Полный текст (8 095 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.
стр. 8016
وهذا تحرير نفيس، وقد أطال العلامة ابن القيم ﵀ النفس جداً حول هذه المسألة في كتابه "الفروسية" فارجع إليه.
والحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه أحمد (١٠٥٥٧)، وأبو داود (٢٥٧٩)، وابن ماجه (٢٨٧٦) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ، فَهُوَ قِمَارٌ».
وَهُوَ حَدِيْثٌ مُعَلٌ لَا يَثْبُتُ، وقد أطال القول في بيان علته وكلام حفاظ الحديث فيه العلامة ابن القيم في "الفروسية".
قُلْتُ: والخيل التي يستحب أن يسابق بينها هي الخيل المعدة للجهاد في سبيل الله تعالى.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٨١): «والخيل التي يجب أن تضمر ويسابق عليها ويقام هذه السنة فيها هي الخيل المعدة لجهاد العدو لا لقتال المسلمين في الفتن فإذا كانت خيل مرتبطة معدة للجهاد في سبيل الله كان تضميرها والمسابقة بها سنة مسنونة على ما جاء في هذا الحديث» اهـ.
стр. 8017
قُلْتُ: وقد صارت الخيل في هذه الأزمان تستعمل للهو لا للجهاد في سبيل الله تعالى، وذلك لاستغناء الناس بالمركوبات الحديثة عنها كالطائرات والدبابات وغيرها من المركوبات فلا يظهر لي حينئذ جواز المسابقات بالخيل بالعوض لأنَّ مقصود الجهاد بها في هذه الأزمان منتفٍ وإنَّما الغرض مجرد اللهو واللعب. والله أعلم.
٢ - وفي الحديث ثلاثة شروط من شروط المسابقة:
الأول: أن تكون الغاية معلومة، ومثل ذلك البداءة.
الثاني: تساوي الخيل في الأحوال أو تقاربها.
الثالث: أن لا يجعل غاية المضمر كغاية غير المضمر.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِ ﵀ فِي [التَّمْهِيْدِ] (١٤/ ٨٢): «وفي هذا الحديث أيضاً من الفقه أنَّ المسابقة يجب أن يكون أمدها معلوماً وأن تكون الخيل متساوية الأحوال وأن لا يسبق المضمر مع غير المضمر في أمد واحد وغاية واحدة» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٩/ ١٤٦): «وهذا الحديث مع صحته في هذا الباب تضمن ثلاثة شروط، فلا تجوز المسابقة بدونها، وهي: أنَّ المسافة لا بد أن تكون معلومة.
стр. 8018
الثاني: أن تكون الخيل متساوية الأحوال.
الثالث: ألَّا يسابق المضمر مع غير المضمر في أمد واحد وغاية واحدة. والخيل التي يجب أن تضمر ويسابق عليها، وتقام هذه السنة فيها هي الخيل المعدة لجهاد العدو لا لقتال المسلمين في الفتن» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَطَّالٍ ﵀ فِي [شَرْحِ الْبُخَارِي] (٥/ ٧٢): «وفيه أنَّ المسابقة بين الخيل يجب أن يكون أمرها معلوماً، وأن تكون الخيل متساوية الأحوال أو متقاربة، وألَّا يسابق المضمر مع غير المضمر، وهذا إجماع من العلماء؛ لأنَّ صبر الفرس المضمر المجوع في الجري أكثر من صبر المعلوف فلذلك جعلت غاية المضمرة ستة أميال أو سبعة، وجعلت غاية المعلوفة ميلاً واحداً» اهـ.
قُلْتُ: ومن جملة الشروط التي ذكرها العلماء:
تعيين المركوبين، وهكذا تعيين الراكبين، وأن يكون العوض معلومًا ومباحًا.
٣ - وفيه أنَّ الغاية لا تكون بما لا تقدر تلك الخيل على قطعها.
٤ - وفيه مشروعية إضمار الخيل، وهو وإن كان فيه شيء من تجويع الخيل وتعذيبه لكنه مما يتغاضى عنه للمصلحة، وفي الباب قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
стр. 8019
٥ - وفيه من الفوائد رياضة النفس والدواب.
٦ - وفي قوله: «أَجْرَى النَّبِيُّ». نسبة الفعل إلى الآمر المطاع.
٧ - مشروعية نسبة المساجد إلى أهل المحلة أو إلى من بناها. وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: «باب هل يقال مسجد بني فلان».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي الْمَالِكِيُّ ﵀ فِي [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٧/ ٤٤٧):
«المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً فإنَّها قد نسبت إلى غيره تعريفاً، فيقال: مسجد فلان. وفي صحيح الحديث أنَّ النبي ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحيفاء وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق وتكون هذه الإضافة بحكم المحلية، كأنَّها في قبلتهم، وقد تكون بتحبيسهم، فإنَّ الأرض لله ملكاً، ثم يخص بها من يشاء، فيردها إليه، ويعينها لعبادته، فينفذ ذلك بحكمه» اهـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢): «وجه الاستدلال من هذا الحديث على ما بوبه: أنَّ فيه إضافة المسجد إلى بني زريق، وهذا وإن كان من قول عبد الله بن عمر ليس مرفوعاً، إلَّا أنَّ تعريف المسجد بذلك يدل على اشتهاره بهذه الإضافة في زمن المسابقة، ولم يشتهر في زمن النبي
стр. 8020
ﷺ بين المسلمين شيء إلَّا وهو غير ممتنع؛ لأنَّه لو كان محضوراً لما أقر عليه، خصوصاً الأسماء؛ فقد كان النبي ﷺ يغير أسماء كثيرة يكرهها من أسماء الأماكن والآدميين، ولم يغير هذا الاسم للمسجد، فدل على جوازه.
ولقائل أن يقول: يجوز أنَّ اشتهار المسجد بهذا الاسم لم يكن في عهد النبي ﷺ بالكلية، فلا يبقى في الحديث دلالة، وهذا كما قال أنس في حديث الاستسقاء: دخل رجل المسجد من نحو دار القضاء، والنبي ﷺ يخطب، وقد قالوا: إنَّما عرفت تلك الدار بهذا الاسم بعد النبي ﷺ بزمن.
