الشَّافِعِيُّ ﵀: تَتَوَضَّأُ المُسْتَحَاضَةُ لِكُلِّ مَكْتُوبَةٍ لِقَوْلِهِ ﵊: «المُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا ضَرُورَة أَدَاءِ المَكْتُوبَةِ، فَلَا تَبْقَى بَعْدَ الفَرَاغِ مِنهَا. وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «المُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهُوَ المُرَادُ بِالأَوَّلِ، لِأَنَّ اللَّامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ، يُقَالُ:
الواجبات أيضًا، وبقولنا قال أحمد (١)، وقال مالك (٢): لا تتوضأ المستحاضة؛ لأن دم الاستحاضة ليس بحدث عنده لقوله ﵇: «توضئي وصَلِّي وإن قطر الدَّم عَلَى الحَصِير» (٣)، وقال الأوزاعي، والليث بن سعد: تجمع بطهارة واحدة بين الظهر والعصر، وقال النخعي: تغتسل في آخر وقت الظهر فتصلي الظهر في أول وقت العصر في آخر وقته، وكذلك تغتسل في آخر وقت المغرب فتصلي، وكذلك في العشاء والفجر.
ولا يأت الخلاف بيننا وبين الشافعي في الجرح السائل، والرعاف الدائم؛ لأنه لا يرى الخارج من غير السبيلين حدثا.
و (قوله ﵇: «المستحاضة تتوضأ») إخبار من الشارع فيفيد الوجوب؛ لأنه بمعنى الأمر.
(فلا تبقى)، أي الضرورة بعد الفراغ من المكتوبة وإنما تبقى طهارتها للنوافل عنده (٤)، وبقوله أخذ الثوري؛ لأن حاجتها لم ترتفع في حق النوافل؛
стр. 387
«آتِيكَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ»: أَيْ وَقْتِهَا، وَلِأَنَّ الوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الأَدَاءِ
لأنه خبر موضوع في كل وقت.
وفي الكافي: وعند مالك تتوضأ لأجل السنن لظاهر قوله ﵇: «تَتَوَضَّأُ لكلِّ صلاة»، والسنة صلاة، وهذا في غير المستحاضة؛ لأن فيها لا يجب الوضوء عنده لما ذكرنا.
وفي التمهيد: قال مالك: لا يجب الوضوء عليها ومن به سلس البول ونحوه وإنما الوضوء مستحب عنده لكل صلاة (١)، وهذا خلاف ما ذكره أصحابنا في كتبهم.
قوله: (لأن)، اللام تستعار للوقت، قال شيخ الإسلام: المراد من الصلاة المذكورة في الحديث وقتها، والصلاة تذكر ويراد [بها] (٢) الوقت، وذلك بالكتاب والسنة، وتعارف الناس.
أما الكتاب: بقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، قيل: أوقات الصلاة.
وأما السنة: ما قال ﵇: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًا، فأينما أَدْرَكَتْني الصَّلاةُ تيممتُ» (٣)، أراد وقتها لأنها فعله، وفعله لا يسبقه، وقال ﵇: «إنّ للصَّلاةِ أوَّلًا وَآخِرًا» (٤)، أي لوقتها.
стр. 388
تَيْسِيرًا فَيُدَارُ الحُكْمُ عَلَيْهِ
وفي العرف: أتتك صلاة الظهر، أي: وقتها، فيحمل على هذا توفيقا بين الحديثين، مع أن الحفاظ اتفقوا على ضعف حديثه، حكاه النواوي في المهذب.
قوله: (تيسيرًا)، وفي جامع شمس الأئمة: ثم في تقدير طهارتها بالصلاة بعض الجهالة والحرج؛ لأن الناس متفاوتون في الأداء المطول والمقصر فلم يمكن ضبطه، ولأن منهم من يرى الأداء أول الوقت أولى، وبالعكس، وربما يعتريه مانع من الأداء فيه فيحتاج إلى تأخيره إلى آخره، لبعد المسافة بينه وبين الماء، أو كان رجلًا موسوسًا يحتاج إلى إعادتها قطعًا للوسواس، ولهذا المعنى لم يجعل الشارع وقت الصلاة معيارًا، وأقام الوقت مقام الأداء هاهنا ليستوي الكل في بقاء الطهارة، وتيسيرًا للأمر على المكلفين.
(فيدار الحكم عليه)، أي على الوقت، كذا في الخبازية.
وفي جامع الكردري: الأصل أن يستغرق الوقت للأداء؛ لأنه شكر نعمة الوقت، والنعمة تستغرق الوقت، فكذا شكرها، لكن الشرع أطلق للمكلف صرف بعض الوقت إلى مصالح بقاء نفسه رخصة؛ لأنه لو لم يفعل ذلك لما بقي فصار صرف بعض الوقت إليه وسيلة إلى الأداء في البعض، والوسيلة تأخذ حكم المقصود فصار الأداء في البعض أداء في الكل تقديرًا فيكون الأداء باقيًا تقديرًا ما بقي الوقت.
والشرع علق الحكم بالأداء التقديري لا الحقيقي لتعذر تعليقه بالحقيقي؛ لأنه قد يوجد، وقد لا يوجد، وقد يطول وقد يقصر.
والأداء التقديري لا يتفاوت، لكنه خفي فقام دليل الجلي مقامه تيسيرًا، وأدير الحكم عليه وجودًا وعدمًا.
وفي جامع فخر الإسلام: الحكم في العزيمة أن تبقى الطهارة من أول الوقت إلى آخره تخفيفًا على العبد فلا يجوز أن يبطل هذا الحكم في الرخصة التي ثبتت له بالعذر لأنه لو سقط تصير الرخصة تغليظا عليه، وهذا قلب الموضوع؛ فإن العزيمة أن تصلى خمس صلوات مع سننها بخمس طهارات،
стр. 389
(وَإِذَا خَرَجَ الوَقْتُ بَطَلَ وُضوؤُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى) وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ زُفَرُ: اسْتَأْنَفُوا إِذَا دَخَلَ الوَقْتُ (فَإِنْ تَوَضَّؤُوا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُمْ
ولو انتقض طهارتها بعد الفراغ لانقلبت الرخصة تغليظا في موضوع الرخصة؛ لأن صاحب الشرع جعل الوقت متسعا، وللعبد أن يشغله بالأداء فتبقى الطهارة، فإذا صرف بعضه إلى حاجة نفسه برخصة الشرع لم يجز له أن يبطل حكم تعلق تلك العزيمة به، وصار له حكم شغل كل الوقت بالأداء.
قوله: (واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى)، فإن قيل: ما الفائدة في هذا فإن البطلان يستلزم استئناف الوضوء لا محالة؟
قال مولانا حافظ الدين في جوابه: جاز أن يبطل الوضوء لحق صلاة، ولا يبطل لحق صلاة أخرى، فلا يجب الاستئناف في حق تلك الصلاة، كما قال الشافعي ببطلان طهارتها في حق المكتوبة دون النفل.
ثم إضافة البطلان إلى الخروج بقوله: (وإذا خرج الوقت بطل وضوؤهم) مجازا؛ لأن ذلك ليس من صفات الإنسان، فضلا أن يكون حدثا، بل الانتقاض بالحدث السابق، لكن أثره يظهر عنده؛ لأن الوقت مانع، فإذا زال ظهر أثره، والشرط يقام مقام العلة في حق إضافة الحكم، إليه أشير في جامع فخر الإسلام (١).
فإن قيل: لو استند الانتقاض إلى الحدث السابق لوجب أن يقال: بعد الشروع في التطوع لو خرج الوقت لا يلزمها القضاء؛ لأنها حينئذ تعلم أنها شرعت بلا وضوء.
قلنا: هذا ظهور من وجه، اقتصار من وجه، فأظهرنا الاقتصار في حق القضاء، والظهور في حق الأداء والمسح أيضا حتى لا يجوز لها المسح، كذا في الذخيرة.
وإنما لم نعكس ليكون عملا بالاحتياط، وفي العكس لا يكون عملا به.
стр. 390
عَنْ فَرْضِ الوَقْتِ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ: أَجْزَأَهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ (*)، وَحَاصِلُهُ أَنَّ طَهَارَةَ المَعْذُورِ تنتقض بِخُرُوجِ الوَقْتِ، أَيْ: عِنْدَهُ بِالحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ، وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَفَائِدَةُ الاخْتِلَافِ لَا تَظْهَرُ
(وهذا)، أي بطلان وضوئها بالخروج عند العلماء الثلاثة.
(أي عنده)، أي عند خروج الوقت.
قوله: (وبأيهما كان عند أبي يوسف)، وبه قال أحمد في رواية (١)، فظاهر قوله مع زفر، وظاهر مذهب الشافعي لا ينتقض بشيء من ذلك بل بالفعل (٢).
