← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

(وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلَا يُعْلَمُ كَمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا نَأْخُذُ مِنهُ العُشْرَ) لِقَوْلِ جميع ما في يده إلا قدر ما يبلغه إلى مأمنه؛ لأنا مأمورون بتبلغه مأمنه؛ لقوله ﵇ عن الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]. وقال بعضهم: يؤخذ الكل؛ لأن ما يؤخذ منهم بطريق المجازاة؛ فيجازيهم بمثل صنيعهم حتى ينزجروا. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). قوله: وقال مالك: يؤخذ من تجار أهل الذمة العشر؛ إذا تجروا إلى غير بلادهم مما قل أو كثر إذا باعوا، ويؤخذ منهم في كل سفرة ولو مرارًا في السنة، فإن اتجروا في بلدهم لا يؤخذ منهم شيء، ويؤخذ من الحربي كذلك إلا فيما حملوا إلى المدينة من الحنطة والزيت خاصة؛ فإنه يؤخذ منهم نصف العشر فقط (٢)، وهذا عجيب. قوله: (وإن مر حربي): أصل ذلك: أن العشر إنما يتكرر فيما يمر بعد كمال الحول، أو تجديد العهد بعد الرجوع إلى دار الحرب، ثم بالمرور إلى العاشر إذا لم يؤخذ شيء منهما لم يعشر نائبًا؛ لما روى أن نصرانيا مر على عاشر عمر ﵁ فعشره، ثم مر به ثانيًا، فهم أن يعشره، فقال النصراني: كلما مررت بك عشرتني، إذا فذهب الفرس كله، فترك الفرس عنده، وذهب إلى عمر، فلما دخل المدينة أتى المسجد فوضع يديه على عتبتي الباب، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا الشيخ النصراني، فقال عمر ﵁: أنا الشيخ الحنفي، فقص النصراني القصة، فقال عمر: أتاك الغوث ثم نكس برأسه ورجع كالخائب، فلما انتهى إلى فرسه، وجد كتاب عمر ﵁ قد سبقه، أنك إن أخذت شيئًا مرة فلا تأخذ مرة أخرى، فقال النصراني: إن دينًا يكون العدل بهذه الصفة لحقيق أن يكون حقا، فأسلم.

стр. 1612

عُمَرَ ﵁: فَإِنْ أَعْيَاكُمْ فَالعُشْرُ (وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا رُبْعَ عُشْرٍ أَوْ نِصْفَ عُشْرِ نَأْخُذُ بِقَدَرِهِ، وَإِنْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الكُلَّ لَا يَأْخُذُ الكُلَّ)؛ لِأَنَّهُ غَدْرٌ وَإِنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ أَصْلًا لَا نَأْخُذُ لِيَتْرُكُوا الأَخْذَ مِنْ تُجَّارِنَا، وَلِأَنَّا أَحَقُّ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ. قَالَ: (وَإِنْ مَرَّ حَرْبِيٌّ عَلَى عَاشِرِ فَعَشَرَهُ، ثُمَّ مَرَّ مَرَّةً أُخْرَى لَمْ يُعَشِّرْهُ حَتَّى يَحُولَ الحَوْلُ)؛ لِأَنَّ الأَخْذَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اسْتِنْصَالُ المَالِ وَحَقُّ الْأَخْذِ لِحِفْظِهِ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الأَمَانِ الأَوَّلِ بَاقٍ، وَبَعْدَ الحَوْلِ يَتَجَدَّدُ الْأَمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ثم قال: (حتى يحول الحول): ولا يمكن الحربي في دارنا سنة، ولكن مراده من هذا: إذا لم يعلم الإمام حتى حال الحول، فحينئذ يأخذ منه ثانيا؛ لأنه يأخذه من المسلم والذمي باعتبار تجدد الحول كذا ذكره فخر الإسلام، والمحبوبي (١). وفي الإيضاح: لو مر الذمي ثانيًا؛ لم يؤخذ حتى يؤخذ منه على الوجه الذي يؤخذ من المسلم. أما لو عاد الحربي إلى دار الحرب ولم يعلم به العاشر، ثم خرج من يومه ثانيًا؛ لم يأخذ لما مضى؛ لأن ما مضى سقط لانقطاع الولاية عنه. فأما المسلم والذمي إذا مرا على العاشر ولم يعلم العاشر بهما، ثم علم في الحول الثاني؛ أخذ منهما لما مضى؛ لأن الوجوب قد ثبت، والمسقط لم يؤخذ. وفي الخبازية: تأويل قوله: (حتى يحول عليه الحول)؛ أن الإمام لم يعلم بقدومه، ولم يقل له: (إن أقمت سنة وضعت عليك الجزية) لا يصير ذميا بالمكث سنة بعد مقابلة الإمام وبعد ما حال الحول، يعني باعتبار الحقيقة لا باعتبار علم الإمام (٢). وقوله: (يتجدد الأمان)؛ لأنه يحتاج إلى استجداد الأمان؛ لأنه لا يمكن من المقام حولا.

стр. 1613

الإِقَامَةِ إِلَّا حَوْلًا، وَالأَخْذُ بَعْدَهُ لَا يَسْتَأْصِلُ المَالَ (وَإِنْ عَشَّرَهُ فَرَجَعَ إِلَى دَارِ الحَرْبِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ عَشَرهُ أَيْضًا)؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ بِأَمَانٍ جَدِيدٍ. وَكَذَا الأَخْذُ بَعْدَهُ لَا يُفْضِي إِلَى الاسْتِنْصَالِ (وَإِنْ مَرَّ ذِمِّي بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ عَشَّرِ الخَمْرَ دُونَ الخِنْزِيرِ) وَقَوْلُهُ: عَشَّر الخَمْرَ، أَيْ: مِنْ قِيمَتِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُعَشِّرُهما؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُمَا وما وقع في بعض النسخ: (إلاحولا)، فذلك سهو من الكاتب، أو تأول؛ يعني: إلا قريبا من الحول؛ لأنه لا يمكن من الإقامة حولا تاما. (والأخذ بعده)؛ أي: بعد الحول. (لا يستأصل)؛ لإمكان حصول الربح. (بأمان جديد)؛ إذ العصمة تنقطع بالرجوع إلى دارهم، وبالعود إلينا ثبتت عصمة جديدة، فصار كالمال المتجدد، فيؤخذ منه ثانيا. كذا في الإيضاح (١). (وكذا الأخذ بعده)؛ أي: بعد الرجوع. (لا يفضي إلى الاستئصال)؛ لاحتمال حصول الربح في سفره، فأقيم نفس السفر مقامه. قوله: (مر ذمي بخمر أو خنزير)؛ أي: مرَّ بهما بنية التجارة، وهما يساويان مائتي درهم؛ لما ذكرنا من رعاية الشروط في حقه، فقوله: (من قيمتها)؛ إنما فسر بهذا احترازًا عن قول مسروق، فإنه يقول: نأخذ من عين الخمر (٢). ولنا: ما روي عن عمر أنه كتب إلى سعاته أن ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها. كذا في المبسوط (٣). لأنه لا قيمة لهما: ولهذا لو أتلف خمر الذمي أو خنزيره؛ لا ضمان عليه عنده (٤).

стр. 1614

وَقَالَ زُفَرُ: يُعَشِّرهُما لِاسْتِوَائِهِمَا فِي المَالِيَّةِ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُعَشِّرُهُمَا إِذَا مَرَّ بِهِمَا جُمْلَةٌ (*)، كَأَنَّهُ جَعَلَ الخِنْزِيرَ تَبَعًا لِلْخَمْرِ، فَإِنْ مَرَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الانْفِرَادِ عَشَّرَ الخَمْرَ دُونَ الخِنْزِيرِ. وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى الظَّاهِرِ: أَنَّ القِيمَةَ فِي ذَوَاتِ القِيمِ لَهَا حُكْمُ العَيْنِ، قوله: (جعله تبعا للخمر)؛ لأن مالية الخمر أظهر، بدليل أن المسلم يرث الخمر، ولو أخرجت من دار الحرب تدخل في الغنيمة ويتملكها المسلم، حتى لو تخللت تصير ملكا له، والمكاتب لو عجز وله خمر يصير ملكا للمولى، بخلاف الخنزير، فجعله تبعًا للخمر أولى. ونظيره؛ ما قال أبو حنيفة: العبيد لا تقسم، فلو انضم إليها أموال؛ أخذ القاضي حق القسمة فيها. وكذا بيع نخل العسالة لا يجوز مقصودًا، ويجوز تبعا للعسل، وكذا لا يجوز وقف المنقول مقصوداً، ويجوز تبعا للعقار. (وجه الفرق على الظاهر)؛ أي: على ظاهر الرواية: أنه لا يعشر عندهما، سواء مر بهما أو على الانفراد. (أن القيمة في ذوات القيم)؛ احترز به عن ذوات الأمثال، والخمر مثلي، فإن القيمة فيها ليس لها حكم العين، حتى لا يجبر على قبول القيمة، ولأن إشارة قوله ﵇: «على اليد ما أخذَتْ حتى تَردَّ» (١)، وعند تعذر رد العين يجب رد القيمة بدل عليه. فإن قيل: ليس لها حكم العين، بدليل ما لو باع الذمي داره بالخنزير، وشفيعها مسلم؛ يأخذها بقيمة الخنزير، ولو كانت لها حكم العين ينبغي أن لا يأخذها بالشفعة، كما لا يصح أخذها به بدليل مسألة الغصب والإتلاف؛ فإن المسلم لو أتلف خنزير الذمي يضمن قيمته، فلو كان لها حكم العين لما ضمنها

