Полный текст (8 095 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.
стр. 8051
فلا أعلم فيه نزاعًا، ويمكن أن يُحمل كلام أبي محمد ابن حزم على هذا، فلا يكون فيما ذكره نزاع» اهـ.
* * *
стр. 8052
٤١٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا».
قَوْلُهُ: «فَلَيْسَ مِنَّا». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ١٨٤): «وهؤلاء المؤمنون الأبرار الأتقياء هم أهل السعادة المطلقة وهم أهل الجنة الذين وعدوا بدخولها بلا عذاب وهؤلاء الذين قال النبي ﷺ : "من غشنا فليس منَّا" و"من حمل علينا السلاح فليس منَّا" فإنَّه ليس من هؤلاء؛ بل من أهل الذنوب المعرضين للوعيد أسوة أمثالهم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (١١/ ٦٥٢ - ٦٥٣): «وكونه ليس من المؤمنين ليس المراد به ما يقوله المرجئة: إنَّه ليس من خيارنا؛ فإنَّه لو ترك ذلك لم يلزم أن يكون من خيارهم وليس المراد به ما يقوله الخوارج: إنَّه صار كافراً. ولا ما يقوله المعتزلة: من أنَّه لم يبق معه من الإيمان شيء بل هو مستحق للخلود في النار لا يخرج منها. فهذه كلها أقوال باطلة قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع. ولكن المؤمن المطلق في باب الوعد والوعيد وهو المستحق لدخول الجنة بلا عقاب هو المؤدي للفرائض
стр. 8053
المجتنب المحارم وهؤلاء هم المؤمنون عند الإطلاق فمن فعل هذه الكبائر لم يكن من هؤلاء المؤمنين إذ هو متعرض للعقوبة على تلك الكبيرة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن حمل السلاح على المسلمين أي لقتالهم.
وجاء في مسلم (٩٩) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّا».
٢ - التبرؤ من فاعل ذلك دليل على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب وقد روى البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٦٢): «قوله: "من حمل علينا السلاح، فليس منَّا"، أي: من حمل علينا بالسلاح مقاتلاً؛ كما قال في الرواية الأخرى: "من سل علينا السيف، فليس منَّا"، ويعني بذلك النبي ﷺ نفسه وغيره من المسلمين.
ولا شك في كفر من حارب النبي ﷺ ؛ وعلى هذا فيكون قوله ﷺ : "فليس منَّا"، أي: ليس بمسلم، بل هو كافر.
стр. 8054
وأمَّا من حارب غيره من المسلمين متعمداً مستحلاً من غير تأويل، فهو أيضاً كافر كالأول.
وأمَّا من لم يكن كذلك، فهو صاحب كبيرة، إن لم يكن متأولاً تأويلاً مسوغاً بوجه» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبق بيان معنى ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
٣ - ويؤخذ منه النهي عن إدخال الرعب في قلوب المسلمين.
٤ - ويدخل في ذلك إشهار السلاح على المسلمين ولو كان على إرادة المزاح، فقد روى البخاري (٧٠٧٢)، ومسلم (٢٦١٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ».
ومعنى ينزع يرمي ويحقق ضربته.
وروى مسلم (٢٦١٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ».
стр. 8055
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٤٤٨) «وقوله ﷺ : "وإن كان أخاه لأبيه وأمه" مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد، سواء من يتهم فيه، ومن لا يتهم، وسواء كان هذا هزلاً ولعباً، أم لا؛ لأنَّ ترويع المسلم حرام بكل حال» اهـ.
قُلْتُ: وهنالك من مازح أخاه لأبيه وأمه بالسلاح فقتله خطأ، وأخبار الناس في ذلك كثيرة.
* * *
стр. 8056
٤١١ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - أنَّ الذي يقاتل ليذكر ويشتهر بالشجاعة، أو من قاتل بدافع الشجاعة فليس في سبيل الله تعالى.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٥٠٢ - ٥٠٣): «وأمَّا القتال للشجاعة فيحتمل وجوها:
أحدها: أن يكون التعليل داخلاً في قصد المقاتل أي قاتل لأجل إظهار الشجاعة فيكون فيه حذف مضاف وهذا لا شك في منافاته للإخلاص.
وثانيها: أن يكون ذلك تعليلاً لقتاله من غير دخول له في القصد بالقتال كما يقال: أعطى لكرمه ومنع لبخله وآذى لسوء خلقه وهذا بمجرده من حيث هو هو لا يجوز أن يكون مراداً بالسؤال ولا الذم فإنَّ الشجاع المجاهد في سبيل الله إنَّما فعل
стр. 8057
ما فعل لأنَّه شجاع غير أنَّه ليس يقصد به إظهار الشجاعة ولا قصد إظهار الشجاعة في التعليل.
وثالثها: أن يكون المراد بقولنا: قاتل للشجاعة: أنَّه يقاتل لكونه شجاعاً فقط وهذا غير المعنى الذي قبله لأنَّ الأحوال ثلاثة: حال يقصد بها إظهار الشجاعة وحال يقصد بها إعلاء كلمة الله تعالى وحال يقاتل فيها لأنَّه شجاع إلَّا أنَّه لم يقصد إعلاء كلمة الله تعالى ولا إظهار الشجاعة عنه وهذا يمكن فإنَّ الشجاع الذي تداهمه الحرب وكانت طبيعته المسارعة إلى القتال يبدأ بالقتال لطبيعته وقد لا يستحضر أحد الأمرين - أعني أنَّه لغير الله تعالى أو لإعلاء كلمة الله تعالى.
ويوضح الفرق بينهما أيضاً: أن المعنى الثاني لا ينافيه وجود قصد فإنَّه يقال: قاتل إعلاء كلمة الله تعالى لأنَّه شجاع، وقاتل للرياء لأنَّه شجاع فإنَّ الجبن مناف للقتال مع كل قصد يفرض، وأمَّا المعنى الثالث: فإنَّه ينافيه القصد لأنَّه أخذ فيه القتال للشجاعة بقيد التجرد عن غيرها ومفهوم الحديث أنَّه في سبيل الله تعالى إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وليس في سبيل الله إذا لم يقاتل لذلك.
