← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قَالَ: (وَابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الحَدَثِ) لِأَنَّ الخُفَّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الحَدَثِ، فَتُعْتَبَرُ المُدَّةُ مِنْ وَقْتِ المَنْعِ. اللباب (١). قال النواوي: اتفقوا على أنه ضعيف مضطرب (٢). (وابتداؤها)، أي ابتداء مدة المسح. (عقيب الحدث)، أي الحدث بعد اللبس، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك، وأحمد في الأصح (٤)، وقال أحمد في رواية، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود: ابتداؤها من حين يمسح على الخف؛ لأن التقدير لأجله فيعتبر من وقته، وعن الحسن البصري ابتداؤها من وقت اللبس (٥)؛ لأن جوازه بسببه فيعتبر من وقته. ويلزم على الحسن أنه إذا مضى يوم وليلة على المقيم ولم يحدث يجب أن ينزع الخف، وإلا يجزئه المسح بعد ذلك، وهو محال، وعلى من يعتبر من وقت المسح أنه إذا لبس خفيه وأحدث ولم يمسح، ثم أغمي عليه بعد ذلك اسبوعًا، أو شهرًا أنه لا ينزع خفيه ويمسح عليهما وهو محال أيضًا، كذا في مبسوطي شيخ الإسلام، وشمس الأئمة (٦). وقوله: (لأن الخف مانع)، دليل على ابتدائها عقيب الحدث؛ لأن وقت اللبس وقت غني عن المسح، ووقت الحدث وقت الحاجة إليه فاعتباره منه أولى، ولأن أثر صيرورة هذه المدة للرخصة إنما تظهر وقت الحدث، فأما قبله فلا أثر للخف إذ القدم طاهرة. وفي الْمُجْتَبى: والمقيم في مدة مسحه قد لا يتمكن إلا من أربع صلوات

стр. 317

(وَالْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا … ... وقتية بالمسح، كمن توضأ ولبس خفيه قبل الفجر، ثم طلع الفجر وصلاها وقعد قدر التشهد فأحدث لا يمكنه أن يصلي من الغد على هيئة الأولى لاعتراض ظهور الحدث في آخر صلاته، وقد يصلي خمسا، وقد يصلي ستا كمن أخر الظهر إلى آخر الوقت، ثم أحدث وتوضأ ومسح وصلى الظهر في آخر وقته، ثم صلى الظهر من الغد، وقد يصلي به على هذا الوجه سبعا على الاختلاف (١). قوله: (على ظاهرهما)، في هذا احتراز عن قول الشافعي (٢)، والزهري، ومالك (٣)، فإن السنة عندهم مسح أعلى الخف وأسفله، إلا أن يكون على أسفله نجاسة، لما روي أنه ﵇ مسح أعلى الخف وأسفله (٤)، ولكن لو اقتصر على مسح أعلاه يجوز عندهم، ولو اقتصر على مسح أسفله لم يجزئه على أظهر القولين من الشافعي؛ لأن الرخص يجب فيها الاتباع، ولم يؤثر الاقتصار عليه، بل المنقول كلاهما، ولأن الكل يحاذي محل الغسل ويجزئه في قول. وأما مسح العقب فمن أصحابه من قال: يمسحه، قولا واحدا ومنهم من قال فيه قولان، أصحهما أنه يمسحه، وفي الاقتصار على العقب قولان، الأظهر أنه يجوز؛ لأنه يواري محل الفرض. وعندنا وأحمد (٥)، والثوري، وداود (٦) لا مدخل لأسفل الخف في المسح.

стр. 318

خُطُوطًا ولا للعقب لحديث علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى به من ظاهره، ولكن رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظاهر خفيه دون باطنهما (١)، رواه أبو داود، وأحمد، والثوري وقال: حديث حسن صحيح، ولأن فيه بعض الحرج، والمسح مشروع لدفع الحرج، وما رواه شاذ لا يعارض حديث علي، مع أنه ضعفه أهل الحديث، قال البخاري، وأبو زرعة الرازي: ليس بصحيح، وقال الترمذي: معلول، فلهذا قيل بحمله على الاستحباب إن ثبت. وعن بعض مشايخنا يستحب الجمع بين ظاهر الخف وباطنه في المسح إذا لم تكن به نجاسة، وقال عطاء: مسح الخف ثلاث كالغسل، وعند الجمهور مرة لحديث المغيرة، وإنما تبقى الخطوط إذا لم يمسح إلا مرة، ولأن في كثرة إصابته البلة إفساد الخف وفيه حرج. وفي فتاوى قاضي خان: وكيفية المسح أن يضع أصابع يده اليمنى على مقدم خفه الأيمن، وأصابع يده اليسرى على مقدم خفه الأيسر، ويمدهما إلى الساق فوق الكعبين ويفرج بين أصابعه، ولو بدأ من أصل الساق ومد إلى الأصابع جاز (٢). وقوله: (خُطُوطًا) نصب على الحال، أي مُخَطَّطًا. وفي الْمُجْتَبى: إظهار الخطوط في المسح ليس بشرط في ظاهر الرواية، وقال الطحاوي: المسح على الخفين خطوط بالأصابع، والسنة أن يبتدئ من رؤوس الأصابع إلى الساق، وعن الحسن عن أبي حنيفة: أنه يمسح ما بين أطراف الأصابع إلى الساق، وفي الكتاب إشارة إليه حيث قال: من قبل الأصابع والغاية لا تدخل تحت المُغَيَّا، وعن محمد: يضع أصابع يديه على مقدم الرجل ويمدها، أو يضع كفيه مع الأصابع ويمدهما جملة، والأحسن أن يضع كفيه معها ويمدهما إلي ما فوق الكعبين كالغسل (٣).

стр. 319

بِالأَصَابِعِ، يَبْدَأُ مِنْ قِبَلِ الأَصَابِعِ إِلَى السَّاقِ) لِحَدِيثِ المُغِيرَةِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خُفَّيْهِ وَمَدَّهُمَا مِنْ الأَصَابِعِ إِلَى أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ المَسْحِ عَلَى خُفٌ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُطُوطًا بِالأَصَابِعِ»، ثُمَّ المَسْحُ عَلَى الظَّاهِرِ حَتْمٌ حَتَّى لَا يَجُوزَ عَلَى بَاطِنِ الخُفْ وَعَقِبِهِ وَسَاقِهِ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ ثم ما وراءه محمول على أعلاه مما يلي الساق، وأسفله مما يلي الأصابع جمعا بين الأخبار، ولأن مسح أسفله لا يقع فرضا بالاتفاق على الأظهر، والسنة لا تكون إلا بفعل يقع في محل الفرض إكمالا له. قوله: (وعلى الظاهر حتم)، فإن قيل: ينبغي أن يجوز المسح على الباطن والعقب لأنه خلف عن الغسل فيجوز في جميع محل الغسل كما في مسح الرأس؛ فإنه يجوز في جميع الرأس، وإن ثبت مسحه ﵇ في الناصية. قلنا: لا يجوز؛ لأن فعله ﵇ هاهنا ابتداء شرع، وهو غير معقول المعنى، فيعتبر جميع ما ورد به الشرع من رعاية الفعل والمحل، بخلاف مسحه عليها فإنه بيان ما ثبت بالكتاب لأنصب الشرع، فيجب العمل بقدر ما يحصل به البيان وهو المقدار؛ لأن المحل معلوم بالنص فلا حاجة إلى جعل فعله بيانا له. فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجب المسح إلى الساق رعاية لجميع ما ورد به الشرع وحيث لم يجب. قلنا: قد روي أنه ﵇ مسح على خفيه من غير ذكر مد إلى الساق كما روي المد فجعل المفروض أصل المسح، والمد سنة جمعا بين الأدلة. فإن قيل: يجب أن يحمل المطلق على المقيد هاهنا لورودهما في حكم واحد في محل واحد كما في كفارة اليمين. قلنا: لا يجب الحمل؛ لأن الروايتين لا يتساويان في الشهرة، بل المطلق هو المشهور لا المقيد، ولئن سلمنا أنهما متساويان لا يجب الحمل أيضا لإمكان الجمع؛ فإن مسحه ﵇ لم يقتصر على مرة واحدة فلا يكون الإطلاق والتقييد في حكم واحد، بل في متعدد في نفسه فلا يجب الحمل،

стр. 320

القِيَاسِ، فَيُرَاعَى فِيهِ جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَالبُدَاءَةُ مِنْ الأَصَابِعِ اسْتِحْبَابُ اعْتِبَارًا بِالأَصْلِ وَهُوَ الغَسْلُ. (وَفَرْضُ ذَلِكَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ) وَقَالَ الكَرْخِيُّ ﵀: مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ اعْتِبَارًا لِآلَةِ المَسْحِ. فثبت بالروايتين أنه ﵇ مسح بالمد وبغير المد. ولو ثبت ذلك بالمشاهدة والتواتر لثبتت فرضية أصل المسح وسنية المد، فكذا هاهنا. فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجوز المسح على الباطن مع الظاهر لكونهما مرويين، والجمع ممكن، فثبتت فرضية مطلق المسح وسببه المسح عليهما كما قال الشافعي. قلنا: المروي أنه ﵇ مسح أعلى الخف وأسفله، فيحتمل أن يكون المراد من أعلاه أعلاه مما يلي الساق، ومن أسفله أسفله مما يلي الأصابع فيكون موافقًا لحديث المغيرة، والأصل الموافقة، فلا تثبت سنية مسح الباطن بالشك. ولقائل أن يقول: ينبغي أن يكون في صوم الكفارة مطلق الصوم واجبًا، والتتابع وعدمه سنة على ما ذكرتم. قوله: (مقدار ثلاثة أصابع)، وذلك أنه ﵇ رأى رجلا يغسل خفيه فقال: «أما يكفيك مسح ثلاثة أصابع من أصابع اليد» (١)، لأن المسح لما اقتضى الآلة وهي اليد، والثلاث أكثر الأصابع فأقيم مقام الأصابع تيسيرًا كما في الرأس، سواء مدها إلى الساق أو لم يمدها. وقال الكرخي: من أصابع الرجل؛ لأن المسح عليه وهو أكثر الممسوح فأعطي له الكل كما في الخرق، والأول أصح اعتبارًا لآلة المسح، إذ المسح فعل يضاف إلى الفاعل لا إلى المحل فتعتبر الآلة؛ لأن التقدير بالثلاث من مقتضى استعمال الآلة، وآلة المسح اليد.

