بِوِلَادَتِهَا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَبَلٌ ظَاهِرٌ، أَوِ اعْتِرَافٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ، فَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَثْبُتُ فِي الجَمِيعِ بِشَهَادَةِ امْرَأَة وَاحِدَة) (*) لِأَنَّ الفِرَاشَ قَائِمٌ بِقِيَامِ العِدَّةِ، وَهُوَ مُلزِمٌ لِلنَّسَبِ،
وفي جامع قاضي خان: حكم الرجعة كحكم البائن.
وعندهما يثبت في الجميع بشهادة امرأة واحدة مسلمة عدلة حرة، وبه قال أحمد.
وعند الشافعي: يشترط أربعة نسوة عدول. وعند مالك وابن أبي ليلى: يثبت بشهادة امرأتين.
وعند زفر: لا يثبت بشهادة النساء، فعندهما يشترط الحرية ولفظ الشهادة [ولا يشترط الذكورة والعدد. ذكره في المبسوط (١).
وفي المحيط: لا يشترط العدد كيلا يكثر النظر] (٢) إلى العورة.
قال مشايخ خراسان: يشترط لفظ الشهادة؛ لأنها موجبة حقا على غيره.
وعند مشايخ العراق لا يشترط قياسًا على العدد، وهل تقبل شهادة رجل؟
قيل: تقبل ولا يفسق، كما لو شهد رجلان أو رجل وامرأتان، ولا يكون حال الرجل دون حال المرأة.
وفي جامع قاضي خان: وعلى هذا الخلاف كل ما لا يطلع عليه الرجال.
وأجمع أصحابنا على أنه يقضي بالنسب بشهادة القابلة عند قيام النكاح، واختلفوا بعد الموت والطلاق؛ فعند أبي حنيفة: لا يثبت، وعندهما: يثبت.
قوله: (لأن الفراش قائم) وتفسير الفراش: كونها متعينة لماء الزوج، حتى أن كل ولد يحدث منها يثبت نسبه، والمعتدة بهذه المثابة، والفراش ملزم، والحاجة إلى إثبات الولادة وتعيين الولد، [فيثبت] (٣) بشهادة القابلة كما في حال قيام النكاح، أو إقرار الزوج أو الحبل الظاهر.
стр. 3432
وَالحَاجَةُ إِلَى تَعيِينِ الوَلَدِ أَنَّهُ مِنهَا فَيَتَعَيَّنُ بِشَهَادَتِهَا كَمَا فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ العِدَّةَ تَنقَضِي بِإِقْرَارِهَا بِوَضْعِ الحَملِ، وَالمُنقَضِي لَيْسَ بِحُجَّةٌ فَمَسَّت الحَاجَةُ إلَى إِثْبَاتِ النَّسَبِ ابْتِدَاء فَيُشْتَرَطُ كَمَالُ الحُجَّةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ ظَهَرَ الحَبَلُ أَوْ صَدَرَ الاعتِرَافُ مِنْ الزَّوجِ، لِأَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ قَبلَ الوِلَادَةِ، وَالتَّعَيُّنَ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهَا (فَإِنْ كَانَتْ
وإنما لا يثبت نسب المعتدة إذا جاءت به لأكثر من سنتين؛ لأن الفراش وإن كان قائما في العدة؛ لأن الماء انعدم حكمًا؛ لأنه لا يمكن تقدير الوطء؛ لما فيه من الشبهة إلى ارتكاب المُحَرَّم، ومع عدم الماء لا يثبت النسب، ولهذا لو جاءت امرأة الصبي به لا يثبت النسب لعدم الماء.
وذكر في كتاب الدعوى: إذا جاءت به لأكثر من سنتين فادعاه يثبت النسب؛ لأنا إنما لم نجعله واطئًا صيانة له عن الحرام، فإذا أقر على نفسه بالحرام، والفراش قائم يثبت النسب.
قال في النهاية: كذا وجدته بخط شيخي محالًا إلى القاضي الغني؛ لأن النسب ثابت قبل الولادة، وكذا في حال قيام الفراش يثبت قبل الولادة بسبب قائم وهو الفراش، وإنما الحاجة إلى تعيين الولادة.
ولا يقال: كيف تقبل شهادة الرجال هاهنا ولا يحل لهم النظر إلى العورة؛ لأنا نقول: أنهم لا يقولون: تعمدنا النظر، وإنما وقع ذلك اتفاقا، أو دخلت المرأة بين يدي الشهود بيننا بعدما علموا أن ليس فيه غيرها، ثم خرجت مع الولد، مع أن عند الحاجة إلى تحمل الشهادة يباح النظر للرجال، كما في الشهادة على الزنا، والحاجة تتحقق إذا لم يكن هناك مؤيد. كذا في جامعي شمس الأئمة وقاضي خان.
ولأنه إذا أقر بالحبل ائتمنها في الولادة، مع علمه أنه لا يبقى في البطن، فقبل قولها في رد الأمانة، كالحيض والطهر ورد الوديعة، وثبوت النسب بعد زوال الفراش يحتاج إلى حجة، وقول القابلة حجة في الولادة ومالا ينفصل عن الولادة وهو تعيين الولد، وفيما يقبل الفصل لا يقبل قولها، كقوله: (إذا حضتُ فعبدي حرّ)، ووقوع الطلاق وثبوت النسب يقبل الفصل عن الولادة، فلا بد من الحجة، وذلك ما ذكرنا.
стр. 3433
مُعتَدَّة عَنْ وَفَاةٍ فَصَدَّقَهَا الوَرَثَةُ فِي الوِلَادَةِ وَلَم يَشْهَد عَلَى الوِلَادَةِ أَحَدٌ، فَهُوَ ابْنُهُ فِي قَولِهِم جَمِيعًا) وَهَذَا فِي حَقِّ الإِرْثِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِم فَيُقْبَلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُم، أَمَّا فِي حَقِّ النَّسَبِ هَلْ يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ؟ قَالُوا: إِذَا كَانُوا مِنْ أَهلِ الشَّهَادَةِ يَثْبُتُ لِقِيَامِ الحُجَّةِ، وَلِهَذَا قِيلَ: يُسْتَرَطُ لَفظُ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: لَا تُسْتَرَطُ، لِأَنَّ النُّبُوتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِم تَبَعٌ لِلنُّبُوتِ فِي حَقِّهِم بِإِقْرَارِهِم، وَمَا ثَبَتَ تَبَعًا لَا يُرَاعَى فِيهِ الشَّرَائِطُ.
قوله: (فصدقها الورثة): ومعنى تصديق الورثة: أن يقرّوا به جميعًا، أو أقر جماعة بقطع الحكم بشهادتهم، بأن كان رجلان منهم أو رجل وامرأتان منهم؛ وجب الحكم بإثبات النسب، حتى يشارك المصدقين والمنكر. كذا ذكره البزدوي، والتمرتاشي.
قال الإسبيجابي: هذا جواب الاستحسان. وفي القياس: لا يثبت؛ لأنهم يقرون على الميت بالنسب فلا يقبل.
قال شمس الأئمة في تعليل المسألة: الورثة قائمون مقام الزوج. ولو قال الزوج: إنها ولدته يثبت النسب، فكذا بتصديق الورثة بعد موته، وهذا لأن ثبوت النسب باعتبار الفراش، وذلك باق ببقاء العدة بعد موته، والحاجة إلى الشهادة؛ ليظهر له ولادتها وتعيين الولد، وقد حصل ذلك بتصديق الورثة، فلا يكون ذلك إقرارًا على الميت بالنسب؛ إذ ثبوت النسب ليس باعتبار تصديقه، ولا باعتبار تصديق الورثة؛ بل باعتبار الفراش، وهذا جواب عن وجه القياس.
وقوله: (إذا كانوا من أهل الشهادة) بأن كانوا ذكورًا وإناثًا وهم من أهل الشهادة عدول.
(قيل: يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ)؛ أي: في مجلس الحكم؛ لأن النسب لا يثبت في حق الناس كافة إلا بلفظ الشهادة (وقيل: لا يشترط) وهو الصحيح. وفي الكتاب إشارة إليه، حيث قال: (وصدقه الورثة).
(وما ثبت تبعا): وفي بعض [النسخ] (١): وما ثبت بناء لا يراعي فيه الشرط؛ بل يثبت بشرائط المتبوع لا بشرائط نفسه كالعبد مع المولى، والجندي
стр. 3434
(وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَة فَجَاءَت بِوَلَد لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنذُ يَومِ تَزَوَّجَهَا، لَم يَثبُت نَسَبُهُ) لِأَنَّ العُلُوقَ سَابِقٌ عَلَى النِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ مِنهُ (وَإِنْ جَاءَت بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنهُ اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوجُ أَوْ سَكَتَ) لِأَنَّ الفِرَاشَ قَائِمٌ وَالمُدَّةُ تَامَّةٌ (فَإِنْ جَحَدَ الوِلَادَةَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَة وَاحِدَة تَشْهَدُ بِالوِلَادَةِ حَتَّى لَو نَفَاهُ الزَّوجُ يُلَاعِنُ) لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالفِرَاشِ القَائِمِ، وَاللْعَانُ إِنَّمَا يَجِبُ بِالقَدْفِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ وُجُودُ الوَلَدِ، فَإِنَّهُ يَصِحُ بِدُونِهِ (فَإِنْ وَلَدَت ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الزَّوجُ: تَزَوَّجتُكِ مُنذُ أَربَعَة أشهر، وَقَالَتْ هِيَ: مُنذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَالقَولُ قَولُهَا وَهُوَ ابْنُهُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا
مع السلطان في حق الإقامة، ووقف المنقول تبعًا للعقار.
قوله: (اللعان إنما يجب) إلى آخره: جواب عما يقولان على أبي حنيفة استدلالا بهذه المسألة: إن اللعان لا يثبت بشهادة القابلة، وهو بمنزلة الحد لما عرف، والحد لا يثبت بشهادة امرأة واحدة، فلأن النسب كان أولى.
فلم قلت في المسألة المتقدمة: أن لا يثبت النسب بشهادة امرأة واحدة؟ فأجاب عنه بقوله: وليس من ضرورة اللعان نفي الولد؛ بل اللعان يثبت بقذفها بالزنا بلا نفي الولد، ولكن وجب اللعان ههنا ضمنا لنفي الولد الذي يثبت نسبه بالفراش القائم.
وشهادة المرأة لتعيين الولد لا أن يكون اللعان مضافًا إلى جهته، كما تثبت الرمضانية بشهادة الفرد، فلا يجوز إيجابها بشهادة الفرد، ثم أفطر متعمدا بعد ذلك؛ وجبت الكفارة بالإفطار، والكفارة جارية مجرى الحد، فلا يجوز إيجابها بشهادة الفرد؛ لكن وجوبها باعتبار ثبوت الرمضانية لا باعتبار شهادة الفرد، فكذا ههنا وجوب اللعان واستحقاق الميراث باعتبار ثبوت النسب لا باعتبار شهادة القابلة قصدًا.
قوله: (لأن الظاهر شاهد لها) وهو أنها تلد من نكاح لا سفاح، وإن كان ظاهر آخر يشهد له، وهو أن الحوادث تضاف إلى أقرب الأوقات وجودًا، والنكاح حادث.
ولأن العدم أصل في الأشياء؛ لأن النسب مما يحتاط في إثباته، فمتى يعارض الظاهر إن وجب إثباته؛ ألا ترى أن النسب يثبت لإيماء مع القدرة على
стр. 3435
فَإِنَّهَا تَلِدُ ظَاهِرًا مِنْ نِكَاحِ لَا مِنْ سِفَاحٍ، وَلَم يَذْكُرِ الاسْتِحْلَافَ وَهُوَ عَلَى الاختلاف.
(وَإِنْ قَالَ لامرأته: إِذَا وَلَدت) وَلَدًا (فَأَنتِ طَالِقٌ، فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ عَلَى الوِلَادَةِ، لَم تَطلُق عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تَطلُقُ) (*) لِأَنَّ شَهَادَتَهَا حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ. قَالَ ﵊: «شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الرِّجَالُ النَّظَرَ إِلَيْهِ» وَلِأَنَّهَا لَمَّا قُبِلَت فِي الوِلَادَةِ تُقبَلُ فِيمَا يُبتَنَى عَلَيْهَا وَهُوَ الطَّلَاقُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهَا ادَّعَت الحِنثَ فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِحُجَّة تَامَّة، وَهَذَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ ضَرُورِيَّةٌ فِي حَقِّ الوِلَادَةِ، فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ يَنفَكُ عَنهَا (وَإِنْ كَانَ الزَّوجُ قَدْ أَقَرَّ بِالحَبَلِ
النطق، وسائر التصرفات لا تثبت، وظاهر حالها أيضًا يتأبد بظاهر حاله؛ وهو أنه لا يباشر النكاح بصفة الفساد، فإن نكاح الحبلى فاسد، وهل تحرم عليه بهذا الكلام؟ ينبغي أن لا تحرم.
