← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

فِي يَوم واحد، وَلَنَا: أَنَّ المَقصُودَ التَّعَرُّفُ عَنْ فَرَاغِ الرَّحِمِ وَقَدْ حَصَلَ بِالوَاحِدَةِ فَتَتَدَاخَلَانِ، وَمَعْنَى العِبَادَةِ تَابِعٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَنقَضِي بِدُونِ عِلْمِهَا وَمَعَ تَركِهَا الكف. وثانيها: الاعتبار بالصوم. وثالثها: أن الواجب المقدر لا يكفي بعضها عن كله. بيانه امرأة وجبت عليها ستة أقراء، فكيف تتأدى بثلاث ويسقط عنها النصف. ورابعها: أن العدة فعل، قال تعالى. ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، ويقال: اعتدت تربصت، وقُدِّرَ هذا الفعل بمرة، فلم يتصور وجود فعلين مقصودين في مدة متحدة، كصومين في يوم واحد؛ لأن التربص واجب بالنص؛ لما ذكرنا أنه إخبار بمعنى الأمر، فكان فيه معنى العبادة، وهو اختيار [أهل] (١) ما وراء النهر. واختلفوا أيضًا بأثر عمر ﵁ قال: تستكمل العدة الأولى ويستقبل الثانية، ثم لا يجتمعان أبدًا. قوله: (المقصود التعرف عن فراغ الرحم) لا لقضاء حق النكاح (وقد حصل بالواحدة)؛ أي: بالعدة الواحدة، ولا يقال: ينبغي أن يكفي بالحيضة الواحدة، وعدة الموطوءة بالشبهة ونكاح الفاسد ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر؛ لأنا بينا الفاسد يلحق بالصحيح في اعتبار مدة العدة. وقوله: (ومعنى العبادة) جواب عن حرف الخصم (تابع) ألا ترى أنها تنقضي بلا علم، ومع تركها الكف عُلِمَ أن الكف والتربص ليسا بمقصودين، ولهذا يجب على من ليس أهل الوجوب كالصبية والمجنونة. وفي الكافي: وحاصل الاختلاف راجع إلى أن ركن العدة، الفعل أم ترك الفعل؟ مع أن المقصود يحصل بالطرفين، وهو صيانة الأنساب عن الاشتباه، فعنده الركن هو الفعل؛ وهو كفها نفسها عن الخروج والتزوج بآخر والبروز، فيكون عبادة كالكف عن قضاء الشهوتين في الصوم؛ لأنها أمرت بالتربص، وأداء العبادات في وقت واحد لا يتصور.

стр. 3397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعندنا: الركن ترك الفعل ومعنى العبادة تابع؛ لأنها أجل، قال تعالى ﴿وَأَجَلُهُنَّ﴾ (١) ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٤]، والآجال إذا اجتمعت تنقضي بمدة واحدة، كرجل يثبت عليه ديون مؤجلة لأناس فإنها تنقضي بمدة واحدة، وهذا لأن الأجل لتأخر ما كان يجب عليه عند مضي الأجل، وهاهنا حل النكاح والخروج والتزين، فالثابت تأخر كل هذه الأفعال، فكان الركن حرمة هذه الأفعال، والأفعال وإن كثرت يتصور اجتماعهما في العدم، وإنما المستحيل اجتماعهما في الوجود؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة ٢٣٥] نهى عن التزوج في العدة، والثابت بالنهي حرمة الفعل لا وجوب الفعل، بخلاف الصوم؛ لأن الواجب ثم الفعل؛ لأنه أمر بالصوم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والواجب بالأمر الفعل. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ بمعنى الأمر، يعني: يكففن، والكف هو الفعل. وقال تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق ٤] أمرنا بالاعتداد، والاعتداد فعل. قلنا: المراد بالتربص الانتظار لا الكف، يقال: فلان يتربص قدوم فلان، أي: ينتظر، والانتظار بسبب الأجل، ولا يضايق في الانتظار، كشهر واحد ينتظر فيه حلول ديون، وكيوم واحد ينتظر فيه قدوم أناس. وما في الثانية الأمر بالاعتداد، بل المذكور هو المدة، وهي مدة حرمة هذه الأفعال، والحرمات تجتمع في وقت واحد، فإن الصيد حرام بالإحرام في الحَرَم، والخمر حرام على الصائم لصومه ولكونه خمرًا، أو لحلفه بأن حلف لا يشربها. وأما تشبيههم بالدينين لا يصح؛ لأن الديون في المال دراهم ودنانير وعروض ومثليات لا يصح فيها التداخل، ولو كانت حقًا مقصودًا للزوج أو الزوجة لجاز إسقاطها.

стр. 3398

(وَالمُعتَدَّةُ عَنْ وَفَاةِ إِذَا وُطِئَت بِشُبهة تَعتَدُّ بِالشُّهُورِ، وَتَحْتَسِبُ بِمَا تَرَاهُ مِنْ الحَيضِ فِيهَا) تحقيقًا لِلتَّدَاخُلِ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ. (وَابْتِدَاءُ العِدَّةِ فِي الطَّلَاقِ عَقِيبَ الطَّلَاقِ، وَفِي الوَفَاةِ عَقِيبَ الوَفَاةِ، فَإِنْ لَم تَعلَم بِالطَّلَاقِ أَوْ الوَفَاةِ حَتَّى مَضَت مُدَّةُ العِدَّةِ فَقَد انقَضَت عِدَّتُهَا) لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ العِدَّةِ الطَّلَاقُ أَوْ الوَفَاةُ فَيُعتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقتِ وُجُودِ السَّبَبِ، وَمَشَايِخُنَا يُفْتُونَ فِي وأما الحدان فالتداخل فيهما ممنوع، وأما الإجارة فلعدم إمكان الانتفاع لكل واحد من المستأجرين في وقت واحد، ولو كان المستأجر واحدًا فقد قابلها أجر وعوض، فلم يتصور تداخلهما، بخلاف العدّتين؛ لإمكان تداخلهما عقلا وشرعا. وأما الجواب عن أثر عمر؛ فإنا نقول: بموجبه يستكمل الأولى ويستقبل الثانية، لا بعد استكمال الأولى، مع أن الشافعي وأحمد لا يقولان بأنهما لا يجتمعان أبدًا، ومن القبيح أن يأخذ ببعض كلامه ويتركا باقيه، مع أن الأثر غير حجة عند الشافعي. قوله: (بما تراه من الحيض فيها)؛ أي: في المشهور. في المبسوط: لو تزوجت في عدة الوفاة، فدخل بها الثاني ففرق بينهما؛ فعليها بقية عدتها من الأول، تمام أربعة أشهر وعشر، وعليها ثلاث حيض للآخر، ويحتسب بما حاضت، فعلم التفريق من عدة الوفاة أيضًا (١). ولو قال لامرأتيه: أحدكما طالق بائنا، ومات قبل البيان؛ تعتد كل واحدة عدة الوفاة والطلاق؛ لاحتمال ذلك في حق كل واحدة، فيجب احتياطًا، بخلاف ما لو قال لها: إن لم تدخلي هذه الدار اليوم فأنت طالق ثلاثًا، ثم مات بعد مضي المدة ولا يدري دخلت أم لا؛ فعليها عدة الوفاة لا غير. قوله: (فيعتبر ابتداؤها) أي: ابتداء العدة (من وقت وجود السبب) وعليه الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين. وعن علي: أنها تعتد من يوم يأتيها الخبر.

стр. 3399

الطَّلَاقِ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ وَقتِ الإِقْرَارِ نَفْيًا لِتُهمَةِ المُوَاضَعَةِ. (وَالعِدَّةُ فِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ عَقِيبَ التَّفْرِيقِ، أَوْ عَزمِ الوَاطِئِ عَلَى تَركِ وَطَئِهَا) وقال مكحول: إن قامت به البينة؛ تعتد من يوم الموت والطلاق، وإلا؛ فمن يوم يأتيها الخبر. وقال داود: طلاق الغائب لا يقع أصلا حتى يأتيها، وتعتد المتوفى عنها زوجها من حين موته. والقول بعدم وقوع طلاق الغائب قول يشبه بلا برهان ولا شبهة ولا قياس شبهة، مع أن القياس باطل عنده. قوله: (نفيًا لتهمة المواضعة) بأن يتواضعا على الطلاق وانقضاء العدة؛ ليصح إقرار المريض لها بالدين والوصية، أو يتواضعا على انقضائها؛ بأن يتزوج أختها أو أربعًا سواها. وفي الذخيرة: قال محمد في الأصل: تجب العدة من وقت الطلاق، واختيار مشايخ بلخ على أنها تجب من وقت الإقرار؛ عقوبة عليه وجزاءً على كتمانه الطلاق، ولكن لا تجب لها نفقة العدة والسكنى؛ لأن ذلك حقها، وقد أقرت هي بسقوطه. وينبغي على قول هؤلاء أن لا يحل له التزوج بأختها وأربع سواها ما لم تنقض العدة من وقت الإقرار. وعن السعدي: أن ما ذكر محمد في الأصل محمول على ما إذا كانا متفرقين من الوقت الذي استند الطلاق إليه، أما إذا كانا مجتمعين؛ فالكذب في كلامهما ظاهر، فلا يُصدقان. قال محمد: وعلى هذا إذا فارقها زمانا ثم قال لها: كنتُ طلقتك منذ كذا، وهي لا تعلم بذلك؛ تُصدَّق، وتعتبر عدتها من ذلك الوقت. قوله: (أو عزم الواطئ) بأن أخبرها أنه ترك وطئها، والإخبار أمر ظاهر؛ فيدار الحكم عليه، أما آخر الوطئات لا يعلم؛ لاحتمال (وجود غيره) (١) أي: غير الوطء الذي وجد.

стр. 3400

وَقَالَ زُفَرُ: مِنْ آخِرِ الوَطَاتِ، لِأَنَّ الوَطاءَ هُوَ السَّبَبُ المُوجِبُ. وَلَنَا: أَنَّ كُلَّ وَطء وُجِدَ فِي العَقدِ الفَاسِدِ يَجْرِي مَجْرَى الوَطَأَةِ الوَاحِدَةِ، لِاسْتِنَادِ الكُلِّ إِلَى حُكمِ عَقد وَاحِد، وَلِهَذَا يُكتَفَى فِي الكُلِّ بِمَهر وَاحِد، فَقِيلَ: المُتَارَكَةُ أَوْ العَزِمُ لَا تُثْبِتُ العِدَّةَ مَعَ جَوَازِ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ التَّمَكَّنَ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ أُقِيمَ مَقَامَ حَقِيقَةِ الوَطءِ لِخَفَائِهِ وفي الخلاصة والنصاب المتاركة في النكاح الفاسد بعد الدخول لا يكون إلا القول بقوله: (تركتُكِ)، أو ما يقوم مقامه بأن يقول: (تركتها وخليت سبيلها)، أما عدم المجيء فلا؛ لأن استدامة الصحبة معها لا يكون؛ إذ الغيبة لا تكون متاركه؛ لأنه [لو] (١) عاد إليها يعود، ولو أنكر نكاحها لا يكون متاركة؛ إذ الفاسد لا حكم له قبل الدخول، حتى لو تزوج امرأة نكاحا فاسدًا بأن مس أمها بشهوة ثم تركها؛ له أن يتزوج الأم. (وقال زفر: من آخر الوطات) وبه أخذ أبو القاسم الصفار. وثمرة الخلاف: تظهر فيما لو وطئها وحاضت حيضة، ثم عزم على ترك وطئها ولم يطأها؛ تحتسب تلك الحيضة من العدة. وعندنا: لا، وعدة الوفاة لا تجب في النكاح الفاسد. وفي الذخيرة: لو وطئها فيه تعتد بثلاث حيض. وعند الظاهرية: لا عدة في النكاح الفاسد كما لا طلاق فيه. وقلنا: وجبت العدة لحق الولد؛ لأنه ثابت للوطء بشبهة العقد، وهو قول عامة العلماء. قوله: (لِاسْتِنَادِ الْكُلِّ)؛ أي: كل الوطئات (إلى حكم عقد واحد) وهو شبهة النكاح، وتلك الشبهة إنما تقع بالمشاركة، كما في النكاح الصحيح يرتفع بالطلاق. (ولأن التمكن)؛ أي: تمكن الوطء (على وجه الشبهة أقيم مقام حقيقة الوطء لخفائه)؛ أي: لخفاء الوطء حقيقة؛ لعدم إمكان الوقوف لغيرها عليه، فأقيم الداعي إليه مقامه.