وفي الفوائد الظهيرية والمحققون من مشايخنا قالوا: على قول أبي يوسف لا ينتقض بدخول بلا خروج، أما ينتقض بخروج بلا دخول كما هو قولهما ثم فيما إذا توضأت قبل الزوال ودخل وقت الظهر، إنما يحتاج إلى الطهارة عنده لا لأنها انتقضت بدخول الوقت عنده بل باعتبار أن طهارتها ضرورية، ولا ضرورة قبل الوقت (٣).
وذكر فخر الإسلام في طرق زفر فقال: يظن السائل أن زفر لم يجعل الخروج حدثًا، بل جعل الدخول حدثًا، وليس كذلك، بل الصحيح من مذهبه أن شيئًا من ذلك ليس بحدث وإنما لم تنتقض الطهارة بطلوع الشمس؛ لأن قيام الوقت جعل عذرًا، وقد بقيت شبهة حتى لو قضى صلاة الفجر قضاها مع سنتها فكان كمال الخروج بدخول وقت آخر، ولم يوجد، فبقيت شبهة الوقت فصلحت لبقاء حكم العذر تخفيفًا، وبهذا التقدير يعلم أن العلماء الأربعة متفقون على أن الحدث السابق إنما يعمل عند خروج الوقت، إلا أن عند أبي يوسف تقديم الطهارة على الوقت غير معتبر لعدم الحاجة فيجب عليها ثانيًا،
стр. 391
إِلَّا فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ المُنَافِي لِلْحَاجَةِ إِلَى الأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ. وَلِأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الوَقْتِ، فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الوَقْتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الأَدَاءِ كَمَا دَخَلَ الوَقْتُ، وَخُرُوجُ الوَقْتِ دَلِيلُ زَوَالِ الحَاجَةِ، فَظَهَرَ اعْتِبَارُ الحَدَثِ عِنْدَهُ، وَالمُرَادُ بِالوَقْتِ: وَقْتُ المَفْرُوضَةِ، حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ المَعْذُورُ لِصَلَاةِ العِيدِ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهِ عِنْدَهُمَا،
وعند زفر لم يوجد الخروج من كل وجه (١).
(فلا تعتبر) أي الوضوء السابق قبل الوقت.
فإن قيل: لما لم يعتبر عنده قبل الوقت، فكيف يوصف بالانتقاض عند الدخول؟
قلنا: عدم الاعتبار قبله باعتبار أن الحاجة بأداء الوقتية منعدمة قبله في حق تلك الطهارة، لا أنها غير معتبرة أصلا في جواز النوافل، وقضاء الفوائت.
وفي جامع الكردري: وجه قول زفر أن طهارتهم مقدرة بالوقت لما قلنا، والتقدير بالوقت يمنع الزيادة والنقصان، فلو قلنا لا ينتقض بالدخول لازدادت المدة المقدرة شرعًا وأنه لا يجوز.
قوله: (ليتمكن من الأداء كما دخل الوقت)، الكافي للمفاجأة لا للتشبيه، أي ليفاجئ تمكن الأداء دخول الوقت.
وذكر فخر الإسلام الوقت مقام الأداء في موضع الرخصة كما ذكر، ولأن تقديم الطهارة على الأداء واجب، فكان تقديمها على وقت الأداء جائز، ولهذا قال بعضهم على قياس قولهما: لو توضأ للعصر قبل وقت العصر جاز أن يصلي العصر به وقال بعضهم: لا يجوز؛ لما أن هذا دخول مشتمل على الخروج، وبه ينتقض لا بالدخول، وإليه أشار بقوله: (فعندهما)، أي عند أبي حنيفة ومحمد.
стр. 392
وَهُوَ الصَّحِيحُ (*) لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةٌ لِلظَّهْرِ فِي وَقْتِهِ، وَأُخْرَى فِيهِ لِلْعَصْرِ، فَعِنْدَهُمَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ بِهِ، لِانْتِقَاضِهِ بِخُرُوجِ وَقْتِ المَفْرُوضَةِ. وَالمُسْتَحَاضَةُ: هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إِلَّا وَالحَدَثُ الَّذِي
(ليس له أن يصلي العصر)، وخصهما بالذكر مع أن الحكم عند الكل كذلك لما أن الشبهة ترد على قولهما حيث جوزا تقديم الوضوء على الوقت وما قالا بالانتقاض بالدخول، والمراد بالوقت أي الوقت الذي اعتبر خروجه ودخوله وقت المفروضية (١).
(أن يصلي الظهر به)، أي بذلك الوضوء، ولو توضأ لصلاة الضحى له أن يصلي الظهر به أيضًا.
وقوله: (وهو الصحيح)، احتراز عما ذكر في الجامع الحسامي، وقال بعضهم: ليس له أن يصلي الظهر به لأنه خرج وقت صلاة واجبة، إذ صلاة العيد واجبة.
(لأنها)، أي صلاة العيد ليست بمكتوبة، بل هي واجبة أو سنة فأشبهت صلاة الضحى، حتى قال بعض المشايخ أنها صلاة الضحى أديت مع الجماعة.
قوله: (ولو توضأ مرة للظهر)، وقيل: إنما وضع المسألة في الظهر ليتبين أنه ليس بين وقت الظهر والعصر وقت مهمل، وما روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا صار كل شيء مثله يخرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر لا يصح، كذا في الخبازية (٢).
قوله: (والمستحاضة هي التي) إلى آخره، هذا في حق الدوام والبقاء، أما في الابتداء فاستيعاب الوقت بالحدث شرط لتصير مستحاضة كما ذكرنا.
قال التمرتاشي والمرغيناني كما يشترط دوام السيلان في الوقت لثبوت حكم الاستحاضة يشترط دوام عدم السيلان لسقوط حكمها، ثم لا تجب عليها
стр. 393
ابْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهَا،
أن تنظر إلى فرجها وقت كل صلاة، ولا يجب عليها الاستنجاء أيضًا لوقت كل صلاة، كذا في القنية (١).
ويجب عليها غسل الثوب من الدم لكل صلاة في قول مقاتل، وقال ابن سلمة: ليس عليها ذلك؛ لأن أمر الثوب ليس أكد من أمر البدن.
وقال أبو القاسم في المبطون إذا كان بحال لا يبسط تحته ثوب إلا نجسه من ساعته: فإن له أن يصلي على حاله.
وفي الْمُجْتَبى: قال القاضي: لو غسلت ثوبها وهو بحال يبقى طاهرًا إلى أن يفرغ ولا يبقى أن يخرج الوقت عندنا يصلي بدون غسل الثوب، وعند الشافعي لا؛ لأن الرخصة عندنا مقدرة بخروج الوقت، وعنده بالفراغ من الصلاة.
وفي صلاة البقالي: لو نعلم أنها لو اغتسلته يبقى طاهرًا إلى أن تصلي يجب غسله بالإجماع، ولو علمت [أنه يعود] (٢) نجسا غسلته عند أبي يوسف دون محمد (٣).
وفي الحاوي: قال أبو القاسم: جرح سائل، فإن كان يسيل في كل وقت مرتين أو ثلاثًا توضأت لوقت كل صلاة، وإن كان يسيل مرةً، أو في وقتين مرةً توضأت لكل مرة، ومتى قدر على رد السيلان برباط، أو حشو، أو جلوس في الصلاة إيماء ولم يعالج لم يجزه (٤).
وقال البزدوي: يجب رد السيلان بعلاج إن قدر، ولو سال عن جرحه دم انتظر آخر الوقت، ثم يتوضأ ويصلي قبل خروجه، فإن دخل وقت آخر ثم انقطع يتوضأ ويعيد، وإن لم ينقطع حتى خرج الوقت لا يعيد اعتبارًا للثبوت بالسقوط حتى لو انقطع دمها في خلاف صلاة الظهر ودوام الانقطاع إلى غروب الشمس أعادت الظهر، وإلا فلا.
стр. 394
وَهُوَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ، وَمَنْ بِهِ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ وَانْفِلَاتُ رِيحٍ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ بِهَذَا تَتَحَقَّقُ، وَهِيَ تَعُمُّ الكُلَّ.
فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ
في عينيه رمد يسيل دمعًا يؤمر بالوضوء لاحتمال كونه صديدًا، أو قيحا، وعن هشام في جامعه: إن كان قيحا فكالمستحاضة (١).
وفي الْمُجْتَبى: لم يذكر المصنف مسائل الانتقال، والعادة تنتقل عند أبي يوسف بأحد أمور ثلاثة: بعدم رؤية مكانها مرة، وبه قال الشافعي ﵀ (٢)، وبطهر صحيح صالح لنصب العادة مخالف للأول مرة، وعندهما بتكرر الأمرين مرتين على الولاء (٣)، وبه قال بعض الشافعية، وأحمد في رواية (٤)، وفي أشهر الروايتين عن أحمد: لا تثبت إلا بالتكرار ثلاثًا (٥). وقال مالك: تثبت بمرة، لكن إذا اختلفت بالزيادة والنقصان ثم استحيضت جلست أكثر ما كانت تجلسه لم تستطهر بالثلاث (٦).