فإن قيل: وجب أن تحرم؛ لأن هذا إقرار منه بتزوجه إياها وهي حبلى، وصار كما إذا ادعى تزوجها بغير شهود.
قلنا: الفرق أن النكاح بغير شهود فاسد لا محالة، ونكاح الحبلى ليس بفاسد لا محالة؛ لجواز أن تكون حبلى من الزنا. ولأن الشرع كذبه في إقراره؛ حيث أثبت النسب منه، والإقرار إذا كذبه الشرع يبطل. كذا في الفوائد الظهيرية.
(وهو) أن الاستحلاف (على الاختلاف)؛ أي: الاختلاف المذكور في الأشياء الستة.
(يبتنى عليها)؛ أي على الولادة لعدم حضور الرجال.
(لأنه)؛ أي: الطلاق (ينفك عنها)؛ يعني: يوجد بدونها، وكذا الولادة توجد بدون الطلاق، وإن صار الطلاق (١) ههنا من لوازمها، كمن اشترى لحمًا فشهد مسلم أنه ذبيحة مجوسي؛ قبلت شهادته في حق حرمة الأكل، ولا يثبت تمجس الذابح في حق الرجوع على البائع بشهادة الواحد. كذا في
стр. 3436
طَلُقَتْ مِنْ غَيْرِ شَهَادَة عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِندَهُمَا تُشْتَرَطُ شَهَادَةُ القَابِلَةِ) (*) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُجَّة لَدَعوَاهَا الحِنتَ، وَشَهَادَتُهَا حُجَّةٌ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَا. وَلَهُ: أَنَّ الإِقْرَارَ بِالحَبَلِ إقْرَارٌ بِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ وَهُوَ الوِلَادَةُ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِكَونِهَا مُؤتَمَنَةٌ فَيُقْبَلُ قَولُهَا فِي رَدِّ الأَمَانَةِ. قَالَ: (وَأَكثَرُ مُدَّةِ الحَملِ سَنَتَانِ)
جامع قاضي [خان] (١).
فإن قيل: يشكل عليه جريان اللعان بنفي نسب ولدها منه عند ثبوت الولادة بشهادة القابلة، ولو قبل اللعان بنفي الولد لا بشهادة القابلة؛ فإنا نقول: الطلاق ههنا بالولادة لا بشهادة القابلة.
قلنا: ثبت اللعان بالقذف بعد ثبوت النسب بالفراش القائم عند شهادة القابلة، وأما لو قلنا بالطلاق عند شهادة القابلة؛ كانت شهادة القابلة مثبتة حكمين معًا، من غير تراخ لأحدهما عن الآخر، وهما الولادة بوقوع الطلاق وشهادة القابلة. وإن كانت مقبولة في أحدهما وهو الولادة؛ لا يلزم أن تكون مقبولة في حق الآخر؛ لانعدام ما يوجب القبول فيه، وصار كما لو علق طلاقها وطلاق ضرتها بحيضها، فقالت: (حضت) فنقبل قولها في حقها لا في حق ضرتها، كذا ههنا.
قوله: (وعندهما: تشترط شهادة القابلة) وعلى هذا الخلاف: لو كان الحبل ظاهرا ثم علق الطلاق بالولادة.
(على ما بينا)؛ أي: في المسألة الأولى.
قوله: (بكونها مؤتمنة)؛ لأنه علق طلاقها بأمر كائن وهو الولادة، فكانت كالحيض، فثبتت بحر المرأة كالحيض بل أولى؛ لأن الولد الكائن في الخروج حيا أو ميتا لا محالة. وأما الحيض فبناء على العادة. ولأن الإقرار بالولد إقرار بالولادة؛ لأن الولد لا يبقى في البطن أبدا. كذا ذكره الإمام الكاشاني.
قوله: (وأكثر مدة الحمل سنتان): اختلف العلماء، فقال أصحابنا: سنتان،
стр. 3437
لِقَولِ عَائِشَةَ ﵂: «الوَلدُ لَا يَبْقَى فِي البَطنِ أَكثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَو بِظِلٍّ مِعْزَل».
وبه قال أحمد في رواية، والثوري، والضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان. وقال الشافعي، ومالك في المشهور، وأحمد في المشهور: أربع سنين. وقال عبادة القواد خمس سنين. وقال الزهري: ست سنين. وقال ربيعة بن عبد الرحمن: سبع سنين.
وروي عن الليث بن سعد عن ابن عجلان: أن امرأته وضعت رجلًا لأربع سنين، ووضعت في سبع سنين.
وروي أن رجلا غاب عن امرأته، ثم قدم وهي حامل، فهم عمر ﵁ برجمها، فقال معاذ: أن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فتركها حتى ولدت فأتت بولد يشبه أباه، فلما رآه الرجل قال: ولدي ورب الكعبة، فقال عمر ﵁: لولا معاذ لهلك عمر، وأثبت نسبه وولد لأكثر من سنتين.
وروي أن الضحاك ولدته أمه لأربع سنين بعد ما نبتت ثنيتاه وهو يضحك، فسمي الضحاك.
كان عبد العزيز الماجشون ولدته أمه لأربع سنين.
وروي أن الماجشونيات كن يلدن في أربع سنين. فإذا وجد ذلك ولو نادرًا؛ فلم يجز أن يقدر أكثرها بما دون ذلك.
ولنا: قول عائشة … إلى آخره.
(وَلو بِظِلَّ مِغْزَلٍ)؛ أي: بقدر مكث ظله حال الدوران؛ لأن ظله حال الدوران أسرع زوالًا من سائر الظلال، والغرض بقليل المدة.
وفي بعض النسخ: ولو بفلكة مغزل، وهو رواية المبسوط والإيضاح، أي: بدور فلكة مغزل.
ولأن الأحكام تبنى على العادة الظاهرة، وبقاء الولد في البطن أكثر من السنتين في غاية الندورة، فلا يجوز بناء الحكم عليه، مع أنه لا أصل لما يحكى في هذا الباب، فإن الضحاك وعبد العزيز ما كانا يعرفان ذلك من أنفسهما،
стр. 3438
(وَأَقَلُّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] فَبَقِيَ لِلحَملِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالشَّافِعِيُّ يُقَدِّرُ الأَكثَرَ بِأَربَعِ سِنِينَ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَالَتْهُ سَمَاعًا إِذِ العَمَلُ لَا يَهْتَدِي
وكذلك غيرهما؛ لأن ما في الرحم لا يعلمه إلا الله.
ولا حجة له في حديث عمر؛ لأنه إنما أثبت النسب بالفراش القائم به الحال، أو بإقرار الزوج، وبه نقول.
وَأَمَّا حَدِيثُ امرَأَةِ عِجْلَانَ؛ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّيْثُ: أَنَّ امرَأَتَهُ وَضَعَتْ وَلَدًا لِسَبْعِ سِنِينَ، فَكُلُّ جَوَابٍ لَكُمْ عَلَى مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعِ سِنِينَ فَهُوَ جَوَابُنَا عَمَّا زَادَ عَلَى سَنَتَيْنِ، وَمَا حَكَوْهُ مِنَ الحِكَايَاتِ لَا يَثْبُتُ، وَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الحِكَايَةِ.
وفي السهيلي: ما حكوا من الماجشونيات بعيد؛ لأن الولادة قل ما تختلف، ولأن ذلك لا يعرف من جهتهن، وقولهن ليس بحجة على غيرهن، خاصة في إثبات أصل من أصول الشرع.
قوله: (وأقله ستة أشهر) ولا خلاف لأحد من العلماء في أقل مدة الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ﴾ [الأحقاف: ١٥] الآية.
فإن قيل: هذا التمسك مخالف لما تمسكه في الرضاع، حيث جعل هناك ثلاثون شهرًا لكل واحد من الحمل والفصال، ثم أظهر النقص في حق الحمل، وههنا قال: بقي للحمل ستة أشهر.
قلنا: هذا تأويل خرجه ابن عباس. ذكره في المبسوط (١) فقال: روي أن رجلًا تزوج امرأة فولدت لستة أشهر، فهم عثمان برجمها، فقال ابن عباس: لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم، فإنه تعالى قال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ لم يبق للحمل إلا ستة أشهر، فدرأ عنها عثمان. وهكذا ورد عن علي مع عمر، فههنا تمسك بإقدام عثمان على الرجم أنها لا تكون أقل من ستة أشهر، وكذا بتأويل ابن عباس.
стр. 3439
إِلَيْهِ. (وَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَطَلَّقَهَا ثُمَّ اسْتَرَاهَا، فَإِنْ جَاءَت بِوَلَد لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنذُ يَومِ اشْتَرَاهَا لَزِمَهُ، وَإِلَّا لَم يَلزَمهُ)؛ لِأَنَّهُ فِي الوَجهِ الأَوَّلِ: وَلَدُ المُعتَدَّةِ فَإِنَّ العُلُوقَ سَابِقٌ عَلَى الشَّرَاءِ، وَفِي الوَجهِ الثَّانِي: وَلَدُ المَملُوكَةِ، لِأَنَّهُ يُضَافُ الحَادِثُ إِلَى
وعلي، مع عدم مخالفة أحد من الصحابة، فلا يكون متناقضا. كذا قيل.
ولأنه ثبت بالنص أن الولد ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر كما ذكره، وبعد ما نفخ فيه الروح يتم خلقته بشهرين، فيتحقق انفصاله لستة أشهر مستوي الخلقة، وقد روي أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر.
قوله: (فَطَلَّقَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا): يريد به طلقها بعد الدخول؛ إذ لو كان قبل الدخول لا يلزمه الولد إلا أن تجيء به لأقل من ستة أشهر منذ فارقها.
قوله: (في الوجه الأول) وهو ما إذا جاءت به لأقل من مدة ستة أشهر منذ فارقها.
(وفي الوجه الثاني) وهو ما إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر أو أكثر من وقت الشراء؛ لا يلزمه الولد إلا بالدعوة؛ لما قلنا: إن الحوادث ترد وتضاف إلى أقرب الأوقات، والعلوق حادث فيضاف إلى (١) أقرب أوقاته، وفي أقرب أوقاته كانت مملوكة فلا يلزمه الولد بلا دعوة.
وكذا لو أسلمت كتابية تحت مسلم، ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر، ولأقل من سنتين بعد الإسلام فنفاه؛ لاعن ويقطع نسب الولد، وإن احتمل علوقه قبل الإسلام، ولكن العلوق حادث، والأصل في الحوادث ما قلنا.
وكذا حر تحته أمة أعتقها مولاها، فجاءت بولد لأكثر من ستة أشهر، ولأقل من سنتين من وقت الإعتاق، فنفاه الزوج؛ لا عن وإن احتمل العلوق قبل الإعتاق.
فإن قيل: ما ذكرتم ينتقض بمسائل:
أحدها: ما لو قال لامرأتيه: أحدكما طالق ثلاثًا، ولم يبين حتى ولدت أحدهما لأكثر من ستة أشهر من وقت الإلحاق، ولأقل من سنتين منه؛ فالإلحاق
стр. 3440
أَقْرَبِ وَقتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَعوة، وَهَذَا إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ وَاحِدًا بَائِنَا أَوْ خُلعًا أَوْ رَجِعِيًّا، أَمَّا إِذَا كَانَ اثْنَتَيْنِ يَثْبُتُ النَّسَبُ إِلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقتِ الطَّلَاقِ، لِأَنَّهَا حُرِّمَت عَلَيْهِ حُرمَة غَلِيظَة فَلَا يُضَافُ العُلُوقُ إِلَّا إِلَى مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِالشِّرَاءِ.
على إبهامه، ولا يتعين ضرتها للطلاق. ذكره في الزيادات.
وثانيها: ما لو قال: إذا حبلت فأنت طالق، فولدت لأقل من سنتين من وقت التعليق؛ لا يقع الطلاق، فكذا لو كان هذا في تعليق للعتاق بالحبل.
وثالثها: المطلقة الرجعية إذا جاءت به لأقل من سنتين من وقت الطلاق؛ لا يصير مراجعًا، لو كانت الحوادث تضاف إلى أقرب الأوقات لثبتت هذه الأحكام، أعني: البيان والطلاق والرجعة.
قلنا: الحوادث إنما تضاف إلى أقرب الأوقات إذا لم تتضمن إبطال ما كان ثابتا بالدليل، أو ترك العمل المقتضى، أما إذا تضمن فلا، ومتى عولت على ما قلنا، ثم استقرأت ما ذكرنا من المسائل؛ وجدت الأمر على ما عولنا عليه. كذا في الفوائد الظهيرية.
