواه البخاري (٢٤١٧)، وفيه: فَقَالَ الأَشْعَثُ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَكَ بَيِّنَةٌ»، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: «احْلِفْ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.

стр. 7134

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٣/ ٢٨٨): «فصل: وتشرع اليمين في حق كل مدعى عليه، سواء كان مسلماً أو كافراً، عدلاً أو فاسقاً، امرأة أو رجلاً؛ لقول النبي ﷺ : "اليمين على المدعى عليه". وروى شقيق، عن الأشعث بن قيس، قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبي ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ : "هل لك بينة؟ ". قُلْتُ: لا. قال لليهودي: "احلف". قُلْتُ: إذاً يحلف، فيذهب بمالي. فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. إلى آخر الآية. رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه. وفي حديث الحضرمي، قُلْتُ: إنَّه رجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه. قال: "ليس لك منه إلَّا ذلك"» اهـ. ٦ - وفيه أنَّ حكم الحاكم لا يبيح للإنسان ما لم يكن حلالاً له. ٧ - وفيه موعظة الحاكم للمدعى عليه خشية أن يحلف باطلاً. ٨ - وفيه رد لمن ألزم المدعي مع البينة اليمين، وهو مذهب شريح وإبراهيم النخعي، والأئمة الأربعة على خلاف ذلك.

стр. 7135

قُلْتُ: وسائر مباحث الحديث مرت في الحديث الماضي. * * *

стр. 7136

٣٥٧ - عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا قِلَّةً». قُلْتُ: قَوْلُهُ: «كَاذِبًا». ظاهر ذلك أنَّه كاذب في المحلوف عليه، وقد تأول بعض العلماء ذلك على معنى آخر. فقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٧٥): «وكاذباً: منصوب على الحال، أي: في تعظيم تلك الملة التي حلف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾؛ لأنَّ من عظم ملة غير

стр. 7137

الإسلام، كان كاذباً في تعظيمه ذلك، وآثماً في كل حال وكل وقت، لا ينتقل عن ذلك. ولا يصلح أن يقال: "إنَّه يعني بكونه كاذباً في المحلوف عليه"؛ لأنَّه يستوي في ذمه كونه صادقاً أو كاذباً إذا حلف بملة غير الإسلام؛ لأنَّه إنَّما ذمه الشرع من حيث أنَّه حلف بتلك الملة الباطلة، معظماً لها على نحو ما تعظم به ملة الإسلام الحق؛ فلا فرق بين أن يكون صادقاً أو كاذباً في المحلوف عليه، والله تعالى أعلم. وأمَّا إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك: فهو آثم مرتكب كبيرة؛ إذ قد تشبه في قوله بمن يعظم تلك الملة ويعتقدها، فغلظ عليه الوعيد - بأن صير كواحد منهم - مبالغة في الردع والزجر؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾» اهـ. وكلام القاضي عياض، والعلامة النووي ﵀ قريب من ذلك. ومراده بذلك أنَّ الحالف بملة غير الإسلام إن اعتقد عظم تلك الملة فهذا الاعتقاد كذب غير مطابق للواقع، وإن لم يعتقد عظم تلك الملة فإنَّ حلفه بها كذب من وجه آخر، وذلك أنَّ الحلف بها من غير اعتقاد للعظمة فيه تعظيم من حيث اللفظ دون الاعتقاد وإظهار تعظيم الملة الكافرة في اللفظ من الكذب أيضاً وذلك أنَّ الملة الكافرة لا عظمة فيها مطلقاً.

стр. 7138

قُلْتُ: وقول الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀: «ولا يصلح أن يقال: "إنَّه يعني بكونه كاذباً في المحلوف عليه"؛ لأنَّه يستوي في ذمه كونه صادقاً أو كاذباً». فيه نظر، فإنَّ من حلف على أمر ماضٍ صادقاً فقد علق إيمانه على أمر موجود، وعلق كفره على أمر معدوم، وأمَّا إن حلف على أمر ماضٍ كاذباً فقد علق كفره على أمر موجود، وعلق إيمانه على أمر معدوم، ولا شك أنَّ الكذب في ذلك أشد وأخطر فناسب أن يتنزل الحديث عليه دون من كان صادقاً، وهكذا هنالك فرق ظاهر بين من يحلف على أمر ماضٍ كاذباً، وبين من يحلف على أمر مستقبل، وذلك أنَّ من يحلف على أمر ماضٍ كاذباً فإنَّه قد علق براءته من الإسلام بأمر متحقق موجود، وعلق إيمانه بأمر لا وجود له، والحالف على ذلك في المستقبل قد يحنث، وقد لا يحنث، ثم إنَّ الغالب أنَّ غرضه من ذلك الامتناع من الفعل، والامتناع من الكفر لا الوقوع فيه. قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٤٠٩): «وقد يقال: إذا كان عن ماض فقد حقق الكفر على نفسه.