وأحسن من هذا: الاستدلال بقول النبي ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في سواه" - وقد خرجه البخاري في مواضع أخر -؛ فإنَّ هذا تصريح من النبي ﷺ بإضافة المسجد إلى نفسه، وهو إضافة للمسجد إلى غير الله في التسمية، فدل على جواز إضافة المساجد إلى من بناها وعمرها. والله أعلم» اهـ.
стр. 8021
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (١/ ٥١٥): «ويستفاد منه جواز إضافة المساجد إلى بانيها أو المصلي فيها ويلتحق به جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها وإنَّما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام لينبه على أنَّ فيه احتمالاً إذ يحتمل أن يكون ذلك قد علمه النبي ﷺ بأن تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه ويحتمل أن يكون ذلك مما حدث بعده، والأول أظهر والجمهور على الجواز والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي فيما رواه ابن أبي شيبة عنه أنَّه كان يكره أن يقول: مسجد بني فلان ويقول: مصلى بني فلان لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ وجوابه أنَّ الإضافة في مثل هذا إضافة تمييز لا ملك» اهـ.
٨ - وفي قوله: «قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى». دليل على أنَّ المراد المسابقة بين الخيل وهي مركوبة، وليس المراد إرسال الفرسين ليجريا بأنفسهما.
فائدة: ويشرع السَبَقُ في المسائل العلمية الشرعية، بالنص والقياس.
أمَّا القياس: فعلى السبق بالخف والحافر والنصل بجامع الجهاد في سبيل الله، وذلك أنَّ الجهاد جهادان: جهاد بالسيف والسنان، وجهاد بالحجة والبيان.
وأمَّا النص: فما رواه أحمد (٢٤٩٥)، والترمذي (٣١٩٣)، والنسائي في [الْكُبْرَى] (١١٣٢٥) مِنْ طَرِيْقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ
стр. 8022
الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم: ٢] قَالَ: غُلِبَتْ وَغَلَبَتْ، كَانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ أَهْلُ فَارِسَ عَلَى الرُّومِ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأَبِي بَكْرٍ فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ»، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا، فَإِنْ ظَهَرْنَا كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ ظَهَرْتُمْ كَانَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَجَعَلَ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ، فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «أَلَا جَعَلْتَهُ إِلَى دُونَ» - قَالَ: أُرَاهُ العَشْرَ، قَالَ سَعِيدٌ: وَالْبِضْعُ مَا دُونَ العَشْرِ - قَالَ: ثُمَّ ظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدُ. قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤].
قَالَ سُفْيَانُ: «سَمِعْتُ أَنَّهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْفُرُوسِيَّةِ] (ص: ٩٦ - ٩٨):
«وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي إحكام هَذَا الحَدِيث ونسخه على قَوْلَيْنِ:
стр. 8023
فادعت طَائِفَة نسخه بنهي النَّبِي ﷺ عَنْ الْغرَر والقمار قَالُوا فَفِي الحَدِيث دلَالَة على ذَلِك وَهُوَ قَوْله وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهَان.
قَالُوا: وَيدل على نسخه مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَأهل السّنَن من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لَا سبق إِلَّا فِي خف أَوْ حافر أَوْ نصل".
والسبق بِفَتْح السِّين وَالْبَاء وَهُوَ الْخطر الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الرِّهَان وَإِلَى هَذَا القَوْل ذهب أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيِّ وَأحْمَد.
وَادعت طَائِفَة أَنه مُحكم غير مَنْسُوخ وَأَنه لَيْسَ مَعَ مدعي نسخه حجَّة يتَعَيَّن الْمصير إِلَيْهَا.
قالوا: والرهان لم يحرم جملَة فَإِنْ النَّبِي ﷺ رَاهن فِي تسبيق الْخَيل كَمَا تقدم وَإِنَّمَا الرِّهَان على الْمحرم الرِّهَان على الْبَاطِل الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ فِي الدِّين وَأما الرِّهَان على مَا فِيهِ ظُهُور أَعْلَام الْإِسْلَام وأدلته وبراهينه كَمَا قد رَاهن عَلَيْهِ الصّديق فَهُوَ من أَحَق الْحق وَهُوَ أولى بِالْجَوَازِ من الرِّهَان على النضال، وسباق الْخَيل وَالْإِبِل أدنى، وَأثر هَذَا فِي الدِّين أقوى لِأَن الدّين قَالَ بِالْحجَّةِ والبرهان وبالسيف والسنان والمقصد الأول إِقَامَته بِالْحجَّةِ وَالسيف منفذ.
стр. 8024
قَالُوا: وَإِذا كَانَ الشَّارِع قد أَبَاحَ الرِّهَان فِي الرَّمْي والمسابقة بِالْخَيْلِ وَالْإِبِل لما فِي ذَلِك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد الْقُوَّة للْجِهَاد فجواز ذَلِك فِي الْمُسَابقَة والمبادرة إِلَى الْعلم وَالْحجّة الَّتِي بهَا تفتح الْقُلُوب ويعز الْإِسْلَام وَتظهر أَعْلَامه أولى وَأَحْرَى.
وَإِلَى هَذَا ذهب أَصْحَاب أبي حنيفَة وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية.
قَالَ أَرْبَاب هَذَا القَوْل: والقمار الْمحرم هُوَ أكل المَال بِالْبَاطِلِ فَكيف يلْحق بِهِ أكله بِالْحَقِّ.
قَالُوا: وَالصديق لم يقامر قطّ فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام وَلَا أقرّ رَسُول الله ﷺ على قمار فضلًا عَنْ أَنْ يَأْذَن فِيهِ.
وَهَذَا تَقْرِير قَول الْفَرِيقَيْنِ» اهـ.
