بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله البر الجواد، الذي جلَّت نِعَمه عن الإحصاء بالأعداد، خالق اللطف والإرشاد الهادي إلى سبيل الرشاد، المُوَفِّق بكرمه لطرق السداد، المان بالتفقه في الدين على من لطف به من العباد، الذي كرم هذه الأمة، زادها الله شرفًا، بالاعتناء بتدوين ما جاء به رسول الله ﷺ حفظا له على تَكَوُّرِ العصور والآباد.
ونصب كذلك جهابذة من الحُفَّاظ النقاد، وجعلهم دائبين في إيضاح ذلك في جميع الأزمان والبلاد، باذلين وسعهم، مستفرغين جهدهم في ذلك في جماعات وآحاد مستمرين على ذلك متابعين في الجهد والاجتهاد، أحمده أبلغ الحَمْدِ وأَكْمَلَه وأزكاه وأشمله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار، الكريم الغفار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله المصطفى بتعميم دعوته ورسالته، المُفَضَّل على الأوّلين والآخرين من برِيَّتِه، المُشَرَّف على العالمين قاطبة بشمول شفاعته، المَخصُوص بتأييد مِلته، وسماحة شريعته، المُكَرَّم بتوفيق أُمَّته للمبالغة في إيضاح منهاجه وطريقته، والقيام بتبليغ ما أُرسل به إلى أُمَّته، صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من النَّبِيِّين وآله كلهم وسائر الصالحين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
لما استوى علم الفقه على سُوقِه، واستقامت مناهج الأئمة، ودونت المذاهب المتبوعة، وصار لكلِّ إمام تلاميذ ورواة يحملون علمه، ويروون نصوصه، وانتشرت هذه النصوص، وصار الفقهاء أتباع إمام يلتزمون نصوصه، ويجعلونها أساس استنباطهم وبحثهم، وموضع تفصيلهم وتفريعهم.
стр. 2
فجرى في هذا المضمار الإمام العالِم المَرْغِينَاني (ت ٧٤٩ هـ) وجعل الأساس لنفسه في هذا المضمار الأَصْلَيْن الأَغَرَّيْن: "الجامع الصغير" للإمام محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ)، و"المختصر" لأبي الحسين القدوري (ت ٤٢٨ هـ) ﵄، فجمع بينهما على ترتيب "الجامع". ووَسَمَهُ بـ "بداية المبتدي"، وإنما اختار هذين الأصْلَيْن من بين سائر كتب المذهب لما أنهما من أوفرها حظًّا، وأعظمها نفعاً، وأكثرها قبولاً لدى العلماء وأئمة المذهب، وكان علماء زمانه يُرَغّبون الكبير والصغير بحفظ "الجامع الصغير".
وشرحه أولا بشرح طويل موسوم بـ "كفاية المنتهي"، فما أن فرغ منه إلا وقد شعر بالإطناب، والتطويل فيه، فاختصره وسماه "الهداية"، فجاء بحيث لا يكاد يوجد له نظير، ولم لا يكون هكذا؟ وقد أكمله في ثلاث عشرة سنة صائماً.
جمع فيه بين الرواية والدراية، وذكر أصول المسائل وترك الزوائد في كل باب، فمن أراد الاختصار اكتفى بـ "الهداية"، ومن رغب في الأطول ذهب إلى "الكفاية"، ومن قصد ضبط المذهب أخذ بـ "البداية". فقد راعى في تأليف كتبه الثلاثة طبقات التَّلَقِّي والطلب فالله درُّه ورحمه الله-.
ثُمَّ العلماء يختلفون في طريق تأليفهم في الفقه؛ فبعضهم يذكر أقوال فقهاء المذاهب الأخرى كما يذكر أقوال فقهاء مذهبه، وبعضهم يهتم بذكر أقوال فقهاء مذهبه فحسب، على طُرُقٍ لهم في ذلك. وعلى كلا الطريقين بعضهم يذكر الروايات المختلفة، وبعضهم يقتصر على الرواية الراجحة أو المشهورة في المذهب.
والإمام المَرْغِينَانِي جَمَعَ في كتابه "الهداية" بين الحُسْنَيَيْن، حيث اهتم بذكر خلاف المذاهب الأخرى في كثير من مسائله، مما يجعل لكتابه مَكَانَةً ومَنْزِلَةً بين كتب الفقه بعامة، فهو في عداد كتب الفقه المُقارن، كما اهتم ﵁ بذكر الاختلاف بين الإمام وصاحبيه ﵃ وما فيه من اختلاف الروايات عنهم. وكذلك يذكر أقوال مشايخ المذهب المُعْتَبَرين في كثير من المسائل مما يجعل للكتاب مكانةً علمية بين كتب المذهب بخاصة.
وقد وصفه كثير من المشايخ، منهم: محمود بن عبيد الله بن تاج
стр. 3
الشريعة المَحْبُوبي (ت ٧٤٧ هـ)، قال: "كتاب فاخِرُ لم يكتحِل عَيْنُ الزَّمانِ بثانيه ".
ومنهم: العلامة البدر العيني (ت ٨٥٥ هـ)، شارح "الهداية"، قال في مطلع شرحه "البناية ": "إنَّ كتاب الهداية قد تباهَجَت بهِ علماء السلف، وتفاخرت به فُضَلاءُ الخَلَفِ، حتى صار عُمْدَة المُدَرِّسين في مدارسهم، وفخر المُصَدِّرين في مجالسهم، فلم يزالوا مشتغلين به في كل زمان، ويتدارسونه في كل مكان، وذلك لكونه حاويًا لـ "كُنز الدقائق"، وجامعا لـ " رمز الحقائق"، ومشتملا على "مُختار الفتاوى"، ووافيًا بخلاصة "أسرار الحاوي"، كافيًا في إحاطة الحادثات، وشافيًا في أجوبة الواقعات، موصولًا في قواعد عجيبة، ومفصلا على قواعد غريبة، وماشياً على أصول مبنيَّةٍ، وفصول رصينة، ومسائل غزيرة، وترتيب أنيق، وتركيب حقيق … .. " انتهى.
وقد تسابق العلماء لشرح كتاب الهداية، ومن أَجَلِّ هذه الشروح وأبدعها شرح الإمام قِوامُ الدِّين الكَاكِي المُسمَّى "معراج الدراية" فهو من أهم شروح كتاب الهداية حتَّى أنَّ كُلَّ من جاء بعدَهُ قد نقل عنه واستفاد منه ورجع إليه، لما حواه من الآراء واختلاف العلماء في كلّ مسألة، فهو كتاب جامع في الفقه عموماً والفقه الحنفي خصوصاً، كدَابِ الإمام الكاكي في مؤلفاته الجامعة كـ "عيون المذاهب وجامع الأسرار ".
وقد حاولنا جاهدين إخراج هذه الموسوعة الفقهية في أبهى صورة، وندعو من الله التوفيق.
وصلى الله وسلم على سيد البلغاء من النَّاسِ مُحمّد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يَوْمِ الدِّين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 4
نبذة حول كتاب الهداية لشيخ الإسلام برهان الدين المَرْغِينَاني
التعريف بالمؤلف:
هو الإمام برهان الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الصديقي الفَرْعَانِي المَرْغِينَانِي.
وُلِدَ عقب صلاة العصر يوم الاثنين، الثامن من رجب، سنة ٥١١ هـ، وصفه الكمال ابن الهمام (ت ٧٩٠ هـ)، وأكملُ الدِّينِ البَابِرتي (ت ٧٨٦ هـ)، كلاهما في شرحه على الهداية بأنه: شيخ مشايخ الإسلام.
وفصل أوصافه الإمام عبد الحَيِّ اللَّكْنَوِي (ت ١٢٢٥ هـ) فقال: كان إماما فقيها حافظًا مُحدثًا مُفَسِّرًا جامعًا للعلوم ضابطًا للفنون متقنا محققا نظارًا مدققا زاهدًا ورعًا فاضلاً ماهرًا أصوليًا أديبا شاعرًا، لم تر العيون مثله في العلم والأدب ولهُ اليَدُ الباسطةُ في الخلاف والباع الممتد في المذهب.
وقد ترجم للمَرْغِيَنانِي محبُّ الدِّينِ ابن الشَّحْنَةَ (ت ٨١٥ هـ)، وأفرده بالترجمة العلامة حامد بن علي العمادي، صاحب الفتاوى الحامدية وسماها: «العقد الثمين في ترجمة صاحب الهداية برهان الدين».
ويُعدّ الإمامُ المَرْغِينَانِي من الأئمة المجتهدين في المذهب، فيما لا نص فيه عن الإمام، وأقر على منزلته هذه في المذهب الإمامُ اللَّكْنَوي والإمام الرافعي (ت ٧٥٧ هـ) في تقريراته على حاشية ابن عابدين، وشهاب الدين المَرْجَاني (ت ١٣٠٦ هـ) في كتابه: "ناظورة "الحق"، والعلامة الكَوثَرِي (ت ١٣٧١ هـ).
تفقه على أئمة عصره، كمفتي الثقلين نجم الدين أبي حفص عمر النَّسَفي (ت ٥٣٧ هـ)، وابنه أبي الليث أحمد النسفي (ت ٥٥٢ هـ)، والصدر الشهيد حسام الدين عمر (ت ٥٥٦ هـ)، والصَّدرُ السَّعيد تاجُ الدِّين أحمد (ت ٦٩١ هـ)، وأبي عمر عثمان البيكندي (ت ٢٢٥ هـ) تلميذ الإمام السَّرَخْسِيّ (ت ٤٩٠ هـ)، وغيرهم.
стр. 5
فاق شيوخه وأقرانه، وأَذْعنوا له كلّهم، ولا سيما بعد تصنيفه لكتاب الهداية.
مؤلفاته:
١ - بداية المبتدي: وهو المتن الذي شرحه في الهداية.
٢ - التجنيس والمزيد وهو لأهل الفتوى غير عنيد وقد قال فيه: (إِنَّ هذا الكتاب لبيان ما استنبطه المُتأخّرون ولم ينص عليه المتقدمون).
