← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فَصْل في الفضَّة (لَيْسَ فِيمَا دُونَ مَائَتَيْ دِرْهَم صَدَقَةٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» وَالأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا (فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ وَحَالَ عَلَيْهَا وقيل: هي فعيلة من الأوق الثّقْلُ، والجمع: الأواقي بالتشديد والتخفيف. كذا في المغرب (١)، ومن شدد جعل وزنها أفاعيل، ومن خفف جعل وزنها أفاعل. الفضة: تتناول المضروب وغيره، والرقة يختص به، وأصلها: ورقة. كذا في المغرب (٢). فصل في الفضة (ليس فيما دون مائتي درهم صدقة)؛ أي: زكاة. ثبت وجوب زكاة الفضة والذهب بالكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، قال ﵇: «كل مال لَم تُؤَدَّ زَكاتُهُ فَهُوَ كنز» (٣). وأما السنة: فكثيرة؛ منها: كتاب عمرو بن حزم فإنه قال فيه: «الرقة ليس فيها صدقة حتى تبلُغَ مِائَتَيْ درهم، فإذا بلَغَتْ ففيها خمسة دراهم» (٤). والحديث المذكور في الكتاب، وكتب النبي ﵇: «أن يَأْخُذَ مِنْ مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كُلِّ عِشرينَ مِثقالاً من الذهبِ نصفَ مِثقال» (٥). وأما الإجماع: فالأمة أجمعت عليها من غير نكير من أحد. ونصاب الفضة: مائتي درهم على المذهبين، وعند مالك: لو نقص منها

стр. 1577

الحول ففيها خمسة دراهم) لأنه ﵊ كتب إلى معاد ﵁: «أن خذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين مثقالا من ذهب نصف مثقال. قال: (ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما، فيكون فيها درهم، ثم في كل أربعين درهما درهم وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: ما زاد على المائتين فزكاته بحسابه) (*)، وهو قول الشافعي لقوله ﵊ في حديث علي: «وما زاد على المائتين فبحسابه» ولأن الزكاة وجبت شكرا لنعمة المال، نقصا يسيرا يجب فيها الصدقة (١). ورو محمد بن سلمة من أصحاب مالك: لو نقصت ثلاثة دراهم تجب فيها الزكاة. وعن مالك: إذا نقصت دانقا أو دائقين تجب فيها الزكاة، وبه قال أحمد (٢). وعن مالك: اليسير ما يسامح ويؤخذ بالتام، وعنه: إذا نقص حبة أو حبات في جميع الموازين؛ فلا زكاة فيه، وإن نقص في ميزان دون ميزان وجبت. وقال صاحباه: أي: أبو يوسف، ومحمد (٣)، وبقولهما: قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وأبو داود، وهو قول علي، وابن عمر، وإبراهيم النخعي. (بحسابه): قلت الزيادة أو كثرت، حتى إذا درهم ففيه جزء من أربعين جزء

стр. 1578

وَاشْتِرَاطُ النِّصَابِ فِي الابْتِدَاءِ لَتَحَقُّق الغِنَى، وَبَعْدَ النِّصَابِ فِي السَّوَائِمِ تَحَرُّزًا عَنِ التَّشْقِيص. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ مُعَادٍ: «لَا تَأْخُذْ مِنْ من درهم. (في حديث علي ﵁): روى أبو داود عن الحارث بن الأعور، عن علي أنه ﵇ قال: «إذا كانتْ لكَ مِائَتا درهم وحال عليها الحول؛ ففيها خمسة دراهم، وليس لك فيه شَيءٌ؛ يعني: حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإن كانَ عشرون دينارا وحال عليها الحولُ؛ ففيه نصف دينار، وما زاد فبحساب ذلك» (١)، والأصل فيما ورد مطلقا العمل بإطلاقه. ولأن الأصل في الزكاة أن تجب في كل مال؛ لأنها شكر لنعمة المال، واشتراط النصاب بتحقق معنى الغناء، وبعد النصاب يوزع الواجب على قدر سببه، وزكاة النصاب مقدر بربع العشر شرعًا، فكان في الزائد كذلك؛ لاتحاد نسبة الزكاة فيهما إلى كل منهما، إلا أن في السوائم اعتبرنا النصاب بعد النصاب يوزع الواجب؛ لتعذر إيجاب التشقيص؛ لما يدخل من إيجابه ضرر الشركة على المالك، وهذا المعنى مفقود هاهنا. كذا في الإيضاح (٢). (ولأبي حنيفة): وهو قوله ﵇ في حديث معاذ: «لا تَأْخُذْ مِنَ الكسور شيئًا». قيل: معناه: لا تأخذ من الشيء الذي يكون المأخوذ منه كسورًا، فسماه كسورا باعتبار ما يجب فيه. وقيل: (من) زائدة، وفيه تأمل. وفي رواية: قال ﵇: «إذا بلغ الوَرِقُ مِائَتَي درهم ففيها خَمسة

стр. 1579

الكسور شيئا وقوله في حديث عمرو بن حزم: «وليس فيما دون الأربعين دراهم، ولا يأخذ فيما زاد حتى يبلغ أربعين درهما». رواه الدارقطني (١)، والحسن البصري، وسفيان الثوري. ومذهب أبي حنيفة مروي عن عمر ﵁، رواه الليث عن يحيى بن أيوب عن حميد بن عمر. هكذا ذكره ابن بطال، وبه قال ابن المسيب، والحسن البصري، وطاووس، وعطاء، والشعبي، ومكحول، وابن شهاب. وفي شرح المجمع (٢): لأبي حنيفة: ما رواه أبو داود (٣) في أول الحديث: «هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما درهم، وليس عليكم شيء حتى يتم مائتي درهم، ففيها خمسة، فما زاد فعلى حساب ذلك». وجه التمسك به: أنا أجمعنا على أنه لا شيء في الأربعين قبل تمام النصاب، فالتنصيص عليه لفائدة كمية ما يجب فيه بعد كمال النصاب، فيقع ذلك تفسيرا لقوله: «وما زاد فبحساب ذلك» (٤)؛ يعني: درهما في أربعين درهما، فإنه ربع العشر، وإلا لخلا التنصيص عليه عن الفائدة. كذا في المبسوط (٥). وفيه تأمل؛ لأنه قد لا يمكن حمل قوله: «فما زاد فعلى حساب ذلك» (٦) على ما ذكره، بل الجواب: أن الثقات قالوا: قوله: «فما زاد فعلى حساب ذلك» (٧) موقوف على علي. ذكره عبد الحق في أحكام الكبرى (٨). والرواية عن علي مختلفة، وقد خالفه في ذلك عمر، وأبو موسى الأشعري.

стр. 1580

صَدَقَةٌ»، وَلِأَنَّ الحَرَجَ مَدْفُوعٌ، وَفِي إِيجَابِ الكُسُورِ ذَلِكَ لِتَعَذَّرِ الوُقُوفِ، (وفي إيجاب الكسور ذلك لتعذر الوقوف عليه)؛ أي: على الكسر. بيانه: أنه إذا ملك مائتي درهم وسبعة دراهم؛ فعندهما: يجب عليه خمسة دراهم وسبعة أجزاء من أربعين جزءًا من درهم، فإذا لم يزد في السنة الأولى؛ يجب في السنة الثانية زكاة ما بقي من المال، وذلك مائتا درهم ودرهم، وثلاثة وثلاثون جزءًا من أربعين درهم، وزكاة مائتي درهم، وثلاثة وثلاثون جزءًا من أربعين جزءًا؛ لا يعرف البتة إلا بمشقة عظيمة، والحرج منتف بالنص. كذا في مبسوط أبي اليسر (١). وعن مولانا حميد الدين بالفارسية: درسال دوم بيح درم لازم شو دونك جزءًا وجهل جزء ويك درم وسي وسه جزءا زانك جهل أزوى بايد تايكي ازان شودكه جهل أزوي بايد بابك درم صحيح شود، وهذا مما لا يعرف إلا بحرج عظيم (٢). وما دون هذا التضييق مثل عدم النماء، وعدم اشتراط النصاب مدفوع شرعًا، وما رواه قد خص عنه ما دون النصاب، فيخص المتنازع فيه. وفي الْمُجْتَبى: قال السرخسي في مبسوطه: وأما حديث علي فلم ينقله أحد من الثقات مرفوعًا، فكان المصير إلى ما روينا أولى (٣)، وكذلك الخلاف في الهلاك بعد الحول إن هلك عشرون من مائتي درهم بقي فيها أربعة دراهم عنده، وعندهما أربعة ونصف. وفي مبسوط شيخ الإسلام: ما رواه أبو حنيفة أولى؛ لأنه محكم لا يحتمل التأويل، وما روياه محتمل بقوله: «فيما زاد على المائتين فبحسابه» (٤)؛ أي: فبحساب ذلك في كل أربعين درهم، ويحتمل ما زاد قل أو كثر.

стр. 1581

وَالمُعْتَبَرُ فِي الدَّرَاهِمِ وَزْنُ سَبْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ العَشَرَةُ مِنهَا وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ، بِذَلِكَ جَرَى التَّقْدِيرُ فِي دِيوَانِ عُمَرَ وَاسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَيْهِ (وَإِذَا كَانَ الغَالِبُ عَلَى الوَرِقِ الفِضَّةَ فَهُوَ فِي حُكْمِ الفِضَّةِ، وَإِذَا كَانَ الغَالِبُ عَلَيْهَا الغِشَّ فَهُوَ فِي حُكْم العُرُوضِ، يُعْتَبَرُ أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ نِصَابًا) لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ غِسٌ، لِأَنَّهَا قوله: (والمعتبر في الدراهم وزن سبعة): وهو قول الجمهور (١). وحكي عن المغربي من أهل الظاهر، وبشر المريسي: الاعتبار بالعدد في الدراهم دون الوزن، وهذا خلاف النص والإجماع. وفي التتمة، والمبسوط وتفسيره: أن يوزن كل عشرة منها بسبعة مثاقيل، وكل درهم أربعة عشر قيراطا، والمثقال عشرون قيراطا (٢). وأصل ذلك: أن الأوزان في عهد النبي ﵇ وعهد أبي بكر مختلفة، فمنها: ما كان كل عشرة دراهم عشرة مثاقيل. ومنها: ما كان كل عشرة ستة مثاقيل، كل درهم ثلاثة أخماس مثقال، اثني عشر قيراطا قيراطا، وهو الذي يسمى وزن ستة. ومنها: ما كان كل عشرة خمسة مثاقيل، وهو الذي يسمى خمسة. ولما أراد عمر أن يستوفي الخراج؛ طالبهم بالأكثر، فشق عليهم، فالتمسوا التخفيف، فجمع حساب زمانه ليتوسطوا بين ما رامه عمر وبين ما رامته الرعية من الدراهم، فاستخرجوا له وزن السبعة، وإنما فعلوا ذلك لأحد وجوه ثلاثة: الأول: أنك إذا جمعت أعداد الأصناف، يعني: من كل صنف عشرة دراهم؛ صار الكل أحدًا وعشرين مثقالاً، فإذا أخذت ثلث الكل كان سبعة مثاقيل. والثاني: إذا أخذت من كل عشرة من هذه الأصناف، وجمعت من أثلاث الثلاثة المختلفة؛ كانت سبعة مثاقيل.