стр. 1615

مِنهَا، وَفِي ذَوَاتِ الأَمْثَالِ لَيْسَ لَهَا هَذَا الحُكْمُ، وَالخَمْرُ مِنهَا، وَلِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْحِمَايَةِ، وَالمُسْلِمُ يَحْمِي خَمْرَ نَفْسِهِ لِلتَّخْلِيلِ فَكَذَا يَحْمِيهَا عَلَى كما لا يضمن عينه. قلنا: أنها بمنزلة عينها من وجه دون وجه، أما أنها ليست عينها فظاهر، وأما أنها بمنزلة العين؛ فإنه لا يمكن أداء العين إلا بتعينها، ولا تعين إلا بالتقويم، فأخذت القيمة حكم العين من هذا الوجه، فلذلك أجبرت على القبول لما عرف في الأصول، فلما دارت القيمة بين كونها بمنزلة العين وبين كونها غيرها؛ أعطى لها حكم العين في حق الأخذ والحيازة، وهو في باب الزكاة، ولم يعطها حكم العين في حق الإعطاء؛ لأنه موضع إزالة وتبعيد، وهو في باب الشفعة والإتلاف، فكان هذا العين نظير ما ذكرنا في مسألة السرقين بالانتفاع بالاستهلاك، وفي قوله ﵊: «وكُلُّ إهاب دُبغ فقد طَهُر» (١). كذا في الفوائد الظهيرية (٢). وفي الكافي: أقيمت القيمة مقام العين في حق العبد وهو الشفعة لاحتياجه، ولم يقم مقامها في حق الشرع لاستغنائه، فقلنا: يعشر الخمر لا الخنزير؛ لأنا نقول: لو لم يسمع الشفيع بقيمته تبطل حقه أصلا، فبالضرورة أعطى القيمة حكم العين، ومواضع الضرورة مستثناة عن قواعد الشرع (٣). فإن قيل: يشكل بذمي استهلك عليه ذمي خنزيره حتى ضمن قيمته، ثم أخذ القيمة وقضى بها دينا عليه لمسلم؛ جاز، ولو كان أخذ القيمة كأخذ العين لما جاز القضاء. قلنا: لما مضى دينا عليه وقعت المفاوضة بينه وبين صاحب الدين، وعند ذلك يختلف السبب، واختلاف السبب كاختلاف الأعيان لما عرف في الأصول.

стр. 1616

غَيْرِهِ، وَلَا يَحْمِي خِنْزِيرَ نَفْسِهِ بَلْ يَجِبُ تَسْبِيبُهُ بِالإِسْلَامِ، فَكَذَا لَا يَحْمِيهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ مَرَّ صَبِيٌّ أَوِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ بِمَالٍ، فَلَيْسَ عَلَى الصَّبِيِّ شَيْءٌ، وَعَلَى المَرْأَةِ مَا عَلَى الرَّجُلِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي السَّوَائِمِ (وَمَنْ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ لَهُ فِي مَنْزِلِهِ مِائَةً أُخْرَى قَدْ حَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ لَمْ يُزَكِّ الَّتِي مَرَّ بِهَا) لِقِلَّتِهَا، وَمَا فِي بَيْتِهِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ حِمَايَتِهِ (وَلَوْ مَرَّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِضَاعَةً لَمْ يُعَشِّرْهَا)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونِ بِأَدَاءِ زَكَاتِهِ. قَالَ: (وَكَذَا المُضَارَبَةُ) يَعْنِي: إِذَا مَرَّ المُضَارَبُ بِهِ عَلَى العَاشِرِ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: أَوَّلًا يُعَشِّرُهَا قوله: (لا يحميه على غيره) فإن قيل: المسلم أو الذمي إذا غصب خنزير ذمي وتحاكما إلى القاضي، فالقاضي يأمره بالرد والتسليم، والأمر بهما حماية. قلنا: لم يكن له حماية خنزير نفسه، فكذا الغيرة لغرض يستوفيه منه، وهاهنا لو حماه فحماه لغرض يستوفيه منه، ولا كذلك القاضي، فافترقا. كذلك في الفوائد الظهيرية (١). وذكر المحبوبي: لو مر الذمي يجلد الميتة، ذكر أبو الليث رواية عن الكرخي: أنه يأخذ، فإنه كان مالا في الابتداء، ويصير مالا في الانتهاء بالدبغ (٢)، فصار كالخمر، لما ذكر في السوائم أن المأخوذ منهم في حكم الزكاة، فيؤخذ من النساء دون الصبيان؛ لما أن مال التجارة لما مر على العاشر صار بمنزلة السوائم في الحاجة إلى الحماية. قوله: (ومن مر على العاشر): سواء كان ذلك المار مسلما أو ذميا. (زكاته)؛ أي: زكاة المائتين بضاعة؛ بل هو مأذون في التجارة فلم يأخذ، كان المأخوذ غير الزكاة؛ لعدم النية من المالك، وليس له ولاية أخذ غير الزكاة. وفي الإيضاح: يشترط للآخذ حضور المالك والملك جميعًا، فلو مر مالك بلا مال فلا يأخذ، ولو مر مال بلا مالك لم يأخذ أيضًا (٣).

стр. 1617

لِقُوَّةِ حَقِّ المُضَارِبِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ رَبُّ المَالِ نَهْيَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بَعْدَ مَا صَارَ عُرُوضًا، فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ المَالِكِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكِ وَلَا نَائِبٍ عَنْهُ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي المَالِ رِبْحٌ يَبْلُغُ نَصِيبُهُ نِصَابًا فَيُؤْخَذُ مِنهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ (وَلَوْ مَرَّ عَبْدٌ مَأْذُونٌ لَهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ عُشَرَهُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا أَدْرِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَجَعَ عَنْ هَذَا أَمْ لَا. وَقِيَاسُ قَوْلِهِ الثَّانِي فِي المُضَارَبَةِ - وَهُوَ قَوْلُهُمَا - أَنَّهُ لَا يُعَشِّرُهُ؛ لِأَنَّ المِلْكَ فِيمَا فِي يَدِهِ لِلْمَوْلَى وَلَهُ التَّصَرُّفُ فَصَارَ كَالمُضَارِبِ. وَقِيلَ فِي الفَرْقِ بَيْنَهُمَا: إِنَّ العَبْدَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ حَتَّى لَا يُرْجَعُ بِالعُهْدَةِ عَلَى المَوْلَى فَكَانَ هُوَ المُحْتَاجَ إِلَى (لقوة حق المضارب)؛ لأنه صار بمنزلة المالك، حتى جاز بيعه من رب المال. (في الكتاب)؛ وهو الجامع الصغير. (ولا نائب عنه)؛ أي: المضارب ليس نائب عنه. (في أداء الزكاة)؛ بل هو نائب عنه في حق التجارة، والنائب تقتصر نيابته على ما فوض إليه، فكان بمنزلة المستبضع. كذا ذكره المحبوبي (١). (لا أدري أرجع عن هذا أم لا): وفي الإيضاح: قال أبو يوسف: لا أدري أن أبا حنيفة رجع في العبد المأذون أم لا (٢). والصحيح: أن رجوعه في المضارب رجوعه في العبد المأذون. (حتى لا يرجع بالعهدة على المولى): بل يباع العبد فيها، وما زاد فيطالب بعد العتق؛ وذلك لأن الإذن فك الحجر، فيكون متصرفا لنفسه. وذكر التمرتاشي: لا مشابهة بين المأذون والمضارب؛ لأن ولايته أعم، فإن الإذن في نوع؛ إذن في الأنواع كلها، ولا كذا المضارب (٣).

стр. 1618

الحِمَايَةِ، وَالمُضَارِبُ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ حَتَّى يُرْجَعُ بِالعُهْدَةِ عَلَى رَبِّ المَالِ، فَكَانَ رَبُّ المَالِ هُوَ المُحْتَاجَ. فَلَا يَكُونُ الرُّجُوعُ فِي المُضَارِبِ رُجُوعًا مِنهُ فِي العَبْدِ وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ مَعَهُ يُؤْخَذُ مِنهُ؛ لِأَنَّ المِلْكَ لَهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى العَبْدِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، لِانْعِدَامِ المِلْكِ أَوْ لِلشُّغْلِ. قَالَ: (يرجع بالعهدة على رب المال)؛ بأن اشترى شيئًا للمضاربة، أو استأجر دابة ليحمل عليها متاعها، فضاع المال قبل أن ينفذ ذلك منه؛ يرجع بذلك عليه. كذا في المحيط (١). (فلا يكون الرجوع)؛ أي: رجوع أبي حنيفة. (رجوعا منه)؛ أي: من أبي حنيفة. (في العبد)؛ لوجود الفرق بينهما. وذكر فخر الإسلام في جامعه بعد ذكر المضارب والمستبضع والعبد؛ لا يؤخذ من هؤلاء جميعا هو الصحيح (٢). (لانعدام الملك)؛ أي: عند أبي حنيفة. (أو للشغل): عندهما كما يجيء. وذكر المحبوبي: لو كان عليه دين محيط بكسبه؛ لا إشكال أنه يأخذ، سواء كان معه مولاه أو لا عند أبي حنيفة؛ لأنه لا مالك لهذا المال وقت المرور (٣). وعندهما: شغل الدين مانع لوجوب الزكاة، بخلاف ما إذا لم يكن عليه دين، أو دين لم يحيط بكسبه؛ عشر الفاضل من الدين إذا بلغ النصاب، ويعتبر فيه حال المولى، فإن كان مولاه المسلم والعبد نصراني وبالعكس؛ أخذ نصف العشر.

стр. 1619

(وَمَنْ مَرَّ عَلَى عَاشِرِ الخَوَارِجِ فِي أَرْضِ قَدْ غَلَبُوا عَلَيْهَا، فَعَشَّرَهُ يُثَنِّي عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ) مَعْنَاهُ: إِذَا مَرَّ عَلَى عَاشِرِ أَهْلِ العَدْلِ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ. بَابٌ فِي المَعْادِنِ وَالرِّكَازِ ولو مر على العاشر بما لا يبقى حولاً مثل الفاكهة ونحوها؛ فلا شيء فيه في قول أبي حنيفة، خلافًا لهما. لهما: أنها أموال التجارة. وله: قوله ﵇: «ليس في الخضروات شيء من الصدقة» (١)، وهو محمول على حق الأخذ للإمام، وأنها باعتبار عينها لا تصلح سببًا لوجوب الزكاة؛ لأنها لا تبقى حولاً، وإنما تصير سببًا باعتبار القيمة، وهي غير محمية بحماية الإمام، وإنما الحماية وجدت في الصورة، وما هو محمي بحماية لا يصلح سببًا باعتبار القيمة، وما صلح سببًا غير محمي. كذا في الإيضاح (٢). (مِنْ قِبَلِهِ): من قبل رب المال، حيث سافر في بلدهم ومر على عاشرهم، بخلاف ما لو غلب الخوارج على أرض وأخذوا صدقة السوائم وخراج الأرض؛ حيث لا شيء عليهم؛ لأن الإمام هو الذي ضيعهم، حيث لم يحفظهم، والمسألة مرت. باب الركاز وفي المعدن أخر هذا الباب من العشر؛ لكثرة وجوده من المعدن، فكان بيانه أحوج؛ لكثرة وقوعه. أو لأنه أقل من الخمس، والقليل مقدم على الكثير. ثم المستخرج من الأرض ثلاثة: كنز؛ وهو ما دفنه بنو آدم ومعدن؛ وهو ما خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض فيها. والركاز يذكر ويراد به المعدن، ويذكر ويراد به الكنز. كذا في شرح الطحاوي (٣).