стр. 321

(وَلَا يَجُوزُ المَسْحُ عَلَى خُفٌ فِيهِ خَرْقٌ كَبِيرٌ يَبِينُ مِنهُ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَازَ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجُوزُ وَإِنْ قَلَّ، لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ البَادِي وَجَبَ غَسْلُ البَاقِي. ولو المسح بإصبع واحدة قدر ثلاثة أصابع لم يجز، خلافًا لزفر، وقد مَرَّ الكلام في مسح الرأس، كذا في الإيضاح. وفي الْمُجْتَبى: عن الحسن: لو مسح أكثر ظاهر الخف يجوز، وأقله لا يجوز، ومثله عن أبي يوسف، وعنه ربع ظاهر الخف، ولو مسح بظاهر الكف أو بجانب الأصابع، أو أصابه ماء أو مطر يجوز، ويجوز بلل بقيت في كفه من غسل الوجه أو الذراعين دون بلة المسح، ولو مسح برؤوس الأصابع مجافيًا أصولها وكفه لم يجز إلا أن يبلغ بما ابتل عند الوضع قدر الواجب (١). قلت: أو كانت تنزل البلة إليها عند المد، وعند الشافعي: يجزيه من مسح الأعلى ما يقع عليه اسم المسح (٢)، وبه قال الثوري، وأبو ثور؛ لأن النصوص متعرضة لمطلق المسح، فإذا أتى بما ينطلق عليه اسم المسح يجوز، كما في مسح الرأس. وقال أحمد: يجب مسح أكثر ظاهر الخف لقيامه مقام الكل (٣)، وقال مالك: يلزمه مسح جميع محل الفرض كما في الرأس (٤)، والحجة على الكل ما روينا من حديث المغيرة. (خرق كبير)، روي بالثاء المنقوطة بالثلاث، وبالباء المنقوطة بالواحدة التحتية، ولكن قوله: (وإن أقل) تدل على أن الرواية هي الأولى، إذ لو كانت الثانية لقيل: أصغر. وفي هذا إشارة إلى أن الخروق تجمع في خف واحد، ثم الخرق الذي يجمع أقله ما تدخل فيه المسألة، وما دونه لا يعتبر.

стр. 322

وَلَنَا: أَنَّ الخِفَافَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ خَرْقٍ عَادَةً، فَيَلْحَقُهُم الحَرَجُ فِي النَّزْعِ وَتَخْلُو عَنِ الكَبِيرِ فَلَا حَرَجَ، وَالكَبِيرُ أَنْ يَنْكَشِفَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ أَصْغَرِهَا هُوَ الصَّحِيحُ، وفي المستصفى: الكبير بالباء يستعمل في الكمية المتصلة، والكثير في المنفصلة، وهاهنا اللائق الكبير (١). وفي شرح الوجيز: لو كان الخف منخرقا ففيه قولان، في القديم: يجوز المسح عليه ما لم يتفاحش (٢)، وبه قال مالك (٣)؛ لأنه مما يغلب في الأسفار حيث يتعذر الإصلاح والخرز، فالقول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة. وحد الفاحش ما قاله الأكثرون: ما لم يتماسك في الرجل، ولا يتأتى المشي عليه، وإلا فهو ليس بفاحش. وقيل: حده أن لا يبطل اسم الخف، وبه قال الثوري، وفي الجديد لا يجوز المسح عليه قليلا كان الخرق أو كثيرا، وبه قال أحمد، والطحاوي؛ لأن بعض محل الفرض غير مستور فوجب غسله فيجب غسل الباقي، ومواضع الخرز الذي تنسد بالخيوط أو تنضم لا عبرة به. وقال الأوزاعي: يغسل ما ظهر من القدم، ويمسح ما لم يظهر؛ لأن مقدار ما كان مستورًا لا يسري الحدث إلى ما تحته، وبقدر ما كان مكشوفا يسري، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وما ذكر من اعتبار أصابع الرجل رواية الزيادات. وفي الأجناس: في اعتبارها مضمومة أو منفرجة اختلاف المشايخ، قال بعضهم: قدر ثلاث أصابع الرجل مضمومة لا منفرجة (٤). وقوله: (هو الصحيح)، احترازا عن رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه قال:

стр. 323

لِأَنَّ الأَصْلَ فِي القَدَمِ هُوَ الأَصَابِعُ، وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا فَيُقَامُ مَقَامَ الكُلِّ، وَاعْتِبَارُ الأَصْغَرِ لِلِاحْتِيَاطِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِدُخُولِ الأَنَامِلِ إِذَا كَانَ لَا يَنْفَرِجُ عِنْدَ المَشْيِ، وَيُعْتَبَرُ هَذَا المِقْدَارُ فِي كُلِّ خُفٌ عَلَى حِدَةٍ، فَيُجْمَعُ الخَرْقُ فِي خُفٌ وَاحِدٍ ثلاث من أصابع اليد، لأنها آلة المسح، وقيل: مسح الخف معطوف على مسح الرأس في إحدى القراءتين، وهناك تعتبر أصابع اليد فكذا هنا، وفيه تأمل. وقوله: (أصغرها)، احترازًا عن قول الحلواني، فقال في فتاوى الظهيرية: قال الحلواني: المعتبر في الخرق أكبر الأصابع إن كان الخرق عند الأكبر، وإن كان عند الأصغر فالمعتبر أصغرها (١). وفي مبسوط شيخ الإسلام: اعتبر في الخرق أصابع الرجل، وفي المسح أصابع اليد؛ لأن الخرق مما يمنع قطع السفر، والمشي يتحقق بالرجل، بخلاف المسح؛ لأن آلته اليد. وفيه أيضًا: إنما تعتبر الأصابع إذا كان الخرق بمقابلها، وفي القدم تعتبر أكثرها وكذا في العقب، ولو ظهر الإبهام وجارتها يمسح، وإن كان ذلك قدر ثلاث أصابع؛ لأن الأصابع لا تقدر بها، وفيه تأمل. قوله: (ولا معتبر بدخول الأنامل) في المحيط: إذا كان يبدو قدر ثلاثة أنامل من أصابع الرجل يمنع الجواز عند بعض المشايخ، وإليه مال السَّرَخْسِي، وقيل: يشترط أن يبدو قدر ثلاثة أصابع بكمالها وإليه مال الحلواني، وهو الأصح (٢). لأن المعتبر قطع المسافة، وفي قوله: (ثم تبين منه قدر ثلاثة أصابع) إشارة إلى ذلك. ثم يشترط أن ينفرج عند المشي، يعنى يرى ما تحته، كذا في المبسوط. وفي الْمُجْتَبى: لو بدا ذلك من بطانة الخف دون الرجل قال الفقيه أبو جعفر: الأصح أنه يجوز المسح عند الكل؛ لأنه كالجورب المُنعل، وحكم المكعب المرتفع حكم الخف؛ لأنه كالخف الذي لا ساق له (٣).

стр. 324

وَلَا يُجْمَعُ فِي خُفَّيْنِ، لِأَنَّ الخَرْقَ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ بِالْآخِرِ، بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ المُتَفَرِّقَةِ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِلْكُلِّ، وَانْكِشَافُ العَوْرَةِ نَظِيرُ النَّجَاسَةِ. (وَلَا يَجُوزُ المَسْحُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ) لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ أَنَّهُ وفي شرح الوجيز: لو تخرقت البطانة وحدها، أو الظهارة وحدها جاز المسح إن كان ما بقي صفيقا، وإلا لا يجوز في أظهر القولين (١). قوله: (ولا يجمع في خفين)، فإن قيل: ينبغي أن يجمع الخروق في خفين لأن الرجلين صارا كعضو واحد لدخولهما تحت خطاب واحد. قلنا: نعم صارا كعضو واحد في حق حكم شرعي، والخرق أمر حسي فلا يكونان فيه كعضو واحد في قطع المسافة. فإن قيل: هلا يغسل إحدى رجليه على هذا؟ قلنا: لما كانا كعضو واحد في حق حكم شرعي، فلو غسلت إحداهما وتمسح الأخرى يكون جمعًا بين الغسل والمسح في عضو واحد حكما، وهذا غير مشروع، كذا في الكاثي. وفي الإيضاح: والوظيفة فيها وإن كانت متحدة حتى انتقض المسح بنزع أحدهما ولكنهما في حق الغسل عضوان، ألا ترى أنه لو مد الماء من الأصابع إلى العقب يجوز، ولم يظهر له حكم الاستعمال؛ لأنه عضو واحد، ولو مد الماء من إحدى الرجلين إلى الأخرى لم يجز، بخلاف النجاسة إذا كانت على الخفين حيث لا تجمع؛ لأنه ممنوع من الحمل، وهو حامل. وقيل في الفرق بين النجاسة والخرق: أنه إنما لا يمنع المسح لا لعينه بل لمعنى تضمنه، وهو أنه لا يمكن قطع السفر به، بخلاف النجاسة فإن المانع عينها لا لمعنى تضمنته، وإذا كان كذلك فمتى بلغت النجاسة أكثر من قدر الدرهم منع الجواز، وفي الانكشاف المانع انكشاف عين العورة وقد وجد. قوله: (لمن وجب عليه الغسل)، قيل صورته: توضأ ولبس الخفين، ثم أجنب فتيمم للجنابة، ثم أحدث ومعه ما يكفي الوضوء، لا يجوز المسح؛ لأنها

стр. 325

قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا سرت إلى القدمين، كذا في المستصفى (١). وقيل: صورته مسافر أجنب ومعه ماء مقدار ما يكفي للوضوء فتيمم للجنابة، ثم أحدث وتوضأ بذلك الماء ولبس خفيه، ثم مر على الماء انتقض تيممه السابق لقدرته على الاغتسال. فلو لم يغتسل وعدم الماء ثم حضرت الصلاة ومعه ماء مقدار ما يكفي الوضوء تيمم لعود الجنابة برؤيته الماء، ولو أحدث بعده يتوضأ بذلك الماء، ولكن ينزع خفيه ويغسل رجليه؛ لأنه لما مر على الماء عاد جنبًا من الأصل، فتبين أنه حيث لبس الخف لبس لا على طهارة كاملة، ولو لم يمر على الماء كانت الطهارة ظاهرًا محكومًا على الكمال فله أن يمسح في مدة المسح. قال مولانا حميد الدين: الموضع موضع النفي فلا يحتاج إلى التصوير. وفي الخبازية: المسألة لا تحتاج إلى صورة معينة، فإن من أجنب بعد لبس الخف على طهارة كاملة لا يجوز له المسح مطلقا؛ لأن الشرع جعل الخف مانعًا لسراية الحدث الأصغر لا الأكبر؛ لأنه شرع المسح لدفع الحرج، وفي الجمع بين الغسل والمسح يزيد الحرج فيعود على موضعه بالنقض (٢). وذكر فخر الإسلام: المسح مشروع في سائر الأحداث إلا في الجنابة؛ لأنه لا يمكن الجمع بين غسل البدن والمسح فلا تتحقق الرخصة فيه، فحينئذ لا يشرع. وقال شمس الأئمة السَّرَخْسِي: الجنابة ألزمته غسل جميع البدن، ومع الخف لا يتأتى ذلك (٣). وهذا ينبهك على أن التصوير تكلف.