قُلْتُ: وقد رد الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ دعوى نسخ مراهنة الصديق فَقَالَ في [الْفُرُوسِيَّةِ] (ص: ٢٠٧ - ٢١١):
«قَالُوا: وَلَا يَصح أَنْ يُقَال: إِنْ قصَّة الصّديق مَنْسُوخَة بِتَحْرِيم الْقمَار فَإِنْ الْقمَار حرم مَعَ تَحْرِيم الْخمر فِي آيَة وَاحِدَة وَالْخمر حرمت وَرَسُول الله ﷺ محاصر بني النَّضِير وَكَانَ ذَلِك بعد أحد بأشهر وَأحد كَانَتْ فِي شَوَّال سنة
стр. 8025
ثَلَاث بِغَيْر خلاف وَالصديق لما كَانَ الْمُشْركُونَ قد أخذُوا رَهنه عَاد وراهنهم على مُدَّة أُخْرَى كَمَا تقدم فَغلبَتْ الرّوم فَارس قبل الْمدَّة المضروبة بَينهم فَأخذ أَبُو بكر رهنهم هَكَذَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض طرق الحَدِيث وَهَذِه الْغَلَبَة من الرّوم لفارس كَانَتْ عَام الْحُدَيْبِيَة بِلَا شكّ وَمن قَالَ كَانَتْ عَام وقْعَة بدر فقد وهم لما ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَنْ ابْن عَبَّاس عَنْ أبي سُفْيَان أَنْ هِرقل لما أظهره الله على فَارس مَشى من حمص إِلَى إيلياء شكرًا لله فوافاه كتاب رَسُول الله ﷺ وَهُوَ بإيلياء فَطلب من هُنَاكَ من الْعَرَب فجِئ بِأبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب فَقَالَ لَهُ إِنِّي سَائِلك عَنْ هَذَا الرجل فَذكر الحَدِيث وَفِيه فَقَالَ هَلْ يغدر فَقَالَ أَبُو سُفْيَان لَا وَنحن الْآن فِي أَمَان مِنْهُ فِي مُدَّة مَا نَدْرِي مَا هُوَ صانع فِيهَا يُرِيد أَبُو سُفْيَان بالمدة صلح الْحُدَيْبِيَة وَكَانَ فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ بِلَا شكّ فَعلم أَنْ تَحْرِيم الْقمَار سَابق على أَخذ الصّديق الرِّهَان الَّذِي رَاهن عَلَيْهِ أهل مَكَّة وَلَو كَانَ رهان الصّديق مَنْسُوخًا لَكَانَ أبعد النَّاس مِنْهُ فقد روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه أَنه كَانَ لَهُ غُلَام يَأْخُذ مِنْهُ الْخراج فجَاء يَوْمًا بشيء فَأكل مِنْهُ ثمَّ ضحك غُلَامه فَقَالَ مَالك فَقَالَ أَتَدْرِي من أَيْن هَذَا قَالَ لَا قَالَ إِنِّي كنت تكهنت لإِنْسَان فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم جَاءَنِي بِمَا جعل لي فَوضع أَبُو بكر يَده فِي فِيهِ واستقاء مَا كَانَ أكل فَكيف
стр. 8026
يَأْخُذ الْقمَار الْحَرَام بعد علمه بِتَحْرِيمِهِ ونسخه هَذَا من الْمحَال الْبَين وَقد رُوِيَ أَنْ رَسُول الله ﷺ أَمر أَبَا بكر أَنْ يتَصَدَّق بِمَا أَخذ من الْمُشْركين من الرِّهَان وَهَذَا إِنْ صَحَّ لَا يضر فَإِنَّهُ الأولى والأكمل والأليق بِمنْصب الصديقية فَلَمَّا رَأَتْ هَذِه الطَّائِفَة أَنه لَا يَصح أَنْ تكون قصَّة الصّديق مَنْسُوخَة بِتَحْرِيم الْقمَار قَالَتْ: هِيَ مَنْسُوخَة بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة: "لَا سبق إِلَّا فِي خف أَوْ حافر أَوْ نصل" قَالُوا: وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم عَام خَيْبَر سنة سبع وَهَذَا بعد تَحْرِيم الْقمَار وَالْخمر بِلَا شكّ فَيكون حَدِيثه نَاسِخًا لمراهنة الصّديق.
قَالَ الْآخرُونَ: أَبُو هُرَيْرَة لم يقل سمعته من رَسُول الله ﷺ فَجَائِز أَنْ يكون أرْسلهُ عَنْ بعض الصَّحَابَة كَمَا فِي عَامَّة حَدِيثه فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ فَإِذا وقف يَقُول حَدثنِي فلَان وَيذكر من حَدثهُ من الصَّحَابَة وعَلى تَقْدِير أَنْ يكون سَمعه من النَّبِي ﷺ فغايته أَنه لفظ عَام ومراهنة الصّديق وَاقعَة خَاصَّة وَالْخَاص مقدم على الْعَام تقدم أَوْ تَأَخّر عِنْد الْجُمْهُور.
وَقيل: إِنَّه إِجْمَاع الصَّحَابَة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنْ رَسُول الله ﷺ كَانَ أقرّ أهل خَيْبَر على أَنْ يعملوها وَالثَّمَرَة بَينهم وَبَينه ثمَّ أوصى عِنْد وَفَاته
стр. 8027
أخرجُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب وَلَا خلاف أَنْ خَيْبَر من جَزِيرَة الْعَرَب فَعمل الخليفتان الراشدان بالخاص الْمُتَقَدّم وَقَدمَاهُ على الْعَام الْمُتَأَخر وَأقر أهل خَيْبَر فِيهَا إِلَى أَنْ أَحْدَثُوا فِي زمن عمر ﵁ مَا أَحْدَثُوا وَعلم فأجلاهم إِلَى الشَّام قَالُوا: وَهَذَا للحنفية ألزم فَإِنَّهُم يرَوْنَ الْمُرَاهنَة على مثل مَا رَاهن عَلَيْهِ الصّديق من الْغَلَبَة فِي مسَائِل الْعلم وَعِنْدهم أَنْ الْعَام الْمُتَأَخر ينْسَخ الْخَاص الْمُتَقَدّم وَلم ينسخوا قصَّة الصّديق الْمُتَقَدّمَة الْخَاصَّة بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْعَام الْمُتَأَخر وَهُوَ قَوْله: "لَا سبق إِلَّا فِي خف أَوْ حافر أَوْ نصل" وعَلى هَذَا فقد يُقَال قصَّة مراهنة الصّديق لم تدخل فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَلَا أُرِيد بهَا بِنَفْي وَلَا إِثْبَات وعَلى هَذَا فَكل وَاحِد من الْحَدِيثين يبْقى مَعْمُولًا بِهِ لِأَنَّهُ على بَابه وَلَا تعَارض بَينهمَا وَهُوَ تَقْرِير حسن» اهـ.