стр. 3401

وَمِسَاسِ الحَاجَةِ إِلَى مَعرِفَةِ الحُكمِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. (وَإِذَا قَالَتْ المُعتَدَّةُ: انقَضَت عِدَّتِي، وَكَذَّبَهَا الزَّوجُ، كَانَ القَولُ قَولَهَا مَعَ اليَمِينِ) لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي ذَلِكَ وَقَدْ أَتَّهِمَت بِالكَذِبِ فَتَحْلِفُ كَالمُودَعِ. (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا وَطَلَّقَهَا قَبلَ الدُّخُولِ بِهَا فَعَلَيْهِ مَهْرٌ كَامِلٌ وَعَلَيْهَا عِدَّةٌ مُستَقبَلَةٌ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ نِصفُ المَهرِ، وَعَلَيها إتمَامُ العِدَّةِ الأُولَى) (*) لِأَنَّ هَذَا طَلَاقُ قَبْلَ فإن قيل: الحاجة إلى معرفة العدة في حقها، وهما عالمان به. قلنا: اعتبار العدة كما يكون في حقها يكون في حق غيرها كأختها. قوله: (في حق غيره)؛ أي: غير الوطء، وهو الزوج الثاني. قوله: (كالمودع) إذا ادعى الرد أو الهلاك وأنكر المودع. قوله: (طلاقا بائنا) وكذا لو وقعت الفرقة بينهما بغير طلاق ثم تزوجها في العدة، وهذه من المسائل المعروفة ذكرتها في التتمة والذخيرة، وكلها مبني على أصل واحد؛ وهو أن الدخول في النكاح الأول، هل يكون دخولا في النكاح الثاني أم لا؟ فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يكون، وهو رواية عن أحمد. وعند محمد: لا يكون، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد. وصورة الفرقة بغير طلاق مثلا: تزوجت بغير كفؤ، ففرق القاضي بطلب الولي، وألزمها المهر وألزمها العدة، ثم تزوجها هذا الرجل في العدة، وفرق القاضي بينهما قبل أن يدخل بها؛ عليه المهر الثاني كاملا وعدة مستقبلة عندهما استحسانًا. وعند محمد: لها نصف المهر الثاني وعليها إتمام العدة الأولى؛ لأن هذا طلاق قبل المسيس، فلا يوجب كمال المهر إلا العدة بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب ٤٩] الآية. قوله: (وَإِكْمَالُ العِدَّةِ الْأُولَى) (١) جواب سؤال يرد على قوله؛ لأنه لما كان هذا طلاقا قبل الدخول، ينبغي [أن لا تجب] (٢) العدة أصلا ولا الإكمال كما

стр. 3402

المَسِيسِ فَلَا يُوجِبُ كَمَالَ المَهرِ وَلَا استئناف العِدَّةِ، وَإِكْمَالُ العِدَّةِ الأُولَى إِنَّمَا يَجِبُ بِالطَّلَاقِ الأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُ لَم يَظْهَر حَالَ التَّزَوُّحِ الثَّانِي، فَإِذَا ارْتَفَعَ بِالطَّلَاقِ الثَّانِي ظَهَرَ حُكمُهُ، كَمَا لَو اشتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا. وَلَهُمَا: أَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ فِي يَدِهِ حَقِيقَة بِالوَطْأَةِ الأُولَى وَبَقِيَ أَثَرُهُ وَهُوَ العِدَّةُ، فَإِذَا جَدَّدَ النِّكَاحَ وَهِيَ مَقْبُوضَةٌ نَابَ ذَلِكَ القَبْضُ عَنْ القَبضِ المُستَحَقِّ فِي هَذَا النِّكَاحِ، كَالغَاصِبِ يَشْتَرِي المَعْصُوبَ الَّذِي فِي يَدِهِ يَصِيرُ قَائِضًا بِمُجَرَّدِ العَقدِ، فَوَضَحَ بِهَذَا أَنَّهُ طَلَاقُ بَعدَ الدُّخُولِ. قال زفر، فقال: كذلك إلا أنه لما طلقها بائنا؛ صار كأن النكاح الثاني لم يوجد، فيجب عليها إكمال العدة الأولى كأن لو لم يتزوجها. (فإذا ارتفع)؛ أي: التزويج الثاني (ظهر حكمه)؛ أي: حكم الطلاق الأول، وكان هو بعد الدخول فيجب عدته. (كما لو اشترى أم ولده؛ أي: منكوحته التي ولدت منه (ثم أعتقها) تجب عليها ثلاث حيض حيضتان من النكاح تجتنب فيها ما تجتنب المنكوحة من الخروج والبروز والتزين، وحيضة من العتق لا تجتنب فيها؛ لأنه لما اشتراها فسد النكاح ووجبت العدة، وإنما يظهر حكم العدة في حقه لمانع وهو ملك اليمين، فإذا زال المانع؛ ظهر حكم العدة في حقه أيضًا، فوجب حيضان لفساد النكاح، وهما معتبران من الإعتاق أيضًا، ويلزمها الإحداد. والثالث يجب من العتق خاصة، فلا يلزمها الإحداد. كذا في الإيضاح. (ولهما: أنها مقبوضة حقيقة بالوطئة الأولى)؛ إذ الوطء في هذا الباب بمنزلة القبض وقد بقى أثره)؛ أي: أثر القبض بالوطء الأول؛ لاشتغال رحمها بمائه بالوطء السابق ولبقاء القبض حُكم تجدده، كالغاصب إذا اشترى المغصوب من المالك يصير قابضًا بمجرد العقد، فتبين أنه طلاق بعد الدخول، فيجب كمال المهر والعدة المستقبلة. قيل: هذا قياس سُنَّة، أو الواو للحال في قوله: (وقد بقي أثره)؛ أي: والحال أن أثر القبض بالوطء الأول باق وهو العدة.

стр. 3403

وَقَالَ زُفَرُ: لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا أَصلا؛ لِأَنَّ الأُولَى قَدْ سَقَطَتْ بِالتَّزَوُّجِ فَلَا تَعُودُ، وَالثَّانِيَةُ لَم تَجِب وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا. (لأن الأولى)؛ أي: العدة الأولى (سقطت بالتزوج فلا تعود)؛ إذ [الساقط] (١) لا يعود. (والثانية)؛ أي: العدة الثانية (لم تجب) بالنص؛ لوقوع الطلاق قبل الدخول. (وجوابه ما قلنا) إشارة إلى قوله: (وإكمال العدة الأولى) وإلى قوله: (ولهما: أنه مقبوضة في يده) إلى آخره. وقول زفر ضعيف؛ لأن إسقاطها بالكلية يقتضي اختلاط المياه واشتباه الأنساب؛ لأنها إذا طلقها بائنا بعد الدخول، ثم تزوجها آخر قبل أن تحيض؛ فلا يعلم فراغ الرحم. وجواز التزوج للزوج الأول في عدتها قول الأئمة الأربعة، والجمهور من الصحابة والتابعين، وشد بعض المتأخرين فقال: لا يحل له التزوج في عدتها؛ لأنها معتدة والعدة عبادة، فلا يجوز إبطالها. قلنا: وجوبها لصيانة لمائه، ولا يصان ماؤه عن مائه. قيل: عشر مسائل تبنى على هذا الأصل؛ وهو أن الدخول في النكاح الأول، هل يكون دخولا في النكاح؟ عندهما خلافا لمحمد. أحدها: أنه دخل بها في الصحة وطلقها فيها بائنا، ثم تزوجها في المرض في عدتها، وطلقها بائنا قبل الدخول، هل يكون فارا، أم يعيدها في العدة ولها المهر كاملا وعليها عدة مستقبلة؟ وكذا لو كان الطلاق الأول في المرض، والطلاق بالصريح يكون رجعيًا، وتثبت له الرجعة عندهما، وعند محمد بائن، ولا رجعة ولا ترث. وثانيها: تزوجت بغير كفوء ودخل بها، ففرق القاضي بينهما قبل الدخول، فكان عليه المهر كاملا وعدة مستقبلة. وعند محمد: نصف المهر وتمام العدة الأولى.

стр. 3404

(وَإِذَا طَلَّقَ الذِّمِّيُّ الذِّمِّيَّةَ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَكَذَا إِذَا خَرَجَتْ الحَربِيَّةُ إِلَيْنَا مُسْلِمَة، وثالثها: تزوجها نكاحًا صحيحًا ودخل بها، ثم طلقها بائنا، ثم تزوجها في العدة، على الخلاف. ورابعها: تزوج صغيرة ودخل بها، فاختارت نفسها بالبلوغ، ثم تزوجها في عدتها ثم طلقها قبل الدخول، فهي خلافية. وخامسها: تزوج صغيرة ودخل بها، ثم طلقها بائنا، ثم تزوجها في العدة، ثم بلغت واختارت نفسها قبل الدخول، فعلى الخلاف. وسادسها: تزوج بها ودخل بها، ثم ارتدت ثم أسلمت، فتزوجها في العدة ثم ارتدت قبل الدخول، فعلى الخلاف. وسابعها: تزوجها ودخل بها، ثم طلقها بائنا ثم تزوجها، ثم ارتدت قبل الدخول، فعلى الخلاف. وثامنها: تزوج أمة ودخل بها، ثم عتقت فاختارت نفسها، ثم تزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول، فعلى الخلاف. وتاسعها: تزوج أمة ودخل [بها] (١)، ثم طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة، ثم عتقت فاختارت نفسها قبل الدخول، فعلى الخلاف. وفي الذخيرة: فأكثر هذه المسائل في باب الكفاءة، من نكاح مبسوط شمس الأئمة. قوله: (وكذا إذا خرجت الحربية إلينا مسلمة) والإسلام ليس بشرط في عدم وجوب العدة؛ بل الشرط هو الخروج على سبيل المراغمة؛ أي: المغاضبة، وعلى نية أن لا تعود إلى دار الحرب أبدًا. يقال: راغم فلان قومه؛ إذا نابذهم وخرج عنهم. ذكره التمرتاشي. ولو كان الخارج هو الرجل؛ فله أن يتزوج أربعًا سواها وفيهن أختها. وفي الذخيرة: إن كانت الذمية حاملا؛ يمنع من التزوج إذا كان كذلك في دينهم على قول أبي حنيفة. هكذا وقع في بعض النسخ. وفي بعضها: يمنع من

стр. 3405

فَإِنْ تَزَوَّجَت جَازَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلا، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَيْهَا وَعَلَى الذُّمِّيَّةِ العِدَّةُ) أَمَّا الذُّمِّيَّةُ فَالِاخْتِلَافُ فِيهَا نَظِيرُ الاخْتِلَافِ فِي نِكَاحِهِم مَحَارِمَهُم، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَقَولُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إِذَا كَانَ مُعتَقَدُهُم أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا المُهَاجِرَةُ فَوَجهُ قَولِهِمَا: أَنَّ الفُرقَةَ لَو وَقَعَت بِسَبَبٍ آخَرَ وَجَبَت العِدَّةُ فَكَذَا بِسَبَبِ التَّبَايُنِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا هَاجَرَ الرَّجُلُ وَتَرَكَهَا لِعَدَمِ التَّبْلِيغِ. وَلَهُ قَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَلِأَنَّ العِدَّةَ حَيثُ وَجَبَت كَانَ التزوج على قوله، ولم يذكر الزيادة. قوله: (وقد بيناه في كتاب النكاح) قيل الذي بينه فيه: أن الذمية إذا تزوجت بغير شهود، أو في عدة كافر آخر، وذا في دينهم جائز ثم أسلما، أما التزوج بنكاح المحارم فحرام، فيفرق بينهما إذا أسلما بالإجماع. (وقول أبي حنيفة فيما إذا كان في معتقدهم أنه لا عدة عليها) أجيب: في صحة نكاحهم اختلاف المشايخ على قول. قوله: (وقعت الفرقة بسبب آخر) كالطلاق. (هاجر وتركها)؛ أي: جاء الزوج إلى دار الإسلام وتركها في دار الحرب؛ لا يجب عليها بالاتفاق؛ لعدم تبليغ خطاب العدة عليها. (وله)؛ أي: لأبي حنيفة (قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]) الآية؛ فقد أباح نكاح المهاجرة مطلقا، فتقيده بما بعد انقضاء العدة زيادة على النص. ولأن العدة حيث وجبت؛ يعني: هذه فرقة وقعت بالتباين، فلا يجب فيها العدة، كما لو سبيت المنكوحة؛ لأن العدة حيث وجبت كان فيها حق بني آدم، والحربي ملحق بالبهائم، حتى يُباع في الأسواق كالبهائم، بل بالجماد ملحق لعدم سمعه وبصره، أما إذا كانت حاملا فلا يصح النكاح؛ لأنه حمل ثابت النسب بنكاح الكفار، قال ﵇: «ولدتُ من نكاح لا من سفاح» (١) فمنع

