← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تَيَمُّمُهُ، لِأَنَّ الكُفْرَ يُنَافِيه، … ... … ... … احتياجه إلى النية عنده كما في الوضوء حيث لا يبطل بالارتداد بالاتفاق. قلنا: قال شيخ الإسلام: وهذه المسألة رواية من زفر أن التيمم لا يصح بدونها فكان عنه روايتان، فعلى أحدهما يبطل بالارتداد، أو بقول عدم جواز التيمم للكافر عنده لا لاشتراط النية، بل لأن الشارع جعله طهور المسلم بقوله ﵇: «التراب طهور المسلم»، وقوله ﵇: «التيمم طهور المسلم» الحديث، ولهذا لا يصح من الكافر بالاتفاق، فعلم أن الكفر مناف لطهوريته، وبالارتداد ارتفعت طهوريته، إليه أشار التمرتاشي (١). قوله: (لأن الكفر ينافيه)، وفي بعض الجوامع أن المنافاة بينهما باعتبار معنى العبادة فإنه شرع مطهّرًا غير معقول المعنى تعبدا فينافيه الكفر كسائر العبادات، وهذا في الجامع الحسابي. وفي المختلف أنه عبادة فلا يجامع الكفر، فعلى هذا لا يتصور الخلاف المذكور إلا في التيمم المنوي؛ لأن غيره وإن كان مفتاحا للصلاة عنده ليس بعبادة كالوضوء بلا نية فلا ينافيه الكفر فيبقى بعد الارتداد على أصله. والصحيح أن المنافاة بينهما باعتبار عدم الأهلية؛ فإن الكافر لو تيمم لا يصح نوى أو لم ينو؛ لأنه شرع لأداء الصلاة والتقضي عن عهدة التكليف، والكافر ليس من أهله (٢) بها فلا يكون التيمم مشروعًا في حقه، ويكون فعله كفعل البهيمة، فثبت أن الكفر مناف للتيمم فيستوي فيه البقاء والابتداء، فعلى هذا يبطل تيممه عنده نوى أو لم ينو. وفي الكافي: ويبطل عنده؛ لأنه عبادة فينافيه الكفر، ثم سيق الكلام إلى أن قيل: فإن قيل: إنما يصير عبادة بالنية وليست بشرط عنده. قلنا: الكلام في المنفي إذ في غيره لا خلاف.

стр. 282

فَيَسْتَوِي فِيهِ الابْتِدَاءُ وَالبَقَاءُ كَالمَحْرَمِيَّةِ فِي النِّكَاحِ. وَلَنَا: أَنَّ البَاقِيَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ صِفَةُ كَوْنِهِ ظَاهِرًا، فَاعْتِرَاضُ الكُفْرِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِيهِ، كَمَا لَو اعْتَرَضَ عَلَى الوُضُوءِ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُ مِنْ الكَافِرِ ابْتِدَاءً لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنْهُ. قال شيخي: إن أراد به أنه لا خلاف في بقائه على الصحة بعد الكفر فهو غير مستقيم؛ لأن هذا التيمم لم يصح أصلا عندنا لعدم شرطه فكيف يبقى على الصحة. وإن أراد به أنه لا خلاف في بطلانه - وهو الظاهر -، فهو كما قال، إلا أن بناء قول زفر على كونه عبادة فينافيه الكفر غير مستقيم لما بينا أنه غير عبادة، فكيف يصح بنا بطلانه على كون الكفر منافيا للعبادة (١). قوله: (كالمحرمية في باب النكاح)، بأن كان الزوجان رضيعين وقد زوج كلا منهما أبواهما، ثم أرضعتهما امرأة، أو كانا كبيرين وقد مكنت المرأة ابن زوجها بعد النكاح حيث يرتفع النكاح فيهما بعد الثبوت كما لا ينعقد فيهما ابتداء، والأصل أن كل صفة منافية لحكم يستوي فيه الابتداء والبقاء كالردة والمحرمية في النكاح والحدث العمد في الصلاة. فإن قيل: لو سبقه حدث في الصلاة لا يفسدها فينبغي أن يفسدها لأنها لا تنعقد به ابتداء. قلنا: ذلك مخصوص بالنص وهو قوله ﵇: «من قاء أو رعف» (٢) الحديث. قوله: (فاعتراض الكفر لا ينافيه)، فإن قيل: أليس أن الردة تحبط عمله والتيمم عمل؟ قلنا: يحبط ثواب عمله، وذلك لا يمنع زوال الحدث، كمن توضأ على

стр. 283

(وَيَنْقُضُ التَّيَمُّمَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الوُضُوءَ) لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْهُ فَأَخَذَ حُكْمَهُ (وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا رُؤْيَةُ المَاءِ إِذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ)، لِأَنَّ القُدْرَةَ هِيَ المُرَادُ بِالوُجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةٌ قصد مراءاة زال الحدث وإن كان لا يثاب عليه، كذا في المبسوط (١). قوله: (وينقضه أيضًا رؤية الماء)، أي رؤية الكافي للوضوء حتى لو لم يكف لا يلزم استعماله عندنا، وبه قال مالك (٢)، وقالت الشافعية في أحد قوليه: يلزمه استعماله ويتمم للباقي (٣)، وهو قول أحمد في الجنابة، وفي الوضوء له وجهان (٤)؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] عام لأن (ما) نكرة في موضع النفي فتعم الكافي وغيره، وصار كما لو وجد ما يكفي لإزالة بعض النجاسة، أو ثوبًا يستر بعض عورته. وقلنا: الغسل المأمور به هو المبيح للصلاة، فما لا يبيحها وجوده وعدمه سواء، ولأن الاشتغال باستعماله يصير عبثًا وتضييعًا للماء على الخصوص في موضع عزته، وتضييعه حرام، بخلاف النجاسة الحقيقية لأنها منجز، ويثبت العفو عن قليلها، وكذا ستر العورة بالوجود الذي هو غاية الوجود المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، وفي قوله ﵇: «ما لم يجد الماء» (٥)، لا الملك، بخلاف الوجود المذكور في قوله تعالى في الكفارات: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ﴾ [النساء: ٩٢] فالمراد به الملك لا القدرة، حتى لو عرض عليه الماء لا يجوز له التيمم، ولو عرض على الحانث المعسر الرقبة يجوز له التكفير بغير المال، كذا ذكره التمرتاشي. (هو غاية)، أي الوجود، وإنما سماه غاية من حيث المعنى لا من حيث

стр. 284

لِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ، وَخَائِفُ السَّبُعِ وَالعَدُوِّ وَالعَطَشِ … ... … ... … ... .. الصيغة فإن لم ترد فيه كلمة الغاية؛ لأن قوله ﵇ «ما لم يجد الماء» ليس بغاية للتيمم حيث لم يقل إلى وجود الماء، بل فيه بيان مدة التيمم كما في قوله: اجلس ما دمت جالسًا، لكن معنياهما يلتقيان في أن الحكم بعد ذلك الوقت يخالف ما قبله فسمي باسم الغاية. وفي الخبازية: فإن قيل: لا يلزم من انتهاء طهورية التراب انتفاء الطهارة الحاصلة به كالماء يصير نجسًا بالاستعمال أو تنتهي طهوريته وتبقى الطهارة الحاصلة به. قلنا: التراب مُطهّر مؤقت حكمًا لا حقيقةً على معنى أنه يزول مطهريته بدون شيء يتصل به فتثبت به الطهارة المؤقتة على صفة المطهر، كالماء لما صار مطهرا حقيقةً على معنى أنه لا تزول مطهريته بدون شيء تتصل به الطهارة على التأبيد، على أن ما كان ضعيفًا شرط لبقائه ما يشترط الابتدائية، وعدم الماء شرط لابتداء التيمم فكذا لبقائه، وفيه تأمل؛ لأن كون التراب مطهرا مؤقتًا مُسلَّم، لكن الطهارة الحاصلة به مؤقت غير مسلم وهو أول المسألة. وفي الزيادات: القدرة على الماء تمنع الطهارة بالتيمم ابتداءً وبقاء؛ لأن القدرة على الأصل قبل حصول المقصود بالخلف يبطل حكم الخلف. وفي المستصفى: التمسك بالحديث مشكل لأنه لم يتعرض لانتقاض التيمم السابق، بل فيه بيان أن التيمم لا يجوز بعد رؤية الماء، وجاز أن تكون رؤية الماء منافية للابتداء لا للبقاء كعدم الشهود في النكاح فإنه يمنع ابتداء النكاح لا البقاء، بل الجواب أن نقول: الطهورية صفة راجعة إلى المحل، وقد عرف أن كل صفة راجعة إليه فإن الابتداء والبقاء فيه سواء كالمحرمية في باب النكاح [مع] (١) أن هذا بعض الحديث، وتمامه: «فإِذَا وَجَدت الماء فأَمسِسْهُ بَشرتك» (٢)، كذا في

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المصَابِيح، والمبسوط (١). قيل: قوله «فَلْتُمْسِسْهُ بشَرَتَكَ»، وهكذا لفظ المصابيح لا يدل على انتقاض الوضوء لأن هذا بطريق الاستحباب، بدليل أنه ﵇ قال في آخره: «فإنّ ذلك خير». ثم لو رأى المتيمم في صلاته الماء بطلت صلاته مطلقا، مسافرًا كان أو حاضرًا يتيمم لإعواز الماء، وعند الشافعي إن كل في الحضر بطلت صلاته، وإن كان في السفر لا تبطل (٢)، وبه قال مالك (٣)، وداود (٤)، وهو رواية عن أحمد (٥)، وهل يجوز الخروج منها؟ فيه وجهان أظهرهما أنه أفضل، والثاني: أنه لا يجوز. وعن بعض أصحابنا: الخروج منها مكروه، وعندنا يبطل تيممه وصلاته، وهو رواية عن أحمد، واختاره المزني، وقال الأوزاعي: تصير صلاته نفلا. ولو تيمم لشدة البرد في الحضر وجبت عليه الإعادة عند وجود الماء، وإن كان في السفر ففي وجوبها له قولان، كذا في الحلية (٦). وفي شرح المجمع: صلى بالتيمم في الحضر لإعواز الماء ففي بطلان صلاته عند الشافعي قولان أحدهما: أنه لا تبطل صلاته، والثاني: تبطل؛ لأنه مأمور بالإعادة عند وجود الماء، فلا معنى للاشتغال بها مع وجدان الماء، وإن كانت الصلاة مغنية عن القضاء فالمنصوص عليه لا يبطل تيممه ولا صلاته، ولو وجد الماء في النافلة فوجهان أيضًا: أحدهما: البطلان، والآخر عدمه كالفريضة.