(فلا يضاف العلوق إلا إلى ما قبله)؛ أي: ما قبل الطلاق حمل أمر المسلم على الصلاح؛ إذ الوطء لا يحل له بعد الشراء؛ لأنها حرمت عليه حرمة غليظة بالسنتين، وإذا لم يحل وطئها بملك اليمين لا يفضي بالعلوق من أقرب الأوقات؛ إذ في القضاء بالعلوق إلى أقرب الأوقات يلزم حمل أمر المسلم على الحرام، وهو التمكن منها للوطء الحرام، ووطء الحرام من المولى.
فإن قيل: وجب أن يحل بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾.
قلنا: [لا يحل] (١) لقوله تعالى ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. والثانية في الأمة كالثالثة في الحرمة، والمحرم أولى. روي عن [ابن] (٢) عمر ﵁ " أنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام". كذا ذكره قاضي خان والكشاني والمرغيناني.
وإذا لم يحل وطئها فلا تضاف إلى أقرب الأوقات؛ بل تضاف إلى الأبعد،
стр. 3441
(وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ كَانَ فِي بَطْنِكِ وَلَدٌ فَهُوَ مِنِّي، فَشَهِدَت عَلَى الوِلَادَةِ امْرَأَةٌ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ) لِأَنَّ الحَاجَةَ إِلَى تَعيِينِ الوَلَدِ، وَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ القَابِلَةِ بِالإِجْمَاعِ.
(وَمَنْ قَالَ لِغُلَام: هُوَ ابْنِي، ثُمَّ مَاتَ، فَجَاءَت أُمُّ الغُلَامِ وَقَالَتْ: أَنَا امْرَأَتُهُ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَهُوَ ابْنُهُ يَرِثَانِهِ) وَفِي «النَّوَادِرِ»: جُعِلَ هَذَا جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ، وَالقِيَاسُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا المِيرَاثُ، لِأَنَّ النَّسَبَ كَمَا يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الفَاسِدِ وَبِالوَطْءِ عَنْ شُبَهَة وَبِمِلكِ اليَمِينِ، فَلَم يَكُنْ قَولُهُ إِقْرَارًا بِالنِّكَاحِ.
وهو ما قبل الطلاق، فيلزمه الولد إذا جاءت به لأقل من سنتين منذ الطلاق.
قوله: (فهي أم ولده)؛ أي بالإجماع؛ لأن سبب وجود النسب قد وجد، وهو الدعوة والحاجة إلى تعيين الولد وإثبات الولادة، وشهادة القابلة حجة في ذلك (بالإجماع)؛ أي: باتفاق أصحابنا، وهو قول أحمد، وقد مر الخلاف فيه.
هذا إذا ولدته لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار، ولو ولدته لستة أشهر أو أكثر لا يلزمه؛ لاحتمال أنها حبلت بعد مقابلة المولى، فلم يكن المولى مدعيًا هذا الولد بخلاف الأول؛ لتيقننا بقيامه في البطن [بعد] (١) القول، فتيقنا بالدعوى. كذا في جامع قاضي خان.
قوله: (يَرِثَانِهِ) إلى آخره.
فإن قيل: ثبت النكاح ههنا بطريق الاقتضاء، فيثبت بقدر الضرورة، وهو يصحح النسب دون الإرث.
قلنا: النكاح غير متبوع من نكاح هو سبب استحقاق الإرث، ونكاح هو ليس بسبب له في الأصل، فإذا ثبت ما هو من لوازمه التي لا ينفك عنها شرعًا، بخلاف نكاح الأمة والكتابية؛ لأنه من العوارض لا من الأصول، فلا يُر نقضًا. كذا قيل.
قوله: (أن لا يكون لها ميراث): وذكر التمرتاشي: ولكن لها مثل مهر المثل؛ لأنهم أقروا بالدخول بها، ولم يثبت كونها أم ولد بقولهم.
стр. 3442
وَجْهُ الإِستِحسَانِ: أَنَّ المَسأَلَةَ فِيمَا إِذَا كَانَتْ مَعْرُوفَة بِالحُرِّيَّةِ وَبِكَونِهَا أُمَّ الغُلَامِ وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ هُوَ المُتَعَيِّنُ لِذَلِكَ وَضِعًا وَعَادَة (وَلَو لَم يُعْلَمْ بِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَقَالَت الوَرَثَةُ: أَنتِ أُمُّ وَلَد له، فَلَا مِيرَاثَ لَهَا) لِأَنَّ ظُهُورَ الحُرِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ الدَّارِ حُجَّةٌ فِي دفعِ الرِّق، لا في استحقَاقِ المِيرَاثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بابُ مَنْ أحقُّ بالوَلَد؟
(وَإِذَا وَقَعَت الفُرقَةُ بَينَ الزَّوجَينِ فَالأُمُّ أَحَقُّ بِالوَلَدِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَة قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطنِي لَهُ وِعَاء وَحِجْرِي لَهُ حِوَاء وَثَديِي لَهُ سِقَاء، وَزَعَمَ أَبُوهُ أَنَّهُ يَنزِعُهُ مِنِّي، فَقَالَ ﵊: أَنتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَم
(لا في استحقاق الميراث): [والحاجة هاهنا إلى استحقاق الإرث] (١) فلا يقضى به كالمفقود يجعل حيًّا في ماله، حتى يدفع إرث غيره منه، ولم يجعل حيا بالنسبة إلى غيره، حتى لا يرث من أحد.
باب من أحق بالولد؟
لما ذكر ثبوت النسب من المنكوحات والمعتدات؛ احتاج إلى ذكر من يكون الولد عنده بعد الفرقة.
ثم الصغير لما عجز عن النظر لنفسه والقيام بحوائجه؛ جعل الشرع الولاية إلى من هو مشفق عليه، فجعل ولاية التصرف إلى الأب؛ لقوة رأيه مع الشفقة، وحق الحضانة إلى الأم؛ لرفقها في ذلك مع الشفقة عليه، وهي أقدر على ذلك للزومها البيت وكونها أشفق؛ لأنه جزؤها حقيقة، ولهذا يقرض بالمقراض.
قوله: (فالأم أحق بالولد) بإجماع أهل العلم، سواء كانت كتابية أو مجوسية؛ لأن الشفقة لا تختلف باختلاف الدين.
(لما روي أن امرأة): في المبسوط (٢): الأصل: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة … الحديث رواه أبو داود وابن حنبل.
قيل: هو عمرو بن شعب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فإن
стр. 3443
تَتَزَوَّجِي»، وَلِأَنَّ الأُمَّ أَشفَقُ وَأَقدَرُ عَلَى الحَضَانَةِ، فَكَانَ الدَّفْعُ إِلَيْهَا أَنظَرَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الصِّدِّيقُ بِقَولِهِ: رِيقُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ شَهِدٍ وَعَسَلَ عِنْدَكَ يَا عُمَرُ، قَالَهُ حِينَ وَقَعَت الفُرقَةُ بَينَهُ وَبَينَ امْرَأَتِهِ وَالصَّحَابَةُ حَاضِرُونَ مُتَوَافِرُونَ (وَالنَّفَقَةُ عَلَى الأَبِ عَلَى مَا نَدْكُرُ (وَلَا تُجِبَرُ الأُمُّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا عَسَت تَعْجَرُ عَنِ الحَضَانَةِ
أراد بجده محمد كان الحديث مرسلًا، وإن أراد به عبد الله كان متصلا، فإذا أُطلقق احتمل الإرسال والاتصال، وعمرو بن شعيب ومحمد ثقات، وإن كان مرسلًا فهو صحيح، وهاهنا نص على جده عبد الله فكان متصلا.
والحواء - بالكسر -: بيت من الوبر والجمع: الأحوية. كذا في الصحاح (١).
قوله: (وإليه أشار الصِّدِّيقُ)؛ أي: حين خاصم عمر أم عاصم - اسمها جميلة - حين طلقها لينزع العاصم منها، قال له أبو بكر: "ريقها خير له من شهد، - وفي المبسوط وغيره: ريحها (٢). وفي رواية: ريح لفاعها، وهو ثوب تشتمل به المرأة - خير له من سمن وعسل عندك يا عمر، فدعه عندها "، فقضى به بحضرة الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فحل محل الإجماع.
والشهد - بفتح الشين وضمها - في قضاء أبي بكر: عسل النحل في شمعه.
ولأن الأم أشفق وأقدر على الحضانة كما بينا، فكانت هي أولى.
(والنفقة على الأب) إذا لم يكن للصغير مال (على ما نذكر)؛ أي: في النفقات.
قوله: (وَلَا تُجْبَرُ الأُمُّ عَلَيْهِ)؛ أي: على أخذ الولد، إذا طلبت فهي أحق، وإن أبت لا تجبر على الحضانة، وبه قال الشافعي ومالك في رواية وأحمد والثوري.
وقال مالك في رواية وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبو ثور: تجبر، واختاره أبو الليث والهندواني من أصحابنا؛ لأن ذلك حق الولد بقوله تعالى:
стр. 3444
(فَإِنْ لَم تَكُنْ لَهُ أُمِّ، فَأُمُّ الأُمِّ أَولَى مِنْ أُمِّ الأَبِ وَإِنْ بَعُدَت) لِأَنَّ هَذِهِ الوِلَايَةَ تُستَفَادُ مِنْ قِبَلِ الْأُمَّهَاتِ
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] والمراد به الأمر، وهو للوجوب.
والمشهور عن مالك: لا تجبر في الشريعة التي لا عادة لها بإرضاع الولد، وإن كانت ممن تُرضِع تُجبر، فإن لم يوجد غيرها أو لم يأخذ الولد ثدي غيرها؛ أجبرت بلا خلاف.
ويجبر الأب على أخذ الولد بعد استغنائه عن الأم؛ لأن نفقته وصيانته عليه بالإجماع.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] وإذا اختلفا فقد تعاسرا، ولأنها عسى تعجز فلا يصح الإلزام.
ولأن الإلزام [إما] (١) أن يكون لِحَقِّ الزوج أو لِحَقِّها، فلا وجه إلى الأول؛ فإنه لا يملك إجبارها على إرضاع ولده من غيرها، ولا على إجبارها على خدمته. ولا يجوز أن يكون لِحَقِّ الولد؛ لأنه لو كان كذلك لما سقط بعد الفرقة، ولا وجب عليه كلفة الحضانة. ولا يجوز أن يكون لهما؛ لأن ما لا يناسب للإيجاب عند الانفراد لا يؤثر عند الانضمام.
والآية محمولة على حالة الإنفاق وعدم التعاسر. أو لأن الأمر للاستحباب، يقال: حضنت المرأة ولدها؛ إذا ربته في حضنها، أي: جنبها حضانة.
قوله: (فإن لم تكن له أم) بأن كانت غير أهل الحضانة، أو متزوجة بغير محرم، أو ميتة (فأم الأم أولى) في الحضانة (من أم الأب وإن بعدت)؛ أي: وإن علت عند الجمهور.
وعن أحمد: أم الأب أولى. وهو ضعيف؛ لأن أم الأم تدلي بالأم، وهي مقدمة على الكل في الحضانة.
(لأن هذه الولاية)؛ أي: ولاية الحضانة (تستفاد)؛ أي: حق ثابت للأمهات، فما دامت واحدة منهن من جانب الأم قائمة؛ فهي أحق.
стр. 3445
(فَإِنْ لَم تَكُنْ أُمَّ الأُمِّ، فَأُمُّ الأَبِ أَولَى مِنْ الأَخَوَاتِ) لِأَنَّهَا مِنْ الأُمَّهَاتِ، وَلِهَذَا: تَحَرَّزَ مِيرَاثُهُنَّ السُّدُسُ، وَلِأَنَّهَا أُوفَرُ شَفَقَة لِلوِلَادِ (فَإِنْ لَم تَكُنْ لَهُ جَدَّةٌ فَالْأَخَوَاتُ أُولَى مِنْ العَمَّاتِ وَالخَالَاتِ) لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ الأَبَوَينِ، وَلِهَذَا قُدِّمنَ فِي المِيرَاثِ. وَفِي رِوَايَةِ: الخَالَةُ أَولَى مِنْ الأُختِ لِأَبِ
قوله: (فإن لم تكن)؛ أي: أمُّ الأمّ (فأمُّ الأب أولى من الأخوات) وإن علت.
وعند زفر: الأخت من الأب أو الأم أو الخالة أولى من أم الأب؛ لأن استحقاق الحضانة باعتبار قرابة الأم.
وقلنا: هذه أم في نفسها كأم الأم، والأم مقدمة على غيرها في الحضانة.
(ولهذا تحرز ميراثهن السدس): وأصل الشفقة باعتبار الولاد، وذلك للجدات دون الأخوات والخالات لكانت أوفر شفقة.