стр. 7139

وأمَّا إذا كان على مستقبل فقد يقع ذلك الأمر، وقد لا يقع، والغالب من حال الآتي بهذا اللفظ أنَّه إنَّما يقصد به إبعاد نفسه عن ذلك الأمر بربطه بأمر لا يقع منه، وهذا أقرب» اهـ. وخلاصة القول: أنَّ حمل الحديث على من حلف على ماضٍ كاذباً هو الأنسب، ويؤيده حديث بريدة الآتي ولفظه: «مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا». وفيه كما ترى التفريق بين الصادق والكاذب، وهو محمول على الحلف في الماضي، وهذا الحديث أنسب حديث يفسر به حديث ثابت بن الضحاك. والله أعلم. وَقَوْلُ الْمُؤَلِفِ: وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا قِلَّةً». هذه الرواية انفرد بها مسلم (١١٠). وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا: ١ - حرمة الحلف بملة غير الإسلام كاذباً. قُلْتُ: ويحرم أيضاً وإن كان صادقاً كما سيأتي في حديث بريدة.

стр. 7140

٢ - ظاهر الحديث أنَّه يصير بذلك كافراً، لكن كثير من العلماء تأولوا ذلك بعدة تأويلات. التأويل الأول: أنَّ المراد بقوله: «فَهُوَ كَمَا قَالَ». أي: كاذب لا كافر. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٣/ ٣٥٠) - ناقلاً عن المهلب -: «وقوله: "من حلف بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال". كاذب لا كافر، ولا يخرج بهذا القول من الإسلام إلى الدين الذي حلف به، لأنَّه لم يقل ما يعتقده، ولذلك استحق اسم الكذب، فوجب أن يكون كما قال كاذباً لا كافراً. قال غيره: ومعنى الحديث النهى عن الحلف بما حلف به من ذلك والزجر عنه، وتقدير الكلام: من حلف بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً، فهو كما قال، يعنى فهو كاذب حقاً، لأنَّه حين حلف بذلك ظن أنَّ إثم الكذب واسمه ساقطان عنه لاعتقاده أنَّه لا حرمة لما حلف به، لكن لما تعمد ترك الصدق في يمينه، وعدل عن الحق في ذلك، لزمه اسم الكذب، وإثم الحلف، فهو كاذب كذبتين: كاذب بإظهار تعظيم ما يعتقد خلافه، وكذب بنفيه ما يعلم إثباته أو بإثبات ما يعلم نفيه» اهـ.

стр. 7141

قُلْتُ: وتقرير ذلك أنَّ قوله: «فَهُوَ كَمَا قَالَ». أي كاذب، فإنَّه قال كذباً، وذلك لأنَّه أخبر ببراءته من الإسلام، وهو لا يعتقد ذلك، وهذا هو حقيقة الكذب، أو المراد أنَّه لم يقل ما يعتقده من تعظيم تلك الملة فيكون كاذباً بذلك. وقد يجاب بأنَّ هذا القول بعيد عن ظاهر الحديث، فإنَّ ظاهره، أنَّه كما قال: يعني: أنَّه يهودي أو نصراني، أو غير ذلك من ملل الكفر التي تلفظ بها. وهذا التأويل مبني على أنَّ قوله: «كَاذِبًا». أي في اعتقاده، وليس في المحلوف عليه، وقد سبق أنَّ بيَّنا عدم استقامة هذا التأويل. التأويل الثاني: أنَّه محمول على من قصد تعظيم الملة المغايرة لملة الإسلام فإنَّه بذلك يصير كافراً، وأمَّا من قصد مجرد الحلف لا التعظيم فلا يكفر بذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٧٥): «يحتمل أن يريد به النبي ﷺ : من كان معتقداً لتعظيم تلك الملة المغايرة لملة الإسلام؛ وحينئذ: يكون كافراً حقيقة، فيبقى اللفظ على ظاهره» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٢٢): «ثم إن كان الحالف به معظماً لما حلف به مجلاً له كان كافراً، وإن لم يكن معظماً بل كان قلبه مطمئناً