стр. 1582

لَا تَنْطَبِعُ إِلَّا بِهِ، وَتَخْلُو عَنْ الكَثِيرِ، فَجَعَلْنَا الغَلَبَةَ فَاصِلَةٌ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي الصَّرْفِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ فِي غَالِبِ الغِشِّ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التِّجَارَةِ كَمَا فِي سَائِرِ العُرُوضِ، إِلَّا إِذَا كَانَ تَخْلُصُ مِنهَا فِضَّةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا، لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي عَيْنِ الفِضَّةِ القِيمَةُ وَلَا نِيَّةُ التِّجَارَةِ. والثالث: أنك القيت الفاضل على السبعة من العشرة، أعني الثلاثة، والفاضل أيضًا من مجموع الستة والخمسة أعني الأربعة، ثم جمعت مجموع الفاضلين؛ كان سبعة مثاقيل، فلما كانت سبعة مثاقيل أعدل الأوزان، ودارت في جميعها بطريق مستقيم؛ اختاروها، وبقي كذلك إلى يومنا، والعجب أنك تجد الباقي كما تجد الملقى. وفي المرغيناني: كان الدرهم شبيه النواة، وصار مدوّرًا على عهد عمر، فكتبوا عليه وعلى الدينار: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وزاد ناصر الدولة ابن حمدان: ﷺ ، فكانت منقبة لآله (١). وفي الْمُجْتَبى، وجمع النوازل، والعيون وتعتبر دراهم كل بلدة ودنانيرهم (٢). وفي الخلاصة عن الفضلي: أنه كان يوجب في كل مائتين تجارية، وهي الغطارفة خمسة منها، وبه أخذ السرخسي؛ إذ المعتبر في كل زمان عادة أهله؛ ألا ترى أن في زمان النبي ﵇ وزن خمسة، وفي زمان عمر وزن ستة، وفي زماننا وزن ما دون سبعة (٣)، وفي الفلوس تعتبر القيمة، وفيما سواها من الدراهم لا تجب فيه الزكاة عند الكل، إلا أن يكون النصف من كل درهم فضة، أو تبلغ قيمتها مائتي درهم فهو في حكم الفضة، حتى لا يشترط نية التجارة حين اشتراه في حق وجوب الزكاة، فهو في حكم العروض حتى يشترط فيه نية التجارة حين اشتراه، ويحتاج إلى التقويم.

стр. 1583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الْمُجْتَبى: هذا إذا لم يكن أثمانا رائجة، فإن كانت وبلغت نصابا من أدنى ما تجب الزكاة فيه من الدراهم؛ تجب الزكاة فيه (١). وإلا هاهنا مسائل وتفاصيل يحتاج إلى معرفتها: أحدها: أنه إذا غلب الغش ولم تبلغ قيمتها نصابًا، لكنه تخلص منها فضة مائتا درهم؛ تجب الزكاة؛ لأنه لا يعتبر في عين الفضة القيمة ونية التجارة، ولو كان فيها فضة لا تخلص عند الإذابة لا تعتبر، وكذا كل مموه من الذهب والفضة. وثانيها: ما لو استوى الغش والفضة، لم يقطع محمد القول فيه؛ بل عاد إلى اعتبار الغالب، فإن الاعتبار أن لا يتبايعوا بها، ولا يشتروا إلا وزنًا. قال تاج الدين: إن كانت الفضة مع الغش سواء؛ فحكمه حكمها في أن لا تباع إلا وزنا، وكذا في الزكاة (٢). وكذا الدنانير الغالب فيها الذهب كالمحمودية ونحوها، فأما الهروية والمروية وما لم يكن الغالب فيها الذهب؛ يعتبر قيمتها إن كانت ثمنا رابحة للتجارة، ولا يعتبر قدر ما فيها من الذهب والفضة؛ لأنهما تخلصان بالإذابة. قال صاحب الْمُجْتَبى: فالمفهوم مما ذكر في الصرف وتاج الدين: أن يكون للمساوي حكمها (٣). وقال الشافعي: إن كان معه فضة مغشوشة أو ذهب مغشوش، وكان الذهب أو الفضة لا يبلغ نصابًا؛ لم يجب فيه شيء وإن غلبا؛ لاعتبار النصب في الفضة بالنص (٤)، وبه قال مالك (٥)، وأحمد (٦)، وعندنا: يعتبر الغالب كما ذكرنا.

стр. 1584

فَصْلٌ فِي الذَّهَبِ (لَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالاً مِنْ الذَّهَبِ صَدَقَةٌ. فَإِذَا كَانَتْ عِشْرِينَ مِثْقَالاً فَفِيهَا نِصْفُ مِثْقَالِ) لِمَا رَوَيْنَا وَالمِثْقَالُ مَا يَكُونُ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنهَا وَزْنَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَهُوَ المَعْرُوفُ (ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ قِيرَاطَانِ) لِأَنَّ الوَاجِبَ رُبْعُ العُشْرِ وَذَلِكَ فصل في الذهب (لما روينا)؛ وهو حديث معاذ في فصل الفضة. الضمير في (منها) راجع إلى (ما)، أو إلى (المثقال) على تأويل المثاقيل. فإن قيل: في تعريف المثقال بما ذكرنا في الكتاب؛ لأنه عرف المثقال بوزن السبعة، وعرف وزن السبعة به. قلنا: نعم كذلك، إلا أنه دفع هذه الشبهة بقوله: (وهو المعروف)؛ لأنهما معروفان، لكن الجهالة وقعت في نسبة أحدهما إلى الآخر، لكنه عرفه به؛ ليعلم أن المعتبر مثقال بوزن السبعة؛ لأنه قد يستعمل في غيره. كذا قيل. وحكي عن [عطاء] (١) وطاووس أنهما قالا: نصاب الذهب معتبر بالفضة، فيعتبر أن تبلغ قيمته مائتي درهم، حتى لو كان معه خمسة عشر مثقالاً، منه تبلغ مائتي درهم؛ وجبت فيها الزكاة. ولو كان معه عشرون مثقالاً لا تساوي ما دون مائتي درهم؛ لم يجب فيها الزكاة. وعن الحسن البصري في رواية: نصابه أربعون مثقالاً، فيجب مثقال. وكل ذلك بخلاف الإجماع والنص. (وهو)؛ أي: المثقال معروف بالنص بين الناس، وهو قدر وزن الدينار من الذهب. وأما تعريفه، وهو المسمى بالدينار على وجه التمام، ما ذكره السجاوندي في تصنيف له في قسمة التركات فقال: اعلم أن الدينار ستة دوانيق، والدانق

стр. 1585

فِيمَا قُلْنَا: إِذْ كُلُّ مِثْقَالِ عِشْرُونَ قِيرَاطًا (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ مَثَاقِيلَ صَدَقَةٌ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا: تَجِبُ بِحِسَابِ ذَلِكَ (*)، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الكُسُورِ، وَكُلُّ دِينَارٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي الشَّرْعِ، فَيَكُونُ أَرْبَعَةُ مَثَاقِيلَ فِي هَذَا كَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. أربع طسوجات، والطسوج حبتان، والحبة شعيرتان، والشعيرة ستة خرادل، والخردل اثنا عشر فلسا، والفلس ست فسلات، والفسيل ست نقيرات، والنقيرة ثمانية قطميرات، والقطميرة اثنا عشر ذرة (١). وذكر فيه الدينار بسنجة أهل الحجاز عشرون قيراطا، والقيراط: خمس شعيرات، والدينار عندهم مائة شعيرة، وعند أهل سمرقند: ستة وتسعون شعيرة، فيكون القيراط عندهم طسوجا وخمسة. قال شيخي ﵀ فخر الإسلام أهل سمرقند ستة وتسعين شعيرة ستة أجزاء (٢)، وسموا كل جزء دانقًا وجزءا، وكل دائق أربعة أجزاء، وسموا كل جزء طسوجا، وقسموا كل طسوج جزئين، وسموا كل جزء حبة، وسموا كل حبة بشعرتين، فإذاً: الدينار ثمان وأربعون حبة وأربعة وعشرون طسوجا، وعلى هذا الوزن تدور المعاملات في ما وراء النهر، فوزن القيراط بهذا الوزن: أربع شعيرات وأربعة أخماس شعيرة. والقيراط عند أهل الحجاز: خمس شعيرات فكان الدرهم سبعين شعيرة، وهو الدرهم المعتبر في الشرع، ثم ضرب الدراهم ببلاد ما وراء النهر بعد الوقعة العظيمة على نصف مثقال بوزن سمرقند، وهو ثمانية وأربعون شعيرة، فالنصاب من هذه الدراهم يكون مائتين وإحدى وتسعين وثلثي درهم، وهما اثنان وثلاثون شعيرة؛ لأن وزن الدرهم الحجازي سبعون شعيرة على ما ذكرنا زائد على هذا الدرهم باثنين وعشرين شعيرة، وذلك مساو لوزن نصف الدرهم ناقصا عنه نصف سدسه، فيزاد على المائتين نصفها، وهو مائة ناقصًا عنه نصف سدسها وثمانية وثلاثة، وهو ما ذكرنا، ومقدار الواجب منها سبعة دراهم وأربعة عشر شعيرة،