стр. 326

إِلَّا عَنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطِ أَوْ نَوْمٍ» وَلِأَنَّ الجَنَابَةَ لَا تَتَكَرَّرُ عَادَةٌ فَلَا حَرَجَ فِي النَّزْعِ، بِخِلَافِ الحَدَثِ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ. وفي الْمُجْتَبى: سألت أستاذي نجم الأئمة البخاري عن صورته؟ فقال: توضأ ولبس خفيه، ثم أجنب، ليس له أن يشد خفيه فوق الكعبين ثم يغتسل ويمسح، وما ذكروا من الصور ليس بصحيح؛ لأن الجنابة لا تعود على الأصح (١). (عَسَّال) (٢)، بالعين غير المعجمة بياع العسل، والحديث في المصابيح، كذا في المستصفى (٣). ولكن ذكر فيه: " إلا من جنابة "، وهكذا رواه أكثر المحدثين، [ووجهه] (٤) إثبات النزع عند الجنابة. وقوله: (لكن عن بول و غائط)، استدراك عنه للأحداث التي لم يشرع النزع فيها، وروى الطحاوي في كتابه: " لا من جنابة " (٥) كما ذكر في المتن وهو الأشبه بالصواب، ولعل بعض الرواة سهى في كتابه وكتب "إلا " مكان "لا"، كذا في شرح المصابيح. ويحتمل أن الصحابي قد قال: كان ﵇ أمرنا بنزع خفافنا من بول وغائط ونوم، لكن من جنابة " فرواه مقلوبًا، كذا قيل. وفي التحفة: المسح غير مشروع مع الحدث الأكبر؛ لأن جوازه باعتبار الحرج، ولا حرج في الحدث الأكبر؛ لأنه يندر خصوصا في السفر (٦). وفي المبسوط: الرجل تعتبر بالرأس، فمتى كان الغرض في الرأس المسح في الوضوء والغسل في الجنابة فكذا في الرجل (٧).

стр. 327

(وَيَنْقُضُ المَسْحَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الوُضُوءَ) لِأَنَّهُ بَعْضُ الوُضُوءِ (وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا نَزْعُ الخُفْ) لِسِرَايَةِ الحَدَثِ إِلَى القَدَمِ حَيْثُ زَالَ المَانِعُ، (وَكَذَا نَزْعُ أَحَدِهِمَا) لِتَعْذِر الجَمْعِ بَيْنَ الغَسْلِ وَالمَسْحِ فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدَةٍ (وَكَذَا مُضِيُّ المُدَّةِ) لِمَا رَوَيْنَا (وَإِذَا تَمَّت المُدَّةُ نَزَعَ خُفَّيْهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَصَلَّى، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ بَقِيَّةِ الوُضُوءِ) وَكَذَا وقيل: في وجه التمسك بالحديث أنه نفي والنفي للنفي موجب الإثبات فيكون إثباتًا لنزع الخف فيها. وفي الكاثي: هذا أمر بالنزع عن الجنابة لأنه بعضه، والطهارة لا تتجزأ حكما. قوله: (لتعذر الجمع بين الغسل والمسح)، لأن الإتيان بالبدل إنما يتأتى عند عدم الأصل، ومن بعض أصحاب مالك لا يلزمه ذلك، بل يمسح على الخف الآخر ويغسل الرجل. (لما روينا)، وهو قوله: "كان النبي ﵇ يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ". قوله: (وليس عليه إعادة بقية الوضوء) للشافعي في إعادة البقية قولان، في القديم يستأنف (١)، وبه قال أحمد (٢)، والأوزاعي، والزهري، والنخعي؛ لأن الطهارة عبادة لا تتجزأ، فمتى بطل بعضها بطل كلها كالصلاة. وفي الجديد وهو الأصح: لا يلزمه الإعادة، وبه قال مالك، وهو اختيار المزني، كذا في شرح الوجيز. وفي الحلية: قال مالك: إن تطاول الفصل لزمه الاستئناف، وإلا غسل الرجلين، وقال الحسن البصري، وعطاء، والنخعي في رواية، وداود، وابن أبي ليلى: يصلي بطهارة المسح إلى أن يحدث؛ لأن المسح قام مقام الغسل. ولو غسلهما ثم لبس خفيه ثم نزعهما لم يجب عليه الغسل، فكذا هذا، لكن عن الحسن: لا يجب نزع الخفين، وعند داود يجب نزعهما ولا يصلي قبل النزع (٣).

стр. 328

إِذَا نَزَعَ قَبْلَ المُدَّةِ لِأَنَّ عِنْدَ النَّزْعِ يَسْرِي الحَدَثُ السَّابِقُ إِلَى القَدَمَيْنِ كَأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُمَا، وَحُكْمُ النَّزْعِ يَثْبُتُ بِخُرُوجِ القَدَمِ إِلَى السَّاقِ … ... … ... … ولنا: ما روى عن ابن عمر ﵄: أنه كان في غزوة فنزع خفه وغسل قدميه، ولم يعد الوضوء (١)، وهكذا روي عن أصحاب النبي ﷺ . وأما قوله: (لا يتجزأ فيبطل الكل)، فمُسلَّم، إلا أن تمضي المدة لا ينتقض؛ لأن الانتقاض بالحدث، وهو اسم لخارج نجس ولم يوجد، بل سرى حدث وجد قبل؛ لأن الخف مانع لا رافع. وأما قول الحسن وداود: أن المسح مقام الغسل فمُسلَّم، لكن قام مقامه شرعًا مقدرًا بوقت، فإذا مضى ذلك الوقت لا يقوم مقامه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وفي الخلاصة الغزالية: الاستئناف أولى من غسل القدمين، ولا يلزم على هذا ما لو مسح الرأس ثم حلق الشعر حيث لا يلزمه إعادة المسح؛ لأن الشعر من الرأس خلقة فالمسح عليه مسح الرأس بخلاف ما نحن فيه. وفي فتاوى قاضي خان لو انقضت مدة المسح في الصلاة ولم يجد ماء لا يقطع الصلاة لأنه لا فائدة في القطع؛ لأن حاجته غسل الرجلين وهو عاجز عنه لعدم الماء، ولا حَظَّ للرجلين من التيمم فيمضي على صلاته، ومن المشايخ من قال تفسد صلاته، والأول أصح (٢). وفي الْمُجْتَبى: وعند الزندويستي: إن شرع في صلاته بالتيمم ومضت تيمم وبنى، وإلا فيغسل، ولو شرع متوضئًا فأحدث، أو نزع خفيه وذهب ليبني فلم يجد ماء ومضت تيمم وبنى، ويبني الماسح وإن مضى الوقت قبل الفراغ من الوضوء، ولو مضت وهو يخاف البرد على رجله بالنزع يستوعبه بالمسح كالجبائر ويصلي.

стр. 329

لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي حَقِّ المَسْحِ، وَكَذَا بِأَكْثَرِ القَدَمِ، هُوَ الصَّحِيحُ. ولو دخل الماء خفه إن صار كل الرجل مغسولا انتقض مسحه وإلا فلا، كذا في فتاوى الفضلي. وفي مبسوطه: إن ابتل أكثره انتقض وإلا فلا، وعن أبي بكر العياضي لا ينتقض وإن بلغ الماء الركبة (١). فإن قيل: ذكر أولا النزع، فلم ذكر ثانيا نزع خفيه؟ قلنا: ذكره أولا لأن سوق الكلام فيه لبيان أنه إذا نزع زال المانع لسراية الحدث فوجب غسلهما. وثانيا: أنه هل يجب إعادة بقية الوضوء أم لا؟ كذا في الكاثي. قوله: (لأنه لا معتبر به)، أي بالساق، أي ساق الخف. وفي مبسوط شيخ الإسلام: أخرج رجلين إلى الساقين ثم أعادهما لا يمسح بعد ذلك، وقال الشافعي في القديم: له المسح لما أنه لم يظهر من محل الفرض شيء فلا يلزمه الغسل (٢)، وفي الجديد - وهو الأصح، وهو قولنا، ومالك (٣)، وأحمد (٤) -: لا يجوز المسح؛ لأن ما اعترض من الحال مما يمنع قطع السفر فيبطل مسحه قياسًا على ما لو نزع أحد خفيه. ويشكل على قوله: (لم يظهر [من] محل الفرض شيء) بما لو نزع الخفين وعلى رجليه لفافة فإنه يبطل المسح وإن لم يظهر من محل الفرض شيء كذا قيل وفيه تأمل لأن مراده ظهور القدم من شيء يقطع السفر به وقد وجد. قوله: (وهو الصحيح)، احتراز عما روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إذا زال العقب أو أكثرها عن مكانها نقض المسح، وعما روي عن أبي يوسف في رواية أنه إذا أخرج نصف القدم يبطل المسح، وعما روي عنه أنه إذا أخرج من ظهر القدم قدر ثلاث أصابع نقض المسح، وعما روي عن محمد أنه إن بقي من