قُلْتُ: جاء في بعض ألفاظ الحديث في مراهنة الصديق عند الترمذي (٣١٩٤) «وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [الْفُرُوسِيَّةِ] (ص: ٩٥):
«قَوله وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهَان من كَلَام بعض الروَاة لَيْسَ من كَلَام أبي بكر وَلَا من كَلَام النَّبِي ﷺ » اهـ.
* * *
стр. 8028
٤٠٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - احتج به من قال من أهل العلم: إنَّ الخمس عشرة سنة سن للبلوغ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٤١): «هذا دليل لتحديد البلوغ بخمس عشرة سنة، وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن وهب وأحمد وغيرهم، قالوا: باستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفاً وإن لم يحتلم، فتجري عليه الأحكام من وجوب العبادة وغيره، ويستحق سهم الرجل من الغنيمة ويقتل إن كان من أهل الحرب» اهـ.
قُلْتُ: وذهب الإمام مالك إلى أنَّ البلوغ لا يكون بالسن وإنَّما يكون بالاحتلام.
واعتذر أصحاب هذا القول عن هذا الحديث بأنَّ الإجازة في القتال حكمها منوط بإطاقته والقدرة عليه، وإنَّما أجازه النبي ﷺ لابن عمر في
стр. 8029
الخمس عشرة؛ لأنَّه رآه مطيقاً للقتال، ولم يكن مطيقاً له قبله، لا لأنَّه أدار الحكم على البلوغ وعدمه.
قُلْتُ: وفي هذا الاعتراض نظر، وذلك أنَّ ابن عمر ذكر العمر ولم يذكر الإطاقة، فدلَّ ذلك أنَّ الحكم منوط بالعمر لا بالإطاقة. والله أعلم.
ويدل على ذلك ما رواه ابن الأعرابي في [مُعْجَمِهِ] (١١٦٥)، والدارقطني في [سُنَنِهِ] (٤٢٠٢)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (١١٠٨١)، وابن حبان في [صَحِيْحِهِ] (٤٧٢٨)، مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ، ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٧٩): «وهي زيادة صحيحة لا مطعن فيها لجلالة ابن جريج وتقدمه على غيره في حديث نافع وقد صرح فيها بالتحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه» اهـ.
стр. 8030
قُلْتُ: وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ بلوغ الغلام بثمان عشرة سنة، وفي الجارية روايتان عنه: إحداهما كذلك، والثانية بسبع عشرة سنة. وهذا القول عري عن الحجة.
فائدة: ما ذكر في الحديث هو أحد الأشياء التي يحصل بها البلوغ، وهو مما يشترك به الذكر والأنثى، وبقت علامتان مشتركتان من علامات البلوغ، الأولى: الاحتلام، وهي علامة لا اختلاف فيها، ويدل عليها قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩].
وفي هذه الآية تكليف الصبيان ببعض الأحكام عند بلوغ الحلم، وهذا مما يدل على أنَّ الاحتلام علامة للبلوغ.
ويدل على ذلك أيضاً:
ما رواه أحمد (١١٨٣) وأبو داود (٤٤٠٣)، والترمذي (١٤٢٣)، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ بِطُرُقِهِ وَشَوَاهِدِهِ.
стр. 8031
قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٧٧): «وقد أجمع العلماء على أنَّ الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام وهو إنزال الماء الدافق سواء كان بجماع أو غيره سواء كان في اليقظة أو المنام وأجمعوا على أن لا أثر للجماع في المنام إلَّا مع الإنزال» اهـ.
والأخرى: الإنبات وهو: أن ينبت الشعر الخشن حول ذكر الرجل، أو فرج المرأة، الذي استحق أخذه بالموسى، وأمَّا الزغب الضعيف، فلا اعتبار به، فإنَّه يثبت في حق الصغير.
ويدل على هذه العلامة ما رواه أحمد (١٨٧٩٨)، وأبو داود (٤٤٠٤)، وابن ماجه (٢٥٤١) مِنْ طَرِيْقِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ: «عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ، خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلِي».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
وبهذا قال الإمام مالك وأحمد والشافعي في أحد القولين، وقال في الآخر: هو بلوغ في حق المشركين دون المسلمين.
وقال أبو حنيفة لا اعتبار به؛ لأنَّه نبات شعر، فأشبه نبات شعر سائر البدن.
стр. 8032
وهنالك علامتان مختصتان بالنساء:
الأولى: الحيض، ولا نزاع في اعتباره.
ويدل على اعتباره ما رواه أحمد (٢٥١٦٧)، وأبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥) مِنْ طَرِيْقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ، قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ».
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ فِي [الْعِلَلِ] (١٤/ ٤٣١ - ٤٣٢): «يرويه محمد بن سيرين، واختلف عنه؛ فرواه، قتادة، عن ابن سيرين، واختلف عن قتادة، فأسنده حماد بن سلمة، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ ؛ وخالفه شعبة، وسعيد بن بشير، فروياه عن قتادة، موقوفاً.
стр. 8033
ورواه أيوب السختياني، وهشام بن حسان، عن ابن سيرين، مرسلا، عن عائشة أنَّها نزلت على صفية بنت الحارث حدثتها بذلك، ورفعا الحديث، وقول أيوب، وهشام، أشبه بالصواب» اهـ.
