. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] وفي نظائره كثرة.
وقوله: [الآية] (١) بإعراب ثلاثة وتأويلها: اقرأ الآية أو أتمها، والآية إلى آخرها وإلى آخر الآية.
والفاء في ففرض في التفسير كما في آية التيمم بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] لأن التيمم مجمل وهاهنا الأمر يحتمل الوجوب والندب ففسره بالوجوب.
وقيل: الفاء لبيان النتيجة.
والفرض لغة: التقدير والقطع.
وشرعاً: حكم مقدر لا يحتمل [الزيادة] (٢) والنقصان، ثبت بدليل لا شبهة فيه وهو بمعنى المفروض هاهنا، والإضافة بمعنى في أي فروض في الطهارة فيكون للبيان، ثم قيد به الأعضاء الثلاثة وهي أكثر منها حقيقة كاليد مثلا فإنها تشمل على أعضاء كثيرة إلا أن الأشياء الكثيرة إذا دخلت تحت خطاب واحد يجعل كالشيء الواحد كما قال تعالى لرسوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] ومعلوم أن الرسول بلغ البعض قبل ورود الآية، وقد خاطبه في قوله: ﴿فَمَا بَلَغْتَ﴾ أي: لو تركت جزءًا مما أنزل إليك فكأنك لم تبلغ، فإذا أدخل النقص في بعضه فكأنه لم يفعل ذلك الأمر أصلا، كذا نقل عن العلامة الكردري، وعلى هذا الأصل قال محمد ﵀ في الزيادات الجمع بين غسل القدم والمسح لا يجوز لأن الرجلين في حكم وجوب الغسل كعضو واحد لأنه تعالى جمعهما في الأمر بالغسل، فعلى هذا ينبغي أن يجوز نقل البلة من يد إلى الأخرى، ورجل إلى رجل أخرى كما في الغسل يجوز لأن البدن في حكم شيء واحد لدخوله تحت خطاب واحد وهو قوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ لكن لا يجوز نقل البلة من يد أو رجل إلى أخرى؛ لأن
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليدين والرجلين شيئان حقيقةً، وشيء واحد حكمًا، فعلمنا بالشبه الأول في النقل، وبالشبه الثاني فيما ذكرنا، ولم نعمل على العكس بدلالة العادة فإنها جارية في نقل البلة في الغسل دون الوضوء، كذا قيل (١).
وقيل: في حكمة غسل هذه الأعضاء وجوه:
أحدها: أنه تعالى أمرهم بالقيام إلى الصلاة وهي مقام المناجاة ومحل القرب، فأمرهم بتطهير هذه الأعضاء الرئيسية.
والثاني: أنه تعالى أمر بغسلها تكفيرًا لما ارتكبوا بها من الأجرام لما أن ارتكاب الأجرام باليد والرجل والرأس محل الحواس الخمس، وقد ورد في الخبر أن الوضوء مكفر.
والثالث: أن العبد إذا شرع في الخدمة يجب أن يجدد نظافة، وأيسرها تنقية الأعضاء التي تنكشف كثيراً ليحصل بها نظافة القلب؛ إذ تنظيف الظاهر يوجب تنظيف الباطن كما ورد في الخبر: «مَنْ أَصْلَحَ بَرَّانِيَّه … » (٢) الحديث.
والرابع: إن هذه الأعضاء وسائل إلى استيفاء النعمة العظمى إذ باليد يحصل القبض والتناول، وبالرجل المشي والوصول إلى المقصود، والوجه والرأس محلّان لجميع الحواس وبها يعرف عظم نعمه تعالى، وأمر بغسل هذه الأعضاء شكرا لما يتوسل بها إلى النعم. ثم وظيفة الرجلين الغسيل عند عامة أهل القبلة، وعند الروافض المسح على ظاهر القدم والأصابع إلى الكعبين، والغسل غير جائز لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ لأنه قرئ بقراءتين، فقرأ نافع وابن عامر، والكسائي، وحفص، وأبو بكر، والمفضل، والأعشى
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالنصب، والباقون بالجر (١)، فالجر يدل على أنه معطوف على الرأس وهو ممسوح، وكذا النصب لعطفه على محل الرأس ومحله النصب والجر لدخول حرف الجر فيه، كما في قول الشاعر:
مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ … فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولا الحَديدا (٢)
وهذا أولى من عطفه على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ لعدم الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه ولا اعتماد على الأحاديث المروية في غسل الرجلين لأنها أحاد فلا يترك ظاهر الكتاب بها، وللعامة الأخبار المتواترة في غسل النبي والصحابة أرجلهم ومداومتهم على ذلك وما نقل من المسح لم يثبت إلا شاذًا بجهات ضعيفة فلا يعارض الأخبار المتواترة.
فإن قيل: يجوز الغسل بالأخبار والمسح أفضل لظاهر الكتاب.
قلنا: ذلك يؤدي إلى أنه ﵇ داوم على ترك الأفضل وذلك لا يجوز.
فإن قيل: كلاهما يجوز والغسل أفضل لما فيه جمع بين الأمرين إذ الغسل مستلزم للمسح.
قلنا: لا وجه له؛ لأن العضو الذي فرض مسحه لا يكون غسله أفضل، وفيه تأمل، ولأن قراءة النصب تدل على أنها معطوفة على الأيدي لفظاً ومعنى، وهو أولى من جعلها معطوفة على المحل لأنه بمنزلة المجاز.
وفيه عمل بالنص من كل وجه أيضاً. فإن المسح بعض الغسل فكان الحمل
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه أولى، ولأن التطهير هو المقصود من الوضوء لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦] والغسل هو المطهر حقيقة وحكماً فكان العمل به أولى.
وفي الإيضاح: العطف على المحل إنما يجوز عند عدم الالتباس كما في الشعر المذكور، فأما عند الالتباس فلا (١). فلو قلت: مررت بزيد وبكراً يجوز لأن بزيد منصوب محلاً. ولو قلت: [ضربت زيداً] (٢)، ومررت بعمرو وبكراً، وأردت عطفه على الثاني محلاً لا يجوز؛ لأنه يلتبس أنه مضروب أو ممرور به، وفيما نحن فيه كذلك فيكون معطوفاً على الأيدي إلا أنها انجرّت بالجوار كما في قولهم: (جُحرُ ضَبِّ خرب) و (ماء شَرٌّ بارد) وكما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] فإن المشركين عطف على الذين كفروا عند أهل الكوفة وانجرّ بالجوار. وكما في قول زهير:
لَعِبَ الرِّيَاحُ بها وبِغَيرهَا … بَعْدِي سَوَافِي المُور والقَطْرِ (٣)
فإن القطر انجر بالجوار مع أنه معطوف على السوافي، ولئن سلمنا أنه معطوف محلا فذلك دليلنا أيضاً فإن سيبويه ومتابعيه من محققي أهل النحو قالوا أنها معطوفة على الرؤوس على القراءتين، أما قراءة الجر فظاهر، وأما قراءة النصب فمعطوف على المحل (٤).
والمسح يتعدى بنفسه باعتبار المعنى والعطف على المحل من الفصاحة إلا أنه أريد بالمسح الغسل في حق الرجل للمشاكلة وهي أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠]. وكقول الشاعر (٥):
اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ … فقُلْتُ اطبخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وللتقارب بين الفعلين إذ كل منهما إمساس العضو بالماء ولا يلزم منه الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لأن الغسل أزيد بالمسح المقدر والدال عليه الواو في قوله وأرجلكم، ويجوز أن يكون: وامسحوا رؤوسكم، واغسلوا أرجلكم فإن الشيء قد يعطف على الشيء وإن اختلف معناهما كقول الشاعر (١):
عَلَفْتُها تِبْنَا وَمَاءَ بِارِدًا
أي: سقيتها ماء باردًا إذ الماء لا يعلف، فلما احتملت قراءة النصب العطف على ما تقدم وهو ما لا يحتمل إلا الغسل واحتملت العطف على الرؤوس وهو يحتمل الغسل بوجهين، والمسح بوجه واحد وجب الحمل على
стр. 41
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغسل بدليل أنه غيًا الواجب إلى الكعبين والمسح غير مغيّا بالإجماع لكن هذا الإجماع ممنوع عندهم لما نقلنا من مذهبهم. والقراءة بالجر لما احتملت الغسل والمسح وجب حملها على الغسل أيضًا دفعًا للاختلاف بين القراءة، وجمعا بين الأدلة من الكتاب والسنة المتواترة وموافقةً للجماعة وتحصيلا للطهارة وفيه خروج عن عهدة التكليف بيقين لأن في الغسل يوجد المسح.
وفائدة إقامة المسح مقام الغسل التحرز عن الأمر المكروه وهو للإسراف فإن الرجل مظنة الإسراف عادة فعطف على الممسوح لا ليمسح بل ليبنيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء.
وفائدة إدخال الممسوح بين المغسولات مع أن المناسبة تقتضي ذكر المغسولات ثم الممسوح أو على العكس للإشارة إلى افتراض هذه الهيئة أو ابتدائها ولولا ذلك لترك الكتاب على الترتيب الفطري وهو التنازل من الرأس إلى الرجل والتصاعد منها إليه لأنه ألصق بالطبائع.
وفي الكشاف: للرجل حالتان مكشوفة ومستورة بالخف فيغسل المكشوفة ويمسح المستورة عملا بالدليلين وهذا ضعيف؛ لأن المسح غير مغيًّا (١).