стр. 330

(وَمَنِ ابْتَدَأَ المَسْحَ … ... … ... … ... … ... … موضع المسح قدر ثلاث أصابع لم ينتقض، وعما روي في بعض الروايات أنه يعتبر مكنة الشيء بعد ما يحرك القدم عن موضعه، والروايات في مبسوط شيخ الإسلام، والمجتبى (١). وفي الكاثي: وأكثر العلماء على أنه بقي في مقر القدم قدر ثلاث أصابع لا ينتقض، وهو المروي عن محمد. وفي النهاية: إنما يبطل بزوال العقب عن مكانه إذا أراد نزع الخف فحركه للنزع، أما إذا زال باعتبار سعة الخف أو لمعنى آخر وليس نية النزع لا يبطل المسح إجماعًا، بدليل وضعهم المسألة فيمن بدا له النزع وإلا وقع الناس في الحرج البين، مع أن الرواية منصوصة في المحيط، وفتاوى قاضي خان وغيرهما: أنه لا يبطل المسح (٢). وفي صلاة الزعفراني: أعرج يمشي على صدور قدميه وارتفع عقبيه من عقب الخف وصدر القدم عن مقره، يمسح ما لم يخرج صدر القدم، وكذا إذا كان الخف واسعا، كذا ذكره أبو علي الدقاق، وكذا في المحيط أيضًا (٣). قوله: (ومن ابتدأ المسح) إلى آخره، هذه المسألة على ثلاثة أوجه، وجه يتحول مدته إلى مدة السفر بالاتفاق، وهو: لو سافر قبل انتقاض الطهارة. ووجه لا يتحول إليها بالاتفاق، وهو ولو سافر بعد استكمال مدة الإقامة. ووجه اختلف فيه، وهو ما لو سافر بعد الحدث قبل استكمال المدة، كذا في شرح الطحاوي (٤). قال الشافعي (٥)، وأحمد في رواية (٦): أتم مدة المقيم؛ لأنه عبادة شرع فيه

стр. 331

وَهُوَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا) عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالوَقْتِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ آخِرَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَكْمَلَ المُدَّةَ على حكم الإقامة فلم تتغير بالسفر، كالصوم يشرع فيه ثم يسافر، وكالصلاة يشرع فيها في سفينة في المصر، ثم تسير السفينة فيصير مسافرًا، وذلك لأن حال الإقامة حال عزيمة، وحال السفر حال رخصة، فإذا اجتمعتا في عبادة غلبت العزيمة الرخصة. وعندنا وأحمد في رواية: تتحول إلى مدة السفر؛ لأنه مسافر فيتناوله إطلاق الحديث؛ ولأنه سافر والمدة باقية فيتغير قياسًا على ما لو لم يكن أحدث، أو أحدث ولم يمسح فإنه يتغير بالإجماع. وهذا لأن السبب لما وجد ثبت حكمه لا لمانع ولا مانع هاهنا، بخلاف ما لو سافر بعد استكمال المدة؛ لأن السفر وجد بعد سراية الحدث إلى القدم، وهذا ليس كالصوم والصلاة؛ لأن الصوم الواحد والصلاة الواحدة لا تتجزأ، فاعتبار الإقامة في أوله لا يبيح الإفطار، واعتبار السفر في آخره يبيح، فيترجح جانب الحرمة احتياطا، وكذا في الصلاة يترجح جانب الإقامة للاحتياط. أما الوقت فمما يتجزأ فلم يجتمع الإقامة والسفر في وقت واحد، فكان الاعتبار لما وجد وهو السفر. ألا ترى أنه لو أحدث ولم يمسح تتغير المدة وإن انعقدت المدة على حكمها؛ لأن المدة ليست بعبادة والحكم المتعلق بها وهو عدم سريان الحدث ليست بعبادة أيضًا، بخلاف الصوم والصلاة لأنهما عبادتان، فإذا اجتمعت الإقامة والسفر تدافعنا فغلبت الإقامة السفر لما ذكرنا، وهاهنا لما اقتصرت الإقامة وجد السفر فلم تثبت المعارضة والتدافع، كذا في الأسرار، ومبسوط شيخ الإسلام. ولم يتأت خلاف مالك في رواية منه في هذه المسألة لأنه لم ير المسح للمقيم. قوله: (فيعتبر فيه آخره) أي آخر الوقت كالصلاة فإن الاعتبار فيها لآخر الوقت في الإسلام، والبلوغ، والطهارة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وفيه

стр. 332

لِلْإِقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ، لِأَنَّ الحَدَثَ قَدْ سَرَى إِلَى القَدَمِ، وَالخُفُ لَيْسَ بِرَافِعِ (وَلَوْ أَقَامَ وَهُوَ مُسَافِرٌ، إِنْ اسْتَكْمَلَ مُدَّةَ الإِقَامَةِ نَزَعَ) لِأَنَّ رُخْصَةَ السَّفَرِ لَا تَبْقَى بِدُونِهِ (وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ أَتَمَّهَا) لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةُ الإِقَامَةِ، وَهُوَ مُقِيمٌ. قَالَ: (وَمَنْ لَبِسَ الجُرْمُوقَ فَوْقَ الخُفْ مَسَحَ عَلَيْهِ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ: … ... … تأمل؛ لأن هذا إنما يصح إذا لم يشرع فيه كما في الصلاة، مع أن عند الشافعي يعتبر أول الوقت حتى لو حاضت بعدما أدركت من الوقت مقدار ما يمكن أداء الصلاة يلزمها القضاء عنده، إلا أن نقول هذا الأصل مبين في الأصول فيجوز التفريع عليه، والأولى ما ذكره في الأسرار، ومبسوط شيخ الإسلام. قوله: (ومن لبس الجرموق)، وهو ما يلبس فوق الخف، وساقه أقصر من الخف. وقيل: هو تعريب يرموك، كذا في الصحاح، والمغرب (١). وكذا الموق، وهذا الخلاف قبل حلول الحدث على الخف، أما بعده لا يجوز بالاتفاق، وكذا الخلاف في خف لبس فوق خف. وفي شرح الوجيز: هذا لائح عن أربعة أحوال، أحدها: أن يكون الأسفل بحيث لا يمسح عليه لضعف أو تخرق، والأعلى يمسح عليه، فالمسح على الأعلى والأسفل كاللفافة. والثانية: أن يكون على العكس من ذلك، فيمسح على الأسفل القوي، وما فوقه مخرقة، فلو مسح على الأعلى فوصل البلل إليه فإن قصد المسح على الأسفل أو عليهما جاز، وإن قصد الأعلى فقط لم يجز، وإن لم يقصد شيئًا ففيه وجهان، الأظهر الجواز. والثالثة: أن لا يكون واحد منهما بحيث يمسح عليه فلا يخفى تعذر المسح.

стр. 333

البَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ. وَلَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الجُرْمُوقَيْنِ وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْخُفْ اسْتِعْمَالًا وَغَرَضًا، والرابعة: أن يكون كلا منهما بحيث يمسح عليه، فهل يجوز المسح عليه، أي الأعلى؟ ففيه قولان في القديم: يجوز (١)، وهو قول أبي حنيفة (٢)، وأحمد (٣)، واختيار المزني (٤). وفي الجديد: لا يجوز (٥)، وهو أشهر الروايتين عن مالك (٦)؛ لأن الأصل الغسل والمسح رخصة وردت في الخف، والحاجة إلى لبسه أهم وأعم فلا يلحق الجرموق (٧). قوله: (البدل لا يكون له بدل)، يعني الشرع ورد بالمسح على الخفين بدلًا عن غسل الرجلين، فلو جوزنا المسح عليهما أقمناهما مقام الخف، والخلف لا يكون له خلف. ولنا حديث عمر ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ مسح على الجرموقين (٨)، وحديث بلال أنه قال: سمعت النبي ﵇ أنه قال: «امْسَحوا على النصيفِ، وَالمُوقِ» (٩)، وهو الجرموق. (ولأنه تبع للخف)، أي يلبس لإكمال المعنى المقصود بالخف. (استعمالا)، أي من حيث المشي، والقيام، والقعود، والانخفاض، والارتفاع، وقطع المسافة. (وَغَرَضًا)، فإن الغرض من لبسه صيانة الخف عن الخرق والأقذار، فإذا

стр. 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كان تبعًا للخف لا يكون بدلًا عنه، والخف بدل عن الرَّجل، وكان الجرموق بدلًا عنه لا عن الخف، فصار باعتبار الحال كخف ذي طاقين. وفي قوله: (استعمالًا، وغرضًا) إشارة إلى جواب سؤال (١)، وهو أن الجرموق لو كان تبعًا للخف ينبغي أن لا يبطل المسح بنزعه، كما لا يبطل بنزع أحد طاقي خف، ولو كان تبعًا للرجل ينبغي أن لا يجوز المسح على الخف بنزعه. فقال أنه تبع له استعمالاً وغرضًا لا من كل وجه؛ فإنه في الحقيقة أصل بنفسه، بدليل جواز المسح عليه لو لبسه منفردًا بالإجماع؛ فإذا لبسه على الخف عملنا بالشبهين، وأثبتنا الحكم بحسب الدلائل فقلنا بالتبعية عند قيام الممسوح، فإذا زال الممسوح زالت التبعية فيحل الحدث بما تحته. بخلاف ذي طاقين فإن كل واحد من الطاقين متصل بالآخر من كل وجه فيصيران بحكم الاتصال كالشعر مع بشرة الرأس فكان المسح على أحدهما مسحًا على ما تحته حكمًا فيكون أحدهما بدلًا عن الرجل لا عن الخف معنى، والجرموق قبل النزع بدل عن الرجل؛ لأن الخف لم يأخذ حكم الرجل فجرى وجوده مجرى العدم، فصار كخفٌ ذي طاقين، فيكون كل واحد بدلا عنه. وأجاب أصحاب الشافعي عما تمسكنا بأن الموق هو الخف، ولأنه لم ينقل أنه ﵇ لبس جرموقا، ولأن الغالب أنه ﵇ لم يلبسه، ولم ينقل أحد عنه ﵇ لبسه؛ لأن في حر الحجاز لا يحتاج إليه. قلنا: ما أجابوا به ضعيف جدا لأنا نقلنا عن أئمة اللغة أنه والموق غير الخف، وقولهم: (لم ينقل أنه ﵇ لم يلبسه، ولم يمسح عليه) نفي، وما روينا إثبات، والإثبات يقدم على النفي على ما عرف في الأصول. وقولهم: (لعدم الحاجة إلى لبسه في حر الحجاز) ضعيف؛ فإن برده شديد في الشتاء.