ويشهد له ما رواه الطبراني في [الْكَبِيْرِ] (٥٩٦)، و [الْأَوْسَطِ] (٧٦٠٦)، و [الصَّغِيْرِ] (٩٢٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَيْلِيُّ، نَا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ امْرَأَةٍ صَلَاةً حَتَّى تُوَارِيَ زِينَتَهَا، وَلَا مِنْ جَارِيَةٍ بَلَغَتِ الْمَحِيضَ حَتَّى تَخْتَمِرَ».
وفيه إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي لم أعرف حاله، فحديث عائشة حَسَنٌ بهذا الشاهد. والله أعلم.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي [الْكُبْرَى] (٣/ ٨٣): «وفيه كالدلالة على توجه الفرض عليها إذا بلغت بالحيض» اهـ.
وَقَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٧٧): «وقد أجمع العلماء على أنَّ الحيض بلوغ في حق النساء» اهـ.
стр. 8034
الأخرى: الحمل، وذلك لأنَّ الله تعالى أجرى العادة أنَّ الولد لا يخلق إلَّا من ماء الرجل وماء المرأة.
٢ - واحتج به على أنَّ الخندق كانت في السنة الرابعة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٣٤١): «وفيه دليل على أنَّ الخندق كانت سنة أربع من الهجرة، وهو الصحيح، وقال جماعة من أهل السير والتواريخ: كانت سنة خمس، وهذا الحديث يرده، لأنَّهم أجمعوا على أنَّ أحداً كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق سنة أربع، لأنَّه جعلها في هذا الحديث بعده بسنة» اهـ.
واعترض على ذلك الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٥/ ٢٧٨) فقال: «لكن اتفق أهل المغازي على أنَّ المشركين لما توجهوا في أحد نادوا المسلمين موعدكم العام المقبل بدر وأنَّه ﷺ خرج إليها من السنة المقبلة في شوال فلم يجد بها أحداً وهذه هي التي تسمى بدر الموعد ولم يقع بها قتال فتعين ما قال ابن إسحاق أنَّ الخندق كانت في سنة خمس فيحتاج حينئذ إلى الجواب عن الاشكال وقد أجاب عنه البيهقي وغيره بأنَّ قول ابن عمر: عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة أي دخلت فيها وأنَّ قوله: عرضت يوم الخندق وأنا
стр. 8035
ابن خمس عشرة أي تجاوزتها فألغى الكسر في الأولى وجبره في الثانية وهو شائع مسموع في كلامهم وبه يرتفع الاشكال المذكور وهو أولى من الترجيح والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: إن كان في الخندق قد تجاوز الخامس عشرة فيشكل على ما احتج به العلماء من أنَّ الخمسة عشر سن للبلوغ، فما ذكره ابن القيم فيما سيأتي أنسب.
وقد كانت غزوة أحد في شوال من السنة الثالثة، وبعدها كانت بدر الموعد في شوال من السنة الرابعة، وبعدها كانت الخندق في شوال، وقيل في جماد الآخرة، وقيل في ذي القعدة من السنة الخامسة فبين أحد والخندق سنتان فلا يمكن أن تكون الخندق في السنة الرابعة إلَّا بتكلف كأن يقال: كانت بدر الموعد في شوال، والخندق في ذي القعدة من نفس العام، والأظهر أنَّه لا بد من تأويل أثر ابن عمر بما يتوافق مع اتفاق أهل المغازي.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [زَادِ الْمَعَادِ] (٣/ ٢٧٠): «وأجيب عن هذا بجوابين:
стр. 8036
أحدهما: أنَّ ابن عمر أخبر أنَّ النبي ﷺ ، رده لما استصغره عن القتال، وأجازه لما وصل إلى السن التي رآه فيها مطيقاً، وليس في هذا ما ينفى تجاوزها بسنة أو نحوها.
الثاني: أنَّه لعله كان يوم أحد في أول الرابعة عشرة ويوم الخندق في آخر الخامسة عشرة» اهـ.
٣ - وفيه أنَّ الإجازة على الجهاد تتوقف على البلوغ خلافاً للحنفية والمالكية.
* * *
стр. 8037
٤٠٨ - وَعَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَسَمَ فِي النَّفَلِ، لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا».
قَوْلُهُ: «قَسَمَ فِي النَّفَلِ». المراد بها الغنيمة، وأصل النفي الزيادة، والغنيمة زيادة فضل من الله تعالى لهذه الأمة.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - الاسهام للفرس بسهمين.
وهذان السهمان غير سهم راكبه، ويدل على ذلك ما رواه البخاري (٢٨٦٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا».
وما رواه أحمد (٤٤٤٨، ٤٩٩٩)، ومن طريقه أبو داود (٢٧٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِلرَّجُلِ وَفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ، أَسْهُمٍ: سَهْمًا لَهُ، وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
стр. 8038
ورواية الباب تدل على ذلك وذلك أنَّ قوله: «وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا». أي راكب الفرس، وقد جاء الحديث في البخاري (٤٢٢٨) عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا». قَالَ: فَسَّرَهُ نَافِعٌ فَقَالَ: «إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ».
والراجل في هذه الرواية قيل أنَّه صاحب الفرس، وقيل من ليس بفارس.
وهذا مذهب الجمهور، وخالف في ذلك أبو حنيفة فجعل للفرس سهماً وللرجل سهماً، وقال: أكره أن أفضل بهيمة على مسلم. وهذا مردود بالسنة.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (١١/ ٨٣): «ومن جهة المعنى: أنَّ مؤن الفارس أكثر، وغناؤه أعظم، فمن المناسب أن يكون سهمه أكثر من سهم الراجل. وشذ أبو حنيفة فقال: يقسم للفرس كما يقسم للراجل. ولا أثر له يعضده، ولا قياس يعتمده، ولذلك خالفه في ذلك كبراء أصحابه، كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهما» اهـ.
وإن كان الفرس معاراً فسهمه يدفع لمستعيره لأنَّه مالك للمنفعة.
стр. 8039
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٤): «ومن استعار فرساً ليغزو عليه، ففعل، فسهم الفرس للمستعير، وبهذا قال الشافعي، لأنَّه يتمكن من الغزو عليه بإذن صحيح شرعي، فأشبه ما لو استأجره.