وفي شرح المجمع: وفيه نظر؛ لأن الماسح على الخف لا يكون ماسحاً على الرجل حقيقة ولا شرعاً أما حقيقة فظاهر، وأما شرعاً فلأن الخف جعل مانعاً سراية الحدث إلى القدم فتبقي القدم على طهارتها وما حل بالخف يزيله المسح، فعلى هذا لا يكون مسحاً على الرجل لكونها طاهرة، والمشهور حمل قراءة الجر على الجواز في الإعراب مع اختلاف الحكم (٢).
وقد جعل النحاة للجواز باباً وأصلوه بقولهم: (جحر ضب خرب) حتى اختلفوا في جواز إجزاء التثنية والجمع بالجواز فأجازه جماعة من الحذاق قياساً على المفرد ولو كان لا وجه له في القياس لاقتصروا على المسموع.
стр. 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعن الشعبي: نزل القرآن بالمسح فيه والغسل سنة، وعن الحسن البصري أنه جمع بينهما، وعنه وعن محمد بن جرير الطبري التخيّر بينهما، وعن داود وجوب الجمع احتياطاً بهذا النص أي ثبتت فرضية الطهارة أو المسح بهذا النص وإنما قال ذلك لئلا يتوهم أن فرضية المسح بالحديث، وإنما فسر المسح والغسل لأن الفاء في (ففرض) للتفسير، وفي الآية ذكرهما أي فسرهما تتميماً للبيان أو فيه إشارة إلى رد قول الشافعي حيث شرط في المسح التثليث بمياه مختلفة.
وأما قول المشايخ: (جهادا يدام اشستن) بطريق التغليب أو لأن الأصل في الرأس الغسل والمسح للضرورة، وفي المبسوط عن أبي حنيفة لو سال الماء على الأعضاء بلا تقاطر يجزؤه لأن الإسالة تحصل به وإن لم يتقاطر، وقال: لا يصح الغسل إلا أن يسيل الماء إلى حد التقاطر لأن الماء قبله إما إصابة أو متردد بين الإصابة والإسالة فلا يحصل اليقين بالغسل. وقصاص الشعر بفتح القاف وضمها منتهاه وغايته كذا في الديوان مشتق منها أي من المواجهة.
فإن قيل: الثلاثي لا يشتق من المنشعبة لتقدم رتبة الثلاثي؟
قلنا: أراد بالاشتقاق انتظام صيغتين فصاعدا معنى واحداً مع أنه ذكر في " الفائق " و " الكشاف" اشتقاق الثلاثي من المنشعبة، فقال: الدُّبْرُ النحل مشتق من التدبير لأن أمره على النيقة.
وفي " الكشاف": الميم من التيمم لأن الناس يقصدونه للاستقاء (١)، وإنما ذكر الاشتقاق ولإيضاح معناه لا أن المنشعبة أصل له.
ثم العين غير داخل في غسل الوجه لما في إيصال الماء إليها حرج لأنه شحم لا يقبل الماء ومن تكلف من الصحابة فيه كف بصره في آخر عمره كابن عباس وابن عمر، كذا في المبسوط (٢).
والبياض الذي بين العذار والأذن لا يجب غسله بعد النبات عند أبي
стр. 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يوسف لأن المواجهة لا تقع به بعد النبات (١)، وعند مالك لا يجب غسله قبل النبات أيضاً لأن حد الوجه بالعذار غالباً (٢). وعند أبي حنيفة ومحمد، والشافعي (٣)، وأحمد (٤) يجب غسله لدخوله تحت النص كما يجب قبل النبات.
وما تحت العذار سقط غسله للحائل وكذا ما استتر من الوجه لشعر اللحية، وعند الزهري الأذنان من الوجه لأنه قد تقع المواجهة إليهما فيجب غسلهما احتياطاً، وهذا غير قوي لأنه ﵇ والصحابة مسحوا عليهما.
ثم إن كانت اللحية كثة لا يجب إيصال الماء إلى ما تحته من البشرة بالإجماع للحرج، وهل يجب إفاضة الماء على اللحية، قال الشافعي: يجب لأن المواجهة تقع بها (٥)، وعند أبي حنيفة لا يجب، ويجب مسح المجاور لمحل الفرض لأن محل الفرض لما استتر بها تحول الفرض إليه فيمسح كما في الرأس للحرج، وهو رواية عن أبي يوسف.
وفي رواية عن أبي حنيفة: يجب مسح ربعه كما في الرأس، وعن أبي يوسف: لا يتعلق بشعر اللحية شيء، وهو رواية شاذة عن أبي حنيفة؛ لأن فرض الغسل سقط عن الشعر للحرج فلا يجب مسحه لأن فيه جمعاً بين المسح والغسل في عضو واحد، ولا يلزم عليه مسح الجبيرة لأنها كالغسل لما تحتها للضرورة.
وفي المحيط: يجب غسل ربعه أو ثلثه (٦). وأشار محمد في الأصل إلى أن غسل كله يجب (٧)، وهو الأصح، وفي الفتاوى الظهيرية: وعليه الفتوى لأنه قام
стр. 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مقام البشرة فتحول الغرض إليه كما في شعر الحاجبين.
وفي الشعر المسترسل من الذقن وأطراف الوجه لا يجب غسله عندنا (١)، والمزني من أصحاب الشافعي (٢)؛ لأن ما تحت المسترسل ليس من الوجه فلا يجب غسله ومسحه، وعند الشافعي يجب (٣) وهو أصح مذهبه لأنه من الوجه بحكم التبعية، لما روي أنه ﵇ رأى رجلا غطى لحيته وهو في الصلاة فقال: «اكْشِفْ لِحْيَتَكَ فَإِنَّهَا مِنَ الْوَجْهِ» (٤) فيجب احتياطاً كذا في شرح الوجيز، وفيه تأمل، وقد قال أبو بكر الحازمي حديث ضعيف ولم يثبت في هذا عن النبي شيء.
وإن كانت اللحية خفيفة لا تستر البشرة ففي السهيلي: يجب غسل البشرة في المنبتين في هذه الصورة، وفي الإيضاح: لا يجب تحت اللحية مطلقاً عندنا لاستتار محل الفرض، وذكر الحلواني في شرح الأصل ما يدل على ما ذكر السهيلي فقال: إذا كانت اللحية خفيفة ترى البشرة تحت الشعر فإيصال الماء إلى البشرة غير ساقط. ثم قال: وإمرار الماء على جميع ظاهر اللحية شرط حتى لو مسح لا يجزؤه ما لم يتقاطر الماء من لحيته. وفي الإيضاح: يجب مسح ما يلاقي البشرة، وفي المجرد: عن أبي حنيفة يسنُّ مسحها (٥).
стр. 45
(وَالمِرْفَقَانِ وَالكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي فَرْضِ الغَسْلِ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ (*) تَعَلَّهُ هُوَ
ولا يجب إجراء الماء على الشارب على الروايتين. وفي البقالي: لو قص الشارب لا يجب تخليله وإن طال يجب تخليله وإيصال الماء إلى الشفتين (١).
وتكلموا في الشفة. قيل: تبع للفم، وقال الفقيه أبو جعفر: ما انكتم عند انضمام الفم تبع له، وما ظهر للوجه يجب إيصال الماء (٢).
وفي بحر المحيط: لا تغسل العين ولا بأس بالغسل مُغَمِّضاً عينيه (٣).
وقيل: إن غمض شديداً لا يجوز. ولو رمدت عينه فرمصت يجب إيصال الماء إن بقى خارجاً تغميض العين، وفي المغرب: الغمص ما سال من الوسخ في الموق (٤)، والرمص ما جمد (٥)، ويجب إيصال الماء إلى الموق هذا كله من الْمُجْتَبى.
وفي شرح الوجيز: فالشعور النابت في الوجه قسمان ما يندر فيه الكثافة كالحاجبين. والأهداب والشارب والعذارين ففي مدة الشعور يجب غسلها وغسل البشرة تحتها لأنها من الوجه ولا عبرة لحيلولة الشعر لأن الغالب فيها الخفة فيسهل إيصال الماء إلى منابتها فإن فرضت كثافة على الندرة فالنادر ملحق بالغالب.
وعندنا لا يجب غسل البشرة تحتها ويجب غسلها كما ذكرنا، وفي الْمُجْتَبى: اختلفوا فيما حسر من شعر مقدم الرأس، فقيل: إن قل فمن الوجه، وإن كثر فمن الرأس، والصحيح أنه من الرأس مطلقاً حتى جاز المسح عليه (٦).
(والمرفقان): المرفق بكسر الميم وفتح الفاء وعلى العكس مجتمع طرف
стр. 46
يَقُولُ: الغَايَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ المُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي بَابِ الصَّوْمِ.
السَّاعد والعضد وفي البدرية ذكر المرفقين والكعبين بعد ذكر فرائض الطهارة ليشير إلى أن غسلهما واجب لأنه مختلف فيه، والفرض ما يكون مقطوعاً، وصرح في المبسوط أنه فريضة.
وفي المستصفى: ما ذكر في المبسوط محتمل، وأراد بالكعبان من كل رجل (١).
قال زفر، وأبو بكر بن داود، ومالك في رواية أشهب عنه: لا يجب غسل المرفقين والكعبين لأن الحد لا يدخل في المحدود (٢).