стр. 1586

قَالَ: (وَفِي تِبْرِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَحُلِيْهِمَا وَأَوَانِيهِمَا الزَّكَاةُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا ومجموع النصاب ثمانية وأربعون دينارًا ونصف دينار ونصف وثلثا درهم؛ لأنهم يعدون كل ستة دينارًا، ثم ضرب الدرهم في بلادنا في هذا الزمان على ثلث مثقال بالوزن السمرقندي، وهو اثنان وثلاثون شعيرة، فالنصاب منه أربع مائة درهم وسبعة وثلاثون درهما ونصف، فإن وزن هذا المجموع أربع عشر آلاف شعيرة، كما أن وزن النصاب الشرعي وهو مائتا درهم كذلك، ومجموع الدراهم بحسابهم اثنان وسبعون دينارًا وخمسة دراهم ونصف درهم، والواجب منه عشرة دراهم وخمسة عشر جزءًا من ستة عشر جزءًا من درهم، وذلك ثلاثون شعيرة. وفي الْمُجْتَبى: وفي مشكل الآثار: المعتبر في الدينار وزن مكة (١). وعن الترجماني: المعتبر في الدينار والدرهم وزن مكة؛ لقوله ﵇: «والوزن وزن مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة» (٢)، ووزن مكة في الدراهم كل عشرة بوزن سبعة مثاقيل، فوزن الدرهم ثلثا مثقال وطسوج غير شعيرة، كما استقر في ديوان عمر ﵁، وفي المعاملات كالعقود والإقرارات؛ يعتبر الوزن الذي يتعامل به الناس في كل بلدة (٣). قوله: (وفي تبر الذهب والفضة): التبر منهما: ما كان غير مضروب. (وَأَوَانِيهِمَا): الأواني - بسكون الياء بالتخفيف -: جمع الجمع الكثرة للإناء، وجمع القلة: آنية، كسوار وأسورة وأساور. كذا في المغرب (٤). والحلي: جمع حُليّ، كندي، جمع ثُدي بالضم. والحلية: الزينة من ذهب أو فضة أو جوهر. والحلي: ما تتحلى به المرأة. (وقال الشافعي … ) إلى آخره: كل ذهب وفضة مصوغ لأجل الاستعمال، فإن كان يباح استعماله كحلي النساء وخاتم الفضة للرجال؛ ففي وجوب الزكاة

стр. 1587

تَجِبُ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ وَخَاتَمِ الفِضَّةِ لِلرِّجَالِ، لِأَنَّهُ مُبْتَذَلَّ فِي مُبَاحٍ فَشَابَهَ ثِيَابَ البِذْلَةِ. فيه له قولان: في قول: يجب، وهو مذهبنا، والثوري، وقول عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري، وكثير من التابعين. وفي أظهر قوله: لا يجب (١)، وهو قول مالك (٢)، وأحمد (٣)، وأبي ثور، وابن عمر، وجابر، وعائشة. أما لو كانت محظورة الاستعمال؛ فالزكاة واجبة فيها بالإجماع. له: أن جواز الاستعمال لعدم وصف النماء للتضاد بينهما، كعبيد الخدمة وثياب البذلة، فتعتبر الصنعة؛ لأنه ابتذال حكمًا. أما لو كان محظورًا شرعًا يسقط اعتبار الصنعة والابتذال حكمًا، فيكون كالمعدوم، وما روى جابر، وأنس، وعائشة أنه ﵇ قال: «لا زكاة في الحلي» (٤). ولنا: حديث عمرو بن العاص أنه ﵇ رأى امرأتين تطوفان بالبيت عليهما سواران من ذهب، فقال: «أتُؤدِّيانِ زكاتَهُما؟»، قالتا: لا، قال لهما: «أتُحِبّانِ أن يُسوِّرَكُما الله تعالى سِوارَينِ مِنَ النارِ؟»، قالتا: لا، قال: «فأديا زكاتهما». رواه الترمذي والنسائي، وأبو داود (٥).

стр. 1588

وَلَنَا: أَنَّ السَّبَبَ مَالٌ نَامٍ، وَدَلِيلُ النَّمَاءِ مَوْجُودٌ وَهُوَ الإِعْدَادُ لِلتِّجَارَةِ خِلْقَةٌ، وما قيل: أن الترمذي ضعفه، فقد اعترض على الترمذي الثقات على تضعيفه، وقالوا: حديث حسن صحيح. وفي مسند أبي داود عن عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ عَلَيَّ ورأى في يدي فَتَخاتٍ من وَرِقٍ، فقال: «ما هذا؟»، فقلت: صنعتهن لأزين لك يا رسول الله، قال: «أتؤدِّينَ زكاتهن؟»، فقلت: لا، وما شاء الله، فقال: «هي حسبْكِ من النار» (١). وفي الموطأ (٢): عن عطاء قال: بلغني أن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحًا (٣) من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكَنزٌ هي؟، قال: «إن أدَّيْتِ منها الزكاةَ فَلَا». والمعنى: أن الزكاة تعلقت بعين الذهب والفضة؛ لأنهما خلقا للتجارة، فيكونان معدان للنماء، فلا يسقط هذا الوصف بالصنعة، سواء كانت لاستعمال مباح أو محظور [كحكم الربا أو التقابض، ولم يعرف الحال من كونه مباحًا أو محظورًا] (٤) كما في السوائم؛ إذ جعلها حمولة حمر حيث لا تجب الزكاة، لا باعتبار الحذر؛ بل باعتبار كونها حمولة، فكذلك هاهنا لم يفترق الحال بين كونها مباح الاستعمال أو محظورة. وأما ما روي؛ فلم يشتهر فيما تعم به البلوى، فلا يقبل أو يحمل على الحلي من الجواهر واللآلئ؛ توفيقا بين الأحاديث بقدر الإمكان. وقال سبط ابن الجوزي: حديث جابر ضعيف مع أنه موقوف على جابر،

стр. 1589

وَالدَّلِيلُ هُوَ المُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الثَّيَابِ. أنه كان يرى الزكاة في كثير الحلي دون قليلها. قال البيهقي (١): حديث جابر لا أصل له مع تعصبه للشافعي. قوله: (بخلاف الثياب)؛ يعني: المقصود من الابتذال بهما؛ هو التحمل الزائد لا تتعلق به حياة النفس والمال، فلا تنعدم صفة الثمنية أو النمو الثابتة لهما خلقة بالصنعة والاستعمال، بخلاف الثياب، فإنه ثمة أمر أصلي؛ لأن فيه صرفًا لهما إلى الحاجة الأصلية المتعلقة، وهي دفع الحر والبرد، فجاز أن يبطل الأمر الأصلي فيها ما هو دونه، وهو معنى التجارة فيها. وأما حكم الزكاة في الحلي والأواني؛ تختلف بين أداء الزكاة من عينها وبين أدائها من قيمتها، مثلا: له إناء فضة وزنه مائتا وقيمته ثلاثمائة، فلو زكى من عينه زكى ربع عشره، ولو أدى من قيمته؛ فعند محمد (٢)، وابن سريج من أصحاب الشافعي (٣): يعدل إلى خلاف جنسه، وهو الذهب؛ لأن الجودة معتبرة. أما عند أبي حنيفة، وأحمد (٤): [لو أدى] (٥) خمسة من غير الإناء؛ سقطت عنه الزكاة؛ لأن الحكم غير مقصور على الوزن، فلو أدى منه ما تبلغ قيمته خمسة دراهم غير الإناء؛ لم يجز في قولهم جميعا؛ لأن الجودة متقومة عند المقابلة، بخلاف الجنس، فإن أدى القيمة وقعت عن القدر المستحق. كذا في الإيضاح (٦).

стр. 1590

فَصْلٌ فِي العُرُوضِ (الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ فصل في العروض آخر العروض؛ للاختلاف فيها، أو لأنها تُقَوَّمُ بالنقدين فيكون بناء عليهما. والعروض: جمع العرض بفتحتين، وهو حطام الدنيا، ومنه: الدنيا عرض حاضر، وعند المتكلمين: هو ما لا بقاء له. وقولهم: على عرض الوجود؛ أي: على إمكانه، من اعترض له كذا أني أمكنه. كذا في المغرب، والصحاح (١). العرض بسكون الراء: المتاع، وكل شيء عرض سوى الدراهم والدنانير. وفي المغرب: العرض بسكون الراء: خلاف الطول، ومنه شيء عريض، ومنه قولهم: عرض عليه متاعه؛ لأنه يريه طوله وعرضه، وأيضًا خلاف النقد، وأيضًا مصدر عرض. والعرض بالضم: الجانب، ومنه أوصى بعرض ماله؛ أي: جانب منه بلا تعيين. والعرض بكسر العين: ما يحمد الرجل ويذم عند وجوده وعدمه (٢). وقال أبو عبيدة: العروض: الأمتعة التي لا تدخل في كيل ولا وزن، ولا تكون حيوانًا ولا عقارًا (٣)، فجعلها جمع عرض بسكون الراء أولى؛ لأنه في بيان حكم الأموال التي هي غير الدراهم والدنانير والحيوانات. ثم الزكاة واجبة في عروض التجارة عند العامة (٤)، غير نفاة القياس منهم

стр. 1591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . داود، والشافعي في القديم بلغ بلغ بلغ وقال مالك (١)، وربيعة: لا زكاة في عروض التجارة ما لم ينص، ويصير دراهم أو دنانير، فحينئذ تلزمه زكاة وإن مضى عليه أحوال. وجه قولهم: قوله ﵇: «عفوتُ لَكُمْ عَنْ صَدقةِ الخَيلِ والرَّقِيقِ» (٢)، وهذا دليل على أنه لو ملكها بنية البيع لا يجب فيها الزكاة، ولعامة العلماء ما ذكر. وما روى جابر أنه ﵇ أمر بإخراج الزكاة من الرقيق الذي يعده للتجارة (٣). وما روى أبو ذر أنه ﵇ قال: «في الإبل صدقة، وفي الغَنَم صدقة، وفي البَقَرِ صدقة، وفي البر صدقةٌ» (٤)، فدل أن الزكاة تجب في الثياب، وليس فيها حالة تجب فيها الزكاة إلا إذا كان لها، وما روى سمرة بن جندب أنه ﵇ كان يأمر بإخراج الصدقة من الذي يعد للبيع (٥). وروي أنه ﵇ بعث عمر ساعيًا، فلما رجع شكى خالد بن الوليد، فقال ﵇: «إنكم تظلمونه، فإنه حبس أدراعَهُ أو عبيده في سبيل الله» (٦)، وهذه الأشياء لا تجب فيها الزكاة إلا إذا كانت للتجارة. ورؤي أن عمر لقي خماسا وعلى عنقه الأدم والجعاب، فقال له: أد زكاة