стр. 286

عَاجِزٌ حُكْمًا، وَالنَّائِمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (*) للشافعي أنه تلبس مقصود الطهارة، ووجدان الأصل بعد التلبس بالمقصود لا يبطل حكم البدل، كما لو شرع المكفر في الصوم ثم وجد الرقبة، ولأن حرمة الصلاة باقية ما لم يسلم فكانت مانعة عن الإبطال فكان عاجزا عن الاستعمال حكمًا. ولنا أنها صلاة بالتيمم مع القدرة على استعمال الماء فلم تكن لها حرمة مانعة فبطلت. وفي الْمُجْتَبى: رأى في صلاته سؤر الحمار لا تبطل صلاته فيتمها، ثم يتوضأ به فيعيدها، ولو رأى فيها شرابًا فظنه ماء فمشى إليه بطلت صلاته جاز مكان الصلاة أولا. ولو رأى ماءً فظنه شرابًا فصلى ثم علم يعيدها، ولو رأى فيها رجلا في يده ماء فأتم صلاته ثم سأله فأعطاه لا يعيدها. وفي جامع أبي الحسن: رأى فيها رجلًا معه ماء كثير لا يدري أيعطيه أم لا، أتم صلاته ثم يسأله، فإن أعطاه أعادها، وإلا فلا، وإن أبي ثم أعطاه لا يعيد، وكذا العاري لو رأى فيها ثوبا (١). قوله: (عاجزًا حكمًا)، لأن صيانة النفس أوجب من صيانة الطهارة بالماء فإن لها بدلا، ولا بدل للنفس، ولأن هذا في معنى المريض بجامع أنه يفضي إلى الهلاك، وتيمم المريض منصوص عليه فألحق هذا به. قال صاحب النهاية: جاز أن تجب إعادة الصلاة على الخائف من العدو بعد زوال العذر لما أنه من قبل العباد (٢). وفي تجنيس المصنف وفتاوى الولوالجي: رجل أراد أن يتوضأ فمنعه إنسان عنه بوعيد، قيل: ينبغي أن يتيمم ويصلي، ثم يعيد الصلاة بعد زوال ذلك عنه؛ لأن هذا عذر جاء من قبل العباد فلا يسقط الفرض عنه، كالمحبوس إذا صلى بالتراب في السجن، فإذا خرج يعيد فكذا هذا.

стр. 287

قَادِرٌ تَقْدِيرًا، حَتَّى لَوْ مَرَّ النَّائِمُ المُتَيَمَّمُ عَلَى المَاءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ عِنْدَهُ، وَالمُرَادُ مَاءٌ وفي شرح الطحاوي: يخاف على نفسه أو ماله يجوز له التيمم، وذكر الولوالجي متيمم مر على الماء في موضع لا يستطيع النزول إليه لخوف على نفسه أو ماله لا ينتقض تيممه؛ لأنه غير قادر (١). وفي شرح الوجيز: لو خاف على نفسه أو ماله من سبع أو سارق فله التيمم، ولو احتاج إلى الماء لعطش في الحال، أو بوقوعه في المال، أو لعطش رفيقه، أو لعطش حيوان محترم جاز له التيمم. (قادر تقديرًا)، أي حكمًا، وفي فتاوى قاضي خان: متيمم نائم مر على الماء في رواية عن أبي حنيفة لا ينتقض تيممه. وقيل: ينبغي أن لا ينتقض عند الكل؛ لأنه لم تيمم وبقربه ماء لا يعلم به يجوز تيممه عند الكل (٢). وفي الْمُجْتَبى: والأصح أنه لا ينتقض تيممه عند الكل (٣). وذكر التمرتاشي في انتقاض تيمم النائم المار على الماء روايتين من غير ذكر خلاف. وفي الخبازية: والمسألة مصورة فيما إذا لم يكن مضطجعًا، ولا مستندًا في المجمل، إذ لو كان كذلك ينتقض تيممه بالنوم، فلا تنافي هذه المسألة. والفرق بين النائم وخائف السبع والعدو أن النوم في حالة السفر على وجه لا يشعر بالماء في غاية الندرة فلم يعتبر وجعل يقظانا حكمًا. بيانه: أن المسألة مصورة فيما إذا مر نائم على الماء ماشيًا، أو راكبًا والدابة تسير، والنوم حالة المشي وسير الدابة نادر خصوصًا على وجه لا يتخلله اليقظان المشعر بالماء، وكذا الغالب أن يكون مع الرفقة ويشعرون بوجود الماء إذ لما كان الماء أعز شيء في السفر يتكلمون به، ويبادرون إلى أخذه ويجيء

стр. 288

يَكْفِي لِلْوُضُوءِ، … منهم أفعال تنبه لا محالة. قيل: في سبعة وعشرين موضعا للنوم حكم اليقظة، أولها: هذا، والثاني: صائم نام على قفاه فوقع المطر في فمه أو أقطر ما في فمه فوصل إلى جوفه يفسد صومه. و [الثالث] (١): الصائمة جامعها زوجها وهي نائمة فسد صومها، والرابع: المحرمة النائمة جامعها زوجها، والخامس: المحرم النائم حلق إنسان رأسه فعليه الجزاء، السادس: انقلب النائم على صيد فقتله يلزمه الجزاء. السابع: مر نائم بعرفات أجزأه الثامن: صيد وقع عند نائم كما لو وقع عند يقظان وهو قادر على ذكاته، التاسع: انقلب على مال وأتلفه يجب ضمانه، العاشر: لو وقع على مورثه فقتله على قول البعض، الحادي عشر: رفع نائما فوضعه تحت جدار واه فسقط عليه فمات لا ضمان. الثاني عشر: مكثت امرأة النائم عنده في بيت ساعة صحت خلوته، الثالث عشر: خلا بها عند نائم لا تصح خلوته، الرابع عشر: مكث الزوج عندها ساعة وهي في بيت خلوة صحت خلوته، الخامس عشر: رضع صغير من ثدي نائمة ثبت الحرمة، السادس عشر: تكلم في صلاته فسدت صلاته، السابع عشر: قرأ في صلاته تعتبر قراءته، الثامن عشر: تلا آية السجدة يلزم السامع، التاسع عشر: أخبر النائم بالتلاوة عنده يجب عليه السجدة في قول، قال شمس الأئمة: يعني بعدم الوجوب. العشرون: حلف لا يكلمه فكلمه وهو نائم ولم يستيقظ، الأصح حنثه، الحادي والعشرون: مس مطلقته وهي نائمة صار مراجعا، الثاني والعشرون: قبلته بشهوة وهو نائم يصير مراجعًا عند أبي يوسف، الثالث والعشرون: أدخلت ذكر رجل في فرجها وهو نائم ثبتت حرمة المصاهرة إذا علم بفعلها، الرابع والعشرون: نام يومين وليلتين يجب القضاء الخامس والعشرون: نام في صلاته

стр. 289

لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِمَا دُونَهُ ابْتِدَاءً فَكَذَا انْتِهَاءً (وَلَا يُتَيَمَّمُ إِلَّا بِصَعِيدٍ طَاهِرٍ) لِأَنَّ الطَّيِّبَ أُرِيدَ بِهِ الطَّاهِرَ فِي النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَلَا بُدَّ مِنْ طَهَارَتِهِ فِي نَفْسِهِ كَالمَاءِ. فاحتلم وجب الغسل ولا يمكن البناء، السادس والعشرون: عقد العقد بين نائمين ينعقد على قول، السابع والعشرون: لو أخبر نائم أنك تلوت في النوم آية سجدة ووجب على السامع يجب عليه السجدة في قول، والأصح أنه لا يجب. قوله: (لا يعتبر بما دونه)، وذلك أن المقصود من استعمال الماء استباحة الصلاة ولم يحصل بهذا القدر، فإذا عري عن المقصود جرى مجرى العدم بخلاف ستر العورة فإن القدر الذي يستر به بعضه مقصود عقلا وشرعًا، فإذا وجد ما يستر به بعض عورته يلزمه الستر، كذا في الخبازية. وقد بينا الأقوال في هذه المسألة. (أريد به)، أي بالطيب الطاهر، يعني بالآية بالإجماع إذ طهارة التراب شرط عند الأئمة الأربعة. وقيل: لا يلزم من شرطيتها أن يكون المراد من الطيب الطاهر في الآية لجواز أن تثبت شرطية الطهارة بدليل آخر. قيل في جوابه: لو لم يرد بالآية لاقتضى مطلق الآية جواز التيمم بدون طهارته فكان الدليل الآخر معارضًا لمطلق النص، وذا لا يجوز، وفيه تأمل كما ذكرنا. وعن داود التراب لو تغير بالنجاسة لا يجوز التيمم به، وإن لم يتغير جاز. ويجوز التيمم بالتراب المستعمل عندنا، وفي قول الشافعي، وفي ظاهر مذهبه لا يجوز (١). والمستعمل ما تناثر من العضو، وقال بعض أصحابنا: ما بقي في العضو مستعمل دون ما تناثر عنه، كذا في الحلية (٢). ولو نجست الأرض ثم جفت لا يجوز التيمم بها، وستجيء هذه المسألة

стр. 290

(وَيُسْتَحَبُّ لِعَادِمِ المَاءِ وَهُوَ يَرْجُوهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إِلَى آخَرِ الوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ المَاءَ تَوَضَّأَ وَإِلَّا تَيَمَّمَ وَصَلَّى) لِيَقَعَ الأَدَاءُ بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ فَصَارَ كَالطَّامِعِ فِي الجَمَاعَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ: أَنَّ التَّأْخِيرَ حَتْمٌ لِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ كَالمُتَحَقِّقِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ: … ... … ... مع أبحاثها في باب الأنجاس. وفي الْمُجْتَبى: لو تيمم جماعة بحجر واحد، أو لبنة واحدة، أو أرض جاز كبقية ماء الوضوء (١). وقوله: (ويستحب لعادم الماء)، إلى آخره، ويستحب مسند إلى قوله: (أن يؤخر)، أي يستحب التأخير للراجي، والمراد بالرجاء غلبة الظن، أي يغلب على ظنه أنه يجد الماء في آخر الوقت، كذا في الإيضاح. وهذا الاستحباب إذا كان بينه وبين موضع يرجوه ميل أو أكثر، فإن كان أقل منه لا يجزئه التيمم، وإن خاف فوت وقت الصلاة وإن كان لا يرجوه لا يؤخر الصلاة عن أول الوقت المستحب؛ لأن فائدة الانتظار احتمال وجدان الماء فيؤديها بأكمل الطهارتين، وإذا لم يكن له رجاء وطمع فلا فائدة فيه. وأداء الصلاة في أول الوقت المستحب أفضل لما فيه من المسارعة، إلا إذا تضمن التأخير فضيلة لا تحصل بدونه كتكثير الجماعة، ولا يتأتى هذا في حق من في المفازة فكان التعجيل أولى، ولهذا كان أولى للنساء أن يصلين في أول الوقت لأنهن لا يخرجن إلى الجماعة، كذا في مبسوط شمس الأئمة، وفخر الإسلام (٢). قوله: (أن التأخير حتم)، أي واجب، يعني فيما إذا كان الموضع بعيدًا، نص عليه في المحيط (٣)، والذخيرة؛ لأن شرع التيمم لدفع الحرج وصيانة الوقتية عن الفوات، فإذا تيقن أو غلب على ظنه وجود الماء آخر الوقت فقد أمن