стр. 1620

قَالَ: (مَعْدِنُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصِ أَوْ صُفْرٍ وُجِدَ واشتقاق الأسامي ينبئ على ما أطلقت عليه؛ فإنه ذكر في المغرب: عدن بالمكان؛ أقام، ومنه المعدن (١). وفي الصحاح: عدنت الإبل مكان كذا؛ أي: لزمته فلن تبرح، ومنه جنات عدن، ومركز كل شيء معدنه (٢). وكنز المال كنزا؛ جمعه، والكنز المدفون تسمية بالمصدر، وكذا الرمح غزيزه ركزا، ومنه الركاز وشيء راكز؛ أي: ثابت، وكذا المعدن؛ لأنه مركوز في الأرض. ثم المراد منه في الباب: الكنز؛ لأنه يشتمل على بيان المعدن والكنز، فلو أريد به المعدن؛ يلزم محض التكرار بلا فائدة، ولهذا لقب الباب التمرتاشي: باب في بيان المعدن والكنز (٣). وفي المبسوط (٤)، والإيضاح: والمستخرج من الأرض ثلاثة أنواع: أحدهما: جامد يذوب وينطبع؛ كالذهب والفضة، والحديد والنحاس والرصاص. وثانيها: جامد لا يذوب؛ كالجص والنورة، والكحل والزرنيخ، والياقوت والفيروزج؛ لا شيء بالإجماع. وثالثها: مانع لا يتجمد؛ كالماء والقير والنفط. وأما الذي يذوب، سواء ينطبع أو لا؛ ففيه الخمس عندنا. وقال الشافعي (٥)، ومالك (٦): لا شيء في غير النقدين.

стр. 1621

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال أحمد: يجب حق المعدن في كل ما يستخرج من الأرض حتى القير والكحل (١)، ثم له في الواجب في النقدين ثلاثة أقوال: أصحها: أن الواجب فيها ربع العشر، وبه قال أحمد (٢)، ومالك في رواية (٣). والثاني: أن الواجب فيها الخمس، وهو قول المزني (٤)، وقولنا. والثالث: فيما ناله بلا تعب ومؤنة ففيه العشر، وما ناله بتعب ومؤنة كالطحن والمعالجة بالنار ففيه ربع العشر (٥)، وبه قال مالك في رواية. ثم يعتبر النصاب في حق المعدن عند الشافعي (٦)، ومالك (٧)، وأحمد (٨). وقيل: فيه وجه آخر، إذا قلنا الواجب فيه الخمس لا يعتبر النصاب، وهو قولنا. وله في اعتبار الحول قولان: الأظهر: أنه لا يعتبر (٩)، وهو قول مالك (١٠)، وقولنا. وفي تتمتهم: إن قلنا: أن الواجب فيه الخمس؛ لا يعتبر الحول قولاً واحداً. وإن قلنا: أن الواجب فيه العشر؛ ففيه وجهان: أحدهما: أنه يعتبر؛ لأنه حق يتعلق بالذهب والفضة، فيعتبر فيه الحول كالزكاة.

стр. 1622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثاني وهو الصحيح: لا يعتبر؛ لأنه من إنزال الأرض، فلا يعتبر فيه الحول، كما في الحبوب المعشورة (١). احتج الشافعي لربع العشر؛ لأنه ﵇ أقطع بلال بن الحرث المعادن القبلية، وهي موضع بناحية المدينة، وأخذ منها الزكاة ربع العشر، فيؤخذ منها ربع العشر إلى يوم القيامة. رواه مالك، وأبو داود. ولقوله ﵇: «في الرِّقَةِ رُبع العشر» (٢). والعشر؛ لأنه من إنزال الأرض، فيجب فيه العشر كما في الحبوب المعشورة، ولأن المعدن مال مباح يملك بالإصابة في دار الإسلام كالصيد؛ فيعشر. ولنا: قوله ﵇: «في الركاز الخمس» (٣). وجه التمسك: أنه ﵇ سئل عما يوجد في الطريق، أو الميتاء أو الخراب العادي، فقال فيه: «وفي الركاز الخمس» (٤)، فعطف الركاز على المدفون فيعلم أن المراد منه المعدن. وفي رواية عن أبي هريرة، قيل: وما الركاز يا رسول الله؟، قال: «الذهب والفضة خلقه الله تعالى في الأرضِ» (٥).، وعنه ﵇ قال: «في السيوب الخمس» (٦) وهو عروق الذهب والفضة. وفي النسائي (٧): قيل: يا رسول الله، القرية العادية التي أباد أهلها أصيب فيها الشيء، قال: «فيها وفي الركاز الخمس». ولأن الركز عبارة عن الإثبات، يقال: [ركز رمحه] (٨) في الأرض؛ إذا

стр. 1623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أثبته، وما في المعدن مثبت فيه، فيصح إطلاقه عليه، ولأن المعنى الذي وجب الخمس لأجله في الكنز موجود في المعدن؛ لما أنها -أي: الأراضي - كانت في أيدي أهل الحرب، ووقعت في أيدينا بإيجاف الخيل -أي: القهر والغلبة-، فكانت غنيمة، وقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، وإليه أشار محمد؛ حيث علل بأنه فيما أوجف عليه المسلمون. كذا في المبسوط (١)، والإيضاح. وفيه: وقد فسر رسول الله ﷺ الركاز فقال: «الذهب والفضة خلقها الله تعالى يوم خلق السمواتِ والأرضَ» (٢). وأما الجواب عن الإقطاع: أن الخلاف فيما يجب بنفس الإصابة؛ لأن ما أقطع الإمام، فللإمام أن يقطع ما استصوب. وعن قوله ﵇: «في الرِّقَةِ ربع العشر» (٣)؛ أنه بيان لما يجب بسبب الرقة نفسها، وهذا يجب بسبب الاستغنام لما ذكرنا. وعن أبي عمرو بن عبد البر: خبر معادن القبيلة منقطع (٤). وقال النواوي في شرح المهذب: وقال الشافعي: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث (٥). قال البيهقي: هو كما قال الشافعي (٦). والعجب أنه كيف جاز له أن يجعله مذهبه بعد إقراره بذلك. وقيامهم على الحبوب المقشورة غير صحيح؛ لأنه يلزم أن يراعي خمسة أوسق، ويقيسوا كل معدن من الحديد والرصاص عليها.

стр. 1624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعند مالك: لو ظهر معدن في ملكه يسقط ملكه ويصير للسلطان (١). قيل: هذا قول بلا دليل. قوله: (وُجِدَ مجهول)، فالواجد عام سواء كان مسلما أو ذميا. أما الحربي لو دخل دارنا وطلب المعدن بغير إذن الإمام ووجده؛ يؤخذ منه الكل، ولو طلب بإذنه يخمس. أما لو وجده الذمي يخمس في الحالين، والباقي له كما في المسلم؛ لأنه من أهل دارنا، وله رضخ في الغنيمة. كذا في المحيط (٢). وفي الحلية: عند الشافعي: لو استخرجه الكافر ملكه ولا زكاة فيه (٣)، وهو قياس قول مالك، وأحمد، وكذا المكاتب. وقال أبو حنيفة: تجب على المكاتب حق المعدن (٤). ثم عندنا: لو وجده الصبي والعبد والمرأة والمكاتب يخمس، وأربعة أخماس للواجد؛ لأن لهؤلاء رضخا إذا قاتلوا، ولا يبلغ نصيبهم السهم تحرزا عن المساواة بين المبيع والمبيوع، وهاهنا لا مزاحم في الاستحقاق للواجد، فكان الباقي له. والذي روي أن عبدًا وجد جرة من ذهب في عهد عمر، فأدى ثمنه منه فأعتقه، وجعل الباقي لبيت المال؛ أنه كان وجده في دار رجل لم يبق له ورثة، فلهذا صرفه إلى بيت المال، ورأى المصلحة في أن يعطى ثمنه وليوصله إلى العتق، ولا يقال: ينبغي أن لا يجب خمس المعدن إن كان الواجد فقيرا كما في اللقطة، وكذا لو كان مديونا؛ لأنا نقول النص، وهو قوله ﵇: «في الركاز … » الحديث (٥) عام فيتناول الفقير والمديون وغيرهما، أما لو كان الواجد

стр. 1625

فِي أَرْضِ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ فَفِيهِ الخُمُسُ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إِلَيْهِ كَالصَّيْدِ، إِلَّا إِذَا كَانَ المُسْتَخْرَجُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةٌ فَيَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الحَوْلُ فِي قَوْلِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ كُلُّهُ وَالحَوْلُ لِلتَّنْمِيَةِ، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊ «وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ» وَهُوَ مِنْ الرَّكْزِ، فَأُطْلِقَ عَلَى المَعْدِنِ، وَلِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَيْدِي الكَفَرَةِ فَحَوَتْهَا أَيْدِينَا غَلَبَةٌ، فَكَانَتْ غَنِيمَةٌ. وَفِي الغَنَائِمِ الخُمُسُ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ إِلَّا أَنَّ لِلْغَانِمِينَ يَدًا حُكْمِيَّةٌ لِثُبُوتِهَا حربيا مستأمنا يؤخذ الكل منه، إلا أن يكون بإذن الإمام. كذا في المبسوطين (١). وقيد بقوله: (في أرض خراج أو عشر)؛ لأنه لو وجد في أرض مملوكة أو في دار؛ لا يجب فيه الخمس عند أبي حنيفة، كما يجيء. وقوله: (بخلاف الصيد)؛ جواب عما قاله الخصم: أنه مال مباح ملك بالإصابة كالصيد، فقال: إنه لم يكن في هذه أحد فلا يكون مغنومًا. وقوله: (إلا أن للغانمين)؛ جواب سؤال يرد على قوله: (كانت) غنيمة، وهو ما ذكره الكسائي في جامعه. فإن قيل: لو كان هذا مغنومًا حتى يجب فيه الخمس، لكانت أربعة أخماسه للغانمين؛ لأن الحكم في الغنيمة هكذا. قلنا: هذا المال مغنوم في حق الخمس دون أربعة الأخماس، كما في الكنز إذا وجد في الصحراء، وهذا لأن المال كان مباحًا قبل أخذ الغانمين، والمال المباح يملك بإثبات اليد عليه كالصيد، ويد الغانمين ثابتة على هذا المال حكما لا حقيقة؛ لأن إثبات اليد على الظاهر إثبات على الباطن حكمًا، فاعتبار الحكم أوجب للغانمين، واعتبار الحقيقة لا يوجب لهم، فرجحنا جانب الحقيقة في أربعة الأخماس؛ لأنه هو المختص بتمام الاستيلاء، وفيه الإجماع، ورجحنا جانب الحكم كما في الكنز احتياطًا. وفي الأسرار: الأراضي الموات التي لم تقسم بقيت على حكم الإباحة