стр. 1592

كائنة ما كانت إذا بلغت قيمتها نصابا من الورق أو الذهب) لقوله ﵊ فيها: «يقومها فيؤدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم»، ولأنها معدة للاستنماء بإعداد العبد، فأشبه المعد بإعداد الشرع، وتشترط نية التجارة ليثبت إعداد، ثم قال: (يقومها بما هو أنفع للمساكين) احتياطا لحق الفقراء مالك، فقال: يا أمير المؤمنين، مالي إلا هذه أهب في القرض، فقال عمر: فضع، فوضعها بين يديه فحبسها، فوجد فيها زكاة، فأخذ فيها الزكاة، ولأنه مال معد للاستنماء بإعداد العبد، إلى آخره. قوله: (كائنة ما كانت)؛ أي: أي شيء كانت، سواء كانت من جنس ما يجب فيه الزكاة كالسوائم، أو من جنس ما لا يجب فيه الزكاة كالثياب، وكأنه احترز عن أحد قولي الشافعي، وقول مالك؛ حيث قالا: لو اشترى ما يجب في عينه الزكاة كالسائمة والكرم والنخل؛ يؤخذ زكاة العين لا زكاة التجارة بعد الحول، وقد مر. وقال [مالك] (١): الزكاة في مال ملكه بأحد النقدين، أما لو ملكه بغرض القنية [لا يجب] (٢). قوله: (وتشترط نية التجارة)؛ أي: في الشراء، أنه لا بد من اقتران النية بالعمل؛ لأن مجرد النية لا تعمل، فلو نوى التجارة بعد التملك، أو نوى بغرض القنية للتجارة؛ لم يصر لها حتى يبيعه بالإجماع، إلا عند الكرابيسي من أصحاب الشافعي (٣)، وأحمد في رواية (٤)؛ فإنه يصير بذلك للتجارة. (ثم قال)؛ أي: القدوري، أو محمد. (يقومها): في التقويم أربعة أقوال: أحدها: أن الخيار لصاحب المال، يقوم بأي النقدين شاء. ذكره في المبسوط (٥)؛ لأن التقويم لمعرفة مقدار المالية، والتقدير أن في ذلك سواء.

стр. 1593

قَالَ ﵁: وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الأَصْلِ خَيَّرَهُ، لِأَنَّ الثَّمَنَيْنِ فِي تَقْدِيرِ قِيمِ الأَشْيَاءِ بِهِمَا سَوَاءٌ، وَتَفْسِيرُ الْأَنْفَعِ أَنْ يُقَوِّمَهَا بِمَا يَبْلُغُ نِصَابًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُقَوِّمُهَا بِمَا اشْتَرَى إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ النُّقُودِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي مَعْرِفَةِ المَالِيَّةِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ النُّقُودِ قَوَّمَهَا بِالنَّقْدِ الغَالِبِ، والثاني: ما روي عن أبي حنيفة أنه يقومها بأنفع النقدين للفقراء (١)، وهو قول أحمد (٢)؛ لأن المال في يد المالك في زمان طويل، وهو المنتفع به، فلابد من اعتبار منفعة الفقراء عند التقويم. فإن قيل: في خلافه نظر المالك وحقه معتبر؛ ألا ترى أنه ﵇ نهى عن أخذ كرائم الأموال في الزكاة، واشترط الحول فيها. قلنا: المالك أسقط حقه بالاستنماء مدة الحول، فيؤثر حظ الفقراء بالتقويم بالأنفع؛ مراعاة للحقين بقدر الإمكان. والثالث: قول أبي يوسف: أنه يقومها بما اشتراه، وبه قال الشافعي في وجه (٣). (أنه أبلغ في معرفة المالية)؛ لأنه أظهر قيمته مرة بهذا النقد الذي وقع به الشراء، والظاهر أنه اشتراه بقيمتها، فكان هذا النقد أكثر تعريفا لقيمتها من نقد آخر، بخلاف ما لو اشتراها بعرض؛ فإنه لا يصلح تقويما للأشياء، وكذا لو ورثه، فوجب التقويم بغالب نقد البلد. والرابع: ما قاله محمد، والشافعي في وجه: أنها تقوم بغالب نقد البلد (٤). (بالنقد الغالب)؛ أي: في البلد على كل حال، سواء اشتراها بأحد النقدين أو بغيره؛ لأن التقويم في حق الله تعالى معتبرًا بالتقويم في حق العباد، ومتى وقعت الحاجة إلى تقويم المغصوب والمستهلك؛ يقوم بنقد الغالب، فكذا هذا.

стр. 1594

وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُقَوِّمُهَا بِالنَّقْدِ الغَالِبِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَمَا فِي المَغْصُوبِ وَالمُسْتَهْلَكِ (*) كذا في المبسوط (١). وفي الْمُجْتَبى: الوجوب بالعروض عندنا باعتبار قيمتها، حتى يتخير بين أداء ربع عشر قيمتها أو ربع عشر عينها (٢)، وهو أحد قولي الشافعي. وفي قول منه: يؤدي ربع عشر قيمتها، حتى لو أدى ربع عشر عينها لا يجوز. وقال بعض أصحابه: له فيه ثلاثة أقوال: في قول: يخرج ربع عشر القيمة، وهو نصه في الأم، وعليه الفتوى. وفي قول: ربع العشر العرض، وهو قول أبي يوسف، ومحمد (٣). وفي قول: يخير بينهما (٤)، وهو قول أبي حنيفة. كذا في الحلية (٥). وفي الكامل: الواجب عنده ربع عشر العين أو القيمة، وعندهما: ربع عشر العين، وإنما ينتقل إلى القيمة عند الأداء، حتى لو كان مائتا قفيز حنطة تساوي مائتين درهم؛ انتقص سعره بعد الحول وعاد إلى مائة، فعنده: إن شاء أدى خمسة أقفزة وإن شاء خمسة دراهم، وعندهما: أدى خمسة أقفزة أو درهمين ونصفا (٦). ثم اعلم: أنه لا بد من نية التجارة عند عمل هو تجارة، حتى لو ورثها ونوى التجارة لا يصير لها لما مر. وفي أمالي قاضي خان: اشترى عبدًا للتجارة ثم أراد أن يستخدمه سنين

стр. 1595

(وَإِذَا كَانَ النِّصَابُ كَامِلًا فِي طَرَفَي الحَوْلِ فَنُقْصَانُهُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ) لِأَنَّهُ يَشُقُّ اعْتِبَارُ الكَمَالِ فِي أَثْنَائِهِ، إِذْ لَا بُدَّ مِنهُ فِي ابْتِدَائِهِ لِلانْعِقَادِ وَتَحَقَّقِ الغِنَى وَفِي انْتِهَائِهِ لِلْوُجُوبِ، وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حَالَةُ البَقَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فخدمه؛ فهو للتجارة بحالة، ولو اشترى دارًا أو عبيدًا لها ثم أجرها؛ تخرج عن التجارة (١). وفي جامع البزدوي: وعندي: أن زكاة المبيع بيع الوفاء على البائع إن بقي في ملكه بلا إشكال (٢). قوله: (بنقصانه)؛ أي: بنقصان النصاب، احترز به عن الهلاك؛ فإنه ينقطع به الحول بالاتفاق؛ لأنه لا يتصور بناء الحول على الهالك؛ لأنه معدوم. كذا في المبسوط (٣). وذكر النصاب مطلقا؛ ليتناول كل ما تجب فيه الزكاة. وقال زفر: يشترط كمال النصاب من أوله إلى آخره (٤). وللشافعي فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه لو تلف بعض النصاب أو أتلفه؛ ينقطع الحول. وقال مالك (٥)، وأحمد (٦): إن أتلفه لقصد الفرار عن الزكاة؛ لا ينقطع الحول، وإلا ينقطع. والثاني: مثل مذهبنا. والثالث: يعتبر في آخر الحول. والرابع: أنه يعتبر بعض التنقيص دون نقص الكساد (٧).

стр. 1596

هَلَكَ الكُلُّ حَيْثُ يَبْطُلُ حُكْمُ الحَوْلِ، وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ لِانْعِدَامِ النِّصَابِ فِي الجُمْلَةِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى، لِأَنَّ بَعْضَ النِّصَابِ بَاقٍ فَيَبْقَى الانْعِقَادُ، وفي السوائم والنقدين يشترط كمال النصاب في جميع الحول عنده. وجه قول زفر: أن الحول شرط الوجوب، فكل جزء منه بمعنى أوله و آخره؛ ألا ترى أنه لو هلك جميع النصاب يجعل كالهالك في أوله وآخره. وقال الشافعي في السائمة كما قال زفر. أما في أموال التجارة يعتبر كمال النصاب في آخر الحول في قول؛ لأن الزكاة فيها تعتبر من القيمة، وهي لا تثبت على حال فشق على صاحب المال اعتبارها في كل وقت، فسقط اعتباره في أثناء الحول، وسقط اعتباره أيضًا في ابتداء الحول؛ لأن اعتباره فيه لأجل البقاء. وقلنا: الأصل اعتبار المال لقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤]، وإنما اعتبر النصاب؛ ليثبت وصف الغناء الشرعي فيصير أهلا للوجوب، فاعتباره في الابتداء؛ لأنه زمان انعقاد السبب، واعتباره في الانتهاء؛ لأنه زمان الوجوب، وفيما بين ذلك ليس زمان الانعقاد ولا زمان الوجوب فلم يعتبر، ونظيره الملك في التعليق؛ فإنه يعتبر في زمان التعليق، وفي زمان وجود الشرط، ولا يعتبر فيما بين ذلك، إلا أنه في زمان البقاء اعتبر بقاء جزء من النصاب لتمكن القول ببقاء الانعقاد، أما لو هلك جميع النصاب؛ انقطع الحول لعدم النصاب، فلا انعقاد جميعًا لعدم المحل. فإن قيل: لو جعل نصاب السائمة علوفة ينقطع الحول بالاتفاق، وفيه فوات وصف النصاب، ففي فوات بعض الأصل وهو النصاب- أولى. قلنا: فوات الوصف هنا وارد على كله فصار كهلاكه؛ لأنه لما أعده للاستعمال لم يبق شيء من المحل صالحًا لبقاء الحول؛ لأن العلوفة ليست من مال الزكاة، أما بعد فوات بعض النصاب بقي بعض المحل صالحًا لبقاء الحول؛ لأن الشيء إذا انعقد على الكل يبقى منعقدًا على البعض، كما في عقد المضاربة على الألف، يبقى العقد تبعًا بعض الألف، حتى يحصل جميع رأس