стр. 291

أَنَّ العَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةٌ فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ: إِلَّا بِيَقِينِ مِثْلِهِ. من الفوات حقيقةً أو ظاهرًا فلا يجزئه التيمم، ويجب التأخير. وفي ظاهر الرواية لا يجب التأخير عند بعد المسافة، ويجزئه التيمم مع غلبة الظن بوجدان الماء في آخر الوقت أو التيقن به؛ لأن المعتبر في جوازه بعدها دون خوف الفوت. قال شيخي: التعليل المذكور في الكتاب بأن غالب الرأي كالمتحقق مشكل؛ لأنه يقتضي أن يجب التأخير عند التحقق في آخر الوقت مع بعد المسافة في الروايات الظاهرة ليصح مقيسًا عليه، وليس كذلك فإنه ذكر في أول الباب أن من كان خارج المصر يجوز له التيمم إذا كان بينه وبين الماء ميل أو أكثر. وفي الخلاصة وعامة النسخ: المسافر إذا كان على تيقن من وجود الماء في آخر الوقت أو غالب ظنه ذلك جاز له التيمم إذا كان بينه وبين الماء ميل، وإن كان أقل لا يجوز وإن خاف فوت الصلاة، ولو حمل هذا على أن المراد أن التيمم لا يجوز في المتحقق في غير رواية الأصول، فألحق به غالب الظن في هذه الرواية لا يستقيم أيضًا؛ لأنه علل وجه ظاهر الرواية بأن العجز ثابت حقيقةً فلا يزول إلا بيقين مثله، وذلك يقتضي أن حكم العجز - وهو جواز التيمم - يزول عند التيقن بوجود الماء في ظاهر الرواية، وليس كذلك على ما بينا. وإن حمل على أن هذا فيما إذا كان بينه وبين ذلك الموضع أقل من ميل لا يستقيم أيضًا؛ لأنه فرَّق في تعليل ظاهر الرواية بين غالب الرأي وبين اليقين بقوله: (لأن العجز ثابت حقيقة) إلى آخره، ولا فرق في ظاهر الرواية فيه بين غلبة الظن واليقين فيما إذا كانت المسافة أقل من ميل في عدم جواز التيمم، كما لا فرق فيما إذا كانت المسافة أكثر في ميل في جواز التيمم. وقد صرح في آخر هذا الباب أنه إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء لا يجزيه التيمم كما لو تيقن بذلك فعلم أنه مشكل. بقي وجه آخر وهو أن يحمل هذا فيما إذا لم يعلم أن المسافة قريبة أو بعيدة، فلو ثبت أنه تيقن بوجود الماء في آخر الوقت في هذه الحالة يجب

стр. 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التأخير في ظاهر الرواية لأنه لما تيقن به في آخر الوقت فقد أمن من الفوات، ولما لم يثبت بعد المسافة التشكيك فيه لم يثبت جواز التيمم فيجب التأخير. أما لو غلب على ظنه ذلك فكذلك عندهما في غير رواية الأصول؛ لأن الغالب كالمتحقق، وفي ظاهر الرواية لا يجب التأخير لأن العجز ثابت لعدم الحقيقة. وحكم هذا العجز - وهو جواز التيمم - لا يزول إلا بيقين مثله - وهو التيقن بوجود الماء في آخر الوقت - ولم يوجد فلا يجب التأخير، ولكن هذا الوجه لائح عن محل، ويلزم عليه أنه فرق هاهنا بين غلبة الظن واليقين فيه، ولم يفرق بينهما فيما إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء في عدم جواز التيمم، ولا فيما إذا كانت المسافة بعيدة في جواز التيمم كما بينا، فالأظهر بقاء الإشكال. وفي الْمُجْتَبى: في هذه المسألة إن لم يرج لا يؤخر، كذا عن علي، وفي الأصل: أحب إليَّ أن يؤخر، ولم يفصل، ولا يؤخر العصر إلى تغير الشمس والمغرب عن أول وقته. وقيل: يؤخره إلى ما قبل غيبوبة الشفق، وعن حماد والشافعي لا يؤخر، روي أن هذا أول واقعة خالف أبو حنيفة أستاذه حمادًا فصلى حماد بالتيمم في أول الوقت، ووجد أبو حنيفة الماء في آخر الوقت وصلاها، وكان ذلك عن اجتهاده فقبلها الله تعالى منه وصوبه فيه (١). وفي الحلية: فإن لم يكن على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت ولا على إياس من وجوده فالأفضل أن يصلي بالتيمم في أول الوقت في أصح القولين، وهو اختيار المزني، والثاني أن التأخير أفضل، وعن أبي حنيفة روايتان كالقولين، وقال النواوي (٢): التأخير أفضل بكل حال، وبه قال أحمد (٣)، وقال

стр. 293

(وَيُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ مَا شَاءَ مِنْ الفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَهُ: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ فَرْضٍ، لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ. وَلَنَا: أَنَّهُ طَهُورٌ حَالَ عَدَمِ المَاءِ، فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ مَا بَقِيَ شَرْطُهُ. مالك: يتيمم المريض والمسافر في وسط الوقت لا يؤخره جدا، ولا يعجله (١). وعن علي ﵁ أنه قال في جُنُب لا يجد الماء: يتلوم - أي يتربص - ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا يتيمم، وهذا حكم تأخير الصلاة عن أول الوقت لأجل الجماعة على ما ذكرنا، وقال بعض الأصحاب (٢): إذا كان على علم بوجود الماء في آخر الوقت ففي جواز التيمم في أوله قولان، وليس بصحيح (٣). وقال صاحب الْمُجْتَبى: ويتخالج في قلبي فيما إذا كان يعلم أنه إن أخر الصلاة إلى آخر الوقت يقرب من الماء بمسافة أقل من ميل، لكن لا يتمكن من الصلاة بالوضوء في الوقت أن الأولى أن يصلي في أول الوقت مراعاة لحق الوقت وتجنبا من كل الخلاف (٤). قوله: (ما شاء من الفرائض والنوافل)، وبقولنا قال الثوري، وداود، وأحمد في الأشهر، واختاره المزني، وعند الشافعي: يتيمم لفرض واحد مع ما شاء من النوافل (٥)، وبه قال مالك (٦)، واختلف أصحاب الشافعي في الجمع بين الفوائت بتيمم واحد، وعند أحمد وأبي ثور يتيمم لكل فريضة، كذا في الحلية (٧). (لأنه): أي التيمم طهارة ضرورية، يعني مبيحة للصلاة ضرورة التقضي عن عهدة التكليف لا رافع الحدث، ولهذا لا يُجوِّزُ الشافعي التيمم قبل الوقت لعدم

стр. 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الضرورة قبله (١)، وبقوله قال مالك (٢)، وأحمد (٣)، وداود (٤)، وعندنا يجوز قبل الوقت، وبه قال المزني، وبعض المالكية والليث، والظاهرية ليتمكن من أداء الفرض في أول الوقت، ولهذا لا يجوز إلا عند العجز عن استعمال الماء، وما شرع للضرورة لا يبقى بعد ارتفاعها لطهارة المستحاضة. والدليل على أنه مبيح للصلاة لا رافع للحدث بطلانه عند وجود الماء بدون حدوث حدث آخر، وعن هذا قال أحمد: تيمم لكل فريضة كالمستحاضة (٥). وقلنا: إنه طهارة مطلقا حال عدم الماء رافعة للحدث خلفًا عن الماء، والخلف لا يخالف الأصل فيما أفاده من الحكم المختص به، ألا ترى أن الشرع جعل التراب والماء مطهرًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وبقوله ﵇: «التراب طهور المسلم» (٦)، وقال ﵇: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسجدًا وطهورًا» (٧)، فلما جعله طهورا كالماء يفيد ما أفاده، وإنما ينتقض بوجود الماء لأن الخلف لا يبقى له حكم مع القدرة على الأصل، بخلاف المستحاضة لأن طهارتها قدرت طهارة مع وجود الحدث ضرورة تمكن المكلف من أداء التكليف فافترقا، ولهذا لا ينتقض التيمم بالفراغ عن المكتوبة بدليل جواز النافلة، وهذا إلزام على الشافعي، ولأن الشرع قدر طهارة التيمم لعدم الماء فلا يجوز تقديره بالأداء قياسًا؛ لأنه حينئذ يكون تركا

стр. 295

(وَيَتَيَمَّمُ الصَّحِيحُ فِي المِصْرِ لتقدير ثبت نصاً، بخلاف المستحاضة فإنه قدَّر طهارتها بالوقت، قال ﵇: «المُستحاضة تتوضّأُ لِوَقتِ كُلِّ صَلاة» (١)، فيقدر به كذا في المبسوطين (٢). ولنا أنه أي التراب طهور بالنص حال عدم الماء ما بقي شرطه وهو عدم الماء. قوله: (ويتيمم الصحيح في المصر)، إلى آخره قيد بالصحيح ليخرج المريض فإنه مرخص بلا حضور جنازة، وقيد بالمصر لأن الظاهر في المفازة عدم الماء، وقيد بحضور الجنازة إذ الوجوب به، والأصل في هذه المسائل أن في كل موضع يفوت الأداء لا إلى خلف يجوز له التيمم، وفي كل موضع يفوت الأداء إلى خلف لا يجوز. ثم اعلم بأن الصلوات ثلاثة أنواع: نوع لا يخشى فواتها أصلا لعدم وقتها كالنوافل، ونوع يخشى فواتها أصلا كصلاة الجنازة، والعيد عندنا، ونوع يخشى فواتها ويقضى بعد وقتها أصلها أو بدلها كالجمعة، والمكتوبات. أما الأول: فلا يتيمم لها عند وجود الماء لعدم القدرة، وأما الثاني: فإنها يتيمم لها عند وجود الماء في المصر عندنا، وأحمد في رواية خلافًا للشافعي ومالك، فإن عنده يجوز قضاؤها فلا تفوت لا إلى بدل فلا يتحقق العجز. ولنا: حديث ابن عباس أنه قال: إذا فَجَأَتْكَ جنازة فخشيت فوتها فصل عليها بالتيمم، وعن ابن عمر في صلاة العيد مثله، كذا في المبسوط (٣). قال الطحاوي. لما تيمم النبي ﵇ لرد السلام خشية الفوات مع أن الطهارة ليست بشرط في الرد دل على جواز التيمم للصلاة التي يخشى فواتها كصلاة الجنازة والعيدين.