стр. 3406

فِيهَا حَقُّ بَنِي آدَمَ، وَالحَربِيُّ مُلحَقٌ بِالجَمَادِ حَتَّى كَانَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، لِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهَا وَلَا يَطَؤُهَا كَالحُبلَى مِنْ الزِّنَا، وَالأَوَّلُ أَصَحٌ. النكاح، كحمل أم الولد حيث لا يجوز أن يتزوجها مولاها إذا كانت حاملًا. ذكره في الفوائد الظهيرية. (وعن أبي حنيفة): روى الحسن وأبو يوسف عنه: أنه يصح نكاحها، ولا يطأها كحبلى من الزنا، وهو اختيار الكرخي؛ إذ لا حرمة لماء الحربي كماء الزاني. (والأول) وهو عدم صح نكاحها (أصح)؛ لأن الحمل من الزنا لا نسب له، وهاهنا النسب ثابت من الحربي كما ذكرنا، وباعتبار المحل مشغول بحق الغير، فلا يصح ما لم يفرغ المحل عن حق الغير. كذا في المبسوط (١). وفي الإسبيجابي: والأصح ظاهر الرواية. ثم لم يذكر في هذا الباب وجوب العدة على الصغيرة والكتابية. وفي الذخيرة: طلق الصغيرة بعد الدخول؛ تعتد بثلاثة أشهر. وعن الفضلي: إذا كانت مراهقة فعدتها لا تنقضي بالأشهر؛ بل يوقف حالها إلى أن يظهر أنها حبلت بذلك الوطء أم لا؟ فإن ظهر؛ كانت عدتها وضع الحمل وإلا بالأشهر، ولو حاضت في الأشهر تستأنف العدة. واختلف مشايخنا في إطلاق إيجاب العدة عليها؛ أكثر المشايخ لا يطلقون لفظ الوجوب؛ لأنها غير مخاطبة، لكن ينبغي أن يقال: تعتد. وكذا تجب العدة على الكتابية إذا كانت تحت مسلم كالمسلمة، ولو كانت [تحت] (٢) ذمي؛ فلا عدة عليها في موت ولا فراق في قول أبي حنيفة. وعندهما عليها العدة؛ لأن في العدة حق الزوج وإن كان فيها حق الشرع والكتابية مخاطبة بحقوق العباد.

стр. 3407

فَصْلٌ: [مَا يَجِبُ عَلَى المُعْتَدَّاتِ مِنَ الفِعْلِ وَالتَّرْكِ] قَالَ: (وَعَلَى المَبْتُوتَةِ وَالمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوجُهَا إِذَا كَانَتْ بَالِغَةٌ مُسلِمَةٌ الحِدَادُ) أَمَّا وله: لا يجب؛ لأن إيجابها لِحَقِّ ﴿الشرع﴾ (١) أو لِحَقِّ الزوج. ولا وجه للأول ولا للثاني؛ لأنه لا يعتقد ذلك، بخلاف ما إذا كان الزوج مسلما؛ لأنه يعتقد ذلك. واختلف العلماء في عدة المستحاضة: فعندنا: هي وغيرها سواء؛ لأنها إن كانت صاحب العادة؛ ردت إلى أيام عادتها، والمبتدأة والناسية لعادتها [تعتد] (٢) بثلاثة أشهر. وعند الشافعي وأحمد: ثلاثة أشهر إذا لم يوجد تمييز. وقال مالك: سَنَةٌ في الطلاق كالمُرْتابة، وتسعة أشهر استبراء، وثلاثة أشهر عدة، حرة كانت أمة أو كتابية. فصل لما ذكر وجوب العدة وكيفيتها، وعلى من يجب؛ ذكر في هذا الفصل ما يجب على المعتدات وما لا يجب. ولفظ المبتوتة يقع على المُطلّقة بائنا أو ثلاثا، وعلى المختلعة. وفي المغرب: حداد المرأة ترك زينتها وخضابها بعد موت زوجها (٣). وأصل الحد: المنع، وأنها مُنِعَتْ أو مَنعَتْ نفسها، يقال: أحدَّتْ إحدادًا فهي مُحِدٌ، وَحَدَّت تَحِدُّ حِدادًا من حَدَّ نَصَرَ، والحداد أيضًا: ثياب المآثم السود. قال ابن شداد في أحكامه: أَحَدَّ وحَدَّ لغتان، وهو من الحد. قوله: (المتوفى عنها زوجها) يجب عليها الحداد في قول العلماء، سواء كانت حاملا أو غيرها، ولكن لا تزيد على أربعة أشهر وعشرا، إلا عند الشعبي

стр. 3408

المُتَوَفَّى عَنهَا زَوجُهَا فَلِقَولِهِ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَة تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّت فَوقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا عَلَى زَوجِهَا أَربَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» وَأَمَّا المَبْتُوتَةُ فَمَذْهَبُنَا والحسن بن أبي الحسن البصري، والحَكَمُ بن عُيَيْنَة، حيث قالوا: لا يجب ويحل؛ لقوله ﵇: «لا يحل لامرأة … » الحديث، والاستثناء تكلم بالحاصل بعد الثنيا، فيكون للإثبات بعد النفي، فمقتضاه الحل دون الإيجاب. وعند أصحاب الظاهر: الحداد فرض عليها. ذكره ابن حزم في المحلى بالنص، وهذا الحديث مذكور في الصحاح، وشرح الآثار والمبسوط [متفق] (١) على صحته. قيل: تقدير الحديث: لا تَحِلُّ المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا المتوفى عنها زوجها؛ فإنها تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرا، فكان حينئذ إخبارًا بإحداد المتوفى عنها زوجها، ولفظ الحديث في شرح الآثار، ومبسوط فخر الإسلام. (إلا على زوجها) فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا. وجه التمسك: أنه ﵇ أخبر عن إحدادها، والخبر أكد من الأمر في اقتضاء الوجوب، فإن مقتضاه إحلال الإحداد كما ذكره الشعبي وابن عيينة؛ لأنه استثناء من التحريم والاستثناء من التحريم إحلال، ولا كلام فيه، إنما الكلام في إيجابه، والحديث لا يدل عليه. وأجيب أن قوله: (لا يحلُّ) نفي لإحلال الإحداد، ونفي إحلال الإحداد نفي الإحداد، فيكون الاستثناء إثبات للإحداد، فصار التقدير: لا تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها فإنها تحد، فيكون إخبارًا، فيكون واجبًا لما مر. فإن قيل: الإحداد التأسف على فوت نعمة النكاح، وقد قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد ٢٣] الآية فكان الحديث معارضًا للكتاب. قلنا: المراد بما في الآية أسى خاص وفرح خاص، وهو الأسى والفرح مع

стр. 3409

قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حِدَادَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ وَجَبَ إظهَارُ التَّأَسُّفِ عَلَى فَوتِ زَوجِ وَفَّى بعَهْدِها إِلَى مَمَاتِهِ، وَقَدْ أَوحَشَهَا بِالإِبَانَةِ فَلَا تَأسَف بِفَوتِهِ. وَلَنَا: مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى المُعتَدَّةَ أَنْ تَحْتَضِبَ بِالحِنَّاءِ». وَقَالَ: «الحِنَّاءُ طِيبُ» وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إظهارًا لِلتَّأَسُّفِ عَلَى فَوتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِصَونِهَا وَكِفَايَةِ مُؤَنِهَا، وَالإِبَانَةُ أَقْطَعُ لَهَا مِنْ المَوتِ، حَتَّى كَانَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ مَيْتًا قَبلَ الإِبَانَةِ لَا بَعدَهَا (وَالحِدَادُ) وَيُقَالُ: الإِحدَادُ، وَهُمَا لُغَتَانِ (أَنْ تَترُكَ الطَّيبَ وَالزِّينَةَ وَالكُحِلَ وَالدُّهَنَ الصياح. هكذا روى عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعًا إلى النبي ﷺ . وقال الشافعي: لا حداد على المبتوتة بالثلاث والخلع، وبه قال مالك وأحمد في رواية. وفي المنهاج: يستحب. وفي قول: يجب. وقال في القديم وأحمد في رواية: يجب، كقولنا. قوله: (ولنا: ما رُوِيَ أَنَّ النبي ﷺ ) روت أم سلمة «أنه ﵇ (نهى المعتدَّةَ أن تختضب بالحنَّاءِ، والحِنَّاءَ طِيبٌ)» (١). ذكره في المبسوط (٢) وغيره. ورواه النسائي من غير فصل. ولأنها معتدة عن نكاح صحيح، فكانت كالمتوفى عنها زوجها، والحداد إظهار التأسف على فوت نعمة النكاح، وذلك موجود في المبتوتة كما في المتوفى عنها زوجها. كذا في المبسوط (٣). فإن قيل: المبتوتة تتناول المختلعة، فكيف تتأسف المختلعة وقد أفدت نفسها بالمال لطلب الخلاص منه، وكذا المبانة كيف تتأسف وقد جفاها بالإبانة وآثر عليها غيرها، بل تظهر السرور بالتخلص عن مثل هذا الزوج كما قال الخصم. قلنا: وجوب الحداد دائر بفوت النكاح الصحيح بالسنة، لا لاعتبار وفاء الزوج وجفائه، ألا [ترى] (٤) أن الزوج إن وفى لها إلى الموت لا يربوا درجة على الأبوين، ولم يشرع الحداد بموتهما بالإجماع، فعلم أن الحداد دائر بفوت

стр. 3410

المُطَيَّبَ وَغَيْرَ المُطَيَّبِ إِلَّا مِنْ عُذر، وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِلَّا مِنْ وَجَع) وَالمَعنى فِيهِ وَجِهَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرنَاهُ مِنْ إِظْهَارِ التَّأَسُّفِ. وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ دَوَاعِي الرَّعْبَةِ فِيهَا، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنِ النِّكَاحِ فَتَجْتَنِبُهَا كَي لَا تَصِيرَ ذَرِيعَة إِلَى الوُقُوعِ فِي المُحَرَّمِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَم يَأْذَن لِلمُعتَدَّةِ فِي الاسْتِحَالِ. وَالدُّهنُ لَا يَعرَى عَنْ نَوعِ طِيب وَفِيهِ زِينَةُ الشَّعْرِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ المُحرِمُ عَنهُ، قَالَ: إِلَّا مِنْ عُذر لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَة، وَالمُرَادُ الدَّوَاءُ، لَا الزِّينَةُ. وَلَو اعتادت الدُّهَنَ فَخَافَت وَجَعًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا ظَاهِرًا يُبَاحُ لَهَا، لِأَنَّ الغَالِبَ كَالوَاقِعِ، وَكَذَا لُبسُ الحَرِيرِ إِذَا احتاجَتْ إِلَيْهِ لِعُذر نعمة النكاح لا بالوفاء، وفي هذا لا فرق بين المختلعة والمبتوتة. فإن قيل: لو كان كذلك ينبغي أن يجب على الأزواج كما وجب على الزوجات؛ لما أن نعمة النكاح مشتركة بينهما. قلنا: النكاح أصلح في حق الزوجات؛ لما فيه من صيانتهن ودرور النفقة عليهن لعجزهن عن التكسب. قال شيخ الإسلام: الحداد ما وجب إلا تبعًا للعدّة بالنص، ولا عدة على الزوجات. قال الإمام الزرنكري: الحداد لا يجب على خمس نسوة: المطلقة رجعيا؛ لعدم انقطاع النكاح بإجماع الأئمة الأربعة، ويستحب الإحداد فيها بالإجماع. والمعتدة على نكاح فاسد؛ لعدم النعمة والكتابية والصبية؛ لأنهما غير مخاطبين. وأم الولد إذا أعتقت؛ لأن زوال الرق نعمة، فلا يليق فيه إظهار التأسف. كذا في الفوائد الظهيرية، ويجيء أيضًا. قوله: (والمعنى فيه؛ أي: في إيجاب ترك الطيب والزينة. لم يأذن للمعدة في الاكتحال)؛ لأنه إن كان مطيبًا فظاهر، وإن لم يكن فلا يخلو عن نوع زينة. (والمراد الدواء لا الزينة) ولكن لا تقصد به الزينة. قوله: (لعذر) وهو الحكة أو المرض أو القمل.