стр. 1626

عَلَى الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الحَقِيقِيَّةُ فَلِلْوَاجِدِ، فَاعْتَبَرْنَا الحُكْمِيَّةَ فِي حَقِّ الخُمُسِ، وَالحَقِيقَةَ فِي حَقِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ حَتَّى كَانَتْ لِلْوَاجِدِ وَلَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِ مَعْدِنَا فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: فِيهِ الخُمُسُ (*) لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، وَلَهُ: أَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ لغنية المسلمين عنها، وكذلك يملك بالإصابة كالصيد، فلما كانت الإباحة بناء على الاستقامة؛ لم يسقط عنها حق الله تعالى في الخمس بتركها إياها، ولا خلاف في كنز الجاهلية يصيبه المسلم في أرض فلاة؛ أنه يخمس لهذا المعنى. وقيل في جوابه: لما وجد فيه يد حكمي ويد حقيقي، فبالنظر إلى اليد الحقيقي؛ ينبغي أن لا يخمس، والكل للواحد كما في الصيد، وبالنظر إلى الحكمي؛ ينبغي أن يخمس وأربعة أخماسه للغانمين، فعملنا بهما، فقلنا: يخمس بالنظر إلى اليد الحكمي، وأربعة أخماسه للواجد بالنظر إلى اليد الحقيقي؛ لأنها أقوى فيثبت بها الأكثر، وعملنا بهذا الوجه دون العكس؛ لأن فيه لا يجب الخمس، وهو عبادة، فيكون أسرع ثبوتا من حق العباد، وفيه تأمل. وقيل: رجحنا جانب الخمس؛ لأنه حق الفقراء، ورعاية جانبهم أحوط. قوله: (لإطلاق ما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «في الرِّكانِ الخُمُسُ» (١)، ولم يفصل بين الدار والأرض، ولأن المعدن بقي على ما كان، قيل: القسمة فيما يرجع إلى الخمس؛ لأنه ليس من أجزاء الأرض حقيقة، فصار كالمدفون. كذا في الإيضاح (٢). ولأبي حنيفة: أنه لما جعله الإمام له فقد أضفاها له، وقطع حق الباقين منها ومن جميع أجزائها، والمعدن منها، فبقي على حكم الاستغنام. فإن قيل: لو كان المعدن منها ينبغي أن يجوز به التيمم. قلنا: أنه جزاء الأرض، ولكنه ليس من جنس الأرض كالخشب. والجواب عن الحديث: أن الإمام لما خصه بهذه الدار؛ فصار كأنه نفل له

стр. 1627

الأَرْضِ مُرَكَّبٌ فِيهَا، وَلَا مُؤْنَةَ فِي سَائِرِ الأَجْزَاءِ فَكَذَا فِي هَذَا الجُزْءِ؛ لِأَنَّ الجُزْءَ لَا يُخَالِفُ الجُمْلَةَ، بِخِلَافِ الكَنْزِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَكَّبٍ فِيهَا، قال: (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِهِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ) وَوَجْهُ الفَرْقِ عَلَى إِحْدَاهُمَا - وَهُوَ رِوَايَةُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ - أَنَّ الدَّارَ مُلِكَتْ خَالِيَةٌ عَنْ المُؤَنِ دُونَ الأَرْضِ، وَلِهَذَا وَجَبَ العُشْرُ، وَالخَرَاجُ فِي الأَرْضِ دُونَ الدَّارِ فَكَذَا هَذِهِ المُؤْنَةُ (وَإِنْ وَجَدَ رِكَازًا) أَيْ كَنْزًا (وَجَبَ فِيهِ الخُمُسُ) عِنْدَهُمْ لِمَا رَوَيْنَا وَاسْمُ الرِّكَازِ يَنْطَلِقُ عَلَى الكَنْزِ لِمَعْنَى الرَّكْزِ وَهُوَ الإِثْبَاتُ، ثُمَّ إِنْ بهذه الدار، وللإمام هذه الولاية، وكذا الجواب في معدن وجده في أرضه، في رواية كتاب الزكاة من الأصل. وفي الجامع الصغير: يجب في الأرض، ولا يجب في الدار (١). ووجه الفرق: أن الإمام إن أضفاها له لكن ما خلاها عن المؤن، حتى أوجب العشر أو الخراج فيها، فكذا هذه المؤنة، أما الدار فقد أضفاها له عن الحقوق، فكذا في حكم المعدن. وفي جامع الكردري: أما أربعة أخماسه فلصاحب الرقبة في الأرض والدار. قوله: (أَيْ: كَنْزا): إنما فسر بهذا؛ لأن الركاز اسم مشترك بين المعدن والكنز. (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «في الرِّكازِ الخُمُسُ» (٢). فإن قيل: في هذا التمسك يلزم تعميم المشترك، ولا عموم له؛ لأنه استدل ثمة بهذا الحديث على وجوب الخمس في المعدن واستدل به هنا على وجوب الخمس في الكنز، ولفظ الركاز مشترك بين المعدن والكنز كما ذكرنا، فيكون تعميما للمشترك خصوصا في موضع الإثبات. قلنا: هذا مشترك معنوي، فإن الركز لغة الإثبات، والركاز المثبت، فيتناولهما بالمعنى العام، فكان كل واحد من أنواع العام لا من أنواع المشترك.

стр. 1628

كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الإِسْلَامِ كَالمَكْتُوبِ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ، وَقَدْ عُرِفَ حُكْمُهَا فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى ضَرْبِ أَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ كَالمَنْقُوشِ عَلَيْهِ الصَّنَمُ ونظير هذا: قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]؛ فإنه يتناول البيع والشراء، أو كلاهما مرادا بالمعنى العام، وهو مبادلة المال بالمال، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ﴾ [النساء: ٢٢]، والنكاح يتناول العقد والوطء به، وهو الجمع، إذ معنى الجمع يوجد فيهما، وفيه تأمل. أو يقول: لما دل هذا الحديث على أحدهما بعينه يثبت الحكم في الآخر بالدلالة؛ لوجود المعنى، لذا ورد النص لعينه في الآخر والوجه الأول، وإليه أشار في الكتاب، حيث قال: ينطلق على الكنز بمعنى الركز. فإن قيل: المراد بالكنز المعدن، بدليل العطف كما ذكرنا، فكيف يثبت الكنز؟. قلنا: العطف لا يمنع دخول الكنز فيه؛ لجواز أن يكون تعميما بعد التخصيص، كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨]. قوله: (كَالْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ)؛ أي: على الأموال المدفونة. (كلمة الشهادة) أو عليها علامة تدل على أنها من وضع المسلمين. (فهو بمنزلة اللقطة): يعرفها الواجد، وبه قال الشافعي (١)، وفيه الإجماع؛ لأنه علم أن ذلك من وضع المسلمين، فكان لقطة كما لو وجدها على وجه الأرض. والتعريف يتختلف بحسب قلة المال وكثرته، حتى قالوا في عشرة دراهم: يعرفها حولا، وفيما دونها إلى ثلاثة أشهر، وفيما دون الثلاثة إلى الدرهم؛ جمعة، وفي فلس ونحوها؛ ينظر يمنة ويسرة ثم يضعه في كف الفقير. كذا ذكره المحبوبي، والتمرتاشي (٢). وفي المبسوط: يعرفها مدة يتوهم طلب صاحبها، فإن يظهر تصدق على

стр. 1629

فَفِيهِ الخُمُسُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِمَا بَيَّنَّا، ثُمَّ إِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِ مُبَاحَةٍ فَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ الإِحْرَازُ مِنهُ، إِذْ لَا عِلْمَ بِهِ لِلْغَانِمِينَ فَيَخْتَصُّ هُوَ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضِ مَمْلُوكَةٍ، فَكَذَا الحُكْمُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِتَمَامِ الحِيَازَةِ وَهِيَ شرط الضمان إن شاء (١). وقال الشافعي: يمتلكها، وعن القفال: يدفعها إلى الإمام، والأول أصح. كذا في الحلية (٢). (على كل حال)؛ يعني: سواء وجده في دار أو أرض أو موات، وسواء كان ذهبا أو فضة أو رصاصا أو غيرها، سواء كان الواجد صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو ذميًا؛ يجب فيه الخمس، إلا إذا كان الواجد حربيا مستأمنا فيؤخذ منه، إلا أن يكون الإمام أقطعه بمال؛ لقوله ﵇: «المسلمون عند شروطهم» (٣). غير أنه إذا وجده في أماكن مملوكة، اختلف أصحابنا فيمن يستحق أربعة الأخماس، أما لا خلاف في أمر وجوب الخمس. كذا في شرح الطحاوي (٤). (لما بينا)؛ وهو قوله ﵇: «في الرِّكَازِ الخُمُسُ» (٥). (فكذا الحكم عند أبي يوسف)؛ يعني: أربعة أخماسه للواجد، إلا أن هذا المال لم يدخل تحت قسمة الغنائم؛ لأن شرط القسمة المعادلة، ولو دخل لا تتحقق المعادلة، وإذا لم يدخل تحت القسمة يبقى مباحًا، فيكون لمن سبقت يده، كما لو وجده في أرض غير مملوكة. كذا في المبسوط (٦).