وما روي أنه ﵇ أدار الماء على مرفقيه (٣) محمول على إكمال السنة بخلاف قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] حيث دخلت الغاية في المُغَيَّا لأنها إنما لم تدخل إذا كانت عيناً أو وقتاً وهاهنا الغاية لا عين ولا وقت بل فعل، والفعل لا يوجد بنفسه ما لم يفعل فلابد من وجود الفعل الذي هو غاية النهي لانتهاء النهي فيبقى الفعل داخلاً فيه ضرورة. كذا في الخبازية (٤).
(إذ لولاها) (٥) أي: الغاية لاستوعبت يعني لو لم يذكر المرفق لوجب الغسل إلى الآباط بدليل أن الصحابة فهموا من آية التيمم التيمم إلى الإباط، وعلموا من فعله ﵇ أنه إلى الآباط لا يجب كذا في المبسوط (٦).
ثم الأصل أن الغاية لا تدخل في المغيا لكنها قد تذكر لمَدِّ الحكم وقد تذكر لِقَصْرِهِ عما وراءها ويعلم ذلك بالنظر إلى صدر الكلام، فإن كان يتناول الغاية وما وراءها يعلم أن ذكرها لقصر الحكم عما وراءها فجعل غاية الإسقاط فتصير في معنى الاستثناء، وإن كان لا يتناول الغاية وما وراءها يعلم أن ذكرها لمد الحكم، وهاهنا صدر الكلام وهو قوله: (أيديكم) تناول اليد إلى الإباط
стр. 47
وَلَنَا: أَنَّ هَذِهِ الغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا، إِذْ لَوْلَاهَا لَاسْتَوْعَبَتِ الوَظِيفَةُ الكُلَّ،
كما ذكرنا فصار ذكر المرافق بحرف الغاية لإخراج ما وراءه.
أما الصوم فيتناول إمساك ساعة لغة وشرعاً حتى لو حلف لا يصوم فصام ساعة يحنث؛ فكان ذكر الغاية فيه لمد الحكم.
وقيل: هذا في الحقيقة قول بموجب العلة وهو غير قوي لأن فيه بيان ضعف كلام الخصم لا إثبات مذهبنا، وإن كان ذلك يلزم بالاستلزام، كذا قيل.
فإن قيل: يلزم على هذا ما لو حلف لا يكلم فلانًا إلى رمضان حيث لا يدخل رمضان في اليمين مع أن الغاية لو لم تكن تكون اليمين مؤبدة.
قلنا: على رواية الحسن عن أبي حنيفة ممنوع، وعلى ظاهر الرواية مبنى الأيمان على العرف، ولهذا لو حلف لا يكلم فلانًا إلى عشرة أيام يدخل اليوم العاشر.
وقيل: في جوابه هذه الغاية في مسألة اليمين للمد لأن قوله لا أكلم للحال فإن المضارع موضوع للحال عند أهل الكوفة، وفيه نوع ضعف لأنه لو كان كذلك ينبغي أن لا يتأبد اليمين عند عدم الغاية.
فإن قيل: الغاية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة ٢٢٢] ينبغي أن تدخل زمان الانقطاع في المغيا؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ بمقتضى الأبد فكان ذكرها لإسقاط ما وراءها، والحال أنه يحل قربانها.
قيل: في جوابه ذكرها هنا للمد لأن عدم القربان باعتبار الحيض فكان ممدودًا من أول الحيض إلى زمان الانقطاع فلا يدخل.
فإن قيل: الإسقاط ليس بمذكور ولا مضمر فلا يصلح متعلق الجار بوجه فكيف تكون غايته بل هو غاية للغسل لأنه هو المذكور في الآية.
قلنا: بل غاية الغسل لتعلق الجارية، ولكن المقصود من ذكرها إسقاط ما وراءها لأمد الحكم إليه.
أشار المصنف بقوله: (أن الغاية لإسقاط كذا) أي ذكرت لأجل إسقاطه، ولم يقل أنها غاية إسقاطه بالإضافة، ومثل هذه الغاية تدخل في المغيا؛ لأن
стр. 48
وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لِمَدِّ الحُكْمِ إِلَيْهَا، إذ الاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الإِمْسَاكِ سَاعَةَ، وَالكَعْبُ
المغيا وما قبله وما بعده لما دخلت في الحكم بمطلق الاسم لم يكن المقصود من ذكرها إلا إسقاط ما وراءها.
وفي المبسوط: الغايات ما تدخل في المغيا فتكون كلمة إلا بمعنى مع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء ٢]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلى الله﴾ [آل عمران ٥٢] أي مع أموالكم ومع الله.
ومنها ما لا يدخل كما في الصوم فكان مجملا فبين بفعله ﵇ حيث توضأ وأدار الماء على مرفقيه ولم ينقل تركه غسله، فلو جاز ذلك لترك ذلك تعليماً للجواز. ولأنه ﵇ رأى رجلا توضأ ولم يوصل الماء إلى كعبيه فقال: "ويل للأعقاب من النار" (١) فأمره بغسلهما (٢). وفيه تأمل.
وفي "مبسوط بكر": قال الإسكاف: يجب إيصال الماء إلى ما تحت العجين، أو الطين في الأظفار دون الدرن لتولده منه. قال الصفار فيه: يجب إيصال الماء إلى ما تحته إن طال الظفر، وإلا فلا (٣).
وفي " النوازل ": يجب في حق المصري لا القروي؛ لأن في أظفار المصري دسومة تمنع إيصال الماء إلى ما تحته، وفي أظفار القروي طين لا يمنع، ولو كان عليها جلد سمك أو خبز ممضوغ جاف يمنع وصول الماء لم يجز، وفي ونيم الذباب والبرغوث جاز (٤).
وفي الجامع الأصغر: إذا كان وافر الأظفار وفيها درن أو طين أو عجين، أو المرأة تضع الحناء جاز في القروي والمدني إذ لا يستطاع الامتناع عنه إلا بحرج.
стр. 49
هُوَ العَظْمُ النَّاتِي، هُوَ الصَّحِيحُ، وَمِنْهُ الكَاعِبُ. قَالَ:
قال الدبوسي: وهذا صحيح وعليه الفتوى، وفي فتاوي ما وراء النهر: لو بقي من موضع الغسل قدر رأس إبرة أو لزق بأصل ظفره طين يابس لم يجزئه، ولو تلطخ يده بخميرة أو حناء جاز.
ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه في الوضوء إذا كان واسعاً وفي الضيق اختلاف المشايخ، وروى الحسن عن أبي حنيفة وأبو سليمان عنهما عدم اشتراك النزع والتحريك، هذا كله في المجتبى (١).
وفي الحلية: لو خلق له يدان على منكب أحدهما ناقصة فالتامة هي الأصلية والناقصة خلقة زائدة، فإن حاذى منها محل الفرض وجب غسله عندنا (٢)، والشافعي (٣)، ومن أصحابه من قال: لا يجب غسلها بحال.
ولو طالت أظافيره وخرجت من رؤوس الأصابع وجب غسلها قولًا واحدًا، ومن أصحابه من قال هي بمنزلة اللحية إذا طالت، وليس بصحيح.
ولو قطعت يده من المرفق لا فرض عليه في المذهبين.
وقال الثاني: استحب أن يمس ما بقي من العضد ماء، وظاهر هذا أن ذلك يستحب للأقطع خاصة، ومن أصحابه من قال: بل ذلك مستحب لكل أحد لأنه من جملة الإسباغ. ولو كان القطع تحت المرفق يجب غسل الباقي بالإجماع لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
(الناتئ) - بالهمزة - أي المرتفع المتصل بعظم الساق إذ النتء والنتوء الارتفاع وقوله هو الصحيح احتراز عما روى هشام عن محمد أنه قال: هو المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك لأن الكعب اسم للمفصل.
ومنه كعوب الرمح والذي في وسط القدم وهو المتيقن به وبه قالت الإمامية
стр. 50
(وَالمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأسِ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ، لِمَا رَوَى المُغِيرَةُ بْنُ
وكل من ذهب إلى المسح على الرجل وهذا سهو من هشام فإن محمد لم يرد من الكعب هذا في الطهارة بل أراد به في المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين. فأما في الطهارة فالمراد العظم الناتئ، إليه أشير في قوله ﵇: «أَلْصِقُوا الكِعابَ بالكِعابِ» كذا في المبسوط، ولو قطعت رجله وبقي نصف الكعب يجب غسل البقية وموضع القطع وكذا في المرفق.
قوله: (المفروض)، أي المقدر على جهة الفرضية، اللام فيه للعهد يعني ذلك المسح الذي ثبت بالنص لا بخبر الواحد عندنا كذا وفي البدرية أراد به المفروض اللغوي لا الشرعي فإن الآية مجمل والفرض لا يثبت بخبر الواحد، ويجوز أن يراد به الفرض الشرعي على الرواية التي أنه مقدر بثلاثة أصابع؛ لأن دخول الآلة تحت النص بطريق الاقتضاء فيكون ثابتا بمقتضى النص لا بخبر الواحد.
فإن قيل: لو دخلت الآلة تحت النص اقتضاء ينبغي أن لا يتأدى المسح بدون الآلة وهي أكثر اليد، وقد يتأدى المسح بإصابة المطر بلا استعمال اليد وقد نص في المبسوط والخلاصة وغيرهما بذلك.