وعن مالك: الخالة مقدمة على الجدة لأب؛ لما روي عن البراء بن عازب أن عليا وجعفر الطيار وزيد بن حارثة تخاصموا في بنت حمزة، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال زيد بنت أخي، وقال جعفر: بنت عمي وخالتها عندي، فقضاها رسول الله ﷺ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم» (١) متفق عليه، ويروى: «الخالة أم».
ولنا: أن الجدة أم الأب صاحبة فرض وارثة كالأم، وليست الخالة كذلك؛ فإنها من ذوي الأرحام، والحديث يدل على أنها لها في الجملة ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في تقديمها على أم الأب، والحديث لا يدل عليه، ولأولاد الخالة ولا وراثة، وللوراثة والولاد لهما يرضخ في الحضانة، ومالك أول من ترك هذا الحديث؛ لأنها لو كانت بمنزلة الأم في الجملة ينبغي أن تكون وارثة في الجملة، ولا نقول به، وإنما قال زيد بن حارثة: هي بنت أخي؛ لأنه ﵇ آخي بينه وبين حمزة. وبقولنا قال الشافعي وأحمد.
قوله: (وفي رواية: الخالة أولى من الأخت لأب): ذكر في كتاب الطلاق:
стр. 3446
لِقَولِهِ ﵊: «الخَالَةُ وَالِدَةٌ» وَقِيلَ فِي قَوله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] إِنَّهَا كَانَتْ خَالَتَهُ (وَتُقَدَّمُ الأُختُ لِأَبِ وَأُمٌ) لِأَنَّهَا أَسْفَقُ (ثُمَّ الأختُ مِنْ الأُمِّ ثُمَّ الأختُ مِنْ الأَبِ) لِأَنَّ الحَقَّ لَهُنَّ مِنْ قِبَلِ الأُمِّ (ثُمَّ الخَالَاتُ
والخالة أولى من الأخت لأب؛ اعتبارًا بالمدلي، فإن الخالة تدلي بالأم والأم مقدمة في الحضانة على الأب، فكذا من تدلي.
وفي كتاب النكاح: ثم بعد الأخت لأم الأخت لأخت أولى من الخالة؛ اعتبارًا بقرب القرابة، والأخت أقرب؛ لأنها ولد الأب، والخالة ولد الجد. ثم على رواية كتاب النكاح: يدفع بعد الأخت لأب إلى بنت الأخ لأب وأم، ثم إلى الخالة لأم، ثم إلى الخالة لأب، ثم إلى العمة لأب وأم، ثم لأم ثم لأب، ثم إلى خالة الأم لأب وأم، ثم لأم ثم لأب، ثم العمات على هذا الترتيب، وبنات الأخت أولى من بنات الأخ؛ لأن بنت الأخت تدلي إلى من له حق الحضانة.
وأما بنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات فبمعزل عن حق الحضانة؛ لأن قرابتهن لم تتأكد بالمحرمية. كذا في المحيط.
وفي البدائع: لا حق للرجال من قبل الأم في الحضانة، ولا يُسلّم إليهن إلا بطلبهن، بخلاف الأب عند استغناء الصغير يجبر على القبول.
وفي المنصوري: ابن العم أولى بالذكر، والخال أولى بالأنثى، وكل ذكر من قبل الأم [لا حق له في الولد مع العصبية، إلا الخال مع ابن العم، فينظر في النساء من كان من قبل الأم] (١) وفي الرجال من كان من قبل الأب، ويدفع الصغير إلى مولى العتاقة لا الصغيرة.
قوله: (ثم الأخت من الأم ثم الأخت من الأب): وبه قال المزني وابن سريج من الشافعية.
وقال الشافعي: في الأصح تقدم الأخت لأب على الأخت لأم، وبه قال أحمد، واعتبراه بقوة الميراث.
وقلنا: الاعتبار للإدلاء إلى من له حق الحضانة واعتباره بقوة الإرث
стр. 3447
أُولَى مِنْ العَمَّاتِ تَرْجِيحًا لِقَرَابَةِ الأُمِّ (وَيَنزِلْنَ كَمَا نَزَّلْنَا الْأَخَوَاتُ) مَعْنَاهُ: تَرْجِيحُ ذَاتِ قَرَابَتَينِ ثُمَّ قَرَابَةِ الأُمِّ ثُمَّ العَمَّاتُ يَنزِلنَ كَذَلِكَ، وَكُلُّ مَنْ تَزَوَّجَت مِنْ هَؤُلَاءِ يَسقُطُ حَقَّهَا لِمَا رَوَينَا، وَلِأَنَّ زَوجَ الأُمِّ إِذَا كَانَ أَجنَبِيًّا يُعطِيهِ نَوْرًا وَيَنظُرُ إِلَيْهِ شَرْرًا فَلَا نَظَرَ. قَالَ: (إِلَّا الجَدَّةَ إِذَا كَانَ زَوجُهَا الجَدَّ) لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ أَبِيهِ فَيُنظَرُ لَهُ (وَكَذَلِكَ
فاسد، فإن الأم تأخذ السدس مع الأختين، وهما يأخذان الثلثان إذا كانتا لأبوين أو لأب والحضانة للأم، وأم الأم تأخذ السدس، والأخت تأخذ النصف، والحضانة لأم الأم دون الأخت وأمهات جد الأب يُقدَّمْنَ على الأخوات ولا ميراث لهن والحضانة تثبت للعمات ولا ميراث لهن، والخالة من الأم تقدم على الخالة من الأب عندنا، وعند الشافعي وأحمد على العكس. وكذا خالة الأم وهي أخت أم الأم على خالة الأب، وهي أخت أم الأب عندنا، خلافًا لهم.
وقال أحمد: لو عدمت الأم وأمهاتها؛ فالحضانة للأب ثم لأمهاته، ثم للجد ثم لأمهات الجد، ثم لجد الأب ثم لأمهاته، ولا ينتقل إلى الأخوات إلا إذا انقرض الآباء والأمهات وإن علوا.
وقال زفر: الأخت لأب والأخت لأم يستويا في الحضانة؛ لأن الحق القرابة الأم.
وقلنا: ذو قرابتين أشفق، ويجوز أن يقع الترجيح بما ليس بعلة الاستحقاق، كما في العقوبة. ذكره في المبسوط وجامع قاضي خان.
وقوله: (لما روينا)؛ وهو قوله ﵇: «ما لم تتزوجي» (١) وفيه خلاف الحسن البصري.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم إلا الحسن، وهو رواية عن أحمد، واحتجا بحديث بنت حمزة، فإنه ﵇ دفعها إلى خالتها وكانت متزوجة بغير محرم منها، فإذا لم يمنع الاستحقاق ابتداء، فالأولى أن لا يمنعه بقاء.
стр. 3448
كُلُّ زَوج هُوَ ذُو رَحِم مَحرَم مِنهُ) لِقِيَامِ الشَّفَقَةِ نَظَرا إلَى القَرَابَةِ القَرِيبَةِ (وَمَنْ سَقَطَ حَقَّهَا بِالتَّزَوُّجِ يَعُودُ إِذَا ارْتَفَعَت الزَّوجِيَّةُ) لِأَنَّ المَانِعَ قَدْ زَالَ.
(فَإِنْ لَم تَكُنْ لِلصَّبِيِّ امْرَأَةٌ مِنْ أَهلِهِ فَاحْتَصَمَ فِيهِ الرِّجَالُ فَأُولَاهُم أَقْرَبُهُم تَعصِيبًا) لِأَنَّ الوِلَايَةَ لِلأَقْرَبِ، وَقَدْ عُرِفَ التَّرْتِيبُ فِي مَوضِعِهِ، غَيْرَ أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تُدفَعُ إِلَى عَصَبَة غَيْرِ مَحرَمٍ، كَمَولَى العَتَاقَةِ وَابْنِ العَمِّ تَحَرُّزًا عَنِ الفِتْنَةِ.
وللجمهور ما روينا بقوله ﵇: «ما لم تتزوجي»، وفي رواية: «حتى تنكحي»، قالوا: وكان جعفر من أهل الحضانة.
يقال: شيء نذر؛ أي: قليل، ويقال: نظر إليه شزرًا، وهو نظر المبغض. كذا في الديوان.
وقوله: (هو)؛ أي: الزوج (ذو رحم محرم منه)؛ أي: من الصغير، كعم الولد إذا تزوج أم الولد، وإنما نزع من يدها إذا تزوجت بغير محرم، وإذا ارتدت أو خيف على الصبي؛ لأن المانع قد زال والسبب قائم يعود الحق، كالصغر والجنون والفسق والرق على قول من جعله مانعًا، وكالناشزة تسقط نفقتها بالنشوز، فإذا زال النشوز عادت نفقتها.
وبقولنا: قال الشافعي وأحمد ومالك في رواية. وفي رواية عن مالك: لا تعود.
والرجعي مانع حتى تنقضي عدتها عندنا؛ لأنها زوجة، وبه قال المزني. وقال غيره من الشافعية تعود بالطلاق الرجعي. قالوا: لا قسم لها ولا شغل عليها يمنعها من تربية الصغير؛ لكن هذا يبطل بالنكاح قبل الدخول، فإن الزوجة لا قسم لها ولا شغل عليها للزوج، وهو مزيل للحضانة. كذا قيل، وفيه بعد.
قوله: ولو ادعى الزوج أن الأم تزوجت بآخر وأنكرت؛ فالقول لها. ولو أقرت بالزوج ولكن ادعت طلاقه وعود حقها؛ فإن لم تُعيّن الزوج فالقول لها، وإن عينت؛ لا يقبل قولها في دعوى الطلاق حتى يُقر به الزوج.
وقوله: (وقد عرف الترتيب في موضعه)؛ أي: في الفرائض.
стр. 3449
(وَالأُمُّ وَالجَدَّةُ أَحَقُّ بِالغُلَامِ حَتَّى يَأْكُلَ وَحدَهُ وَيَشْرَبَ وَحدَهُ وَيَلبَسَ وَحدَهُ وَيَسْتَنجِيَ وَحدَهُ. وَفِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: حَتَّى يَسْتَعْنِي فَيَأْكُلَ وَحدَهُ وَيَشْرَبَ وَحدَهُ وَيَلْبَسَ وَحدَهُ) وَالمَعنَى وَاحِدٌ، لِأَنَّ تَمَامَ الاستغنَاءِ بِالقُدرَةِ عَلَى الاسْتِنجَاءِ. وَوَجْهُهُ:
وأولى العصبات الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الأخ لأب وأم، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم لأب وإن سفلوا، ثم العم لأب وأم، ثم لأب وإن سفلوا. ولا تدفع الصغيرة إليهم؛ لأنهم غير محارم فيؤدي إلى الفتنة؛ بل تدفع إلى الخال، وهذا في رواية عن محمد.
وذكر التمرتاشي: ولو لم يكن واحد من العصبة تدفع إلى أخ الأم عند أبي حنيفة، ثم إلى ذي الأرحام، الأقرب فالأقرب.
وقال محمد: لا حق لذكر من قبل النساء، والتدين للقاضي يدفع إلى ثقة يحضنه حتى يستغني وعنه: أنهم ثبت لهم الحق، ولا حق لغير المحرم في حضانة الجارية، ولا للأم التي ليست بمأمونة، ولا للعصبة الفاسق على الصغير.
وفي المبسوط: لو اجتمعت الأخوة والأخوات أو الأعمام في درجة واحدة؛ فأكثرهم صلاحًا وورعًا أولى ليتخلق بأخلاقه، وإن استووا في ذلك فأكبرهم سنا أولى؛ لقوله ﵇: «الكُبْرَ الكُبْرَ» (١)، ولأن حق أكبرهم أكثر ثبوتا، فعند التعارض تترجح بذلك (٢).
قوله: (وفي الجامع الصغير: حتى يستغني) إلى آخره: لم يذكر فيه الاستنجاء أيضًا، وقد يقدر على الأكل والشرب ولا يهتدي إلى الاستنجاء، ومنهم من جعل ذلك تفسيرا للاستغناء، وإليه أشار صاحب الكتاب بقوله: (والمعنى واحد).
ثم تكلموا في المراد من الاستنجاء:
قيل: هو تمام الطهارة، وهو أن يتطهر بالماء بلا مُعين، وتعلم للطهارة.
стр. 3450
أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَى يَحتَاجُ إِلَى التَّأَدُّبِ وَالتَّخَلُّقِ بِآدَابِ الرِّجَالِ وَأَخْلَاقِهِم، وَالأَبُ أَقدَرُ عَلَى التَّأْدِيبِ وَالتَّثْقِيفِ، وَالخَصَّافُ قَدَّرَ الاسْتِعْنَاءَ بِسَبْعِ سِنِينَ اعْتِبَارًا لِلغَالِبِ (وَالْأُمُّ وَالجَدَّةُ أَحَقُّ بِالجَارِيَةِ حَتَّى تَحِيضَ) لِأَنَّ بَعدَ الاسْتِعْنَاءِ تَحْتَاجُ إِلَى مَعرِفَةِ آدَابِ النِّسَاءِ،
وقيل: هو مجرد الاستنجاء، وهو أن يطهر نفسه عن النجاسات، وإن كان لا يقدر على تمام الطهارة، وهو المفهوم من ظاهر ما ذكره في الكتاب.