стр. 8058
فعلى الوجه الأول: تكون فائدته بيان أنَّ القتال لهذه الأغراض مانع وعلى الوجه الأخير تكون فائدته: أنَّ القتال لأجل إعلاء كلمة الله تعالى شرط وقد بينا الفرق بين المعنيين وقد ذكرنا أن مفهوم الحديث الاشتراط» اهـ.
٢ - وفيه أنَّ الذي يقاتل حمية لأهله وعشيرته وغيرهم فليس في سبيل الله تعالى.
والحمية هي: الأنفة والغيرة.
٣ - وفيه أنَّ الذي يقاتل رياءً ليثني عليه الناس بذلك فليس في سبيل الله تعالى.
٤ - أنَّ المقاتل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله تعالى.
قال جماعة من العلماء المراد بكلمة الله هي دعوة الله إلى الإسلام.
وقد دعا الله الخلق إلى ذلك فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٥/ ٢٣٨): «و"كلمة الله" هي خبره وأمره: فيكون أمره مطاعاً مقدماً على أمر غيره وخبره مطاعاً مقدماً على خبر غيره» اهـ.
стр. 8059
وَقَالَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٢٦٣): «وكلمة الله: اسم جامع لكلماته التي تضمنها كتابه» اهـ.
وَقَالَ ﵀ فِي [الرَّدِ عَلَى الْأَخْنَائِي] (ص: ٢٠٦): «وكلمة الله إمَّا أن يراد بها كلمة معينة وهي التوحيد لا إله إلَّا الله فيكون هذا من نمط الآية، وإمَّا أن يراد بها الجنس أن يكون ما يقوله الله ورسوله فهو الأعلى على كل قول وذلك هو الكتاب ثم السنة فمن كان يقول بما قاله الرسول ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه فهو القائم بكلمة الله، ومن قال ما يخالف ذلك من الأقوال التي تخالف قول الرسول فهو الذي يستحق الجهاد» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ الإخلاص شرط في الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو شرط في سائر العبادات.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٢/ ٥٠ - ٥١): «فالمخلص في عباداته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء. وذلك لا يتأتى له إلاَّ بأن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ما عنده. فأمَّا إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أعراض الدنيا؛ فلا يكون عبادة، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها، فإمَّا كفر، وهو: الشرك الأكبر، وإمَّا رياء، وهو: الشرك
стр. 8060
الأصغر. ومصير صاحبه إلى النار، كما جاء في حديث أبي هريرة في الثلاثة المذكورين فيه.
هذا إذا كان الباعث على تلك العبادة الغرض الدنيوي وحده، بحيث لو فقد ذلك الغرض لترك العمل. فأمَّا لو انبعث لتلك العبادة بمجموع الباعثين - باعث الدنيا وباعث الدين -؛ فإن كان العبادة باعث الدنيا أقوى، أو مساوياً ألحق القسم الأول في الحكم بإبطال ذلك العمل عند أئمة هذا الشأن، وعليه يدل قوله ﷺ حكاية عن الله ﵎: "من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشريكه". فأما لو كان باعث الدين أقوى؛ فقد حكم المحاسبي ﵀ بإبطال ذلك العمل؛ متمسكاً بالحديث المتقدم، وبما في معناه، وخالفه في ذلك الجمهور، وقالوا بصحة ذلك العمل، وهو المفهوم في فروع مالك. ويستدل على هذا بقوله ﷺ : "إنَّ من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله"، فجعل الجهاد مما يصح أن يتخذ للمعاش، ومن ضرورة ذلك أن يكون مقصوداً، لكن لما كان باعث الدين على الجهاد هو الأقوى والأغلب، كان ذلك الغرض ملغى، فيكون معفواً عنه؛ كما إذا توضأ قاصداً رفع
стр. 8061
الحدث والتبرد، فأمَّا لو تفرد باعث الدين بالعمل، ثم عرض باعث الدنيا في أثناء ذلك العمل فأولى بالصحة» اهـ.
قُلْتُ: الحديث الذي ذكره المصنف رواه مسلم (١٨٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ».
وما ذكره أحد التأويلات لمعنى الحديث، وقد وجهه الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ بتوجيه آخر فقال فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٦٦): «"المعاش": هو العيش، وهو الحياة، وتقديره والله أعلم: من خير أحوال عيشهم رجل ممسك» اهـ.
* * *
стр. 8062
كِتَابُ الْعِتْقِ.
٤١٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».
قَوْلُهُ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٧١): «قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْعِتْقُ الْحُرِّيَّةُ يُقَالُ مِنْهُ عَتَقَ يَعْتِقُ عِتْقًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَعَتْقًا بِفَتْحِهَا أَيْضًا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَغَيْرُهُ وَعَتَاقًا وَعَتَاقَةً فَهُوَ عَتِيقٌ وَعَاتِقٌ أَيْضًا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ وَهُمْ عُتَقَاءُ وَأَعْتَقَهُ فَهُوَ مُعْتَقٌ وَهُمْ عُتَقَاءُ وَأَمَةٌ عَتِيقٌ وَعَتِيقَةٌ وَإِمَاءٌ عَتَائِقُ وَحَلَفَ بِالْعَتَاقِ أَيِ الْإِعْتَاقِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ عَتَقَ الْفَرَسُ إِذَا سَبَقَ وَنَجَا وَعَتَقَ الْفَرْخُ طَارَ وَاسْتَقَلَّ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَتَخَلَّصُ بِالْعِتْقِ وَيَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَنْ أَعْتَقَ نَسَمَةً إِنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَفَكَّ رَقَبَةً فَخُصَّتِ الرَّقَبَةُ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مَعَ أَنَّ الْعِتْقَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ لِأَنَّ حُكْمَ السَّيِّدِ عَلَيْهِ وَمِلْكَهُ لَهُ
стр. 8063
كَحَبْلٍ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَكَالْغِلِّ الْمَانِعِ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ فَإِذَا أَعْتَقَ فَكَأَنَّهُ أُطْلِقَتْ رَقَبَتُهُ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.