قلنا: ثبوت الآلة بطريق الضرورة لا بطريق القصد، فإن من أمر بالصعود على السطح دخل نصب السلم تحت الأمر ضرورة لا قصدًا حتى لو حصل الصعود من غير نصيَّة سقط اعتباره لكونه غير مقصود، والمقصود هاهنا من إدخال اليد تحت الأمر اقتضاء إثبات تقدير فرض المسح، وبيان أن الإصابة تجب بهذا المقدار، ولا يجوز أقله لا قصداً إليها فيسقط اعتبار الآلة عند حصول المقصود بإصابة المطر ذلك المقدار، ولهذا قال زفر: لو مسح بإصبع واحدة ومده إلى أن استوعب هذا المقدار يجوز، وعندنا لا يجوز باعتبار معنى آخر كما سيجيء.
السباطة: المكنوسة من التراب وغيره وأريد به المكان الذي يلقي فيه الكناسة إطلاقا لاسم الحال على المحل.
стр. 51
شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ)،
وفي قوله: (مسح على ناصيته) بيان الشرع، وقوله: (وخفيه) بيان نصب الشرع؛ فإن شرعية مسح الخف ثبت به، وإنما ذكر القصة في الحديث لأن الرواية مع القصد أدل على صدق الراوي وإتقانه.
قيل: في بعض طرق حديث المغيرة السباطة غير مذكورة وما ذكر فيه السباطة لا يكون فيه ذكر المسح على الناصية ذكر في حديث آخر، فما ذكره القدوري مركب من حديثين.
ثم اختلف المشايخ في مسح الرأس، فعند الشافعي فرضه مقدار ما ينطلق عليه اسم المسح (١)، ففي أن المد في المسح شرط له وجهان، فعند بعض أصحابه: لا يجزئه أقل من ثلاث شعرات (٢)، وعند مالك يجب مسح جميعه (٣)، وعن بعض أصحابه أنه لو ترك قدر الثلث جاز، والباقون من أصحابه لا يجوز، أما لو ترك ما دون الثلث بغير قصد جاز (٤). وعن أحمد روايتان: أحدهما: أنه يجب مسح جميعه (٥)، وهو اختيار المزني (٦).
والثانية: أنه يجب مسح أكثره، فإن ترك الثلث منه جاز.
وعند أصحابنا فيه ثلاث روايات في رواية بقدر الناصية وهي الشعور المائلة على الجبهة، وفي شرح الطحاوي (٧) المراد بها إذا بلغت مقدار ثلاث أصابع، وفي رواية تقدر بربع الرأس حتى لو وضع ثلاث أصابع ولم يمدها لا يجزئه
стр. 52
وَالكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالتَحَقَ بَيَانًا بِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْدِيرِ بِثَلَاثِ
على هذين الروايتين لأنه أقل من المقدر، كذا في المحيط (١).
وفي المبسوط: مقدار قدر ربع الرأس إذ الرأس فَوْدَان وقَذَال والناصية (٢)، وفي رواية مقدر بثلاثة أصابع وهو ظاهر المذهب في صلاة الأصل، وصلاة الأثر، والنوادر والتحفة، فعلى هذه الرواية لو وضعها ولم يمد ما جاز. وعن أبي يوسف أنه يقدر بقدر إصبع واحدة عرضاً.
ودليل قول الشافعي ومالك ﵄ مذكور في أصول فخر الإسلام في مسألة الباء، وشرحناه في بيان الوصول في شرحه.
وأحمد مع مالك في رواية، وفي رواية: أقام الأكثر مقام الكل فالتحق أي خبر الواحد أو فعل النبي ﷺ .
(بياناً به): أي بالكتاب وبيان إجمال الكتاب مذكور في المتن والأصول أيضاً.
فإن قيل: الحديث يقتضي بيان عين الناصية، والمدعى ربع غير معين وهو مقدار الناصية فلا يوافق الدليل المدلول.
قلنا: الحديث يحتمل معنيين وبيان المقدار، وخبر الواحد يصلح بيانًا لمجمل الكتاب، والإجمال في المقدار دون المحل لأنه الرأس وهو معلوم فلو كان المراد منه المعين يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد.
فإن قيل: لا نسلم الإجمال في المقدار لأن المراد منه مطلق البعض بدليل دخول الباء في المجمل والمطلق لا يحتاج إلى بيان.
قلنا: المراد بعض مقدر لا مطلق بوجوه:
أحدها: أن المسح على أدنى ما ينطلق عليه اسم البعض وهو مقدار شعرة غير ممكن إلا بزيادة وهي غير معلومة.
والثاني: أنه تعالى أفرد المسح بالذكر، ولو كان المراد بالمسح
стр. 53
شَعَرَاتٍ، وَعَلَى مَالِكِ فِي اشْتِرَاطِ الاِسْتِيعَابِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَةِ المَسْحِ.
مسح مطلق البعض - وهو حاصل في ضمن الغسل - لم يكن للإفراد بالذكر فائدة.
والثالث: أن المفروض في سائر الأعضاء غسل مقدر، فكذا في هذه الوظيفة وكان مجملًا في حق المقدار فيكون فعله بيانًا، كذا في البدرية وعامة الشروح (١).
وقيل: الباء للإلصاق فاقتضى إلصاق آلة المسح بالرأس، لكن الإلصاق يحصل مع البعض كما يحصل مع الكل، والبعض الملصق مجمل في مقدار الكمية فكان قوله بيانا، وفي الكل تأمل؛ لأن للخصم أن يمنع كونه مجملا بهذه الوجوه، والمسح الحاصل في ضمن الغسل لا ينوب عن الفرض عنده لعدم الترتيب كالمسح الحاصل قبل غسل البدن وإن استوعبت، ولو سلم أنه مقدر عنده بثلاث شعرات فذلك باعتبار أن المسح لا ينطلق على ما دونه عرفًا كما أن قراءة بعض القرآن لا تسمى قراءة عرفًا.
والغسل في سائر الأعضاء مقدر بالنص، والمسح في هذا العضو غير مقدر به، فلذا اختار عامة المحققين من أصحابنا ظاهر المذهب وهو مقدار ثلاث أصابع كما ذكر في الأصول فخر الإسلام.
وفي شرح المختار والإجمال في النص من حيث إنه يحتمل أراد الجمع كما قال مالك، ويحتمل إرادة الربع كما قلنا، ويحتمل إرادة الأقل كما قال الشافعي، وهو ضعيف؛ لأن في احتمال إرادة الجمع تكون الباء في ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] زائدة وهو بمنزلة المجاز لا يعارض الأصل كما ذكر في الأصول، والعمل هاهنا ممكن بأي بعض كان فلا يكون النص بهذين الاحتمالين مجملا.
ثم لو وضع أصبعا ومده إلى أن استوعب مقدار الفرض يخرج من العهدة عند زفر لحصول المقصود، وهو إصابه البلة مقدر الفرض، وعندنا لا يجوز لأن
стр. 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الواجب إصابة الماء الطهور محل الفرض، ولم يوجد لأن بلة الإصبع أخذت حكم الاستعمال بنفس الوضع فلا يتأدى الفرض بمدها بعده كما لو رفعها ثم وضعها بلا تجديد بلة، يعني لو مسح مقدار الفرض بأصبع بلا حد بجوانبه الأربعة أو ثلاث مرات بماء جديد يجوز، إليه أشار محمد في نوادر ابن رستم حيث قال فيه: ولو وضع ثلاث أصابع ولم يمدها جاز في قول محمد في الرأس والخف خلافًا لهما (١)، هما يقولان ينبغي أن يمدها بقدر ما تصيب البلة إلى ربع رأسه (٢).
فإن قيل: حكم الاستعمال لا يؤخذ قبل المزايلة ألا ترى أن السنة وهي الاستيعاب في الرأس والمد إلى الساق في الخف يقام بإمرار الأصابع الثلاث بعد وضعها.
وحكم السنة والفرض واحد في أنه لا يقام بالمستعمل.
قلنا: الأصل أن نثبت صفة الاستعمال بالوضع لتأدي فرض ذلك المحل به كما أن الأصل في الغسل لن تثبت صفته بنفس الصب على العضو لزوال الحدث عنه إلا أنه لم يثبت ضرورة أداء الفرض أو السنة، وفي مسح الرأس أو الخف لا يمكن أداء السنة بدون المد فلم يثبت حكم الاستعمال فيهما بالوضع ضرورة.
أما في حق تأدي الفرض فلا ضرورة في الحكم بعدم الاستعمال بعده لأن الفرض يتأدى به فوجب العمل بالأصل فلا يتأدى الفرض بعده بالمد، وفيه تأمل إذ لا ضرورة في حق السنة أيضًا لإمكان الاستيعاب، والمد إلى الساق بالماء الجديد كما في الفرض إلا أن يقول في رعاية الاستيعاب في هذه الصورة حرج عظيم.
فإن قيل: لما لم يتأد الفرض بإصبع دون المد صار المد كثلاثة أصابع في حق التيمم فينبغي أن لا يأخذ حكم الاستعمال به كما في التيمم.
стр. 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلنا: الداعي بسقوط صفته هناك الضرورة، ولا ضرورة هاهنا إذ يمكنه أداء الفرض بوضع ثلاثة أصابع ولهذا لو تيمم بأصبع ومده إلى أن استوعب المحل لا يجوز لعدم الضرورة، ولو لم يكن له إلا أصبع واحد يحتمل أن يتأدى الفرض بمده للضرورة، ويحتمل أن لا يتأدى لإمكان وضعه ثلاث مرات بماء جديد، وفيه تأمل.