стр. 335

فَصَارَا كَخُفٌ ذِي طَاقَيْنِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ لَا عَنْ الخُفْ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَبِسَ وقولهم: (فإن الحاجة لا تدعو إليه في الغالب فلا يتعلق به الرخصة) مناقض لمذهبهم في رخصة المسح على الخف من الزجاج، والخشب، والحديد؛ فإنهم أثبتوها في هذه الأشياء عند عدمها. (وهو)، أي الجرموق (بدل عن الرّجل) جواب عن قول الخصم: البدل لا يكون له بدل. فإن قيل: المسح على الخف ثبت على خلاف القياس فيقتصر على مورد النص. قلنا: في معناه من كل وجه، ولهذا شرطنا له اللبس على طهارة كاملة وغير ذلك، حتى لو أحدث ومسح على الخفين، ثم لبس الجرموقين لا يجوز المسح عليهما، ولو نزعهما يمسح على الخفين بالاتفاق. وللشافعي فيه ثلاث طرق، أحدها: أن الجرموق كالخف المفرد، فإذا نزعه مسح على الخف في أحد القولين، وفي قول آخر: استأنف الوضوء، ومسح على الخف. والطريق الثاني: أن الجرموق مع الخف كالخف فوق اللفافة، فيلزمه نزع الخفين إذا نزعه، ويقتصر على غسل الرجلين في أحد القولين، وفي قول آخر: يستأنف الوضوء. والطريق الثالث: أن نزع الجرموق لا يؤثر في شيء كالظهارة مع البطانة، ثم لو مسحهما ونزع أحدهما بعد المسح مسح على الخف الظاهر، وعلى الجرموق الباقي. وفي بعض روايات الأصل: ينزع الجرموق الباقي، وهو قول الشافعي، وقال زفر: يمسح على الخف الظاهر، وليس في الآخر شيء اعتبارا للتبعية التي ذكرناهما، وتنزيلا له منزلة الطاقين لا ينقض المسح، كذا هذا. وجه ظاهر الرواية أن في الابتداء لو لبس الجرموق على أحد الخفين كان له أن يمسح عليه وعلى الخف، وكذا إذا نزع أحدهما، إلا أن حكم الطهارة في الرجلين لا يحتمل التحري، فإذا انتقض في أحدهما بنزع الجرموق ينتقض في

стр. 336

الجُرْمُوقَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ، لِأَنَّ الحَدَثَ حَلَّ بِالخُفْ فَلَا يَتَحَوَّلُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الجُرْمُوقُ مِنْ كِرْبَاسٍ لَا يَجُوزُ المَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَدَلًا عَنِ الرِّجْلِ، إِلَّا أَنْ تَنْفُذَ البَلَّةُ إِلَى الخُفْ. [المسح على الجوربين] (وَلَا يَجُوزُ المَسْحُ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ … ... … ... … ... … الآخر، فهذا مسح على الخف الظاهر، وعلى الجرموق الباقي، كذا في المبسوط (١). ولو كان الجرموق واسعًا فأدخل يده ومسح على الخف لم يجز عندنا، وفي قول الشافعي وفي أظهر قوليه يجوز، كذا في الْمُجْتَبَى، وفيه: وعن أبي علي الدقاق: لبس جرموقين واسعين يفضل من الخف قدر المسح فمسح على الفضل لم يجز، ولو قدم رجله ومسح عليهما جاز، وإن تأخر أعاد المسح (٢). قوله: (ولا يجوز المسح على الجوربين)، في شرح الطحاوي: الجوارب ثلاثة، في أحدهما: يجوز المسح بالاتفاق، وهو ما كان ثخينا، أو منعلًا. وفي الثاني: لا يجوز بالاتفاق، وهو ما كان غير ثخين وغير مُنَعّل. وفي الثالث: وهو ما كان ثخينا غير مُنعَّل اختلفوا، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي (٣)، وبقولهما قال أحمد (٤)، وداود (٥)، كذا في الحلية (٦). وفي الأسرار: وقال الشافعي: لا يجوز على الكل. وفي شرح الوجيز: لا يجوز المسح على اللفائف، والجوارب المتخذة من الصوف واللبد؛ لأنه لا يمكن المشي عليها، وكذا على الجوارب المتخذة من الجلد الذي يلبس مع المكعب، وهو جوارب الصوفية لا يجوز حتى يكون

стр. 337

عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَلَيْنِ، وَقَالَا: يَجُوزُ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ لَا يَشِفَّانِ) (*) بحيث يمكن متابعة المشي عليها، ويعتبر نفوذ الماء لصفاقتها، أو لتجليد القدمين والنعل على الأسفل، أو للإلصاق بالمكعب. وحكى بعضهم أنها إن كانت صفيقة ففي اشتراط تجليد القدمين قولان، وكره مالك (١)، والأوزاعي المسح على الجورب. وفي الْمُجْتَبى: لا يمسح على الجورب من مِرْعِزَّى (٢)، والرقيق من غزل أو شعر بلا خلاف، ولو كان ثخينا يمشي معه فرسخًا فصاعدا كجوارب أهل مرو فعلى الخلاف، وكذا الجورب من جلد رقيق على الخلاف، ويجوز على الْجَوَارِبِ اللَّبْدِيَّةِ، وعن أبي حنيفة لا يجوز. قالوا: ولو شاهد أبو حنيفة صلابتها لأفتى بالجواز، ويجوز على الجاروق (٣)، والمشقوق على ظهر القدم وله أزرار تشده عليه فيستره؛ لأنه كغير المشقوق، وإن ظهر من ظهر القدم شيء فهو كخروق الخف. قلت: وأما الخف الدوراني الذي يعتاده سفهاء زماننا فإن كان مجلدا يستر جلدة الكعب يجوز، وإلا فلا (٤). وفي شرح الوجيز: الخف المتخذ من الخشب أو الحديد إن كان رقيقًا يمكن المشي عليه يجوز، وإلا لا. وفي الوسيط: ويجوز المسح على الخف [الحديد] (٥) وإن عسر المشي عليه، وفي المتخذ من الذهب والفضة قولان. (لا يَشِفّان)، وفي بعض النسخ: (لا ينشفان).

стр. 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي المغرب: شَفَّ الثوب: رَقَّ حتى رأيت ما وراءه، ومنه: (لا يشفان) ونفي الشفوف تأكيد للثخانة، وأما ينشفان فخطأ (١)، كذا في الْمُجْتَبى (٢). وفي النهاية: هذا خطأ رواية لا لغة، وذلك لأنه ذكر في المغرب في باب النون: نشف الماء: أخذه من أرض أو غدير بخرقة، من باب ضرب، ومنه كان للنبي ﵇ خرقة يُنَشِّفُ [بها]، ولهذا صح قوله في غسل الميت ينشفه بثوب أي ماءه، والمجلد ما وضع الجلد أعلاه وأسفله، والمنعل بالتخفيف وسكون النون ما وضع على أسفله جلد كالنعل للقدم. واختلف في النعل أنه إلى الساق، أو إلى أسفل القدم. وفي فتاوى قاضي خان: ينبغي أن يكون النعل على رواية الحسن إلى الساق، وفي ظاهر الرواية إلى أسفل القدم (٣). لهما ما روى أبو موسى الأشعري: أنه ﵇ مسح على جوربيه (٤)، وعن أبي بكر، وعلي، وأنس ﵃ روي المسح على الجورب، كذا في المبسوط. وفيه: الثخين ما يستمسك على الساق من غير شد، والصحيح من المذهب جواز المسح على الخفاف المتخذة من لبود التركية؛ لأن مواظبة المشي سفرًا فيها ممكن في معنى الخف (٥). يعني النص الوارد في الخف وارد على خلاف القياس؛ لأن النص يقتضي الغسل فلا يلحق به غيره، إلا ما كان في معناه من كل وجه، فثبت بدلالة النص

стр. 339

لِمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ » مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ المَشْيُ فِيهِ إِذَا كَانَ ثَخِينًا، وَهُوَ: أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْبَطَ بِشَيْءٍ فَأَشْبَهَ الخُفَّ. وَلَهُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الخُفْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ المَشْيِ فِيهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ مُنَعَّلًا وَهُوَ مَحْمَلُ الحَدِيثِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمَا، … ... … ... لا بدلالة القياس. (وهو) أي المُنعّل، (محمل الحديث) أي حديث أبي موسى، وما روي عن بعض الصحابة؛ لأنه حينئذ كالخف، والحديث الوارد فيه مشهور، والزيادة على النص به جائز. وقوله: (مسح على جوربيه) فلو لم يكن المُنعّل مرادا يكون زيادة على النص بخبر الواحد، وذا لا يجوز، كذا في الكاثي. (وعنه)، أي عن أبي حنيفة، (رجع إلى قولهما) قبل موته بسبعة أيام. وفي النوادر، وفتاوى الكبرى بثلاثة أيام، وعليه الفتوى. (القفاز) بضم القاف والتشديد، شيء يعمل لليدين يحشى بالقطن، له أزرار يزر على الساعدين من البرد، تلبسه المرأة في يديها، كذا في الصحاح (١). وفي الحلية ويستحب على رأسه عمامة لا يريد نزعها أن يمسح على ناصيته، ويتم المسح على العمامة، فإن اقتصر على مسحها لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة ومالك (٢)، وقال أحمد (٣)، والثوري، وداود (٤): يجوز المسح على العمامة، واعتبر أحمد أن يكون تعمم على طهر (٥). وفي النهاية: قال بعض أصحاب الحديث والشافعي في قول: يجوز المسح عليها والقلنسوة؛ لحديث بلال أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ مسح على عمامته