قُلْتُ: والشرك هو المشترك والنصيب.
وَقَوْلُهُ: «ثَمَنَ العَبْدِ». أي قيمة العبد، وقوله بعد ذلك: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ». يبين المراد من ذلك.
والثمن عند الفقهاء هو: ما اشتري به العين.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - إثبات السراية فيمن أعتق شركاً له في عبد، فيصير بذلك حراً يأخذ أحكام الأحرار في الميراث وغيره، ويكون جميع ولائه للمعتق، وهذا مذهب الجمهور.
ويلزم الشريك إن كان موسراً أن يدفع قيمة سائر العبد للشركاء.
وإن أيسر في البعض دون البعض لزمه أن يدفع ما أيسر فيه وتجري حينئذ السراية في القدر الذي أيسر فيه، وهو مذهب الإمام مالك والمصحح عند الشافعية.
وهذا هو الصحيح لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولما رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ
стр. 8064
وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».
ولو أعسر المعتق بعد ذلك استمر نفوذ العتق وكانت القيمة ديناً في ذمته، ولو مات أخذت من تركته فإن لم تكن له تركة ضاعت القيمة واستمر عتق جميعه. وهو مذهب الجمهور.
قُلْتُ: وإذا ثبتت السراية في نصيب الشريك فمن باب أولى ثبوتها في سائر نصيب المعتق، وذلك كأن يعتق بعض عبده، أو بعض نصيبه من العبد.
٢ - وَقَوْلُهُ: «مَنْ أَعْتَقَ». خرج به من أعتق عليه كمن يرث من يعتق عليه بقرابة، وذلك أنَّ في الحديث إضافة الفعل إلى الفاعل والإرث ليس من فعله.
٣ - ويخرج من ذلك عند الشافعي في أحد أقواله العبد المرهون لما في ذلك من إبطال الرهن.
وقال الجمهور: إن كان موسراً كلف أن يأتي بقيمة الرقبة فتكون القيمة رهناً وتخرج الرقبة من الرهن.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٩/ ١٩٤ - ١٩٥):
стр. 8065
«مسألة قال: "وإذا أعتق الراهن عبده المرهون، فقد صار حراً، ويؤخذ إن كان له مال بقيمة المعتق، فيكون رهناً".
وجملة ذلك أنَّه ليس للراهن عتق الرهن؛ لأنَّه يبطل حق المرتهن من الوثيقة، فإن أعتق، نفذ عتقه موسراً كان أو معسراً.
نص عليه أحمد وبه قال شريك، والحسن بن صالح وأصحاب الرأي، والشافعي في أحد أقواله، إلَّا أن أبا حنيفة قال: يستسعي العبد في قيمته إن كان المعتق معسراً.
وعن أحمد رواية أخرى: لا ينفذ عتق المعسر.
ذكرها الشريف أبو جعفر وهو قول مالك والقول الثاني للشافعي لأنَّ عتقه يسقط حق المرتهن من الوثيقة، من عين الرهن وبدلها، فلم ينفذ، لما فيه من الإضرار بالمرتهن، ولأنَّه عتق يبطل حق غير المالك، فنفذ من الموسر دون المعسر، كعتق شرك له من عبد وقال عطاء والبتي وأبو ثور لا ينفذ عتق الراهن موسراً كان أو معسراً.
وهو القول الثالث للشافعي لأنَّه معنى يبطل حد الوثيقة من الرهن، فلم ينفذ كالبيع.
стр. 8066
ولنا، أنَّه إعتاق من مالك جائز التصرف تام الملك، فنفذ، كعتق المستأجر، ولأنَّ الرهن عين محبوسة لاستيفاء الحق، فنفذ فيها عتق المالك، كالمبيع في يد البائع، والعتق يخالف البيع، فإنَّه مبني على التغليب والسراية، وينفذ في ملك الغير، ويجوز عتق المبيع قبل قبضه، والآبق، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، ويجوز تعليقه على الشروط، بخلاف البيع إذا ثبت هذا فإنه إن كان موسراً أخذت من قيمته، فجعلت مكانه رهناً؛ لأنَّه أبطل حق الوثيقة بغير إذن المرتهن، فلزمته قيمته، كما لو أبطلها أجنبي، أو كما لو أتلفه، وتكون القيمة رهناً؛ لأنَّها نائبة عن العين، وبدل عنها، وإن كان معسراً فالقيمة في ذمته، فإن أيسر قبل حلول الحق، أخذت منه القيمة فجعلت رهناً، إلَّا أن يختار تعجيل الحق، فيقضيه، ولا يحتاج إلى رهن، وإن أيسر بعد حلول الحق، طولب بالدين خاصة؛ لأنَّ ذمته تبرأ به من الحقين معاً، والاعتبار بقيمة العبد حال الإعتاق، لأنَّه حال الإتلاف.
وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في المعسر: يستسعي العبد في قيمته، ثم يرجع على الراهن.
وفيه إيجاب الكسب على العبد، ولا صنع له، ولا جناية منه، وإلزام الغرم لمن وجد منه الإتلاف أولى، كحال اليسار، وكسائر الإتلاف» اهـ.
стр. 8067
قُلْتُ: الأظهر عندي نفوذ عتق الموسر، وذلك أنَّ الموسر إذا أعتق نصيبه من العبد فإنَّ عتقه يسري إلى ملك غيره فمن باب أولى أن يسري في ملكه الذي في يد المرتهن.
وأمَّا إذا كان معسراً فلا يظهر لي نفوذه لما في ذلك من إبطال حق المرتهن.
٤ - قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٣): «وخرج به أيضاً ما إذا أوصى بإعتاق نصيبه من عبد بعد موته فإنَّه عتق ذلك القدر ولا سراية؛ وذلك لأنَّ المال ينتقل إلى الوارث ويصير الميت معسراً بل لو كان كل العبد له فأوصى بإعتاق بعضه أعتق ذلك البعض، ولم يسر وبهذا قال الجمهور وعند المالكية قول أنَّه يقوم في ثلثه ويجعل موسراً بعد الموت» اهـ.