стр. 296

إِذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَالوَلِيُّ غَيْرُهُ، فَخَافَ إِنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ) لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى فَيَتَحَقَّقُ العَجْزُ (وَكَذَا مَنْ حَضَرَ العِيدَ فَخَافَ إِنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ يَفُوتَهُ العِيدُ يَتَيَمَّمُ) لِأَنَّهَا لَا تُعَادُ. وَقَوْلُهُ: «وَالوَلِيُّ غَيْرُهُ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةُ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ لِلْوَلِيِّ حَقَّ الإِعَادَةِ فَلَا فَوَاتَ فِي حَقِّهِ (وَإِنْ أَحْدَثَ وفي الْمُجْتَبى: صلاة العيد في معنى صلاة الجنازة؛ لأنهما يفوتان لا إلى بدل لاشتراط الجماعة والولي فيهما، فكان عادمًا للماء حكما في حقهما؛ لأنه لا يتمكن أحد من أدائهما بالوضوء بعده (١). وقيل: بقوله (والولي غيره) لأنه لم يجز للولي؛ لأنه ينتظر وله حق الإعادة. وفي الْمُجْتَبى، وكذا الوالي والإمام لأنه ينتظر لهما (٢). وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عن جواب ظاهر الرواية، وفي الذخيرة: إن كان إماماً أو كان حق الصلاة له جاز له التيمم أيضًا. وفي المبسوط: وجهه حديث ابن عباس، وابن عمر، ولأن الإمام قد يحتاج إلى ذلك كما يحتاج القوم؛ فإن عند كثرة الزحام ربما يلحقه الحرج، ولأنه قد لا ينتظره الناس، ولأن صلاة الجنازة دعاء حقيقةً فحقها أن لا يشترط لها الطهارة كما قال الشعبي، لكن لما سميت باسم الصلاة شرطنا فيها الطهارة (٣). وفي هذا لا فرق بين الإمام والقوم والولي، وعلى هذا لو كان في المصر جنب تيمم وصلى عليها، والصحيح رواية الحسن عن أبي حنيفة. وفي المحيط: لا يجوز التيمم للسلطان لأنه ينتظر له (٤)، وذكر الحلواني والسَّرَخْسِي أن التيمم لا يجوز في بلادنا للجنازة؛ لأن الماء حول مصلى

стр. 297

الإِمَامُ أَوْ المُقْتَدِي فِي صَلَاةِ العِيدِ تَيَمَّمَ وَبَنَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَتَيَمَّمُ (*) لِأَنَّ اللَّاحِقَ يُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِ الإِمَامِ فَلَا يَخَافُ الفَوْتَ. وَلَهُ: أَنَّ الخَوْفَ بَاقٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ زَحْمَةٍ فَيَعْتَرِيهِ عَارِضٌ يُفْسِدُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ، وَالخِلَافُ فِيمَا إِذَا شَرَعَ بِالوُضُوءِ، وَلَوْ شَرَعَ بِالتَّيَمُّمِ تَيَمَّمَ وَبَنَى بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الوُضُوءَ يَكُونُ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فِي صَلَاتِهِ فَيَفْسُدُ. الجنازة (١). وأما رواية القدوري فمطلقة فيتحقق العجز أي العجز الحكمي فيكون عادمًا للماء حكمًا، والمراد بالوجود القدرة، وهو غير قادر فصار كخائف العطش والعدو. فإن قيل: النص ورد في صلاة مطلقة، وصلاة الجنازة ليست في معناها. قلنا: لما جاز أداء أقوى الصلاتين بأضعف الطاهرتين فلأن يجوز أداء أضعف الصلاتين بأضعف الطاهرتين بالطريق الأولى، ولأن التيمم شرع لصيانة الصلاة عن الفوات لأنه ربما تمتد هذه الحالة فتجتمع الصلوات في حقه فيحرج في الأداء وجاز أن يقصر فيه، فلما جوز الشرع التيمم لتوهم الفوات لأن يجوز عند تحقق الفوات أولى. وفي المبسوط: تيمم وصلى ثم جيء بأخرى، فإن وجد بينهما وقت يمكنه الوضوء أعاد تيممه للثانية، وإن لم يوجد فله أن يصلي على الثانية بذلك التيمم عند أبي يوسف خلافًا لمحمد (٢). قوله: (وبنى بالاتفاق)، وفي الفوائد الظهيرية: فإن كان الشروع بالتيمم فالبناء به جائز عند أبي حنيفة بلا إشكال، وأما على قولهما فقد اختلف المتأخرون فقيل يجوز البناء بالتيمم عندهما كما قاله؛ لأنه لا يمكنه البناء بالتوضئ لما فيه من بناء القوي على الضعيف. وقيل: يجوز النيابة لوجود الماء، ويجوز أن يكون ابتداؤها بالتيمم والبناء

стр. 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالوضوء كما قلنا في جُنُب معه ماء يكفي قدر ما يكفي للوضوء فإنه يتيمم ويصلي ولو سبقه حدث في خلال صلاته فله أن يتوضأ بذلك الماء ويبني. قال ظهير الدين: لكن هذا لا يقوى لأنه ليس فيه بناء القوي على الضعيف إذ التيمم هاهنا أقوى من الوضوء؛ لأنه يزيل الجنابة والوضوء لا يزيلها، بل لابد من معنى آخر، فنقول: التيمم مثل الوضوء بدليل جواز اقتداء المتوضئ بالمتيمم. يؤيد هذا ما ذكره قاضي خان في فصل المسح في فتاواه أن ماسح الخف إذا أحدث في خلال الصلاة فانصرف ثم انقضت مدة مسحه قبل أن يتوضأ كان له أن يتوضأ ويغسل رجليه ويبني كالمتيمم إذا سبقه حدث في خلال صلاته فانصرف ثم وجد ما يتوضأ به ويبني. والفرق بين هذا وبين المتيمم الذي وجد الماء في خلال صلاته حيث يستأنف وهاهنا لا يلزم الاستئناف هو أن التيمم ينتقض بصفة الاستناد، إلى وجود الحدث عند إصابة الماء لأنه يصير محدثًا بالحدث السابق؛ لأن الإصابة ليست بحدث، ولأن القدرة على الأصل حال قيام الخلف قبل حصول المقصود بالخلف يبطل حكمه، وفي هذه الصلاة لم ينتقض التيمم عند إصابة الماء بصفة للاستناد لانتقاضه بالحدث الطارئ على التيمم. وذكر التمرتاشي: لا يجوز للإمام قبل الشروع في صلاة العيد التيمم لأن القوم ينتظرون، وأما في المقتدي نظر، إن كان الماء قريبًا بحيث لو توضأ لا يخاف الفوت لا يجوز، وإلا فيجوز، فلو أحدث أحدهما بعده بالتيمم تيمم وبنى؛ لأن خوف الوقت في البناء أكثر. وفي المحيط: لو سبق الحدث للمؤتم في الجبانة قبل الشروع إن كان يرجو إدراك شيء من الصلاة لو توضأ لا يجوز له التيمم، وإن كان لا يرجو يجوز، وإن سبقه الحدث بعده فإن كان شروعه بالتيمم تيمم وبنى بلا خلاف، وإن كان شروعه بالوضوء إن كان يخاف زوال الشمس لو توضأ يجوز له التيمم

стр. 299

(وَلَا يَتَيَمَّمُ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ خَافَ الفَوْتَ لَوْ تَوَضَّأَ، فَإِنْ أَدْرَكَ الجُمُعَةَ صَلَّاهَا، وَإِلَّا صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا) بالإجماع، وإن كان لا يرجو إدراك شيء قبل الفراغ تيمم وبنى عند أبي حنيفة، وعندهما يتوضأ. من مشايخنا من قال: هذا اختلاف عصر وزمان لا حجة وبرهان؛ فإن في زمنه يصلى العيد في جبانة بعيدة من الكوفة فكان خوف الفوت قائما فأفتى على وقت زمانه، وفي زمنهما يصلي في جبانة قريبة فلم يكن خوف الوقت قائما. قال الحلواني والسرخسي: لا يجوز التيمم للعيد ابتداء وبناء في ديارنا؛ لأن الماء محيط بمصلى العيد، حتى لو خيف الفوت يجوز له التيمم (١). ومن مشايخنا من قال: هذا اختلاف حجة وبرهان، ثم اختلفوا فيما بينهم، قال أبو بكر الإسكاف: هذه المسألة بناء على أن الشروع في صلاة العيد موجب القضاء إذا أفسدها عندهما، وعنده لا يوجب القضاء، فكان على أصله يفوت لا إلى بدل فجاز له التيمم، وعندهما يفوته إلى بدل فلا يجوز له التيمم. وأما قبله إذا فاته لا يجب القضاء بالإجماع فيجوز له التيمم قبله بالإجماع. وغيره من المشايخ جعل هذا اختلافا مبتدأ (٢). وفي المبسوط: هما يقولان أنه أمن من خوف الفوت؛ لأنه لو ذهب إلى الوضوء ثم عاد وإن عاد بعد فراغ الإمام يجوز له البناء لأنه لاحق، وأبو حنيفة يقول البقاء أسهل من الابتداء، والافتتاح يجوز بالتيمم، فالبناء أجوز، وخوف الفوت قائم؛ فإنه ربما يبتلى بالمعالجة مع الناس فتفوته لكثرة الزحام فتفسد صلاته، أو لا يصل إلى الماء حتى تزول الشمس فتفوته بمضي الوقت (٣). قوله: (وإلا صلى الظهر)، وفي بعض النسخ: (يصلي الظهر أربعا)، وإنما قال: (أربعا) لكيلا يظن أنه تكفيه ركعتان قضاء للجمعة، كذا في البدرية. وفي الكافي: وإنما قال (أربعا) لأن الجمعة تسمى ظهرا باعتبار أنه خلف عن الظهر عندنا فقال (أربعا) قطعا لذلك المجاز.

стр. 300

لِأَنَّهَا تَفُوتُ إِلَى خَلَفٍ وَهُوَ الظَّهْرُ بِخِلَافِ العِيدِ (وَكَذَا إِذَا خَافَ فَوْتَ الوَقْتِ لَوْ تَوَضَّأَ لَمْ يَتَيَمَّمْ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ) لِأَنَّ الفَوَاتَ إِلَى خَلَفٍ وَهُوَ القَضَاءُ. (وَالمُسَافِرُ إِذَا نَسِيَ المَاءَ فِي رَحْلِهِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ المَاءَ لَمْ يُعِدْهَا عِنْدَ فإن قيل: قوله: (فإن أدرك الجمعة صلاها) ينفي هذا الاحتمال. قلنا: قوله: (إن أدرك الجمعة) أي الجمعة التي مع الإمام لا ينفي أن يصليها بدون الإمام إن لم يدرك الجمعة فيكون احتمال إطلاق اسم الظهر باقيا، ولكن على وجه الانفراد، وفيه تأمل. (لأنها) أي الجمعة، (تفوت إلى خلف)، وهو الظهر. وفي المستصفى: في فرض الوقت اختلف المشايخ: قيل: فرض الوقت الجمعة، والظهر خلف عنها، وهو المروي عن زفر، وقيل: فرض الوقت أحدهما، وهو رواية عن محمد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف فرض الوقت الظهر لكنه مأمور بإسقاطه بالجمعة، فكان قوله: (وهو الظهر) إشارة إلى القول الأول، وعلى المذهب المختار الظهر أصل لا خلف، ولكن تصور بصور الخلف باعتبار أن المأمور في هذا اليوم الجمعة، ولهذا تسقط بالأعذار وهو يقوم مقامها عند فوتها (١). قوله: (فوت الوقت لو توضأ)، وهذا لما عرف أن التيمم شرع رخصة لدفع حرج كثرة الفوائت لا لخوف فوت الوقت. قوله: (إِذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ)، الرحل لغةً: المنزل، سواء كان من حجر، أو مدر، أو شعر، أو وبر، قالوا: ويقع أيضًا على متاعه وآدابه، وفي المغرب: هو المنزل والماء (٢). وجمعه: أرحل، وأرحال، ومنه يسمى: الماء في رحله. ثم قيد بالنسيان؛ لأن في الظن لا يجوز التيمم بالإجماع ويعيد الصلاة.