стр. 340

وَعَلَيْهِ الفَتْوَى (وَلَا يَجُوزُ المَسْحُ عَلَى العِمَامَةِ وَالقَلَنْسُوَةِ وَالبُرْقُعِ وَالقُفَّازَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي نَزْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَالرُّخْصَةُ لَدَفْعِ الحَرَج. وناصيته (١)، وجاء في الحديث أنه ﵇ بعث سرية وأمرهم بأن يمسحوا على المشاوذ والتساخين (٢)، فالمشاوذ: العمائم، والتساخين: الخفاف. ولأنه لو سجد على كور عمامته يجوز، فكذا المسح. ولنا ظاهر قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، والعمامة ليست من الرأس. وحديث جابر أنه قال: رأيت النبي ﵇ حسر العمامة من رأسه ومسح على ناصيته، ولأنه ثبت في الرأس نوع رخصة فلا تثبت أخرى. أما بلال كان بعيدًا منه ﵇ فظن أنه مسح عليها. وتأويل حديث السرية أنه ﵇ خص به تلك السرية لعذر بهم وقد كان يخص بعض أصحابه بأشياء، كما أجاز لعبد الرحمن بن عوف لبس الحرير، وخص خزيمة بشهادته وحده، كذا في المبسوطين (٣). وقال الطحاوي وغيره مسحه ﵇ على العمامة مع الناصية كان اتفاقا لا قصدًا. وفي الكاثي: وتأويل حديث بلال بعيد لأنه حكم يلزمه غير الرائي، والصواب أن نقول: إذا ثبتت روايته سالمًا عن المعارض ثبت جواز المسح على العمامة. وفي الْمُجْتَبى: غسل هذه الأعضاء ومسح الرأس فرض بالكتاب، ولا حرج

стр. 341

[باب المسح على الجبيرة] (وَيَجُوزُ المَسْحُ عَلَى الجَبَائِرِ وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ في نزعها فيفرض الغسل، ولا يلحق بالخف لاستفاضته وفي غيره الخبر لم يوجد إلا شاذ فلا يجوز الزيادة على الكتاب به. وفي المبسوط: المسح إنما يكون بدلا عن الغسل لا عن المسح، والرأس ممسوح فكيف يكون المسح على العمامة بدلا عنه، بخلاف الرجل، وفيه تأمل. ولأنه لا يلحقه كبير حرج في إدخال اليد تحت العمامة. وكذا لا تمسح المرأة على الخمار؛ لما روي أن عائشة أدخلت يدها تحت الخمار ومسحت برأسها، وقالت: بهذا أمرني رسول الله ﷺ ، ولو مسحت على خمارها ونفدت البلة إلى رأسها حتى ابتل قدر الربع به يجوز. قال مشايخنا: إذا كان الخمار جديدًا يجوز؛ لأن ثقوب الجديد لم تنسد بالاستعمال، فتنفد البلة، أما إذا لم يكن جديدًا لم يجز لانسداد ثقوبه (١). قوله: (ويجوز المسح على الجبائر)، في الطلبة الجبائر هي عيدان تربط على الجرح، وتجبر لها العظام، جمع جبيرة. وفي فتاوى قاضي خان: إنما يجوز المسح عليها إذا كان يضره المسح على الجراحة، أما إذا لم يضره لا يجوز (٢). وفي المحيط: ذكر هذا القيد أبو علي بن الحسين بن الخضر النسفي كان يقول: ينبغي أن يحفظ هذا فإن الناس عنه غافلون (٣). وفي مبسوط شيخ الإسلام: لو مسح على بعض الجبائر هل يجزيه أم لا؟ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية؟ وفي الإملاء: عن الحسن بن زياد: إن مسح الأكثر جاز، وعلى النصف أو أقله لا يجوز.

стр. 342

وَالسَّلَامُ فَعَلَهُ وَأَمَرَ عَلِيًّا بِهِ، وَلِأَنَّ الحَرَجَ فِيهِ فَوْقَ الحَرَجِ فِي نَزْعِ الخُفْ، فَكَانَ أَوْلَى بِشَرْعِ المَسْحِ، وَيَكْتَفِي بِالمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا، ذَكَرَهُ الحَسَنُ ﵁، وَلَا يَتَوَقَّتُ لِعَدَمِ التَّوْقِيتِ بِالتَّوْقِيتِ (وَإِنْ سَقَطَت الجَبِيرَةُ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ المَسْحُ) لِأَنَّ العُذْرَ قَائِمٌ، وَالمَسْحُ عَلَيْهَا كَالغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا وفي الأسرار: الاستيعاب شرط، وهو قول الشافعي. وفي الإيضاح: المسح على الجبيرة والخرقة المربوطة على القرحة وما أشبه ذلك يجوز إذا خاف زيادة العلة وإن شدها على غير وضوء؛ لما روي عن علي ﵁ أنه كُسِر زنده يوم أحد. وفي الهادي: يوم خيبر لا أحد. وفي الإيضاح، وشروح المبسوط: كسرت إحدى زنداي، والصواب: أحد زندي، والزندان: عظما الساعد. وسقط اللواء عن يده، فقال ﵇: «اجعلوها في يساره فإنه صاحب [لوائي] (١) في الدنيا والآخرة»، فقال علي: ما أصنع بالجبائر؟ فقال ﵇: «امسح عليها» (٢)، مطلقا من غير قيد أن الماسح متوضئ أم لا. ولأن المسح عليها كالغسل لما تحتها فيجوز وإن شدها على غير وضوء، ولأن الجبيرة تشد في حال العذر، فاعتبار الطهارة في تلك الحالة يشق عليه فسقط اعتبارها. (ولأن الحرج فيه)، أي نزع الجبيرة. (لعدم التوقيت)، أي السماع. والمسح عليها كالغسل لما تحتها، ولم يزل المسح، وإن زال الممسوح، كما لو مسح رأسه ثم حلق شعره، بخلاف الخف لأنه مانع لا بعلة العذر. وفي الْمُجْتَبى: اعلم أن المسح على الجبائر كالغسل لما تحتها بخلاف

стр. 343

مَا دَامَ العُذْرُ بَاقِيًا (وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ) لِزَوَالِ العُذْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ، لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ المَقْصُودِ بِالبَدَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. المسح على الخف، وفائدته تظهر في عشر مسائل: أحدها: في شدها محدثًا، يمسح عليها بخلاف الخف، وهو رواية عن أحمد. وثانيها: أنه لا يتوقف بوقت. وثالثها: إذا نزعها قبل البرء لا تبطل. ورابعها: إذا مسحها ثم شد عليها أخرى وعصابة جاز المسح على الفوقاني. وخامسها: مسح على الجبائر في الرجلين، ثم لبس الخفين مسح عليهما. و سادسها: أن الاستيعاب في المسح عليها أو أكثرها شرط على اختلاف الروايتين. وسابعها: إذا دخل الماء تحت الجبائر أو العصابة لا يبطل المسح. وثامنها: أنه لا يشترط النية في جميع الروايات، ويسن التثليث عند البعض إذا لم تكن على الرأس. وتاسعها: إذا زالت العصابة الفوقانية التي مسح عليها واستغنى عنها لا يعيد المسح على التحتانية خلافًا لأبي يوسف. وعاشرها: إذا كان الباقي أقل من ثلاث أصابع اليد كاليد المقطوعة أو الرجل جاز المسح عليها، بخلاف المسح على الخف في هذه الأحكام (١). وفي شرح الطحاوي، والتجريد: المسح على الجبائر ليس بفرض عند أبي حنيفة وإن لم يضره بل هو مستحب، وقيل: فرض. وفي المحيط: الصحيح أنه واجب عنده، وتجوز الصلاة بدونه عنده خلافًا لهما، والفرق بين مسح الخف ومسحها: أن غسل ما تحت الخف واجب لا

стр. 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يجوز تركه، أما غسل ما تحت الجبيرة غير واجب فلا حاجة إلى إقامة المسح مقامه (١). وفي شرح المجمع: مسحها مستحب عند أبي حنيفة، واجب عندهما. لهما: أنه ﵇ أمر عليا به، والأمر للوجوب. له: أن المسح يقوم مقام غسل ما تحتها، وغسل ما تحتها لم يكن بواجب، فكذا المسح، وقال أبو بكر الرازي ما تحتها إذا ظهر وأمكن غسله وجب المسح، ولو كان بحيث لو ظهر ولا يمكن غسله لا يجب. وقيل: الوجوب منتف عليه وهذا أصح وعليه الفتوى لأن المسح عليها. كالغسل لما تحتها ووظيفة هذا العضو الغسل عند الإمكان فكان المسح عليها عند عدمه كالتيمم فيجب كما يجب التيمم عند عدم الماء. وقيل: فرض عندهما؛ لأن محل الفرض استتر به فيتحول الحكم إليه. وله أن الوضوء أثبت فيه بالكتاب فلا يجوز في محل آخر إلا بخبر تجوز الزيادة بمثله كمسح الخفين، فأما حديث الجبيرة فخبر الواحد لا تجوز الزيادة بمثله فاعتبرناه في حق وجوب العمل دون فساد الصلاة بتركه. وفي الإيضاح: ترك المسح عليها وذلك يضره جاز بالاتفاق؛ لأن الغسل يسقط حال خوف الضرر فالمسح أولى، وإن لم يخف الضرر لم يجز في قولهما، ولم يحك في الأصل قول أبي حنيفة، والصحيح أنه ليس بفرض عنده خلافا لهما. وفي الحلية: وضعها على طهر لو ضرَّ حَلُّها مسح على جميعها في أظهر الوجهين، وهل يجب ضم التيمم إليه؟ فيه قولان أحدهما لا يضم إليه، ويصلي به ما يشاء من الفرائض. والثاني: يضم إليه ويتيمم لكل فرض. وهل يجب الإعادة بعد البرء؟ فيه قولان أحدهما: لا يجب، وهو قول