٣ - شرح الجامع الكبير للإمام محمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ).
٤ - عدة الناسك في عدة المناسك.
٥ - فرائض العثماني.
٦ - كفاية المنتهى في شرح بداية المبتدي.
٧ - مختارات مجمع النوازل.
٨ - معجم الشيوخ: ذكر فيه ترجمة لشيوخه على طريقة المحدثين.
٩ - منتقى المرفوع.
١٠ - نشر المذهب.
١١ - الهداية لشرح البداية.
ويتجلى اهتمام العلماء به وقبولهم له، حينما نرى التزام بعض العلماء قراءته وتدريسه طوال حياته حتى عُرف بقارئ الهداية، ومنهم من انصرف إلى حفظه واستظهاره، منهم: شمس الدين محمد الحلبي (ت ٨٧٩ هـ)، واختبره في حفظه له: العلامة ابن الوردي الشافعي (ت ٧٤٩ هـ)، ومنهم عبد الرحمن الأردبيلي (ت ٩٩٣ هـ)، قال السخاوي: حفظ البديع لابن السَّاعَاتِي (ت ٦٤٠ هـ)، والهداية.
التعريف بالكتاب:
اسمه: "الهداية في شرح بداية المبتدي" وهو أشهر كتب المؤلّف، جمع فيه المؤلف بين الجامع الصغير للإمام محمد بن الحسن ﵀ (ت ١٨٩ هـ) ومختصر القدوري، ولم يتجاوزهما إلا فيما دَعَتِ الضرورة إليه، ورتبه ترتيب الجامع الصغير، كما صرح بذلك في المُقدِّمة، حيث قال: رأيتُ ترتيب الجامع الصغير هو الأحسن فاقْتَفَيْتُه، تبرُّعًا بما اختاره محمد بن
стр. 6
الحسن ﵀ (ت ١٨٩ هـ) (وهذه المُقدِّمة غير موجودة في النسخة المطبوعة، بل المخطوطة) ويُصرِّح المَرْغِينَانِي ﵀ في الكتاب بالخلاف بين أئمة المذهب: أبي حنيفة (ت ١٨٩ هـ)، وأبي يوسف (ت ١٨٢ هـ)، ومحمد بن الحسن (ت ١٨٩ هـ)، ولا يتطرق إلى الدليل إلا نادرا.
وكتاب "الهداية" هو شرح لكتاب المؤلّف نفسه: "بداية المبتدي"، وكان قد شرحه بكتابه: "كفاية المنتهى"، وهو كتاب عزيز يقع في ثمانينَ مُجلَّدًا كما نقله اللكنوي (ت ١٣٥٤ هـ) عن مفتاح السعادة، ولما تبين للمُؤلِّف الإطناب فيه، وخَشِيَ أَنْ يُهْجَر، شرح المتن ثانيًا ومختصرًا بكتاب الهداية الذي نحن بصدده، وافتتح بتأليفه ظهر يوم الأربعاء من ذي القعدة سنة ٥٧٠ هـ.
واحتوى على الكتب التالية: (الطهارات، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، النكاح، الرضاع، الطلاق، العتاق، الأيمان، الحدود، السرقة، السير، الشركة، الوقف البيوع الصرف الكفالة الحوالة، أدب القاضي، الشهادات، الرجوع عن الشهادة الوكالة، العارية، الهبة، الاجارات، المكاتب، الولاء، الإكراه، الحجر، المأذون الغصب، الشفعة، القسمة، المزارعة، المساقاة، الذبائح، الأضحية، الكراهية، إحياء الموات، الأشربة، الصيد، الرهن الجنايات الديات المعاقل الوصايا، الخنثى).
ويقول أكمل الدين البَابِرْتِي ﵀ (ت ٧٨٦ هـ) في فاتحة شرحه على الهداية "العناية": رُوِيَ أَنَّ صاحب الهدايةِ بِقِيَ في تصنيف الكتاب ثلاث عشرة سنة، وكان صائماً في تلك المدة لا يُفطر أصلاً، وكان يجتهد أن لا يطلع على صَوْمِهِ أحد، فإذا أتى خادِمَه بطعام يقول: خَلَّه ورُحْ، فإذا راح كانَ يُطِعِمُهُ أحد الطلبة أو غيرهم، فكان - ببركة زُهْدِه ووَرَعِه - كتابه مباركًا مقبولاً بين العلماء.
وكتاب الهداية أصيل في فقه السادة الحنفية، وعليه اعتماد جُلُّ من جاء بعده، وتوافرت عليه جهود أئمة كبار فقهاء ومُحدِّثين، منهم الشارح له، ومنهم المُخْتَصِر، ومنهم المُخَرِّجُ لأحاديثه، والمُتَتَبَّعُ العاد للكتب المتعلقة بالهداية يرى أنها نافتْ على المائة، وهذا دليل على أهميته بين كتب المذهب.
مصطلحات الكتاب:
إنَّ من اصطلاحاته إذا قال: (الحديث محمول على المعنى الفُلاني) يُريدُ به
стр. 7
أنَّ أئمة الحديثِ قد حَمَلوه على ذلك المعنى.
وإذا قال: (يُحْمَلُ ما رواه فلانٌ على كذا - بصيغة المجهول) يُريد به أنَّ أئمة الحديث لم يحملوه على المعنى المذكور، كما قال في نواقض الوضوء، وإذا تعارضت الأخبارُ يُحْمَلُ ما رواه الشافعي رحمه الله تعالى (ت ٢٠٤ هـ) على القليل؛ فإنه أراد الحديث وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ : قاءَ فلم يتوضأ (١).
ومنها: أن يقول: (لمَا بَيَّنَّا) إذا كان الدَّليلُ عقليًّا (ولِمَا تَلَوْنا) إذا كان ثابتًا في الكتاب العزيز (ولما رُوينا) فيما إذا كان ثابتًا بالسُّنَّة، وإذا قال: (وإنما كان كذا للأثر) فمراده الحكم الثابت بقول الصحابي، وقد لا يُفرِّقُ بين الأثر والخبر ويقول فيهما: لِمَا رُوينا، ولِما ذكرنا.
ومنها: أنه لا يذكر الفاء في جواب، أما، قالوا: اعتمادًا على ظهور المعنى، لكني أقول اقتداء بمن تقدَّمَ من بعض المشايخ من السلف، فإنه وقع في بعض عباراتهم كذلك.
ومنها: أنه يُعبّر عن الدليل العقلي بالفقه فيقول: (والفقه فقه كذا) ويقيم الدليل العقلي.
ومنها: أنه إذا قال عن فلان يُريدُ به أنَّه روى عنه ذلك، وإذا قال: (عند فلان) يريد به مذهب ذلك الفلان.
ومنها: اعتماده على المذهب الأخير، كما إذا قال عند فلان كذا، وعند فلان كذا، وعند فلان كذا، إلا إذا صرح بالمفتى به قبل ذلك.
ومنها: أنه متى وُجِدَ بعد قال: ﵀ أو العبد الضعيف) أو مثل ذلك في بعض التصرُّفات والأجوبة، فإنه يريد به نفسه، ولم يذكره بصيغة المتكلم تواضعا كقوله: في باب المهر، قال ﵁ معنى هذه المسألة أن يُعمِّي جنس الحيوان دون الوصف بأن يتزوجها على حمار أو فرس .. إلخ، غير أن بعض تلامذته بعد وفاته صار يُعَبِّرُ تارةً برضي الله عنه كما هنا، وتارةً برحمه الله تعالى، والذي حرره هو قال: العبد الضعيف لا غير.
_________
(١) قال العيني: هذا الحديث غريب لا ذكر له في كتب الحديث البناية في شرح الهداية (١/ ١٩٨)، وقال الزيلعي: قلت: غريب جدا. نصب الراية (١/ ٦٦).
стр. 8
ومنها: أنه يذكر أوّلاً مسائل القدوري ثم مسائل الجامع الصغير في أواخر الأبواب، ولا يُصرّح باسم الكتاب إلا إذا كان هناك مخالفة.
ومنها: أنه يأتي بالجواب عن السؤال المُقدَّر بلا تصريح به، ولا بقول: فإن قيل كذا، إلا في مواضع قليلة.
ومنها: إذا أراد النظر في مسألة أشار إليه بأسماء الإشارة المستعملة في البعيد، وإلى المسألة بالمستعملة في القريب.
بعض ما يتعلق بالكتاب من شروح فقهية، وحديثية، وحواشي ومختصرات:
أولاً: الشروح:
- البناية في شرح الهداية: بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى أبو محمد العيني المصري ت: ٨٥٥ هـ، بدأ تأليفه من كتاب المضاربة عند تدريسه للهداية، وأتم تحريره وقد ناهز التسعين من عمره. وقد أثنى عليه اللكنوي (ت ١٣٠٤ هـ) وقال: (قد طالعتُ "عمدة الباري شرح صحيح البخاري"، و"البناية شرح الهداية" … و "رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق" … وكلها مفيدة جداً، وله بَسْطٌ في تخريج الأحاديث، وكشف معانيها، وسعة نظر في الفنون كلّها، ولو لم يكن فيه رائحة التعصب المذهبي لكان أَجْوَدَ وأَجْوَد).
- التوشيح: سراج الدين عمر بن إسحاق الغَزْنَوي ت: ٧٧٣ هـ (قال ابن عابدين في حاشيته: ٢/ ٤٨٣ وفي بعض النسخ التشريح، وبعضها الترشيح، والمشهور التوشيح).
- الدراية شرح الهداية: معينُ الدِّين الهَرَوِي بن عبد الله محمد بن مبارك شاه ت: ٩٥٤ هـ وهو منلا مسكين شارح الكنز.
- شرح الهداية: أحمد بن سليمان بن كمال باشا (ت ٩٤٠ هـ)، ولكنه لم يتمه كما ذكر ابن عابدين في مقدمة حاشيته ١/ ١٠٤.
- شرح الهداية: قاضي القضاة شمس الدِّين الحَرِيرِي (ت ٧٢٨ هـ)، ذكره ابن عابدين في رسالة رسم المفتي.