٥ - وفيه أنَّ من لم يكن له مال يُقوَّم عليه قيمة عدل ويعتق منه ما عتق.
٦ - والذي يترجح في حق الموسر أن يعتق عليه في الحال، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٤٩١)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، أَوْ شِرْكًا، أَوْ قَالَ: نَصِيبًا، وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ فَهُوَ عَتِيقٌ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».
стр. 8068
ورواه مسلم (١٥٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكٍ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ».
وهذا مذهب الجمهور.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٥٥): «والمشهور عند المالكية أنَّه لا يعتق إلَّا بدفع القيمة فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه وهو أحد أقوال الشافعي، وحجتهم رواية سالم أول الباب حيث قال: "فإن كان موسراً قوم عليه ثم يعتق".
والجواب: أنَّه لا يلزم من ترتيب العتق على التقويم ترتيبه على أداء القيمة فإنَّ التقويم يفيد معرفة القيمة وأمَّا الدفع فقدر زائد على ذلك» اهـ.
قُلْتُ: الشقص، والشقيص هو النصيب.
٧ - وَقَوْلُهُ: «لَهُ مَالٌ». يشمل كل ما يتمول فيباع عليه في حصة شريكه جميع ما يباع عليه في الدين إذا كان مفلساً.
٨ - وفي الحديث أنًّ التقويم يكون على المعتق خلافاً لابن سيرين في قوله يكون في بيت المال.
стр. 8069
٩ - وفيه رد على من أثبت استسعاء العبد مع إيسار المعتق، وهذا مما شذ به أبو حنيفة حيث ذهب إلى تخيير الشريك بين أن يقوم نصيبه على المعتق أو يعتق نصيبه أو يستسعي العبد في نصيب الشريك.
وطرد قوله في ذلك فيما لو أعتق بعض عبده فالجمهور قالوا: يعتق كله. وقال هو يستسعى العبد في قيمة نفسه لمولاه.
١٠ - ويدخل في قَوْلِهِ: «مَنْ أَعْتَقَ». كل من يصح منه العتق وهم المكلفون، ويخرج من ذلك الصبيان والمجانين.
وهل يخرج من ذلك الكفار فيه نزاع.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٢٧): «وأمَّا الكفار: فلا يصح العتق الشرعي منهم. إمَّا لأنَّهم غير مخاطبين بالفروع. وإمَّا لأنَّ صحة القرب الشرعية موقوفة على الإسلام. فلو كان العبد مسلماً وسيداه نصرانيين، فاعتق أحدهما كمل عليه؛ لأنَّه حكم بين مسلم وذمي. وكذلك لو كان العبد وأحد سيديه نصرانيين، فاعتق النصراني كمل عليه لحق المسلم على قول أشهب، ومطرف، وابن الماجشون. وفي "المختصر الكبير": لا يقوم عليه. وقال ابن
стр. 8070
القاسم: إن كان العبد مسلماً قوم عليه، وإلَّا فلا بناء على أنَّ القربة لا تصح منهم، ولا يجبرون عليها» اهـ.
وَقَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٩): «وظاهره أيضاً أن لا فرق بين أن يكون المعتق والشريك والعبد مسلمين أو كفاراً أو بعضهم مسلمين وبعضهم كفاراً وبه قال الشافعية، وعند الحنابلة وجهان فيما لو أعتق الكافر شركاً له في عبد مسلم هل يسري عليه أم لا، وقال المالكية: إن كانوا كفاراً فلا سراية وإن كان المعتق كافراً دون شريكه فهل يسري عليه أم لا فيما إذا كان العبد مسلماً دون ما إذا كان كافراً ثلاثة أقوال، وإن كانا كافرين والعبد مسلماً فروايتان، وإن كان المعتق مسلماً سرى عليه بكل حال» اهـ.
قُلْتُ: الأصل إجراء الحديث على عمومه ولا يستثنى منه شيء إلَّا بحجة صحيحة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٤/ ١٠ - ١١): «فصل: ولا فرق في هذا بين كون الشركاء مسلمين أو كافرين، أو بعضهم مسلماً، وبعضهم كافراً. ذكره القاضي. وهو قول الشافعي.
стр. 8071
وقال أبو الخطاب: في الكافر وجه، أنَّه إذا أعتق نصيبه من مسلم، أنَّه لا يسري إلى باقيه، ولا يقوم عليه؛ لأنَّه لا يصح شراء الكافر عبداً مسلماً.
ولنا عموم الخبر، ولأنَّ ذلك ثبت لإزالة الضرر، فاستوى فيه المسلم والكافر، كالرد بالعيب، والغرض هاهنا تكميل العتق، ودفع الضرر عن الشريك دون التمليك، بخلاف الشراء ولو قدر أنَّ هاهنا تمليكاً، لكان تقديراً في أدنى زمان، حصل ضرورة تحصيل العتق، ولا ضرر فيه، فإن قدر فيه ضرر، فهو مغمور بالنسبة إلى ما يحصل من العتق، فوجوده كالعدم، وقياس هذا على الشراء غير صحيح لما بينهما من الفرق، والله أعلم» اهـ.
١١ - وَقَوْلُهُ: «مِنْ عَبْدٍ» احتج به إسحاق بن راهويه في قوله: إنَّ هذا الحكم مختص بالذكور دون الإناث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٢٧): «و"العبد": اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، ومؤنثه: أمة - من غير لفظه -، وقد حكي: عبدة. ولهذا قال إسحاق بن راهويه: إنَّ هذا الحديث إنَّما يتناول ذكور العبيد دون إناثهم، فلا يكمل على من أعتق شركاً في أنثى. وهو على خلاف الجمهور من السلف، ومن بعدهم: فإنَّهم لم يفرقوا بين الذكر والأنثى؛ إمَّا لأنَّ لفظ العبد يراد
стр. 8072
به الجنس، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، فإنَّه يتناول الذكر والأنثى من العبيد قطعاً. وإمَّا على طريق الإلحاق بنفي الفارق الذي هو القياس في معنى الأصل» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٧٣): «وهذا القول شاذ مخالف للعلماء كافة» اهـ.