(من ذكرناه)، وهو من به سلس البول، أو الرعاف الدائم، أو الجرح الذي لا يرقاً.
(فَصْلٌ فِي النَّفَاسِ)
قد ذكرنا وجه مناسبة هذا الفصل بما تقدم.
وفي المغرب: النفاس مصدر نفست المرأة بضم النون وفتحها، فإذا ولدت فهي نفساء وهن نفاس، وقول أبي بكر: إن أسماء نفست، أي حاضت، والضم فيها خطأ، وكل هذا من النفس بالسكون وهي الدم (٧).
стр. 395
(النَّفَاسُ: هُوَ الدَّمُ الخَارِجُ عَقِيبَ الوِلَادَةِ) لِأَنَّهُ مَأْخُوذُ مِنْ تَنَفُسِ الرَّحِمِ بِالدَّمِ، أَوْ مِنْ خُرُوجِ النَّفْسِ بِمَعْنَى الوَلَدِ، أَوْ بِمَعْنَى الدَّمِ (وَالدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الحَامِلُ ابْتِدَاءً، أَوْ حَالَ وِلَادَتِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الوَلَدِ اسْتِحَاضَةٌ) وَإِنْ كَانَ مُمْتَدًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: حَيْضُ اعْتِبَارًا بِالنَّفَاسِ، إِذْ هُمَا جَمِيعًا مِنْ الرَّحِمِ.
وأما اشتقاقه من تنفس الرحم، أو خروج النفس بمعنى الولد فليس بذاك. وفي الْمُجْتَبى: هو مشتق من تنفس الرحم، أو النفس، أو الولادة على ما قال شاعرهم:
إذا نفس المولود من آل خالد … بدا كرم للناظرين قريب
وقد وجد ذلك كله (١).
قوله: (ابتداء)، أي حالة الحبل وإن كان ممتدًا وإن كان بلغ نصاب الحيض، وقال الشافعي: حيض.
وفي شرح الوجيز: ما تراه الحامل على ترتيب الحيض في القديم هو دم فاسد، أي استحاضة، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد لقوله ﵇: «لا توطأ حامل حتى تضعَ، ولا حائل حتى تحيض»، جعل الحيض دليل براءة الرحم في الحائل إلا الحامل، وفي الجديد هو حيض، وبه قال مالك لقوله ﵇: «دم الحيض أسود»، من غير فصل من حامل وحائل، ولأنه دم في أيام العادة فيكون حيضًا لدم الحائل والمرضع، ولا فرق على القولين بين ما تراه قبل حركة الحمل، أو بعدها.
وقيل: القولان فيما بعد حركة الحمل، أما قبل حركته فهي كالحبالى (٢).
وفي الحلية: والذي يخرج مع الولد فيه وجهان، أحدهما أنه نفاس، والثاني أنه حيض (٣).
قوله: (اعتبارًا بالنفاس)، يعني فيما إذا ولدت ولدين في بطن واحد فرأت
стр. 396
وَلَنَا: أَنَّ بِالحَبَلِ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ كَذَا العَادَةُ، وَالنِّفَاسُ بَعْدَ انْفِتَاحِهِ بِخُرُوجِ الوَلَدِ، وَلِهَذَا كَانَ نِفَاسًا بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ الوَلَدِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّهُ يَنْفَتِحُ فَيَتَنَفَّسُ (*) بِهِ (وَالسَّقْطُ الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ وَلَدٌ) حَتَّى
الدم قبل خروج الولد الثاني فكانت حاملا، وأنه نفاس عندهما خلافًا لمحمد، فيعلم بهذا أن ما تراه الحامل من الدم يتصور أن يكون من الرحم.
ومذهبنا مذهب عائشة فإنها قالت: الحامل لا تحيض، ومثل هذا لا يعرف بالرأي فيحمل على السماع، ولأنه ﵇ قال في سبايا أوطاس: «ألا لا توطَأُ الحَبالى حتى تضعْنَ، ولا الحَيالى حتى يُستَبر أن بحيضة» (١)، جعل الحيض علامة براءة الرحم فلا يتصور وجوده مع الشغل وإلا لا يكون علامة.
و «الحيالي» جمع حايل وهي خلاف الحوامل، والقياس حوائل كحائض وحوائض، وإنما جمع هكذا لتزاوج الحبالى لقولهم: آتيك بالغدايا والعشايا، ولولا المزاوجة لقيل بالغدوات، كذا في المغرب (٢).
ولأن الحائل لا تحيل، ومن لا تحيل لا تحيض كالآيسة والصغيرة، ولأنا لو جعلنا ذلك حيضًا يلزم الموالاة بين دم الحيض والنفاس، فإنها إذا رأت دما قبل الولادة وجعل حيضًا فبعدها صارت نفساء كان موالاة بين الدمين، وهذا لا يجوز، كما لا تجوز الموالاة بين دمي الحيض، كذا في المبسوطين (٣).
وأما قوله ﵇ " دَمُ الحيض أسودُ "، مُسلَّم في دم الحيض لو ثبت، وهذا لم يثبت، أو يحمل المطلق على المقيد بقول عائشة، واعتبار بالنفاس ليس بصحيح؛ لأن فم الرحم ينفتح بخروج الولد فيما يروى عن أبي حنيفة.
стр. 397
تَصِيرَ المَرْأَةُ بِهِ نُفَسَاءَ، وَتَصِيرَ الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ، وَكَذَا العِدَّةُ تَنْقَضِي بِهِ
وفي مبسوط شيخ الإسلام: هذا القول لأبي حنيفة وأبي يوسف، وهذا إذا خرج أكثر الولد، فأما إذا خرج أقله وجبت عليها الصلاة لأنها لم تصر نفساء (١).
وفي فتاوى الظهيرية: ولو تصلي تصير عاصية، ثم كيف تصلي؟ قالوا: يؤتى بقدر فيجعل القدر تحتها وتجلس هناك وتصلي لئلا تؤذي ولدها.
وفي المحيط: وإنما تصير نفساء إذا خرج الولد حقيقة واعتبارا بخروج الأكثر، ولم يوجد في الأقل، وعلى قول محمد وزفر لا تصير نفساء؛ لأن النفاس عندهما يثبت بوضع الحمل، ولم يوجد وضع الحمل كله (٢).
وفي الْمُجْتَبى: ابتداء النفاس من خروج بعض الولد في رواية المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف - وبه قال أحمد -، وفي رواية خلف عنهما: إذا خرج أكثره، وعن محمد مثله، وعنه كله، واختار القدوري الأكثر حيث قال: وما تراه الحامل حال ولادتها قبل خروج أكثر الولد استحاضة، أو بعض خلقه كإصبع مثلا، ولو لم يستبن شيء من خلقه لا يكون له حكم الولد حتى لا تصير به نفساء (٣).
وفي شرح الطحاوي: لو رأت بعده أيضًا، فإن كان السقط مستبين الخلق فما رأته قبل الإسقاط لا يكون حيضًا، وما رأته بعده نفاس، وإن لم يكن مستبين الخلق فما رأته قبله حيض، وإن أمكن جعله حيضًا بأن وافق أيام عادتها، أو كان مرئيا عقيب طهر صحيح.
وإن كان لا يدري أنه مستبين أم لا بأن أسقطت في المخرج فاستمر بها الدم وهي مبتدأة في النفاس، وصاحبة عادة في الحيض والطهر كانت عادتها في الحيض عشرة، وفي الطهر عشرين فيقول على تقدير أنه مستبين الخلق هي نفساء، ونفاسها أربعون، وعلى تقدير أنه لم يستبن لا تكون نفساء، ويكون
стр. 398
(وَأَقَلُّ النَّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ) لِأَنَّ تَقَدَّمَ الوَلَدِ عَلَمُ الخُرُوجُ مِنْ الرَّحِمِ، فَأَغْنَى عَنِ امْتِدَادٍ جُعِلَ عَلَمًا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الحَيْضِ
عشرة عقيب الإسقاط حيضًا إذا وافق عادتها، أو كان ذلك عقيب طهر صحيح، فتترك هي الصلاة عقيب الإسقاط عشرة أيام بيقين، ثم تغتسل وتصلي عشرين يوما بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك، ثم تترك الصلاة عشرة أيام بيقين، ثم تغتسل لتمام مدة النفاس والحيض، ثم يكون بعد ذلك طهرها عشرين وحيضها عشرة وذلك دأبها، كذا في المحيط (١).