- العناية: للمحقق أكملُ الدِّين محمد بن محمود بن أحمد
стр. 9
البابرتي (ت ٧٨٦ هـ) وهو من أفضل شروح الهداية، قال عنه حاجي خليفة (وقد أحسن فيه وأجاد وهو شرح جليل مُعتَبَر في البلاد الرُّوميَّة)، وقد وصفَهُ اللَّكْنَوِي (بأنه إمام مُحقّق مُدقِّقٌ مُتَبَحِّرٌ حافظ ضابط لم ترَ الأَعْيُنِ في وَقْتِهِ مثله).
غاية البيان ونادرة الأقران: أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي الأتقاني (ت: ٧٥٨ هـ) اعتنى فيه بتحرير المذهب مع الاستدلال والترجيح، وقد وصفه ابن حجر بأنه شرح حافل، كما نعته القرشي بأنه شرح نفيس يتسم بالطول والإتقان.
- الغاية شرح الهداية: الشهير بغاية السروجي: أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني (ت: ٧١٠ هـ) وهذا الشرح لم يتم بل وصل فيه إلى باب الإيمان.
فتح القدير: كمال الدين بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام (ت: ٨٦١ هـ)، ألفه عند تدريسه للهداية، وكان قد قرأها على وجه الإتقان والتحقيق على قارئ الهداية سراج الدين عمر بن علي الكناني، (وسبب تلقيبه بهذا أنه قرأ الهداية على البَابَرْتي ست عشرة مرة) وصل فيه إلى كتاب الوكالة، وأتمه من بعده قاضي زاده في تكملته نتائج الأفكار. وهو من أمتن الشروح وأبرعها.
- الفوائد الحميدية: للعلامة علي بن محمد بن علي حميد الدين الرامشي الضرير (ت: ٦٦٦ هـ).
الكفاية شرح الهداية: جلال الدين الخوارزمي الكرلاني، من علماء القرن الثامن.
- معراج الدراية الى شرح الهداية: قوام الدين محمد بن محمد بن أحمد البخاري الكَاكِي (ت: ٧٤٩ هـ)، وله عيون المذاهب.
- النهاية شرح الهداية: الحسين بن علي بن حَجاج بن علي حسام الدين السَّغْنَاقِي (ت: ٧١٠ هـ)، وهو أول شرح للهداية، وله شرح التمهيد في قواعد التوحيد، والكافي.
نهاية الكفاية: محمود بن عُبَيْد الله المحبوبي، وله مختصر الهداية المسمى بالوقاية.
стр. 10
الكافي في شرح الوافي: عبد الله بن أحمد حافظ الدين النسفي، وهو شرح للوافي والهداية معاً. (ت ٧١٠ هـ).
شرح الهداية: السيد الشريف الجُرْجَانِي (ت ٨١٦ هـ).
شرح الهداية: إبراهيم بن علي بن عبد الحَقِّ الواسطي (ت ٧٤٤ هـ).
حاشية على الهداية: جلال الدين عمر بن محمد الخَبَّازي الخَجَنْدِي (ت: ٧٦١ هـ) وله "المغني" في أصول الفقه.
حاشية على الهداية: أبو الحسنات اللَّكْنَوِي (ت ١٣٠٤ هـ).
نهاية النهاية: أبو الفضل محمد بن محمد الثقفي الحلبي المعروف بابن الشحنة (ت: ٨٩٠ هـ).
مقدمة الهداية: أبو الحسنات محمد بن عبد الحي اللكنوي الهندي (ت: ١٣٠٤ هـ)، جمع فيه رجال الهداية، وجعل له ذيلاً سماه مذيلة الدراية.
مختصر شرح السغناقي على الهداية: أحمد بن الحسن، ابن الزَّرْكَشِي (ت: ٧٣٨ هـ).
شرح الهداية: عصام الدين (ت ٩٥٤ هـ)، ذكره ابن عابدين في حاشيته المشهورة، ولم أقف على اسم المؤلف كاملا.
شرح الهداية: عبد العزيز بن أحمد البخاري (ت ٧٣٠ هـ)، شَرَحَهُ إلى النكاح ومات، وله شرح البزدوي، وشرح الأخسِيكثي.
الكفاية مختصر الهداية: علي بن عثمان ابن التركماني، وله شرح على الهداية لم يكمله، (ت: ٧٥٠ هـ).
خلاصة النهاية: محمود بن أحمد القَوْنَوي (ت ٧٧١ هـ)، اختصر فيه شرح الهداية للسغناقي، له " التفريد في مختصر التجريد، البغية، الإعجاز".
مخرجو أحاديث الهداية:
الإمام العلامة علاء الدين علي بن عثمان المارديني (ت ٧٥٠ هـ)، المعروف بابن التركماني، واسم تخريجه: الكفاية في معرفة أحاديث الهداية"، وهو أوَّل مَنْ نُسِبَ إليه تخريج أحاديث الهداية.
الإمام الحافظ جمال الدين عبد الله بن يوسف الزَّيْلَعِي (ت: ٧٦٢ هـ)
стр. 11
وكتابه: " نصب الراية لأحاديث الهداية".
- الإمام الحافظ محيي الدين عبد القادر بن أبي الوفاء القرشي (ت: ٧٧٥ هـ) وسمى كتابه أوّلاً الكفاية، ثم سماه له شيخه المَارْدِينِي (ت ٧٥٠ هـ) العناية.
- الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العَسْقَلانِي (ت: ٨٥٢ هـ) واسم كتابه: الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية، وهو مختصر لنصب الراية.
- الإمام الحافظ قاسم بن قُطْلُوْبَغَا الجمالي ت: ٨٧٩ هـ، واسم كتابه: منية الألمعي فيما فات من تخريج أحاديث الهداية للزيلعي.
وهناك صنف خرجها ضمن شرحه الفقهي مثل: السروجي (ت ٧١٠ هـ) صاحب الغاية، والقاضي إبراهيم بن علي الدِّمَشَّقي (ت ٧٤٤ هـ)، والبابرتي (ت ٧٨٦ هـ) صاحب العناية، والعَيْنِي صاحب البناية، والكمال ابن الهمام (ت ٨٦١ هـ) صاحب فتح القدير، والعلامة مُصلِحُ الدين مصطفى ابن شعبان السروري (ت ٩٦٩ هـ)، له حاشية على شرح ابن الشحنة على الهداية ذكر فيها التنبيه على أحاديث الهداية، وهناك اهتمام لعلماء الهند وباكستان بالهداية فقها وحديثا.
بعض ما قيل في كتاب الهداية:
إن الهداية كالقُرآنِ قد نسخت … ما ألفوا قبلها في الشرع من كُتُبِ
فاحفظ قواعدها واسلك مسالِكَها … يَسْلَمْ مقالُكَ مِنْ زِيعَ وَمِنْ كَذِبِ
وأنشد الإمام عماد الدين ابن شيخ الإسلام صاحب الهداية (ت ١١٧١ هـ)
في حقها:
كتاب الهدايةِ يَهْدِي الهُدَى … إِلَى حَافِظِيهِ وَيجلو العمى
فلازمه واحفظه يا ذَا الحِجَى … فَمَنْ نالَهُ نالَ أقصى المُنى
قال الإمام المحدث محمد أنور الكشميري الديوبندي (ت ١٣٥٢ هـ):
ليس في أسفار المذاهب الأربعة كتاب بمثابة كتاب الهداية في تلخيص كلام القوم، وحسن تعبيره الرائق، والجمع للمهمات في تفقه نفس، بكلمات كلها درر وغُرَر.
стр. 12
وقال بعض الأفاضل: إنَّ كتب الأدب العربي في المسلمين ثلاثة: التنزيل العزيز، وصحيح البخاري، وكتاب الهداية.
وقال: لا يُدرِكُ شَأْو صاحب الهداية في فقهه ألف فقيه مثل صاحب الدر المختار فإنَّ صاحب الهداية فقيه النفس، علمه علم الصدر، وعلم صاحب الدر المختار علم الصحف والأسفار، وإنَّ البون بينهما لبعيد.
قالوا أيضًا: لم يُخْدَم كتاب في الفقه من المذاهب الأربعة مثل كتاب الهداية، ولم يُتَّفَق على شرح كتاب في الفقه من الفقهاء والمحدثين والحفاظ المتقنين، مثل ما اتفقوا على كتاب الهداية.
وقال في مفتاح السعادة: كتاب فاخر لم تكتحل عين الزمان بثانيه.
وبقي أن أذكر أنَّ أوَّلَ من قرأ الهداية على مؤلّفها شمس الأئمة الكَرْدَري (ت ٦٤٢ هـ).
стр. 13
ترجمة المؤلف الإمام قوام الدين الكاكي الحنفي ( … - ٧٤٩ هـ/ … - ١٣٤٨ م)
اسمه ونسبه:
هو محمد بن محمد بن أحمد الخجندي السنجاري، الكاكي، الحنفي (قوام الدين) فقيه، أصوليّ. قَدِمَ القاهرة، فأقام بجامع ماردين يُفتي ويُدرِّس إلى أن مات.
أما الكاكي فنسبة إلى "كاك"، حيث أشار إليه الزبيدي (ت ١٢٠٥ هـ) في التاج مستدركًا على صاحب القاموس فقال: " وممَّا يُستدرك عليه "كاك" لقب محمد بن عبد الواحد الصوفي، وأيضًا لقب محمد بن عمر بن عبد العزيز المقري البخاري، والشيخ قوامُ الدِّين الكاكي من أفاضل الحنفية" (١).
أما السنجاري فهو نسبة إلى سنجار (٢)، وهي مدينة مشهورة في الجزيرة سميت باسم بانيها سنجار بن ذُغر.
شيوخه:
تتلمذ الإمام الكاكي في رحلته العلمية على شيوخ وفقهاء في بلدة ترمذ حتى استقر به المقام في القاهرة، ومن هؤلاء:
- الحسين بن علي بن حجاج بن علي حسام الدين السغناقي (ت ٧١٠ هـ)، ومن مصنفاته: «الكافي شرح أصول البزدوي».