стр. 3411

لَا بَأْسَ بِهِ. وقال مالك: يباح لها الحرير الأسود، وكذا الحلي حرام إلا لضرورة؛ لحديث أم سلمة. يباح لها الكحل عند الأئمة الأربعة وعامة العلماء. وقالت الظاهرية: فرض عليها الاجتناب عن الكحل لضرورة وغيرها؛ لما روى أن امرأة سألت رسول الله ﷺ وقالت: إن ابنتي توفى عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفَنَكْحُلُها، فقال ﵇: «لا» مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: «إنما هي أربعة أشهر وعشر» (١) رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، فمنعها النبي ﵇ مع ذكر الضرورة والحاجة، وأكد المنع مرتين أو ثلاثة. وللجمهور: حديث أم حكيم بنت أسيد عن أمها، أن زوجها توفي، وكانت تشتكي عينها، فتكحل بكحل الجلاء، فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فسألتها من كحل الجلاء، فقالت: لا تكتحلي منه إلا من أمر لا بد منه يشتد عليك [فتكتحلي] (٢) بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت: عند ذلك دخل علي رسول الله ﷺ حين توفى أبو سلمة، وقد جعلت عليَّ صبرًا، فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟»، فقلت: إنما هي صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، قال: «إنه يَشُبُّ بالليل فلا تجعلينه إلا بالليل وتنزعينَ بالنَّهارِ، ولا تمتشطين بالطيب ولا بالحِنَّاءِ فإنَّه خضاب»، قال: قلت: فبأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالسدر تغسلين به رأسكِ» (٣) رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد. لكن أمها مجهولة، وحديثهم صحيح لا يمكن أن يعارض بهذا الحديث؛ لكن معناه صحيح يشهد له الكتاب والسنة، وعليه أهل الحل والعقد، وهم أخبر بمعاني الأحاديث من الظاهرية، فكفى بهم قدوة. وفي المحيط: اكتحَلَتْ أو ادَّهَنَتْ لدفع أذى يجوز، وللزينة لا يجوز،

стр. 3412

(وَلَا تَخْتَضِب بِالحِنَّاءِ لَمَا رَوَينَا وَلَا تَلْبَسُ ثَوبًا مَصْبُوعًا بِعُصِفُرٍ وَلَا بَزَعْفَرَان) لِأَنَّهُ يَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الطَّيبِ. وتمتشط بالأسنان الواسعة لا بالأسنان الضيقة. ذكره في المبسوط أيضًا. وقال الشافعي ومالك وأحمد: يجوز الامتشاط مطلقًا، وقد ورد في الحديث. وقلنا: الامتشاط بالضيقة للزينة، والحديث إن ثبت فمحمول عليها. وعندهم: لها أن تدخل الحمام وتغسل رأسها بالخطمي والسدر. وأجمعوا على منع الأدهان الطيبة، واختلفوا في غير الطيبة كالزيت والبخت والشيرج البخت والسمن؛ فعند أصحابنا والشافعي حرام لغير الضرورة. وعند مالك وأحمد والظاهرية: تدهن بالزيت والشيرج الغير المطيب. قوله: (لأنه يفوح منه رائحة الطيب) وفي الكافي: إلا إذا لم يكن لها ثوب إلا المصبوغ، فحينئذ لا بأس به؛ لضرورة ستر العورة، ولكن لا بقصد الزينة. وفي حديث أم سلمة: «لا تلبس المعصفر والممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل» رواه أحمد وأبو داود (١). والممشق: المَغْرَةُ. ولا تلبس العصب عندنا والشافعي رقيقه وغليظه. وقال مالك: يحرم رقيقه دون غليظه. واختلفوا الحنابلة فيه وفي تفسيره، وأباحه الظاهرية. وفي الصحاح: العَصْبُ: ثياب من شاة يعمل في اليمن (٢). وفي المغني: الصحيح: أن العصب نبت تصبغ به الثياب (٣). وفي الروضة: العصب والورس نبت ينبتان في اليمن. قال الإمام الحلواني: المراد بالثياب المذكورة الجديد منها، أما الخَلِقُ منها لا يقع به الزينة، فلا بأس به.

стр. 3413

قَالَ: (وَلَا حِدَادَ عَلَى كَافِرَة) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَة بِحُقُوقِ الشَّرِعِ (وَلَا عَلَى صَغِيرَة) لِأَنَّ الخِطَابَ مَوضُوعٌ عَنهَا ويباح لها لبس الأسود عند الأئمة الأربعة؛ إذ لا يقصد به الزينة؛ بل أبلغ في الحداد. وقالت الظاهرية: يجتنب عن لبس السواد، كما في المصبوغ بالحمرة والخضرة، ولا تحضر المعتدة عمل الطيب، ولا تتبَخَّرُ به ولا تبيعه وإن لم يكن لها كسب إلا فيه، وإن لم يوافق عليه. قال محمد في النوادر: لا يحل الإحداد لمن مات أبوها أو ابنها أو أمها أو أخوها، وإنما هو في الزوج خاصة. قيل: أراد بذلك فيما زاد على الثلاث؛ إذ في الحديث إباحة الإحداد للمسلمات على غير أزواجهن ثلاثة أيام، ولم يحك خلافًا. وفي المنهاج: لها الإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام، وتحرم الزيادة. قوله: (ولا حداد على كافرة) إلى آخره. اعلم أن عندنا لا يجب الإحداد على الصغيرة، ولا على مجنونة، ولا على كافرة، مع وجود العدة عليهن. وقال الشافعي ومالك والظاهرية: يجب عليها الإحداد؛ لأنه يجب لموت الزوج، فيعم النساء كالعدة. وقلنا: الحداد من حقوق الشرع، ولهذا شرط الإيمان لوجوبه؛ قال ﵇: «لا يَحِلُّ لامرأة تؤمن بالله» (١) الحديث، والإيمان إنما يشترط لحق الله تعالى، والخطاب موضوع عنهن لا يلزم العدّة؛ لأنها مجرد مضي أجل لتعرف براءة الرحم، فثبوتها لا يؤدي إلى توجه خطاب الشرع، بخلاف الحداد؛ فإنها تخاطب به شرعًا، ولهذا لو أمرها الزوج بترك الحداد لا يحل لها تركه. وكذا لو اكتحلن أو لبسن المزعفر أو اختضبت في هذه الحالة لا تأثمن لعدم التكليف.

стр. 3414

(وَعَلَى الأَمَةِ الإِحدَادُ) لِأَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا لَيْسَ فِيهِ إِبْطَالُ حَقِّ المَولى، بِخِلَافِ المَنعِ مِنْ الخُرُوجِ، لِأَنَّ فِيهِ إِبطَالَ حَقِّهِ وَحَقُّ العَبدِ مُقَدَّمُ لِحَاجَتِهِ. قوله: (وَعَلَى الْأَمَةِ الْإِحْدَادُ)؛ يعني: إذا كانت منكوحة في الوفاة والطلاق البائن، وكذا على المدبرة وأم الولد والمستسعاة؛ لفوات نعمة النكاح. وبه قال الشافعي ومالك وأحمد. وفي المغني: والحرة والأمة في ذلك سواء إذا كانت زوجة، ولم يذكر فيه خلافا (١). فإن قيل: لو وجب الحداد لفوات نعمة النكاح؛ لوجب بعد شراء منكوحته؛ لزوال النكاح بالشراء. قلنا: لم تفت نعمة الحل ببقاء ملك اليمين. قيل في ذلك الجواب: الحل بملك اليمين دون الحل بالنكاح؛ لأنه كان سببًا لثبوت النسب بلا دعوة دون الحل بملك اليمين، فلا ينوب الأدنى عن الأعلى. أجيب عنه: أن الحداد يجب بعد الشراء كالعدة، لكنه لم يظهر لكونها حلالا، حتى لو أعتقها ظهر. وفي المبسوط: يجب الحداد والعدة بعد العتق استحسانًا، وفي القياس: لا (٢). قوله: (بخلاف المنع من الخروج)؛ يعني: لا يمنع من الخروج في العدة لخدمة المولى؛ لأن فيه تفويت حق المولى، وحق المولى مقدم على حق الشرع؛ لحاجته واستغناء الشرع. أما حق المولى والاستخدام لا يفوت بالحداد، فيجب حقا لصاحب الشرع؛ ألا ترى أن المولى يمنعها من النوافل، ويمنع العبد عن شهود الجمعة والجماعة؛ لأنها ليست بممنوعة عن الخروج حال قيام النكاح لحق المولى، ففي العدة أولى.

стр. 3415

قَالَ: (وَلَيسَ فِي عِدَّةِ أُمِّ الوَلَدِ، وَلَا فِي عِدَّةِ النِّكَاحِ الفَاسِدِ إِحْدَادٌ) لِأَنَّهَا مَا فَاتَهَا نِعْمَةُ النِّكَاحِ لِتُظهِرَ التَّأَسُّفَ، وَالإِبَاحَةُ أَصلُ. (وَلَا يَنبَغِي أَنْ تُخطَبَ المُعتَدَّةُ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ فِي الخِطْبَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وليس في عدة أم الولد) إذا مات سيدها أو أعتقها (إحداد) ولا في النكاح الفاسد، ولا في الوطء بالشبهة حداد لأنها ما فاتها؛ أي: لأم الولد والمنكوحة فاسدًا أو الموطوءة بشبهة نعمة النكاح لعدم النكاح؛ لأن بالإعتاق يزول الرق، وهو آية الكفر، فلا يليق به إظهار التأسف بل يليق به الشكر. والنكاح الفاسد معصية، فلزمها الشكر على فواته، لا التأسف. كذا في الفوائد الظهيرية. قوله: (الإباحة) أن إباحة الزينة (أصل) خصوصًا في حق النساء، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: الثياب، وقد يتجمل به، والاستفهام لإنكار تحريم هذه الأشياء. فإن قيل: لوجوب علّتان مُسْتَقِلتان، إحداهما: إظهار التأسف. والثانية: كون هذه الأشياء دواعي الرغبة فيها، وهي ممنوعة عن ذلك، وأم الولد والمعتدة عن نكاح فاسد ممنوعتان عن النكاح في العدة، فينبغي أن يجب الحداد عليهما بالنظر إلى ذلك. قلنا: كونهما ممنوعتان عن النكاح في العدة حكم وجوب الحداد لا عليه؛ بل علته فوات نعمة النكاح، وهو يدور معه وجودًا وعدمًا. كذا قيل. قوله: (ولا بأس بالتعريض) وفي شرح التأويلات: أراد بها المتوفى عنها زوجها؛ إذ التعريض لا يجوز في المطلقة بالإجماع؛ لأنه لا يجوز لها الخروج من منزلها أصلا، فلا يتمكن من التعريض على وجه لا تقف عليه سواها. وأجمعوا على منع الخطبة وجواز التعريض في المتوفى عنها زوجها. وفي المنهاج: لا تعريض الرجعية، وتحلّ في عدة الوفاة، وكذا في البائن في الأظهر. ﴿عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ والتعريض: أن يذكر شيئًا يدل به على شيء لم يذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى

стр. 3416

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَلَكِن لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وَقَالَ ﵊: «السِّرُّ النِّكَاحُ»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس ﵄: التَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ. وَعَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَير ﵁ فِي القَولِ المَعْرُوفِ: إِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ نَجتَمِعَ. (وَلَا يَجُوزُ لِلمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَالمَبتُوتَةِ الخُرُوجُ مِنْ بَيْتِهَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَالمُتَوَفَّى عَنهَا زَوْجُهَا تَخْرُجُ نَهَارًا وَبَعضَ اللَّيلِ، وَلَا تَبِيتُ فِي غَيْرِ مَنزِلِهَا) أَمَّا وجهك الكريم. والكناية: ذكر الرديف وإرادة المردوف، كقولك: فلان طويل النجاد، يعني: به طول القامة. (﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾) في الكشاف: أي: سترتم في قلوبكم، فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ولا مصرحين، والمستدرك بقوله: ﴿وَلَكِن لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ محذوف تقديره: علم الله أنكم ستذكروهن فاذكروهن. (﴿وَلَكِن لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾)؛ أي: وطئًا؛ لأنه مما يسر (﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾) وهو أن تُعَرِّضوا ولا تُصَرِّحوا، والاستثناء يتعلق بـ (لا تواعدوهن)، أي: لا تواعدوهن مواعدة معروفة، ويسمى النكاح سرا؛ لأنه سبب السر الذي هو الوطء. وعن ابن عباس: والتعريض أن يقول: إني رأيت أن أتزوج، وأنت جميلة صالحة، وعسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها. وفي الينابيع: يُعَرِّفُها بالدلائل والقرائن. ولا يجوز التعريض في عدة الطلاق؛ لإفضائه إلى عداوة المطلق. وفي المنهاج: يجوز التعريض في البائن في الأظهر، فألحقها بالمتوفى عنها زوجها هاهنا، ولم يلحقها في الحداد. قوله: (وَلَا تَبِيتُ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا) في المحيط: تبيت المتوفى عنها زوجها أن تبيت أقل من نصف الليل، قالوا: وهذا هو الصحيح.