وفيه: قال محمد والأربعة الأشهر تجب عندي في السقط الذي استبان خلقه، قال ولا يحفظ عن أبي حنيفة فيه شيئًا، قال محمد: ولو نقص عدد الأربعة الأشهر من عشرين ومائة لم أنظر فيه إلى الشهور، يعني إلى الأهلة، وإنما أنظر فيه إلى عدد الأيام على ما جاء في الحديث (٢)، والوقت فيه تمام مائة وعشرين يوما (٣).
وفي شرح الوجيز: لو ألقت علقة أو مضغة وقالت القوابل إنه مبدأ خلق الآدمي فالدم الذي تجده بعده نفاس (٤).
قوله: (وأقل النفاس لا حد له، وهذا بالإجماع، ولأن تقدم الولد علم خروج الدم من الرحم فأغنى، أي: تقدمه، عن امتداد) دم، (جعل) أي: ذلك الامتداد (عَلَماً عليه) أي: على خروج الدم من الرحم في الحيض.
يعني يشترط في الحيض امتداد الدم ثلاثة أيام شرعًا ليعلم بذلك الامتداد أن الدم من الرحم، واستغني عن ذلك في النفاس لقيام دليل أقوى عليه وهو خروج الولد، فلذلك لا يحتاج إلى الامتداد فكان قوله (جعل علمًا) جملة فعلية وقعت صفة للنكرة وهي: (عن امتداد).
وفي المحيط: وليس لقلته غاية في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه
стр. 399
(وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ اسْتِحَاضَةٌ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَقَتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اعْتِبَارِ
قال: مقدر بأحد عشر يوما، وعن أبي حنيفة بخمسة وعشرين يوما (١).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: أقله ما يوجد حتى لو انقطع بعد ساعة تصوم وتصلي، ولا خلاف في هذا بين أصحابنا، وإنما الخلاف فيما إذا وجب اعتبار أقل النفاس في انقطاع العدة بأن قال لها: إذا ولدت فأنت طالق، فقالت: انقضت عدتي أي مقدار معتبر في تصديق النفساء يعني إذا كانت معتدة وليس يتيقن بأقله، وأما في حق الصوم والصلاة فأقله ما يوجد.
وقال فخر الإسلام: لا حد لأقله إلا عند نصب العادة، وقال المزني: أقله أربعة أيام لأن أكثره مثل أكثر الحيض أربع مرات فليكن أقله كذلك.
وفي المحيط: لو ولدت ولم تر دما فهي نفساء في رواية الحسن، عن أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة، ثم رجع أبو يوسف وقال: هي طاهرة؟
وثمرة الخلاف تظهر في حق وجوب الغسل، فأما الوضوء فواجب بالإجماع، وأكثر المشايخ أخذوا بقول أبي حنيفة وبه كان يفتي الصدر الشهيد، وبعضهم أخذوا بقول أبي يوسف (٢).
والطهر المتخلل بين الدمين في مدة النفاس كالدم، ولا يفصل قليلا كان أو كثيرا عند أبي حنيفة، وعندهما لو كان خمسة عشر يفصل، ذكره في الينابيع.
قوله: (وأكثره أربعون يومًا)، وبه قال أحمد (٣)، واختاره المزني (٤)، وقال الشافعي: ستون، وغالبه أربعون (٥)، وهو إحدى الروايتين عن مالك (٦)، حتى لو جاوز الدم الأربعين لا تدع الصلاة على الغالب، وفي رواية أخرى عنه: لا حد
стр. 400
السِّتِّينَ (وَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الأَرْبَعِينَ، وَكَانَتْ وَلَدَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَهَا عَادَةٌ فِي النِّفَاسِ رُدَّتْ إِلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا) لِمَا بَيَّنَّا فِي الحَيْضِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ، فَابْتِدَاءُ نِفَاسِهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ نِفَاسًا (فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ
له، ويُرجع فيه إلى أهل الخبرة من النساء فتجلس أقصى ما تجلس النساء (١).
وما ذكر في المنظومة أن أكثره سبعون عنده فذلك مروي عن ابن الماجشون من أصحابه قال: سألن النساء فقلن: هو ما بين ستين إلى سبعين، وعن ابن عمر، وعائشة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وأبي هريرة مثل مذهبنا، وهو لا يعرف إلا توقيفا وقت للنفساء، وهو قوله ﵇: «تُنظَرُ النفساء أربعين يوما إلا أن تَرَى الظهر قبل ذلك»، كذا في المبسوط (٢).
وروى أبو داود وابن ماجه، وأحمد والترمذي عن أم سلمة أنها قالت: كانت النفساء تجلس على عهد النبي ﷺ أربعين يوما، وكنا نطلي وجوهنا من الكلف (٣)، قال الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ ومن بعدهم [على أن النفساء] (٤) تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك (٥).
وقال الطحاوي: ولم يقل بالستين أحد من الصحابة، وإنما قاله بعض من بعدهم، وقول الأوزاعي حكاية عن امرأة مجهولة في بلد، فلا يكون حجة، ولهذا لم يأخذ الأوزاعي به، بل أخذ بقولنا في الجارية، ونقص عن ذلك في الغلام.
وعنه أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين، وبه استدل النواوي في شرح المهذب (٦).
стр. 401
فِي بَطْنِ وَاحِدٍ، فَنِفَاسُهَا مِنْ الوَلَدِ الأَوَّلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ،
وجه قول الشافعي أن النفاس أربعة أمثال الحيض بالاتفاق، وأكثر الحيض عنده خمسة عشر، والستون أربعة أمثالها.
قال شيخ الإسلام: فمنهم من قال هذه المسألة بناء على أكثر مدة الحيض؛ لأنا أجمعنا على أن أكثر النفاس أربعة أمثال أكثر مدة الحيض، ومنهم من تكلم في المسألة ابتداء، وإنما اعتبرت أربعة الأمثال؛ لأن الروح لا تدخل في الولد قبل أربعة أشهر فتجتمع الدماء فيها؛ لأن الولد لا يحتاج إلى الغذاء، وبعد خروج الولد تخرج ذلك الدماء (١)، أما بعد دخول الروح يصير الدم غذاء له.
قيل: يصل إليه من قبل سرته لأن لا يتلطخ فمه.
(إلى أيام عادتها)، وهذا عندنا، وعند الشافعي فيه تفصيل، في الغاية: لو استحضيت وكانت مميزة فالقوي نفاس، وإلا ردت المعتادة إلى العادة، والمبتدأة: إلى الأغلب وهو أربعون يوما، وإلى الأقل وهو ساعة في قول، وإلى الأكثر عند المزني، والمتحيرة: وهي التي نسيت وقت عادتها وعددها وغير مميزة كالمبتدأة.
قوله: (في بطن واحد)، وتفسيره أن يكون بين الولدين أقل من ستة أشهر، وللشافعي فيه ثلاثة أقوال، أحدها: وهو الأصح أنه يعتبر من الأول ابتداء المدة، وهو قول أبي إسحاق، وأبي حنيفة، وأبي يوسف (٢)، ومالك (٣)، وأحمد في الأصح عنه (٤).
والثاني: أنه يعتبر ابتداء المدة من الثاني، وهو قول محمد، وزفر، وداود.
والثالث: أنه يعتبر ابتداؤها من الأول، ثم يستأنف من الثاني (٥).
стр. 402
وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مِنْ الوَلَدِ الْأَخِيرِ) (*) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀، لِأَنَّهَا حَامِلٌ بَعْدَ وَضْعِ الأَوَّلِ فَلَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ، كَمَا أَنَّهَا لَا تَحِيضُ، وَلِهَذَا تَنْقَضِي العِدَّةُ بِالوَلَدِ الأَخِيرِ بِالإِجْمَاعِ. وَلَهُمَا: أَنَّ الحَامِلَ إِنَّمَا لَا تَحِيضُ لِانْسِدَادِ فَمِ الرَّحِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ انْفَتَحَ بِخُرُوجِ الْأَوَّلِ وَتَنَفَّسَ بِالدَّمِ، فَكَانَ نِفَاسًا، وَالعِدَّةُ تَعَلَّقَتْ بِوَضْعِ حَمْلٍ مُضَافٍ إِلَيْهَا، فَيَتَنَاوَلُ الجَمِيعَ.
وقيد بقوله: (وإن كان أربعون يومًا) احتراز عن قول بعض المشايخ حيث قالوا في قول أبي حنيفة إن كان بينهما أربعون يومًا يجب عليها النفاس من الولد الثاني في هذه الصورة، والصحيح أنه لا يجب النفاس من الثاني أصلا عندهما؛ لأن أكثر مدته أربعون وقد مضت فلا يجب النفاس بعدها، إليه أشير في الجامع، والمحيط (١).
وحكي أن أبا يوسف قال لأبي حنيفة: أرأيت لو كان بينهما أربعون؟ قال: هذا لا يكون، قال أبو يوسف: ولئن كان؟ قال: لا نفاس من الولد الثاني وإن رغم أنف أبي يوسف (٢).