قُلْتُ: وقد جاء الحديث في البخاري (٢٥٢٥) مِنْ طَرِيْقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِي العَبْدِ أَوِ الأَمَةِ يَكُونُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ إِذَا كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ يُقَوَّمُ مِنْ مَالِهِ قِيمَةَ العَدْلِ، وَيُدْفَعُ إِلَى الشُّرَكَاءِ أَنْصِبَاؤُهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتَقِ. يُخْبِرُ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ».
وهذا يشمل الذكر والأنثى.
١٢ - وَقَوْلُهُ: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ». أي قوم عليه كاملاً، وليس المراد أن يقوم عليه ما بقي منه.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٢٨/ ٩٦):
стр. 8073
«فإنَّ حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند جماهير العلماء: كمالك وأبي حنيفة وأحمد» اهـ.
وَقَالَ (٢٩/ ٧٢): «فأمر النبي ﷺ بتقويم العبد كله وبإعطاء الشريك حصته من القيمة. ومعلوم أنَّ قيمة حصته منفردة دون حصته من قيمة الجميع» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١٣/ ١٢٨): «وظاهر هذا الحديث: أنَّه يقوم عليه كاملاً، لا عتق فيه، وهو المعروف من المذهب. وقيل: يقوم على أنَّ بعضه حر. والأول أصح؛ لأنَّ جناية المعتق هي سبب تفويت ملك الشريك، فيقوم عليه على ما كان حال الجناية، كالحكم في سائر الجنايات المفوتة» اهـ.
١٣ - وَقَوْلُهُ: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ». أي يوم العتق لا يوم الحكم.
١٤ - وفيه أنَّ القيمة تكون بالعدل بلا زيادة ولا نقص.
١٥ - وظاهر الحديث أنَّه لو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول نصيبه كان إعتاقه لغواً لأنَّه قد صار كله حراً.
стр. 8074
١٦ - وفيه إثبات التقويم والأخذ بما يقوله أهل المعرفة بالقيمة وإن كان ظناً وتخميناً.
١٧ - وَقَوْلُهُ: «فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ». أي على قدر الملك.
قَالَ فِي [طَرْحِ الْتَثْرِيْبِ] (٧/ ٧): «قوله: "فأعطى شركاءه حصصهم" أي إن كان له شركاء فإن كان له شريك واحد أعطاه جميع ثمن الباقي أو شريكان أعطاهما.
والعطية هنا على قدر الملك بلا شك فلو كان للمعتق النصف وهو موسر بالباقي، وله شريكان لأحدهما الثلث والآخر السدس كان المدفوع بينهما أثلاثاً، وإنَّما اختلف المالكية في عكس ذلك، وهو أن يعتق كل من صاحب الثلث والسدس حصته وهما موسران فهل يقوم عليهما نصيب صاحب النصف بالسوية أو يكون ذلك على قدر الحصص حتى يكون التقويم عليهما أثلاثاً، والصحيح عندهم الثاني والخلاف عند الحنابلة والصحيح عندهم الأول وهو نظير الخلاف في الشفعة إذا كانت لاثنين هل يأخذانها بالسوية أو على قدر الملك والخلاف في ذلك مشهور والصحيح عند الكل أنَّه على قدر الملك والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: التساوي في المسألة الأخيرة أقرب وذلك أنَّ صاحب السدس والثلث تسببا تسبباً مستوياً في عتق نصيب شريكهما. والله أعلم.
стр. 8075
وصورة هذه المسألة: أن يتلفظوا بعتقه معاً، أو يعلقوا عتقه على صفة واحدة، فتوجد، أو يوكلوا واحداً، فيعتقه، أو يوكل نفسان منهم الثالث، فيعتقه.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٤/ ٣٨): «مسألة قال: "وإذا كان لرجل نصف عبد ولآخر ثلثه ولآخر سدسه فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس معاً وهما موسران عتق عليهما وضمنا حق شريكهما فيه نصفين وكان ولاؤه بينهما أثلاثاً لصاحب النصف ثلثاه ولصاحب السدس ثلثه".
وجملته أنَّ العبد إذا كان مشتركاً بين جماعة فأعتق اثنان منهم أو أكثر وهم موسرون سرى عتقهم إلى باقي العبد ويكون الضمان بينهم على عدد رءوسهم يتساوون في ضمانه وولائه، وبهذا قال الشافعي، ويحتمل أن يقسم بينهما على قدر أملاكهم، وهو قول مالك في إحدى الروايتين عنه لأنَّ السراية حصلت بإعتاق ملكيهما، وما وجب بسبب الملك كان على قدره كالنفقة واستحقاق الشفعة.
ولنا أنَّ عتق النصيب إتلاف لرق الباقي وقد اشتركا فيه فيتساويان في الضمان كما لو جرح أحدهما جرحاً والآخر جرحين فمات منهما أو ألقى أحدهما جزءاً من النجاسة في مائع وألقى الآخر جزأين، يفارق الشفعة فإنَّها تثبت لإزالة الضرر عن نصيب الذي لم يبع فكان استحقاقه على قدر نصيبه، ولأنَّ الضمان هاهنا لدفع
стр. 8076
الضرر منهما وفي الشفعة لدفع الضرر عنهما والضرر منهما يستويان في إدخاله على الشريك وفي الشفعة ضرر صاحب النصف أعظم من ضرر صاحب السدس فاختلفا» اهـ.
١٨ - واحتج بالحديث على أنَّ ضمان ما تتفاوت صفاته يكون بالقيمة لا بالمثل.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (١١/ ٢٨): «فأمر بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنَّها متلفة بالعتق، ولم يأمر بالمثل.
ولأنَّ هذه الأشياء لا تتساوى أجزاؤها، وتتباين صفاتها، فالقيمة فيها أعدل وأقرب إليها، فكانت أولى» اهـ.
١٩ - وفيه إثبات التبعيض في العبد فيكون بعضه حر وبعضه عبد.