فإن قيل: ما ذكرتم يناقض ما قال أبو يوسف أن الماء لا يصير مستعملاً بإدخال الرأس في الإناء لأن الفرض يتأدى بما يصيب الرأس من البلة، وهي غير منتقلة إلى الماء فلا يتغير الماء عن صفته، فهنا الفرض يتأدى بالبلة التي أصابت الرأس لا بما بقي في الأصبع فينبغي أن لا يصير مستعملا فيتأدى الفرض بالمد.
قلنا: البلة التي على الرأس والتي بقيت في الأصبع كشيئ واحد لأن كليهما البلة التي عليه قبل الوضع أعدت لأداء فرض المسح كالماء الذي صب على الكف لغسل الوجه فإذا استعملت في الرأس وبقي بعضها في الأصبع صار كأن الباقي في الفضل على الرأس بعد أداء الفرض فيأخذ حكم الاستعمال كالماء المنفصل عن العضو، ولهذا لا يتأدى به فرض ولا سنة بعد الرفع.
فأما الباقي في الإناء مع البلة التي بقيت في الرأس فليس كشيء واحد لان ما في الإناء لم يعد للمسح فيختص الاستعمال بالبلة التي عليه ولم يتعد إلى ما في الإناء فبقي مطهراً كما كان.
وفي شرح المجمع: والأقرب إلى التحقيق أن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال بعد الانفصال في الغسل والمسح؛ لأن الماء الذي أصيب به العضو في مسألة إدخال الرأس الإناء لم يزايل العضو حقيقةً ولا حكما فلم يأخذ حكمه لعدم الانفصال مطلقا، ولا الباقي من الماء؛ لأنه لم يتأد به فرض المسح (١).
أما في مسألة مد الأصبع فالبلة أصيب بها ما لاقته الأصبع منتقلة عن ذلك
стр. 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المحل بواسطة المد حكما فكانت منفصلة عن المحل الممسوح حكما وإن لم تنفصل حقيقة، والمنفصل عنه حكما يأخذ حكم الاستعمال من وجه فلم يجز إقامة الفرض به؛ لأن كل جزء من أجزاء ما افترض مسحه يجب أن يكون ممسوحا بماء غير مستعمل من جميع الوجوه في غالب ظن الغاسل، فلم يخرج عن العهدة باستعمال الماء المستعمل من وجه بخلاف السنة بحيث يجوز مد الأصبع فيها؛ لأنه لا يرفع بها حدث، ولا يتوقف جواز الصلاة عليها، وكانت تبعا للفرض فاعتبرنا الانفصال الحكمي مؤثرا في الفرض للاحتياط، واعتبرنا الانفصال الحقيقي في السنة عملا بالأصل، ورعاية لمنازل المشروعات.
وفي المجتبى: وعلى هذا الخلاف مد الأصبعين ولو مسح بالإبهام والسبابة مفتوحتين يجوز؛ لأن ما بينهما قدر أصبع فيصير قدر ثلاث أصابع فيصح (١).
وفي المحيط: مسح شعر رأسه فلو وقع على شعر تحته رأس يجوز ولو كان تحته عنق أو جبهة لا يجوز. ولو زاد ذوائبه على رأسه فمسح عليها لم يجز على الأصح أرسلها أم لا.
وفي شرح الوجيز: المسح على بشرة الرأس يجوز ولا يضر كونها تحت الشعر، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز لانتقال الفرض إلى الشعور ولو مسح على الشعر يجوز. ولو اقتصر على مسح شعرة واحدة يجوز.
وعن بعض أصحابنا: لا يجوز أقل من ثلاث شعرات ثم شرط الشعر الممسوح أن لا يخرج عن حد الرأس حتى لو كان مسترسلا خارجا عن حده، أو كان جعدا كائنا في حده، لكنه بحيث لو مد يخرج عن حده لم يجز المسح عليه لأن ماسحه غير ماسح على الرأس وكل شعر مد في جهة النبات أي جهة الرقبة والمنكبين خارج عن حد الرأس. ولو غسله بدل المسح.
قيل: لا يجوز لأنه مأمور بالمسح، والأصح أنه يجوز لأن الغسل مسح وزيادة.
стр. 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم هل يكره غسله بدل المسح؟
قيل: يكره لأنه سرف كغسل الخف بدلاً عن مسحه، وكالغسلة الرابعة، والأظهر أنه لا يكره؛ لأنه هو الأصل لحصول النظافة به، والمسح تخفيف ورخصة فالعدول إلى الأصل لا يكون مكروهاً ولكن لا يستحب لأنه ﵇ أشار في الرخص بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ﴾ (١).
ولو بل رأسه ولم يمد اليد فيه قولان أصحهما: أنه يجوز؛ لأن المقصود وهو حصول الماء قد حصل، وقال القفال: لا يجزئه لأنه لا يسمى مسحاً.
ولو قطر على رأسه قطرة ولم تجر فعلى الخلاف، فإن جرت كفى.
وفي هداية الناطفي (٢): لو مسحت على الخضاب أو الوقاية لم يجز وإن وصل إلى الشعر، وقيل: هذا قبل غسل الخمار، وقيل: هذا إذا خرج الماء من كونه ماء مطلقاً، وفي النظم: قال عامة العلماء: إن وصل إلى الشعر يجوز، وإلا فلا (٣).
مسح رأسه ببلل بقيت في كفه جاز، وإن أخذها من لحيته لا يجوز، قال الحاكم الشهيد (٤): إنما يجوز ببل كفه ما لم يستعمل في عضوه، وخطأه عامة المشايخ لما ذكر محمد في مسح الخف: إذا توضأ ثم مسح على الخف ببلة بقيت على كفه بعد الغسل جاز (٥)، ولو مسح على رأسه ثم مسح خفه ببلة بقيت
стр. 58
قَالَ: (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ اليَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ
في يده لم يجز (١).
وقيل: ما قاله الحاكم هو الصحيح، فقد نص الكرخي في جامعه الكبير على الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف مفسرًا معللًا أنه لم يجز لأنه ما قد تطهر به مرة، ولو حلق رأسه ولحيته لا يعيد المسح بالإجماع، وكذا في قلم الظفر وكشط الجلد لأنه مع الجلد شيء واحد بخلاف الخف (٢).
وقيل: على قول بعض أصحاب الشافعي يجب إعادة المسح بعد حلق الرأس كما في الخف (٣)، والأصح عندنا لا يجب كما قلنا.
قوله: (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ)، وفي المحيط: السنة ما واظب عليها ولم يتركه إلا مرة أو مرتين (٤). وفي البدرية: السنة ما يؤجر على إتيانها ويلام على تركها (٥)، وهو يتناول القولي والفعلي والطهارة محل لهذه السنن فكانت إضافتها إلى محلها.
ثم السنة تقديم غسلها من الرسغ، أما نفس الغسل فرض حتى قال محمد في الأصل: ثم يغسل ذراعيه فلا يجب غسلهما ثانيا (٦).
стр. 59
إِذَا اسْتَيْقَظَ المُتَوَضِّئُ مِنْ نَوْمِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ
وذكر الإناء وقع على عاداتهم فإنه كان لهم أتوار على أبواب المساجد يتوضؤون منها وفي ديارنا الإجانات في الحمامات بمنزلة ذلك.
وكيفية الغسل لو كان الإناء صغيرًا أن يأخذ بشماله ويصب الماء على يمينه ثلاثًا. ثم يصب على اليسار كذلك وإن كان كبيرًا كالحب إن كان معه إناء صغير يفعل كما ذكرنا، وإن لم يكن يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء ويصب على كفه اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها ببعض حتى تطهر، ثم يدخل اليمنى في الإناء ويغسل اليسرى، فالنهي محمول على الإناء الصغير، أو الكبير إذا كان معه إناء صغير فلا يدخل اليد فيه أصلا، وفي الكبير على إدخال الكف، كذا في المستصفى، والمجتبى (١).
وفي الحلية: يغسل كفيه ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء إن كان على شك من نجاستهما عند الشافعي (٢)، فإن غمس يده في الإناء لم يفسد الماء، وعند بعض أصحابه غسلهما قبل الإدخال مستحب بكل حال وإن تيقن بطهارة يده، والمذهب الأول.
وقال داود: إذا قام من نوم الليل لم يجز له أن يغمس يده في الإناء قبل الغسل أراقه، وحكي ذلك عن الحسن البصري بقوله ﷺ : «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ» رواه الترمذي وابن ماجة (٣)، قال ابن الجوزي أي من نوم الليل، وبقول داود قال مالك وأحمد حتى لا يجب على المنتبه من نوم النهار. وقال مالك في رواية أنه مستحب للشك في طهارة يده.
قوله: (إِذَا اسْتَيْقَظَ) في البدرية هذا اتفاقي. وعن شمس الأئمة الكردري: كلمة الشرط تجري على حقيقتها حتى لم يسن إذا لم يستيقظ. وفي المستصفى: ولهذا قيد بهذا في الإيضاح، وشرح المختصر (٤).
стр. 60
مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وَلِأَنَّ اليَدَ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَتُسَنُّ البَدَاءَةُ بِتَنْظِيفِهَا، وَهَذَا الغَسْلُ إِلَى الرُّسْغِ لِوُقُوعِ الكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ.
قَالَ: (وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الوُضُوءِ) لِقَوْلِهِ ﵊ لَا
وفي شرح الآثار: إنما نهي عن ذلك لأن عادة العرب أن لا يستنجوا بالأحجار ولا بالماء فإنه ﵇ إنما نهي عن ذلك لاحتمال تنجس اليد، أما لو نام مستنجياً بأحدهما فلا حاجة إلى غسلهما.