- عبد العزيز بن أحمد بن محمد علاء الدين البخاري (ت ٨٤١ هـ)، ومن مصنفاته: "شرح أصول البزدوي "، و "شرح المنتخب".
_________
(١) انظر: مستدرك مادة "كوك " في تاج العروس ٧/ ١٧٣.
(٢) مدينة مشهورة في الجزيرة العربية، تبعد عن الموصل ثلاثة أيام، انظر: معجم البلدان ٢/ ٢٦٢.
стр. 14
تلاميذه:
من أبرز تلاميذه:
- محمد بن محمد بن محمود البَابِرْتِي (ت ٧٨٦ هـ)، ومن مصنفاته: "العناية شرح الهداية".
- جلال الدين أحمد بن يوسف الشهير بالبَنَانِي، له مصنفات منها "شرح المنار" و"مختصر في ترجيح مذهب الإمام أبي حنيفة".
مؤلفاته:
من تصانيفه:
١ - شرح الهداية وسماه "معراج الدراية".
٢ - و"عيون المذهب" وهو كتاب مختصر جمع فيه أقوال الأئمة الأربعة، وأهداه إلى السلطان شعبان بن محمد (الملك الكامل).
٣ - شرح منار الأنوار للنسفي (ت ٥٣٧ هـ) في أصول الفقه وسماه "جامع الأسرار".
٤ - "الغاية في شرح الهداية" للمَرْغِينَانِي.
٥ - و"بنيان الوصول في شرح الأصول" للبَزْدَوِي (ت ٤٩٣ هـ). وكلها في فروع الفقه الحنفي.
مكانته العلمية:
تبوأ الإمام الكاكي منزلةً علميَّةً بما ألَّفَ من الكتب النافعة، وبما بذل من الجهد الكبير في استنباط الأحكام للفروع الحادثة المستجدة، وبما نشره من الفقه بين طلبة العلم من خلال تدريسه في الجامع المارداني، وقد كان لآرائه الفقهية صدى عند من جاء بعده من الفقهاء.
قال صاحب ديوان الإسلام: الإمام العلامة الحَبْرُ الفقيه الشيخ قوام الدين الكَاكِي المِصْرِيِّ الحَنَفِي، له شرح كبير على الهداية.
وفاته:
توفي ﵀ بالقاهرة عام ٧٤٩ هـ.
стр. 15
مصادر الترجمة:
١ - حَاجِي خليفة: كشف الظنون ١١٨٧، ١٨١١، ١٨٢٤، ٢٠٣٣.
٢ - اللَّكْنَوي: الفوائد البهية ١٨٦، كتبخانه ولي الدين ٧١.
٣ - البغدادي: هدية العارفين ٢/ ١٥٥، فهرست الخديوية ٣/ ٨٢.
٤ - الزركلي: الأعلام ٧/¬٣٦.
٥ - عبد القادر بن نصر الله القرشي: الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٢/ ٣٤٠.
٦ - عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين ١١/ ١٨٢.
стр. 16
وصف النسخ الخطية
اعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب النادر على ثلاث نُسَخ خطية، وهما كالآتي:
١ - النسخة الأولى: هي نسخة محفوظة في مكتبة كوبرلي بأرقام (٦١٩ - ٦٢٠) في جزئين كبار، يقع الجزء الأول في (٦٠٤) لوحة، والجزء الثاني في (٥٨٦) لوحة، وهي نسخة جيدة كتبت بخط دقيق، ويقع في الصفحة (٣٥) سطرًا، وفي السطر تقريبا (١٨) كلمة. وأشرنا إليها بـ (الأصل).
٢ - النسخة الثانية: هي نسخة محفوظة في مكتبة فيض الله برقم (٨٨٧)، وتقع في صور صفحات متفرّقة، وهي نسخة متوسطة، ويقع في الصفحة (٣٧) سطرًا، وفي السطر تقريبا (١٥) كلمة. وأشرنا إليها بـ (النسخة الثانية).
٣ - النسخة الثالثة: هي نسخة محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس بأرقام (٦٤٤٤، ٦٤٤٥، ٦٤٤٦، ٨٤٥)، وهي تقع في أربعة أجزاء، عدد صفحاتها كالآتي:
الجزء الأول: (٤٦٨) لوحة. من أول الكتاب حتى باب الإيلاء.
الجزء الثاني: (٣٠٥) لوحة. من باب الظهار حتى كتاب الوقف.
الجزء الثالث: (٢٩٩) لوحة. من كتاب النكاح حتى باب النفقة.
الجزء الرابع: (٢٤١) لوحة. من كتاب الولاء حتى آخر الكتاب. وأشرنا إليها بـ (النسخة الثالثة).
стр. 17
عملنا في الكتاب
سار عملنا في الكتاب وفق المنهج التالي:
١ - نَسْخُ النَّصِّ نَسْخًا علميًا دقيقا.
٢ - مطابقةُ النَّصِّ ومراجعته.
٣ - تخريجُ الآياتِ القرآنيةِ وفقَ مواضعها من المصحفِ الشريف.
٤ - تخريجُ الأحاديثِ النبويةِ الشريفةِ وفقَ مواضعها من كتب السُّنَّة النبوية المطهرة.
٥ - ترقيمُ النصِّ حسبَ قواعدِ الترقيم الحديثة.
٦ - وقد وضعنا الأصل كتاب الهداية بالمداد الأحمر، والشرح معراج الدراية بالمداد الأسود.
٧ - صُنْعِ مُقدِّمة حول كتاب الهداية، وعناية العلماء به.
٨ - صُنْعِ ترجمة وافية للمؤلِّف الإمام قوام الدين محمد بن محمد الكاكي الحنفي.
٩ - عمل فهارس تفصيلية لأبواب الكتاب.
وأخيرًا فهذا هو جهد المُقِلِّ، والمَرْجو ممَّن يطلع على كتابنا فيجد فيه عيبا أن يبادرنا بالنصيحة، والتصويب، فكلُّ معرَّض للخطأ، ولا كمال إلا الله .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
المحقق
стр. 18
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المصنف
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
الحمد لله خالق الظلام والضياء، ومبدع الأشياء كما شاء، وجاعل العلماء بدور سماء الاقتداء، وشموس أفلاك الاهتداء، وخصهم بالدرجة العليا وسلوك طريق الأصفياء، وصيرهم خلفاء الأنبياء.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة صافية عن شوب الرياء، وخالصة عن الشك والبداء، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الرسل، وسيد الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه مصابيح الظلام والدُّجى، القامعين للكفرة والأعداء، وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد؛ فلما كان علم الفقه من أشرف العلوم وأعلاها بعد علم التوحيد وأصول الدين؛ لأنه مظهر حقيقة الصراط المستقيم وكيفية سلوك منهج [الدين] (١) القويم، والكتب المصنفة فيه أكثر من أن تحصى؛ إلا أن كتاب "الهداية" للإمام الأعظم والحبر المقدم شيخ شيوخ الإسلام، حجة الله على الأنام شيخ الإسلام، برهان الدين أبي الحسن علي ابن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغيناني تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه بحبوحة جناته، جامع لكل ما أمكن جمعه في هذا الفن من فنون الدراية وعيون الرواية، بحيث لا يُعرف إلا بعد تجريد فكر، وتدقيق نظر، وقد شرح له الشارحون، واشتغل بتدريسه المشايخ المحققون أردت بعد فقدان كتبي أن أجمع الزائد من فوائد المشايخ والشارحين؛ ليكون ذلك المجموع كالشرح له، وأبين فيه أقوال الأئمة الأربعة من الصحيح والأصح والمختار، والقول القديم والجديد، ووجه تمسكهم في كل مسألة مع الأسئلة والأجوبة، ووجه التوفيق والجمع بقدر الوسع، وأذكر فيما لم يتضح لي من وجه التمسك وفيه تأمل؛ ترغيباً للمستفيدين
стр. 19
في التحرير، وتكثيراً للفائدة للمستفيدين في التقرير.
وسميته: "معراج الدراية في شرح الهداية" فرحم الله امرءاً طوى ذيل الاعتراض، وسلك مسلك التجاوز والإغماض، وأرجو ممن نظر فيه أن يذكرني في فاتح حالاته ولا ينساني في أحسن مقالاته، وأسأل الله تعالى أن يوفقني إلى الصواب في القول والعمل إنه هو المرشد للصواب وهو العزيز الوهاب.
يقول العبد الضعيف محمد بن محمد بن أحمد الخبازي تاب الله عليه وغفر له ولوالديه: حدثني بهذا الكتاب شيخي وسندي ومولاي، كشاف المشكلات، حلال المعضلات، علامة الدهر، افتخار ما وراء النهر، علاء الدين عبد العزيز ابن أحمد البخاري، طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه، بقراءتي عليه ببخارى في المدرسة المحمدية، قال: حدثني به شيخي وعمي الإمام الأعظم، والهمام المكرم، كاشف آيات الحقيقة، ناصب رايات الطريقة، فخر الملة والدين، شيخ الإسلام والمسلمين، محمد بن محمد بن إلياس المايمرغي، نور الله مرقده، قال: حدثني به الإمام الكبير، والهمام النحرير، علم الهدى، إمام الورى، مقتدى الأمة، كاشف الغمة، أبو الوحدة، شمس الأئمة الكردري، عن المصنف قدس الله روحهما.
стр. 20
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[شرح مقدمة الهداية للإمام الْمَرْغِينَانِي]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ الْعِلْمِ وَأَعْلَامَهُ،
قال المصنف: (الحمد لله الذي أعلى معالم العلم إلى آخره) بدأ به دون الشكر أو المدح لله، أو أحمد الله، أو احمدوا الله، أو غيرها تبركًا بكتاب الله تعالى، وإنما ذكر في كتابه هذا لما في الحمد من التصريح بالثناء والاعتراف بدوام النعمة واقتضاء سابقة الإحسان؛ لأنه ثناء بعد الإحسان، بخلاف المدح فإنه يكون قبله أو بعده، والشكر على النعمة خاصة، والحمد عليها وعلى غيرها، يقال: حمدت على إنعامه، وشجاعته، وحسنه.