وقد اختلف العلماء في إرث المبعض، والإرث منه إلى أربعة أقوال:
القول الأول: أنَّه كالقنّ في جميع أحكامه؛ فلا يرث، ولا يورث، ولا يحجب. وهذا قول زيد ابن ثابت ﵁ وأهل المدينة، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي في القديم.
القول الثاني: أنَّه كالحر في جميع أحكامه؛ فيرث، ويورث، ويحجب كالحر. وهذا قول الحسن، وجابر، والنخعي، والشعبي، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر.
стр. 8077
القول الثالث: أنَّ لكل من البعضين حكمه؛ يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرَّية. وهذا قول علي، وابن مسعود، وعثمان- ﵃ والليث، والمزني، وأهل الظاهر، والإمام أحمد.
القول الرابع: أنَّه لا يرث، ولا يحجِب، ويورث عنه ما ملكه ببعضه الحرّ، وهذا قول طاووس، وعمرو بن دينار، وأبى ثور والشافعي في الجديد.
قُلْتُ: القول الثالث هو الصحيح الموافق لفتاوى بعض الخلفاء الراشدين مع موافقته للقياس والنظر.
وبناء على ذلك فلو مات ميت عن ابن نصفه حر، وأم، وعم فالمسألة على فرض حرية جميعه من ستة للأم السدس واحد، وللابن الباقي خمسة ولا شيء للعم.
والخمسة التي للابن بالنسبة إلى الستة هي: نصفٌ: ثلاثة، وثلثٌ: اثنان.
والمسألة على تقدير أنَّ نصفه حر من اثني عشر، للابن نصف النصف، ونصف الثلث، وهما: الربع والسدس، وربع الاثني عشر ثلاثة، وسدسها اثنان فالمجموع خمسة من اثني عشر، وللأم السدس: اثنان، ونصف السدس واحد، ومجموع ذلك: ثلاثة، والباقي للعم وهو: أربعة.
* * *
стр. 8078
٤١٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصَاً مِنْ مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ خَلاصُهُ كُلُّهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اُسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».
قَوْلُهُ: «شِقْصَاً». أي نصيباً سواءً كان قليلاً أو كثيراً.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - ثبوت الاستسعاء للعبد فيما بقي من نصيب الشريك الذي لم يعتق.
قُلْتُ: وقد تنازع العلماء في معنى الاستسعاء على قولين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٥/ ٢٧٣): «قال العلماء: ومعنى الاستسعاء في هذا الحديث أنَّ العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى تحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه عتق. هكذا فسره جمهور القائلين بالاستسعاء. وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق فعلى هذا تتفق الأحاديث» اهـ.
قُلْتُ: والمراد بالاستسعاء الاستسعاء بالقيمة لا السعي بالخدمة بقدر ما للسيد من الرق، ويدل على ذلك ما رواه النسائي في [الْكُبْرَى] (٤٩٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
стр. 8079
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ ذَلِكَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلِهِ، وَاسْتَسْعَى فِي قِيمَتِهِ لِصَاحِبِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
وقد ذهب إلى الاستسعاء على المعنى الأول: الكوفيون، والثوري، والأوزاعي، وابن شبرمة، وابن أبي ليلي، ورواية عن أحمد، وخالف في ذلك الجمهور فلم يروا الاستسعاء بالكلية.
وفي ثبوت الاستسعاء في حديث أبي هريرة نزاع كبير بين حفاظ الحديث فمنهم من رآها مدرجة من قول قتادة، ومنهم من رأى ثبوتها من كلام النبي ﷺ وقد اختار صاحبا الصحيح ثبوتها في الحديث.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٥١٤): «والذين لم يقولوا بالاستسعاء: تعللوا في تضعيفه بتعللات لا تصبر على النقد ولا يمكنهم الوفاء بمثلها في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها بأحاديث يرد عليهم فيها مثل تلك التعللات فلنقصر على هذا القدر ههنا في الاعتماد على تصحيح الشيخين ونترك البسط فيه إلى موضع البسط إن شاء الله» اهـ.
стр. 8080
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٥٧): «وبالغ ابن العربي فقال: اتفقوا على أنَّ ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي ﷺ وإنَّما هو من قول قتادة.
ونقل الخلال في "العلل" عن أحمد أنَّه ضعف رواية سعيد في الاستسعاء وضعفها أيضاً الأثرم عن سليمان بن حرب واستند إلى أنَّ فائدة الاستسعاء أن لا يدخل الضرر على الشريك، قال: فلو كان الاستسعاء مشروعاً للزم أنَّه لو أعطاه مثلاً كل شهر درهمين أنَّه يجوز ذلك وفي ذلك غاية الضرر على الشريك اهـ. وبمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة قال النسائي: بلغني أنَّ هماماً رواه فجعل هذا الكلام - أي الاستسعاء - من قول قتادة.
وقال الإسماعيلي: قوله: "ثم استسعى العبد" ليس في الخبر مسنداً وإنَّما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام. وقال ابن المنذر والخطابي: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن.
قُلْتُ: ورواية همام قد أخرجها أبو داود عن محمد بن كثير عنه عن قتادة لكنه لم يذكر الاستسعاء أصلاً ولفظه: أنَّ رجلاً أعتق شقصاً من غلام فأجاز النبي ﷺ عتقه وغرمه بقية ثمنه. نعم رواه عبد الله بن يزيد المقرئ عن همام
стр. 8081
فذكر فيه السعاية وفصلها من الحديث المرفوع أخرجه الإسماعيلي وابن المنذر والدارقطني والخطابي والحاكم في "علوم الحديث" والبيهقي والخطيب في "الفصل والوصل" كلهم من طريقه ولفظه مثل رواية محمد بن كثير سواء وزاد قال فكان قتادة يقول أن لم يكن له مال استسعى العبد.
قال الدارقطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: ما أحسن ما رواه همام ضبطه وفصل بين قول النبي ﷺ وبين قول قتادة. هكذا جزم هؤلاء بأنَّه مدرج وأبي ذلك آخرون منهم صاحبا الصحيح فصححا كون الجميع مرفوعاً وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد وجماعة لأنَّ سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينافيا ما رواه وإنَّما اقتصرا من الحديث على بعضه وليس المجلس متحداً حتى يتوقف في زيادة سعيد فإنَّ ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره وهذا كله لو انفرد وسعيد لم ينفرد وقد قال النسائي في حديث أبي قتادة عن أبي المليح في هذا الباب بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة هشام: وسعيد أثبت في قتادة من همام.