стр. 1630

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ هُوَ لِلْمُخْتَطٌ لَهُ (*)، وَهُوَ الَّذِي مَلَكَهُ الإِمَامُ هَذِهِ البُقْعَةَ أَوَّلَ الفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَتْ يَدُهُ إِلَيْهِ، وَهِيَ يَدُ الخُصُوصِ، فَيَمْلِكُ بِهَا مَا فِي البَاطِنِ، (هو)؛ أي: الكنز. (للمختط له) إلخ: أراد به صاحب الخط؛ لأن الإمام إذا أراد قسمة الأراضي يخط لكل واحد من الغانمين، ويجعل تلك الناحية له. (لأنه)؛ أي: المختط له، وعن علي مثل مذهبهما. (يملك بها)؛ أي: بالخصوص. وفي المبسوط: الإمام يملكه الكنز بالقسمة، وقطع مزاحمة سائر الغانمين عن تلك البقعة، وقرر هذه فيها، وتقرير يده في المحل، فصار مملوكًا له بالخيار بهذا الطريق (١). (ثم بالبيع)؛ أي: بيع أرض فيها كنز. (لم تخرج عن ملكه)؛ كما في الدُّرَّة. (لأنه)؛ أي: الكنز. (مودع فيها)؛ أي: في الأرض. قال أبو اليسر في جامعه: صاحب الخط مالكًا هذا الكنز بتملك الأرض؛ لأنه بالتملك استولى عليها، ومن استولى على الشيء يصير مستوليا على ما فيه، كما لو استولى على جوالق فيها قمح؛ يصير مستوليا عليه، وكانت في يد الكفار، فكانت مباحة، واستولى عليها، ثم بالبيع لا يصير بائعًا للكنز؛ لأنه ليس من توابع الأرض، واستيلاء المشتري منه استيلاء على ملك المسلم، فلم يملكه بالاستيلاء، فبقي على ملكه، فيكون له (٢).

стр. 1631

وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الظَّاهِرِ، كَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً فِي بَطْنِهَا دُرَّةٌ، مَلَكَ الدُّرَّةَ ثُمَّ بِالبَيْعِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا خِلَافِ المَعْدِنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا فَيَنْتَقِلُ إِلَى المُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يُعْرَف المُخْتَطُّ لَهُ يُصْرَفُ إِلَى أَقْصَى مَالِكِ يُعْرَفُ فِي الإِسْلَامِ عَلَى مَا قَالُوا. وَلَوِ اشْتَبَهَ الضَّرْبُ ثُم ذكر شيخ الإسلام في مسألة الدرة، فقال: في ظاهر الرواية لم يفصل بين كون الدرة مثقوبة أو لا (١). وقيل: إن كانت مثقوبة لا تدخل في ملك المشتري؛ لأنها بمنزلة الكنز، وإن كانت غير مثقوبة تدخل، كمن اصطاد سمكة فوجد في بطنها عنبرا؛ لأنه حشيش تأكله السمك، فيكون تبعًا له، وفي الحيطان لو كانت الدرة في الصدف فهي للمشتري؛ لأنه يأكل الصدف، وكلما يأكله فهو للمشتري، ولو اشترى جملا فوجد في بطنه دينارًا لم يكن له؛ لأنه لا يأكله عادة. وقوله: (وإن كانت على الظاهر)؛ جواب لشبهة أوردها شيخ الإسلام في مبسوطه، بقوله: فإن قيل: يد المختط له ثابتة من وجه؛ من حيث أن اليد على الظاهر تدل على الباطن تقديرًا، ويد الواجد عليه حقيقة، واليد الحكمية لا تثبت الملك كما في حق الغانمين، فإن لهم يد ثابتة على ما في الباطن، ومع هذا لم يصر ملكًا لهم حتى قلنا: أربعة الأخماس للواجد إن وجده في المفازة، فكذا ها هنا. قلنا: يد المختط له يد خاصة واليد الحكمية إذا كانت بهذه المثابة تثبت الملك في المتاح، كما في المعدن؛ ألا ترى أن تصرّف الغازي بعد القسمة نافذ، وقبلها غير نافذ؛ لثبوتها على الخصوص (٢). وقوله: (لم يخرج): بلفظ التذكير؛ أي: الكنز عن ملكه، بدليل قوله: (لأنه)؛ أي: لأن الكنز، ولم يقل؛ لأنها، حتى ترجع إلى الدرة. (لم يُعرف الْمُخْتَطُ له)؛ أي: لم يعرف هو ولا وارثه. (يصرف إلى أقصى مالك … ) إلى آخره وهو اختيار السرخسي (٣).

стр. 1632

يُجْعَلُ جَاهِلِيًّا فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ الأَصْلُ، وَقِيلَ: يُجْعَلُ إِسْلَامِيًّا فِي زَمَانِنَا وذكر أبو اليسر: يوضع في بيت المال. كذا ذكره التمرتاشي (١)، هذا إذا نقل مالك للأرض أنا وضعته، فإن ادعاه؛ فالقول له بالاتفاق، وإن تصادقا على أنه كنز؛ ففيه خلاف أبي يوسف. وقال الشافعي: المالك أولى إن ادعاه، ولو نازعه غيره كان المالك أولى؛ لأن الظاهر أن ما في ملكه له، وإن لم يدع لنفسه؛ عرضه على البائع، ثم على بائع، إلى أن ينتهي الأمر إلى من عمرها، ولو لم يدعه ولم يعرف عامر؛ ظاهر المذهب: أنه تجعل لقطة، يُعرّفه سنة ويتملكها (٢). وعن القفال: أنه مال ضائع، يدفعه إلى الإمام ليضعه في بيت المال (٣). ولو كانت الأرض في يده بإعارة وإجارة، وادعى أن المال له فهو أولى، ولو نازعه منازع فالقول له مع اليمين، فشرط الإمكان؛ لأنه صاحب اليد. وقال المزني: المالك أولى؛ لأن الدفين تابع للأرض، ولهذا لو وجده في أرض حربي كان غنيمة بخمس. وفي اعتبار النصاب قولان: أحدهما: لا يعتبر كقولنا؛ لعموم الحديث. وفي الجديد: يعتبر، ذكره في الأم (٤)؛ لأنه حق متعلق بالمستفاد من الأرض كالمعشرات. كذا في الحلية (٥)، وتتمتهم. قوله: (لأنه الأصل)؛ أي: الجاهلي أصل لتقدمه على الشرع، أو الأصل في حق المسلم أن لا يكنز، قال الله ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، وكان الكنز مخصوصا بالجاهلية.

стр. 1633

لِتَقَادُمِ العَهْدِ (وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الحَرْبِ بِأَمَانِ فَوَجَدَ فِي دَارِ بَعْضِهِمْ رِكَازًا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ) تَحَرُّزًا عَنْ الغَدْرِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الدَّارِ فِي يَدِ صَاحِبِهَا خُصُوصًا (لتقادم العهد)؛ أي: عهد الإسلام، فالظاهر أنه ليس بمدفون الكفار، حتى لو علم مدفونهم؛ يخمس، والباقي للواجد من كان؛ لأن عليا فعل كذلك، إلا أن يكون حربيًا كما ذكرنا. وقال الشافعي: لقطة يُعرفها سنة. قوله: (فوجد في دار بعضهم ركازا): في المحيط: وضع محمد هذه المسألة في الجامع في الركاز (١). قال شيخ الإسلام: أراد بالركاز: المعدن لا الكنز، والقدوري وضعها في الكنز، فهذا يبن لك أن الكنز والمعدن في هذه المسألة سواء (٢). (تَحَرُّزًا عَنِ الْغَدْرِ)؛ قال ﵇: «وفاء لا غدر» (٣). وفي شرح الطحاوي: ومع هذا لو أخرجه إلى دارنا ملكه ولم يطب له، ولو باعه بعد ذلك جاز ويكره (٤). وكذا كل من رقيقهم، وما لهم بغصب أو سرقة؛ أمر بالرد ولم يجبر؛ لأنه لم يخف ذمه، وكذا لو أسلموا وصاروا ذمة؛ أمر بالرد ولم يجبر. وفي النفس: عن أبي يوسف: يملكه بالإخراج. ذكره في المنتقى، وفي شرح بكر: خلافه (٥). ولو دخل مغيرًا بعد الأمان يملك المال لا النفس به، ولا يضمن الداخل بالأمان، وما قيل: وما تلف من أموالهم؛ لأن العصمة بدار الإسلام. ولو وجد لقطة في دار الحرب؛ تصدق بعد التعريف على فقراء المسلمين، فإن لم يجد؛ فعلى فقراء أهل الذمة، فإن لم يجد؛ فعلى فقراء أهل الحرب،

стр. 1634

(وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الصَّحْرَاءِ فَهُوَ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِ أَحَدٍ عَلَى الخُصُوصِ، فَلَا يُعَدُّ ويأكلها إن كان محتاجًا، ولو حضر صاحبها؛ يضمنها ديانة لا قضاء؛ لأنه أتلفها فيها. (وجده في الصحراء): أراد به المفازة وموضعا لا ملك فيه لأحد. (فهو له)؛ أي: كله، ولا يخمس. وعند الشافعي: يخمس؛ لعموم الحديث (١). وعندنا: لا شيء فيه؛ أي: لا خمس؛ لأنه إنما يجب فيما يكون في معنى الغنيمة، وهو ما كان في يد أهل الحرب، ووقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب، فلم يكن في معناها؛ فلا يخمس، بخلاف ما لو وجد في دار الإسلام؛ فإنه كان في أيديهم ووقع في أيدينا بإيجاف الخيل حين افتتحت البلدة؛ فيجب فيه الخمس. قوله: (ليس في يد أحد على الخصوص): فإن قيل: يدهم ثابتة على الصحراء، فإن المستأمن لو وجد شيئًا من ذلك في دارنا فيه لا حوله فيه لثبوت يدنا عليه حكمًا، فيجب أن يكون كذلك ما وجد المستأمن منا في دارهم. قلنا: اليد على ما فيه ثبتت حكما لا حقيقة، ودارنا دار أحكام، فتعتبر اليد الحكمية فيها، بخلاف دارهم، فإنها دار قهر لا حكم، فيعتبر فيها اليد الحقيقة لا الحكمية، وذلك لا يوجد على ما في الصحراء. كذا في جامع شمس الأئمة (٢). وفي شرح الطحاوي: وما أصاب الأسير في دار الحرب، والمسلم الذي لم يهاجر إلينا، من كنز أو معدن، فهو كالمستأمن إلا فيما أصابا من ملك الحربي؛ فهو لهما بلا عشر، ولا خمس إذا أخرجاه، ولا بأس للمستأمن من أن يستخلص ما في أيديهم بوجه ما، من حر مسلم أو ذمي، أو مكاتب أو مدبرا، وأم ولد لمسلم أو ذمي، ويقاتلهم حتى يستنفذهم، وإن أتى ذلك على قتل