ولو كان بين الولدين ثلاثون يومًا فمن الولد الثاني عشرة أيام، وعلى هذا القياس.
وهاهنا مسألة يظهر الاختلاف فيها: معتادة بعشرة وعشرين فولدت ولدًا، ثم آخر بعد ستين يومًا، فبعد الستين دم تترك منه الصلاة بالاتفاق لاختلاف التخريج، فعند محمد النفاس من الأخير، وعندهما من الأول، والنفاس أربعون والطهر عشرون، وقد مضى، وبعده أوان الحيض بوضع حمل مضاف إليها، قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، والحمل اسم لكل ما في البطن، وما بقي الولد في بطنها موجودًا كان الحمل باقيًا، ولهذا لو قال: إن كان حملك غلامًا فأنت حرة، فولدت غلامًا وجارية لم يعتق؛ لأن الغلام صار بعض الحمل، والشرط كونه كل الحمل.
(فيتناول الجميع)، أي كل الحمل، وقلنا: بعض الحمل فتتناوله الآية،
стр. 403
بَابُ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا
وفي مسألة التعليق ذكر الحمل في موضع الشرط فيتناول الكل، ولا كذلك في مسألتنا؛ لأنه انفتح فم الرحم فالخارج من الرحم بعد الولادة فيكون نفاسا.
بَابُ الْأَنْجَاسِ
لما فرغ من بيان النجاسة الحكمية وتطهيرها شرع في بيان الحقيقية، إذ الطهارة عنهما شرط جواز الصلاة بالاتفاق، لكن الحكمية أقوى منها؛ لأن قليلها يمنع جواز الصلاة بالاتفاق، بخلاف الحقيقية حيث القليل منها معفو، ولأن وجوب الطهارة عن الحكمية أصل لا يسقط بعذر ما، إما أصلًا أو خلفًا بخلاف الحقيقية، فقدم بيان الحكمية.
وفي البدرية: باب بيان أحكام الأنجاس على تقدير حذف المضاف، وتطهيرها أي تطهير محلها، لكن لما أضاف إلى ضميرها أنثه، والمراد بالتطهر إزالة النجاسة؛ لأن تطهير عين النجاسة محال، فكان التطهير إما إثبات الطهارة وإزالة النجاسة، كما أن البيان إما الظهور أو إزالة الخفاء.
و (الأنجاس) جمع النجس بفتحتين، وبكسر الجيم وفتحها، وسكونها مع فتح النون، وبكسر النون مع سكون الجيم، كلها مستعملة في اللغة، وهو كل ما استقذرته.
والنجس في الأصل مصدر، ثم استعمل في الاسم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، أي ذو نجس، والمراد هاهنا الاسم.
وفي الكافي: الخبث يطلق على الحقيقي، والحدث على الحكمي، والنجس عليهما، والمراد هاهنا الحقيقي.
ثم الكلام هاهنا في مواضع في الدليل الذي يوجب تطهيرها، وفي آلة التطهير، وفي بيان أنواع النجاسة، وفي كيفية التطهير، وفي القدر الذي يصير به المحل نجسًا، وفيما يتعذر التطهير فيه.
تطهير الثوب والبدن والمكان واجب بتقدم الصلاة بالإجماع، وعن مالك ثلاثة أقوال، أحدها: أنه فرض مطلقا، والثاني: أنه فرض عند التذكر ساقط عن
стр. 404
(تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ مِنْ بَدَنِ المُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَالمَكَانِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].
وَقَالَ ﵊: «حُتّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالمَاءِ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ»، وَإِذَا وَجَبَ التَّطْهِيرُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّوْبِ وَجَبَ فِي البَدَنِ وَالمَكَانِ، فَإِنَّ
النسيان، والثالث: أنه سنة، وهو مذهب ابن القاسم (١).
قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وجه التمسك به أن وجوب تطهير الثوب ثبت بعبارته.
فإن قيل: قد قيل المراد من قوله ﴿فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]: فقصر.
قلنا: هذا مجاز، والأصل عدمه، مع أن القصر في الثياب ملزوم للتطهير فيكون أمرًا بتطهير الثوب اقتضاء.
ثم وجوب طهارة البدن والمكان بدلالته، وهذا لأن تطهير الثوب إنما وجب للصلاة لأنها مناجاة مع الرب، وهي أعلى حالة العبد فيجب أن يكون المصلي على أحسن حالة، وذلك في طهارته وطهارة ما يتصل به، وقد وجب عليه تطهير الثوب بالنص مع قصور اتصاله به، وتصور الصلاة بدونه في الجملة؛ لأنه يجب عليه تطهير بدنه ومكانه مع كمال اتصالهما به لقيامه بهما، وعدم تصور الصلاة بدونهما أولى (٢).
قوله: («حُتّيهِ») قال ﵇ لأسماء بنت أبي بكر حين سألته عن دم الحيض يصيب الثوب: «حُتّيهِ واقْرُصِيهِ»، وفي المغرب: الحَتُّ: القشر باليد، أو العود، والقرص بأطراف الأصابع، كلاهما من باب طلب (٣).
ولا يقال هذا الحديث ورد في دم الحيض فنقتصر عليه؛ لأنا نقول العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، كذا قيل وفيه تأمل.
стр. 405
الاسْتِعْمَالَ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ الكُلَّ
(يشمل الكل)، أي الثوب، والبدن، والمكان؛ لأنه لما ورد في الثوب بعبارته كان واردا في البدن، والمكان بدلالته كما ذكرنا.
ثم المعتبر في طهارته تحت قدم المصلي حتى لو كان تحت قدميه أكثر من قدر الدرهم نجسا لم تجز صلاته؛ لأنه لابد من القيام، وذلك بالقدم، أما إذا كان في موضع السجود ففي رواية محمد عن أبي حنيفة: لا يجوز؛ لأن السجود ركن كالقيام، وفي رواية عنه: يجوز، كذا في الإيضاح (١).
وفي الْمُجْتَبى: افتتح الصلاة على النجاسة لم تنعقد، ولو انتقل إليها بعد الافتتاح ثم أعاد ذلك الركن في مكان طاهر جاز، إلا أن يتطاول فيصير في حكم فعل مفسد، والنجاسة في موضع ركبتيه ويديه لا تمنع عندنا - خلافا لزفر والشافعي (٢) بناءً على أن موضع اليدين والركبتين على الأرض ليس بفرض عندنا فصار وضعهما عليها كلا وضعهما -، وكذا في موضع وجهه في رواية أبي يوسف عنه؛ لأن السجود يتأدى بالأنف عنده وإنه أقل من الدرهم، وفي رواية محمد: لم يجزه.
وإن أعاده في مكان طاهر يجزيه بخلاف حمل النجاسة؛ لأن الوضع أهون من الحمل.
والسجود على فراش ظاهره طاهر وباطنه نجس يجوز، وكذا على الثوب المثني والجبة المحشوة، وعن أبي يوسف: لا يجوز.
ولو صلى في جانب بساط والجانب الآخر نجس جاز، وفي الثوب إن تحرك بحركته لم يجز، وفي الزيادات يجوز تحرك أو لا (٣).
وفي المحيط: بساط على طرفه نجاسة صلى عليه.
قيل: يجوز في الكبير دون الصغير، وحده لو حرك أحد طرفيه لا يتحرك
стр. 406
(وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا بِالمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ يُمْكِنُ إِزَالَتُهَا بِهِ كَالخَلِّ وَمَاءِ الوَرْدِ وَنَحْوِهِ
الأخر، والأصح أنه يجوز في الصغير والكبير (١).
قوله: (بالماء وبكل مائع طاهر)، فإن قيل: جواز التطهير بالماء ثابت بالإجماع فما فائدة ذكر الماء؟
قلنا: ليعلم أن الإزالة بالماء جائز عندهما غير واجب.
المائع: السائل، من ماع يميع: سال، وقيد بكونه طاهرا لأنه ذكر التمرتاشي دم يغسل بالبول أن نجاسة الدم زالت وحلت نجاسة البول، حتى لو كان ذلك بول ما يؤكل لحمه رخصنا فيه ما لم يفحش، ولو حلف ما فيه دم لم يحنث.
ثم قال: ذكر السَّرَخْسِيُّ: واختلف في زوال النجاسة ببول ما يؤكل لحمه، والأصح أن التطهير بالنجس لا يكون للتضاد بين الوصفين (٢).
وقيد بقوله: (يمكن إزالتها) احترازًا عن الدهن واللبن، والدبس ونحوها فإن بها تنبسط النجاسة ولا تزول.
وفي بعض نسخ المختصر: (الماء المستعمل)، ولا صحة له إلا على رواية أبي حنيفة أن الماء المستعمل طاهر.