стр. 3417

المُطَلَّقَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] قِيلَ: الفَاحِشَةُ نَفْسُ الخُرُوجِ، وَقِيلَ: الزِّنَا، وَيَخْرُجْنَ لِإِقَامَةِ الحَدِّ، وَأَمَّا المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوجُهَا: فَلِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فَتَحْتَاجُ إِلَى الخُرُوجِ نَهَارًا لِطَلَبِ المَعَاشِ، وَقَدْ يَمْتَدُّ إِلَى أَنْ يَهجُمَ اللَّيلُ، وَلَا كَذَلِكَ المُطَلَّقَةُ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ دَارَّةٌ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ زَوجِهَا، حَتَّى لَو اختَلَعَت عَلَى نَفَقَةِ عِدَّتِهَا قِيلَ: إِنَّهَا تَخْرُجُ نَهَارًا، وَقِيلَ: لَا تَخْرُجُ لِأَنَّهَا أَسقَطَت حَقَّهَا فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حَقٌّ عَلَيْهَا. وأوجب المبيت على المتوفى عنها زوجها عمر وعثمان، وابن مسعود وابن عمر، وأم سلمة، وبه يقول ابن المسيب والقاسم بن محمد، والأوزاعي ومالك، والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد، وجماعة من فقهاء الأمصار. وعن علي وابن عباس وجابر وعائشة: أنها تعتد حيث شاءت، وهو [قول] (١) الحسن وعطاء والظاهرية؛ لحديث فاطمة بنت قيس، ويجيء الكلام عنه. (قيل: الفاحشة نفس الخروج) قاله النخعي، وبه أخذ أبو حنيفة، فكان معناه: إلا أن يكون خروجها فاحشة، كما يقال: لا يسب النبي إلا كافر، ولا يزني إلا أن يكون فاسقا. (وقيل: الزنا)؛ يعني: أن يزني فيخرج لإقامة الحد، وبه أخذ أبو يوسف. قاله ابن مسعود. وقال ابن عباس: الفاحشة نشوزها، وأن تكون بذيئة اللسان تبذو على أحماء زوجها. وما قاله ابن مسعود أصح؛ لأن (إلا أن) للغاية، والشيء لا يجعل غاية لنفسه، وما ذكره إبراهيم يحتمل أيضًا. وقيل: لا تخرج؛ لأنها أسقطت حقها برضاها.

стр. 3418

(وَعَلَى المُعتَدَّةِ أَنْ تَعتَدَّ فِي المَنزِلِ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهَا بِالسُّكَنَى حَالَ وُقُوعِ الفُرقَةِ وَالمَوتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَالبَيتُ المُضَافُ إِلَيْهَا هُوَ البَيتُ الَّذِي تَسكُنُهُ، وَلِهَذَا لَو زَارَت أَهْلَهَا وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَعُودَ إِلَى مَنزِلِهَا فَتَعتَدَّ فِيهِ، وَقَالَ ﵊ لِلَّتِي قُتِلَ زَوجُهَا: «أُسْكُنِي فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ» (وَإِنْ كَانَ نَصِيبُهَا مِنْ دَارِ المَيِّتِ لَا يَكْفِيهَا فَأَخْرَجَهَا الوَرَثَةُ مِنْ نَصِيبِهِم انتَقَلَت)، لِأَنَّ هَذَا انتِقَالُ بِعُذر، وَالعِبَادَاتُ تُؤَثُرُ وفي جامع قاضي خان: [هو] (١) الصحيح، كما لو اختلعت على أن لا سكنى لها؛ تسقط مؤنة السكنى، وبه يفتي الصدر الشهيد، ويلزمها أن تكتري بيت الزوج، وأما أن يحل لها الخروج فلا. وقيل: تخرج لمعاشها كالمتوفى عنها زوجها. قوله: (وقال ﵊ للتي قتل زوجها) في المبسوط (٢): روي أن فريعة بن مالك بنت أبي سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري لما قتل زوجها، جاءت إلى النبي ﷺ تستأذن أن تعتد في بني خدرة لا في بيت زوجها، فأذن لها رسول الله ﷺ ، فلما خرجت من عند النبي ﷺ دعاها فقال: «أعيدي المسألة» فرددت عليه القصة، فقال ﵇: «لا، امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» (٣) فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرا. رواه مالك في الموطأ، وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والطحاوي، وأبو بكر الرازي، والأثرم، والترمذي، ولفظ الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. وطعن ابن حزم فيه؛ بأن حديث فريعة من طريق زينب بنت كعب بن عجرة، وهي مجهولة، ولا روى عنها غير سعد بن إسحاق بن كعب، وهو غير مشهور. أجيب: لا يلتفت إلى طعنه بعد أن حكم الترمذي بصحته.

стр. 3419

فِيهَا الأَعذَارُ، فَصَارَ كَمَا إِذَا خَافَت عَلَى مَتَاعِهَا أَوْ خَافَت سُقُوطَ المَنزِلِ أَوْ كَانَتْ فِيمَا بِأَجْرٍ وَلَا تَجِدُ مَا تُؤَدِّيهِ. (ثُمَّ إِنْ وَقَعَت الفُرقَةُ بِطَلَاق بَائِن أَوْ ثَلَاثَ، لَا بُدَّ مِنْ سُتَرَة بَيْنَهُمَا، ثُمَّ لَا بَأْسَ بِهِ) لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالحُرمَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَاسِقا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْهُ، فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ لِأَنَّهُ عُدْرٌ، وَلَا تَخْرُجُ عَمَّا انتَقَلَتْ إِلَيْهِ، وقال ابن المنذر: ثبت دليل صحة حديث فريعة، ولا يقول هو: ثبت، إلا في الحديث الصحيح، ولأنّ عِلْمَ من عَلِمَ لا يعارضه جَهْلُ من جَهِلَ، وكيف طعن فيه مع مذهب عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وغيرهم من أعلام الصحابة، وما هو إلا سفاهة منه وطعنا فيهم. قوله: (أو خافت سقوط المنزل) وكذا لو خافت الغارة على متاعها. (ولا تجد)؛ أي: المرأة (ما تؤديه)؛ أي: الأجر، فحينئذ لها الخروج بهذه الأعذار؛ لأن الاعتداد في منزل الزوج وإن كان واجبًا إلا أن الواجبات تتقيد بشرط الإمكان، ولا إمكان عند هذه الأعذار. (ولا تخرج عما انتقلت إليه)؛ يعني: إذا سكنت منزلا آخر لا تخرج من ذلك إلا لعذر؛ لأن الانتقال عن الأول للضرورة، وصار المنتقل إليه بهذه الأعذار نظير المنتقل عنه، وكان تعيين الموضع الذي تنتقل إليه إلى الزوج في الطلاق وإليها في الوفاة؛ لأنها مستبدة في أمر السكنى، وكذا في الزوج الغائب. وفي المحيط: ولا تخرج إلى صحن دار فيها منازل؛ لأنها بمنزلة السكة، ولهذا لو أخرج المتاع إليه يقطع. وفي المبسوط: المعتدة تخرج إلى صحن الدار لا تصير به خارجة من الدار كالزوجة، وتبيت في أي بيت شاءت منها، إلا أن يكون في الدار منازل لغيره، فحينئذ لا تخرج إلى تلك المنازل ولا إلى صحن الدار؛ لأنه بمنزلة السكة، فتصير خارجة من منزله (١). قوله: (لا بأس به)؛ أي: لا بأس بالمساكنة بشرط اتخاذ السترة.

стр. 3420

وَالأُولَى أَنْ يَخْرُجَ هُوَ وَيَتْرُكَهَا (وَإِنْ جَعَلَا بَيْنَهُمَا امْرَأَة ثِقَة تَقْدِرُ عَلَى الحَيلُولَةِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ ضَاقَ عَلَيْهِمَا المَنزِلُ فَلتَخرُج، وَالأُولَى خُرُوجُهُ، وَإِذَا خَرَجَتْ المَرأَةُ مَعَ زَوجِهَا إِلَى مَكَّةَ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ مَاتَ عَنهَا فِي غَيْرِ مِصر، فَإِنْ كَانَ بَينَهَا وَبَينَ مِصْرِهَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ رَجَعَت إِلَى مِصْرِهَا) وفي المحيط: والصبية، إلا في الرجعي إلا بإذن الزوج كالزوجة، والكتابية تخرج إلا إذا منعها الزوج؛ صونًا لولده، وتبيت في غير منزلها، والمجنونة والمعتوهة تخرج كالكتابية، ولو خلعها والبيت واحد يجعل بينهما سترة، وكذا في الوفاة إن كان له أولاد كبار من غيرها غير محرم لها، فإن لم يجعلوها تنتقل. ولو انهدم البيت في الوفاة تنتقل، وبه قال الشافعي وأحمد إلى أقرب موضع إليه، وفي الطلاق إلى حيث شاء هو، ولو كانت في السواد فخافت من سلطان أو غيره انتقلت إلى المصر. وفي المبسوط: لا يمنع الزوج الصبية من [الخروج] (١) لعدم توهم العلوق، إلا أن تكون مراهقة فتكون كالكتابية، وأجرة المنزل إذا كانت تحد، عليها في الوفاة وعليه في الطلاق. ولو كان الزوج غائبًا تعطي أجرة المنزل إذا طلبه صاحبه بإذن القاضي لترجع على الزوج. ولا تخرج المعتدة لسفر أو حج مع محرم وغيره. وفي قاضي خان: تخرج الأمة في الرجعي والبائن لحق لمولاها، وكذا المكاتبة للاكتساب والمدبرة وأم الولد، وأما المسلمة لا تخرج في البائن وإن أذن الزوج فيه؛ لأن العدة حق الزوج والشرع. قوله: (والأولى أن يخرج هو ويتركها)؛ لأن مكثها في منزل الزوج واجب، ومكثه في منزله غير واجب، فيكون انتقاله أولى. قوله: (رَجَعَتْ إِلَى مِصْرِهَا)؛ أي: سواء كان مقصدها مدة سفر أو لا، أما إذا كان سفرًا فظاهر؛ لأن المضي إلى مقصدها يكون والرجوع لا. وأما إذا كان

стр. 3421

لِأَنَّهُ لَيسَ بِابْتِدَاءِ الخُرُوجِ مَعنى بَلْ هُوَ بِنَاءً وَإِنْ كَانَتْ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَت رَجَعَت، وَإِنْ شَاءَت مَضَت، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا وَلِيٌّ مَحْرَمٌ أَوْ لَم يَكُنْ مَعْنَاهُ: إِذَا كَانَ إلَى المَقصِدِ ثَلَاثَةُ أَيَّام أيضا، لِأَنَّ المُكثَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ أَحْوَفُ عَلَيْهَا مِنْ الخُرُوجِ، إِلَّا أَنَّ الرُّجُوعَ أَولَى لِيَكُونَ الاعْتِدَادُ فِي مَنزِلِ الزَّوجِ. قَالَ: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنهَا زَوْجُهَا فِي مِصر فَإِنَّهَا لَا تَخْرُجُ حَتَّى تَعتَدَّ ثُمَّ تَخْرُجَ إِنْ كَانَ لَهَا مَحرَمٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ مَعَهَا مَحرَمٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَخرُجَ مِنْ المصرِ قَبْلَ أَنْ تَعتَدَّ) (*) لَهُمَا: أَنَّ نَفْسَ الخُرُوجِ مُبَاحٌ دَفعًا لِأَذَى الغُربَةِ وَوَحشَةِ الوَحدَةِ فَهَذَا عُدْرٌ، وَإِنَّمَا الحُرمَةُ لِلسَّفَرِ وَقَدْ ارتَفَعَت بِالمَحْرَمِ. وَلَهُ: دونها فيرجع أيضًا؛ لأنها كما رجعت تصير مقيمة، وإذا مضت تكون مسافرة، وليس لها إنشاء السفر، وخروج المعتدة ما دون السفر. مباح. وهذا معنى قوله: (ليس بابتداء الخروج معنى بل هو بناء). وإن كان بينها وبين مقصدها دون مسيرة سفر [وبينها وبين منزلها مسيرة سفر] (١)؛ مضت إلى مقصدها ولا ترجع؛ لأنها إن مضت لا تكون منشئة، ولا سائرة في العدة مدة سفر ولو رجعت كان منشئة سفرًا. ولو كانت من الجانبين مدة سفر، وهو في موضع لا يقدر على المقام فيه كالمفازة؛ توجهت إلى أي الجانبين شاءت بمَحْرَمٍ وغير مَحْرَمٍ؛ لكن الرجوع أولى لما ذكر في المتن. قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد)، وهو قول أبي حنيفة أولا تخرج مع المحرم. (لهما: أن نفس الخروج مباح) بالإجماع؛ لما يلحقها من ضرر الغربة ووحشة الانفراد، ولهذا تخرج ما دون السفر بلا مَحْرَمٍ، فإذا بطل معنى السفر بالمَحْرَمِ بقي مجرد الخروج، وذا مباح لمكان الغربة؛ إذ الغربة تؤذي، فأشبه المفازة.