وعن أحمد، رواية أخرى، أنَّ سهم الفرس لمالكه، لأنَّه من نمائه، فأشبه ولده. وبهذا قال بعض الحنفية.
وقال بعضهم: لا سهم للفرس؛ لأنَّ مالكه لم يستحق سهماً، فلم يستحق للفرس شيئاً، كالمخذل والمرجف، والأول أصح؛ لأنَّه فرس قاتل عليه من يستحق سهماً، وهو مالك لنفعه، فاستحق سهم الفرس، كالمستأجر، ولأنَّ سهم الفرس مستحق بمنفعته، وهي للمستعير بإذن المالك فيها، وفارق النماء والولد، فإنَّه غير مأذون له فيه» اهـ.
وهكذا إذا كان الفرس مستأجراً فسهمه للمستأجر دون المالك.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٤٦): «ومن استأجر فرساً ليغزو عليه، فغزا عليه، فسهم الفرس له. لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنَّه مستحق لنفعه استحقاقاً لازماً، فكان سهمه له، كمالكه» اهـ.
قُلْتُ: وإن كان مغصوباً فهو لصاحب الفرس وإليه ذهب الإمام أحمد ﵀.
стр. 8040
قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَدٍ الْمَقْدَسِيُّ ﵀ فِي [الشَّرْحِ الْكَبِيْرِ] (١٠/ ٥١٨): «مسألة: "ومن غصب فرسًا فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه" نص عليه أحمد، وقال بعض الحنفية: لا سهم للفرس وهو وجه لأصحاب الشافعي. وقال بعضهم: سهم الفرس للغاصب وعليه أجرته لمالكه لأنَّه آلة فكان الحاصل بها لمستعملها كما لو غصب منجلًا فاحتش بها أو سيفاً فقاتل به.
ولنا أنه فرس قاتل عليه من يستحق السهم فاستحق السهم كما لو كان مع صاحبه فإذا ثبت أنَّ له سهمًا كان لمالكه، لأنَّ النبي ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا وما كان للفرس كان لصاحبه وفارق ما يحتش به فإنَّه لا شيء له، ولأنَّ السهم مستحق بنفع الفرس ونفعه لمالكه فوجب أن يكون ما يستحق به له» اهـ.
قُلْتُ: مذهب الإمام أحمد أرجح فإنَّ السهم استحقه الفرس بمنفعته فيكون لمالك المنفعة ومالك المنفعة هو مالك الفرس.
٢ - ولا يدخل في الحديث الاسهام لأكثر من فرس إذا كنَّ لفارس واحد، وهو مذهب الجمهور.
وقال الثوري والأوزاعي وأبو يوسف والليث وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين.
стр. 8041
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٦/ ٢١٢): «ولو حضر بأفراس لم يسهم إلَّا لفرس واحد. هذا مذهب الجمهور منهم الحسن ومالك وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن ﵃، وقال الأوزاعي والثوري والليث وأبو يوسف ﵃: يسهم لفرسين، ويروى مثله أيضاً عن الحسن ومكحول ويحيى الأنصاري وابن وهب وغيره من المالكيين، قالوا: ولم يقل أحد إنَّه يسهم لأكثر من فرسين إلَّا شيئاً روي عن سليمان بن موسى أنَّه يسهم. والله أعلم» اهـ.
قُلْتُ: وحجة من رأى الإسهام للفرسين ما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٧٧٤) حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسْهِمُ لِلْخَيْلِ، وَكَانَ لَا يُسْهِمُ لِلرَّجُلِ فَوْقَ فَرَسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُعْضَلٌ.
وما رواه الدارقطني في [سُنَنِهِ] (٤١٧٧) نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ، نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي حَرْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ بَشِيرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ، قَالَ:
стр. 8042
«أَسْهَمَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِفَرَسِي أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ وَلِي سَهْمًا فَأَخَذْتُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي [إِرْوَاءِ الْغَلِيْلِ] (١٢٣٢): «وهذا إسناد ضعيف مظلم فيه جماعة من المجاهيل» اهـ.
وما رواه عبد الرزاق في [مُصَنَّفِهِ] (٩٣٢٤) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: «أَنَّ الزُّبَيْرَ حَضَرَ خَيْبَرَ بِفَرَسَيْنِ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ».
قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُعْضَلٌ.
وما رواه سعيد بن منصور في [سُنَنِهِ] (٢٧٧٥) نا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ أَنْ: «أَسْهِمْ، لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلْفَرَسَيْنِ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِهَا سَهْمًا، فَذَلِكَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَمَا كَانَ فَوْقَ الْفَرَسَيْنِ فَهِيَ جَنَائِبُ».
قُلْتُ: فرج بن فضالة ضعيف الحديث، وأزهر لم أعرف حاله وحديثه عن عمر منقطع.
стр. 8043
ورواه (٢٧٧٦) نا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وفيه فرج ابن فضالة، وهو منقطع بن الزهري وعمر.
٣ - ويدخل في الحديث جميع أنواع الخيل من الخيل العتيق وهو الذي أبواه عربيان، والبرذون وهو الذي أبواه أعجميان، والهجين وهو الذي أبوه عربي وأمه عجمية، والمُقْرِف وهو الذي أبوه عجمي وأمه عربية.
وهذا مذهب الجمهور.
وذهب الحسن وأحمد في رواية إلى أنَّه يسهم للبرذون سهم واحد.
والصحيح مذهب الجمهور.
٤ - ولا يدخل في الحديث من مات فرسه قبل شهود القتال.
٥ - ويدخل فيه من مات من المجاهدين في أثناء المعركة، وتصير السهام لورثته.
٦ - ولا يدخل في الحديث الإبل.
وهذا هو الصحيح فإنَّه لم يثبت أنَّ النبي ﷺ أسهم لغير الخيل.
وفي ذلك نزاع بين العلماء.
стр. 8044
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢١/ ٢٧ - ٢٨): «قال: "ومن غزا على بعير، وهو لا يقدر على غيره، قسم له ولبعيره سهمان". نص أحمد على هذا، وظاهره أنَّه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس.