стр. 8082
وما أعل به حديث سعيد من كونه اختلط أو تفرد به مردود لأنَّه في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع ووافقه عليه أربعة تقدم ذكرهم وآخرون معهم لا نطيل بذكرهم وهمام هو الذي انفرد بالتفصيل وهو الذي خالف الجميع في القدر المتفق على رفعه فإنَّه جعله واقعة عين وهم جعلوه حكماً عاماً فدل على أنَّه لم يضبطه كما ينبغي، والعجب ممن طعن في رفع الاستسعاء بكون همام جعله من قول قتادة ولم يطعن فيما يدل على ترك الاستسعاء وهو قوله في حديث ابن عمر في الباب الماضي: "وإلَّا فقد عتق منه ما عتق". بكون أيوب جعله من قول نافع كما تقدم شرحه ففصل قول نافع من الحديث وميزه كما صنع همام سواء فلم يجعلوه مدرجاً كما جعلوا حديث همام مدرجاً مع كون يحيى بن سعيد وافق أيوب في ذلك وهمام لم يوافقه أحد.
وقد جزم بكون حديث نافع مدرجاً محمد بن وضاح وآخرون، والذي يظهر أنَّ الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقاً لعمل صاحبي الصحيح.
وقال ابن المواق: والإنصاف أن لا نوهم الجماعة بقول واحد مع احتمال أن يكون سمع قتادة يفتي به فليس بين تحديثه به مرة وفتياه به أخرى منافاة.
стр. 8083
قُلْتُ: ويؤيد ذلك أنَّ البيهقي أخرج من طريق الأوزاعي عن قتادة أنَّه أفتى بذلك والجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة ممكن بخلاف ما جزم به الإسماعيلي» إلى آخر ما ذكره ﵀.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٦٥) - بعد أن أطال النفس حول الحديث -:
«فالحديث صحيح محفوظ بلا شك» اهـ.
قُلْتُ: ولا تعارض بين حديث ابن عمر الماضي وحديث أبي هريرة لإمكان الجمع بينهما فيقال: حديث ابن عمر فيه أنَّ بقية العبد يبقى على الرق إن كان المعتق لبعضه معسراً، وحديث أبي هريرة فيه زيادة حكم هو استسعاء العبد بعد ذلك لفك باقيه من الرق.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٥٩): «فللذي صحح رفعه أن يقول معنى الحديثين: أنَّ المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه بل تبقى حصة شريكه على حالها وهي الرق ثم يستسعى في عتق بقيته فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده ويدفعه إليه ويعتق وجعلوه في ذلك كالمكاتب وهو الذي جزم به البخاري» اهـ.
стр. 8084
قُلْتُ: وهكذا لا تعارض بين حديث الاستسعاء وبين حديث عمران بن حصين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ٢٦٥): «وقد عورض حديث أبي هريرة في السعاية بحديث عمران بن حصين، وحديث ابن عمر. أمَّا حديث عمران فقال الشافعي في مناظرته لبعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة: وصح حديث نافع عن ابن عمر، وحديث عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء. ومراده بذلك: أنَّ الرجل في حديث عمران بن حصين لما أعتق الستة المملوكين لم يكمل النبي ﷺ عتقهم بالسعاية، بل أعتق ثلثهم، ولم يستسع باقيهم. وهذا لا يعارض حديث الاستسعاء فإنَّ الرجل أعتق العبيد، وهم كل التركة، وإنَّما يملك التبرع في ثلثها، فكمل النبي ﷺ الحرية في عبدين مقدار الثلث، وكأنَّهما هما اللذان باشرهما بالعتق. والشارع حجر عليه ومنعه من تبعيض الحرية في جميعهم، وكملها في اثنين. فأي منافاة في هذا لحديث السعاية؟ بل هو حجة على من يبعض العتق في جميعهم، فإنَّه لم يقل بالسعاية بعض أصله، وإن قال بها، وأعتق الجميع: ناقض الحديث صريحاً، ولا اعتراض بمناقضته على حديث أبي هريرة في السعاية» اهـ.
٢ - أنَّه لا يلزم العبد بالاستسعاء.
стр. 8085
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ١٥٩): «والذي يظهر أنَّه في ذلك باختياره لقوله: "غير مشقوق عليه" فلو كان ذلك على سبيل اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك لحصل له بذلك غاية المشقة وهو لا يلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور لأنَّها غير واجبة فهذه مثلها» اهـ.
٣ - واحتج بقوله: «فَعَلَيْهِ خَلاصُهُ». من قال: إنَّ السراية لا تكون بنفس العتق.
وقد سبق الكلام على هذه المسألة في شرح حديث ابن عمر، ويمكن حمل هذا الحديث على معنى: فعليه عوض خلاصه.
٤ - وَقَوْلُهُ: «فِي مَالِهِ». رد على ابن سيرين في قوله إنَّه يعتق من بيت مال المسلمين.
٥ - وفيه أنَّ استسعاء العبد لا يكون عند يسار المعتق.
قُلْتُ: وسائر مباحث الحديث مرت في الحديث الذي قبله.
* * *
стр. 8086
بَابُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ.
٤١٤ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: «دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غُلَامًا لَهُ - وَفِي لَفْظٍ -: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ».
قَوْلُهُ: «دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غُلَامًا». أي: علق عتقه بموته سمي بذلك لأنَّ الموت دبر الحياة، أو لأنَّ فاعله دبر أمر دنياه وأخرته، أمَّا دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده وأمَّا آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وتدبير الأمر هو النظر في العاقبة.
قُلْتُ: والرجل هو أبو مذكور والغلام اسمه يعقوب كما جاء ذلك فيما رواه مسلم (٩٩٧) عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ - يُقَالُ لَهُ أَبُو مَذْكُورٍ - أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - جواز عتق العبد عن دبر. وهو مشروع بالسنة والإجماع.