стр. 301

أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُعِيدُهَا) (*) وَالخِلَافُ فِيمَا إِذَا وَضَعَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَضَعَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، وَذِكْرُهُ فِي الوَقْتِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ. لَهُ: أَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، فَصَارَ كَمَا وقيد بقوله: (أو وضعه بأمره)، فإنه لو وضعه غيره وهو لا يعلم به يجزئه بالإجماع؛ لأن المرء لا يخاطب بفعل الغير، وذكر الخيز اخزي أن المسألة على ثلاثة أوجه: إما أن وضعه بنفسه ولم يطلبه، أو وضعه غلامه أو جيرانه وهو يعلم، أو وضعه بنفسه لكن نسي، ففي الأول لا يجوز له التيمم بالإجماع؛ لأن التقصير جاء من قبله والثاني يجوز بالإجماع، وفي الثالث اختلاف. وعن محمد في غير رواية الأصول أن الفصول الثلاثة على الاختلاف، ولو كان الماء في إناء على ظهره أو معلقا في عنقه أو موضوعًا بين يديه فنسيه لا يجزئه بالإجماع؛ لأنه نسي ما لا ينسى فلا يعتبر، وإن كان الماء معلقا على إكاف، فإن كان راكبًا والماء في مؤخرة الرحل يجزيه عندهما؛ لأنه نسي ما ينسى، وإن كان سابقًا فإن كان الماء في مقدمة الرحل يجزيه عندهما، وإن كان في مؤخرته لا يجزيه بالإجماع، وإن كان قائدًا جاز كيف ما كان؛ لأنه لا يعاينه فجاز نسيانه، كذا في جامع المحبوبي (١). (وقال أبو يوسف يعيدها)، أي الصلاة، وهو قول الشافعي في الجديد (٢)، وأحمد توقف فيه (٣)،، وروى أبو ثور عن الشافعي أنه لا إعادة عليه في قوله القديم، ولمالك فيها روايتان كالقولين (٤). وجه قول أبي يوسف أنه شرع التيمم حال عدم الماء، وهذا واجد للماء، والنسيان يضاد الذكر لا الوجود، وعدم وجدانه بسبب تقصيره فيجب الإعادة كما لو نسي ستر العورة، أو غسل بعض أجزاء الوضوء. وقلنا: المراد من قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [النساء: ٤٣] فلم تقدروا بدليل

стр. 302

إِذَا كَانَ فِي رَحْلِهِ ثَوْبٌ فَنَسِيَهُ، وَلِأَنَّ رَحْلَ المُسَافِرِ مُعَدٌّ لِلْمَاءِ عَادَةً، فَيُفْتَرَضُ الطَّلَبُ عَلَيْهِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ بِدُونِ العِلْمِ، وَهُوَ المُرَادُ بِالوُجُودِ، وَمَاءُ الرَّحْلِ مُعَدٌّ لِلشَّرْبِ لَا لِلاسْتِعْمَالِ، وَمَسْأَلَةُ الثَّوْبِ عَلَى الاخْتِلَافِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الاتِّفَاقِ جواز التيمم للمريض وخائف العدو والسبع والعطش بالإجماع مع وجود الماء حقيقةً، وهذا غير قادر على استعمال الماء لعدم العلم به، والعلم شرط القدرة، بل عجزه فوق عجز المريض؛ فإنه لو تكلف الاستعمال لأمكنه، وهذا لا يمكنه فثبت أنه أعجز من المريض بعذر سماوي. وأما قول: النسيان يضاد الذكر لا الوجود، قلنا: نعم كذلك، إلا أن بدون الذكر لا تثبت القدرة على الاستعمال، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وأما قوله: (بسبب تقصيره) غير مُسلَّم؛ لأن العذر سماوي لا من جهته. وأما مسألة الستر فجوابه مذكور في المتن، وكذلك غسل بعض أعضاء الوضوء بفوت لا إلى خلف والطهارة هاهنا تفوت إلى خلف وهو التيمم، ولا يلزم علينا أن المكفر للصوم إذا نسي الرقبة في ملكه لا يجزئه الصوم بالاتفاق؛ لأن المعتبر في التكفير الملك لا القدرة، حتى لو عرض عليه شخص الرقبة له أن لا يقبله ويكفر بالصوم، وبالنسيان لم ينعدم الملك، وبالملك يتمكن من الاعتاق بأن يقول: مملوكي حر عن كفارتي، مع أن نسيان الرقبة في غاية الندرة فلا يعتبر بخلاف ما نحن فيه؛ لأن المعتبر فيه القدرة على الاستعمال، وبالنسيان زالت القدرة. على أن الكرخي روى عن أبي حنيفة أن فصل التيمم والتكفير سواء، كذا في الْمُجْتَبى (١). وفي الخبازية: العلم كالآلة يتوسل به إلى استعمال الماء فكان بمنزلة الدلو والرشا فانعدامه بمنزلة انعدامهما، ولو كان على الاتفاق، وفي الْمُجْتَبى: والأصح الاتفاق. قوله: وليس على المتيمم إلى آخره، في الْمُجْتَبى: هذا في الفلوات أما في

стр. 303

فَفَرَضَ السِّتْرَ يَفُوتُ لَا إِلَى خَلَفٍ، وَالطَّهَارَةُ بِالمَاءِ تَفُوتُ إِلَى خَلَفٍ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ. (وَلَيْسَ عَلَى المُتَيَمِّمِ طَلَبُ المَاءِ إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنَّهُ أَنَّ بِقُرْبِهِ مَاءً) لِأَنَّ الغَالِبَ عَدَمُ المَاءِ فِي الفَلَوَاتِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى الوُجُودِ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ (وَإِنْ العمران يجب الطلب بالإجماع، قال الشافعي للمسافر حالات أحدها أن يتحقق عدم الماء حواليه ففي تقديم الطلب فيها وجهان: أحدهما: أنه يجب كما في غيرها لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] ويقال: لم يجد، إذا فقد بعد الطلب، وأظهرها أنه لا يجب؛ لأن الطلب مع يقين العدم عبث، وما ذكر من الاستدلال بالآية ممنوع. وأما في غيرها من الحالات وجب تقديم الطلب؛ لأن التيمم طهارة ضرورية، ولا ضرورة مع إمكان الطهارة بالماء، وبالقياس على ما إذا كان بين العمران، وعلى ما كان مع رفيقه الماء فإن الطلب فيهما واجب بالإجماع، ويشترط أن يكون الطلب بعد دخول الوقت لتحصل الضرورة. وهل يجب أن يطلب بنفسه؟ فيه وجهان أظهرهما أنه يجوز أن ينيب غيره فيه حتى لو بعث النازلون أحدًا لطلب الماء أجزأ طلبه عن الكل، ويطلب إلى حيث لو استغاث بالرفقة الأغاثوه، كذا في شرح الوجيز. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [النساء: ٤٣] وهذا يقتضي عدم الوجود ولا يقتضي الطلب، يقال: فلان وجد ماله وإن لم يطلبه، فمن شرط فقد زاد على النص، ولأنه تيمم حال عدم الماء حقيقة وحكمًا فيجزئه كما بعد الطلب، أما عدم الماء حقيقة فظاهر، وكذا حكمًا لعدم الدليل على وجوده، بخلاف ما لو غلب على ظنه وجوده فإن غلبة الظن دليل وجوده وبخلاف ما إذا كان في العمران ومع رفيقه ماء فإنه دليل وجوده، وكونه مع رفيقه كذلك إذ الظاهر عدم المنع فيكون العلم ثابتًا من وجه فلا يجزئه التيمم كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وأما قول: أن التيمم طهارة، فجوابه ما مر. وقال أبو يوسف في الإملاء: سألت أبا حنيفة عن مسافر لا يجد ماء يطلب عن يمينه ويساره قال: إن طمع فليفعل، ولا يبعد فيضر بأصحابه إن

стр. 304

غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هُنَاكَ مَاءً لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ حَتَّى يَطْلُبَهُ) لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ نَظَرًا إِلَى الدَّلِيلِ، ثُمَّ يَطْلُبُ مِقْدَارَ الغَلْوَةِ وَلَا يَبْلُغُ مِيلًا كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْ رُفْقَتِهِ (وَإِنْ كَانَ انتظروه وبنفسه إن انقطع عنهم، كذا في المبسوط (١). (نظرا إلى الدليل)، وهو غلبة الظن فإنها دليل موجب للعمل، كما في المتحري في القبلة، وكما في دفع الزكاة؛ فإنه لو غلب على ظنه فقر شخص يجوز دفعها إليه، وكذا لو غلب على ظنه نجاسة الماء أو طهارته يجب العمل بها، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتِ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية. وفي الْمُجْتَبى: وكذا إذا أخبر عنه (٢). (الغلوة) مقدار رمية سهم، وبالفارسية: (يك تيربزتاو)، وفي فتاوى العتابي: هي ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع، وفي المستصفى: يشترط الطلب مقدار ما يسمع صوت أصحابه ويسمع صوته (٣). وقيل: يطلب دون الميل وإن طلعت الشمس، وفي شرح الوجيز: ولو لم تكن الأرض ولو لم تكن مستوية واحتاج إلى الطلب نظر، فإن كان يخاف على نفسه أو ماله لا يجب الطلب؛ لأن الخوف يبيح الإعراض عنه عند يقين الماء فعند التوهم أولى، وإن لم يخف يطلب إلى حيث لو استغاث لأغاثوه لعدم المنع غالبًا. وفي الْمُجْتَبى: الغالب عدم الظنة بالماء حتى لو كان في موضع تجري الظنة عليه لا يجب الطلب منه (٤). وفي بحر المحيط: لو غلب على ظنه الإعطاء وجب السؤال، وإلا فلا، وفي الإيضاح: ولو كان مع رفيقه ماء لم يجب الطلب في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يجب؛ لأن البدل هو الأصل لقلة الخطر نصّا، وبمنزلة غلبة الظن فيما تقدم.