وفي شرح أبي ذر: يجوز إزالة النجاسة بالماء المستعمل ونحو ذلك مما إذا عصر انعصر كشراب التفاح، وسائر الثمار، والأشجار، والبطيخ، والقثاء، والصابون، والجبن والباقلاء، والأنبذة، وماء الخلاف، واللينوفر (٣)، واللسان، وكل ما اختلط به طاهر وغلب عليه وأخرجه عن طبع الماء وصار
стр. 407
مِمَّا إِذَا عُصِرَ انْعَصَرَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵏: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالمَاءِ (*)، لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ المُلَاقَاةِ، وَالنَّجِسُ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ، إِلَّا أَنَّ هَذَا القِيَاسَ تُرِكَ فِي المَاءِ لِلضَّرُورَةِ.
مقيدا فهو في حكم المائع، ذكره الطحاوي (١).
قوله: (وقال محمد) (٢)، وزفر، والشافعي (٣)، ومالك (٤)، وعامة الفقهاء: لا يجوز إلا بالماء.
(لأنه) أي المائع. يتنجس بأول الملاقاة أي ملاقاته النجس، وكذا القياس في كل مرة، إلا أن هذا القياس ترك في الماء بالنص، أو للضرورة لفضل لطافته، وسرعة اتصاله.
ولهما ما روي أنه ﵇ قال: «إنّما يُغَسِلُ الثوبُ مِنْ خَمْسٍ» (٥)، الحديث، ولم يبين ما يغسل به، فكان جميع ما يغسل به داخلا تحت الحديث.
وما رواه البخاري بسنده عن مجاهد قال: قالت عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض بلته بريقها فمصعته بظفرها، أي حكته (٦).
وفي البدرية: الحكم في المائع ثبت بدلالة النص والقياس، أما الدلالة
стр. 408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلأن الماء صار مطهرا بمعنى القلع والإزالة، ومعنى الإزالة في الخل وماء الورد أبلغ؛ فإن الخل ربما يقلع شيئا لا ينقلع بالماء، وماء الورد يقلع النجاسة ورائحتها.
وأما القياس فكذلك أيضا لاشتراك المائع في الإزالة، وهذا القدر في المنصوص معقول، وإبقاء الماء طاهرا حالة الاستعمال غير معقول؛ لأن ملاقاة النجس الطاهر يوجب تنجس الطاهر، لكن يتعدى الذي هو غير معقول في ضمن المعقول كوجوب غسل الأعضاء الأربعة في ضمن خروج النجس كالجودة في باب الربا فإن استواء الجيد والرديء غير معقول، لكن تعدي هذا الاستواء في ضمن المعقول (١).
ولكن ما ذكره في الإيضاح أن المائع يشارك الماء في كونه مطهرا مزيلا لأنه قالع، والطهورية بعلة القلع، بدليل أن العين لا تطهر ما لم تزل عين النجاسة، والمأخوذ عليه إزالة العين وللأثر بدليل أنه لو قطع موضع النجاسة أجزأه وأزالها كما يحصل بالماء يحصل بالمائع، بخلاف ما لا ينعصر بالعصر كاللبن، والدهن فإنها لا تستأصل بهما، بل يبقى أثرها فلا تتحقق الإزالة.
فإن قيل: كيف يستقيم التمسك بالحديث، والأمر الوارد في غسل المني محمول على الندب عند الشافعي؟
قلنا: إنه إخبار عن الشارع فكيف يستقيم حمله على الندب مع وجود القرائن الثلاث على الوجوب، وهي الدم، والبول، والغائط.
فإن قيل: الغسل غير منحصر على الخمس بالإجماع.
قلنا: سائر الخمس في معناه فتلحق به كما في قوله ﵇: ﴿لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ﴾ (٢)، فيلحق به الخنجر لأنه في معناه.
стр. 409
وَلَهُمَا: أَنَّ المَائِعَ قَالِعٌ، وَالطَّهُورِيَّةَ بِعِلَّةِ القَلْعِ وَالإِزَالَةِ، وَالنَّجَاسَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ،
أو المراد حصر وجوب الغسل مما خرج من البدن، بدليل سبب وروده وهو أنه ﵇ مر على عمار وهو يغسل ثوبه من النخامة، فقال ﵇: «ما نُخامَتُكَ ودموعُ عينَيْكَ، والماء الذي في رَكوَتِكَ إِلَّا سواء، إنما يُعْسَلُ الثوبُ مِنْ خَمْسٍ»، الحديث رواه الدارقطني، والبيهقي، وأبو يعلى الموصلي.
وقوله: (والنجاسة للمجاورة)، جواب عن قولهما أنه يتنجس بأول الملاقاة، والنجس لا يفيد الطهارة، فقال: نجاسته بالمجاورة؛ لأن باستعمال الماء تتحول النجاسة إليه، ويصير الماء نجسًا فإذا تكرر ورود الماء والعصر في المحل زالت النجاسة عن المحل؛ لأن الماء بطبعه جاذب لها، فبقدر ما يحول إلى الماء لم يبق في المحل، فإذا انتهت أجزاء النجاسة بالغسل مرات يبقى الماء، أو المائع طاهرا؛ لأنهما طاهران في ذاتهما ولا يقال: النجاسة إذا انتهت تبقى البلة النجسة في الثوب؛ لأنا نقول نجاسة البلة باعتبار مجاورة أجزاء النجاسة أيضًا، فإذا انتهى جزاؤها تبقى البلة طاهرة أيضًا كما كانت إلا أن انتهاء أجزائها شرعًا بالغسل ثلاث مرات أو بإزالة أثرها، كذا ذكره أبو الفضل الكرماني.
وقولهم: سقط حكم القياس في الماء للضرورة غير مُسلَّم لأنا بينا أن إزالتها بالماء أمر معقول، ويسقط بتكرار الغسل بنجاسة الماء؛ لأنه نجس بالمجاورة، فكذا في المائع.
وأما قولهم: بسرعة اتصاله، فقلنا: قد يوجد في بعض المائعات ما يكون
стр. 410
فَإِذَا انْتَهَتْ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ يَبْقَى طَاهِرًا، وَجَوَابُ الكِتَابِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الثَّوْبِ
أسرع اتصالا من الماء فإن الخل ينفد في الحجر، ولا ينفد الماء، ولهذا يزيل الخل العين، واللون، والدسومة.
فإن قيل: الماء مطهر بالنص، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] فلا حاجة إلى التعليل.
قلنا: كونه منصوصًا لا يمنع التعليل كما في قوله ﵇: «الحنطة بالحنطة» (١).
فإن قيل: لو كان القلع معتبرًا ينبغي أن يجوز القلع بشيء نجس، وحيث لا يجوز قلنا يجوز كما قلنا في إزالة النجاسة الغليظة ببول ما يؤكل لحمه لا أنها تبقى البلة النجسة فلا يطهر على الأصح، وبالنظر إلى التعليل ينبغي أن تزول صفة الغلظة ويبقى صفة الخفة في النجاسة.
وأما قياسهم زوال النجاسة الحقيقية بالحكمية غير مستقيم؛ لأنه ذكر في المبسوط أن الطهارة من الحدث حكمية لا حقيقية لعدمها حقيقية على الأعضاء، فكان فيها معنى العبادة، فلا يجوز إلا بما تعبد به وهو الماء؛ لأنه أهون موجود لا يلحق الناس حرج في إفساده بالاستعمال، بخلاف المائعات فإنها أموال فيلحق الناس حرج في إفسادها به، فلا يكون المائع مثل الماء من كل وجه، فلا يجوز إلحاقه بالدلالة أيضًا (٢).
وجواب الكتاب وهو قوله: (يجوز تطهيرها بالماء وبكل مائع طاهر) (٣) لا يفرق، وفي العيون: لا تزول النجاسة عن البدن بالمائع في قولهم جميعًا، والصحيح أنه يزيلها عنه عندهما، كذا قاله الكرخي، والطحاوي (٤).
وعن الوبري: إن كان الدهن غالبًا على اللبن لا يزيل النجاسة، وإلا فيزيل.