وفي المجتبى، والخبازية: خص المصنف غسلهما بالمستيقظ تبركاً بلفظ الحديث وإلا السنة شاملة له ولغيره؛ فإنه ذكر في المحيط، والتحفة وغيرهما أن غسلهما في الابتداء سنة على الإطلاق (١).
وجه التمسك أنه ﵇ نهى عن إدخال اليد في الإناء بطريق التأكيد إلى غاية غسلهما ثلاثًا فيقتضي حرمة الغمس وذلك يستدعي وجوب الغسل لا سيما إذا كان الغمس طريقًا متعينًا لاستعمال الماء، إلا أنا عدلنا عن الوجوب لأن تعليله ﵇ بتوهم النجاسة دليل على التورع والاحتياط لا الوجوب؛ لأن حكم اليقين لا يزول بالشك، ومن شك في النجاسة يستحب غسلهما ولا يجب، إلا أن أول الحديث يدل على الوجوب، وآخره وهو التعليل - على الاستحباب؛ فأثبتنا أمرًا بين أمرين وهو السنة توفيقا وتلفيقا، ولأنه وجب غسل اليدين عند تحقيق النجاسة، فلو وجب عند توهمها يلزم الاستواء في الموجب مع التفاوت فيه، ولأن النهي عن الغمس أمر بالغسل اقتضاء فلو قلنا بوجوبه لأثبتنا بالمقتضى ما ثبت بالصريح، وفيه تأمل.
قوله: (ولأن اليد) إلى آخره هذه النكتة تدل على الوجوب باعتبار أن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب كوجوبه، ولكن طهارة العضو حقيقة وحكما تدل على عدمه فثبتت السنية بما ذكرنا في المستيقظ وغيره.
والرسغ: منتهى الكف عند المفصل.
قوله: (وتسمية الله تعالى)، قال الطحاوي ومولانا فخر الدين
стр. 61
وُضُوءُ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ وَالمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الفَضِيلَةِ، … ... .
المايمرغي (١): المنقول من السلف في تسمية الوضوء: بسم الله العظيم، والحمد لله على الإسلام (٢).
وفي الخبازية: هو المروي عن النبي ﵇.
وعن الوبري (٣): يتعوذ في ابتداء الوضوء ويبسمل والأفضل فيه أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وفي الْمُجْتَبى: لو قال: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله العظيم، والحمد لله على الإسلام، فحسن لورود الآثار فيها، وقال صاحب المحيط: ولو قال في ابتداء الوضوء: لا إله إلا الله، أو: الحمد لله، أو: أشهد أن لا إله إلا الله، يصير مقيمًا لسنة التسمية (٤).
التسمية شرط في الوضوء عند أصحاب الظواهر (٥)، وأحمد (٦).
стр. 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: عند مالك أيضا لظاهر قوله ﵇: «لا وُضوءَ لِمَنْ لم يُسَمٌ» (١) لأن حقيقة هذا الكلام يقتضي عدم الوضوء بدون التسمية كما يقال: لا رجل في الدار. وعن مالك أنه أنكر التسمية في أول الوضوء فقال: تريد أن تذبح (٢).
فقلنا: إن كان إنكاره كونها شرطًا فله وجه، وإن كان إنكاره كونها سنة مستحبة فليس له وجه كما في الحديث.
وقلنا: لا يمكن حمله على نفي وجود الوضوء بدونها لأنه يلزم نسخ إطلاق الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الآية بخبر الواحد، ولأنه ﵊ أثبت وجود الوضوء بدون التسمية في حديث آخر حيث قال ﵇: «من توضأ وذكر اسم الله تعالى كان طهوراً لِجَميعِ بَدَنِهِ» (٣)، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهور الماء أصاب الماء فيحمل ذلك على نفي الفضيلة كذا في الخبازية.
وفيه تأمل؛ لأن الطهارة غير متجزئة عندنا.
وفي المبسوط: عَلَّمَ النبي ﷺ الأعرابي الوضوء ولم يذكر التسمية فعلم منه أن قوله: «لا وضوء» لنفي الفضيلة كما قال في حديث آخر: «مَنْ تَوَضَّأَ وَسَمَّى
стр. 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسَمٌ كَانَ طَهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ» (١).
أو نقول: هذا نفي بمعنى النهي لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]؛ لأن الشرع أثبت وجوده بدون التسمية كما ذكرنا فيكون أمراً بضده وهو الوضوء معها، ولا يمكن حمله على الوجوب لما ذكرنا فيحمل على ما دونه وهو السنة، أو نقول: النهي عن الشيء يقتضي أن يكون ضده في سنة أو واجب فيكون سنة.
فإن قيل: خبر التسمية كخبر الفاتحة صيغةً، ومن حيث كونهما خبرين واحدين، فكيف اختلف حكمهما في السنة والوجوب؟
قلنا: لا نسلم هذا؛ لأن خبر الفاتحة أشهر، كذا في الطَّرِيقَةِ الْبَرْغَرِيَّةِ، فقدر مرتبة الحكم على حسب العلة، وأيضًا الوجوب يثبت في الفاتحة بمواظبته ﵇ من غير ترك، ولم يثبت في حق التسمية (٢).
وما قيل إنما لم نقل بوجوب التسمية انحطاطا لدرجة التبع من الأصل غير قوي، وقد ذكرناه في بيان الوصول في باب بيان الأحكام الخاص.
فإن قيل: المدعى كونها سنة في الابتداء، ولا دلالة عليه في الحديث.
قلنا: لما ثبت أنها سنة للوضوء وهو اسم من أوله إلى آخره فيشترط في الابتداء ليكون لكل الوضوء لا لبعضه، ولقوله ﵇: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (٣).
قال الطحاوي في شرح الآثار: أراد به نفي الفضيلة، كما في قوله ﵇: «ليس المسكين الذي تردُّهُ التمرة والتمرتان» (٤). وقوله ﵇:
стр. 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«ليس المؤمن الذي يبيتُ شَبعان وجارُهُ جائِعٌ» (١)، أي: ليس بكامل في المسكنة وليس بأعلى مراتب الإيمان، وإنما وجب حمله على هذا المحمل جمعًا بينه وبين حديث مهاجر بن قُنْفُذِ أنه سَلَّم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ منه قال: «إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى [غَيْرِ] (٢) طَهَارَة» (٣). ففيه دليل أنه ﵇ توضأ قبل التسمية ولكن يلزم من هذا أن لا تكون التسمية أفضل في ابتداء الوضوء ويكون وضوؤه ﵇ خالياً عنها ولا يجوز لسنة ترك الأفضل إليه ﵇ (٤).
والأولى في الاستدلال ما ذكر أن هذا خبر الواحد فلا يجوز الزيادة به على إطلاق الكتاب، وأما دفع التعارض فهو أن التسمية من لوازم إكماله فكان ذكرها من تمامه والذاكر لها قبل الوضوء مضطر إلى ذكرها لإقامة هذه السنة المكملة للفرض فخصت من عموم الذكر، ومطلق الذكر ليس من ضرورات الوضوء.
والمستحب أن لا يطلق اللسان به إلا على طهارة، ويدخل التخصيص في الأذكار المنقولة على أعضاء الوضوء لأنها من مكملاته، واستغنى عن قصد الابتداء في التسمية من حيث إنها في نفسها تدل على ذلك؛ فإن الباء متعلقة بمحذوف وهو الفعل الذي جعلت التسمية مبدأ له ليقع ذلك الفعل مقيداً به في الشرع واقعا على جهة السنة، أو ليكون ذلك الفعل ملتبسا باسم [الله] (٥) تبركًا، ولن يحصل هذا الغرض إلا بتقديمها لئلا يخلو جزء من أجزاء الفعل عن تركها وعن الاعتداد.
стр. 65
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الكِتَابِ سُنَّةٌ، وَيُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ، هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ: (وَالسِّوَاكُ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ
قوله: (والأصح أنها): أي التسمية مستحبة لأن الندب ما تركه النبي ﵇ مرةً وفعله مرةً، ولم تشتهر المواظبة بها وكونها سنة اختيار الطحاوي والقُدُوري (١)، وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده وهو ظاهر الرواية: أن السنة ما واظب ﵇ على ذلك (٢)، والنقل على المواظبة عليها لم يشتهر، ألا ترى أن عثمان وعليا حكيا وضوء النبي ﷺ ولم ينقل عنهما التسمية، وما روى أنه ﵇ سمى فذلك باعتبار أنها مستحبة في ابتداء كل فعل لا لأنها سنة مخصوصة بالوضوء.
وقيل: المراد بالكتاب مختصر القُدُوري، وفي المبسوط بلفظ الاستحباب (٣).
وقوله: (هو الصحيح) احتراز عما قيل: يسمي قبل الاستنجاء لأنها سنة الوضوء فيسمى قبله ليقع جميع أفعال الوضوء بها، وعما قيل أنه يسمى بعد الاستنجاء لأن قبله حال انكشاف العورة، وذكر الله تعالى في تلك الحالة غير مستحب تعظيمًا لاسم الله تعالى كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى قاضي خان (٤).
ولكن ذكر في فتاوى قاضي خان والأصح أنه يسمي مرتين قبله وبعده لا مع الانكشاف ولا في موضع النجاسة. وكذا الاختلاف في غسل اليدين.