стр. 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أبي حنيفة، واختاره المزني، ولو وضعها على غير طهر وخاف من نزعها مسح عليها وأعاد قولًا واحدًا، وقيل: فيه قولان، وليس بشيء. وقال أحمد في رواية: لا تعتبر الطهارة في وضعها ويصلي ولا يعيد، وبه قال مالك (١). ولو زادت الجبائر أو عصابة المقتصد على الجرح يجزيه المسح، وعنه إنما يجزيه المسح على خرقة المقتصد دون عصابته. وقيل: إن أمكنه شد العصابة بنفسه لم يجز. وفي شرح بكر: إذا ضره غسل ما تحت العصابة مسح عليها، وإلا فلا، وكذا في كل خرقة حازت الفرجة التي بين عقدي عصابة المقتصد اختلاف المشايخ، واختار في المختار أنه يمسح عليها إن ضره حلها؛ لأنه يكون ذلك تبعا للجراحة. وفي المحيط: انكسر ظفره فجعل عليه الدواء أو العلك ويضر نزعه أمر الماء عليه، فإن عمر مسح عليه، ولو كان المسح على العلك يضر يجوز تركه. وقيل: لا يجوز، ولو سقطت الجبيرة خارج الصلاة من غير برء أعادها أو أبدلها بالأخرى لم يعد المسح (٢). وفي الْمُجْتَبى: لم يذكر في عامة الكتب أنه إذا برأ موضع الجبائر ولم تسقط ما حكمه، وفي شرح الصلاة للتقي: يبطل المسح. عن أبي حفص: إذا أخذت العصابة الوجه أو اليد أو الرجل مسح على الكل، وإلا يغسل ما بدا قبل حصول المقصود بالبدل (٣). كالمتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة فإنه يستقبل، ولا يلزم عليه التحري؛ فإنه لو وقع تحريه إلى جهة، ثم ظهر له في خلال صلاته أنه أخطأ حيث لا يبطل ما أدى؛ لأن الرأي الثاني لا يكون بدلًا عن الأول، وتبدل الرأي

стр. 346

بَابُ الْحَيْضِ وَالنفائس بمنزلة انتساخ النص، والنسخ يظهر في القائم دون الفائت كما في قصة أهل قباء حيث استداروا في الصلاة. (بَابُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ) لما ذكر الأحداث التي يكثر وقوعها لما أن الأهم مقدم رتب عليها الأحداث التي يقل وقوعها بالنسبة إليها وهي الحيض والنفاس، ولهذا المعنى قدم الحيض. وفي البدرية: المناسبة الخاصة له مع المسح أن الخف مسقط لركن الوضوء إذ هو رخصة إسقاط، والحيض مسقط لجميع أركانه، والجزء مقدم فمسقطه كذلك، ولأنه في بيان الطهارة أصلا وخلفًا. والتيمم خَلَفُ الكلِّ، والمسح خَلَفُ البعض، فأخر الحيض لأنه مسقط. ولقب الباب بالحيض دون النفاس - وإن كان مشتملا عليهما -؛ لأنه حالة معهودة في بنات آدم دون النفاس إذ أصله الحيض. ثم الكلام فيه عشرة مواضع في تفسيره لغةً وشرعًا، وسببه، وركنه، وشرطه، وقدره وألوانه وأوانه، ووقت ثبوته، وحكمه. أما تفسيره لغةً: الدم الخارج، يقال: حاضت السمرة، وهي شجرة يسيل منها شيء كالدم، ويقال: حاضت الأرنب إذا خرج منها شيء كالدم (١). وأما شرعًا: فهو دم ممتد خارج عن موضع مخصوص وهو القبل. وقال الفضلي: هو دم ينفضه رحم المرأة السليمة عن الداء والصغر (٢). واحترز بقوله: (السليمة) عن الداء عن النفاس فإنها كالمريضة حتى تعتبر تصرفاتها من الثلث، وبقوله: (عن الصغر) عما تراه الصغيرة. وقال الكرخي: هو دم تصير المرأة به بالغة بابتداء خروجه (٣). وأما سببه في الابتداء: قيل: أن أمنا حواء حين تناولت من شجرة الخلد

стр. 347

(أَقَلُّ الحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَقَلُّ الحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ البِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي التَّقْدِيرِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ يَوْمَانِ وَالأَكْثَرُ مِنْ اليَوْمِ الثَّالِثِ إِقَامَةٌ لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الكُلِّ (*). قُلْنَا هَذَا نَقْصُ عَنْ تَقْدِيرِ الشَّرْعِ (وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ) لِمَا رَوَيْنَا، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي التَّقْدِيرِ بِخَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا، ثُمَّ الزَّائِدُ وَالنَّاقِصُ اسْتِحَاضَةٌ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْعِ يَمْنَعُ إِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ (وَمَا تَرَاهُ المَرْأَةُ مِنْ الحُمْرَةِ فابتلاها الله تعالى بذلك، وبقي في بناتها إلى يوم التناد. وأما ركنه: فامتداد درور الدم؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء، والحيض يقوم به. وأما شرطه: فيقدم نصاب الطهر حقيقةً أو حكمًا، وفراغ الرحم عن الحبل الذي يتنفس بوضعه. وقيد بقوله: (تنفس بوضعه) احترازًا عما لو سَقَط منها سقط لم يستبن خلقه، فإن ما رأت قبل ذلك يكون حيضًا؛ لأنه لا يعلم أنه حبل، أو لحم فلا تسقط الصلاة بالشك. أما قدره: فنوعان: الأقل، والأكثر، كما ذكر في المتن. وأما بيان ألوانه فيجيء بقوله: (وما تراه المرأة من الحمرة) إلى آخره، وقدم الكمية على الكيفية؛ لأن الكمية عبارة عن المقدار في الذات، والكيفية راجعة إلى الصفة، والذات مقدمة على الصفة. وأما بيان أوانه: فقد اختلف في مدة الحكم ببلوغها. فقال نصر بن سلام ست سنين، وقيل: سبع سنين، وقال محمد بن مقاتل: تسع سنين، وبه أخذ أكثر المشايخ، وهو قول الشافعي (١)، وأحمد (٢)؛ لأنه ذكر في المحيط: أنه ﵇ بنى بعائشة وهي بنت تسع سنين، والظاهر

стр. 348

وَالصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ حَيْضُ حَتَّى تَرَى البَيَاضَ خَالِصًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَكُونُ الكُدْرَةُ حَيْضًا إِلَّا بَعْدَ الدَّمِ) (*) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الرَّحِمِ لَتَأَخَّرَ خُرُوجُ الكَدِرِ عَنْ الصَّافِي. أنه بنى بها بعد البلوغ، وقال أبو علي الدقاق ثنتي عشرة سنة اعتباراً للعادة في زماننا كذا في المحيط (١). واختلف في زمان الإياس، قيل: ستون سنة، وعن محمد في المولدات: ستون سنة، وفي الروميات خمس وخمسون سنة. وقيل: يعتبر أترابها من قرابتها، وقيل: يعتبر تركيبها لاختلاف الطبائع باختلاف البلدان. وعن أحمد: خمسون في العجمية، وستون في العربية (٢)، وقال الصفار: سبعون سنة. وقيل: لم يقدر بشيء، فإذا غلب على ظنها الإياس فاعتدت بالشهور. ولو رأت دمًا في أثناء الشهور انتقض ما مضى من عدتها، وبعد تمامها لا يبطل، وهو المختار، وعن الأكثر خمس وخمسون سنة، والفتوى في زماننا عليه، وهو قول عائشة، وسفيان الثوري وابن المبارك، ومحمد بن مقاتل الرازي، وبه أخذ نصير بن يحيى، وأبو الليث، وعز الدين الكندي السمرقندي. والمصنف لم يذكر الوقت وابتدأ الباب ببيان المقدار، ثم باللون، ثم بالحكم. وفي البدرية: يجوز رفع ثلاثة أيام ونصبها، أما الرفع فلكونها خبر المبتدأ، وعلى هذا لابد من الإضمار لاستحالة كون الدم ثلاثة أيام، فالتقدير: أقل مدة الحيض ثلاثة أيام، وأما النصب فعلى الظرف. ثم اعلم أن كون الدم ممتدًا إلى ثلاثة أيام بحيث لا ينقطع ساعة حتى يكون حيضًا غير شرط؛ لأن ذلك لا يكون إلا نادرًا بلا انقطاع ساعة أو ساعتين فصاعدًا غير مبطل بالحيض، وهو قوله ﵇ في التقدير بيوم وليلة.

стр. 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي الحلية: أقل الحيض يوم، وقال في موضع آخر: يوم وليلة، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، ومنهم من قال قولًا واحدًا: يوم وليلة، وهو قول أحمد، وهو الأظهر عليه نص الشافعي في تفريع أحكام الحيض، ومنهم من قال يوم قولًا واحدًا، وهو قول داود، وقال مالك: لا حد لأقله في العبادات (١). وروى ابن وهب عنه أن أقله في العدة والاستبراء ثلاثة أيام بلياليها، وروى عبد الرحمن بن عبد الملك الماجشون عنه - وهو مذهبه - أن أقله في العدة والاستبراء خمسة أيام بلياليها (٢). وجه قول مالك أن الكتاب مطلق عن التقييد بالزمان وهو قوله ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والتقييد ينافي الإطلاق. وجه قول الشافعي أن الحيض حدث فينبغي أن لا يقدر أدناه بشيء كأقل النفاس، وكسائر الأحداث، إلا أنه لما احتمل أن يكون الدم خارجا من الرحم أو من عرق شرطنا استيعاب يوم وليلة ليترجح جانب الخروج من الرحم، إذ الظاهر أن الخارج من العرق لا يستمر هذه المدة بخلاف النفاس؛ لأنه يخرج عقيب الولد، فالظاهر أنه يخرج من محل الولد. وعن أبي عبد الله الزبيري وعطاء: في نسائنا من تحيض يوما وليلة، وفيهن من تحيض خمسة عشر يوما، فثبت أقله، وأكثره. ولنا: ما روى أبو إمامة الباهلي (٣)، وعائشة (٤)، وواثلة (٥)، وأنس (٦)، وابن