وعن أبي يوسف: غسل الدم من الثوب بدهن أو سمن، أو زيت حتى
стр. 411
وَالبَدَنِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ: أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يُجَوِّزُ فِي البَدَنِ بِغَيْرِ المَاءِ. (وَإِذَا أَصَابَ الخُفَّ نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ وَالعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَالمَنِيِّ، فَجَفَّتْ فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ جَازَ)
ذهب أثره جاز، ولا يجزئ في البدن إلا بالماء، كذا في الْمُجْتَبى (١). وفي المبسوط: وأما ما لا ينعصر كالدهن والسمن لا يجوز إزالتها به. (وعنه)، [أي] (٢) عن أبي يوسف، (أنه فرق بينهما) أي: بين الثوب والبدن فجوز في الثوب دون البدن، ووجه الفرق أن ما كان على البدن نظير الحدث الحكمي؛ لأن في تطهير البدن معنى العبادة بخلاف ما كان على الثوب، كذا في المبسوط (٣)، وشرح الأقطع. وفي الكاثي: إزالة النجاسة عن البدن قربة؛ لأنه لا يمكنه أن يضع جسده ويصلي بدونه، أما يمكنه أن يلقي الثوب ويصلي بثوب آخر، فإذا كان قربة لا يجوز بدون الماء، كالوضوء فإنه يوجد بطريق التعبد؛ لأن أعضاء الوضوء طاهر حقيقة وحكما. قوله: (فدلكه بالأرض جاز)، وفي المحيط: ذكر في الجامع النجاسة التي لها جرم إذا أصابت الخف، أو النعل، وحكه أو حتّه بعدما يبس يطهر في قولهما (٤). قال القدوري: هذا في حق الصلاة، أما لو أصابه الماء بعد ذلك يعود نجسا في رواية.
وفي الأصل: إذا مسحهما بالتراب يطهر.
قال مشايخنا: لولا ما ذكر في الجامع لقلنا لا يطهران ما لم يمسحهما به؛
стр. 412
وَهَذَا اسْتِحْسَانُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ) (*) وَهُوَ القِيَاسُ (إِلَّا فِي المَنِيِّ خَاصَّةً) لِأَنَّ المُتَدَاخِلَ فِي الخُفْ لَا يُزِيلُهُ الجَفَافُ وَالدَّلْكُ، بِخِلَافِ المَنِيِّ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
وَلَهُمَا: قَوْلُهُ ﵊: «فَإِنْ كَانَ بِهِمَا أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ،
لأن له أثرًا في باب الطهارة، وأما الحك فلا أثر له، فبين في الجامع أن للحك أثرًا أيضًا.
(وهذا)، أي: قولهما (استحسان)، أي: مستحسن بالأثر، وهو قوله ﵇ «فليمسحهما».
وقال محمد، وزفر: لا يجوز وهو القياس، وبه قال الشافعي في الجديد (١)، ومالك في العذرة والبول (٢)، وأما في أرواث الدواب له روايتان، أحدهما: يغسل، والثانية: يمسح (٣)، وقال الشافعي في القديم: إذا دلكه في الأرض كان عفوا (٤)، وقال أحمد: يجب غسل جميع النجاسات سبعًا إلا الأرض إذا أصابتها نجاسة، واختلف أصحابه في ضم التراب (٥).
وفي المحيط: والصحيح أن محمدًا رجع عن هذا القول في الري لما رأى من كثرة السرقين في الطرق (٦).
(ولهما)، أي: لأبي حنيفة، وأبي يوسف الحديث المذكور رواية أبي سعيد الخدري، وحديث خلع النعال معروف.
فإن قيل: الحدث ساقط؛ لأنه ﵇ لم يستقبل الصلاة.
قلنا: يحتمل أن الحظر مع النجاسة ترك حينئذ، ويحتمل أن يكون أقل من الدرهم، كذا في المبسوط، والأسرار.
стр. 413
فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ»، وَلِأَنَّ الجِلْدَ لِصَلَابَتِهِ لَا تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ إِلَّا قَلِيلًا، ثُمَّ يَجْتَذِبُهُ الجِرْمُ إِذَا جَفَّ، فَإِذَا زَالَ زَالَ مَا قَامَ بِهِ (وَفِي الرَّطْبِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَغْسِلَهُ) لِأَنَّ المَسْحَ بِالْأَرْضِ يُكْثِرُهُ وَلَا يُطَهِّرُهُ.
وفي جامع الإسبيجابي: روي أنه ﵇ وطئ رجله، ولكن المستحب أن يزيلها عن نفسه وإن كان قليلا، وعن أم سلمة أنها قالت: قلت يا رسول الله إني أمشي على الأرض النجسة، ثم أمشي على الأرض الطاهرة؟ فقال: «الأرض يطهر بعضها بعضا» (١)، ولأن الجلد له صلابة، وهذه النجاسة لها جرم فيزول عنه بالمسح إذا كان يابسًا، وما بقي هناك من النجاسة المشربة معفو؛ لأنه لو لم يكن معفوا لما جازت الصلاة مع الخف أبدا؛ لأن الخف لا يخلو عن النجاسة المشربة بخلاف إذا ما كان رطبا لأن البلة تبقى بعد المسح فلا تزول إلا بالغسل.
وفي الْمُجْتَبَى: في هذا الحديث سبع فوائد، أحدها: جواز الصلاة مع النعل: وثانيها: أن قليل النجاسة لا يمنع الجواز، وثالثها: وجوب إزالتها مع قلتها، ورابعها: أن قليل العمل لا يفسد الصلاة، وخامسها: أن أفعاله ﵇ حجة، وسادسها: جواز إخبار المصلي بنجاسة، والاحتياط عند احتمالها، وسابعها: أن المسح بالتراب مطهر.
والفقه فيه أن صلابة الجلد وكثافة النجاسة يمنعان تسربها فيه، ورخاوتها
стр. 414
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ إِذَا مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ،
بعد اليبس يجذب الرطوبة إليها فلا يبقى فيها إلا قليل وهو معفو، بخلاف الثوب، والرطب، والرقيق كالخمر والبول لعدم المانع عن التسرب، وعدم الجاذب (١).
(وعن أبي يوسف)، يعني روي عنه أنه قال: إذا مشى على الروث، ثم مسح خفه على الأرض بحيث لم يبق أثره فيه جازت الصلاة معه.
قال شمس الأئمة: وهو صحيح، وعليه الفتوى للضرورة، وإطلاق ما يروى وهو قوله ﵇: «فليمسحهما» من غير فصل بين رطب ويابس (٢).
فإن قيل: ما روي لا يفصل بين نجاسة لها جرم، وبين ما لا جرم له أيضًا.
قلنا: بأنه ﵇ بالتعليل بقوله: «فإن الأرض لها طهور»، أي مزيل أخرج ما لا جرم له، إذ يعلم أن الخف إذا تشرب البول، أو الخمر لا يزيله المسح، ولا يخرجه عن أجزاء الجلد، فكان ما لا جرم له مخرجا على الإطلاق بذلك التعليل، مع أنهما لو استحشد بالتراب أو الرمل فجف يطهر بالمسح؛ لأن ما التصق به كالجرم لتلك النجاسة، قاله المحبوبي (٣).
وقال شمس الأئمة: وهو الصحيح، إذ لا فرق بين كون الجرم منها أو من غيرها (٤).
كذا ذكره الإمام الهندواني، والفصلي عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف مثل هذه إلا أنه لا يشترط الجفاف.
وفي الْمُجْتَبى: وعليه فتوى مشايخنا لعموم البلوى (٥).
وفي فتاوى أهل العصر: ذكر الجلابي في صلاته: لو أصابت النجاسة
стр. 415
لِعُمُومِ البَلْوَى، وَإِطْلَاقِ مَا يُرْوَى، وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏ (فَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلٌ فَيَبِسَ: لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَغْسِلَهُ) وَكَذَا كُلُّ مَا لَا جِرْمَ لَهُ كَالخَمْرِ، لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ تَتَشَرَّبُ فِيهِ وَلَا جَاذِبَ يَجْذِبُهَا.
وَقِيلَ: مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الرَّمْلِ وَالرَّمَادِ جِرْمٌ لَهُ. وَالثَّوْبُ لَا يُجْزِي فِيهِ إِلَّا الغَسْلُ وَإِنْ يَبِسَ لِأَنَّ الثَّوْبَ لِتَخَلْخُلِهِ يَتَدَاخَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ، فَلَا يُخْرِجُهَا إِلَّا الغَسْلُ.
(وَالمَنِيُّ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُهُ إِنْ كَانَ رَطْبًا، فَإِذَا جَفَّ عَلَى الثَّوْبِ أَجْزَأَ فِيهِ
الخف، أو المكعب، أو الجرموق فأمر الماء عليه ثلاث مرات يطهر من غير تجفيف.
(لتخلخله)، أي لفُرج في خلاله، وقولهم: أجزاء الثوب المخلخلة، أي في خلالها فرج لرخاوتها، وكونها مجوفة غير مكتنزة، كذا في المغرب (١).
قوله: (والمني نجس)، وبه قال مالك (٢)، وأحمد في رواية (٣)، إلا أن مالكا قال: يغسل رطبه ويابسه، وهو قول الحسن البصري، وقول بعض مشايخ بلخ مثل محمد بن الأزهر، وأبو معاذ البلخي.
وعندنا وأحمد في مني الآدمي يغسل رطبه، ويفرك يابسه، وقال الشافعي: مني الآدمي طاهر (٤)، وبه قال أحمد في أصح قوليه (٥)، وفي مني المرأة حكي عنه قولان، ومذهبه طهارته.