(والأب أقدر على التأديب)؛ أي: بآداب الرجال (والتثقيف)؛ أي: التسوية، ولأن صحبة النساء مفسدة للرجال، فإذا ترك عندها ينكسر لسانه ويميل طبعه إلى طبع النساء، وربما يصير مخنثا، فلذا يدفع إلى الأب، ولهذا لو امتنع الأب عن أخذه يجبر؛ لأن نفقته وصيانته عليه. كذا في المبسوط (١).
قوله: (بسبع سنين): وعليه الفتوى في جامع الحسامي والكافي؛ لأن البالغ إذا بلغ [سبع إلى تسع] سنين يستغني عن الحضانة، فحينئذ يستنجي وحده. وقال ﵇: «مروا صبيانكم بالصلاة» (٢) لا يكون إلا بعد القدرة على الطهارة، وقدره أبو بكر الرازي بتسع سنين.
وعند مالك: الأم أحق بالغلام حتى يحتلم.
وقيل: حتى يثغر، يقال: ثغر الغلام فهو مثغور سقطت رواضعه، ولو نبتت بعد السقوط فهو مثغر بالثاء والتاء.
وعند الشافعي: يُخيَّر الغلام في سبع أو ثمان وعند أحمد وإسحاق: يخير في سبع، فإذا اختار أحدهما وسلم إليه ثم اختار الآخر؛ فله ذلك ورد إليه. فإن عاد فاختار الآخر أعيد إليه، هكذا أبدا.
قال في المغني: وهذا لم ينقل عن أحد من السلف. والمعتوه لا يُخيَّر، ويكون عند الأم.
قوله: (إلى معرفة آداب النساء) من الغزل والطبخ وغسل الثياب، والأم
стр. 3451
وَالمَرأَةُ عَلَى ذَلِكَ أَقدَرُ، وَبَعدَ البُلُوغِ تَحتَاجُ إِلَى التَّحْصِينِ وَالحِفظ، وَالْأَبُ فِيهِ أَقوَى وَأَهْدَى. وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهَا تُدفَعُ إِلَى الأَبِ إِذَا بَلَغَتِ حَدَّ الشَّهْوَةِ لِتَحَقُّقِ الحَاجَةِ إِلَى الصِّيَانَةِ (*).
(وَمَنْ سِوَى الأُمِّ وَالجَدَّةِ أَحَقُّ بِالجَارِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ حَدًّا تُشتَهَى، وَفِي الجَامِعِ
أقدر على ذلك. ولو دفعت إلى الأب اختلطت بالرجال، فيقل حياؤها، والحياء في النساء زينة، وبعد البلوغ احتاجت إلى التزويج والحفظ، وذلك إلى الأب، وصارت عرضة للفتنة، مطمعة للزيجات، والنساء يخدعن، والغيرة التي عند الرجال ليست عند النساء، فيكون الأب أقدر من حفظها على وجه لا تتمكن الأم من ذلك.
وفي نوادر هشام عن محمد: إذا بلغت حد الشهوة؛ فالأب أحق بها؛ للمعنى الذي أشرنا. كذا في المبسوط (١).
وفي غياث المفتي: الاعتماد على رواية هشام لخبث الزمان. ولو بلغت إحدى عشر سنة فقد بلغت حد الشهوة في قولهم.
وعند الشافعي: إذا اختار الغلام أمه؛ يكون عندها بالليل وعند الأب بالنهار، والبنت أيهما اختارت؛ تكون عنده بالليل والنهار.
وعند مالك: الأم أحق بالبنت حتى تنكح ويدخل بها الزوج وإن حاضت.
قوله: (ومن سوى الأم والجدة) كالأخوات والخالات والعمات؛ فإنها تترك عندهن على رواية الجامع إلى [أن] (٢) تأكل وحدها وتشرب وحدها، وهي والصغير سواء؛ لأنها وإن كانت تحتاج إلى تعلم آداب النساء؛ إلا أن فيه نوع استخدام للصغير، وليس لغير الأم والجدتين ولاية الاستخدام، ولهذا لا تُؤَاجِرُهَا للخدمة؛ فتُدْفَعُ إلى الأب احترازا عن المعصية. كذا في جامع قاضي خان.
في الكافي: اختلعها وله منها بنت إحدى عشرة سنة، فضمتها إليها وتخرج
стр. 3452
الصَّغِيرِ: حَتَّى تَسْتَعْنِي) لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى استخدَامِهَا، وَلِهَذَا لَا تُؤَاجِرُهَا لِلخِدمَةِ فَلَا يَحصُلُ المَقصُودُ، بِخِلَافِ الأُمِّ وَالجَدَّةِ لِقُدْرَتِهِمَا عَلَيْهِ شَرعًا.
قَالَ: (وَالأَمَةُ إِذَا أَعْتَقَهَا مَولَاهَا وَأُمُّ الوَلَدِ إِذَا أُعتِقَت كَالحُرَّةِ فِي حَقِّ الوَلَدِ) لِأَنَّهُمَا حُرَّتَانِ أَوَانَ ثُبُوتِ الحَقِّ (وَلَيْسَ لَهُمَا قَبلَ العِتقِ حَقٌّ فِي الوَلَدِ) عَنِ الحَضَانَةِ
من بيتها كلَّ شَهْرٍ وكلَّ وقت وتترك البنت ضائعة؛ فله أن يأخذها أي البنت.
قوله: (كالحرة في حق الولد) وذلك بأن زوَّجَهما مولاهما، ثم ولدتا ثم عتقتا، [وكانتا] (١) أحقين بالولد من مولاهما؛ لأن الخصومة هنا إنما تكون مع المولى؛ لأن الزوج لا حق له في الولد؛ إذ الولد يتبع الأم في الملك، ومالك المملوك أحق به من غيره. كذا في الكافي.
وفي الإسبيجابي: الأمة والمدبرة أعتقهما سيدها، ولهما ولد من غيره، فلا حضانة لهما فيه، وملك سيده يفعل فيه ما يشاء، فيحمل المذكور في الكتاب على الولد الحر.
واختلفت المالكية في أم الولد إذا أُعتقت، مع اتفاقهم على ثبوت حضانة الأمة. ذكره في الجواهر.
(وليس لهما قبل العتق حق في الولد) وبه قال عطاء والشافعي والثوري وأحمد.
وعند مالك: تثبت الحضانة للرقيق.
وقلنا: اشتغالهما بخدمة المولى يعجزهما عن الحضانة، ولأنه لا ولاية لهما على أنفسهما، وحق الحضانة نوع ولاية، وهذا المعنى يزول بالعتق، فيثبت كالحرة الأصلية.
وفي الكافي والأمة إذا فارقها زوجها؛ فالولد لمولاها، وهو أولى من الأب؛ لأن الولد تبع الأم في الملك وإن كان الزوج حرا، ولكن ينبغي أن لا يفارق بين الولد وبين أمه؛ للنهي، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾
стр. 3453
بِالاسْتِغَالِ بِخِدمَةِ المَولَى وَالذُّمِّيَّةُ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا المُسلِمِ مَا لَم يَعْقِلِ الأَديَانَ أَوْ يُخَفْ أَنْ يَأْلَفَ الكُفْرَ لِلنَّظَرِ قَبْلَ ذَلِكَ وَاحْتِمَالِ الضَّرَرِ بَعدَهُ (وَلَا خِيَارَ لِلغُلَامِ وَالجَارِيَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُمَا الخِيَارُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ خَيَّرَ. وَلَنَا: أَنَّهُ لِقُصُورِ عَقْلِهِ يَحْتَارُ مَنْ عِندَهُ الدَّعَةُ لِتَحْلِيَتِهِ بَيْنَهُ وَبَينَ اللَّعِبِ فَلَا يَتَحَقَّقُ النَّظَرُ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ
[البقرة: ٢٣٣]، وقوله ﵇: «من فرَّقَ بين والدة وولدها فرَّقَ الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» (١) كذا في جامع قاضي خان، والمبسوط (٢).
قوله: (أو يخف) بالرفع استئناف. وفي بعض النسخ: (أو يخف) بالجزم عطفا على ما يعقل.
وبقولنا: قال مالك في المشهور، وأبو القاسم، وأبو ثور.
ويمنع أن تغذيه الخمر أو لحم الخنزير، وإن خيف؛ ضُمَّ إلى ناس من المسلمين.
وقال الشافعي وأحمد وسوار والعنبري: لا حضانة لها، وهو رواية عن مالك.
وقلنا: إنها حرة قادرة، ولها شفقة كالمسلمين، والحضانة تبتني على الشفقة، ولا يختلف ذلك باختلاف الدين على ما قالوا: كل شيء يحب ولده حتى الحباري، وما فيه من احتمال ضرب يرتفع بما ذكرناه.
وقوله: (وَلَا خِيَارَ لِلْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ): وبقولنا: قال مالك.
(وقال الشافعي) وأحمد (لهما الخيار) وقد بينا وقت الخيار فلا نعيده.
لهما: «أَنَّهُ ﵇ خَيَّرَ». روى أبو داود، وأحمد، عن عبد الحميد بن عبد الله بن رافع بن سنان الأنصاري، أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجات إلى رسول الله فقالت: ابنتي وهي فطيم، وقال رافع: ابنتي، فقال ﵇: اقعد ناحية وقال: اقعدي ناحية، فأقعد الصبية بينهما، وقال:
стр. 3454
الصَّحَابَةَ لَم يُخَيِّرُوا، أَمَّا الحَدِيثُ فَقُلْنَا: قَدْ قَالَ ﵊: «اللَّهُمَّ اهْدِهِ»
«ادعواها» فمالت إلى أمها، فقال ﵇: «اللَّهمَّ اهدِها» فمالت إلى أبيها فأخذها (١).
وفي رواية أخرى: فجاء جده بابن صغير له لم يبلغ، فأجلس ﵇ الأب ههنا والأم ههنا ثم خيره، فقال: «اللَّهُمَّ اهدِهِ» فذهب إلى أبيه (٢). أخرجه النسائي.
وعن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله! إن زوجي هذا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِثْرِ عِنَبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَهِمَا عَلَيْهِ»، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحَاقُنِي فِي وَلَدِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيْهِمَا شِئْتَ»، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ به (٣). أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وعنبة: واحدة الأعناب، ويُحَاقِّنِي: ينازعني في حقي عنه. وفي الكافي: من بئر أبي عنبة.
قوله: (مَنْ عِنْدَهُ الدَّعَةُ)؛ أي: الخفض والراحة، والهاء عوض من الواو، ودع الرجل بالضم كذا في الصحاح (٤).
وفي المبسوط: في القول بالتخيير بناء الإلزام والحكم على قول الصبي، وذلك لا يجوز (٥).
стр. 3455
فَوُفِّقَ لِاحْتِيَارِهِ الْأَنظَرَ بِدُعَائِهِ ﵊، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ بَالِغًا.
قوله: (فَوُفِّقَ لِاخْتِيَارِهِ الأَنْظَرَ بِدُعَائِهِ عليه الصلاة السلام) قال: «اللهم اهده»، فاختار الأم أو الأب في رواية؛ لأن الأنظر له اختيار الأم في حديث أبي هريرة وفي حديث حميد الأنْظَر لها اختيار الأب؛ لأنه مسلم، والنبي ﵇ مجاب الدعوة، وذا معمول عليه عندنا إذا اختار من اختاره الشرع، ومثل هذا لا يوجد في غيره.
(أو يحمل على ما إذا كان الولد بالغا)؛ أي: عاقلا. كذا ذكره أبو اليسر، أو أراد حقيقة البلوغ؛ فإنه إذا بلغ رشيدًا له أن ينفرد بالسكني، وليس للأب أن يضمه إلى نفسه إلا أن يكون مفسدًا مخوفًا عليه، فحينئذ يضمه إلى نفسه اعتبارًا لنفسه بماله.
ولو بلغت الجارية، إن كانت بكرا يضمها إلى نفسه؛ لأنها لم تختبر الرجال، فتكون سريعة الانخداع. ولو كانت ثيبًا فلها أن تنفرد بالسكنى؛ لأنها قد اختبرت الرجال، فلا تكون سريعة الانخداع؛ لأنها عرفت كيدهم، فليس له أن يضمها إلى نفسه.