وقيل: الحمد مختص بالحي، والمدح شامل له ولغيره، فكأن الحمد لله أولى من الشكر أو المدح لله.
وقيل: المدح أعم من الحمد لأنه يكون للعاقل وغيره، ألا ترى أنه يمدح اللؤلؤ والياقوت، والحمد لا يكون إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام سواء وصل إليك أم لا.
والحمد أعم من الشكر لأنه يعظم الفاعل لإنعام وصل منه إليك، فكأن في ذكر الحمد الله تصريح بأن العالم موجود باختيار الله؛ لأنه تعالى موجب بخلاف المدح فإنه لا يدل عليه لما ذكرنا، وهذا فائدة عظيمة في الدين، وفي ذكره دون الشكر إشعار بأن تعظيم العبد له بسبب إنعامه سواء وصل إليه أم لا، وبأنه المستحق للحمد فيكون الإخلاص فيه أكمل بخلاف الشكر الله فإنه يشعر بأنه يعظمه بسبب ما وصل إليه من النعمة فلا يكون الإخلاص فيه أكمل.
وإنما لم يقل: أحمد الله، أو احمدوا الله؛ لأنه لا يفيد إلا حمد القائل، والحمد لله يفيد كونه محموداً حمده الحامدون أو لا.
وقيل: معناه قولوا الحمد لله وهو ضعيف؛ لأنه لا يصار إلى الإضمار بلا
стр. 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضرورة، والحمدُ يستعمل لمعانٍ للثناء على الأفعال الحسنة، فمعنى الحمدُ لله: الثناءُ له في كلّ ما فعل، وللمدح فمعناه: المدح له على صفاته الحُسنى، وللشُكر فمعناه: على هذا الشكرُ لله على نعمه التي لا تحصى، وللرِضا فمعناه على هذا: رضينا بحكمه وقضائه وقدره وقسمته، واللام فيه للاستغراق فتصير جميع المعاني موجودة فيه.
وبالفارسية: حمد خداي ترابايد وخداي تراشايذ وخداي راسرذ وحمدا ورا شزدكة فنعم حقيقي أوست وسمه منعما ذا نعام نكتدني مشيت وخلق داعية او.
والحمدُ بهذه المعاني الأربعة منقول عن السلف الصالح، كذا في "التفسير الصغير"، وفي "الفوائد "البدرية" وغيرها، اللام فيه للاستغراق والجنس عند أهل السنة بناءً على أنه تعالى خالق أفعال العباد فلا يكون غيره مستحق للحمد.
وعند المعتزلة معظم الحمدُ لله تعالى بناءً على أن العباد خالقوا أفعالهم فيكون العباد مستحقين لبعض الحمد.
قال الكاثي (١) في "فوائده": هذا كلام صدر عن عصبية لا عن روية فإن صاحب الكشاف جعله للجنس، وللإمام السجاوندي (٢) جوّز الوجهين حيث قال: إذا جرى على المعهود معناه فهو مما أثنى على نفسه محمود، وإن أُجري على الاستغراق فله كل المحامد بالاستحقاق، فعلم أن الذي جعله للعهد محلًا غير ما توهموه.
وقيل: للماهية فيفيد أن ماهية الحمد له لا لغيره فيلزم أن يكون جميع أفراده له، وفيه نوع تأمل.
و (الله) اسم اختص به الباري واختص الحمد به؛ لأنه كالعلم للذات مستجمعاً لجميع الصفات بخلاف العالم أو الخالق و غيرهما، فإنه لا يدل إلا
стр. 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على العلم والخلق، قال الخليل وسيبويه وابن كيسان وأكثر الأصوليين والفقهاء: اللهُ عَلَمٌ للذات.
وقيل: أنه مشتق غير علم لأن العلم قائم مقام الإشارة وهي محال في حقه تعالى، ثم اختلف في المشتق منه.
وقيل: مشتق من أَلِهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَي سَكَنْتُ إِلَيْهِ، والعقول والأرواح السليمة لا تسكن إلا إلى ذكره.
وقيل: مشتق من أله في الشيء تحيّر، والعقول متحيرة معترفة بالعجز عن إدراك كماله.
وقيل: من الوله وهو ذهاب العقل، والعقل ذاهب في عظمته.
وقيل: مشتق من لاه ارتفع، والحق مرتفع عن مشابهة الممكنات.
وقيل: مشتق من لاه يلوه احتجب، فالحق محتجب عن العقول، ولا يقال: محجوب؛ لأن المحجوب مقهور، بل محتجب والخلق محجوبون.
وقيل: مشتق من أله الفصيل إذا ولع بأمه، والعباد مولوعون بالتضرع إليه في السراء والضراء.
وقيل: في الأصل إلها بالسريانية زادوا ألفا في آخر الاسم فهذا اتفاق بين اللغتين.
واختلف النحويون في أصله؛ فقال الكوفيون: أصله لاه فأدخل الألف واللام فاجتمعت لامان فأدغمت فصار (الله)، وقال البصريون: أصله إله فأدخل الألف واللام للتعريف فصار (الإلاه) فاجتمع همزتان بينهما ساكن والساكن لا يحجز حجزاً حصيناً فاجتمعت الهمزتان ولم يمكنهم حذفهما ولا تسكينهما ولا تسكين الثانية للزوم توالي ثلاث ساكنات فحدوا الثانية أصلا ثم أدغمت إحدى اللامين في الأخرى فصار (الله).
وقيل: الألف واللام للتفخيم، كذا في التفسير الكبير وتفسير القشيري.
قوله: المعالم هو جمع معلم موضع العلم فمعناه رفع مواضع درك العلوم.
стр. 23
وَأَظْهَرَ شَعَائِرَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ،
وقيل: أراد بها العلماء.
وقيل: الأصول الأربعة من الكتاب والسنة وغيرهما وبالإعلام: الأسباب الشرعية كدلوك الشمس وغيره، وقال الإمام نجم الدين النسفي (١) رحمه الله تعالى: المعالم بالنظر إلى العلم مواضعه وهي القلوب فهي رفيعة لأنها بحال نظر الربوبية أو الأصول الأربعة وهي رفيعة أيضًا وبالنظر إلى المعلم وهو أثر يستدل به على الطريق فيصير عبارة عن العلماء والكتب والمدارس.
والأعلام: جمع علم وهو ما يعلم به الشيء فيكون بينهما عموم وخصوص، وفي هذه الجملة صنعة ما يقرب إلى الاشتقاق وصنعة الاشتقاق.
وقيل: أراد بالعلم علم الأحكام.
وقيل: علم الدين وبالأعلام الصحابة أو السلف أو كليهما فلو كان المراد منها الأسباب فإعلاؤها ظاهر؛ لأنه يشرفها على سائر الأوقات والأحوال والأماكن جعلها موجة في حق العباد.
والـ (شعائر): جمع شعيرة لغة، وفي الشريعة: هي ما يؤدى من العبادات على سبيل الإشهار كالأذان والجماعة والجمعة وصلاة العيد والأضحية.
وقيل: هي ما جعل علمًا على طاعة الله تعالى، والقياس في الشعائر الهمز كما في الصحائف بخلاف المعايش فإنها بياء خالصة.
و (الشرع) الإظهار، والمراد هنا المشروع إذ لو كان الشارع لقال شعائره. ويجوز أن يُراد به الشارع ويكون من قبيل إقامة المظهر مقام المضمر.
وقيل: هي اسم للشريعة يقال: شرع محمد أي شريعته، والمشروع يتناول الأسباب والأحكام والإضافة للبيان فكان هذا من المصنف رعاية المناسبة بين
стр. 24
وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - إِلَى سُبُلِ الْحَقِّ هَادِينَ، وَأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ إِلَى سُنَنِ سُنَنِهِمْ دَاعِينَ، يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ مَسْلَكَ
التحميد والتصنيف على ما قيل ذكر التحميد متضمنا مضمون التأليف من شرط صحة التصنيف، والحكم للأثر الثابت بالشيء، وأحكام الشرع الحل والحرمة والجواز والفساد وغيرها.
و (رسلًا): جمع رسول بمعنى مرسل، وأنبياء جمع نبي وأصله نبئ بالهمزة إلا أنها لينت على اللزوم غاير بينهما لأن الرسول الذي أتى بكتاب ووحي ملك، والنبي ما أتى بكتاب لكن يوفقه الله تعالى على الأحكام أو يتبع رسولاً آخر؛ ولهذا قال ﵇: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (١) هداة إلى الطريق إذا أعلمه أن الطريق في ناحية كذا، وهداة للطريق إذا ذهب به إلى رأس الطريق، وهداة الطريق إذا أدخله فيه وسار معه حتى بلغا المقصد. وليس في وسع الرسل والأنبياء إلا الإعلام بأن الطريق الموصل إلى رضاء الله في هذه الناحية. فأما تثبيت العبد على الصراط فليس إلا الله تعالى وإليه أشار قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦].
(وأخلفهم): أي جعل العلماء خلفاء الأنبياء وورثتهم.
و (سنن): وسط الطريق. والسنة الطريقة المسلوكة المرضية.
(هادين، وداعين) صفتان لأنبياء وعلماء لا حالان لما أن الحال عن النكرة لا يحسن إلا عند تقديمها على ذي الحال ولأن الحال يقتضي التزلزل، والصفة التقرر، إلا أن يكون الحال مؤكدة لكن ليس هذا موضع الحال المؤكدة فتكون المبالغة في الصفة. (يسلكون): أي يدخلون ويذهبون فيما لم يؤثر لم يرو من أثر الحديث رواة ويجوز أن يلين الهمزة نحو سؤل وسول، ويسلكون، أما صفة العلماء أي علماء داعين سالكين، وإما حال وذو الحال علما لأن النكرة الموصوفة تصح أن تقع حالاً.