стр. 1597

قَالَ: (وَتُضَمُّ قِيمَةُ العُرُوضِ إِلَى الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ حَتَّى يَتِمَّ النِّصَابُ لِأَنَّ الوُجُوبَ فِي الكُلِّ بِاعْتِبَارِ التِّجَارَةِ وَإِنْ افْتَرَقَتْ جِهَةُ الإِعْدَادِ وَيُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الفِضَّةِ) المال أولا، وهذا هو الفرق بين الهلاك والنقصان. كذا في المبسوط (١)، والأسرار، والإيضاح. وفي الْمُجْتَبى: الدين في خلال الحول لا ينقطع حكم الحول وإن كان مستغرقا، وقال زفر: ينقطع (٢). وفي الحاوي: له غنم للتجارة فماتت قبل الحول، ودبغ جلدها وبلغ نصابا وتم الحول؛ فعليه الزكاة، بخلاف ما لو كان عصيرًا فتخمر ثم صار خلا؛ حيث لا يجب لبقاء الصوف على ظهر الشاة بعد الموت، وهو مال بخلاف الخمر (٣). وفي المحيط (٤)، وشرح القدوري والنوادر في مسألة العصير إذا تخمر ثم تخلل؛ لا ينقطع الحول أيضًا؛ لأن الخمر مال غير متقوم عندنا. ولو باع مال التجارة في الحول بجنسها أو بغير جنسها؛ لا ينقطع الحول، وكذا النقدان عندنا خلافًا للشافعي، وكذا الخلاف ولو بادل بعضه، وينقطع في السوائم بلا خلاف، وقد مرت المسألة. قوله: (وتضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة): وهذا بالإجماع. (وإن افترقت جهة الإعداد)؛ أي: أعداد التجارة، ففي أحدهما خلقة، وفي الآخر بالصنع. وحاصل الاختلاف: أن قيمة العروض تضم إلى النقدين بالإجماع، والسوائم من مختلفي الجنس كالإبل والبقر لا يضم بالإجماع، وقد مرت مسألة الضم، أما يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب عندنا (٥)، ومالك (٦)،

стр. 1598

لِلْمُجَانَسَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ، وَمِنْ هَذَا الوَجْهِ صَارَ سَبَبًا، ثُمَّ يُضَمُّ بِالقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي وأحمد في رواية (١). وقال الشافعي (٢)، وأحمد في رواية، وأبو ثور، وداود: لا يضم. وجه قولهم: قوله ﵇: «ليس في أقل من مائتي درهم صدقة» (٣)، وقوله ﵇: «ليس في أقل من عشرين مثقالاً صدقة» (٤)، ولأنهما جنسان فلا تضم كالسوائم المختلفة، أما بيان اختلافهما من حيث الحقيقة غير مشكل. وأما من حيث الحكم؛ فإنه لا تجري بينهما ربا الفضل بالإجماع، بخلاف زكاة التجارة؛ لأن تلك الزيادة زكاة ذهب وفضة؛ لأن النصاب يكمل من قيمتها وهي دراهم أو دنانير والقيم واحد، فمن هذا الوجه صار مال التجارة معهما جنسًا واحدًا، فأما الذهب والفضة؛ فإنما تجب الزكاة لعينهما دون قيمتها، بدلالة حال الانفراد، فإنه لا يكمل بالقيمة، بل يكمل بالوزن كثرت القيمة أو قلت. ولنا: حديث بكر بن عبد الله بن الأشج أنه قال: من السنة أن يضم الذهب إلى الفضة في إيجاب الزكاة، ومطلق السنة تنصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، ولو كان المراد سنة الصحابة فهي حجة لما عرف في الأصول. ولأنهما في حق الزكاة بمعنى مال واحد من حيث السبب والحكم، فإن كل واحد سبب باعتبار أنه للنماء خلقة، وتجب الزكاة كيف ما أمسكه للنماء أو للنفقة، بخلاف السوائم؛ لأنها مختلفة خلقة وحكمًا، فإن في أحدها يجب الشاة، وفي الآخر يجب البيع. كذا في المبسوط (٥)، والأسرار. وإنما لا يجري ربا الفضل؛ لأنهما جنسان مختلفان حقيقة، فحينئذ لم

стр. 1599

حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا بِالأَجْزَاءِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ (*)، حَتَّى إِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ مِائَةُ دِرْهَم يوجد فيهما إلا أحد وصفي وهو الوزن، وكانت شبهة العلة لا حقيقتها، فتثبت شبهة الفضل وهو ربا النسيئة. وفي الْمُجْتَبَى: تضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة عند أبي حنيفة باعتبار القيمة، إن شاء قوّم العروض وضمها إلى الدراهم والدنانير، وإن شاء قوم الدراهم أو الدنانير وضم قيمتها إلى قيمة العروض، وعندهما: لا تقوم النقدان، ولكن تقوم العروض وضمها إلى الدراهم أو الدنانير. وفائدته: فيمن له حنطة للتجارة والنقود سواء وقيمتها درهم، وخمسة دنانير قيمتها مائة؛ تجب الزكاة عنده خلافًا لهما، وهما يقولان: النقدان تقوم بهما الأشياء، فلا تقوم بالأشياء، ولأبي حنيفة: أن عروض التجارة والنقود سواء في تعلق الزكاة بها وقدر الواجب، فلم يكن أحدهما في الاعتبار أولى من الآخر (١). قوله: (وهو رواية)؛ أي: الضم بالأجزاء رواية الحسن، وهو قوله الأول، ومالك، وأحمد في رواية، حتى لو كانت له عشرة دنانير وخمسون درهما، إذا كانت قيمتها لجودته أو صياغته تبلغ مائة وخمسين درهما؛ تجب الزكاة عنده، خلافا لهما. وتفسير الضم بالأجزاء: أن يكون أحدهما ثلث النصاب، فلا بد أن يكون الآخر ثلثي النصاب، وكذا النصف وغيره، ولو كانت عشرة دنانير ومائة درهم وقيمتها مائة؛ تجب بالاتفاق، على اختلاف التخريج عنده باعتبار القيمة، وعندهما: باعتبار الأجزاء، ولو كانت مائة وخمسة دنانير قيمتها خمسون؛ لا يضم بالاتفاق. كذا في التحفة (٢). ولو كانت مائة وخمسون درهما وخمسة دنانير، وقيمة الدنانير لا تساوي خمسين درهما؛ تجب الزكاة على قولهما.

стр. 1600

وَخَمْسَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ تَبْلُغُ قِيمَتُهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، هُمَا يَقُولَانِ: المُعْتَبَرُ فِيهِمَا القَدْرُ دُونَ القِيمَةِ حَتَّى لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِي مَصُوغْ وَزْنُهُ أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْنِ وَقِيمَتُهُ فَوْقَهَا، هُوَ يَقُولُ: إِنَّ الضَّمَّ لِلْمُجَانَسَةِ وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِاعْتِبَارِ واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة؛ قال بعضهم: لا يجب عنده؛ لأن الضم باعتبار القيمة عنده، ويضم الأقل إلى الأكثر؛ لأنه تابع للأكثر، فلا يكمل النصاب. وقال الفقيه أبو جعفر: يجب على قوله، وهو الصحيح، ويضم الأكثر إلى الأقل. كذا في المختلفات (١). وذكر البزدوي: يضم القيمة، وبالأجزاء عنده، وعندهما بها فقط (٢). قوله: (المُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْقَدْرُ دُونَ الْقِيمَةِ)؛ لأنها ساقطة الاعتبار فيهما، كما في سائر حقوق العباد ومقابلة أحدهما بالآخر؛ لقوله ﵇: «جَيْدُها ورديتها سواء» (٣)؛ ألا ترى أن الزكاة لا تجب في مصوغ، وهو إبريق أو قلب وزنه مائة درهم، وقيمته عشرون مثقالاً أو مائتي درهم. (هو يقول): أبي حنيفة. (الضم للمجانسة)؛ وهي باعتبار القيمة لا الصورة، والوزن اعتبار الصورة، ولأن الضم إنما وجب ليصير نصابًا فيصير به غنيًّا، والغناء بالمالية والقيمة لا الوزن. وأما مسألة المصوغ؛ فإنه ما وجب ضمه إلى شيء آخر حتى يعتبر قيمته؛ لأنها فيهما إنما تطهر شرعًا عند مقابلة أحدهما بالآخر؛ لأن الجودة والصنعة لا قيمة لها إذا قوبلت بجنسها، فأما عند مقابلة أحدهما بالآخر تظهر للجودة

стр. 1601

القِيمَةِ دُونَ الصُّورَةِ فَيُضَمُّ بِهَا. بَابٌ فِيمَنْ يَمُرُّ عَلَى العَاشِرِ (إِذَا مَرَّ عَلَى العَاشِرِ بِمَالٍ فَقَالَ: والصناعة قيمة؛ ألا ترى أنه متى وقعت الحاجة إلى تقويم أحدهما في حقوق العباد يقوم بخلاف جنسه، فكذا في حقوق الله تعالى. كذا في المبسوط (١)، والإيضاح. باب فيمن يمر على العَاشِرِ ألحق هذا الباب بكتاب الزكاة؛ إتباعًا للمبسوط، وشروح الجامع الصغير. ووجه المناسبة: ظاهر. العاشر من ذكره في الكتاب: اسم فاعل من عشره؛ إذا أخذ عشر ماله الذي تجب فيه الزكاة. وما روي أنه ﵇ ذمَّ العَشَّار (٢)؛ محمول على من يأخذ أموال الناس ظلما، وسمي عاشرا وإن كان يأخذ ربع العشر من المسلم ونصفه من الذمي؛ لأنه يأخذ العشر من الحربي، فيكون عاشرا. والأذوار مركب، فيعتبر التلفظ به، والعشر منفرد فلا يتغير، مع أن لفظ العشر موجود فيهما. (بمال التجارة: أراد به الأموال الباطنة؛ لأن في الأموال الظاهرة وهي السوائم لا تحتاج إلى العاشر، فإن الإمام يأخذ ربع عشرها وإن لم يمر، وأما في الباطنة؛ فإن حق الأداء لصاحبها لا يحتاج إلى الحماية، أما إذا أخرجها إلى المفاوز احتاج إلى الحماية، فصار كالسوائم، ولهذا ذكر في المبسوط: العاشر:

стр. 1602

«أَصَبْتُهُ مُنْذُ أَشْهُرٍ أَوْ عَلَيَّ دَيْنٌ» وَحَلَفَ صُدِّقَ وَالعَاشِرُ: مَنْ نَصَبَهُ الإِمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ مِنْ التَّجَّارِ، فَمَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ تَمَامَ الحَوْلِ أَوْ الفَرَاغِ مِنْ الدَّيْنِ، كَانَ مُنْكِرًا لِلْوُجُوبِ، وَالقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ اليَمِينِ من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار، ويأمن التجار بمقامه من اللصوص (١). (أصبته منذ أشهر)؛ يعني: لم يَحُلْ عليها الحول، هذا إذا لم يكن في يده مال آخر من جنس النصاب قد حال عليه الحول، أما إذا كان في يده شيء؛ لا يلتفت العاشر إلى قوله، ويأخذ من هذا المال الذي لم يحل عليه الحول؛ لأن المستفاد عندنا يضم إلى ما عنده من النصاب، إلا أن تكون ثمن الإبل المزكاة، فحينئذ لا يأخذ باعتبار نصاب آخر عنده حال عليه الحول. والمراد في قوله: (علي دين)؛ دين العباد. قال الحلواني: أطلق في الكتاب قوله: (أو على دين)، والأصح: أن العاشر يسأله عن قدر الدين، فإن أخرها يستغرق النصاب بصدقة، وإلا لا يصدقة. كذا في الخبازية (٢). وقيل: ينبغي أن يصدقه فيما ينقص النصاب به؛ لأنه لا يأخذ من المال الذي يكون أقل منه؛ لأن ما يأخذه العاشر زكاة حتى شرطت فيه شرائط الزكاة. ذكره في شرح مختصر الكرخي للقدوري (٣). (مع اليمين) في المبسوط يستحلف لرجاء النكول كما في سائر الدعاوي (٤)؛ لتعلق حق العباد به، ولا يلزم عليه حد القذف، فإنه لا يستحلف فيه إذا أنكر، وإن تعلق حق العباد به؛ لأن اليمين شرعت للقضاء بالنكول، والقضاء به في الحدود متعذر لما عرف والقياس: أن لا يشترط اليمين لتحقيق

стр. 1603

(وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَدَّيْتُهَا إِلَى عَاشِرِ آخَرَ)، وَمُرَادُهُ: إِذَا كَانَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَاشِرٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى وَضْعَ الأَمَانَةِ مَوْضِعَهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَاشِرٌ آخَرُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهُ بِيَقِينِ (وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَدَّيْتُهَا أَنَا يَعْنِي: إِلَى الفُقَرَاءِ فِي المِصْرِ؛ التصديق؛ لأن الزكاة حق الله تعالى، كما في الصوم والصلاة، وهو وجه رواية ابن سماعة عن أبي يوسف. أما في ظاهر الرواية: يشترط؛ لتعلق حق العاشر، أما في الأخذ وحق الفقراء في المنفعة، بخلاف الصوم والصلاة؛ لأنه لم يتعلق بهما حق العبد ولا يلزمه قيمتها، ولأنها تشبه الصلاة والصوم من حيث إنها إحدى أركان الدين، وتشبه حق العباد من الوجه الذي قلنا، ولو كان خالص حقه لله تعالى يصدق بلا يمين، ولو كان خالص حق العبد لا يصدق فيه؛ وإن حلف بعد وجود سبب الوجوب، كالبائع إذا ادعى الخيار بعد إقراره بالبيع والمشتري إذا ادعى الأجل في الثمن بعد إقراره بالشراء، وهاهنا أيضًا يدع المانع بعد تحقيق السبب، فقلنا: لشبهه بحق الله تعالى نصدق، ولشبهه بحق العباد يستحلف إذا أنكر عملًا بالشبهين. كذا ذكره المحبوبي (١). وذكر التمرتاشي: وكذا إذا قال: هذا المال ليس للتجارة، أو هو بضاعة لفلان، وحلف، صُدِّق إلى الفقراء في المصر، قيد به؛ لأن ولاية الدفع إلى الفقير في الأموال الباطنة إليه فيه، دون السفر، حتى لو قال في السفر لا يصدق؛ لأن حق الأخذ في السفر فيها، للإمام، كالسوائم في الحضر والسفر. كذا في جامع الكردري (٢). وقوله: (وكذا إذا قال: أديت إلى عاشر آخر)، وقوله: (وكذا إذا قال: أديتها إلى الفقير في المصر)، عطف على قوله: (وحلف صدق). في قوله: (أديتها إلى عاشر آخر) وثَمَّ عاشر؛ يصدق عند إظهار البراءة بلا

стр. 1604

لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَانَ مُفَوَّضًا إِلَيْهِ فِيهِ، وَوِلَايَةُ الأَخْذِ بِالمُرُورِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الحِمَايَةِ، وَكَذَا الجَوَابُ فِي صَدَقَةِ السَّوَائِمِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ، وَفِي الفَصْلِ الرَّابِعِ: وَهُوَ مَا إِذَا قَالَ: «أَدَّيْتُ بِنَفْسِي إِلَى الفُقَرَاءِ فِي المِصْرِ»، لَا يُصَدَّقُ وَإِنْ حَلَفَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الحَقَّ إِلَى المُسْتَحِقٌ. وَلَنَا: أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ عين عند أبي حنيفة، خلافًا لهما، في ثلاثة فصول: أحدها: لو قال: أصبت منذ أشهر. والثاني: في قوله: (علي دين). والثالث: في قوله: (أديت إلى عاشر آخر) لا يُصدق وإن حلف؛ لأن الظاهر يكذبه؛ لأن أداء زكاة السوائم لم يفوض إليه، وهو قول مالك (١)، وأحمد، والشافعي في القديم. وقال في الجديد: يُصدق؛ لأنه يجوز له تفرقة زكاة السوائم بنفسه، وقد أوصل الحق إلى المستحق، وصار هذا كالمشتري من الوكيل إذا أوفى الثمن إلى الموكل (٢). ولنا: أن حق الأخذ إلى آخره تشريحه: أن الزكاة محض حق الله تعالى، فيستوفيه من تعين نائبا عنه، فيتعين الإمام في استيفائه، فلا تبرأ ذمته إلا بالصرف إليه، وعلى هذا يقول: إن علم صدقه فيما يقول يأخذ منه ثانيًا، ولا تبرأ بأداء نفسه، وهو اختيار بعض مشايخنا، أو أن الساعي عامل للفقير، وفي المأخوذ حق الفقير، ولكنه مولى عليه في هذا الأخذ، حتى لا يملك المطالبة بنفسه، فيكون بمنزلة دين الصغير يدفعه المديون إلى الولي دون الصبي، فعلى هذا يبرأ بالأداء بنفسه ديانة. وظاهر قوله في الكتاب: (إذا حلف)؛ إشارة إلى أنه لو علم صدقه لم يتعرض له، والفرق: أن الفقير من أهل القبض، ولكن يجب الإيفاء بطلبه، فإذا أدى من عليه من غير مطالبة إليه؛ حصل ما هو المقصود، فيبرأ بالدفع إليه،

стр. 1605

للسلطان فلا يملك إبطاله بخلاف الأموال الباطنة. ثم قيل: الزكاة هو الأول، والثاني سياسة. وقيل: هو الثاني والأول ينقلب نفلا، وهو الصحيح، ثم فيما يصدق في السوائم وأموال التجارة لم يشترط إخراج البراءة في الجامع الصغير، بخلاف الصبي، فإنه ليس من أهل القبض حقه، فلا يبرأ بالدفع إليه. كذا في المبسوط (١). وإنما يبرأ الوكيل من المشتري؛ لأن للموكل حق القبض، ولهذا أجبر الوكيل إذا امتنع عن قبض الثمن، على أن يحيل بالقبض إلى الموكل، فإذا دفع إليه دفعه إلى من له حق القبض فيبرأ. كذا ذكره المحبوبي. وفي جامع أبي اليسر: فلو أجاز الإمام إعطاءه لا يكون به بأس؛ لأنه إذا أذن له الإمام في الابتداء أن يعطي إلى الفقراء بنفسه جاز، فكذا جاز بعد الإعطاء (٢). (سياسة)؛ أي: سياسة إليه، فيكون كما إذا صلى في بيته ثم وجد جماعة فصلاها، فالثانية نفل. كذا ذكره البزدوي (٣). (هو الصحيح)؛ لما أن حق الأخذ للإمام شرعا؛ لأن الزكاة حق الله تعالى خالصا، والإمام نائبه، فكان أداء رب المال لغوا لا فرضا، كما إذا أدى الجزية بنفسه. كذا في المبسوط (٤). قوله: (تنقلب نفلا)؛ أي: للأداء لم تقع فرضا ولا نفلا، ولو وقع فرضا يمكن أن ينقلب نفلا، كمن صلى الظهر في بيته يوم الجمعة ثم سعى إليها. (لم يشترط إخراج البراءة في الجامع الصغير): وهو الصحيح. ذكره في المبسوط (٥)، وجامع التمرتاشي.

стр. 1606

وَشَرَطَهُ فِي الأَصْلِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى، وَلِصِدْقِ دَعْوَاهُ عَلَامَةٌ فَيَجِبُ إِبْرَازُهَا. وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ الخَطَّ يُشْبِهُ الخَطَّ فَلَا يُعْتَبَرُ عَلَامَةٌ. قَالَ: (وَمَا صُدِّقَ فِيهِ المُسْلِمُ صُدِّقَ فِيهِ الذِّمِّي)؛ لِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنهُ ضِعْفُ مَا (وشرطه)؛ أي: إخراج البراءة. (في الأصل)؛ أي: مبسوط محمد. (إبرازها)؛ أي: إظهار العلامة، كإظهار الشجة والقطع في دعواه لها، وكالمرأة إذا أخبرت بالولادة، فإن شهدت القابلة قبلت، وإلا فلا. (فلا يعتبر علامة): ولأنه قد لا يؤخذ البراءة للغفلة، وقد يفقدها بعد الأخذ، فلا يمكن أن تجعل حكمًا، فبقي المعتبر قوله مع يمينه. كذا في المبسوط (١). ثم على قول من يشترط إخراج البراءة، هل يشترط اليمين معها؟، فقد اختلف فيه. وفي الشافي، والمحيط، وجامع التمرتاشي: إذا لم يحلف لم يصدق عند أبي حنيفة، وما لا يصدق لشهادة الظاهر له (٢). والبراءة: اسم لخط الإبراء، من بَرِئَ رب الدين ومن العيب، والجمع: البراءات، والبروات عامي. كذا في المغرب (٣). قوله: (صدق فيه الذمي): وفي جامع الكردري: إلا في قوله: أديت بنفسي؛ لأن عثمان ﵁[قال] ما أفوض إلى أهل الذمة دفع الصدقة، وإن كان المأخوذ منهم صدقة مضاعفة، ولأن فقراءنا وفقرائهم ليسوا مصرفًا لما يؤخذ منهم بطريق الجزية والحماية لا الزكاة، ولا يوضع موضع الخراج والجزية، فكيف يقبل قول الذمي: دفعتها إلى المساكين؟ ذكره في شرح مختصر الكرخي (٤).