أصله: قوله ﵇: «الثيب أحقُّ بنفسها من وليها» (١) ولكن هذا إذا كان مأمونا عليها. أما لو كانت مخوفًا على نفسها لا يوثق بها؛ فللأب أن يضمها إلى نفسه لبقاء الخوف، وللأخ أو العم [في الكبر أن يضمها إلى نفسه أيضًا؛ لأنه مشفق عليها إذا لم يكن الأخ أو العم] (٢) مفسدا، فحينئذ يضعها القاضي عند امرأة ثقة من المسلمين. كذا في المبسوط (٣).
وفي الكافي: لو اختلعت على أن تترك ولدها عند الزوج؛ فالخلع جائز والشرط باطل.
قيل: في حديث أبي هريرة أربعة أوجه من الجواب:
أحدها: الأمر بالاستهامة عليه، وهو متروك بالإجماع.
стр. 3456
فَصْلٌ: [في بَيَانِ حُكْمِ مَنْ يُرِيدُ إِخْرَاجَ الصَّغِيرَةِ إلى القُرى]
(وَإِذَا أَرَادَت المُطَلَّقَةُ أَنْ تَخْرُجَ بِوَلَدِهَا مِنْ المِصْرِ فَلَيسَ لَهَا ذَلِكَ) لِمَا فِيهِ مِنْ
وثانيها: لم يذكر فيها الطلاق، وقولها: إن زوجي؛ دليل قيام النكاح بينهما.
وثالثها: ليس فيه ذكر سبع سنين، وهما يشترطا للتخيير سبع سنين؛ بل الحال يقتضي أن يكون عمره أقل من ذلك؛ لأن مثل هذا يستعمل في أوائل الانتفاع في ابن أربع أو خمس.
ورابعها: أن بئر عنبة كانت بالمدينة، ولا يمكن للصغير أن يستقي منها، فهو محمول على البالغ، وعند البالغ يُخَيَّرُ، فله أن ينفرد بالسكني، وله أن يكون بأيهما أراد.
مسألة: إذا أراد الأب أن يسافر بولده سفر إقامة في مدة الحضانة؛ ليس له ذلك. ذكره في التكملة.
وعند الشافعي ومالك وأحمد: له ذلك.
وقلنا: في ذلك ضرر الحاضنة، [وإبطال حقها في الحضانة] (١) والإضرار بالطفل الصغير؛ لأنه عسى أن يكون من فَرْغانَة إلى عانة، وهو محض إضرار بهما، ولا برهان لهم في ذلك من كتاب وسنة ولا قول صحابي، ولا قياس صحيح وفاسد.
فصل
(وإذا أرادت المطلقة)؛ أي: بعد انقضاء العدة، فإنه صرح به في جامع قاضي خان وغيره، فقال: تزوج امرأة من أهل الشام، فقدم بها إلى الكوفة، فولدت منه أولادًا، ثم طلقها ثلاثًا وانقضت عدتها؛ فلها أن تخرج بأولادها إلى الشام من غير رضا الأب. ولو تزوجها بالكوفة وهي من أهل الشام، فولدت منه أولادًا ثم طلقها ثلاثًا؛ لم يكن له أن يخرج بالأولاد من الكوفة، وهذه المسألة بناء على ما تقدم أن الأم أحق بالولد الصغير.
стр. 3457
الإِصْرَارِ بِالأَبِ (إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ بِهِ إِلَى وَطَنِهَا وَقَدْ كَانَ الزَّوجُ تَزَوَّجَهَا فِيهِ) لِأَنَّهُ التَزَمَ المَقَامَ فِيهِ عُرفًا وَشَرعًا، قَالَ ﵊: «مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلدَة فَهُوَ مِنهُم» وَلِهَذَا يَصِيرُ الحَربِيُّ بِهِ ذِمِّيًا، وَإِنْ أَرَادَت الخُرُوجَ إِلَى مِصر غَيرِ وَطَنِهَا وَقَدْ كَانَ التَّزَوُّجُ فِيهِ
وقوله: (ولهذا يصير الحربي به ذميا): وفي النهاية: هذا وقع غلطًا، فإنه ذكر في سير هذا الكتاب وسائر الكتب من السير الكبير وغيره: أن المستأمن لو تزوج ذمية لا يصير ذميا؛ لأنه يمكنه أن يطلقها فيرجع.
وقد وجدتُ بخط شيخي العلامة ﵀ ليس في النسخة التي قوبلت بنسخة المصنف هذه الجملة، وغير بعضهم لفظ الحربي بلفظ الحربية.
قيل: أراد به الشخص الحربي وهي الحربية.
وقيل: [الضمير] (١) في (به) راجع إلى التزام المقام [لا إلى التزوج، وهو ظاهر؛ لأنه سيق الكلام له.
وقيل في تصحيحه أن في المسألة قياس واستحسان، فالمذكور في كتاب الطلاق مبني على القياس؛ لأن التزوج في موضع يصلح دليلا على التزام المقام فيه شرعًا وعرفًا، لا سيما إذا كانت المرأة ممنوعة عن الخروج عن ذلك الموضع، فتزوجه هنا يصلح دليلًا على التزام المقام] (٢) كتزوج المستأمنة الذمي.
وما ذكر في السير جواب الاستحسان؛ لأن التزوج وإن صلح دليلا على التزام المقام هنا، فقبول الجزية الموجب للذل والصغار يصلح مانعًا، وكون المرأة ممنوعة عن الخروج عن دار الإسلام لا يدل على التزام المقام؛ لأنه يمكنه التطليق والرجوع إلى مسكنه، وإذا كان كذلك يندفع التناقض.
ولا يقال: هذا القياس والاستحسان [غير منقول عن السلف فيكونان مردودين، فلا يصح الجواب؛ لأنا نقول: لما وجد معنى القياس والاستحسان] (٣) لا وجه إلى المنع من إطلاق الاسم عليهما. كذا قرره شيخي العلامة ﵀، ناقلا عن الشيخ ظهير الدين النوجابادي رحمه الله تعالى.
стр. 3458
أَشَارَ فِي الكِتَابِ: إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَهَذَا رِوَايَةُ كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّ لَهَا ذَلِكَ، لِأَنَّ العَقدَ مَتَى وُجِدَ فِي مَكَانَ يُوجِبُ أَحكَامَهُ فِيهِ كَمَا يُوجِبُ البَيعُ التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ، وَمِنْ جُملَةِ ذَلِكَ حَقُّ إِمْسَاكِ الأَولَادِ. وَجهُ الأَوَّلِ: أَنَّ التَّزَوُّجَ فِي دَارِ الغُربَةِ لَيْسَ التِزَامًا لِلمُكثِ فِيهِ عُرفًا، وَهَذَا أَصَحٌ. وَالحَاصِلُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الأَمْرَينِ جَمِيعًا: الوَطَنُ وَوُجُودُ النِّكَاحِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ
قوله: (أشار في الكتاب): أراد بالكتاب: القدوري. وقيل: المبسوط، فإن قوله: (إلا أن يخرج بها إلى وطنها) (١) خصص وطنها بالاستثناء، فكان غيره داخلا في الخطر، والذي وجد فيه التزوج غير وطنها.
(وهو رواية كتاب الطلاق)؛ أي: من الأصل.
وفي العكس؛ بأن أرادت الانتقال إلى مصر هو مصرها لكن لم يكن أصل العقد فيه؛ لم يكن لها الانتقال به باتفاق الروايات. كذا ذكره الكشاني. قوله: (كما يوجب البيع التسليم في مكانه).
فإن قيل: يرد عليه ما ذكر في الفتاوى: أن من باع شعيرا والشعير بالقرية، والمشتري يعلم بذلك؛ يستحق تسليمه في مكانه لا في مكان العقد، وإن لم يعلم فهو بالخيار: إن شاء سلمه في مكانه، وإن شاء فسخ العقد، ولو تَعَيَّنَ مكان العقد لما كان له الخيار.
قلنا: قد ذكر فخر الإسلام: أن المبيع لو كان في مكان العقد يجب تسليمه في مكان العقد بالإجماع. وإنما لم يذكره في الكتاب فيرد عليه.
قوله: (حق إمساك الأولاد)؛ لأن الأولاد من ثمرات النكاح، فيجب مراعاة الثمرات في مكان العقد (٢) اعتبارًا للثمرات بالأحكام، من وجوب التسليم والتسلم.
قوله: (والحاصل) إلى آخره هذا على رواية كتاب الطلاق، ولا بد من وجود أمر آخر، وهو أن لا يريد الانتقال إلى دار الحرب، فإنه ذكر في شرح الطحاوي: ولو أرادت الانتقال إلى دار الحرب، وإن كان أصل النكاح وقع
стр. 3459
بَينَ المِصْرَينِ تَفَاوُتٌ، أَمَّا إِذَا تَقَارَبَا بِحَيثُ يُمكِنُ لِلوَالِدِ أَنْ يُطَالِعَ وَلَدَهُ وَيَبِيتَ فِي بَيْتِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَا الجَوَابُ فِي القَرْيَتَينِ، وَلَو انتَقَلَت مِنْ قَرْيَةِ المصرِ إِلَى المصرِ لَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ، حَيثُ يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ المِصْرِ وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ بِالأَبِ، وَفِي عَكسِهِ ضَرَرٌ بِالصَّغِيرِ لِتَخَلُّقِهِ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ السَّوَادِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.
هناك وهي حربية، بعد أن يكون زوجها مسلمًا أو ذميًا؛ ليس لها ذلك، ولو كان كلاهما حربيين فلها ذلك.
قوله: (بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ تَفَاوُتٌ)؛ أي: بعد قوله: (وفي عكسه)؛ وهو أن ينتقل من المصر إلى القرى؛ لا يجوز النقل وإن كانت القرية قريبة، إلا إذا وقع أصل النكاح هناك، فحينئذ لها ذلك. ذكره في شرح الطحاوي.
وفي فتاوي البقالي: ليس لها ذلك، وقع العقد هناك أو لا.
فروع
في المنتقى: روى ابن سماعة عن أبي يوسف: تزوجها بالبصرة وولدت له الأولاد، فخرج بهم إلى الكوفة فطلقها، فخاصمته في أولادها، وإن أرادت ردهم عليها، فإن أخرجهم بإذنها ليس عليه أن يجيء بهم إليها [ويقال: اذهبي إليها فحدثهم، وإن كان إخراجه إلى الكوفة بغير إذنها فعليه أن يجيء بهم إليها] (١).
ذكر المرغيناني: لو جاءت بصبي وقالت: هذا ابن بنتي وقد ماتت، أعطني نفقته، فقال: إنها لم تمت وهي في منزلي وأراد أخذه منها؛ لم يكن له ذلك حتى يعلم القاضي أمه، فيجيء بها فيأخذه منها؛ لأنه أقر لها بالحضانة، حيث اعترف أنها جدة بأن جاء بامرأة، وقال: هذه بنتك وهي أمه، وقالت: ابنتي ماتت؛ فالقول للزوج؛ لأن الفراش لهما، فكان الولد لهما.
ولو أحضر امرأة وقال: أم ولدي وقالت الجدة: ليست أمه، بل أمه
стр. 3460
بَابُ النَّفَقَةِ
ابنتي وقد ماتت، وقالت التي أحضرها الرجل: ما أنا بأمه وقد كذب، ولكني امرأته؛ فالأب أولى، ويأخذه منها.
علل الخصاف؛ لأنه لما قال: هذا ابني من هذه المرأة، وقد أنكر كونها جدة له، فكان منكرًا حقها، وقد أقرت له بالحق.
وفي جوامع الفقه: يُصَدَّق في أنها لا زوج لها، أو أنه طلقها إذا كان غير معروف.
وروي أن أولاد العمات والخالات بمنزلتهن، والمكاتبة إن ولدت قبل الكتابة فلا حق لها، كأم الولد والمدبرة، وإن ولدت بعد الكتابة كانت أولى به؛ لدخوله في كتابتها.
قال الأب: هو ابن ست سنين، وقالت ابن سبع، إن كان يأكل وحده ويلبس وحده ويستنجي وحده؛ دفع إليه، وإلا فلا.
ولو ادعى عليها التزوج بآخر وأنكرت؛ فالقول لها. ولو قالت: طلقني وعاد حقي، إن لم يُعَيِّن الزوج فالقول لها، وإن عَيَّنَت لا يقبل قولها في الطلاق. وإن كان معسرا فقالت العمة: أنا أُرَبِّي بغير أجرٍ، والأم طلبت الأجرة؛ فالعمة أولى هو الصحيح، والله أعلم.
باب النفقة
لما ذكر ثبوت نسب الولد، وذكر من أحق بتربيته؛ ذكر نفقة والدة ذلك الولد؛ لأنه أصله، ثم ذكر ما يحتاج إليه من السكنى وغيرها، ثم ذكر أنواع من تجب عليه، ثم ذكر نفقة الولد؛ لأنه فرعه، ثم ذكر من يجب عليه نفقته من ذوي الأرحام والمماليك، فكانت هذه أبواب وفصول متلازقة بعضها ببعض نسبه.