стр. 1635

غَدْرًا، وَلَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مُتَلَصِّصِ غَيْرِ مُجَاهِرٍ بعضهم؛ لأن هؤلاء لا يجري عليهم السبي، ولهذا لو أسلموا كانوا ظالمين في إمساكهم، ولا يكره جميع ذلك (١). ولا بأس للأسير والمستأمن أن يطأ امرأته التي أسرت أو أمته، وهي مسلمة أو كتابية، إلا أن يكون الحربي قد اتخذها لنفسه فوطئها، فحينئذ يكره له ذلك، وإن رفض الحربي وطأها؛ فلا بأس للزوج والمولى إذا اعتدت المرأة أو استبرأت الأمة أن يطأها. ولو وطئها الحربي، فجاءت بولد لسنتين منذ وطئها؛ فهو ابن المسلم، وإن جاءت به لأكثر؛ فهو ابن الحربي؛ لأنها حرمت حين وطئها الحربي، فأشبه من طلق امرأته ثم جاءت بولد. قال صاحب الْمُجْتَبى (٢): بقيت هنا واقعة عظيمة مشكلة تحير فيها العقول، وهو ما ابتلي به بعد فتنة التتار عامة أهل الإيمان من الحاجة إلى التصرف في أراضي هذه الديار التي غلبوا عليها، ودورها وأشجارها، وعروضها ونقودها، وظواهرها وكنوزها، التي يعرف لها مالك أو لم يعرف، والحكم فيها بناء على أن هذه الدار من درب أهل الشرق إلى خراسان هل بقيت دار الإسلام بعد هذه الفتنة، أم عادت دار الحرب؟ ففي قياس قولهما: عادت دار الحرب؛ لاستيلاء أهل الحرب عليها، وإجراء أحكامهما فيها. وكذا في قياس أبي حنيفة؛ لأن عنده لا تعود إلا بثلاث شرائط: بالغلبة، وإجراء أحكامهم فيها، والمتاخمة لدار الحرب، وأن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي أمن بأمانة الأول، وقد وجد الشرائط الثلاث. أما الأول؛ فظاهر، وكذا الثاني؛ لأنه لم يبق بلدة من بلاد الإسلام بين هذه الديار وبين دار الحرب، وأما الثالث؛ فالمشهور: لم يبق من أهلها أحد

стр. 1636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أُمن بالأمان الأول؛ لأنهم تعرضوا لدمائهم وأموالهم، ثم أبقوا من أبقوا بأمان جديد، وميثاق من لدنهم شديد بوضع التجر والمبنا. وأما عند الشافعي: فهي دار الإسلام بحالها، وكان أستاذنا العلامة ركن الدين الوانجاني (١) يفتي بأنها دار الإسلام في حق إقامة شعائر الدين، كالجمع والأعياد، وصحة الأوقات، وفي غيرها كالدور والأراضي وغير المنقول، وفي المنقول؛ أنها دار الحرب (٢). قلت: وهذا حسن؛ لتمام الاستيلاء عليها، وشدة حاجة المسلمين إليها. وقد ذكر السيد الإمام في الملتقط: أما البلاد التي في أيديهم؛ لا شك أنها بلاد الإسلام؛ لأنها غير متصلة بدار الحرب، ولأنهم لم يظهروا حكم الكفر؛ بل القضاة مسلمون، والملوك يطيعونهم ضرورة وهم فساق، أو مرتدين وكافرين، وطاعتهم لهم مخادعة وموادعة، وأما بلاد عليها ولاة الكفار؛ يجوز للمسلمين إقامة الجمع والأعياد، ويصير القاضي قاضيا بتراضي المسلمين، ويجب عليهم أن يلتمسوا واليا مسلما (٣). وأما لبس السراغج، وتعليق البائزة (٤)؛ لا يتعلق بالدين، كأصناف القلانس لأصناف الناس. قلت: وما ذكر السيد الإمام أحسن وأنظر للمسلمين؛ لكن في بلاده في زمانه حيث يملك بكونها غير متصلة ببلاد الحرب، وعدم إظهارهم فيها حكم الكفر، وهم معدومان في زماننا، أما المتصلة؛ فلأن جميع هذه البلاد متصلة بدار الحرب، وأما إظهارهم حكمهم؛ فظاهر من وضع القبجر (٥) والتمغا على جماجم المسلمين.

стр. 1637

(وَلَيْسَ فِي الفَيْرُوزَجِ الذِي يُوجَدُ فِي الجِبَالِ خُمُسٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: وفي زيادات العتابية: إذا صارت دار الإسلام دار الحرب؛ يصير حكمها وحكم سائر دور الحرب سواء (١). قلت: وإذا كان كذلك، وقد عرفت أحكام دار الحرب في المعدن والركاز، واللقطة وغيرها؛ فقس عليه هذه، وهذا مما يعرف ولا يفتى به إلا فيما تمس حاجة العامة إليه. واختار بعض أهل العلم في زماننا أن تكون هذه البلاد؛ بلاد إسلام في حق أحكام من تقليد القضاة، وإقامة الجمع والأعياد والحدود والقصاص، وصحة العقود وفسادها، مما تمس حاجة العامة إليها دينا ودنيا، ولا يمنعونا من ذلك، أما ما منعونا منه من التصرف في أراضينا وأموالنا التي استولوا عليها، وما يجد الحفار من الركاز والكنوز تحت الأراضي التي قاطعوها إياهم، وأمورهم بنحتها بأجرة أو قسط أو غير ذلك؛ فهو دار الحرب، ويأتي تمام هذا البحث في كتاب السير إن شاء الله تعالى. قوله: (وَلَيْسَ فِي الْفَيْرُوزَج): الْفَيْرُوزَجِ: حجر وإنه ينطبع، ويجوز به التيمم، إلا أن بعض الأحجار أضوأ من بعضها. كذا في جامع قاضي خان، والمحبوبي (٢). وقيد بقوله: (يوجد في الجبال)؛ احترازًا عما يوجد منه، وغيره مما ذكر بعده من الزئبق واللؤلؤ في خزائن الكفار، فأصيب قهرا؛ فإنه يخمس بالإجماع؛ لأنه مال الغنيمة. كذا في الفوائد الظهيرية، والإيضاح (٣). وفي المبسوط: لفظ الحديث: «لا زَكَاةَ في الحجر» (٤)، ثم قال: ومعلوم أنه لم يرد به إذا كان للتجارة، وإنما أراد إذا استخرجه من معدنه، فكان هذا أصلا في كل ما هو في معناه (٥).

стр. 1638

«لَا خُمُسَ فِي الحَجَرِ» (وَفِي الزِّنْبَقِ الخُمُسُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ (*) وَلَا خُمُسَ فِي اللُّؤْلُةِ وَالعَنْبَرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفُ: فِيهِمَا (**) وَفِي كُلِّ حِلْيَةٍ تَخْرُجُ مِنْ البَحْرِ خُمُسٌ)؛ قوله: (وَفِي الزِّنْبَقِ)؛ أي: الذي أصيب في معدنه، وبه صرح في المبسوط فقال: وأما الزئبق الذي أصيب في معدنه؛ ففيه الخمس في قولهما. وقال أبو يوسف: لا شيء فيه (١). وفيما وجد في خزائن الكفار؛ يجب فيه الخمس بالاتفاق. عن أبي يوسف: أن أبا حنيفة كان يقول أولا: لا شيء فيه، وكنت أقول: فيه الخمس، فلم أزل أناظره وأقول: أنه كان رصاصا، ثم رأيت أن لا شيء فيه (٢)؛ لأنه معين؛ بدليل أنه يستقى بالدلاء، فصار كالنفط والعنبر، فيصير من جملة المياه، ولا خمس في الماء لحقارته. وجه قولهما: أنه يستخرج بالعلاج من عينه ويتطبع من غيره، فكان جوهرا، إذا به حرارة معدنه، فصار كما لو أذيب بالنار، ولهذا ينعقد بمرور الزمان فيصير من أشرف الجواهر، فيخمس كالفضة والرصاص. وفي المغرب: الزئبق -بالباء-: فارسي مُعرّب، وقد أعرب بالهمزة، ومنهم من يقول بكسر الباء بعد الهمزة (٣). وقيل: الزئبق حيوان؛ لأنه ذو حس متحرك بالإرادة، ولهذا يقتل. وفي المبسوط: [تكلم] (٤) الناس في اللؤلؤ أنه مطر الربيع يقع في الصدف، فيصير لُؤْلُؤًا، فعلى هذا أصله من الماء، وليس في الماء شيء لحقارته (٥). وقيل: أن الصدف حيوان يخلق فيه اللؤلؤ، وليس فيه شيء، وهو نظير ظبي

стр. 1639

لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ الخُمُسَ مِنْ العَنْبَرِ. وَلَهُمَا: أَنَّ قَعْرَ البَحْرِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ القَهْرُ، المسك يوجد في البر فلا شيء فيه. وقيل: العنبر نبت في البحر، بمنزلة الحشيش في البر. وقيل: إنه خثي دابة في البحر، وليس في أخثاء الدواب شيء. وفي كتاب المناسك: العنبر: نبات يكون في قعر البحر، فربما يبتلعه الحوت [فإذا استقر في بطنه لفظه لمرارته، وما لم يبتلعه الحوت] (١)، فهو الجيد منه (٢). وفي المحيط: قيل: العنبر: شجر منكسر، فيصيبها الموج فيلقها في الساحل (٣). وقيل: العنبر: من زبد البحر، فإن الأمواج إذا تلاطمت هاج منها الزبد، فلا يزال حتى يمكث ما صنع، فينعقد عنبرًا فيقذفه الماء إلى الساحل. قوله: (لأن عمر … ) إلى آخره: [روي] (٤) أن يعلى بن أمية كتب إلى عمر ﵁، يسأله عن عنبرة وجدت في الساحل، فكتب في جوابه: إنه مال الله يؤتيه من يشاء ففيه الخمس. كذا في المبسوط (٥). هذا يصلح حجة في العنبر لا في اللؤلؤ. وفي الفوائد الظهيرية: أن السؤال عن عمر ﵁ كان عنهما جميعا (٦). وفي الأول في الاحتجاج ما ذكره في المبسوط من دليل المعقول حيث يعمها، ولأن نفس ما يوجد في البحر يعتبر بنفس ما يوجد في البر وهو الذهب والفضة؛ لأن الدنيا بر وبحر، وليس هذا كالسمك؛ لأنه صيد، ولا خمس في صيد البحر.