стр. 7142

بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به، ومعاملته إياه معاملة ما يحلف به، ولا يكون كافراً خارجاً عن ملة الإسلام» اهـ. وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣٩): «والتحقيق التفصيل فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وإن قصد حقيقة التعليق فينظر فإن كان أراد أن يكون متصفاً بذلك كفر لأنَّ إرادة الكفر كفر، وإن أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيها الثاني هو المشهور» اهـ. قُلْتُ: وقد يجاب بأنَّ قيد التعظيم لا وجود له في الحديث، ولو كان من القيود المعتبرة لذكره النبي ﷺ ولم يكتف بقيد الكذب والعمد. التأويل الثالث: أنَّ المراد به كفر النعمة والإحسان. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (١/ ٢٢٢): «ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر، ويراد به كفر الإحسان، وكفر نعمة الله تعالى فإنَّها تقتضي أن لا يحلف هذا الحلف القبيح» اهـ. قُلْتُ: وقد يجاب عنه بأنَّ لفظ الحديث: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ». وظاهره، أنَّ من قال: هو يهودي إن فعل كذا، وهو كاذب في ذلك فهو يهودي، ومن قال: هو نصاري إن فعل كذا، وهو كاذب في ذلك فهو نصراني، ومن قال:

стр. 7143

هو مجوسي إن فعل كذا، وهو كاذب في ذلك فهو مجوسي، ومثل هذا لا يمكن حمله على كفر النعمة، وحمله على ذلك غير معهود في الألفاظ الشرعية، نعم لو كان لفظ الحديث: من حلف على ملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كافر لاستقام حمل ذلك على كفر النعمة والإحسان، فإنَّ الكفر قد ورد في الأدلة الشرعية على معنى ذلك، لكن هذا لم يرد في الحديث. التأويل الرابع: أنَّ الحديث وارد على معنى التهديد والوعيد لا حقيقة الكفر. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١١/ ٥٣٩): «ويحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم» اهـ. قُلْتُ: وقد يجاب بأنَّ الأصل إجراء الحديث على ظاهره. وقد يقوى ذلك بأنَّ الحالف بذلك ليس مقصوده الكفر، وإنَّما مقصوده تصديق خبره. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٢/ ٧٤ - ٧٥): «لأنَّه إنَّما قصده في الماضي الخبر التصديق أو التكذيب، وأكده باليمين كما يقصد الحظ أو المنع في الأمر أو النهي، وأكده باليمين، فكما قالوا: يجب الفرق في المستقبل بين من قصده اليمين وقصده الإيقاع، وأنَّ الحالف لا يلتزم وقوعه عند المخالفة، والموقع يلتزم

стр. 7144

ما يريد وقوعه عند المخالفة، فهذا الفرق موجود في التعليق على الماضي، فإنَّه تارة يقصد اليمين، وتارة يقصد الإيقاع، فالحالف يكره لزوم الجزاء، وإن حنث صدق أو كذب لم يقصد إيقاع ما التزمه إذا كذب، كما لم يقصد في الحظ والمنع والشارع لم يجعل من التزم شيئاً يلزمه، سواء بر أو فجر، ولهذا لم يكفر باليمين الغموس إجماعاً لأنَّه لم يقصد نفي حرمة الإيمان بالله، لكن فعل كبيرة مع اعتقاده أنَّها كبيرة» اهـ. التأويل الخامس: أنَّ المراد به الكفر الأصغر. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (١٢/ ٧٥) - بعد كلامه السابق مباشرة -: «والقول في الخبر كنظائره كفر دون كفر، وقد يجتمع في الإنسان شعبة من شعب الكفر والنفاق» اهـ. قُلْتُ: وقد يجاب بأنَّ قوله في الحديث: «فَهُوَ كَمَا قَالَ». أي من تلك الملة التي حلف عليها، وهو قد يحلف على اليهودية والنصرانية والمجوسية، ولم يعهد في الشرع تقسيم هذه الملل إلى أكبر وأصغر.

стр. 7145

قُلْتُ: إن كان الحلف بملة غير الإسلام على أمر مستقبل فلا إشكال في عدم كفره لأنَّه لم يرد بذلك الكفر، فإنَّه إنَّما حلف بذلك لشدة امتناعه من الكفر، ولبغضه له. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٣٣/ ٥٦): «أحدها: أنَّ الحالف بالكفر والإسلام كقوله: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني. وقول الذمي: إن فعلت كذا فأنا مسلم: هو التزام للكفر والإسلام عند الشرط ولا يلزمه ذلك بالاتفاق؛ لأنَّه لم يقصد وقوعه عند الشرط؛ بل قصد الحلف به» اهـ. وَقَالَ ﵀ (٣٣/ ١٣٧): «وقد اتفق المسلمون على أنَّه من حلف بالكفر والإسلام أنَّه لا يلزمه كفر ولا إسلام. فلو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي وفعله لم يصر يهودياً بالاتفاق. وهل يلزمه كفارة يمين؟ على قولين: أحدهما: يلزمه؛ وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. والثاني: لا يلزمه؛ وهو قول مالك والشافعي؛ ورواية عن أحمد؛ وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنَّه إذا اعتقد أنَّه يصير كافراً إذا حنث وحلف به فإنَّه يكفر.
следующие страницы →