стр. 305

مَعَ رَفِيقِهِ مَاءً طَلَبَ مِنهُ قَبْلَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ المَنْعِ غَالِبًا، (فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ تَيَمَّمَ) لَتَحَقُّقِ العَجْزِ (وَلَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ مِنْ مِلْكِ ولأبي حنيفة أن الملك معدوم، والإطلاق لا يأتي إلا بتمليك أو إباحة، فصار الحرف أن الملك الحاصر عن التصرف فيه قائم فأعجزه عن الاستعمال، بخلاف ما إذا غلب على ظنه وجوده؛ لأن الدليل المانع لم يوجد. وفي المبسوط: وإن كان مع رفيقه ماء فعليه أن يسأله، إلا على قول الحسن ابن زياد حيث يقول: لا يسأله لأن في السؤال ذلا، وفيه بعض الحرج، والتيمم شرع لدفع الحرج (١). وجه ظاهر الرواية أن ماء الطهارة مبذول عادة، وليس في سؤال ما يحتاج إليه مذلة؛ فإنه ﵇ سأل بعض حوائجه من غيره، وعند الشافعي: لا يجب الاستيهاب من صاحبه في قول لصعوبة السؤال على أهل المروءة (٢)، والأظهر أنه يجب لأنه ليس في هبة الماء كثير مِنَّةٍ. قوله: (أجزأه عند أبي حنيفة)، لم يذكر في عامة النسخ قول أبي حنيفة في هذا الموضع، بل قيل يجوز التيمم قبل الطلب مطلقًا من غير ذكر خلاف إلا في الإيضاح كما ذكرنا. وفي الزيادات: ولو كان عنده أنه لو سأله أعطاه لا يجوز التيمم، ولو كان عنده لا يعطيه يتيمم لأنه لم يقدر عليه، ولو شك في الإعطاء وتيمم وصلى ثم سأله فأعطاه يعيد الصلاة؛ لأنه ظهر أنه كان قادرًا، ولو سأله ولم يعطه فتيمم وصلى، ثم سأله فأعطاه لا يعيدها؛ لأنه لا يتبين القدرة. وفي الْمُجْتَبَى: رأى في صلاته ماءً في يد غيره، ثم ذهب منه قبل الفراغ فسأله، فقال: لو سألتني لأعطيتك، فلا إعادة عليه، وإن كان العدة قبل الشروع يعيد لوقوع الشك في صحة الشروع، والأصح أنه لا يعيد؛ لأن العِدَة بعد الذهاب لا تدل على الإعطاء قبله. وما يحمله الحاج من ماء زمزم للعطية يمنع جواز التيمم، وما ذكر من

стр. 306

الغَيْرِ، وَقَالَا: لَا يُجْزِئُه لِأَنَّ المَاءَ مَبْذُولٌ عَادَةً (*) (وَلَوْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ إِلَّا بِثَمَنِ المِثْلِ وَعِنْدَهُ ثَمَنُهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ) لَتَحَقُّقِ القُدْرَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ تَحَمُّلُ الغَبَنِ الفَاحِشِ لِأَنَّ الضَّرَرَ مُسْقِطٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الحلية أنه يهبه لرفيقه، ثم يستودعه إياه ليس بشيء؛ لأنه قادر على استعماله بالرجوع في الهبة، ولو كان مع رفيقه دلو يجب أن يسأله بخلاف الماء، ولو سأله فقال: انتظر حتى أستقي فالمستحب عند أبي حنيفة أن ينتظر بقدر ما لا يُفوّت الوقت فإن خاف ذلك تيمم خلافًا لهما. - وجه قولهما أن الوعد إذا وجد صار قادرًا باعتباره؛ لأن الظاهر أنه نفي به -، وعلى هذا الخلاف العاري إذا وعد له رفيقه الثوب. الماء الموضوع في الفلوات للشرب لا يمنع التيمم؛ لأنه للشرب. خمسة نفر وجدوا ماء يكفي لأحدهم انتقض تيممهم، وكذا لو قال رجل: هذا الماء يتوضأ به أيكم شاء، ولو قال: هذا الماء لكم، لا ينتقض عند أبي حنيفة لفساد الهبة، وعندهما لقلة النصيب، حتى لو أذنوا لواحد منهم في الوضوء انتقض تيممه عندهما، ولو كانوا في الصلاة فقال: من يريد منكم الماء، فسدت صلاتهم، ولو كان بعضهم تيمم للجنابة وبعضهم للحدث، فإن كفى الماء للغسل انتقض تيممهم، وإلا فللمحدث، ويعتبر الكفاية لفرض الوضوء، وقيل: على وجه السنة. جُنُب وميتُ ووُجِدَ ما يكفي لأحدهما فالجنب أولى لثبوته بنص الكتاب، ولو كان حائض، وجنب فالجنب أولى لصلاحيته لإمامتها، ولو كان أب وابن فالأب أولى لجواز تملكه مال ابنه (١). قوله: (وعنده ثمنه لا يجزئه التيمم)، هذا على ثلاثة أوجه: إما أن أعطاه بثمن المثل في ذلك الموضع، أو بالغبن اليسير، أو بالفاحش، ففي الأول: لا يجوز التيمم ويجب الشراء على المذهبين إن لم يحتج إليه لشيء محترم، وفي

стр. 307

بَابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ الثالث: يجوز التيمم على المذهبين، وقال مالك: إن طلب منه زيادة لا تجحف لزمه الشراء (١)، وقال الحسن البصري: يلزمه الشراء بكل ماله. وقلنا: لا يجوز ذلك؛ لأن حرمة مال المسلم كحرمة نفسه، فإذا لحقه خسران في ماله ففرضه التيمم، وفي النوادر: جعل الغبن الفاحش في تضعيف الثمن. وقيل: هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، كذا في المبسوط (٢). وفي المحيط: وقيل قيمته ونصفها، وقيمته تعتبر في أقرب المواضع من الموضع الذي يعز فيه الماء كذا في فتاوى قاضي خان (٣). وفي الثاني: يجب الشراء عندنا، وبعض أصحاب الشافعي، وعند الشافعي الزيادة على ثمن المثل عذر له قل أو كثر. وقلنا: الشراء بالغبن اليسير شراء بمثل الثمن من وجه؛ لأن هذا زيادة تدخل تحت تقويم المقومين فأوجبناه احتياطياً، بخلاف الغبن الفاحش، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وذكر التمرتاشي: رأى رجلاً في صلاتة معه ماء، إن غلب على ظنه أنه يعطيه يقطعها، وإلا لا، ولو سأله بعد الفراغ فأعطاه أعاد الصلاة، وإلا لا، ولو تيمم ولم يسأل من بحضرته عن الماء فصلى ثم سأله فأخبره فهو على هذه الوجوه. [بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] وفي البدرية: مناسبة البابين: أن التيمم خلف عن الكل والمسح خلف عن البعض، أو كون كل واحد رخصة مؤقتة إلى غاية. وفي النهاية: كل منهما طهارة مسح (٤).

стр. 308

(المَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ) وَالأَخْبَارُ فِيهِ مُسْتَفِيضَةٌ حَتَّى قِيلَ: إِنَّ مَنْ لَمْ والتيمم خلف عن الكل فتكون له قوة، ولأن التيمم ثبت بالكتاب، والمسح بالنسبة فيكون أقوى، ولأنه خلف متعين لا محيص له سواه عند عدم الماء بخلاف المسح، ولأن التيمم يرد على محل الوضوء بلا حائل بخلاف المسح فإن الخف حائل. وفي البدرية: الخف الشرعي ما يكون إلى الكعبين، وإنما قال: جائز، ولم يقل واجب لأن العبد مخير بين المسح ونزع الخف والغسل. وفي المستصفى: وإنما قال: (جائز) لأنه أفضل لكونه أبعد عن مظنة الخلاف، ذكره في مبسوط شيخ الإسلام (١). وفي القنية: المسح أفضل أخذا باليسير، وإنما قال: (بالسنة) ولم يقل بالحديث؛ لأن السنة تشمل القولي والفعلي، والمسح عرف بقوله وفعله ﵇، ولأن فيه احترازًا عما قاله البعض أن ثبوته بالكتاب على قراءة خفض ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، وهو غير صحيح؛ لأن المسح غير مقدر إلى الكعبين بالإجماع. (مستفيضة)، أي كثيرة شائعة مشهورة؛ فإن الأثر اشتهر من النبي ﵇ قولا وفعلا، من ذلك حديث المغيرة، وحديث سلمان، يريد أنه ﵇ صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه (٢)، وحديث عائشة قالت: ما زال رسول الله ﷺ يمسح على الخفين بعد نزول المائدة (٣). وأما القول فما روى علي وجماعة من الصحابة عن النبي ﵇ أنه قال: «يمسح المقيم يوما وليلةً، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهنَّ» (٤).

стр. 309

يَرَهُ كَانَ مُبْتَدِعًا، … وفي المبسوط: جواز المسح بآثار مشهورة قريبة من التواتر (١)، وعن الحسن البصري: أدركت سبعين نفرًا من الصحابة كلهم يرون المسح على الخفين (٢)، ومن لم ير المسح عليهما جائزا كابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة، حتى قال ابن عباس: والله ما مسح رسول الله بعد سورة المائدة، ولأن أمسح على ظهر عير فلان أحبُّ إليَّ من أن أمسح على الخفين. وقالت عائشة: لأن تقطع قدماي أحب إليَّ من أن أمسح على الخفين، صح رجوعهم إلى قول عامة الصحابة. وقال أبو حنيفة: ما قلت بالمسح عليهما حتى جاءني الآثار مثل ضوء النهار، وعنه: حتى رأيت له شعاعا كشعاع الشمس. وقال أبو يوسف: يجوز نسخ الكتاب بخبر المسح لشهرته، وقال الكرخي: من أنكر المسح عليهما يخشى عليه الكفر؛ لأن الآثار جاءت فيه في حيز التواتر. وفي الْمُجْتَبى على قياس قول أبي يوسف منكره كافر؛ لأن حديث المسح بمنزلة المتواتر عنده ومنكره كافر (٣). وقال شيخ الإسلام: الدليل على أن منكر المسح ضال مبتدع ما روي أن أبا حنيفة سئل عن مذهب أهل السنة؟ فقال: هو أن يُفضّل الشيخين، ويحب الختنين، والمسح على الخفين. وروي أن قتادة لما دخل الكوفة دخل عليه أبو حنيفة وهو صبي، فقال له قتادة: من أين أنت؟ قال: من الكوفة، فقال: أنت من القوم الذين اتخذوا دينهم شيعا، قال: لا، ولكني أفضل الشيخين، وأحب الختنين، وأمسح على الخفين، وأرى الصلاة خلف كل بر وفاجر، ولا أكَفِّرُ أحدًا بذنب، ولا أخرج أحدًا من

стр. 310

لَكِنْ مَنْ رَآهُ ثُمَّ لَمْ يَمْسَحْ آخِذًا بِالعَزِيمَةِ كَانَ مَأْجُورًا، … ... … ... … ... الإسلام إلا من الوجه الذي دخل فيه، وأرى المسح على الخفين، فقال له قتادة: أصبت فالزم، ثلاث مرات (١). ومعنى قوله: (إلا من الوجه الذي دخل فيه) أن دخوله بالشهادة فلا نحكم بخروجه إلا بجحودها. وقالت الخوارج والإمامية: لا يجوز المسح عليهما، وهو قول أبي بكر بن داود، وخالف أباه في ذلك. قوله: (كان مأجورًا)، فإن قيل: يجب أن لا يكون مأجورا لما أنه رخصة إسقاط وفيها لا تبقى العزيمة مشروعة أصلا وعن هذا قيل هذه الرواية مأخوذة على المصنف لمخالفتها رواية الأصول قلنا: ليس كذلك؛ لأن المسح إنما كان رخصة إسقاط ما دام المكلف متخففًا، فأما إذا نزع خفيه أو أحدهما والنزع مشروع لحقه فلا يكون حينئذ من ذلك النوع، فكان هذا نظير من ترك السفر فإنه سقط عنه سبب الرخصة. وهذا اللفظ وهو قوله: (كان مأجورًا) مذكور في مبسوط شيخ الإسلام، لكن قال في الذخيرة، وفي فوائد الرُّسْتُغفَنِي (٢): يرى المسح إلا أنه يحتاط وينزع خفيه عند كل صلاة، أحب إلي أن يمسح عليهما لنفي تهمة مذهب الروافض فإنهم لا يرونه، أو لأن الآية قريب بالنصب والخفض، فينبغي أن يمسح حالة التخفف عملا بالقراءتين، ولكن اقتدى المصنف بشيخ الإسلام خواهر زاده وكفى به قدوة.