النفقة: مشتقة من النفوق الذي هو الهلاك، يقال: نفقة الدابَّةُ نفوقا؛ أي: هلكت. أو من النفاق وهو الزواج، يقال: نفقت السلعة نفاقًا - بالفتح - أي: راجعت، ونفقت الدرهم والزاد ينفق نفقا، أي: نفدت، وأنفق القوم، أي: نفقت سوقهم، وأَنفَقَ الرَّجُلُ، أي: افتقر.
стр. 3461
قَالَ: (النَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لِلزَّوجَةِ عَلَى زَوجِهَا، مُسلِمَة كَانَتْ أَوْ كَافِرَة، إِذَا سَلَّمَت نَفْسَهَا إِلَى مَنزِلِهِ، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا وَسُكَنَاهَا) وَالأَصلُ فِي ذَلِكَ: قوله تَعَالَى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] وقوله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَقَولُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».
وذكر الزمخشري: كل ما جاء مما فاؤه نون وعينه [فاء] (١)، يدل على معنى الخروج والذهاب، مثل: نفق ينفق، ونفر ونفس ونفح ونفد ونفي، وغير ذلك.
ثم نفقة الغير على الغير تجب بأسباب: بالزوجية، والقرابة، والملك، فيبدأ بنفقة الزوجات؛ إذ هي الأصل على ما ذكرنا.
قوله: (النفقة واجبة للزوجة) إلى قوله: (وسكناها) وعلى هذا إجماع العلماء، إلا ما روي عن الشعبي أنه قال: ما رأيت أحدًا أجبر على نفقة أحد. ذكره ابن حزم في المحلّى (٢).
والأصل في وجوب نفقة الزوجات: قوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ثم قيل: إنها في المنكوحات، وقيل: إنها في المطلقات، والأول هو الظاهر، وقوله تعالى: ﴿أَسْكُنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] ﴿وَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، وبه قرأ ابن مسعود.
وقوله ﵇ في حديث حجة الوداع، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ ذكر في خطبته في حجة الوداع: «أوصيكم بالنساء خيرًا، فإنهنَّ عندَكُم عوان، اتخذتموهن أمانةَ اللهِ، واستحللتم فروجَهُنَّ بكلمة الله، وإنَّ لكم عليهنَّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونَهُ، وأن لا يؤذن أحدًا في بيوتكم تكرهونه، فإن فعَلْنَ ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبرِّح، وإنَّ لهنَّ عليكم نفقتهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف» (٣) رواه مسلم، وأبو داود.
стр. 3462
وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الاحتِبَاسِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مَحبُوسًا بِحَقِّ مَقْصُودٍ لِغَيْرِهِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، أَصْلُهُ القَاضِي وَالعَامِلُ فِي الصَّدَقَاتِ. وَهَذِهِ الدَّلَائِلُ لَا فَصْلَ فِيهَا، فَتَسْتَوِي
وعن عائشة أن هند ابنة عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، ليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال ﵇: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (١). رواه الجماعة إلا الترمذي، والأحاديث في الباب كثيرة.
ولأن النفقة جزاء الاحتباس، وكل من كان محبوسًا بمنفعة ترجع إلى غيره فنفقته عليه؛ لأن الله تعالى هَيَّاً لنا الأعضاء والقوى والحواس؛ ليتوسل بها إلى إقامة التكاليف، فلما صرف ذلك إلى غيره، فليكن نفقته عليه، أصله العامل في الصدقات، والقاضي والمفتي، والمَولى والوصي، والمضارب إذا سافر بمال المضاربة، والمقاتلة إذا قاموا بكتابة المسلمين في دفع عدوهم تجب كفايتهم، والنساء محبوسات للأزواج صيانة للمياه عن الاشتباه في الأنساب عن الالتباس، فتجب نفقتهن عليهن، سواء كن مسلمات أو كافرات، غنيات أو فقيرات موطوءات أو غير موطوءات، منتقلات إلى بيوت الأزواج أو غير منتقلات؛ لأن هذه الدلائل لا تفصل.
قوله: (إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ) (٢): هذا الشرط غير لازم في ظاهر الرواية. ذكره في المبسوط وغيره، حيث قال: تجب نفقتها بعد صحة العقد في ظاهر الرواية، وإن لم تنتقل إلى بيت الزوج (٣)، ألا ترى أن الزوج لو لم يطلب انتقالها؛ كان لها أن تطالبه بالنفقة. ذكره في الذخيرة والإيضاح؛ لأن النفقة مستحقة عليه بما ذكرنا من الدلائل من غير فصل، والفتوى عليه.
وقال بعض المتأخرين من أئمة بلخ: لا تستحق النفقة حتى تُزَفَّ إلى منزل الزوج، وهو رواية عن أبي يوسف، واختارها القدوري، وليس الفتوى عليه.
قوله: (فكل من كان محبوسًا بحق مقصود لغيره كانت نفقته عليه).
стр. 3463
فِيهَا المُسلِمَةُ وَالكَافِرَةُ (وَيُعتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَالُهُمَا جَمِيعًا) قَالَ العَبدُ الضَّعِيفُ: وَهَذَا اختِيَارُ الخَصَّافِ وَعَلَيْهِ الفَتوَى، وَتَفْسِيرُهُ: أَنَّهُمَا إِذَا كَانَا مُوسِرَينِ تَجِبُ نَفَقَةُ اليَسَارِ، وَإِنْ كَانَا مُعسِرَينِ فَنَفَقَةُ الإِعْسَارِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعسِرَةً وَالزَّوجُ مُوسِرًا فَنَفَقَتُهَا دُونَ نَفَقَةِ المُوسِرَاتِ وَفَوقَ نَفَقَةِ المُعسِرَاتِ. وَقَالَ الكَرخِيُّ: يُعتَبَرُ حَالُ الزَّوجِ وَهُوَ قَولُ
فإن قيل: يشكل عليه الرهن؛ فإنه محبوس لحقّ مقصود للمرتهن وهو الاستيفاء منه، ولهذا يكون أحق به من سائر الغرماء، ومع هذا ما كانت نفقته على المرتهن.
قلنا: في الرهن كما يحصل مقصود المرتهن يحصل مقصود الراهن أيضًا؛ وهو أن يكون موفيًا دينه منه عند الهلاك، فكان مشتركا [فعلى الراهن بسبب] (١) الملك.
قوله: (وَهَذَا اخْتِيَارُ الخَصَّافِ وَعَلَيْهِ الفَتْوَى): وفي البدائع: كذا قال الجصاص، وهو قول أحمد؛ لأن النص يقتضي اعتبار حاله، وحديث هند اعتبار حالها، فيعتبر حالها عملا بهما.
ولأن النفقة تجب كفاية، والفقير لا يحتاج إلى كفاية الموسرات. واعتبر مالك حالها لظاهر حديث هند.
قوله: (فنفقتها دون نفقة الموسرات): في الذخيرة: بيانه: إذا كان الزوج موسرا مفرط اليسار، نحو: أن يأكل الحلوى واللحم المشوي والباجات، والمرأة فقيرة تأكل في بيتها خبز الشعير؛ لا يؤاخذ الزوج أن يطعمها ما يأكل بنفسه ولا ما كانت تأكل في بيتها، ولكن يطعمها فيما بين ذلك، ويطعمها جيد البرّ، وباجة أو باجتَين، فهذا معنى اعتبار حالهما.
قال مشايخنا ﵏: والمستحب أن يأكل معها ما يأكل بنفسه؛ لأنه مأمور بحسن العشرة معها، وذلك في المؤاكلة معها.
قوله: (وقال الكرخي يعتبر حال الزوج): وهو ظاهر الرواية. ذكره في الذخيرة والمبسوط (٢)، وهو قول الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةِ﴾
стр. 3464
الشَّافِعِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] وَجْهُ الأَوَّلِ: قَولُهُ ﵊ لِهِندَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ: خُذِي مِنْ مَالِ زَوجِكِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدِكِ بِالمَعْرُوفِ اعْتَبَرَ حَالَهَا وَهُوَ الفِقهُ فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِطَرِيقِ الكِفَايَةِ، وَالفَقِيرَةُ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى كِفَايَةِ المُوسِرَاتِ فَلَا مَعنَى لِلزِّيَادَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِ النَّصِّ أَنَّهُ يُخَاطِبُ بِقَدرِ وسعِهِ وَالبَاقِي دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَعنَى قَولِهِ: بِالمَعْرُوفِ: الوَسَطُ، وَهُوَ الوَاجِبُ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا مَعنَى لِلتَّقْدِيرِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ عَلَى المُوسِرِ مُدَّانِ وَعَلَى المُعسِرِ مُدُّ وَعَلَى المُتَوَسِّطِ مُدُّ وَنِصْفُ مُدِّ،
﴿التغابن: ٧﴾ الآية، وقال: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]؛ بَيَّنَ أن التكليف بحسب الوسع، وأن النفقة على حسب حاله، ولما زوجت نفسها من معسر؛ فقد رضيت بنفقة المعسرين، فلا يستوجب على الزوج إلا بحسب حاله.
قوله: (ووجه الأول)؛ أي: اعتبار حالهما، وقد بيناه.
وقوله: (والباقي دين عليه)؛ أي: الفاضل دين عليه إذا فرضت عليه، ويؤخذ منه إذا أيسر.
قوله: (ومعنى قوله بالمعروف)؛ أي: قوله ﵇: «الوسط» وهو الواجب.
وفي المبسوط: يحق على القاضي اعتبار الكفاية بالمعروف فيما فرض في كل وقت وزمان، وكما يفرض لها قدر الكفاية من الطعام فكذلك من الأدم؛ لأن الخبز لا يتناول إلا مأدومًا عادة، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أن أعلا ما يطعم الرجل أهله: الخبز واللحم، وأوسطه: الخبز والزيت، وأدناه: الخبز واللبن، وأما الدهن؛ فلأنه يستغنى عنه، خصوصًا في ديار الحرّ، فهو من أصول الخبز (١).
قوله: (كما ذهب إليه الشافعي) في قوله: (ونصف مد).
قال الماوردي في الحاوي: وأرى الأصول في اعتبار الحب في النفقة الكفارات؛ لأنها طعام يقصد به في الجَوْعَة ويستقر في الذمة، قال: ثم وجدنا
стр. 3465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كثير الطعام المقدّر في الكفاية فدية الأذى، وهي مدانِ لكُلِّ، فجعلناه أصلا لنفقة الموسرات، فأوجبناه لنفقة زوجته في أول كل يوم، ولأنه أكثر ما يقتات به الإنسان عادة، ووجدنا أقل الطعام المقدر في الكفارة كفارة الوطء في رمضان، لكل مسكين مد، فجعلناه نفقة لزوجة المعسر، وهو أصل ما يقتات به الإنسان في الأغلب، وجعلنا للمتوسط مُدًّا ونصفًا، دون نفقة الموسر فوق نفقة المعسر، والمد: مائة وثلاثة وسبعون درهما وثلث درهم. ذكره في المنهاج.
ويعتبر اليسار والإعسار بالكسب في وجوب النفقة لا بأصل المال، وهو تحكم محض وخلاف المعروف بين الناس، قال: ويعتبر ذلك في الكفارات، وسواء كان المقدّر فوق شبعها أو مقصرًا، فإن زاد على شبعها كان ملكا لها، وإن نقص ولم تقدر على التقنع به؛ كان الزوج بالخيار بين أن يتم لها شبعها وبين أن يمكنها من اكتسابه، فأيهما فعل؛ فلا اختيار لها، فإن لم تقدر على الاكتساب؛ صارت من أهل الصدقات، تأخذ باقية كفايتها من الصدقات - أي: الزكوات والكفارات -.
وهذا عجب؛ فإنه تعالى قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ولم يفرض كفايتها من نفقتها على أصحاب الكفارات والزكوات. ويقدر لأهل الحجاز بالتمر؛ لأنه قوتهم، ولأهل الطائف بالشعير؛ لأنه غالب قوتهم، ولأهل اليمن بالذرة، ولأهل العراق بالبر، ولأهل طبرستان بالأرز، ولا يعتبر الحب من البر والشعير والذرة دقيق ولا خبز.
وهذا عجب أيضًا؛ لأن النفقة تجب كفاية اليوم، فلا معنى لدعوى الفرق بين الدقيق والحب، ولأن الحب يحتاج إلى الطحن، والخبز لا يحتاج، فينبغي أن يكون هو أولى.
وفي المنهاج: عليه تمكينها حَبًّا وعليه طحنه وخبزه في الأصح، ويجوز الاعتياض في الأصح إلا دقيقًا وخبزًا على المذهب، ولو أكلت منه سقطت نفقتها في الأصح.
стр. 3466
لِأَنَّ مَا وَجَبَ كِفَايَة لَا يَتَقَدَّرُ شَرعًا فِي نَفْسِهِ.