قوله: (والسواك): أي استعماله حذف المضاف لا من الإلباس لأن السواك والمسواك اسم للخشبة، وهي ليست بسنة.
стр. 66
يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ بِالْأَصْبُعِ، لِأَنَّهُ ﵊.
(يواظب عليه): أي مع تركه أحيانًا بدليل أنه ﵇ علم الأعرابي الوضوء ولم ينقل عنه تعليم السواك، ولما روت عائشة ﵂ أنه ﵇ قال: «صلاة بسواك أفضلُ مِنْ سَبعين صلاة بغير سواك». أخرجه أحمد (١). وعن أبي داود أنه واجب لا يمنع تركه صحة الصلاة، وعن إسحاق إن تركه عامدًا بطلت صلاته.
وفي المحيط: ينبغي أن يكون السواك من الأشجار المرة لأنه يطيب نكهة الفم ويشدّ الأسنان ويقوي المعدة، ويكون في غلظ الخنصر، وطول الشبر (٢).
ويستاك عرضًا لا طولاً عند مضمضة الوضوء.
وعن إمام الحرمين من أصحاب الشافعي: أنه يمر السواك على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على أحدهما فالعرض أولى لما روى أنه ﵇ قال: «استاكوا عَرْضًا» (٣)، وقال غيره من أصحابه يستاك عرضًا لا طولا بذلك الحديث، كذا في شرح الوجيز (٤).
ثم وقته عند المضمضة تكميلا للإنقاء، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والتحفة، والزاد (٥).
وفي كفاية البيهقي، والوسيلة، والشفا: يستاك قبل الوضوء لقوله ﵇: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (٦)(٧)
стр. 67
فَعَلَ كَذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
قَالَ: (وَالمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ)؛ لِأَنَّهُ ﵊ …
وعند الشافعي هو سنة عند القيام إلى الصلاة، وعند الوضوء، وعند كل حال يغير فيها الفم، فيكره للصائم بعد الزوال (١)، خلافًا لأبي حنيفة، ومالك، وأحمد كما يجيء.
والمستحبُّ أن يستاك بعُودٍ مِنْ أرَاكِ، وبيابس قد نُدِّيَ بالماء.
وفي المقدمة الغزنوية: ويستحب السواك في خمسة أحوال: عند اصفرار السن، وعند تغير الرائحة، وعند القيام من النوم، وعند القيام إلى الصلاة.
ويأخذ السواك باليمنى ويستاك عرضًا لا طولا، ولا تقدير فيه يستاك إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة واصفرار السن.
والمستحب فيه ثلاث بثلاث مياه ويكون السواك ليّناً محرفاً، ويقول عنده: اللهم طَيِّب فمي، ونور قلبي، وطهر بدني، وحَرِّم جسدي على النار، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (٢).
وفي المحيط: العلك للمرأة مقام السواك لأنها تخاف منه سقوط أسنانها لأن منها ضعيف، والعلك مما ينقي الأسنان ويشد اللثة كالسواك فقام مقامه (٣).
(فعل كذلك) أي عالج بالإصبع، علم أنه ليس بواجب لأنه تركه مرةً أو أكثر، كذا قيل.
وفي المحيط: قال على: التشويص بالمسبحة والإبهام سواك (٤).
قوله: (والمضمضة والاستنشاق): قال علماؤنا والثوري: هما سنتان في الوضوء فرضان في الغسل (٥)، وقال الشافعي هما سنتان فيهما (٦)، وبه قال
стр. 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مالك (١)، والأوزاعي، وقال أحدهما واجبان فيهما.
وفي الحلية: قال مالك والزهري: هما سنتان في الوضوء، وفي الْمُجْتَبى: قال مالك وزفر هما فرضان فيهما لأن الفم والأنف خارجان حكما بدليل أن الصائم لو أدخل طعاماً في أنفه وفمه لا يفسد صومه فيتناولها اسم الوجه، لكنا نقول أنهما داخلان حكماً بدليل أنه لو ابتلع المخاط أو البزاق لا يفسد فلا يتناولهما اسم الوجه من كل وجه فلا يجب غسلهما.
فإن قيل: هما من الوجه من وجه دون وجه حقيقةً وحكما على ما سيأتي، فالاحتياط في وجوب غسلهما كما قال أحمد (٢).
قلنا: لا يدخلان احتياطا لأن دخول ما ليس في الأمر بعد زيادة وهي نسخ فلا يدخلان احتياطا، كذا في المستصفى، بخلاف الغسل عندنا، فإنهما خارجان من وجه فيجبان فيه امتثالا للأمر، وللمبالغة في التطهير، وعملا بالشبهين، وفي جامع قاضي خان والمحيط: المبالغة فيهما سنة إجماعاً لقوله ﵇ للقيط بن صبرة: «بالِغْ فِي المَضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً فارفق»، أول الحديث: «أسبغ الوضوء، وخلَّل بين الأصابع وبالغ» الحديث رواه الأئمة الخمسة، وصححه الترمذي (٣)(٤).
والمبالغة في المضمضة الغرغرة. وفي الاستنشاق أن يأخذ الماء بمنخريه حتى يصعد الماء إلى ما اشتد من الأنف، وقالوا: هما سنتان مشتملتان على سنن تقديم المضمضة على الاستنشاق بالإجماع وأخذ ماء جديد في التثليث سنة
стр. 69
فَعَلَهُمَا عَلَى المُوَاظَبَةِ. وَكَيْفِيَّتُهُما أَنْ يُمَضْمِضَ ثَلَاثًا، يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا، ثُمَّ
عندنا، وعند الشافعي هما واحد وأخذ ماء جديد لكل واحد من المضمضة والاستنشاق سنة عندنا وعند الشافعي لهما ماء واحد. وإزالة المخاط باليد اليسرى.
وفي الحلية: قال في الأم: يجمع بينهما (١). وقال في البويطي: يفصل بينهما (٢).
وفي كيفية الجمع والفصل طريقان:
أحدهما: أنه يجمع بينهما بغَرفَةٍ واحدة يتمضمض منها ثلاثًا، ويستنشق ثلاثا.
والثاني: أن يجمع بينهما بثلاث غرفات.
والفصل: أن يفصل بينهما بغرفتين يتمضمض بأحدهما ثلاثا، وبالأخرى يستنشق ثلاثا، والثاني أن يفصل بينهما بست غرفات، والفصل أفضل وأبلغ لأنه مجمع عليه كما روى عثمان وعلي أنه ﵇ يفصل بين المضمضة والاستنشاق.
وفي الْمُجْتَبى: لو رفع الماء من كف واحدة للمضمضة جاز، وللاستنشاق لا يجوز لصيرورة الماء مستعملا (٣).
وفي الشفاء: هما سنتان مؤكدتان من تركهما يأثم، وفي مبسوط شيخ الإسلام: ترك التكرار لا يكره مع الإمكان (٤)، قال أستاذنا: يتبين من هذا أن من عنده ما يكفي للغسل مرة معهما، أو ثلاثًا بدونهما يغسل مرة معهما.
وقوله: (فعلهما على المواظبة):
فإن قيل: المواظبة دليل الوجوب كما قال مالك (٥)، وزفر (٦)، وأهل
стр. 70
يَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ، هُوَ المَحْكِيُّ عن وُضُوئِهِ ﷺ . (وَمَسْحُ الأُذُنَيْنِ) وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لِقَوْلِهِ ﵊: «الأَذْنَانِ مِنْ الرَّأْسِ»
الحديث وأحمد (١).
قلنا: إنه ﵇ يواظب على العبادات لتحصيل الكمال لا لأنه فرض لأن الزيادة على النص بخبر الواحد لا تجوز، ولأنه ﵇ علم الأعرابي ولم يذكرهما فيه، مع أن ابن عباس صرح أنهما فرضان في الجنابة، سنتان في الوضوء موقوفًا ومرفوعًا، وإنما فسر كيفيتهما نفيًا لقول الشافعي فإن عنده الأفضل في رواية أن يتمضمض ويستنشق بكفّ واحدٍ بماءٍ واحد، لما روي أنه ﵇ كان يتمضمض ويستنشق بكف واحد (٢). وللحديث عندنا تأويلان:
أحدهما: أنه لم يستعن فيهما باليدين كما في غسل الوجه.
والثاني: أنه ﵇ فعلهما باليد اليمنى ردا على قول من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأن الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، هو المحكي (يستعمل) في رواية الفعل، والمروي في رواية اللفظ، حكى عثمان وعلي وضوء رسول الله ﷺ ، هكذا كذا في المحيط" (٣).
وقوله: (خلافًا) متعلق بماء الرأس لا بقوله (سنة)؛ فإن عنده أيضًا سنة، وانتصاب خلافًا جاز أن يكون على المفعول المطلق بإضمار فعله، أي قولنا هذا يخالف، خلافًا للشافعي إذ هذا المذكور في معنى يخالف وكان مصدراً مؤكداً لمضمون جملة، كقولك: لفلان علي ألف درهم اعترافًا.
قال الشافعي: يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما بماء جديد ثلاثاً، ويأخذ لصماخه ماء جديداً (٤)، وهو قول أبي ثور.