стр. 311

وَيَجُوزُ (مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ، إِذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ) وفي الْمُجْتَبى: عن الترجماني أن المسح أفضل أخذا باليسير - وبه قال أحمد (١) -، والصحيح ما ذكر في أجناس الناطفي: أن الغسل أفضل وبه قال الشافعي (٢)، ومالك، حتى أن الباني إذا نزع خفيه وغسل رجليه قبل تمام مدة المسح يمضي عند محمد وهو رواية عن أبي حنيفة (٣). قوله: (من كل حدث موجب)، أسند الموجبية إلى الحدث مجازا لما مر أنه ناقض لا موجب، وناقض الشيء لا يكون مثبتا له، ومفضيا إليه، لكن الحدث شرط لوجوب الوضوء فجاز أن يضيف الإيجاب إليه كما في صدقة الفطر. (على طهارة كاملة)، في البدرية فيه إشارة إلى أنه لو توضأ بسؤر الحمار، أو نبيذ التمر لا يجوز المسح عليهما؛ لأن نبيذ التمر بدل من الماء عند أبي حنيفة، ولهذا لو وجد في خلال صلواته تفسد صلاته، فلو جاز المسح كان هذا بدل البدل، وهذا لا يجوز، وفيه إشارة أيضًا إلى أنه لا يجوز للمستحاضة ومن بمعناها المسح بعد خروج الوقت إذا لبست على السيلان، يعني سال دمها وقت الوضوء، واللبس أو وقت الوضوء دون اللبس أو على العكس؛ فإنها لا تمسح بعد خروج الوقت، أما لو كان الدم منقطعًا وقت الوضوء واللبس فيجوز لها المسح، هذا إذا خرج الوقت. أما في الوقت لو سبقها الحدث فيمسح في أي وجه كان، كذا في الجامع الكبير لقاضي خان (٤). ولكن ذكر اللبس وأراد به بقاءه؛ لأن للدوام فيما يستدام حكم البقاء، قال تعالى: ﴿فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ [الأنعام: ٦٨] سمى دوام القعود قعودًا، وإنما شرطت الطهارة عنده لقوله ﵇: «إذا أدخلت رجليك في خفيك وهما

стр. 312

خَصَّهُ بِحَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ لِأَنَّهُ لَا مَسْحُ مِنْ الجَنَابَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِحَدَثِ مُتَأَخِّرٍ لِأَنَّ الخُفَّ عُهِدَ مَانِعًا، وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ بِحَدَثٍ سَابِقٍ كَالمُسْتَحَاضَةِ إِذَا لَبِسَتْ عَلَى السَّيَلَانِ ثُمَّ خَرَجَ الوَقْتُ، وَالمُتَيَمِّمِ إِذَا لَبِسَ ثُمَّ رَأَى المَاءَ كَانَ رَافِعًا. وَقَوْلُهُ: «إِذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ» لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ الكَمَالِ وَقْتَ اللَّبْسِ، بَلْ وَقْتَ الحَدَثِ، وَهُوَ المَذْهَبُ عِنْدَنَا، حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ طاهرتان فامسح عليهما» (١)، واشتراطها وقت اللبس بالإجماع، كذا في المحيط (٢). (وهو)، أي اشتراط الطهارة وقت طروء الحدث مذهبنا، وبه قال داود (٣)، واختاره المزني (٤)، وعند الشافعي (٥)، ومالك (٦)، وأحمد (٧): يشترط وقت اللبس، لكن ما ذكره المصنف من نتيجة اختلاف المذهب بقوله: (حتى لو غسل) إلى آخره لم يصح نتيجة له، فإن عنده عدم جواز المسح باعتبار أن الترتيب شرط في الوضوء عنده، وإنما تظهر ثمرة الاختلاف فيما ذكر في المبسوط، وهو أن من توضأ وغسل إحدى رجليه ولبس الخف، ثم غسل أخرى ولبس الخف، ثم أحدث جاز له المسح عندنا خلافًا له (٨). وكذا في محدث لبس خفيه ثم خاض الماء فابتلت قدماه مع الكعبين وأكمل الوضوء جاز له المسح عندنا، ذكره في الْمُجْتَبى (٩).

стр. 313

خُفَّيْهِ ثُمَّ أَكْمَلَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ أَحْدَثَ يُجْزِئُهُ المَسْحُ، وَهَذَا لِأَنَّ الخُفَّ مَانِعٌ حُلُولَ الحَدَثِ بِالقَدَمِ، فَيُرَاعَى كَمَالُ الطَّهَارَةِ وَقْتَ المَنْعِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَاقِصَةٌ عِنْدَ ذَلِكَ كَانَ الخُفَّ رَافِعًا. للشافعي أنه ﵇ علق المسح عليهما بإدخالهما طاهرتين، وعلل في حديث المغيرة جواز المسح بطهارتهما عند اللبس؛ فإنه روي عن المغيرة أنه قال: سكبت الوضوء للنبي ﵇، فلما انتهيت إلى رجليه أهويت إلى نزع خفيه، فقال ﵇: «دَعْهُما فإنِّي أدخلتُهُما طاهِرَتين»، فلو نزعه ولبسه ثانيا جاز المسح عنده. قلنا: هذا استعمال بما لا يفيد، ينزع ثم يلبس بلا لزوم غسل، وهو ليس من الحكمة، كذا في المبسوط (١)، وفيه تأمل. وذكر شيخ الإسلام في حجة الشافعي أنه لبس الخف قبل تمام الطهارة فلا يجزيه قياسًا على ما لو أحدث فيما بين ذلك، وهذا لأن وقت اللبس حال انعقاد العلة؛ لأنه سبب منع سريان الحدث، ووقت الحدث حال ثبوت الحكم فيشترط الطهارة في الطرفين كما في ملك النصاب. وقلنا: الخف مانع حلول الحدث بالحدث المذكور؛ فإن المسح لو كان رافعا لا يفيد إدخالهما بالطهارة فيراعي كمالها وقت المنع. (حتى لو كانت ناقصة عند ذلك)، أي حلول الحدث بأن غسل رجليه، ولبس خفيه وأحدث، ثم توضأ لا يجوز المسح؛ لأنه لو جاز لكان المسح رافعًا حينئذ، وأما تعليله وتعليقه ﵇ جواز المسح بإدخالهما طاهرتين دليل أن الخف رافع، والمسح ليس برافع. وأما قوله: بأن وقت اللبس حال انعقاد العلة. قلنا: ليس كذلك لأنه لا يتصور في ذلك الوقت؛ لأن انعقاد سبب المنع بدون الحدث محال، فيكون وجود السبب وانعقاده عند وجود الحدث بخلاف النصاب؛ لأن السبب هناك المال، والمال موجود في أول الحول.

стр. 314

(وَيَجُوزُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فإن قيل: لو غسل رجليه ولبس خفيه ثم أحدث، ثم أتم الطهارة ينبغي أن يجوز المسح لوجود المانع في الرجلين عن حلول الحدث فيهما وهو الخف. قلنا: عرفت مانعيته بالنص على خلاف القياس عند طهارة جميع الأعضاء فيقتصر عليه، ولأن الوضوء لا يتجزأ حكمًا، فبعضه متوقف على كله شرعًا، وقاس الشافعي تلك الصورة على هذه وجوابه ما ذكرنا. وفي الْمُجْتَبى: تشترط النية في المسح على الخفين في بعض الروايات، بخلاف مسح الرأس ومسح الجبائر فإنها غير شرط فيهما باتفاق الروايات (١). وفي الإيضاح: لا تشترط النية كمسح الرأس. قوله: (ويجوز للمقيم)، إلى آخره، يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها عندنا، وبه قال أحمد (٢)، والشافعي في الجديد (٣)، وقال في القديم: هو غير مؤقت (٤)، وهو قول مالك في السفر (٥)، واختلف الرواة عن مالك في الحضر (٦)، فأشهرها عنه أنه يمسح في الحضر من غير توقيت، وفي رواية عنه: لا يمسح بحال، واحتج بحديث عمار بن ياسر قال: قلت: يا رسول الله، أأمسح على الخفين يوما؟ قال: «نعم»، فقلت: يومين؟ قال: «نعم»، حتى انتهيت إلى سبعة أيام فقال: إذا كنت في سفر فامسح ما بدا لك (٧)، ولأنه رخصة مبنية على اللبس فيبقى ما بقي اللبس كالرخصة المبنية على السفر، ووجه رواية عدم المسح في الحضر أن المسح رخصة مختصة

стр. 315

وَالسَّلَامُ: «يَمْسَحُ المُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةٌ، وَالمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا». بمحل الضرورة وأنه في السفر أظهر فاختصت الرخصة به. ولنا: الحديث المذكور في المتن رواية صفوان بن عسال المرادي فإنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال لي: «ما جاء بك؟» فقلت: طلب العلم، فقال ﵇: «إِنَّ المَلائِكَةَ لتضَعُ أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، فعن ماذا جئتَ تسأل؟» قال: فسألته عن المسح، فقال ﵇: «يمسح المقيم يوما» (١)، الحديث كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وفي الْمُجْتَبى: رواية علي وجماعة من الصحابة (٢). أخرجه مسلم والجماعة غير البخاري، والأحاديث في الباب كثيرة. ولأن جواز المسح إنما كان لضرورة لحوق الضرر بالنزع، وذلك لا يقع دائما فقدر بما يستدام في الغالب سفرًا، أو حضرًا، وهو المدة المذكورة؛ فإن المقيم يلبس الخف حين يصبح ويخرج فيشق عليه النزع قبل أن يعود إلى بيته ليلا. والمسافر يلحقه الحرج في النزع في كل مرحلة فقدر في حقه ثلاثة أيام ولياليها؛ لأنها أدنى مدة السفر، إذ لا نهاية لما فوقها. وتأويل ما رواه أن مراده ﵇ أن المسح مؤبد غير منسوخ، لا أن ينزع خفيه، أي ما شئت بعد تجديد الغسل، والأخبار المشهورة لا تترك بهذا الشاذ، كذا في المبسوط (٣). وقال أبو داود: وقد اختلف في إسناده، وليس بقوي، وقال أحمد بن حنبل: رجاله لا يعرفون، وقال الدارقطني: إسناده لا يثبت، وقال يحيى بن معين: إسناده مضطرب، وقال البخاري: حديث مجهول لا يصح، كذا في