وعن أحمد، أنَّه يسهم للبعير سهم، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره.
وحكي نحو هذا عن الحسن؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَمَا أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾.
ولأنَّه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض، فيسهم له، كالفرس.
يحققه أن تجويز المسابقة بعوض إنَّما أبيحت في ثلاثة أشياء دون غيرها؛ لأنَّها آلات الجهاد، فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها، تحريضاً على رياضتها، وتعلم الإتقان فيها، ولا يزاد على سهم البرذون؛ لأنَّه دونه، ولا يسهم له إلَّا أن يشهد الوقعة عليه، ويكون مما يمكن القتال عليه، فأمَّا هذه الإبل الثقيلة، التي لا تصلح إلَّا للحمل، فلا يستحق راكبها شيئاً؛ لأنَّها لا تكر ولا تفر، فراكبها أدنى حال من الراجل.
واختار أبو الخطاب أنَّه لا يسهم له بحال. وهو قول أكثر الفقهاء.
стр. 8045
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، أنَّ من غزا على بعير، فله سهم راجل.
كذلك قال الحسن، ومكحول، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي.
وهذا هو الصحيح، إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ النبي ﷺ لم ينقل عنه أنَّه أسهم لغير الخيل من البهائم، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيراً، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل، بل هي كانت غالب دوابهم، فلم ينقل عنه أنَّه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل، وكذلك من بعد النبي ﷺ من خلفائه وغيرهم، مع كثرة غزواتهم، لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنَّه أسهم لبعير، ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك، ولأنَّه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر، فلم يسهم له، كالبغل والحمار.
فصل: وما عدا الخيل والإبل، من البغال والحمير والفيلة وغيرها، لا يسهم لها، بغير خلاف، وإن عظم غناؤها، وقامت مقام الخيل؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يسهم لها، ولا أحد من خلفائه، ولأنَّها مما لا يجوز المسابقة عليه بعوض، فلم يسهم لها، كالبقر» اهـ.
٧ - وفيه أنَّ الرجل يعطى سهماً، وهذا مما لا نزاع فيه.
стр. 8046
٨ - قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٨/ ٣٠): «فإذا قال قائل: فماذا تقولون في حروب اليوم؟ فالناس لا يحاربون على خيل وإبل، بل بالطائرات والدبابات وما أشبهها؟.
فالجواب: يقاس على كل شيء ما يشبهه، فالذي يشبه الخيل الطائرات؛ لسرعتها وتزيد - أيضاً - في الخطر، والذي يشبه الإبلَ الدباباتُ والنقلياتُ وما أشبهها، فهذه لصاحبها سهم ولها سهمان، والراجل الذي يمشي على رجله مثل القناصة له سهم واحد.
فإن قال قائل: الطيار لا يملك الطائرة، فهل تجعلون له ثلاثة أسهم؟.
نقول: نعم نجعل له ثلاثة أسهم سهم له وسهمان للطائرة، وسهما الطائرة يرجعان إلى بيت المال؛ لأنَّ الطائرة غير مملوكة لشخص معين، بل هي للحكومة، وإذا رأى ولي الأمر أن يعطي السهمين لقائد الطائرة فلا بأس؛ لأنَّ في ذلك تشجيعاً له على هذا العمل الخطير» اهـ.
قُلْتُ: الإبل ليس لها شيء من السهام كما مر فهكذا ما ألحق بها.
стр. 8047
وقد يقال: إنَّ الدبابات تلحق بالخيل، وهكذا سائر المركوبات الحربية التي تستعمل للقتال ويمكن بها الكر والفر، وإنَّما يلحق بالإبل المركوبات التي لا يقاتل بها وإنَّما الغرض منها حمل الجند.
وقد يقال: هذه الآلات الحربية لا تلحق بالخيل لأنَّها آلات رمي وليست مركوبات للفروسيَّة، فهي من جنس القتال بالسهام، وقد وجدت آلات قديمة للرمي ولا أعلم أنَّه أسهم لها كالمنجنيق، والعرادة وهي أصغر من المنجنيق، وهما آلتان من آلات الرمي فيرمى بالمنجنيق الحجارة الكبيرة على الحصون لدكها، أو على الجيش لكسره وإهلاكه، ويرمى بالعرادة ما صغر من الحجارة.
والمنجنيق عبارة عن آلة من خشب لها دفتان قائمتان بينهما سهم طويل رأسه ثقيل وذنبه خفيف، وفيه تجعل كفَّة المنجنيق التي تحمل الحجر، ويجذب الذنب بالحبال حتى ترفع أسافله على أعاليه، ثم يرسل فيرتفع عموده الذي فيه الكفة فيخرج الحجر منه فما أصاب شيئاً إلَّا أهلكه.
ومن ذلك الدبابة وهي شيء يدخل فيه الجند كالغرفة المتحركة تمشي على عجلات وفي وسطها عمود متأرجح في طرفه قطعة حديد كهيئة رأس الكبش، وقد سميت
стр. 8048
برأس الكبش لذلك فإذا قربوا من الحصن دكوا بذلك الرأس ونطحوا به حجارة الحصن.
وكانوا غالبًا يصنعونها من الخشب ويغطون الخشب بالجلد المبلول بالخل لمنع من أراد إحراقه بالنار، وقد يلبسونها بصفائح الحديد.
ومن ذلك البرج وهو كالدبابة يوضع فيه رأس الكبش لكنهم يجعلونه مرتفعًا أعلى من سور الحصن فيصعد بعض الجند في أعلاه للسيطرة على الحصن، وقد يستعملونها أيضًا للمراقبة.
* * *
стр. 8049
٤٠٩ - وَعَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ فِي السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ».
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - تنفيل بعض السرايا زيادة على ما يعطاه سائر الجيش، وقد سبق الكلام على هذا التنفيل هل هو من أصل الغنيمة أو من خمسها أو من خمس خمسها في شرحنا لحديث ابن عمر تاسع أحاديث كتاب الجهاد.