стр. 3422

أَنَّ العِدَّةَ أَمَنَعُ مِنْ الخُرُوجِ مِنْ عَدَمِ المَحْرَمِ، فَإِنَّ لِلمَرأَةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى مَا دُونَ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَلَيْسَ لِلمُعتَدَّةِ ذَلِكَ، فَلَمَّا حُرِّمَ عَلَيْهَا الخُرُوجُ إِلَى السَّفَرِ بِغَيرِ المَحْرَمِ فَفِي العِدَّةِ أُولَى. قوله: (فَلَمَّا حُرِّمَ عَلَيْهَا)؛ أي: على المرأة (الخروج إلى السفر بغير مَحْرَمٍ) بالاتفاق، فلأن تمنعها العدة من الخروج وأنها ليست في موضع مخوف أولى، بخلاف ما إذا كانت في المفازة، فإن فَقْدَ المَحْرَمِ هناك لا يمنعها من الخروج؛ لأنها ليست موضع قرار. كذا في المبسوط (١). أما لو كان الطلاق رجعيا؛ تبعث زوجها رجع أو مضى ولم يفارقه؛ لأن النكاح قائم. وفي المغني: رجعت إن كانت قريبة؛ لأنها في حكم الإقامة. وإن كانت بعيدة مضت في سفرها. وقال مالك: تردُّ ما لم تُحْرِم، وحد القاضي القريب بما لا تقصر فيه الصلاة (٢). وفي المنهاج: لو وجبت العدة في سفر حج أو تلاوة تجارة؛ فلها الرجوع أو المضي، فإن مضت أقامت لقضاء حوائجها، ثم يجب الرجوع لتعتد في مسكنه بقية العدة. وفي المغني: قال الشافعي: إن فارقت البنيان فلها الخيار بين الرجوع والمضي (٣). أما حديث ابن المسيب أن عمر ﵁ ردهن من ذي الحليفة حتى يعتدون في بيوتهن. ولا يخرجن في العدة إلى حجة الإسلام وإن فاتها الحج، ولو وجبت العدة بعد إحرامها لزمها المقام وإن فاتها الحج؛ لحرمة إنشاء السفر في حق المعتدة. وقال الشافعي: تخرج وجوبًا. وفي المبسوط: لو كان كل واحد من الجانبين مدة سفر؛ خيرت بين

стр. 3423

بَابُ ثُبُوتِ النَّسَبِ (وَمَنْ قَالَ: «إِنْ تَزَوَّجت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ» فَتَزَوَّجَهَا فَوَلَدَت وَلَدًا لِسِتَّةِ أَشْهُر الرجوع والمضي إذا كانت في المفازة، سواء كان معها مَحْرَمٌ أو لا. وينبغي أن تختار أقرب الجانبين. ولو كانت الجهتان مدة سفر وهو محرم فهو موضع الخلاف (١). ولأبي حنيفة طريقان أحدهما: ما ذكر في المتن. والثاني: أنها إلى الآن تابعة للزوج في السفر والإقامة، وقد زال ذلك، فتكون منشئة سفرا من موضع أمن وغوث، والعدة تمنعها من ذلك بخلاف المفازة؛ لأنها موضع إقامة، قالوا: على هذا لو سافَرَتْ مع محرم بغير زوج، ثم أتاها خبر موت زوجها أو طلاقها؛ لا يكون عليها المقام فيه عند أبي حنيفة؛ لأنها ماضية على سفرها لا منشئة سفرا. وفي البدائع: ولو كانت الجهتان مدة سفر، فمضت أو رجعت وبلغت أدنى المواضع التي تصلح للإقامة؛ أقامت فيه واعتدت إن لم تجد مَحْرَمًا بلا خلاف، وكذا إن وجدت عند أبي حنيفة (٢). ومثله في المحيط. وفيه: البدوي طلق امرأته، فأراد نقلها إلى مكان آخر في الكلأ والماء، فإن لم يتضرر تركها في ذلك الموضع في نفسه أو ماله؛ ليس له ذلك، وإن تضرر فله ذلك؛ إذ الضرورات تبيح المحظورات. وفي الطلاق الرجعي لا ترجع إلا مع زوجها، وفي البائن مع من شاءت. باب ثبوت النسب لما ذكر أنواع المعتدات؛ ذكر في هذا الباب ما يلزم من اعتداد ذوات الأحمال، وهو ثبوت النسب. قوله: (لستة أشهر) من غير زيادة ولا نقصان؛ لأنه لو زاد يحتمل أنه علق من زوج بعد الطلاق، ولو نقص علم أن علوقه كان سابقًا على النكاح قبل ثبوت الفراش.

стр. 3424

مِنْ يَومِ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ ابْنُهُ وَعَلَيْهِ المَهْرُ) أَمَّا النَّسَبُ فَلِأَنَّهَا فِرَاشُهُ، لِأَنَّهَا لَمَّا جَاءَت بِالوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقتِ النِّكَاحِ، فَقَد جَاءَت بِهِ لِأَقَلَّ مِنهَا مِنْ وَقتِ الطَّلَاقِ، فَكَانَ العُلُوقُ قَبْلَهُ فِي حَالَةِ النِّكَاحِ، وَالتَّصَوُّرُ ثَابِتٌ بِأَنْ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ يُخَالِطُهَا، فَوَافَقَ الإِنزَالُ النِّكَاحَ وَالنَّسَبُ يُحتَاطُ فِي إِثْبَاتِهِ، وَأَمَّا المَهْرُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ جُعِلَ وَاطِئًا حُكمًا، فَتَأَكَّدَ المَهْرُ بِهِ والمراد باليوم في قوله: (من يوم تزوجها) الحين والوقت. كذا ذكره فخر الإسلام وقال: هذه المسألة من خواص جامع الصغير. (فقد جاءت به لأقل منها)؛ أي: من ستة أشهر من وقت الطلاق؛ لأن الطلاق يعقب الشرط، وإن لطف فيكون العلوق قبل الطلاق. قوله: (والتصور ثابت) جواب لسؤال ذكره في جامع قاضي خان. فإن قيل: لو جاءت به لستة أشهر من وقت التزوج؛ ينبغي أن لا يثبت النسب؛ لأنه كما تزوجها يقع الطلاق، فهذا نكاح لا يتصور فيه الوطء والإعلاق، وبدون التصور لا يثبت النسب، كما لو جاءت به امرأة الصبي. قلنا: القياس كذلك، وهو قول زفر ومحمد أولا. وفي الاستحسان قول محمد آخر -: يثبت النسب؛ لأنه يحتال في إثباته، وأمكن إثباته هاهنا منه؛ بأن تزوجها وهو يخالطها، والناس يسمعون كلامها، فيكون العلوق حاصلا قبل زوال الفراش ضرورة، فيثبت النسب. ومن المشايخ من قال: لا يحتاج إلى هذا التكلف، وقيام الفراش كاف، ولا يعتبر إمكان الدخول؛ إذ النكاح قائم مقام الماء حينئذ، كما في تزوج المشرقي بالمغربية. قيل: التصور فيه شرط، ولهذا لو جاءت امرأة الصغير بولد؛ لا يثبت نسبه، وفي حق المشرقي الإمكان موجود، وكرامات الأولياء حق بأن يكون صاحب خطوة. (فتأكد المهر به)؛ أي: بالوطء حكمًا، وهو أقوى من الخلوة. قيل: لا يلزم الوطء من ذلك؛ فإنها تحبل وهي بكر ولا وطء، أو تحمل منيه بخرقة.

стр. 3425

(وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ المُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ إِذَا جَاءَت بِهِ لِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكثَرَ مَا لَم تُقِرَّ بِانقِضَاءِ عِدَّتِهَا) لِاحْتِمَالِ العُلُوقِ فِي حَالَةِ العِدَّةِ لِجَوَازِ أَنَّهَا تَكُونُ مُمتَدَّةَ الظُّهْرِ (وَإِنْ جَاءَت بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بَانَت مِنْ زَوجِهَا بِانقِضَاءِ العِدَّةِ وَثَبَتَ نَسَبُهُ) لِوُجُودِ العُلُوقِ فِي النِّكَاحِ أَوْ فِي العِدَّةِ، فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا لِأَنَّهُ يَحتَمِلُ العُلُوقَ قَبلَ الطَّلَاقِ وَيَحْتَمِلُ بَعدَهُ فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالشَّكْ. أجيب عنه: بأن هذا خلاف الأصل، وكلامنا في الغالب لا النادر. وفي هذه المسألة لا يتصور الحمل بخرقة؛ لأن ذلك نقل بعد النكاح. وعن أبي يوسف: عليه مهر ونصف مهر، أما النصف؛ فللطلاق قبل الدخول، وأما المهر؛ فبالدخول، وهو القياس. وذكر التمرتاشي عن نصير: لو تزوجها في حال ما يطأها؛ عليه مهران: مهر بالزنا؛ لأنه سقط الحد حين تزوجها قبل تمامه، ومهر بالنكاح؛ لأن هذا أكثر من الخلوة. وفي المنتقى: لا يصير به محصنًا. وفي شرح أبي اليسر: لو قال: إن تزوجتها فهي طالق ثلاثا، فتزوجها ودخل بها؛ ينبغي أن لا يجب عليهما الحد ويجب المهر. وقالوا: يجب عليهما الحد. قال: قد كنت أفتيت بالوجوب على المخالف، وهو الظاهر من مذهب أصحابنا، من مال إليه لم يكن مخطئا. وفي جامع النسفي: لو جاءت بولد يرثه، وهو منصوص عن أصحابنا، وإن حرمت عليه بالثلاث فلم يبق نكاح ولا عدة، ولكن لما كان فصلا مجتهدا فيه لم ينقطع النسب. قوله: (فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالشَّكْ). فإن قيل: ينبغي أن يصير مراجعًا؛ لأن الوطء هنا حلال، فأحيل العلوق إلى أقرب الأوقات وهي حالة العدة؛ إذ الأصل في الحوادث أن يحال على أقرب الأوقات، فتثبت المراجعة. قلنا: في ذلك حمل أمره على خلاف السنة؛ لأنه يصير مراجعًا بدون

стр. 3426

(وَإِنْ جَاءَت بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ كَانَتْ رَجْعِيَّة) لِأَنَّ العُلُوقَ بَعدَ الطَّلَاقِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مِنْهُ لانتِفَاءِ الزِّنَا مِنهَا فَيَصِيرُ بِالوَطءِ مُرَاجِعًا. (وَالمَبْتُوتَةُ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا إِذَا جَاءَت بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الوَلَدُ قَائِمًا وَقتَ الطَّلَاقِ، فَلَا يَتَيَقَّنُ بِزَوَالِ الفِرَاشِ قَبْلَ العُلُوقِ، فَيَثْبُتُ الإشهاد بالفعل، فأحيل العلوق إلى ما قبل الطلاق صيانة لحاله. كذا في مبسوط شيخ الإسلام. والحوادث إنما تحال إلى أقرب الأوقات إذا لم تتضمن إبطال حكم فأبت، أو ترك العمل بالمقتضى؛ إذ الطلاق الرجعي يقضي البينونة عند انقضاء العدة، وهذا المقتضى يترك على تقدير الرجعة. كذا قيل. وهذا كله إذا لم تقر بانقضاء العدة بعد الطلاق البائن أو الرجعي، أما لو أقرت بالانقضاء والمدة تصلح لثلاثة أقراء؛ عند أبي حنيفة ستون يومًا، وعندهما تسعة وثلاثون يومًا، فإن ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار؛ يثبت النسب لتيقننا ببطلان الإقرار، وإن ولدت لستة أشهر أو أكثر لا يثبت. وكذا المتوفى عنها زوجها لو أقرت بالانقضاء بعد أربعة أشهر وعشر؛ فهو على هذا التفصيل. وإن لم تقر يثبت النسب إلى سنتين؛ لأن عدة الوفاة محتملة الانقضاء بانقضاء أربعة أشهر وعشر وبوضع الحمل، وقد ذكرنا آية الحمل قاضية على الأشهر. كذا في الفوائد الظهيرية. قوله: (فيصير بالوطء مراجعا). فإن قيل: هاهنا وجه آخر من غير أن يلزم الزنا منها، بأن يحمل أمرها على التزوج بآخر بعد انقضاء العدة، فلو قلت والحال أنها لم تتزوج. قلنا: والحال أنه لم يطأها في العدة؛ إذ لو وطئها يثبت الرجعة من غير تقدير هذا التكلف، فلما كان كذلك كان حمل أمرها على التزوج بآخر أولى؛ لما فيه من رعاية الأصل، وهو أن لا تثبت الرجعة بالشك. قلنا: نعم كذلك، إلا أن الحكم ببقاء نكاح الأول أسهل من الحكم بإنشاء نكاح آخر، فيجب القول به. إليه أشير في مبسوط فخر الإسلام.