стр. 25
الاجْتِهَادِ، مُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ وَلِيُّ الْإِرْشَادِ، وَخَصَّ أَوَائِلَ الْمُسْتَنْبِطِينَ بِالتَّوْفِيقِ حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٌّ وَدَقِيقٍ غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ مُتَعَاقِبَةُ الْوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلَ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْمَوْضُوعِ وَاقْتِنَاصُ الشَّوَارِدِ بِالِاقْتِبَاسِ مِنَ الْمَوَارِدِ،
(والاجتهاد): بدل المجهود في نيل المقصود.
(مسترشدين): حال من ضمير في يسلكون، وأراد بأوائل المستنبطين أبا حنيفة وأصحابه إذ هم الذين يمهدون قواعد المسائل. وما وضعه أصحابنا ألف ألف ومائة ألف وسبعون ألفا ونيف مسألة، ويجوز أن يراد بها الصحابة والتابعون وجميع المجتهدين.
(جلي): أي ظاهر دركه كالقياس الظاهر، و (دقيق): أي خفي دركه كالاستحسان، وفي بعض النسخ: جليل والأول أصح، غير أن استثناء من قوله: حتى وضعوا، وهو جواب عما يرد على هذا الكلام فإنه لما ذكر أن أوائل المستنبطين وضعوا المسائل من كل جلي ودقيق كانت المسائل كلها موضوعة لأن كل مسألة مستنبطة لائح عن أحدهما فلأي معنى تصدى من بعدهم بالاستنباط والتصنيف فأجاب عنه وقال: نعم كذلك إلا أن النوازل تنزل ساعة فساعة فلا يستوعب جميعها نطاق الموضوعات فاحتيج إلى وضع آخر على حسب كل حادثة، ولكن مقتفياً على آثارهم ومقتبساً من أنورهم فإنه لولا طريقهم في وضعها لما اهتدوا إليه.
والـ (نطاق): ثوب تلبسه المرأة وتشد وسطها بالخيط ثم ترسل الأعلى للأسفل.
وقيل: ما يشد به الوسط، وبالفارسية: كمر.
(الموضوع): أي موضوعات الأوائل واللام بدل المضاف إليه.
و (اقتناص): الاصطياد والقبض بالسكون مصدر قنصه أو صاده.
و (الشوارد): جمع شاردة أي النافرة من الشراد والشرود من حد صرم.
و (الاقتباس): أصله أخذ القبس وهو شعلة نار، والمراد ها هنا استفادة علم، يقال: اقتبست منه علماً أي استفدته، ولما كان العلم كالماء
стр. 26
وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ، وَبِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَأْخُوذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا
استعار لموضع حصوله وهو الأصول بالموارد جمع المورد، وبالفارسية: اب خور.
واستعار الشوارد للأحكام المستنبطة يعني تحصل الأحكام الشاردة التي هي كالصيود النافرة من الصيادين لا تتحقق إلا باستفادتها من مواضع حصول العلم وهي الكتاب والسنة والإجماع كما لا يتحقق اصطياد تلك الصيود إلا في الموارد.
وشبه العلم بالماء لأنه سبب حياة الأرواح، كما أن الماء سبب حياة الأشباح، فكان ترشيح الاستعارة.
و (الاعتبار): رد الشيء إلى نظيره.
و (الأمثال): جمع المثل وهو المقيس عليه أي إظهار الحكم بالقياس من صنعة الرجال الذين هم الكاملون في الرجولية لا من صنعه كل أحد يسمى رجلاً.
ثم ذكر صعوبة الوقوف على المأخذ بقوله: (يعض عليها) بالنواجذ، وهي أربع أسنان في أقصى الأسنان من كل جانب واحد فوقا وتحتاً. ويسمى أضراس الحكم لأنها تنبت بعد البلوغ يقال: عض عليه بالنواجذ إذا صبر وتصلب تقديره: استنباط الحكم من الموارد صعب لا يهتدي إليه أحد إلا بتوفيق الله تعالى، فيجب أن يوجد التصلب والاهتمام في حقه فلذا وصف أصحابه بالرجولية.
الواو: في (والوعد) للحال، يسود: يجوز، والمساغ: مصدر ساغ أي تجوز بعض التجويز وهذه جملة حالية من التاء في (فشرعت) من غير ضمير راجع إليه منها كما في قولك: أتيتك والجيش قادم، يعني: لما شرعت في شرح البداية الذي هو موسوم بكفاية المنتهي بسبب وعد جرى على حال شروعي في تصنيف البداية، وقد اعترض عليَّ حالتان متنافيتان: حالة إرادة الشروع وحالة انحطاط رتبتي والوعد يقتضي الإنجاز لما أن الخلف في الوعد من علامات النفاق كما ورد في الحديث، والانحطاط يقتضي الإعراض عن التصنيف
стр. 27
بِالنَّوَاجِدِ، وَقَدْ جَرَى عَلَى الْوَعْدِ فِي مَبْدَا بِدَايَةِ الْمُبْتَدِي أَنْ أَشْرَحَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى شَرْحًا أَرْسُمُهُ بِكِفَايَةِ الْمُنْتَهِي، فَشَرَعْت فِيهِ وَالْوَعْدُ يُسَوِّغُ بَعْضَ الْمَسَاءِ، وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِي عَنْهُ اتِّكَاءَ الْفَرَاغِ، تَبَيَّنْتُ فِيهِ نُبَدًا مِنَ الْإِطْنَابِ وَخَشِيت أَنْ يُهْجَرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابُ، فَصَرَفْت الْعِنَانَ وَالْعِنَايَةَ إِلَى شَرْحِ آخَرِ مَوْسُومِ بِالْهِدَايَةِ، أَجْمَعُ فِيهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ عُيُونِ الرِّوَايَةِ وَمُتُونِ الدِّرَايَةِ، تَارِكًا لِلزَّوَائِدِ فِي كُلِّ بَابٍ، مُعْرِضًا عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْإِسْهَابِ، مَعَ مَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا
والأصل في المتعارضين العمل بهما بقدر الإمكان وفي القول ببعض التجويز عمل بهما بقدر الإمكان.
(أتكي عنه): أي عن الشرح، وعدى للاتكاء بعن وإن كان هو تعدي بعلى لتضمين معنى الفراغ.
(تبينت): علمت. و (النبذ): الشيء اليسير القليل، يقال: في رأسه نبذ من شيب، أي قليل.
(الإطناب): الإطالة، و (الصرف) الرد ومنه صرف عنان الدابة وعنى بالعنان العلم وبالعناية القلب. وقيل: الظاهر والباطن.
(موسوم): أي مسمى، عين الشيء خياره ومتن الشيء بالضم متانة فهو متين صلب ومتن الشيء قوته، ومنه يسمى الظهر متناً لأن بالظهر قوام البدن وقوته وعنى بالمتون الأصول والنكات اللطيفة.
وقوله: (مع ما أنه يشتمل) إلى آخره دفع لوهم من يهم أنه لما ترك الزوائد في كل باب وأعرض عن الإطناب لعله لم يأت بأصول ذات فوائد فقال: مع كونه كذلك مشتمل على كذا، والمراد بالفصول الفروع مثاله: ما قال في مسألة المحاذات: (ومن شرط المحاذات أن تكون الصلاة مشتركة، وأن تكون مطلقة، وأن تكون المرأة من أهل الشهوة وأن لا يكون بينهما حائل) (١)، ففي كل قيد فائدة كما يجيء.
стр. 28
فُصُولٌ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِثْمَامِهَا، وَيَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ اخْتِتَامِهَا، حَتَّى إِنَّ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ إِلَى مَزِيدِ الْوُقُوفِ يَرْغَبُ فِي الْأَطْوَلِ وَالْأَكْبَرِ، وَمَنْ أَعْجَلَهُ الْوَقْتُ عَنْهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَقْصَرِ وَالْأَصْغَرِ. وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ وَالْفَنُّ خَيْرٌ كُلُّه.
ثُمَّ سَأَلَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي أَنْ أَمْلِيَ عَلَيْهِم الْمَجْمُوعَ الثَّانِيَ، فَافْتَتَحْتُهُ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيرِ مَا أُقَاوِلُهُ مُتَضَرِّعًا إِلَيْهِ فِي التَّيْسِيرِ لِمَا أُحَاوِلُهُ، إِنَّهُ الْمُيَسِّرُ لِكُلِّ
وما قال في البيوع: كل شرط يخالف مقتضى العقد وفيه نفع لأحد المتعاقدين أو للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق ويفسد البيع وإلا فلا.
ففي كل قيد فائدة وأمثالهما كثيرة يُعثر عليه في هذا الكتاب وفي بعض النسخ.
إتمامهما واختتامهما والتثنية راجعة إلى الشرحين.
(سمت): علت. والمزيد مصدر كالزيادة، أعجله الوقت هذا إسناد مجازي
كقوله: قيام الليل وصيام النهار، والشعر لأبي فراس أوله:
علي لربع العامرية وقفة لتملني … علي الشوق والدمع كاتب
ومن عادتي حبُّ الديار لأهلِها … وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ
أسكنت الياء في (لتملي) لضرورة الشعر.
(التحرير): تهذيب الكلام وتلخيصه.
(أقاوله): القول وفيها زيادة مقاساة ليس في القول لأنها من باب المفاعلة ويدل على المبالغة.
والمباراة والمجاورة: طلب الشيء بحيلة. ومنه الحديث: «اللهم بك أحاول» (١)، يروى أنه ﵇ يقول هذا الدعاء عند لقاء العدو، أي: بنصرتك وتوفيقك ادفع عني كَيْدَ العدوّ وأطلب الوثوق عليهم، إنك جدير حقيق.
стр. 29
عَسِيرٍ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
ثم اعلم أن الفقه لغة: الفهم (١)، قال تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا﴾ [هود: ٩١].
واصطلاحاً: هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية، فخرج العلم بالذوات والصفات والأفعال والأحكام العقلية والشرعية الأصولية ككون الإجماع أو القياس حجة وعلم الله تعالى ورسوله بأحكام الأفعال وعلمنا بوجوب الصلاة وغيرها واعتقاد المستفتي (٢).