стр. 316

قَالَ: (وَابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الحَدَثِ) لِأَنَّ الخُفَّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الحَدَثِ، فَتُعْتَبَرُ المُدَّةُ مِنْ وَقْتِ المَنْعِ. اللباب (١). قال النواوي: اتفقوا على أنه ضعيف مضطرب (٢). (وابتداؤها)، أي ابتداء مدة المسح. (عقيب الحدث)، أي الحدث بعد اللبس، وبه قال الشافعي (٣)، ومالك، وأحمد في الأصح (٤)، وقال أحمد في رواية، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود: ابتداؤها من حين يمسح على الخف؛ لأن التقدير لأجله فيعتبر من وقته، وعن الحسن البصري ابتداؤها من وقت اللبس (٥)؛ لأن جوازه بسببه فيعتبر من وقته. ويلزم على الحسن أنه إذا مضى يوم وليلة على المقيم ولم يحدث يجب أن ينزع الخف، وإلا يجزئه المسح بعد ذلك، وهو محال، وعلى من يعتبر من وقت المسح أنه إذا لبس خفيه وأحدث ولم يمسح، ثم أغمي عليه بعد ذلك اسبوعًا، أو شهرًا أنه لا ينزع خفيه ويمسح عليهما وهو محال أيضًا، كذا في مبسوطي شيخ الإسلام، وشمس الأئمة (٦). وقوله: (لأن الخف مانع)، دليل على ابتدائها عقيب الحدث؛ لأن وقت اللبس وقت غني عن المسح، ووقت الحدث وقت الحاجة إليه فاعتباره منه أولى، ولأن أثر صيرورة هذه المدة للرخصة إنما تظهر وقت الحدث، فأما قبله فلا أثر للخف إذ القدم طاهرة. وفي الْمُجْتَبى: والمقيم في مدة مسحه قد لا يتمكن إلا من أربع صلوات

стр. 317

(وَالْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا … ... وقتية بالمسح، كمن توضأ ولبس خفيه قبل الفجر، ثم طلع الفجر وصلاها وقعد قدر التشهد فأحدث لا يمكنه أن يصلي من الغد على هيئة الأولى لاعتراض ظهور الحدث في آخر صلاته، وقد يصلي خمسا، وقد يصلي ستا كمن أخر الظهر إلى آخر الوقت، ثم أحدث وتوضأ ومسح وصلى الظهر في آخر وقته، ثم صلى الظهر من الغد، وقد يصلي به على هذا الوجه سبعا على الاختلاف (١). قوله: (على ظاهرهما)، في هذا احتراز عن قول الشافعي (٢)، والزهري، ومالك (٣)، فإن السنة عندهم مسح أعلى الخف وأسفله، إلا أن يكون على أسفله نجاسة، لما روي أنه ﵇ مسح أعلى الخف وأسفله (٤)، ولكن لو اقتصر على مسح أعلاه يجوز عندهم، ولو اقتصر على مسح أسفله لم يجزئه على أظهر القولين من الشافعي؛ لأن الرخص يجب فيها الاتباع، ولم يؤثر الاقتصار عليه، بل المنقول كلاهما، ولأن الكل يحاذي محل الغسل ويجزئه في قول. وأما مسح العقب فمن أصحابه من قال: يمسحه، قولا واحدا ومنهم من قال فيه قولان، أصحهما أنه يمسحه، وفي الاقتصار على العقب قولان، الأظهر أنه يجوز؛ لأنه يواري محل الفرض. وعندنا وأحمد (٥)، والثوري، وداود (٦) لا مدخل لأسفل الخف في المسح.

стр. 318

خُطُوطًا ولا للعقب لحديث علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى به من ظاهره، ولكن رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظاهر خفيه دون باطنهما (١)، رواه أبو داود، وأحمد، والثوري وقال: حديث حسن صحيح، ولأن فيه بعض الحرج، والمسح مشروع لدفع الحرج، وما رواه شاذ لا يعارض حديث علي، مع أنه ضعفه أهل الحديث، قال البخاري، وأبو زرعة الرازي: ليس بصحيح، وقال الترمذي: معلول، فلهذا قيل بحمله على الاستحباب إن ثبت. وعن بعض مشايخنا يستحب الجمع بين ظاهر الخف وباطنه في المسح إذا لم تكن به نجاسة، وقال عطاء: مسح الخف ثلاث كالغسل، وعند الجمهور مرة لحديث المغيرة، وإنما تبقى الخطوط إذا لم يمسح إلا مرة، ولأن في كثرة إصابته البلة إفساد الخف وفيه حرج. وفي فتاوى قاضي خان: وكيفية المسح أن يضع أصابع يده اليمنى على مقدم خفه الأيمن، وأصابع يده اليسرى على مقدم خفه الأيسر، ويمدهما إلى الساق فوق الكعبين ويفرج بين أصابعه، ولو بدأ من أصل الساق ومد إلى الأصابع جاز (٢). وقوله: (خُطُوطًا) نصب على الحال، أي مُخَطَّطًا. وفي الْمُجْتَبى: إظهار الخطوط في المسح ليس بشرط في ظاهر الرواية، وقال الطحاوي: المسح على الخفين خطوط بالأصابع، والسنة أن يبتدئ من رؤوس الأصابع إلى الساق، وعن الحسن عن أبي حنيفة: أنه يمسح ما بين أطراف الأصابع إلى الساق، وفي الكتاب إشارة إليه حيث قال: من قبل الأصابع والغاية لا تدخل تحت المُغَيَّا، وعن محمد: يضع أصابع يديه على مقدم الرجل ويمدها، أو يضع كفيه مع الأصابع ويمدهما جملة، والأحسن أن يضع كفيه معها ويمدهما إلي ما فوق الكعبين كالغسل (٣).

стр. 319

بِالأَصَابِعِ، يَبْدَأُ مِنْ قِبَلِ الأَصَابِعِ إِلَى السَّاقِ) لِحَدِيثِ المُغِيرَةِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خُفَّيْهِ وَمَدَّهُمَا مِنْ الأَصَابِعِ إِلَى أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ المَسْحِ عَلَى خُفٌ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُطُوطًا بِالأَصَابِعِ»، ثُمَّ المَسْحُ عَلَى الظَّاهِرِ حَتْمٌ حَتَّى لَا يَجُوزَ عَلَى بَاطِنِ الخُفْ وَعَقِبِهِ وَسَاقِهِ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ ثم ما وراءه محمول على أعلاه مما يلي الساق، وأسفله مما يلي الأصابع جمعا بين الأخبار، ولأن مسح أسفله لا يقع فرضا بالاتفاق على الأظهر، والسنة لا تكون إلا بفعل يقع في محل الفرض إكمالا له. قوله: (وعلى الظاهر حتم)، فإن قيل: ينبغي أن يجوز المسح على الباطن والعقب لأنه خلف عن الغسل فيجوز في جميع محل الغسل كما في مسح الرأس؛ فإنه يجوز في جميع الرأس، وإن ثبت مسحه ﵇ في الناصية. قلنا: لا يجوز؛ لأن فعله ﵇ هاهنا ابتداء شرع، وهو غير معقول المعنى، فيعتبر جميع ما ورد به الشرع من رعاية الفعل والمحل، بخلاف مسحه عليها فإنه بيان ما ثبت بالكتاب لأنصب الشرع، فيجب العمل بقدر ما يحصل به البيان وهو المقدار؛ لأن المحل معلوم بالنص فلا حاجة إلى جعل فعله بيانا له. فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجب المسح إلى الساق رعاية لجميع ما ورد به الشرع وحيث لم يجب. قلنا: قد روي أنه ﵇ مسح على خفيه من غير ذكر مد إلى الساق كما روي المد فجعل المفروض أصل المسح، والمد سنة جمعا بين الأدلة. فإن قيل: يجب أن يحمل المطلق على المقيد هاهنا لورودهما في حكم واحد في محل واحد كما في كفارة اليمين. قلنا: لا يجب الحمل؛ لأن الروايتين لا يتساويان في الشهرة، بل المطلق هو المشهور لا المقيد، ولئن سلمنا أنهما متساويان لا يجب الحمل أيضا لإمكان الجمع؛ فإن مسحه ﵇ لم يقتصر على مرة واحدة فلا يكون الإطلاق والتقييد في حكم واحد، بل في متعدد في نفسه فلا يجب الحمل،

стр. 320

القِيَاسِ، فَيُرَاعَى فِيهِ جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَالبُدَاءَةُ مِنْ الأَصَابِعِ اسْتِحْبَابُ اعْتِبَارًا بِالأَصْلِ وَهُوَ الغَسْلُ. (وَفَرْضُ ذَلِكَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ) وَقَالَ الكَرْخِيُّ ﵀: مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُ اعْتِبَارًا لِآلَةِ المَسْحِ. فثبت بالروايتين أنه ﵇ مسح بالمد وبغير المد. ولو ثبت ذلك بالمشاهدة والتواتر لثبتت فرضية أصل المسح وسنية المد، فكذا هاهنا. فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجوز المسح على الباطن مع الظاهر لكونهما مرويين، والجمع ممكن، فثبتت فرضية مطلق المسح وسببه المسح عليهما كما قال الشافعي. قلنا: المروي أنه ﵇ مسح أعلى الخف وأسفله، فيحتمل أن يكون المراد من أعلاه أعلاه مما يلي الساق، ومن أسفله أسفله مما يلي الأصابع فيكون موافقًا لحديث المغيرة، والأصل الموافقة، فلا تثبت سنية مسح الباطن بالشك. ولقائل أن يقول: ينبغي أن يكون في صوم الكفارة مطلق الصوم واجبًا، والتتابع وعدمه سنة على ما ذكرتم. قوله: (مقدار ثلاثة أصابع)، وذلك أنه ﵇ رأى رجلا يغسل خفيه فقال: «أما يكفيك مسح ثلاثة أصابع من أصابع اليد» (١)، لأن المسح لما اقتضى الآلة وهي اليد، والثلاث أكثر الأصابع فأقيم مقام الأصابع تيسيرًا كما في الرأس، سواء مدها إلى الساق أو لم يمدها. وقال الكرخي: من أصابع الرجل؛ لأن المسح عليه وهو أكثر الممسوح فأعطي له الكل كما في الخرق، والأول أصح اعتبارًا لآلة المسح، إذ المسح فعل يضاف إلى الفاعل لا إلى المحل فتعتبر الآلة؛ لأن التقدير بالثلاث من مقتضى استعمال الآلة، وآلة المسح اليد.
следующие страницы →