стр. 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عمر أنه ﵇ قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام»، وما زاد فهو استحاضة، وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وعثمان بن أبي العاص، وأنس ابن مالك ﵃، والمقادير لا تعرف قياسًا فما نقل عنهم كالمروي عنه ﵇. والأكثر من اليوم الثالث، وهو سبع وستون ساعة، هكذا ذكره في النوادر، وهو رواية ابن سماعة عنه، وإنما قدر هكذا لكي لا يكون الباقي من ثلاثة أيام ولياليها ربع يوم وليلة وذلك ست ساعات (١). قال: إن قدرناه بسبع وستين ساعة يكون الباقي خمس ساعات، وذلك أقل من ربع يوم وليلة بساعة. وإنما احترزنا لأن للربع حكم الكل في بعض الأحكام، كذا ذكره في حيض، عماد الدين النسفي. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵁: ثلاثة أيام بما يتخللها من الليالي؛ لأن في الآثار جاء التقدير باليوم، وما يتخللها منها يتبعها ضرورة. وفي المجتبى: قيل: أكثر اليوم الثلث وليلته، والكثير بالثلث عنده (٢). وقلنا: لو جاز إقامة أكثر اليوم الثالث مقامه لجاز إقامة اليومين مقام الثلاثة لأنهما أكثرها، ولأن العدد بعد النص عليه يعتبر كماله، كأعداد الركعات، وأيام الصيام وغيره لمراعاة نص العدد. قوله: (وأكثره)، أي أكثر الحيض عشرة أيام. وقال الشافعي: خمسة عشر يوما (٣)، وبه قال مالك (٤)، وأحمد في رواية (٥)، وأبو يوسف أيضًا في رواية، وأبو حنيفة أولا، وداود، وأظهر الرواية

стр. 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عن أحمد أنه سبعة عشر يومًا، وهو رواية عن مالك، وعنه: لا حد لقليله ولا لكثيره، وهو قول داود. للشافعي ما روينا من قول الزبيري، وعطاء، وما روي عن علي أنه قال: ما زاد على خمسة عشر يومًا استحاضة، وقوله ﵇: «تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي» (١)، فإن كان الشهر ثلاثين يومًا فظاهر، وإن كان تسعة وعشرين يوما فالنصف أربعة عشر يوما ونصف يوم وليلة فكملنا بيوم تحرزا عن الكسر لما فيه من الحرج. لنا: ما روينا من حديث أبي إمامة، وما روي عن الصحابة، ثم ما استدل به مالك مجمل لحقه البيان، وليس المراد من الشطر حقيقة نصف العمر قطعا؛ فإنه إذا أضيف زمان الصغر، ومدة الحمل، وزمان الإياس، وأنصاف الطهر إلى أنصاف الحيض يفضل من النصف، فإذا خرج النصف عن الإرادة يحمل على البعض، مع أنه إنما يمكن حمله عليه حقيقةً على ما ذكرناه في شرح المنار، وبيان الوصول في شرح الأصول. مع أن البيهقي قال في كتاب المعرفة: لم أجد هذا الحديث في كتب الحديث، ولم أجد له إسنادًا، وقال غيره من الثقات: غير ثابت، وإنما الثابت ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أنه ﵇ قال: «ما رأيتُ مِنْ ناقصات عقل ودين أغلبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ»، قالت: فما نقصان العقل والدين؟ قال: «شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد»، إلى [أن] قال: وتمكثُ اللّيالي ما تُصَلِّي، وتُفطِرُ في رمضانَ فهذا نقصان الدين (٢)، ولا يجوز

стр. 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أن يراد بالليالي الاستغراق فتعين أقل الجمع وهو الثلاثة فيكون حدًا لأقل الحيض. وما رواه من حديث عليّ غريب، ولئن ثبت يدل على أن الزائد على خمسة عشر يومًا استحاضة، ولا يدل على أن الزائد على العشرة لا يكون استحاضة إلا بطريق المفهوم، وهو ليس بحجة عندنا وعندكم إذا عارضه نص آخر، وقد عارضه ما روينا. وفي الْمُجْتَبى: ذكر الأيام تستتبع الليالي كمن استأجر دارًا ثلاثة أيام، أو نذر اعتكاف ثلاثة أيام، أو حلف بعد الغروب لا يكلمه ثلاثة أيام [يدخل فيها الليالي] (١)، ويقرره قصة زكريا ﵇. ثم هذه الأيام والليالي معتبر بالساعات، حتى لو رأت وقد طلع نصف قرص الشمس، وانقطع في الرابع وقد طلع دون نصفه فليس بحيض، فتتوضأ وتقضي الصلوات، ولو طلع تمام القرص تغتسل ولا تقضي. وكذا لو رأت معتادة بخمسة وقد طلع نصف الشمس، وانقطع في الحادي عشر وقد طلع أكثرها اغتسلت وقضت صلوات خمسة أيام، وإلا فلا. وقال: أبو إسحاق الحافظ يقول: هذا في أقل الحيض وأقل الطهر، وفيما سواهما إذا كانت أخبرته المرأة أنها طهرت في الحادي عشرة أخذها بعشرة، وفي العاشر بتسعة، وفي الطهر مثله، وما كان يتعرض للساعات، وعليه الفتوى (٢). قوله: (وما تراه المرأة) (٣)، هذا بيان ألوانه. وفي المحيط: وأما ألوانه فستة: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة، والتربية (٤).

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أما السواد: فحيض بلا شك، لقوله ﵇: «دم الحيض أسود عبيط مُحتدِمٌ (١)»، والعبيط والمحتدم شديد الحمرة يضرب إلى السواد، والحمرة كذلك لأنه لون أصل الدم، والصفرة كذلك فإنها من ألوان الدم إذا رق. وقيل: كصفرة السن، أو كصفرة القز. وفي الْمُجْتَبى: هذه الثلاثة حيض بالاتفاق. وعن الصحابة أنهم قالوا: السواد، والحمرة، والصفرة حيض (٢). وفي مبسوط بكر: عن أبي منصور الماتريدي: لو اعتادت أن ترى أيام طهرها صفرة وأيام حيضها حمرة فحكم صفرتها حكم الطهر بدلالة الحال (٣). وقيل: إنما اعتبر ذلك في صفرة عليها البياض، ولها حكم الطهر على قول أكثر المشايخ، وعن أبي بكر الإسكاف إن كانت الصفرة على لون البقم فهي حيض، وإلا فلا. والكدرة كلون الماء الكدر، وهي حيض عند أبي يوسف إذا تأخر عن الدم؛ لأن الكدرة من كل شيء تتبع صافيه فإذا تقدمها دم أمكن جعلها حيضًا تبعا، وإلا لا، ولأنها مشتبهة اللون فيكون حكمها مشتبها، فإن كانت في حالة الطهر فهو طهر، وفي حالة الحيض حيض.

стр. 354

وَلَهُمَا: مَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ مَا سِوَى البَيَاضِ الخَالِصِ حَيْضًا وَهَذَا وقال الإِصْطخري من أصحاب الشافعي: الصفرة والكدرة في وقت العادة لا تكون حيضًا، وقال أبو ثور: إن تقدمهما دم أسود كانتا حيضًا تبعًا، وقال داود: لا تكون الكدرة والصفرة حيضًا بحال لقول أم عطية: كنا لا نعتد بهما بعد الغسل حيضًا (١). وقال الشافعي: الصفرة والكدرة في أيام إمكان الحيض بأن لا يكون أقل من يوم وليلة حيض كما في أيام العادة (٢)؛ لقول عائشة: كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا (٣)، ورواية عائشة راجحة على رواية أم عطية لملازمتها حضرة النبي ﵇، وكونها أعلم بأحوال الوقائع، كذا في شرح الغاية. (ولهما)، أي لأبي حنيفة ومحمد. (جعلت)، أي عائشة [بقولها] (٤): لا حتى ترين القصة البيضاء (٥). وفي المبسوط: النساء يبعثن الكرسف إلى عائشة، فكانت إذا رأت كدرة قالت: لا حتى ترين القصة البيضاء، يعني البياض الخالص، وهو أن لا يتخذ الكرسف اللون (٦). وفي حيض العمادية: ويعتبر اللون حين ترفع الخرقة وهي تتغير بالأسباب،

стр. 355

لَا يُعْرَفُ إِلَّا سَمَاعًا، وَفَمُ الرَّحِمِ مَنْكُوسٌ فَيَخْرُجُ الكَدِرُ أَوَّلًا كَالجَرَّةِ إِذَا ثُقِبَ أَسْفَلُهَا، وَأَمَّا الخُضْرَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ المَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الأَقْرَاءِ تَكُونُ والقصة الطين الذي يغسل به الرأس وهو أبيض يضرب لونه إلى الصفرة. وفي المستصفى: الكرسف خرقة توضع في الفرج، والقصة شيء يشبه الجص، وذكر فخر الإسلام هو شيء يشبه الخيط الأبيض يخرج من أقبال النساء عند انتهاء الحيض (١). وقيل: القَصَّة - بفتح القاف وتشديد الصاد - الحصة، شبهت الرطوبة الصافية بعد الحيض بالجص، ومنه الحديث: نهى النبي ﷺ عن تجصيص القبور (٢)، ويروى: تقصيص القبور (٣). وقيل: هو ماء أبيض يخرج في آخر الحيض، ولأن ما يكون حيضًا في آخر المدة ففي أولها كذلك كالحمرة والسواد؛ لأن جميع المدة في حكم واحد، ولأن المتكدر يختلط بأجزاء الدم، وأجزاؤه إذا خرجت بانفرادها تكون حيضًا فكذا إذا خرجت مع شيء آخر. وما قاله أبو يوسف فيما إذا كان الثقب في أعلى الظرف، أما إذا كان الثقب في أسفله فالكدرة يسبق خروجها الصافي، وهاهنا كذلك، ولأن من خاصية الطبيعة أنها تدفع الكدر أولا كما في الفصد، والبول، والغائط. وفي المحيط: (سرخي باسيدي انحت ديزد) أيام حيض والبياض غالب فليس بحيض كمسألة البزاق (٤). قوله: (وأما الخضرة)، أنكر بعض مشايخنا وجوده حتى استبعد أبو نصر ابن سلام حين سئل عنها فقال: كأنها أكلت فصيلا، وذكر أبو علي الدقاق أنها نوع من الكدرة، والجواب فيها على الاختلاف الذي بينا في الكدرة. وأما التربية: فما يكون لونه كلون التراب فهو نوع من الكدرة، وروي عن
следующие страницы →