وعن أبي حنيفة ﵀: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها (٣). ويراد عملاً لتخرج الاعتقادات والوحدانيات فيخرج الكلام والتصوف وتمامه يُعرف في الأصول.
стр. 30
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الطَّهَارَاتِ
[كِتَابُ الطَّهَارَاتِ]
الكتاب من كتب إذا جمع وأراد هنا المكتوب مجازاً.
والطهارة لغة: النظافة. وشرعاً: نظافة الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس.
ويجوز جمع المصدر وتثنيته إذا كان في آخره تاء التأنيث، وهناك تاء التأنيث للمرة، ولأن المصدر يُؤَوّل بالحاصل به فيجمع كالبيوع والعلوم، وإنما لقبه بالكتاب دون الباب لما فيه من أنواع الطهارة، وإنما لم يقل كتاب الطهارة كما قال كتاب الصلاة أو الصوم أو الحج؛ لاختلاف أنواع الطهارة حقيقة من الطهارة الصغرى أو الكبرى وعن الحدث والجنابة والبدن والثوب والحيض والنفاس بالماء والتراب.
وصلاة الجنازة ليست بصلاة حقيقية حتى لو حلف لا يصلي فصلى على جنازة لم يحنث لما عُرف في الجامع أن الصلاة عبارة عن القيام والقراءة والركوع والسجود، وأما مواضع الضرورة كصلاة الأمِّي والمومئ فمستثناة عن القواعد، وإنما بدأ بالآية وإن كان من حق الدليل أن يؤخر عن المدلول تبرّكاً وإيذانًا بأن الوضوء من الأحكام المنقولة دون المعقولة لما فيه من غسل الظاهر حقيقةً دون مخرج النجس أو تمهيد للأصل وتبينا له لما أن الأصل في الأحكام الأصول الثلاثة، والفرع بعد ثبوت الأصل طبعًا ووضعا، ولهذا ذكر محمد في الجامع الكبير الأصل في كل باب ثم فرع عليه المسائل.
واعلم أن العاقل خلق لاكتساب السعادات الأبدية وذلك بالعلم والعمل والعلم أهمهما لاستقلاله في إفادة السعادة في بعض الأحوال.
стр. 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم العلوم قسمان: ما يتعلق بالإلهيات، وهي غنية عن التعليم لإدراك علمه بالعقل، وما يتعلق بالشرعيات فإنه معلوم بلسان صاحب الشرع، محتاج إلى التدريس والتفهيم، ثم الشرعيات عيادات وغيرها كالمعاملات والجنايات وعلوم العبادات أهمها لأنها معظم المقصود من بعثة الأنبياء والرسل، ولأنها هي الغرض من فطرة الثقلين، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ثم العبادات أنواع: منها ما يجب في العمر مرة كالحج، ومنها ما يجب في السنة مرة كالزكاة والصوم، ومنها ما يجب في كل يوم خمس مرات كالصلاة فكانت أهمها ولأنها أقوى أركان الدين بعد الإيمان، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٥]، وقال ﵇: «الصلاة عماد الدين» (١). وقال ﵇: «الصلاة تالية للإيمان» وهي من أعلا معالم الدين، ما خلت شريعة منها، قال شمس الأئمة ناقلا عن أستاذه شمس الأئمة الحلواني يقول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]؛ لأني ذكرتها في كل كتاب منزل على نبي، ولهذا صرف جمهور العلماء أولا وآخرا عنايتهم إلى تدوين الفقه وتقديم العبادات على سائر العبادات وتقديم الصلاة على سائر العبادات، ثم للصلاة أركان وشروط مقدم طبعا فكذا وضعا.
وخص الطهارة بالبداية دون سائر الشروط لأنها أهم وألزم ولا تسقط بعذر من الأعذار بخلاف الباقي، وقد استقصى الله تعالى في بيانها ما لم يستقص في بيان غيرها من الشروط وثبت فريضتها بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فما تلا من الآية، وأما السنة فما روي أنه ﵇ قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل … وجهه ثم يغسل
стр. 32
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية.
ذراعيه ثم يمسح برأسِهِ ثم يغسِلُ رِجليهِ» (١)، وبالإجماع وهو ظاهر.
قيل: في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٦] صنعة الألقاب لأن آمنوا مغايبة وقمتم مخاطبة وهذا ليس صحيحاً لأنّ (آمنوا) صلة الدين والموصولات غيب فالضمير الراجع من الصلة إليه لا يكون إلا غائباً. ثم إنه وقع صفة لأي وهو يوصف بما فيه اللام كقولك: يا أيها الرجل، وهو في حكم الخطاب لأنه منادى فيوجب أن يكون ما بعده خطاباً فكان قوله قمتم بالخطاب واقعاً في محله، ومخرجاً على مقتضى ظاهره، فلا يكون من الالتفات، إليه أشير في عامة الشروح؛ وفي بعض الشروح اختلاف الضمير في آمَنُوا وقُمْتُمْ من باب الالتفات لا من حق المنادى يكون مخاطبا أن يعبر عنه بالضمير فيقول: يا إياك ويا أنت، إذ مقتضى الحال فيه أن يعبر عنه بضميره، لكن لما كان النداء لمطلب الإقبال ليخاطب بعده بالمقصود، والمنادى ذاهل عن كونه مخاطبًا نزل منزلة الغائب فعبر عنه بالمظهر الذي هو للغائب ليكون أقصى لحق البيان، فقيل: يا زيد ثم عدل عنه إلى الخطاب بعد تمام الاستحضار. فقيل: أنت كريم قضاء لمقتضى الحال، فقوله: أي بمنزلة (يا زيد) غير أنه مبهم يحتاج إلى التوضيح بالوصف فوصف بالدين وهو موصول لابد له من صلة وعائد على وفقه في الغيبة فجيئ بضمير الغائب في آمَنُوا ثم لما تم النداء واستحضر المنادى أتى بضمير المخاطب بقوله: ﴿قُمْتُمْ﴾.
قال شيخي ﵀: لا يصح أن يكون التفاتاً بهذا الوجه أيضاً لأنه من إخراج أقسام الكلام لا على مقتضى الظاهر فلابد له من ظاهر لو لم يلتفت
стр. 33
(فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ الأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ) بِهَذَا النَّصُ، وَالغَسْلُ
لأمكن إخراجه على مقتضاه كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] فإنه لولاه لقيل: إياه نعبد لاقتضى الظاهر ذلك.
وهاهنا ليس للكلام ظاهر يقتضي خلاف ما ذكر إذ لم يصح لغة أن يقال: يا إياك، أو يا أنت افعل كذا، بل طريقه ليس إلا إيراد المظهر وبناء الخطاب عليه، فلم يكن من الالتفات.
ثم (إذا) للوقت ولازم الظرفية بخلاف الوقت وفيها معنى الشرط فلذا دخل الفاء في جوابه، قال العلامة الكردري: ذكر في الوضوء بكلمة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، وفي الجنابة بكلمة: (إن)، في قوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا﴾ [المائدة: ٦] لأن (إذا) تدخل على أمر كائن أو منتظر لا محالة كقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُورَتْ﴾ [التكوير: ١] و (إن) تدخل على معدوم على حظر الوجود، والقيام إلى الصلاة من الأمور اللازمة بالنظر إلى إسلامه، وأما الجنابة من الأمور العارضة بالنظر إليه.
وقيل: إنما قال: (آمنوا) دون (آمنتم) ليدخل تحته كل من آمن إلى يوم القيامة، و (آمنتم) يختص بمن في عصر النبي ﷺ .
وقيل: (آمنوا) خطاب أيضاً لأنه منادى ودخل الغائبون تحته بالدلالة أو للإجماع لا بالقياس.
والمراد بـ (قمتم) أردتم القيام تسمية لاسم المسبب على السبب كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] أي: أردت قراءته فاستعذ، وكقول محمد ﵀ في الجامع: إذا صلى الرجل إي: أراد الصلاة. وكقول الناس: إذا دخلت على الأمير فتزين، أي: أردت الدخول.
وفي الكشاف: معنى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى﴾ قصدتموها، يقال: قام إلى كذا، أي: قصده (١)، ثم ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وعليه أهل الظاهر وداود الأصبهاني (٢)، لأنه ﵇ والخلفاء الراشدين توضؤوا
стр. 34
هُوَ الإِسَالَةُ، وَالمَسْحُ هُوَ الإِصَابَةُ. وَحَدُّ الوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إِلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ
عند كل صلاة.
قلنا: هذا خطاب للمحدثين رواه أبو بريدة عن النبي ﷺ ، وعن ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وعبيدة وأبي موسى وجابر وابن المسيب وإبراهيم والضحاك والحسن والسدي مثله، وعليه إجماع التابعين والفقهاء لما روي أنه ﵇ صلى الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، فقال عمر: رأيتك يوماً تفعل شيئاً لم تكن تفعله من قبل، فقال: «عَمْدًا فَعَلْتُ يَا عُمَرُ كَيْ لَا تُحْرَجُوا» (١). ولقوله ﵇: «لَا وُضُوءَ إِلَّا عَنْ حَدَثٍ» (٢).
وقوى مذهبهم أن من جلس يتوضأ ثم قام إلى الصلاة يلزمه وضوءاً آخر فلا يزال كذلك مشغولاً بالوضوء لا يتفرغ للصلاة وفساده ظاهر، كذا في المبسوط (٣).
فإن قيل: هذه زيادة على الكتاب بخبر الواحد؟
قلنا: من ظاهره يلزم الحرج على ما ذكرنا، وقد نفاه الشارع بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وحججه لا تتناقض فكانت الزيادة بذلك النص وخبر الواحد موافقاً له، أو نقول: اشتراط الحدث لوجوب الوضوء بدلالة النص وصيغته مذكور في أصول فخر الإسلام في باب بيان المقالة الثانية.
وقد ذكرنا الوجوه والإيجاب فيه في شرحه في بيان الوصول وما تعلق به أهل الظاهر من وضوء النبي ﷺ والخلفاء عند كل صلاة محمول على الندب لما رويناه.