٢ - مشروعية تحفيز السرية بشيء من الدنيا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ دَقِيْقِ الْعِيْدِ ﵀ فِي [إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ] (ص: ٥٠١): «وللحديث تعلق بمسائل الإخلاص في الأعمال وما يضر من المقاصد الداخلة وما لا يضر وهو موضع دقيق المأخذ ووجه تعلقه به أنَّ التنفيل للترغيب في زيادة العمل والمخاطرة والمجاهدة وفي ذلك مداخله لقصد الجهاد لله تعالى إلَّا أنَّ ذلك لم يضرهم قطعاً لفعل الرسول ﷺ لهم ففي ذلك دلالة لا شك فيها على أنَّ بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا يقدح من الإخلاص وإنَّما
стр. 8050
الإشكال في ضبط قانونها وتمييز ما يضر مداخلته من المقاصد ويقتضي الشركة فيه المنافاة للإخلاص وما لا تقتضيه ويكون تبعاً لا له ويتفرع عنه غير ما مسألة» اهـ.
٣ - لم يأت بيان كم مقدار التنفيل في هذا الحديث، وقد جاء بيان ذلك فيما رواه أحمد (١٧٥٠٠)، وأبو داود (٢٧٤٩) مِنْ طَرِيْقِ مُعَاوِيَةَ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَلَ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي بَدْأَتِهِ، وَنَفَلَ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي رَجْعَتِهِ».
قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ. ومكحول صرَّح بالتحديث عند أبي داود.
وقد سبق بيان ذلك في شرح حديث ابن عمر المشار إليه سابقاً.
وفي الزيادة على ذلك نزاع بين العلماء.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [نَقْدِ مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ] (ص: ٢٩٧):
«قال - يعني ابن حزم -: واتفقوا أنَّه لا ينفَّل من ساق مغنمًا أكثر من ربعه في الدخول، ولا أكثر من ثلثه في الخروج.
قُلْتُ: في جواز تنفيل ما زاد على ذلك إذا اشترطه الإمام، مثل أن يقول: من فَعَل كذا فله نصف ما يغنم، قولان هما روايتان عن أحمد. وأمَّا تنفيل الزيادة بلا شرط
стр. 8051
فلا أعلم فيه نزاعًا، ويمكن أن يُحمل كلام أبي محمد ابن حزم على هذا، فلا يكون فيما ذكره نزاع» اهـ.
* * *
стр. 8052
٤١٠ - عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا».
قَوْلُهُ: «فَلَيْسَ مِنَّا». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوْعِ الْفَتَاوَى] (٧/ ١٨٤): «وهؤلاء المؤمنون الأبرار الأتقياء هم أهل السعادة المطلقة وهم أهل الجنة الذين وعدوا بدخولها بلا عذاب وهؤلاء الذين قال النبي ﷺ : "من غشنا فليس منَّا" و"من حمل علينا السلاح فليس منَّا" فإنَّه ليس من هؤلاء؛ بل من أهل الذنوب المعرضين للوعيد أسوة أمثالهم» اهـ.
وَقَالَ ﵀ (١١/ ٦٥٢ - ٦٥٣): «وكونه ليس من المؤمنين ليس المراد به ما يقوله المرجئة: إنَّه ليس من خيارنا؛ فإنَّه لو ترك ذلك لم يلزم أن يكون من خيارهم وليس المراد به ما يقوله الخوارج: إنَّه صار كافراً. ولا ما يقوله المعتزلة: من أنَّه لم يبق معه من الإيمان شيء بل هو مستحق للخلود في النار لا يخرج منها. فهذه كلها أقوال باطلة قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع. ولكن المؤمن المطلق في باب الوعد والوعيد وهو المستحق لدخول الجنة بلا عقاب هو المؤدي للفرائض
стр. 8053
المجتنب المحارم وهؤلاء هم المؤمنون عند الإطلاق فمن فعل هذه الكبائر لم يكن من هؤلاء المؤمنين إذ هو متعرض للعقوبة على تلك الكبيرة» اهـ.
وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلُ مِنْهَا:
١ - النهي عن حمل السلاح على المسلمين أي لقتالهم.
وجاء في مسلم (٩٩) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّا».
٢ - التبرؤ من فاعل ذلك دليل على أنَّ ذلك من كبائر الذنوب وقد روى البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [الْمُفْهِم] (٢/ ٦٢): «قوله: "من حمل علينا السلاح، فليس منَّا"، أي: من حمل علينا بالسلاح مقاتلاً؛ كما قال في الرواية الأخرى: "من سل علينا السيف، فليس منَّا"، ويعني بذلك النبي ﷺ نفسه وغيره من المسلمين.
ولا شك في كفر من حارب النبي ﷺ ؛ وعلى هذا فيكون قوله ﷺ : "فليس منَّا"، أي: ليس بمسلم، بل هو كافر.
стр. 8054
وأمَّا من حارب غيره من المسلمين متعمداً مستحلاً من غير تأويل، فهو أيضاً كافر كالأول.
وأمَّا من لم يكن كذلك، فهو صاحب كبيرة، إن لم يكن متأولاً تأويلاً مسوغاً بوجه» اهـ.
قُلْتُ: وقد سبق بيان معنى ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
٣ - ويؤخذ منه النهي عن إدخال الرعب في قلوب المسلمين.
٤ - ويدخل في ذلك إشهار السلاح على المسلمين ولو كان على إرادة المزاح، فقد روى البخاري (٧٠٧٢)، ومسلم (٢٦١٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ».
ومعنى ينزع يرمي ويحقق ضربته.
وروى مسلم (٢٦١٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ».
стр. 8055
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [شَرْحِ مُسْلِمٍ] (٨/ ٤٤٨) «وقوله ﷺ : "وإن كان أخاه لأبيه وأمه" مبالغة في إيضاح عموم النهي في كل أحد، سواء من يتهم فيه، ومن لا يتهم، وسواء كان هذا هزلاً ولعباً، أم لا؛ لأنَّ ترويع المسلم حرام بكل حال» اهـ.
قُلْتُ: وهنالك من مازح أخاه لأبيه وأمه بالسلاح فقتله خطأ، وأخبار الناس في ذلك كثيرة.
* * *
следующие страницы →