стр. 1607

يُؤْخَذُ مِنْ المُسْلِمِ، فَتُرَاعَى تِلْكَ الشَّرَائِطُ تَحْقِيقًا لِلتَّضْعِيفِ (وَلَا يُصَدَّقُ الحَرْبِيُّ إِلَّا في الجَوَارِي يَقُولُ: هُنَّ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِي، أَوْ غِلْمَانِ مَعَهُ يَقُولُ: قوله: (تحقيقًا للتضعيف)؛ إذ تضعيف الشيء إنما يكون إن لو كان المضعف على أوصاف المضعف عليه، وإلا يلزم أن تكون تبديلًا، فيراعى فيه جميع ما شرط في المسلم من النصاب والحولان والفراغ من الدين، ولأن أهل الذمة موصوفون بالأمانة؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنَطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وإذا كان أمينًا فالقول للأمين مع اليمين. (ولا يصدق الحربي) فإنه لو قال: لم يَحِلُّ على مالي الحول، فالأخذ منه ليس باعتبار الحول؛ لأنه لا يمكن من المقام في دارنا حولاً، وإن كان قال: (عليَّ دين)، فالدين يمكن نقصانا في الملك، وملك الحربي ناقص، ولأن ديون أهل الحرب لا تعتبر؛ ألا ترى أن قاضينا لا ينظر في خصومتهم فيما داين بعضهم بعضًا، ودين أهل الذمة معتبر محكوم به. وفي الْوَلْوَالجي: أنهم لا يصدقون تجارنا في ذلك، فنحن لا نصدقهم أيضًا، حتى لو علم أنهم يصدقونهم نصدقهم نحن أيضًا (١). وإن قال: مالي بضاعة؛ فلا حرمة لصاحبها ولا أمان له، وإنما الأمان، وإنما المال للذي المال في يده. (أما الجواري إذا قال: هن أمهات أولادي)؛ لأن إقراره بالنسب صحيح، وهو يثبت في دار الحرب كما يثبت في دار الإسلام، وبه يخرج من أن يكون مالا متقوّما، فلا يمكن الأخذ؛ لأن الأخذ من مال متقوم. وإن قال: هم مدبّرون لا يلتفت إليه؛ لأن التدبير منه لا يصح فيه. كذا في جامع المحبوبي (٢). وفي جامع التمرتاشي، وفي مبسوط البكري: وكذا لو قال: (كنت أعتقتهم في دار الحرب) لا يصدق؛ لأن عتقه فيها لا يصح كتدبيره؛ لأنه قارن به ما

стр. 1608

هُمْ أَوْلَادِي)؛ لِأَنَّ الأَخْذَ مِنْهُ بِطَرِيقِ الحِمَايَةِ وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ المَالِ يَحْتَاجُ إِلَى الحِمَايَةِ غَيْرَ أَنَّ إقْرَارَهُ بِنَسَبِ مَنْ فِي يَدِهِ مِنهُ صَحِيحٌ، فَكَذَا بِأُمُومِيَّةِ الوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا تُبْتَنَى عَلَيْهِ فَانْعَدَمَتْ صِفَةُ المَالِيَّةِ فِيهِنَّ، وَالأَخْذُ لَا يَجِبُ إِلَّا مِنْ المَالِ. قَالَ: (وَيُؤْخَذُ مِنْ المُسْلِمِ رُبْعُ العُشْرِ وَمِنْ أُمُومِيَّةِ الذِّمِّيِّ نِصْفُ العُشْرِ وَمِنْ الحَرْبِيِّ العُشْرُ) هَكَذَا أَمَرَ عُمَرُ ﵁ سُعَاتِهِ. يمنع وقوعه؛ إذ يعتقه بلسانه ويسترقه بيده، فلم يقع عتقه، أما لو قال المسلم أو الذمي: اعتقهن أو هُنّ أمهات أولادي أو دبرتهم؛ لا يؤخذ منه؛ لأنها لم تبق مال التجارة. كذا في جامع الكردري (١). (إقراره بنسب من في يده): بأن قال لمماليكه: (هؤلاء أولادي). (لأنها)؛ أي: كونها أم ولد يبتني على النسب. قوله: (فَكَذَا بِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ): في النهاية: هذا لا يشكل على قول أبي حنيفة، فأما على قولهما: فأنهما يبنيان الأمر على ديانتهم، إذا دانوا بذلك لا يؤخذ، وعلى هذا التفصيل: لو مر على جلد الميتة (٢). قوله: (هكذا أمر عمر ﵁ سعاته): قال شمس الأئمة: أمر الصحابة واجب؛ لأن أصول الشرع الكتاب، ويتبعه شرائع من قبلنا، والسنة، ويتبعها قول الصحابي، والإجماع، ويتبعه عمل الناس، والقياس، ويتبعه استصحاب الحال (٣). وفي الإيضاح: روي أن عمر ﵁ نصب العشار، وقال لهم: (خذوا من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر)، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فحل محل الإجماع (٤). ولأن حق أخذ الزكاة في الأموال كلها للإمام بالآية والحديث كما ذكرنا.

стр. 1609

(وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ بِخَمْسِينَ دِرْهَمَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا مِنْ مِثْلِهَا)؛ لِأَنَّ الأَخْذَ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ المُجَازَاةِ، بِخِلَافِ المُسْلِمِ وَالذُّمِّيِّ؛ لِأَنَّ وفرض عثمان ﵁ إلى أربابها زكاة أموال الباطنة مصلحة؛ لأنه لا يؤدي إلى التفتيش الشنيع، فإذا اجتاز على الإمام؛ فقد ظهرت الأموال وصارت كالسوائم، ولأن هذه الأموال في البراري محمية بحماية الإمام، فأثبت له حق الأخذ بالحماية. قال المحبوبي: المعنى فيه: أنه يؤخذ من المسلم ربع العشر بقوله ﵇: «هاتُوا رُبع عُشرِ أموالكم» (١)، وإنما يثبت ولاية الأخذ للعاشر بالحماية، وحاجة الذمي إليها أكثر؛ لأن طمع النفوس في أموالهم أبين، فيؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلم، كما في صدقات بني تغلب، ثم الحربي من الذي بمنزلة الذمي من المسلم، ولهذا شهادة أهل الحرب عليه غير مقبولة، كما لا تقبل شهادة أهل الذمة على المسلم، وشهادة الذمي على الحربي مقبولة، كشهادته على الذمي، فيؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من الذمي، كما في الذمي مع المسلم (٢). قوله: (لم يؤخذ منه شيء): وفي جامع البزدوي: الحكم الأصلي: هو تضعيف ما يؤخذ من الذمي، وفي الذمي تضعيف ما يؤخذ من المسلم، ومن ضرورة التضعيف؛ أن لا يتبدل الحق في نفسه وراء التضعيف ما أمكن، والنصاب شرط في الأصل، فكذا في موضع التضعيف تحقيقا لمعناه (٣). قوله: (بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ): المجازاة: بالتاء المدورة؛ لأنها مصدر لا جمع مؤنث، ثم أن عمر ﵁ أشار إلى هذا المعنى حين نصب العشار، حيث قيل له: كم يأخذ مما يمر به الحربي؟، فقال: كم يأخذون منا؟، قال: العشر، قال: خذ منهم العشر.

стр. 1610

المَأْخُوذَ زَكَاةٌ أَوْ ضِعْفُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ النِّصَابِ وَهَذَا فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ لَا نَأْخُذُ مِنْ القَلِيلِ وَإِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا مِنهُ؛ لِأَنَّ القَلِيلَ لَمْ يَزَلْ عَفْوًا وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الحِمَايَةِ. قَالَ: ولا معنى لقولنا: (بطريق المجازاة) إنّ أخذنا بمقابلة أخذهم، فإن أخذهم ظلم، وأخذنا حق؛ بل المراد: إنما عاملناهم بمثل ما يعاملونا، وكان ذلك أقرب إلى مقصود الأمان واتصال التجارات. كذا في المبسوط (١). أعياكم؛ أي: جهلكم، من العي وهو الجهل. كذا في الفوائد الظهيرية (٢). وفي الصحاح: عييت بأمري؛ إذا لم يهتد إليه بوجه، وأعياني هو (٣). (لم يزل عفوا)؛ أي: شرعًا وعرفًا، فإن كانوا يظلموننا في أخذ شيء من القليل، فنحن لا نأخذ منهم؛ ألا ترى أنهم لو كانوا يأخذون جميع المال من تجارنا لا نأخذ منهم، إلا عند بعض أصحاب الشافعي؛ لأن ذلك يرجع إلى الغدر أي: بقصر الأمان. كذا في المبسوط (٤). (لأنه)؛ أي: أخذ الكل. غدر؛ لأنه أمارة عدم الأمان، فبعد إعطاء الأمان، أخذ الكل كان غدرًا لا محالة؛ قال ﵇: «وفاء لا غدر» (٥). ثم اعلم أن هذا على قول بعض المشايخ، [وقال بعضهم] (٦): يؤخذ

стр. 1611

(وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلَا يُعْلَمُ كَمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا نَأْخُذُ مِنهُ العُشْرَ) لِقَوْلِ جميع ما في يده إلا قدر ما يبلغه إلى مأمنه؛ لأنا مأمورون بتبلغه مأمنه؛ لقوله ﵇ عن الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]. وقال بعضهم: يؤخذ الكل؛ لأن ما يؤخذ منهم بطريق المجازاة؛ فيجازيهم بمثل صنيعهم حتى ينزجروا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). قوله: وقال مالك: يؤخذ من تجار أهل الذمة العشر؛ إذا تجروا إلى غير بلادهم مما قل أو كثر إذا باعوا، ويؤخذ منهم في كل سفرة ولو مرارًا في السنة، فإن اتجروا في بلدهم لا يؤخذ منهم شيء، ويؤخذ من الحربي كذلك إلا فيما حملوا إلى المدينة من الحنطة والزيت خاصة؛ فإنه يؤخذ منهم نصف العشر فقط (٢)، وهذا عجيب. قوله: (وإن مر حربي): أصل ذلك: أن العشر إنما يتكرر فيما يمر بعد كمال الحول، أو تجديد العهد بعد الرجوع إلى دار الحرب، ثم بالمرور إلى العاشر إذا لم يؤخذ شيء منهما لم يعشر نائبًا؛ لما روى أن نصرانيا مر على عاشر عمر ﵁ فعشره، ثم مر به ثانيًا، فهم أن يعشره، فقال النصراني: كلما مررت بك عشرتني، إذا فذهب الفرس كله، فترك الفرس عنده، وذهب إلى عمر، فلما دخل المدينة أتى المسجد فوضع يديه على عتبتي الباب، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا الشيخ النصراني، فقال عمر ﵁: أنا الشيخ الحنفي، فقص النصراني القصة، فقال عمر: أتاك الغوث ثم نكس برأسه ورجع كالخائب، فلما انتهى إلى فرسه، وجد كتاب عمر ﵁ قد سبقه، أنك إن أخذت شيئًا مرة فلا تأخذ مرة أخرى، فقال النصراني: إن دينًا يكون العدل بهذه الصفة لحقيق أن يكون حقا، فأسلم.