стр. 3427

النَّسَبُ احتياطًا، (وَإِذا جَاءَت بِهِ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقتِ الفُرقَةِ لَم يَثْبُت) لِأَنَّ الحَملَ حَادِثٌ بَعدَ الطَّلَاقِ، فَلَا يَكُونُ مِنهُ لِأَنَّ وَطَأَهَا حَرَامٌ. (إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ) لِأَنَّهُ التَزَمَهُ، وَلَهُ وَجهُ بِأَنْ وَطِئَهَا بِشُبَهَة فِي العِدَّةِ قوله: (وإذا جاءت به لتمام سنتين من وقت الفرقة لم يثبت) فقد ألحق تمام السنتين بأكثرهما، وهذه الرواية [مخالفة لرواية (١)] الإيضاح وشرح الطحاوي وشرح الأقطع، وللرواية التي بعد هذا في الكتاب وهي قوله: (ولكثر مدة الحمل وهو سنتان) (٢) ولفظ الحديث يؤكد صحة جواب تلك الرواية، كما يجيء بعد هذا. قوله: (إلا أن يدعيه)؛ أي: فحينئذ يثبت النسب به. وهل يشترط فيه تصديق المرأة؟ ففيه روايتان: في رواية: يشترط. وفي رواية: لا. ذكره في شرح الطحاوي والبدائع. (وله)؛ أي: لثبوت (وجه) وهو الوطء بالشبهة في العدة. فإن قيل: هذه مناقضة لرواية كتاب الحدود، حيث قال: إن النسب لا يثبت بالوطء في العدة للمبتوتة. قلنا: يمكن أن تحمل المبتوتة في كتاب الحدود [على المبتوتة] (٣) بثلاث أو على مال، لا المبتوتة بالكنايات، فحينئذ يندفع التناقض لمكان الاختلاف في وقوع البائن بالكنايات. كذا قال شيخي رحمه الله تعالى. ولهذا قيده صاحب الكتاب في الحدود بالطلاق البائن على مال. وفي الينابيع: وإذا جاءت لأكثر من سنتين؛ لم يثبت نسبه، ويحكم بانقضاء عدتها قبل السنتين بستة أشهر عند أبي حنيفة (٤) ومحمد، وهو رواية بشر عن أبي يوسف. ذكره في المبسوط، حتى كان عليها أن تردّ بقية ستة أشهر. وقال أبو يوسف: تنقضي عدتها بالوضع، ولا يلزمها رد شيء.

стр. 3428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وجه قولهما: أن الولد حصل من غيره؛ إذ الظاهر أن يكون من نكاح صحيح، دون الزنا والوطء بالشبهة، وأقل مدة حمل الغير ستة أشهر، فحكمنا بانقضاء العدة من ذلك الوقت، فحينئذ أخذت ما لا تستحقه؛ لأنها ليست معتدة منه. وأبو يوسف يقول: هي باقية في العدة، ولهذا لا تتزوج بغيره قبل وضعه فكأنها وطئت بشبهة. والمبتوتة لو جاءت بولدين: أحدهما لأقل من سنتين، والآخر لأكثر من سنتين؛ يثبت نسبهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، واعتبر ذلك بمن باع جارية فجاءت بولدين: أحدهما لأقل من ستة أشهر، والآخر لأكثر، فادعاهما البائع؛ يثبت نسبهما وينقض البيع. وعند محمد: لا يثبت؛ لأن الثاني من علوق حادث بعد الإبانة، فيتبعه الأول؛ لأنهما تؤمان. قيل: هذا هو الصواب، وليس ولد الجارية نظيره؛ لأن الولد الثاني يجوز أن يكون حدث على ملك البائع قبل بيعه، بخلاف الولد الثاني في المبتوتة. كذا ذكره المرغيناني. وفي الينابيع: لو خرج لأقل وانفصل الباقي لأكثر؛ لا يلزمه حتى يخرج نصف بدنه لأقل، أو يخرج من قبل الرجلين أكثر البدن لأقل، والباقي لأكثر. ذكره محمد. وفي شرح التكملة: تزوج أمة ودخل بها ثم طلقها واحدة؛ يلزمه ولدها وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدًا، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر لا يلزمه؛ لأنه ولد النكاح في الأول، وفي الثاني يضاف إلى ملك اليمين، فلا يلزم إلا بالدعوى. ولو طلقها ثنتين يثبت نسبها؛ لأن وطئها لا يحل بملك اليمين، فكان الولد من النكاح. وفي المرغيناني: غاب عنها عشر سنين، وهي بكر أو ثيب فتزوجت بآخر،

стр. 3429

(فَإِنْ كَانَتِ المَبْتُوتَةُ صَغِيرَة يُجَامَعُ مِثْلُهَا، فَجَاءَت بِوَلَد لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، لَم يَلزَمَهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُر عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّد، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ إِلَى سَنَتَيْنِ) (*) لِأَنَّهَا مُعتَدَّةٌ يَحتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، وَلَم تُقِرَّ بِانقِضَاءِ العِدَّةِ فَأَشْبَهَت الكَبِيرَةَ. وَلَهُمَا: أَنَّ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَة مُتَعَيِّنَةِ، وَهُوَ الأَشْهُرُ، فَبِمُضِيِّهَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِالاِنقِضَاءِ، وَهُوَ فِي الدَّلَالَةِ فَوقَ إِقْرَارِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الخِلَافَ، وَالإِقْرَارُ يَحْتَمِلُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَة طَلَاقًا رَجِعِيًّا فَكَذَلِكَ الجَوَابُ عِندَهُمَا، وَعِندَهُ: يَثْبُتُ إِلَى سَبعَة وَعِشْرِينَ شَهرًا، لِأَنَّهُ يُجْعَلُ وَاطِنَا فِي آخِرِ العِدَّةِ وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الأَشْهُرُ، ثُمَّ تَأْتِي لِأَكثَرَ مُدَّةِ الحَملِ وَهُوَ سَنَتَانِ، وَإِنْ كَانَتِ الصَّغِيرَةُ فجاءت بأولاد؛ فهم للأول عند أبي حنيفة. وروى عبد الكريم عنه أنهم من الثاني كقول الجماعة، ولو كان الأول حاضرًا فهم من الأول، والمسألة معروفة. قوله: (لتسعة أشهر)؛ أي: من وقت الطلاق وهي لم تقر بانقضاء العدة. أما لو أقرت بالانقضاء بثلاثة أشهر، ثم جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار يثبت؛ لأن عرفنا بطلان الإقرار؛ إذ في بطنها ولد. وقيل: قوله: (يجامع مثلها) مستدرك؛ لأن حملها دليل على أنه يجامع مثلها. وأجيب: بأن الحمل لا يدل. قوله: (جِهَةٌ مُتَعَيِّنَةً وَهُوَ الْأَشْهُرُ). فإن قيل: يشكل عليه المتوفى عنها زوجها؛ فإن لعدتها جهة متعينة، وهي أربعة أشهر وعشر ما لم يكن الحبل فيه ظاهرًا، ثم هناك يثبت إلى سنتين عند علمائنا الثلاثة، ولا يحكم بالانقضاء بالأشهر هناك؛ لاحتمال الانقضاء بالوضع، فكذا هاهنا. قلنا: لا يشكل؛ لأن لانقضاء عدتها جهة أخرى وهي الحبل؛ إذ الأصل في الكبيرة الإحبال، وهاهنا لا؛ إذ الأصل في الصغيرة عدم الإحبال، فلذا تعين الجهة في حق الصغيرة دون الكبيرة. ولا يقال: الأصل في الكبيرة عدم الإحبال أيضًا؛ لأنا نقول ذلك في حق

стр. 3430

ادَّعَت الحَبَلَ فِي العِدَّةِ، فَالجَوَابُ فِيهَا وَفِي الكَبِيرَةِ سَوَاءٌ، لِأَنَّ بِإِقْرَارِهَا يُحكَمُ بِبُلُوغِهَا. (وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مَا بَينَ الوَفَاةِ وَبَينَ السَّنَتَيْنِ) وَقَالَ زُفَرُ: إِذَا جَاءَت بِهِ بَعدَ انقِضَاءِ عِدَّةِ الوَفَاةِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، لِأَنَّ الشَّرعَ حَكَمَ بانقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالشُّهُورِ، لِتَعَيُّنِ الجِهَةِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّت بِالِانْقِضَاءِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الصَّغِيرَةِ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَةٌ أُخرَى وَهُوَ وَضعُ الحَملِ، بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ، لِأَنَّ الأَصلَ فِيهَا عَدَمُ الحَملِ لَيسَت بِمَحَلِّ قَبلَ البُلُوغِ وَفِيهِ شَكٍّ. (وَإِذَا اعْتَرَفَت المُعتَدَّةُ بِانقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ جَاءَت بِالوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ) لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهَا بِيَقِينَ فَبَطَلَ الإِقْرَارُ (وَإِنْ جَاءَت بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَم يَثبُت) لِأَنَّا لَم نَعلَم بِبُطَلَانِ الإِقْرَارِ، لِاحْتِمَالِ الحُدُوثِ بَعدَهُ، وَهَذَا اللَّفْظُ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُعتَدَّة. (وَإِذَا وَلَدَت المُعتَدَّةُ وَلَدًا لَم يَثبُت نَسَبُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ غير المنكوحة، فأما النكاح لا ينعقد إلا للإحبال، فكان الأصل فيه الإحبال. كذا في المبسوط (١)، وكما يجيء بعد في الكتاب. في قوله: (بخلاف الصغيرة). (وفيه)؛ أي: في البلوغ (شك) فلا يعارض الأصل وهو عدم الإحبال. قوله: (وهذا اللفظ)؛ أي: قوله: (وإذا اعترفت المعتدة) بإطلاقه يتناول كل معتدة. قيل: ذكر المرغيناني وقاضي خان، أن الآيسة لو أقرت بانقضاء عدتهن، ثم جاءت بولد لأقل من سنتين؛ ثبت نسب ولدها، فلم يتناول كل معتدة، إلا أن يؤول كل معتدة غير الآيسة. قوله: (وإذا ولدت المعتدة) إلى آخره: ذكر في المبسوط هذه المسألة بقيدين: أحدهما: أن تكون بائنا أو ثلاثا. والثاني: أن ينكر الزوج الولادة، ولا حد ولا لعان على الزوج (٢).

стр. 3431

بِوِلَادَتِهَا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَبَلٌ ظَاهِرٌ، أَوِ اعْتِرَافٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ، فَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَثْبُتُ فِي الجَمِيعِ بِشَهَادَةِ امْرَأَة وَاحِدَة) (*) لِأَنَّ الفِرَاشَ قَائِمٌ بِقِيَامِ العِدَّةِ، وَهُوَ مُلزِمٌ لِلنَّسَبِ، وفي جامع قاضي خان: حكم الرجعة كحكم البائن. وعندهما يثبت في الجميع بشهادة امرأة واحدة مسلمة عدلة حرة، وبه قال أحمد. وعند الشافعي: يشترط أربعة نسوة عدول. وعند مالك وابن أبي ليلى: يثبت بشهادة امرأتين. وعند زفر: لا يثبت بشهادة النساء، فعندهما يشترط الحرية ولفظ الشهادة [ولا يشترط الذكورة والعدد. ذكره في المبسوط (١). وفي المحيط: لا يشترط العدد كيلا يكثر النظر] (٢) إلى العورة. قال مشايخ خراسان: يشترط لفظ الشهادة؛ لأنها موجبة حقا على غيره. وعند مشايخ العراق لا يشترط قياسًا على العدد، وهل تقبل شهادة رجل؟ قيل: تقبل ولا يفسق، كما لو شهد رجلان أو رجل وامرأتان، ولا يكون حال الرجل دون حال المرأة. وفي جامع قاضي خان: وعلى هذا الخلاف كل ما لا يطلع عليه الرجال. وأجمع أصحابنا على أنه يقضي بالنسب بشهادة القابلة عند قيام النكاح، واختلفوا بعد الموت والطلاق؛ فعند أبي حنيفة: لا يثبت، وعندهما: يثبت. قوله: (لأن الفراش قائم) وتفسير الفراش: كونها متعينة لماء الزوج، حتى أن كل ولد يحدث منها يثبت نسبه، والمعتدة بهذه المثابة، والفراش ملزم، والحاجة إلى إثبات الولادة وتعيين الولد، [فيثبت] (٣) بشهادة القابلة كما في حال قيام النكاح، أو إقرار الزوج أو الحبل الظاهر.