وقال مالك: الأذنان من الرأس إلا أنه يستحب أن يأخذ لهما ماء
стр. 71
وَالمُرَادُ بَيَانُ الحُكْمِ دُونَ الخِلْقَةِ. قَالَ: (وَتَخْلِيلُ اللَّحْيَةِ)، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊
جديداً (١)، وقال أحمد: هما من الرأس فيمسحان مع الرأس على رواية الاستيعاب، ويجزئ مسحهما بما مسح به الرأس (٢)، وقال الشعبي والحسن بن صالح: ما أقبل منهما من الوجه فيغسل معه وما أدير منهما من الرأس فيمسح معه (٣)، وعن ابن شريح أنه كان يغسلهما مع الوجه ويمسحهما مع الرأس احتياطا.
وفي المبسوط: الأفضل أن يمسح ما أقبل من أذنيه مع الرأس، وإن غسل ما أقبل منهما معه جاز؛ لأنه مسح مع زيادة ولا يأخذ لهما جديداً (٤)، وقال إسحاق: مسحهما واجب، كذا في الحلية، وعندنا يمسحان بماء الرأس.
وللشافعي ما روى أبو أمامة الباهلي أنه ﵇ أخذ لأذنيه ماءً جديداً (٥)؛ ولأن الأذن مع الرأس كالفم والأنف مع الوجه، ثم يأخذ لهما ماءً جديدا فهذا مثله.
ولنا حديث ابن عباس أنه ﵇: مسح برأسه وأذنيه بماء واحد، وقال: " الأذنان من الرأس (٦).
وقال الإمام بدر الدين خواهر زاده: الرأس من الحلقوم إلى فوق إلا أنه تعالى بعضه في الأحكام، فجعل وظيفة الغسل منه الوجه، ووظيفة الرأس بعد الوجه المسح فأشبه الأذنان أن وظيفتهما من أيهما فبين ﵇ بقوله:
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الأذنان من الرأس» أن وظيفتهما المسح؛ لأنه ﵇ قال: «إنما بُعِثْتُ لبيان الحقائق» (١).
ووجه آخر من الاستدلال أن كلمة (من) للتبعيض فوجب أن يكون بعض الرأس حقيقة وحكماً، أو حكماً لا حقيقةً، وحكم الرأس المسح فكذا حكمهما.
وذكر شمس الأئمة وجهًا آخر فيه، فقال: لا يخلو من أن يكون المراد منه بيان الخلقة وهو مشاهد لا يحتاج إلى البيان، أو يكون المراد أنهما ممسوحان كالرأس أو أنهما ممسوحان بالماء الذي يمسح به الرأس أو بالماء الذي يغسل به الوجه، وعلى التقديرين فهو إخبار من الشارع فصار كأمره وللأمر بمسحهما بماء الرأس أمر بمسحهما نصفه فيكون مسحهما سنة لا واجبًا؛ لأن الزيادة بخبر الواحد على الكتاب لا تجوز، أو أنه ﵇ ألحقهما لكل الرأس، ومسح كله سنة في الصحيح من الرواية، وتأويل ما وراءه أنه لم يبق في كفه ﵇ بللاً فلهذا أخذ ماء جديداً كذا في مبسوطه (٢).
وفي جامع الإسبيجابي: روى حديثه جدعان رواية مرسلًا، والمراسيل ليس بحجة على ظنه مع أنه غريب في أمر عام فلا يكون حجة، ولأنه احتمل أنه ﵇ نسي المسح عليهما ثم تذكر، وفي هذه الحالة يأخذ لهما ماءً جديدًا عندنا أيضًا.
وفي الخبازية: ولا يسن تجديد الماء في كل بعض من أبعاض الرأس فلا يسن في الأذنين بل أولى لأنه تابع (٣).
فإن قيل: يشكل بالمضمضة والاستنشاق حيث لم يُسَنَّا بماء الوجه إلا على رواية البيهقي، وإن كانا سنتين في الوضوء لأنهما كانا من الوجه من وجه.
стр. 73
أَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (*)، لِأَنَّ السُّنَّةَ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ، … ... … ..
قلنا: إنما كان كذلك ليحصل الامتياز لسنة المسح عن سنة الغسل بضرب خفه كما حصل الامتياز لفرض المسح عن فرض الغسل بضرب خفه، ولهذا لا يقام التثليث فيهما إلا بماء جديد.
فإن قيل: كيف يصح إلحاق الأذنين بكل الرأس، والفرض يتأذى بمسح كل طرف ولا يتأذى بمسحهما؟
قلنا: فرضية المسح ثبتت بالكتاب، وكونهما من الرأس ثبت بخبر الواحد، وما ثبت بالكتاب لا يتأدى بما ثبت بخبر الواحد؛ كفرضية التوجه إلى الكعبة لا تتأدى بالتوجه إلى الحطيم وإن ثبت كونه من البيت بخبر الواحد، كذا ذكره بدر الدين خواهر زاده.
وفي الخبازية: كانا من الرأس وليسا برأس كالتمرة من الشجرة وليست من الشجرة، نقله من المبسوط (١)، وفيه تأمل.
فإن قيل: السنة إكمال الفرض في محله، وهما ليس بمحل الفرض لأن بمسحهما لا يتأدى الفرض.
قلنا: لا يشترط لإقامة السنة محل الفرض كالمضمضة والاستنشاق، وفيه تأمل.
وفي المُجْتَبَى: يمسحهما بالسبابتين داخلهما وبالإبهام من خارجهما، وفي الأصل: يمسح داخلهما مع الوجه، وفوقهما مع الرأس. والمختار هو الأول، وعن الحلواني وشيخ الإسلام جواهر زاده يدخل الخنصر في صماخ أذنه ويحركهما كذا فعل النبي ﷺ وأبو هريرة (٢).
قوله: (أمره جبريل ﵇: الأمر هاهنا لا يقتضي الإيجاب لاستلزام الزيادة على النص بخبر الواحد.
стр. 74
وَالدَّاخِلُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الفَرْضِ.
قَالَ: (وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ كَيْ لَا
وفي مبسوط فخر الإسلام، وفتاوى قاضي خان: تخليل اللحية مستحب (١). وعند أبي يوسف ومحمد: سنة، وبه قال الشافعي (٢)؛ فإنه صح أنه ﵇ أخذ كفا من ماء فخلل به لحيته، وقال: «بهذا أمرنِي رَبِّي» (٣). وفي المبسوط: وهو الأصح، وأبو حنيفة يقول: لم يثبت هذا الأمر، فلا يطلق عليه اسم السنة (٤).
وفي المحيط، والإيضاح، والفتاوى البديعية: التخليل ليس بسنة عندنا خلافًا لأبي يوسف (٥)، وقال مالك: لا يستحب (٦). وقال سعيد بن جبير، وعبد الحكم من المالكية: واجب (٧)؛ لظاهر قوله: «أمرني ربي»، جائز أي لا يبدع تاركه كما يبدع ماسح الحلقوم.
وفي الكافي: أي ليس بسنة أصلية، ولو فعل لا بتدع ولا يكره لأنه ﵇ فعله مرةً فدل على الجواز لا على السنة.
(والداخل): أي داخل اللحية ليس بمحل الفرض لعدم وجوب إيصال الماء إلى باطن الشعر، ويشكل هذا بالمضمضة والاستنشاق فإنهما سنتان مع أنهما ليسا في محل الفرض. وقال الكاثي في جوابه أنهما في الوجه، والوجه محل الفرض إذ لهما حكم الخارج من وجه كما ذكرنا.
قوله: (وتخليل الأصابع): أي أصابع اليد والرجل لأنه جاء في جامع الترمذي عن ابن عباس: أنه ﵇ قال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ يَدَيْكَ
стр. 75
تَتَخَلَّلُهَا نَارُ جَهَنَّمَ»، وَلِأَنَّهُ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ.
«وَرِجْلَيْكَ» (١) كذا في شرح الوجيز، ولإطلاق ما ذكر في الكتاب والوعيد المذكور في الحديث يتعلق بترك إيصال الماء.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: التخليل سنة بعد وصول الماء، فأما قبل الوصول ففرض (٢).
وفي المحيط: الأصابع إذا كانت مضمومة وتوضأ من الإناء فتخليلها فرض إجماعًا، وإن كانت مفتوحة أو مضمومة لكن أدخل رجليه في الماء الجاري وترك التخليل جاز (٣).
وفي القنية: تخليل أصابع الرجل سنة مع وصول الماء إلى باطنها، فيخلل بخنصر يده اليسرى فيبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر رجله اليسرى، كذا ورد الخبر (٤).
فإن قيل: ينبغي أن يكون التخليل واجبًا نظرًا إلى الأمر كما قال مالك في اليدين. وأحمد وإسحاق فيهما، وفي الرجلين أيضًا مع كونه مقرونا بالوعيد لتاركه.
قلنا: هذا لا يفيد الفرضية لكونه من الأحاد، ولا الوجوب لأنه لا مدخل للوجوب في الوضوء لأنه شرط الصلاة فيكون تبعًا لها، ولهذا يسقط بسقوطها، ويجب بوجوبها، فلو قلنا بالوجوب كما في الصلاة لساوَى التبع الأصل كذا في الكافي وغيره لكن هذا ضعيف وقد بينا وجه الضعف في بيان الوصول في شرح الأصول وجامع الأسرار في شرح المنار.
بل الجواب القوي أن الأمر الثابت بخبر الواحد إنما يفيد الوجوب إذا لم يمنعه مانع ولم توجد قرينة صارفة غير ظاهرة كخبر صدقة الفطر والأضحية، وخبر الفاتحة، أما إذا وجد لا يمكن القول بالوجوب، وهاهنا عارض هذا الأمر