стр. 1612

عُمَرَ ﵁: فَإِنْ أَعْيَاكُمْ فَالعُشْرُ (وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا رُبْعَ عُشْرٍ أَوْ نِصْفَ عُشْرِ نَأْخُذُ بِقَدَرِهِ، وَإِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الكُلَّ لَا يَأْخُذُ الكُلَّ)؛ لِأَنَّهُ غَدْرٌ وَإِنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ أَصْلًا لَا نَأْخُذُ لِيَتْرُكُوا الأَخْذَ مِنْ تُجَّارِنَا، وَلِأَنَّا أَحَقُّ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ. قَالَ: (وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ عَلَى عَاشِرِ فَعَشَرَهُ، ثُمَّ مَرَّ مَرَّةً أُخْرَى لَمْ يُعَشِّرْهُ حَتَّى يَحُولَ الحَوْلُ)؛ لِأَنَّ الأَخْذَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اسْتِنْصَالُ المَالِ وَحَقُّ الْأَخْذِ لِحِفْظِهِ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الأَمَانِ الأَوَّلِ بَاقٍ، وَبَعْدَ الحَوْلِ يَتَجَدَّدُ الْأَمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ثم قال: (حتى يحول الحول): ولا يمكن الحربي في دارنا سنة، ولكن مراده من هذا: إذا لم يعلم الإمام حتى حال الحول، فحينئذ يأخذ منه ثانيا؛ لأنه يأخذه من المسلم والذمي باعتبار تجدد الحول كذا ذكره فخر الإسلام، والمحبوبي (١). وفي الإيضاح: لو مر الذمي ثانيًا؛ لم يؤخذ حتى يؤخذ منه على الوجه الذي يؤخذ من المسلم. أما لو عاد الحربي إلى دار الحرب ولم يعلم به العاشر، ثم خرج من يومه ثانيًا؛ لم يأخذ لما مضى؛ لأن ما مضى سقط لانقطاع الولاية عنه. فأما المسلم والذمي إذا مرا على العاشر ولم يعلم العاشر بهما، ثم علم في الحول الثاني؛ أخذ منهما لما مضى؛ لأن الوجوب قد ثبت، والمسقط لم يؤخذ. وفي الخبازية: تأويل قوله: (حتى يحول عليه الحول)؛ أن الإمام لم يعلم بقدومه، ولم يقل له: (إن أقمت سنة وضعت عليك الجزية) لا يصير ذميا بالمكث سنة بعد مقابلة الإمام وبعد ما حال الحول، يعني باعتبار الحقيقة لا باعتبار علم الإمام (٢). وقوله: (يتجدد الأمان)؛ لأنه يحتاج إلى استجداد الأمان؛ لأنه لا يمكن من المقام حولا.

стр. 1613

الإِقَامَةِ إِلَّا حَوْلًا، وَالأَخْذُ بَعْدَهُ لَا يَسْتَأْصِلُ المَالَ (وَإِنْ عَشَّرَهُ فَرَجَعَ إِلَى دَارِ الحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ عَشَرهُ أَيْضًا)؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ بِأَمَانٍ جَدِيدٍ. وَكَذَا الأَخْذُ بَعْدَهُ لَا يُفْضِي إِلَى الاسْتِنْصَالِ (وَإِنْ مَرَّ ذِمِّي بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ عَشَّرِ الخَمْرَ دُونَ الخِنْزِيرِ) وَقَوْلُهُ: عَشَّر الخَمْرَ، أَيْ: مِنْ قِيمَتِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُعَشِّرُهما؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُمَا وما وقع في بعض النسخ: (إلاحولا)، فذلك سهو من الكاتب، أو تأول؛ يعني: إلا قريبا من الحول؛ لأنه لا يمكن من الإقامة حولا تاما. (والأخذ بعده)؛ أي: بعد الحول. (لا يستأصل)؛ لإمكان حصول الربح. (بأمان جديد)؛ إذ العصمة تنقطع بالرجوع إلى دارهم، وبالعود إلينا ثبتت عصمة جديدة، فصار كالمال المتجدد، فيؤخذ منه ثانيا. كذا في الإيضاح (١). (وكذا الأخذ بعده)؛ أي: بعد الرجوع. (لا يفضي إلى الاستئصال)؛ لاحتمال حصول الربح في سفره، فأقيم نفس السفر مقامه. قوله: (مر ذمي بخمر أو خنزير)؛ أي: مرَّ بهما بنية التجارة، وهما يساويان مائتي درهم؛ لما ذكرنا من رعاية الشروط في حقه، فقوله: (من قيمتها)؛ إنما فسر بهذا احترازًا عن قول مسروق، فإنه يقول: نأخذ من عين الخمر (٢). ولنا: ما روي عن عمر أنه كتب إلى سعاته أن ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها. كذا في المبسوط (٣). لأنه لا قيمة لهما: ولهذا لو أتلف خمر الذمي أو خنزيره؛ لا ضمان عليه عنده (٤).

стр. 1614

وَقَالَ زُفَرُ: يُعَشِّرهُما لِاسْتِوَائِهِمَا فِي المَالِيَّةِ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُعَشِّرُهُمَا إِذَا مَرَّ بِهِمَا جُمْلَةٌ (*)، كَأَنَّهُ جَعَلَ الخِنْزِيرَ تَبَعًا لِلْخَمْرِ، فَإِنْ مَرَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الانْفِرَادِ عَشَّرَ الخَمْرَ دُونَ الخِنْزِيرِ. وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى الظَّاهِرِ: أَنَّ القِيمَةَ فِي ذَوَاتِ القِيمِ لَهَا حُكْمُ العَيْنِ، قوله: (جعله تبعا للخمر)؛ لأن مالية الخمر أظهر، بدليل أن المسلم يرث الخمر، ولو أخرجت من دار الحرب تدخل في الغنيمة ويتملكها المسلم، حتى لو تخللت تصير ملكا له، والمكاتب لو عجز وله خمر يصير ملكا للمولى، بخلاف الخنزير، فجعله تبعًا للخمر أولى. ونظيره؛ ما قال أبو حنيفة: العبيد لا تقسم، فلو انضم إليها أموال؛ أخذ القاضي حق القسمة فيها. وكذا بيع نخل العسالة لا يجوز مقصودًا، ويجوز تبعا للعسل، وكذا لا يجوز وقف المنقول مقصوداً، ويجوز تبعا للعقار. (وجه الفرق على الظاهر)؛ أي: على ظاهر الرواية: أنه لا يعشر عندهما، سواء مر بهما أو على الانفراد. (أن القيمة في ذوات القيم)؛ احترز به عن ذوات الأمثال، والخمر مثلي، فإن القيمة فيها ليس لها حكم العين، حتى لا يجبر على قبول القيمة، ولأن إشارة قوله ﵇: «على اليد ما أخذَتْ حتى تَردَّ» (١)، وعند تعذر رد العين يجب رد القيمة بدل عليه. فإن قيل: ليس لها حكم العين، بدليل ما لو باع الذمي داره بالخنزير، وشفيعها مسلم؛ يأخذها بقيمة الخنزير، ولو كانت لها حكم العين ينبغي أن لا يأخذها بالشفعة، كما لا يصح أخذها به بدليل مسألة الغصب والإتلاف؛ فإن المسلم لو أتلف خنزير الذمي يضمن قيمته، فلو كان لها حكم العين لما ضمنها

стр. 1615

مِنهَا، وَفِي ذَوَاتِ الأَمْثَالِ لَيْسَ لَهَا هَذَا الحُكْمُ، وَالخَمْرُ مِنهَا، وَلِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْحِمَايَةِ، وَالمُسْلِمُ يَحْمِي خَمْرَ نَفْسِهِ لِلتَّخْلِيلِ فَكَذَا يَحْمِيهَا عَلَى كما لا يضمن عينه. قلنا: أنها بمنزلة عينها من وجه دون وجه، أما أنها ليست عينها فظاهر، وأما أنها بمنزلة العين؛ فإنه لا يمكن أداء العين إلا بتعينها، ولا تعين إلا بالتقويم، فأخذت القيمة حكم العين من هذا الوجه، فلذلك أجبرت على القبول لما عرف في الأصول، فلما دارت القيمة بين كونها بمنزلة العين وبين كونها غيرها؛ أعطى لها حكم العين في حق الأخذ والحيازة، وهو في باب الزكاة، ولم يعطها حكم العين في حق الإعطاء؛ لأنه موضع إزالة وتبعيد، وهو في باب الشفعة والإتلاف، فكان هذا العين نظير ما ذكرنا في مسألة السرقين بالانتفاع بالاستهلاك، وفي قوله ﵊: «وكُلُّ إهاب دُبغ فقد طَهُر» (١). كذا في الفوائد الظهيرية (٢). وفي الكافي: أقيمت القيمة مقام العين في حق العبد وهو الشفعة لاحتياجه، ولم يقم مقامها في حق الشرع لاستغنائه، فقلنا: يعشر الخمر لا الخنزير؛ لأنا نقول: لو لم يسمع الشفيع بقيمته تبطل حقه أصلا، فبالضرورة أعطى القيمة حكم العين، ومواضع الضرورة مستثناة عن قواعد الشرع (٣). فإن قيل: يشكل بذمي استهلك عليه ذمي خنزيره حتى ضمن قيمته، ثم أخذ القيمة وقضى بها دينا عليه لمسلم؛ جاز، ولو كان أخذ القيمة كأخذ العين لما جاز القضاء. قلنا: لما مضى دينا عليه وقعت المفاوضة بينه وبين صاحب الدين، وعند ذلك يختلف السبب، واختلاف السبب كاختلاف الأعيان لما عرف في الأصول.
следующие страницы →