стр. 1640

فَلَا يَكُونُ المَأْخُوذُ مِنْهُ غَنِيمَةٌ وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةٌ، وَالمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ فِيمَا دَسَرَهُ البَحْرُ وَبِهِ نَقُولُ مَتَاعٌ وُجِدَ رِكَازًا فَهُوَ لِلَّذِي وَجَدَهُ وَفِيهِ الخُمُسُ مَعْنَاهُ: إِذَا وُجِدَ فِي أَرْضِ لَا مَالِكَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، والله أعلم. ولهما: ما روي عن ابن عباس أنه قال في العنبر: شيء دسره البحر فلا شيء فيه (١). وحديث عمر ﵁ محمول على ما إذا دخل العسكر أرض الحرب، فيصيبون العنبر في الساحل، وعلى ما وجده العامل في بعض جزائر الكفرة. وعندنا في هذا خمس؛ لأنه غنيمة، ووجوب الخمس في البر كان بمعنى لا يوجد ذلك في البحر؛ وهو أنه كان في يد أهل الحرب، ووقع في أيدينا بإيجاف الخيل والركاب، وما في البحر ليس في يد أحد قط؛ لأن قهر الماء يمنع قهر غيره، ولهذا قال مشايخنا: لم يجب شيء في ذهب وفضة وجدا في قعر البحر. كذا في المبسوط (٢). وفي المغرب: دسره دفعه، وقذفه من باب طلب (٣). وفي مبسوط شيخ الإسلام: جمعه. قوله: (ومتاع): المتاع: ما يتمتع به في البيت من الرصاص ونحوه. وقيل: المراد: الثياب؛ لأنه يستمتع بها. كذا في الفوائد الظهيرية (٤). وفي الكافي: قالوا المراد من المتاع: الأواني، وركاز النصب على الحال إن وجد حال كونه ركازًا، لا حال كونه لقطة، ولا حال كونه موضوعًا في البيت؛ لأن الاسم غير الصفة، والمصدر بمنزلتهما في باب الحال، فقال: هذا بسرا أطيب منه رطبا، وأبهم لفظ الركاز؛ ليتناول الكنز والمعدن، وهما في هذا

стр. 1641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحكم سواء، إذا وجدا في أرض لا مالك لها (١). وإنما ذكر هذه المسألة بعد ذكر حكم النقدين في المعدن والركاز؛ ليبين أن وجوب الخمس لا ينحصر في الركاز من النقدين أو غيرهما، بخلاف الزكاة؛ حيث لا تجب في الثياب والمتاع إلا للتجارة؛ لما أن وجوب الخمس باعتبار الغنيمة، وفي ذلك كل المال سواء، بعد أن ثبت الانتقال من أيدي الكفرة إلى أيدينا عليه حقيقة أو حكمًا. كذا قيل. مسائل تتعلق بهذا الباب يصرف خمس المعدن مصرف الغنيمة عندنا، وبه قال مالك (٢)، وأحمد في رواية (٣)، والمزني، وابن الوكيل من الشافعية (٤). وعن محمد: يصرف إلى حملة القرآن، وذوي المرضى، وَكَتَبَةِ الأمراء، وذوات البرد. ذكره في جوامع الفقه (٥). وعند الشافعي: يصرف مصارف الزكاة، وقاسه على الزرع (٦). حفر معدنا بإذن الإمام؛ يخمس، وباقيه له، ولو حفر ولم يصل إليه، فحفره آخر فوجده؛ فهو له؛ لأنه الواجد، ولو اشتركا في الحفر فوجده واحد؛ فهو للواجد، ولو تقبل من الإمام معدنا فحفره تاجر فوجوده يخمس، والباقي للمتقبل، ولو عملوا بغير إذن المتقبل؛ فالباقي لهم، ولو باع الركاز؛ فالخمس على المشتري، ويرجع على البائع الواجد بخمس الثمن.

стр. 1642

بَابُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثَّمَارِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي قَلِيلِ مَا أَخْرَجَتْهُ الأَرْضُ وَكَثِيرِهِ العُشْرُ، سَوَاءٌ سُقِيَ سَيْحًا أَوْ سَقَتْهُ السَّمَاءُ، إِلَّا الحَطَبَ وَالقَصَبَ وَالحَشِيش. باب زكاة الزروع والثمار المراد بالزكاة: العشر، وإلحاق الزكاة بالعشر ظاهر، وأخر عنها؛ لأنه تعالى قال: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] العشر. كذا في المبسوط (١). ولأن كل واحد منهما من الوظائف المالية ثبت بالكتاب، وفي العشر معنى المؤونة والقربة، والزكاة قربة محضة، فلهذا أخر العشر. وفي البدرية: تسمية العشر بالزكاة هاهنا وقع على قولهما؛ لاشتراطها النصاب والبقاء، وكان هو نوع زكاة، ولهذا يصرف مصارف الزكاة، وفيه معنى الطهارة والنماء كما في الزكاة (٢). وقدم العشر على صدقة الفطر؛ لمشابهة الزكاة من حيث إنه يجب بالقدرة الميسرة كالزكاة، وسببه المال بخلاف صدقة الفطر؛ فإنها واجبة بالقدرة الممكنة، وسببها الرأس. والأصل في وجوب العشر: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والآية مجملة، ففسرت بقوله ﵇: «ما سقته السَّماءُ ففيه العُشْرُ» (٣). الحديث. وقوله ﵇: «ما أخرجته الأرض ففيه العُشْرُ» (٤). وقال بعض الناس: العشر منسوخ؛ لقول علي ﵁: نسخت الزكاة كل صدقة قبلها (٥).

стр. 1643

(وَقَالَا: لَا يَجِبُ العُشْرُ إِلَّا فِيمَا لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (*)، وَالوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَيْسَ فِي الخَضْرَاوَاتِ عِنْدَهُمَا عُشْرٌ) فَالخِلَافُ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ، وَفِي اشْتِرَاطِ البَقَاءِ. لَهُمَا فِي وقال عامة العلماء، والأئمة الأربعة: تجب بالآية والأحاديث المشهورة، والمراد بالصدقة في قول علي: غير العشر. وفي المبسوط (١): الأصل عند أبي حنيفة: أن كل ما يستنبت في الجنان ويقصد باستغلال الأرض؛ ففيه العشر، وهو قول ابن عباس، وقد روى أنه حين كان واليا بالبصرة أخذ العشر من البقول في كل عشر دساتج دستجة (٢). وفي الْمُجْتَبى: الحبوب والبقول، والرطاب والرياحين، والوسمة والزعفران والورس في ذلك سواء (٣). وفي الصحاح: السيح: الماء الجاري، من ساح الماء؛ إذا جرى على وجه الأرض (٤)، والمراد من السماء: المطر. (فالخلاف في موضعين: اشتراط البقاء، والنصاب): فعند أبي يوسف، ومحمد (٥)، والشافعي (٦)، ومالك (٧)، وأحمد (٨)، وأكثر العلماء غير أبي حنيفة: النصاب شرط؛ لقوله ﵇: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٩)، والمراد من الصدقة: العشر، لا الزكاة؛ بدليل وجوب الزكاة فيه إذا بلغت قيمته نصابا.

стр. 1644

الأَوَّلِ: قَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» وَلِأَنَّهُ وفي رواية: قال ﵇: «ليس في تمر ولا حَبِّ صدقةٌ حَتَّى تبلغ خمسة أوسق جافا أو رطبا» (١)، والمعنى مذكور في الكتاب. قال الخليل: الوسق: حمل البعير، والوقر: حمل البغل والحمار (٢). والوسق - بفتح الواو، ويروى بكسرها -: صاع النبي ﵇، وهو أربعة أمناء، فالخمسة أوساق ألف ومائتا مَنٌ. وفي فتاوى العتابي: الوسق: مائتان وأربعون مَنَّا، والمن بوزن الدرهم: مائتان وخمسة وسبعون درهما وثلث رطل تحقيقا، والرطل: نصف من، وبوزن الأستار: أربعون أستارًا، والأستار بوزن الدرهم: ستة دراهم ونصف درهم اصطلاحا لا تحقيقا، وبالمثاقيل: أربعة ونصف. كذا ذكره في البلغة (٣). وقال الحلواني: الوسق: ستون صاعًا على مذهب أهل الكوفة، وقال أهل البصرة: الوسق: ثلاثمائة من (٤). وأما البقاء: فعندهما شرط حتى لا يجب في الخضروات، ويجب فيما له ثمرة باقية. وقال الشافعي: يجب العشر في الثمار من الكرم والنخل دون غيرهما (٥)، وبه قال مالك (٦). وقال أحمد: يجب في سائر الثمار التي يكال، حتى أوجب في اللوز، وأسقط في الجوز (٧). وتجب في الحب فيما يقتات ويدخر مما ينبته الآدميون؛ كالحنطة والشعير، والذرة والأرز، وما أشبه ذلك؛ لقوله ﵇ لمعاذ: «لا تأخذ الصدقة إلا