ويكون من ثلث المال في قول أكثر العلماء لأنَّه تبرع بعد الموت فأشبه الوصية.
стр. 8087
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٤/ ١١١): «فصل: ويعتق المدبر بعد الموت من ثلث المال.
في قول أكثر أهل العلم، يروى ذلك عن علي، وابن عمر. وبه قال شريح، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري، وقتادة، وحماد، ومالك، وأهل المدينة، والثوري، وأهل العراق، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وروي عن ابن مسعود، ومسروق، ومجاهد، والنخعي، وسعيد بن جبير، أنَّه يعتق من رأس المال؛ لأنَّه عتق فينفذ من رأس المال، كالعتق في الصحة، وعتق أم الولد.
ولنا أنَّه تبرع بعد الموت، فكان من الثلث، كالوصية، ويفارق العتق في الصحة، فإنَّه لم يتعلق به حق غير المعتق فينفذ في الجميع، كالهبة المنجزة.
وقد نقل حنبل عن أحمد، أنَّه يعتق من رأس المال. وليس عليها عمل، قال أبو بكر: هذا قول قديم رجع عنه أحمد إلى ما نقله الجماعة» اهـ.
قُلْتُ: وإن كان العبد المُدَّبَّر أكثر من ثلث التركة فيعتق منه بمقدار ثلث التركة.
стр. 8088
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ هُبَيْرَةَ ﵀ فِي [اخْتِلَافِ الْأَئِمَةِ الْعُلَمَاءِ] (٢/ ٤٣٤) - عند كلامه على مذهب الإمام مالك ﵀:
«وَإِنْ لم يكن عَلَيْهِ دين وَكَانَ يخرج من الثُّلُث عتق جَمِيعه وَإِنْ لم يحْتَملهُ الثُّلُث عتق مَا يتحمله وَلَا فرق عِنْده بَين الْمُطلق والمقيد» اهـ.
وَجَاءَ فِي [الْمُوَطَأِ] (٢/ ٨١٣): «قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَبَّرَ غُلَامًا لَهُ. فَهَلَكَ السَّيِّدُ وَلَا مَالَ لَهُ إِلَّا الْعَبْدُ الْمُدَبَّرُ. وَلِلْعَبْدِ مَالٌ قَالَ: "يُعْتَقُ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ. وَيُوقَفُ مَالُهُ بِيَدَيْهِ"» اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي [الْأُمِ] (٨/ ٢٣):
«وَإِذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ، ثُمَّ دَبَّرَهُ قَبْلَ الْعَجْزِ، ثُمَّ عَجَزَ كَانَ مُدَبَّرًا، وَإِنْ شَاءَ الثَّبَاتَ عَلَى الْكِتَابَةِ ثَبَّتْنَاهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَبَطَلَ عَنْهُ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي [مَسَائِلِهِ لِأَبِيْهِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ] (١/ ٣٩١): «وَسَأَلته عَنْ الْمُدبر أَمن جَمِيع المَال أم من الثُّلُث وَهل يجوز بَيْع؟.
قَالَ: هُوَ من الثُّلُث.
стр. 8089
وَقَالَ: لَا يَبِيع الْوَارِث الْمُدبر فَإِنْ كَانَ لَهُ من المَال بِقدر مَا يخرج من الثُّلُث عتق وَإِنْ لم يكن لَهُ من المَال إِلَّا العَبْد وَحده عتق مِنْهُ الثُّلُث وَيكون بَاقِيه رَقِيقا وَهُوَ الَّذِي أذهب إِلَيْهِ وَقَالَ بعض النَّاس يستسعى العَبْد فِي بَاقِيه قَالَ أبي الْمُدبر يَبِيعهُ سَيّده إِنْ شَاءَ» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الْكَوْسَجُ ﵀ فِي [مَسَائِلِهِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه] (٨/ ٤٣٩٥):
«قال أحمد: إذا كان مدبراً فبيع خدمته، ثم مات السيد، عتق في الثلث إن كان له مال، وإن لم يكن له مال عتق الثلث منه وثلثاه رقيق» اهـ.
قُلْتُ: وهذا مذهب أبي حنيفة أيضًا.
٢ - جواز بيع المدبر، وهو وارد في بيعه في الدين كما في رواية النسائي الآتية.
وقد أجاز بيع المدبر مطلقاً من الأئمة الأربعة الشافعي وأحمد، وعن أحمد يبيعه إذا كان فقيرًا لا يملك شيئًا، ومنعه أبو حنيفة.
وذهب مالك إلى أنَّه لا يجوز بيعه إلَّا إذا كان على السيد دين يغلب على رقبة العبد فيباع فيه، وإن كان الدين أقل من رقبة العبد فلا يباع فيه.
وفي الباب مذاهب أخرى ليس عليها حجة مستقيمة.
стр. 8090
وحجة من منع من ذلك الأدلة الواردة في الإيفاء بالعقود كقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
قُلْتُ: والقول بجواز بيع المدبر مذهب أكثر العلماء من أصحاب المذاهب وغيرهم.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطَّابِي ﵀ فِي [مَعَالِمِ الْسُّنَنِ] (٤/ ٧٥): «ولم يختلفوا في أنَّ عتق المدبر من الثلث فكان سبيله سبيل الوصايا وللموصي أن يعود فيما أوصى به وإن كان سبيله سبيل العتق بالصفة فهو أولى بالجواز ما لم يوجد الصفة المعلق بها العتق والله أعلم» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢٤/ ١٢٥): «ولأنَّه عتق بصفة، ثبت بقول المعتق، فلم يمنع البيع، كما لو قال: إن دخلت الدار، فأنت حر.
ولأنَّه تبرع بمال بعد الموت، فلم يمنع البيع في الحياة، كالوصية.
قال أحمد: هم يقولون: من قال: غلامي حر رأس الشهر.
فله بيعه قبل رأس الشهر، وإن قال: غداً، فله بيعه اليوم.
следующие страницы →