(وَإِنْ امْتَنَعَت مِنْ تَسلِيمِ نَفْسِهَا حَتَّى يُعطِيَهَا مَهْرَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ) لِأَنَّهُ مَنعُ بِحَقِّ فَكَانَ فَوتُ الاحْتِبَاسِ لِمَعنى مِنْ قِبَلِهِ فَيُجْعَلُ كَلَا فَائِت.
(وَإِنْ نَشَزَت فَلَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى تَعُودَ إِلَى مَنزِلِهِ) لِأَنَّ فَوتَ الِاحْتِبَاسِ مِنهَا، وَإِنْ
وهذا عجب أيضًا؛ فإنه إذا جاز اعتياضه مما لم يأكل، فبالخبز والدقيق أولى.
وفي المغني: إيجاب الحب تحكم، فإن الشرع ورد بالإنفاق مطلقا من غير قيد ولا تقدير، فيجب أن يرد إلى العرف والعادة، وذلك في الطعام دون الحب.
واعتبار النفقة بالكفارة لا يصح؛ لأن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار، ولا هي مقدرة بالكفاية، وحديث هند نص على الكفاية، ولهذا لا يشترط الإدام في خبز البر بالإجماع، وما بلغنا عن أحد من السلف أنه أطعم زوجته حبا، ولا حكم بذلك حاكم، وقد تركوا قوله [في] (١) جميع البلاد الإسلامية على تقدير مدّ على الأكابر.
وعن مالك: بفرض مدّ، بمد مروان كل يوم، وهو مد وثلث بمد النبي ﵊.
قال ابن حبيب: اتخذه هشام بن اسماعيل لفرض نفقة الزوجات، فاستحسنه مالك، وهو خلاف ظاهر مذهبه.
قوله: (لَا يَتَقَدَّرُ شَرْعًا فِي نَفْسِهِ)؛ لأنه يختلف باختلاف الطباع وأحوال الناس، ويختلف باختلاف الأوقات، ففي التقدير بمقدار إضرار بأحدهما.
وفي المبسوط: وكل جواب عرفته من اعتبار حاله أو حالها في فرض النفقة؛ فهو الجواب في الكسوة.
قوله: (وإن نشزت) إلى آخره: وأجمع العلماء بسقوط النفقة بالامتناع، إلا الحكم بن عيينة من المالكية.
وفسر الخصاف الناشزة فقال: هي الخارجة من منزل زوجها، المانعة
стр. 3467
عادَت جَاءَ الاحْتِبَاسُ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا امْتَنَعَت مِنْ التَّمْكِينِ فِي بَيْتِ الزَّوجِ لِأَنَّ الاِحتِبَاسَ قَائِمٌ وَالزَّوجُ يَقْدِرُ عَلَى الوَاءِ كُرهًا.
(وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَة لَا يُسْتَمْتَعُ بِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وإن سلمت إليه) لِأَنَّ امْتِنَاعَ الاستمتاع لمعنى فِيهَا،
نفسها منه؛ لأنها إذا كانت مقيمة مع الزوج في المنزل؛ فالظاهر أن الزوج يقدر على تحصيل المقصود منها، فلا يوجب ذلك نقصان نفقتها، وكذا لو كان المنزل لها والزوج يسكن معها فيه، فمنعته من الدخول عليها؛ تكون ناشزة ما دامت على تلك الحالة، إلا أن تكون سألته أن يحوّلها إلى منزله، أو يكتري لها منزلا آخر، ويقول: إني محتاج إلى منزلي ومنعته من الدخول عليها؛ فحينئذ لا تسقط نفقتها؛ لأن المانع جاء من جهته. كذا في الذخيرة.
ولو كان يسكن في أرض الغصب فامتنعت منه؛ لها النفقة؛ لأنها ليست بناشز.
وفي المبسوط: قيل لشريح: هل للناشزة نفقة؟ فقال: نعم، فقيل: كم، قال: جراب من تراب، معناه: لا نفقة لها (١).
فإن قيل: النص مطلق.
قلنا: خصت الناشزة بدلالة النص؛ لأنه تعالى أمر في حق الناشزة بمنع حقها في الصحبة بقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] وهي مشتركة بينهما، فلا يجب النفقة وهي مختصة بها.
قوله: (لا يستمتع بها)؛ أي: لا يوطئ. وبه صرح في الذخيرة، وعليه جمهور العلماء.
وعند الثوري والظاهرية والشافعي في قول والأصح عنده: أنه يجب ولو كانت في المهد لإطلاق النص، ولأنها عوض عن الملك، كما ذكره في المتن.
قوله: (لأن امتناع الاستمتاع لمعنى فيها): في الذخيرة، وفي المبسوط:
стр. 3468
وَالاحْتِبَاسُ المُوجِبُ مَا يَكُونُ وَسِيلَة إِلَى مَقصُود مُستَحَقِّ بِالنِّكَاحِ وَلَم يُوجَد، بِخِلَافِ الْمَرِيضَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهَا النَّفَقَةُ، لِأَنَّهَا عِوَضٌ مِنْ المِلكِ عِندَهُ كَمَا فِي المَمْلُوكَةِ بِمِلكِ اليَمِينِ. وَلَنَا: أَنَّ المَهرَ عِوَضٌ عَنْ المِلكِ وَلَا يَجْتَمِعُ العِوَضَانِ عَنْ مُعَوَّضَ وَاحِد فَلَهَا المَهْرُ دُونَ النَّفَقَةِ.
(وَإِنْ كَانَ الزَّوجُ صَغِيرًا
النفقة إنما تجب بسبب احتباس مستحق بعقد النكاح إذا حصل [له] (١) منفعة من منافع النكاح على سبيل الخصوص، ومنافع النكاح على الخصوص هي الجماع ودواعيه، والصغيرة لا تصلح للجماع ولا لدواعيه أيضًا، فكان فوات منفعة الاحتباس جاء منها، بخلاف نفقة المملوكة؛ لأنه يجب للملك فقط، وذا لا يختلف بالصغر والكبر.
فإن قيل: يشكل القرناء والرتقاء التي أصابها بلا منعة من الجماع، أو عجوز لا يمكن وطئها، فإن لهن النفقة مع أن امتناع الوطء جاء من قبلهن.
قلنا: ما فات الانتفاع من كل وجه؛ بل الانتفاع من حيث الدواعي حاصل فيهن، بأن يجاء معهن فيما دون الفرج؛ لأنهن مشتهاة، بخلاف الصغيرة فإنها غر مشتهاة. قالوا: فعلى قول هذا التعليل، إذا كانت الصغيرة مشتهاة ويمكن جماعها فيما دون الفرج؛ تجب نفقتها. كذا في الذخيرة.
وفيه: عن أبي يوسف: في الرتقاء والمريضة التي لا يمكن وطئها؛ لا نفقة لها قبل النقلة، ولو انتقلت بغير رضاه فله ردها إلى أهلها، وإن نقلها مع علمه بذلك؛ لا يردها ولها النفقة؛ للتسليم القاصر. وروى عن محمد في الرتقاء كقول أبي يوسف.
قوله: (وإن كان الزوج صغيرًا) إلى آخره: وعليه الجمهور.
وقال مالك: لا نفقة لها. ولو كانا صغيرين لا يطيقان الجماع؛ لا نفقة لها بالإجماع؛ لأن المنع جاء من جهتها، وأكثر ما في الباب أن يجعل المنع من
стр. 3469
لَا يَقْدِرُ عَلَى الوَطءِ، وَهِيَ كَبِيرَةٌ فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ تَحَقَّقَ مِنهَا، وَإِنَّمَا العَجزُ مِنْ قِبَلِهِ فَصَارَ كَالمَجبُوبِ وَالعِنِّينِ.
(وَإِذَا حُبِسَت المَرأَةُ فِي دَين فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّ فَوتَ الاِحْتِبَاسِ مِنهَا بِالمُمَاطَلَةِ، وَإِنْ لَم يَكُنْ مِنهَا، بِأَنْ كَانَتْ عَاجِزَة فَلَيسَ مِنْهُ، وَكَذَا إِذَا غَصَبَهَا رَجُلٌ كُرْهًا فَذَهَبَ بِهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ، وَالفَتَوَى عَلَى الْأَوَّلِ. لِأَنَّ فَوتَ
قبله كالمعدوم، فالمنع من قبلها قائم وبه لا تستحق النفقة، ولهذا لا تجب نفقة الصغيرة على المجبوب. كذا في الذخيرة. وقوله: (لأنها عوض عن الملك عنده) (١): هذا قوله القديم، وقد رجع عنه.
قوله: (وَلَا يَجْتَمِعُ العِوَضَانِ عَنْ مُعَوَّضٍ) (٢): قيل: هذا غير لازم؛ فإنه لو تزوجها على ألف درهم وعبد؛ يجوز ويكون الكل عوضًا، فكذا النفقة مع غيرها.
أجيب: هذا غير قوي؛ لأن ما يجب عوضًا عن الملك في المحل يجب حمله؛ لأن الملك في المحل يحصل للزوج حمله، والنفقة تجب عن الاحتباس شيئًا فشيئا، ولا يجوز أن تكون النفقة عوضًا عن الاستمتاع؛ لأن ذلك تصرفًا في ملكه، فلا يجب عليه عوضًا.
واختلفوا في حد مبلغ الاشتهاء، قيل: تسع سنين، والصحيح: أنه لا عبرة للسن، وإنما العبرة للاحتمال والقدرة.
قوله: (وعن أبي يوسف: أن لها النفقة) (٣)؛ لأنه لا منع من جهتها. واختاره السعدي، والفتوى على الأول؛ وهو أن لا نفقة لها. والمعنى فيه: أن النفقة عوض عن الاحتباس في بيته، فإن كان الفوات لمعنى من جهته؛ جعل ذلك الاحتباس باقيًا تقديرًا. أما إذا كان الفوات لا لمعنى من جهته، فلا يمكن أن يجعل ذلك الاحتباس باقيًا تقديرًا، وبدونه لا تجب النفقة، وهو نظير ما لو غصب العين من يد المستأجر.
стр. 3470
الاحتِبَاسِ لَيسَ مِنهُ لِيُجْعَلَ بَاقِيًا تَقدِيرًا، وَكَذَا إِذَا حَجَّت مَعَ مَحرَم، لِأَنَّ فَوتَ الاحْتِبَاسِ مِنهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ، لِأَنَّ إِقَامَةَ الفَرضِ عُدْرٌ، وَلَكِن تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ، لِأَنَّهَا هِيَ المُستَحِقَّةُ عَلَيْهِ، وَلَو سَافَرَ مَعَهَا الزَّوجُ تَجِبُ النَّفَقَةُ بِالاتِّفَاقِ، لِأَنَّ الاِحْتِبَاسَ قَائِمٌ لِقِيَامِهِ عَلَيْهَا، وَتَجِبُ نَفَقَةُ الحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ، وَلَا يَجِبُ الكِرَاءُ لِمَا قُلْنَا.
وفي الوجيز: تسقط النفقة بفوات النفقة؛ لفواته من جهته.
قوله: (إذا حجت مع محرم)؛ أي: بدون الزوج.
وفي الذخيرة: لو حجت حجة الإسلام، فإن كان قبل تسليم نفسها فلا نفقة لها. ولو بنى الزوج بها، ثم حجت مع محرم؛ فلها النفقة في قول أبي يوسف. وقال محمد: لا نفقة لها.
وقال الشافعي: لو حجت فرضًا أو نفلا بغير إذنه لا نفقة لها، وبإذنه ذهب معها فلها النفقة، وكذا إن لم يكن معها في أظهر القولين.
وقال أحمد: لو أحرمت من الميقات لها النفقة، وقبله أو قبل الميقات لا؛ لأنه تفويت التمكين شيء مستغنى عنه، وفي صوم التطوع تسقط نفقتها.
ثم على قول أبي يوسف: تفرض لها نفقة الإقامة دون السفر، يعني: يعتبر ما كان قيمة للطعام في الحضر، لا ما كان قيمة له في السفر؛ لأن الزيادة لحقتها بأداء منفعة تحصل لها، فلا يكون ذلك على الزوج، كالمريضة لا يستحق الدواء عليه.
ولو سافر معها الزوج يجب عليه بالاتفاق، وبه قال الشافعي، لكن نفقة الحضر لما قلنا.
قوله: (لما قلنا)؛ إشارة إلى قوله: (لأنها هي المستحقة).
وأجمعوا على أن الصوم والصلاة في منزلها، إلا أنها غير مانعة نفسها بغير حق، أو مانعة بحق؛ تجب النفقة في ظاهر الرواية. وكذلك الرتقاء والقرناء على ما ذكرنا؛ لحصول الانتفاع بالدواعي والاستئناس.
وفي الذخيرة: عن أبي يوسف: في الرتقاء والقرناء والمريضة التي لا يمكن