стр. 1645

صَدَقَةٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ النِّصَابُ لِيَتَحَقَّقَ الغِنَى. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: قَوْلُهُ ﵊: مِنْ هَذِهِ الأربعة: الشعير والحنطة، والزبيب والتمر» (١)، فيلحق بها ما يقتات ويدخر؛ لشدة الحاجة إليها، وعدمهما إلى ما عدا الأقوات. وقال مالك: يجب في الحبوب المأكولة غالبا (٢). وقال أحمد: يجب في الحبوب التي تكال، أنبته الآدمي أو نبت بنفسه (٣)؛ لعموم قوله ﵇: «ما أخرجته الأرض … » الحديث (٤)، ولكن شرط النصاب لما روينا. وفي شرح الطحاوي: فقالا: لا عشر فيما لا يبقي من سنة إلى سنة (٥). والوسق: ستون صاعًا، كل صاع ثمانية أرطال. وعن أبي يوسف: الصاع خمسة أرطال وثلث رطل، وذلك ثمانمائة من وعشرة أمناء (٦)، وعند الشافعي: ثمانمائة من (٧). وقال صاحب الْمُجْتَبى: فعلم من هذه الرواية أن الباقية ما تبقى سنة (٨). وذكر فخر الإسلام: ما يبقى سنة كالحنطة والشعير والتمر والزبيب، والذي لا يبقى سنة كالبطيخ والكمثرى، ولو كان من الموسقات أجناس مختلفة، وكل جنس لا تبلغ خمسة أوسق، وبالضم تبلغ؛ فعند محمد: لا يضم، وبه قال الشافعي (٩)، وعن أبي يوسف ثلاث روايات، في رواية: يضم، وفي رواية: لا

стр. 1646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يضم (١). وفي رواية: إذا اتحد وقت إدراكها يضم، وهو أحد قولي الشافعي. وقال مالك: يضم الحنطة إلى الشعير في إكمال النصاب، وكذا في القطنية يضم بعضها إلى بعض (٢). وعن مالك في رواية أخرى: أنها أجناس مختلفة كالربا فلا تضم، وبه قال الشافعي (٣)، واختلفت الرواية عن أحمد (٤). والقطنية: هي الباقلاء والعدس والحمص واللوبيا، سميت قطنية؛ لأنها تقطن في البيت؛ أي: تمكث فيه. كذا في الحلية (٥)، وتتمتهم. وفي شرح الطحاوي: أرض عشرية مشتركة بين جماعة، خارجها خمسة أوسق، ونصيب كل واحد دون خمسة أوسق؛ ففيها العشر عند أبي يوسف؛ لاعتباره الكل، ولا يجب عند محمد؛ لاعتباره نصيب كل واحد (٦)، وهو قول مالك. قوله: (وليس في الخضروات) (٧): والخضروات - بفتح الخاء -: لا غير الفواكه والبقول، وقد تقام مقامها الخضر، جمع خضرة، وهي لون الأخضر في الأصل، فسمي به، وعن علي: ليس في الخضر زكاة البقل والقثاء والخيار وما أشبهها. كذا في المغرب (٨). وإنما ذكر قوله: (وليس في الخضروات)، وإن كان يفهم من قوله: (لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية)؛ تأكيدًا.

стр. 1647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (ولأنه)؛ أي: العشر. (صدقة)؛ بدليل أنه يتعلق بنماء الأرض، كالزكاة تتعلق بنماء المال، وأنه لا يجب على الكافر ابتداء، وأنه يصرف مصارف الصدقات. (ما أخرجته الأرض)؛ أي: العشر بالإجماع، من غير فصل بين القليل والكثير، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] لا يفصل، فإنه جاء في التفصيل: أن المراد به العشر، وكذا قوله ﵇: «ما سَقَتْهُ السماء ففيه العشر» (١) لا يفصل. رواه النسائي، والترمذي بلفظ: «وما سَقَتْهُ العيون» (٢). وفي صحيح مسلم (٣) بلفظ: «فيما سقته الأنهار والغيم». فإن قيل: قد خص من عموم الكتاب أو الحديث القصب والحشيش بالإجماع، فيخصه بقوله ﵇: «ليس فيما دون … » الحديث (٤)، وبالقياس. قلنا: هو تخصيص الكتاب والخبر المشهور بالحديث، وما رواه غريب. كذا في الإيضاح. وفي أحكام القرآن للرازي: حديث الخضروات منكر، ذكره يحيى بن معين (٥)، وضعفه الترمذي أيضًا، وحديث: «ما سقته السماء … » الحديث (٦)، في حيز التواتر؛ فيوجب الحق في الجميع، فلا يجوز تخصيصه بما هو ضعيف. وقال الترمذي، وابن عبد البر: لا يصح في هذا الباب حديث (٧)، فلا يصح ترك عموم الحديث الصحيح.

стр. 1648

مَا أَخْرَجَت الأَرْضُ فَفِيهِ العُشْرُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَتَأْوِيلُ مَا رَوَيَاهُ: زَكَاةُ وفي الفوائد: لا يجوز التخصيص به؛ لأنه المراد منه: زكاة التجارة لما يذكر، وفيه تأمل. والقصب والحشيش خُصَّا لمعنى معلوم؛ وهو عدم الاستنماء عادة فيهما، حتى لو اتخذ مقصبة تجب الزكاة، فلا يجوز القياس. قوله: (وتأويل ما روياه) في الفوائد الظهيرية: ذكر الإمام الصفار: إذا ورد حديثان: أحدهما عام، والآخر خاص، وعلم التاريخ، فإن كان الخاص مقدمًا؛ كان العام ناسخًا له عند ابن أبان، وهو المأخوذ، وإن علم أن العام مقدم؛ كان الخاص مخصصًا له، وإذا لم يعلم التاريخ؛ قال محمد بن شجاع البلخي: يجعل العام كالخاص آخرًا لما فيه من الإحباط، هذا إذا لم يمكن الجمع بينهما، مع أن هاهنا لا تعارض (١)؛ لأن ما روينا مفسر بالعشر، وما روياه يحتمل العشر؛ بل الظاهر أن المراد منه الزكاة؛ إذ الصدقة المطلقة ينصرف إليه. وفي النهاية: العام المتفق أولى من الخاص المختلف (٢)، وما رواه أبو حنيفة عام متفق؛ لأنهما يسلمان أنه معمول في مقدار خمسة أوسق، وما ذكره غير معمول في حق العشر عنده؛ لأنه قال: هذا ورد في حق الزكاة. وفي مبسوط أحمد الطواويسي: أخذ أبو حنيفة هذا الأصل من عمر ﵁؛ فإنه عمل بالعام المتفق حين أراد جلاء بني النضير، فاعترضوا عليه بقوله ﵇: «اتركوهم وما يدينون» (٣)، وعمر تمسك بقوله ﵇: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» (٤)، وأجلاهم. نقله شيخ شيخي (٥).

стр. 1649

التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالأَوْسَاقِ، وَقِيمَةُ الوَسْقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالمَالِكِ فِيهِ فَكَيْفَ بِصِفَتِهِ وَهُوَ الغِنَى، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ الحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِنْمَاءِ وَهُوَ كُلُّهُ نَمَاءٌ. وَلَهُمَا فِي الثَّانِي: قَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ فِي الخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَالزَّكَاةُ غَيْرُ مَنْفِيَّةٍ فَتَعَيَّنَ العُشْرُ، وَلَهُ: مَا رَوَيْنَا، وَمَرْوِيُّهُمَا (ولا معتبر بِالْمَالِكِ)؛ أي: لا اعتبار له، حتى يجب في أرض الوقف والمكاتب عندنا، ولا يسقط بموت من عليه. ذكره في المحيط (١)، والأسرار. (فكيف بِصِفَتِهِ)؛ أي: كيف يعتبر صفة المالك، وهو الغناء، وهذا جواب عن قولهما: (فاشتراط النصاب ليتحقق الغناء). وعند الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤): لا يجب العشر في أرض المكاتب كالزكاة؛ لعدم ملك الرقبة، وكذا في الخارج من أرض الوقف على الرباط والمسجد، وعندهم: يجب في أرض موقوفة على أقوام بأعيانهم، فإنهم كالملاك عنده. (ولهما في الثاني)؛ وهو اشتراط البقاء، وراوي حديثهما معاذ والزكاة غير منفيه؛ لأن في الخضروات زكاة بالإجماع فتعين العشر، ولا يتعطل المصنف. بيانه: من كان له نصاب، فاشترى قبل الحول الخضروات فتم الحول؛ تجب الزكاة بالإجماع. (وله)؛ أي: لأبي حنيفة. (ما روينا)؛ وهو قوله: «ما أخرجته الأرض … » الحديث (٥)، وكذا عموم الآية والأحاديث المشهورة لا تترك بالحديث الغريب. قال الترمذي: حديث معاذ ليس بصحيح (٦)، ولئن ثبت فهو محمول على صدقة يأخذها العاشر؛ بدليل ما روى في بعض الروايات: «لا تأخذ من الخضروات صدقة».

стр. 1650

مَحْمُولٌ عَلَى صَدَقَةٍ يَأْخُذُهَا العَاشِرُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تُسْتَنْمَى بِمَا لَا يَبْقَى، وفي التحفة: والصحيح: ما قاله أبو حنيفة (١). قوله: (وبه أخذ)؛ أي: بمَرْوِيهُمَا يأخذ أبو حنيفة في هذا المحل: لا يأخذ منها العاشر. وفي مبسوط شيخ الإسلام: لا يأخذ منها العاشر، وعندهما: يأخذ قياسا على سائر الأموال (٢). وله: أن الأخذ ثبت نظرًا للفقراء، ولا نظر هاهنا؛ لأن العاشر في الأغلب يكون بعيدا عن البلد، ولا يجد فقيرًا ثمة ليصرفها إليه، فيحتاج إلى بعثها إلى البلد، فيؤدي إلى الضرر، فلا يأخذ بل يؤدي المال بنفسه. فإن قيل: ينبغي أن نأخذ القيمة بدلا عنها، كما في الخمر. قلنا: لا كلام إذا أعطي القيمة، أما لو أتى ويقول: أعطي من النصاب، فيقول أبو حنيفة: لا نأخذ بخلاف قيمة الخمر؛ لأنها تعين للأخذ؛ لكون الخمر غير متقوم في حق العاشر، وكذلك هاهنا؛ لأن الخضروات مال متقوم في حق الكل. فإن قيل: ينبغي أن يؤخذ ويصرف إلى عمالته. قلنا: عنده: لو أخذ ليصرف إلى عمالته له الأخذ، وإنما لا يأخذ لو أراد الصرف إلى الفقراء. (قد تُسْتَنْمَى بما لا يبقى)؛ بل الاستنماء بالخضر فوق الاستنماء بالحنطة والشعير؛ لأن نفع الخضر أعظم؛ ألا ترى أن عمر ﵁ وضع الخراج على الكرم أكثر مما وضع على المزارع؛ لما قلنا أن نفعه أبلغ. كذا ذكره شيخ الإسلام (٣).
следующие страницы →