وقيل: ذكر الحدث في الجنابة بقوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا﴾ ولم يذكره في
стр. 35
وَإِلَى شَحْمَتَي الأُذُنِ؛ لِأَنَّ المُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، وَهُوَ مُشْتَقٌ مِنهَا … ... ..
الوضوء، ولم يقل: وإن كنتم محدثون ليعلم أن الوضوء بطريقين: فرض وسنة، إذ الوضوء عند كل صلاة سنة.
أما الغسل عن الجنابة ليست بسنة بل فرض دائماً (١)، قال الكاثي: فيه نظر؛ لأن قولهم: وسَنَّ رسول الله ﷺ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ (٢) … إلى آخره يهدم ما ذكره، وفي نظره نوع تأمل.
ثم ذكر المرافق في الآية بلفظ الجمع والكعبين بلفظ التثنية؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد استعمالاً وعرفاً كما يقال: ركب القوم دوابهم، ولكل يد مرفق واحد فصحت المقابلة.
ولو قيل: إلى الكعاب فهم منه أن الواجب بإزاء كل رجل كعب واحد فذكر بلفظ التثنية ليتناول الكعبين.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجب على كل مكلف غسل يد ورجل واحد بقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لأن فيه المقابلة أيضاً.
قلنا: يجوز أن تثبت غسل اليد الأخرى بدلالة النص ويجوز أن يكون الجمع مقابلا بالفرد كما قال زُفر، وأن تكون المقابلة تقتضي الانقسام كما قلنا، فقلنا بوجوب غسلهما احتياطاً.
أو نقول: الأصل ما ذكرنا لكن تخلف الحكم عنه بدليل خارجي وهو فعله ﵊ والإجماع، وتخلف الحكم عنه في صورة بدليل لا يمنع التمسك به كذا في [الخبازية] (٣).
وقيل: في الآية صنعة المطابقة فإن قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ جمع الكثرة ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ جمع القلة و ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [جمع] (٤) الكثرة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ جمع القلة.
стр. 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] وفي نظائره كثرة.
وقوله: [الآية] (١) بإعراب ثلاثة وتأويلها: اقرأ الآية أو أتمها، والآية إلى آخرها وإلى آخر الآية.
والفاء في ففرض في التفسير كما في آية التيمم بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] لأن التيمم مجمل وهاهنا الأمر يحتمل الوجوب والندب ففسره بالوجوب.
وقيل: الفاء لبيان النتيجة.
والفرض لغة: التقدير والقطع.
وشرعاً: حكم مقدر لا يحتمل [الزيادة] (٢) والنقصان، ثبت بدليل لا شبهة فيه وهو بمعنى المفروض هاهنا، والإضافة بمعنى في أي فروض في الطهارة فيكون للبيان، ثم قيد به الأعضاء الثلاثة وهي أكثر منها حقيقة كاليد مثلا فإنها تشمل على أعضاء كثيرة إلا أن الأشياء الكثيرة إذا دخلت تحت خطاب واحد يجعل كالشيء الواحد كما قال تعالى لرسوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] ومعلوم أن الرسول بلغ البعض قبل ورود الآية، وقد خاطبه في قوله: ﴿فَمَا بَلَغْتَ﴾ أي: لو تركت جزءًا مما أنزل إليك فكأنك لم تبلغ، فإذا أدخل النقص في بعضه فكأنه لم يفعل ذلك الأمر أصلا، كذا نقل عن العلامة الكردري، وعلى هذا الأصل قال محمد ﵀ في الزيادات الجمع بين غسل القدم والمسح لا يجوز لأن الرجلين في حكم وجوب الغسل كعضو واحد لأنه تعالى جمعهما في الأمر بالغسل، فعلى هذا ينبغي أن يجوز نقل البلة من يد إلى الأخرى، ورجل إلى رجل أخرى كما في الغسل يجوز لأن البدن في حكم شيء واحد لدخوله تحت خطاب واحد وهو قوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ لكن لا يجوز نقل البلة من يد أو رجل إلى أخرى؛ لأن
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليدين والرجلين شيئان حقيقةً، وشيء واحد حكمًا، فعلمنا بالشبه الأول في النقل، وبالشبه الثاني فيما ذكرنا، ولم نعمل على العكس بدلالة العادة فإنها جارية في نقل البلة في الغسل دون الوضوء، كذا قيل (١).
وقيل: في حكمة غسل هذه الأعضاء وجوه:
أحدها: أنه تعالى أمرهم بالقيام إلى الصلاة وهي مقام المناجاة ومحل القرب، فأمرهم بتطهير هذه الأعضاء الرئيسية.
والثاني: أنه تعالى أمر بغسلها تكفيرًا لما ارتكبوا بها من الأجرام لما أن ارتكاب الأجرام باليد والرجل والرأس محل الحواس الخمس، وقد ورد في الخبر أن الوضوء مكفر.
والثالث: أن العبد إذا شرع في الخدمة يجب أن يجدد نظافة، وأيسرها تنقية الأعضاء التي تنكشف كثيراً ليحصل بها نظافة القلب؛ إذ تنظيف الظاهر يوجب تنظيف الباطن كما ورد في الخبر: «مَنْ أَصْلَحَ بَرَّانِيَّه … » (٢) الحديث.
والرابع: إن هذه الأعضاء وسائل إلى استيفاء النعمة العظمى إذ باليد يحصل القبض والتناول، وبالرجل المشي والوصول إلى المقصود، والوجه والرأس محلّان لجميع الحواس وبها يعرف عظم نعمه تعالى، وأمر بغسل هذه الأعضاء شكرا لما يتوسل بها إلى النعم. ثم وظيفة الرجلين الغسيل عند عامة أهل القبلة، وعند الروافض المسح على ظاهر القدم والأصابع إلى الكعبين، والغسل غير جائز لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ لأنه قرئ بقراءتين، فقرأ نافع وابن عامر، والكسائي، وحفص، وأبو بكر، والمفضل، والأعشى
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالنصب، والباقون بالجر (١)، فالجر يدل على أنه معطوف على الرأس وهو ممسوح، وكذا النصب لعطفه على محل الرأس ومحله النصب والجر لدخول حرف الجر فيه، كما في قول الشاعر:
مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ … فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولا الحَديدا (٢)
وهذا أولى من عطفه على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ لعدم الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه ولا اعتماد على الأحاديث المروية في غسل الرجلين لأنها أحاد فلا يترك ظاهر الكتاب بها، وللعامة الأخبار المتواترة في غسل النبي والصحابة أرجلهم ومداومتهم على ذلك وما نقل من المسح لم يثبت إلا شاذًا بجهات ضعيفة فلا يعارض الأخبار المتواترة.
فإن قيل: يجوز الغسل بالأخبار والمسح أفضل لظاهر الكتاب.
قلنا: ذلك يؤدي إلى أنه ﵇ داوم على ترك الأفضل وذلك لا يجوز.
فإن قيل: كلاهما يجوز والغسل أفضل لما فيه جمع بين الأمرين إذ الغسل مستلزم للمسح.
قلنا: لا وجه له؛ لأن العضو الذي فرض مسحه لا يكون غسله أفضل، وفيه تأمل، ولأن قراءة النصب تدل على أنها معطوفة على الأيدي لفظاً ومعنى، وهو أولى من جعلها معطوفة على المحل لأنه بمنزلة المجاز.
وفيه عمل بالنص من كل وجه أيضاً. فإن المسح بعض الغسل فكان الحمل
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه أولى، ولأن التطهير هو المقصود من الوضوء لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦] والغسل هو المطهر حقيقة وحكماً فكان العمل به أولى.
وفي الإيضاح: العطف على المحل إنما يجوز عند عدم الالتباس كما في الشعر المذكور، فأما عند الالتباس فلا (١). فلو قلت: مررت بزيد وبكراً يجوز لأن بزيد منصوب محلاً. ولو قلت: [ضربت زيداً] (٢)، ومررت بعمرو وبكراً، وأردت عطفه على الثاني محلاً لا يجوز؛ لأنه يلتبس أنه مضروب أو ممرور به، وفيما نحن فيه كذلك فيكون معطوفاً على الأيدي إلا أنها انجرّت بالجوار كما في قولهم: (جُحرُ ضَبِّ خرب) و (ماء شَرٌّ بارد) وكما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] فإن المشركين عطف على الذين كفروا عند أهل الكوفة وانجرّ بالجوار. وكما في قول زهير:
لَعِبَ الرِّيَاحُ بها وبِغَيرهَا … بَعْدِي سَوَافِي المُور والقَطْرِ (٣)
فإن القطر انجر بالجوار مع أنه معطوف على السوافي، ولئن سلمنا أنه معطوف محلا فذلك دليلنا أيضاً فإن سيبويه ومتابعيه من محققي أهل النحو قالوا أنها معطوفة على الرؤوس على القراءتين، أما قراءة الجر فظاهر، وأما قراءة النصب فمعطوف على المحل (٤).
والمسح يتعدى بنفسه باعتبار المعنى والعطف على المحل من الفصاحة إلا أنه أريد بالمسح الغسل في حق الرجل للمشاكلة وهي أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠]. وكقول الشاعر (٥):
اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ … فقُلْتُ اطبخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وللتقارب بين الفعلين إذ كل منهما إمساس العضو بالماء ولا يلزم منه الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لأن الغسل أزيد بالمسح المقدر والدال عليه الواو في قوله وأرجلكم، ويجوز أن يكون: وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم فإن الشيء قد يعطف على الشيء وإن اختلف معناهما كقول الشاعر (١):
عَلَفْتُها تِبْنَا وَمَاءَ بِارِدًا
أي: سقيتها ماء باردًا إذ الماء لا يعلف، فلما احتملت قراءة النصب العطف على ما تقدم وهو ما لا يحتمل إلا الغسل واحتملت العطف على الرؤوس وهو يحتمل الغسل بوجهين، والمسح بوجه واحد وجب الحمل على