стр. 3432

وَالحَاجَةُ إِلَى تَعيِينِ الوَلَدِ أَنَّهُ مِنهَا فَيَتَعَيَّنُ بِشَهَادَتِهَا كَمَا فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ العِدَّةَ تَنقَضِي بِإِقْرَارِهَا بِوَضْعِ الحَملِ، وَالمُنقَضِي لَيْسَ بِحُجَّةٌ فَمَسَّت الحَاجَةُ إلَى إِثْبَاتِ النَّسَبِ ابْتِدَاء فَيُشْتَرَطُ كَمَالُ الحُجَّةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ ظَهَرَ الحَبَلُ أَوْ صَدَرَ الاعتِرَافُ مِنْ الزَّوجِ، لِأَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ قَبلَ الوِلَادَةِ، وَالتَّعَيُّنَ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهَا (فَإِنْ كَانَتْ وإنما لا يثبت نسب المعتدة إذا جاءت به لأكثر من سنتين؛ لأن الفراش وإن كان قائما في العدة؛ لأن الماء انعدم حكمًا؛ لأنه لا يمكن تقدير الوطء؛ لما فيه من الشبهة إلى ارتكاب المُحَرَّم، ومع عدم الماء لا يثبت النسب، ولهذا لو جاءت امرأة الصبي به لا يثبت النسب لعدم الماء. وذكر في كتاب الدعوى: إذا جاءت به لأكثر من سنتين فادعاه يثبت النسب؛ لأنا إنما لم نجعله واطئًا صيانة له عن الحرام، فإذا أقر على نفسه بالحرام، والفراش قائم يثبت النسب. قال في النهاية: كذا وجدته بخط شيخي محالًا إلى القاضي الغني؛ لأن النسب ثابت قبل الولادة، وكذا في حال قيام الفراش يثبت قبل الولادة بسبب قائم وهو الفراش، وإنما الحاجة إلى تعيين الولادة. ولا يقال: كيف تقبل شهادة الرجال هاهنا ولا يحل لهم النظر إلى العورة؛ لأنا نقول: أنهم لا يقولون: تعمدنا النظر، وإنما وقع ذلك اتفاقا، أو دخلت المرأة بين يدي الشهود بيننا بعدما علموا أن ليس فيه غيرها، ثم خرجت مع الولد، مع أن عند الحاجة إلى تحمل الشهادة يباح النظر للرجال، كما في الشهادة على الزنا، والحاجة تتحقق إذا لم يكن هناك مؤيد. كذا في جامعي شمس الأئمة وقاضي خان. ولأنه إذا أقر بالحبل ائتمنها في الولادة، مع علمه أنه لا يبقى في البطن، فقبل قولها في رد الأمانة، كالحيض والطهر ورد الوديعة، وثبوت النسب بعد زوال الفراش يحتاج إلى حجة، وقول القابلة حجة في الولادة ومالا ينفصل عن الولادة وهو تعيين الولد، وفيما يقبل الفصل لا يقبل قولها، كقوله: (إذا حضتُ فعبدي حرّ)، ووقوع الطلاق وثبوت النسب يقبل الفصل عن الولادة، فلا بد من الحجة، وذلك ما ذكرنا.

стр. 3433

مُعتَدَّة عَنْ وَفَاةٍ فَصَدَّقَهَا الوَرَثَةُ فِي الوِلَادَةِ وَلَم يَشْهَد عَلَى الوِلَادَةِ أَحَدٌ، فَهُوَ ابْنُهُ فِي قَولِهِم جَمِيعًا) وَهَذَا فِي حَقِّ الإِرْثِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِم فَيُقْبَلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُم، أَمَّا فِي حَقِّ النَّسَبِ هَلْ يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ؟ قَالُوا: إِذَا كَانُوا مِنْ أَهلِ الشَّهَادَةِ يَثْبُتُ لِقِيَامِ الحُجَّةِ، وَلِهَذَا قِيلَ: يُسْتَرَطُ لَفظُ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: لَا تُسْتَرَطُ، لِأَنَّ النُّبُوتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِم تَبَعٌ لِلنُّبُوتِ فِي حَقِّهِم بِإِقْرَارِهِم، وَمَا ثَبَتَ تَبَعًا لَا يُرَاعَى فِيهِ الشَّرَائِطُ. قوله: (فصدقها الورثة): ومعنى تصديق الورثة: أن يقرّوا به جميعًا، أو أقر جماعة بقطع الحكم بشهادتهم، بأن كان رجلان منهم أو رجل وامرأتان منهم؛ وجب الحكم بإثبات النسب، حتى يشارك المصدقين والمنكر. كذا ذكره البزدوي، والتمرتاشي. قال الإسبيجابي: هذا جواب الاستحسان. وفي القياس: لا يثبت؛ لأنهم يقرون على الميت بالنسب فلا يقبل. قال شمس الأئمة في تعليل المسألة: الورثة قائمون مقام الزوج. ولو قال الزوج: إنها ولدته يثبت النسب، فكذا بتصديق الورثة بعد موته، وهذا لأن ثبوت النسب باعتبار الفراش، وذلك باق ببقاء العدة بعد موته، والحاجة إلى الشهادة؛ ليظهر له ولادتها وتعيين الولد، وقد حصل ذلك بتصديق الورثة، فلا يكون ذلك إقرارًا على الميت بالنسب؛ إذ ثبوت النسب ليس باعتبار تصديقه، ولا باعتبار تصديق الورثة؛ بل باعتبار الفراش، وهذا جواب عن وجه القياس. وقوله: (إذا كانوا من أهل الشهادة) بأن كانوا ذكورًا وإناثًا وهم من أهل الشهادة عدول. (قيل: يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ)؛ أي: في مجلس الحكم؛ لأن النسب لا يثبت في حق الناس كافة إلا بلفظ الشهادة (وقيل: لا يشترط) وهو الصحيح. وفي الكتاب إشارة إليه، حيث قال: (وصدقه الورثة). (وما ثبت تبعا): وفي بعض [النسخ] (١): وما ثبت بناء لا يراعي فيه الشرط؛ بل يثبت بشرائط المتبوع لا بشرائط نفسه كالعبد مع المولى، والجندي

стр. 3434

(وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَة فَجَاءَت بِوَلَد لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنذُ يَومِ تَزَوَّجَهَا، لَم يَثبُت نَسَبُهُ) لِأَنَّ العُلُوقَ سَابِقٌ عَلَى النِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ مِنهُ (وَإِنْ جَاءَت بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنهُ اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوجُ أَوْ سَكَتَ) لِأَنَّ الفِرَاشَ قَائِمٌ وَالمُدَّةُ تَامَّةٌ (فَإِنْ جَحَدَ الوِلَادَةَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَة وَاحِدَة تَشْهَدُ بِالوِلَادَةِ حَتَّى لَو نَفَاهُ الزَّوجُ يُلَاعِنُ) لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالفِرَاشِ القَائِمِ، وَاللْعَانُ إِنَّمَا يَجِبُ بِالقَدْفِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ وُجُودُ الوَلَدِ، فَإِنَّهُ يَصِحُ بِدُونِهِ (فَإِنْ وَلَدَت ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الزَّوجُ: تَزَوَّجتُكِ مُنذُ أَربَعَة أشهر، وَقَالَتْ هِيَ: مُنذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَالقَولُ قَولُهَا وَهُوَ ابْنُهُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا مع السلطان في حق الإقامة، ووقف المنقول تبعًا للعقار. قوله: (اللعان إنما يجب) إلى آخره: جواب عما يقولان على أبي حنيفة استدلالا بهذه المسألة: إن اللعان لا يثبت بشهادة القابلة، وهو بمنزلة الحد لما عرف، والحد لا يثبت بشهادة امرأة واحدة، فلأن النسب كان أولى. فلم قلت في المسألة المتقدمة: أن لا يثبت النسب بشهادة امرأة واحدة؟ فأجاب عنه بقوله: وليس من ضرورة اللعان نفي الولد؛ بل اللعان يثبت بقذفها بالزنا بلا نفي الولد، ولكن وجب اللعان ههنا ضمنا لنفي الولد الذي يثبت نسبه بالفراش القائم. وشهادة المرأة لتعيين الولد لا أن يكون اللعان مضافًا إلى جهته، كما تثبت الرمضانية بشهادة الفرد، فلا يجوز إيجابها بشهادة الفرد، ثم أفطر متعمدا بعد ذلك؛ وجبت الكفارة بالإفطار، والكفارة جارية مجرى الحد، فلا يجوز إيجابها بشهادة الفرد؛ لكن وجوبها باعتبار ثبوت الرمضانية لا باعتبار شهادة الفرد، فكذا ههنا وجوب اللعان واستحقاق الميراث باعتبار ثبوت النسب لا باعتبار شهادة القابلة قصدًا. قوله: (لأن الظاهر شاهد لها) وهو أنها تلد من نكاح لا سفاح، وإن كان ظاهر آخر يشهد له، وهو أن الحوادث تضاف إلى أقرب الأوقات وجودًا، والنكاح حادث. ولأن العدم أصل في الأشياء؛ لأن النسب مما يحتاط في إثباته، فمتى يعارض الظاهر إن وجب إثباته؛ ألا ترى أن النسب يثبت لإيماء مع القدرة على

стр. 3435

فَإِنَّهَا تَلِدُ ظَاهِرًا مِنْ نِكَاحِ لَا مِنْ سِفَاحٍ، وَلَم يَذْكُرِ الاسْتِحْلَافَ وَهُوَ عَلَى الاختلاف. (وَإِنْ قَالَ لامرأته: إِذَا وَلَدت) وَلَدًا (فَأَنتِ طَالِقٌ، فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ عَلَى الوِلَادَةِ، لَم تَطلُق عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تَطلُقُ) (*) لِأَنَّ شَهَادَتَهَا حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ. قَالَ ﵊: «شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الرِّجَالُ النَّظَرَ إِلَيْهِ» وَلِأَنَّهَا لَمَّا قُبِلَت فِي الوِلَادَةِ تُقبَلُ فِيمَا يُبتَنَى عَلَيْهَا وَهُوَ الطَّلَاقُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهَا ادَّعَت الحِنثَ فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِحُجَّة تَامَّة، وَهَذَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ ضَرُورِيَّةٌ فِي حَقِّ الوِلَادَةِ، فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ يَنفَكُ عَنهَا (وَإِنْ كَانَ الزَّوجُ قَدْ أَقَرَّ بِالحَبَلِ النطق، وسائر التصرفات لا تثبت، وظاهر حالها أيضًا يتأبد بظاهر حاله؛ وهو أنه لا يباشر النكاح بصفة الفساد، فإن نكاح الحبلى فاسد، وهل تحرم عليه بهذا الكلام؟ ينبغي أن لا تحرم. فإن قيل: وجب أن تحرم؛ لأن هذا إقرار منه بتزوجه إياها وهي حبلى، وصار كما إذا ادعى تزوجها بغير شهود. قلنا: الفرق أن النكاح بغير شهود فاسد لا محالة، ونكاح الحبلى ليس بفاسد لا محالة؛ لجواز أن تكون حبلى من الزنا. ولأن الشرع كذبه في إقراره؛ حيث أثبت النسب منه، والإقرار إذا كذبه الشرع يبطل. كذا في الفوائد الظهيرية. (وهو) أن الاستحلاف (على الاختلاف)؛ أي: الاختلاف المذكور في الأشياء الستة. (يبتنى عليها)؛ أي على الولادة لعدم حضور الرجال. (لأنه)؛ أي: الطلاق (ينفك عنها)؛ يعني: يوجد بدونها، وكذا الولادة توجد بدون الطلاق، وإن صار الطلاق (١) ههنا من لوازمها، كمن اشترى لحمًا فشهد مسلم أنه ذبيحة مجوسي؛ قبلت شهادته في حق حرمة الأكل، ولا يثبت تمجس الذابح في حق الرجوع على البائع بشهادة الواحد. كذا في
следующие страницы →