ويحمل حديث عائشة، وهو قوله ﵇: «اغْسِليهِ إن كان رطبا» (٦)
стр. 416
الفَرْكُ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَائِشَةَ: «فَاغْسِلِيهِ إِنْ كَانَ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ إِنْ كَانَ يَابِسًا» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: المَنِيُّ طَاهِرُ، وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ.
على الاستحباب لاحتمال اختلاطه برطوبة فرجها.
وفي مني غير الآدمي له (١) ثلاثة أوجه، أحدها وهو ظاهر مذهبه: أن الجميع طاهر إلا مني الكلب والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما، والثاني: أن الجميع نجس، والثالث: أن مني ما يؤكل لحمه طاهر (٢).
وله ما روي عن ابن عباس أنه قال: (أَمِطْهُ عنك بإذخرة، وإنما هو كمخاط، وبصاق) (٣)، فشبهه بالأشياء الطاهرة، وإنما أمر بالإماطة لإطفاء رائحة النجاسة لا للتطهير.
وما روي عن عائشة أنها قالت: (كنت أفرك المني عن ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي فيه) (٤)، ولأنه مبتدأ خلق الآدمي فأشبه التراب، ولأنه أصل الأنبياء ﵈ فلا يظن أنهم خلقوا من النجس، ولأنه لو كان نجسا لما اقتصر على فركه لو كان يابسا كما في غيره.
ولنا: قوله ﵇ لعائشة: «فَاغْسِلِيهِ» الحديث، وقوله ﵇ لعمار بن ياسر حين مر عليه وهو يغسل ثوبه من النخامة، فقال ﵇: «ما نُخامتُكَ، ودموع عينيك، والماء في ركوتِكَ إلَّا سواء، وإنما يغسل الثوب من خمس: من البول، والغائط، والدم، والمنيّ، والقيء» (٥)، وفي رواية الأسرار:
стр. 417
وَقَالَ ﵊: «إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ»، وَذَكَرَ مِنهَا المَنيَّ، وَلَوْ أَصَابَ البَدَنَ:
«الخمر» مكان «القيء»، وقد مر وجه الاستدلال مع أبحاثه.
ولأنه قرنه بالأشياء التي هي نجسة بالإجماع فكان حكمه حكم ما قرن به؛ لأن القران في الجملة الناقصة يوجب الشركة، وعن عمر، وعائشة، وأبي هريرة، وأنس، وجابر بن سمرة والحسن البصري أنهم غسلوا الثوب من المني، وأمروا بغسله منه، فهذا آية النجاسة.
وأما تعلقه بحديث ابن عباس لا يصح؛ لأنه موقوف، وإن ثبت كونه مرفوعًا يشهد لنا من وجه لأنه أمر بالإماطة، ومطلق الأمر للوجوب، والتشبيه بالمخاط والبصاق يشهد له فيسقط الاحتجاج به، مع أنه في اللزوجة وقلة التدخل لا في الطهارة، وكونه مبدأ خلق الآدمي لا ينفي صفة النجاسة كالمضغة والعلقة، كذا في المبسوطين (١).
وقيل: لا يرد النقص لأنهما طاهران عنده في أصح الوجهين.
وفي الإيضاح: المني إنما يصير آدميًا بعد خروجه عن حالته وصيرورته شيئًا آخر فيطهر كالخمر إذا تخلل، ولأن أصل المني الدم، والمني طاهر عنده لا الدم، فجاز أن يكون الشيء نجسا ويتولد منه الطاهر.
وأما حديث عائشة لا يدل أن الفرك كان في حال الصلاة، بل الظاهر أنه كان قبلها لأنه يبعد أن تتشبث بثوبه ﵇ وهو يصلي فيه فتشغله عن الصلاة، وهذا كما يقال: كنت أهيئ الطعام لفلان وهو يأكل، أي يأكل بعد ذلك.
يؤيده ما روي في المصابيح بقولها: (ثم يصلي فيه) (٢)، وفي رواية صحيح
стр. 418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مسلم: (فيصلي فيه) (١)، والفاء للتعقيب وفي البخاري فيخرج إلى الصلاة فعلم أنه ﵇ ما صلى معه.
أو نرجح ما ذكرنا بقوله ﵇ " «اغسليه إن كان رطبا» (٢)، الحديث، على أن الحديث حكاية حال فيحتمل أن يكون أقل من الدرهم، ويحتمل أكثره فلا يستقيم الاحتجاج به على طهارة المني، والأمر بالفرك لا يدل على طهارته كما في الخف إذا أصابته نجاسة حيث يطهر بالفرك.
وفي الإيضاح: وأما الاكتفاء بالفرك فبالنص لدفع الحرج؛ لأنه يبس في الظاهر فيزول به.
وأما قوله: أنه أصل الأنبياء فلا يظن أنهم خلقوا من النجس (٣).
قلنا: لا يقدح ذلك؛ لأن معنى التشريف والتكريم في التخليق من الماء المهين مع أنه ينقلب شيئًا آخر فيطهر كما بينا، كذا في الإيضاح.
وفي الكاثي: مع أن نبينا خلق من النور.
وفي جامع الإسبيجابي: هذا معارض بمثله إذ في القول بكونه طاهرا يلزم خلق الكفرة والفراعنة من طاهر.
ما رووا من الآثار محمولة على القليل إذ هو الغالب، ويكون جمعا بين الأدلة، وأقيستهم أقيسة وهي ليست بحجة عندنا.
وفي الْمُجْتَبى عن الفضلي (٤): مني المرأة أصفر رقيق كالبول فلا يطهر إلا بالغسل كالبول، والصحيح أنه لا فرق بين مني المرأة والرجل لعموم النص، وبقاء أثر المني بعد الفرك لا يضر كبقائه بعده، وعن أبي إسحاق الحافظ: إنما يجزئ فركه إذا كان رأس الإحليل طاهرًا بالاستنجاء بعد البول، وهو رواية
стр. 419
قَالَ مَشَايِخُنَا ﵏: يَطْهُرُ بِالفَرْكِ لِأَنَّ البَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالغَسْلِ (*)، لِأَنَّ حَرَارَةَ البَدَنِ جَاذِبَةٌ فَلَا يَعُودُ إلَى الجِرْمِ، وَالبَدَنُ لَا يُمْكِنُ فَرْكُهُ.
الحسن عن أبي حنيفة.
وكذا لو خرج المني قبل المذي، ولو خرج بعد المذي لا يجزئ الفرك، كذا في الأسرار.
وقال زفر وعامة مشايخ بلخ: لا يطهر المني بالفرك، قال الهندواني: هذا شيء لا يعتبره مشايخنا؛ فإن المذي لما اختلط بالمني صار تبعًا له، فإذا زال المتبوع زال التبع (١). وعن محمد: أن الرقيق منه لا يطهر بالفرك كالمذي، ولا فرق في ظاهر الرواية (٢).
واختلف المتأخرون في الطاق الثاني من الثوب، والصحيح أنه يطهر بالفرك كالأعلى بخلاف لفافة الخف، ذكره في المبسوط (٣).
ثم إن إصابة الماء بعد الفرك يعود نجسًا على إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ذكره في المحيط (٤).
وفي شرح بكر: أصاب الثوب دم عبيط فيبس فَحَتُّهُ طهر الثوب كالمني (٥).
قوله: (لأن البلوى فيه أشد)، وذلك أن محافظة الثوب عنه ممكن، ولا يمكن محافظة البدن إلا نادرًا، ولأنه أكثر تشربا من البدن، ولو طهر بالفرك ما هو أكثر تشربا فما هو أقل تشربا أولى، كذا في جامع الكردري.
(فلا يعود إلى الجرم)، أي باليبس، بخلاف الثوب فإنه يعود ما تشربه الثوب من أجزاء النجاسة باليبس؛ فإن المني لزج لا يتداخل أجزاء الثوب منه
стр. 420
(وَالنَّجَاسَةُ إِذَا أَصَابَت المِرْآةَ أَوْ السَّيْفَ اكْتُفِيَ بِمَسْحِهِمَا) لِأَنَّهُ لَا تَتَدَاخَلُهُ
إلا قليلا، فإذا يبس يجذبه إلى نفسه، فإذا فرك زالت بالكلية، وإن بقي بقي قليل، وأنه معفو عنه بخلاف رطبه فإنه لم يوجد فيه الجذب، كذا في جامع الكردري، وهذا رواية الحسن عن أبي حنيفة (١).
قوله: (وإذا أصابت المرآة أو السيف)، وفي البدرية: خصهما بالذكر لكونهما مصقولين ولا مدخل للتشرب فيهما، حتى لو كانت قطعة حديد غير مصقولة وأصابتها نجاسة لا يكتفي بمسحها (٢).
وفي المحيط: أصاب السيف أو السكين دم أو بول، ذكر في الأصل: لا يطهر إلا بالغسل، وكذا [لو] (٣) أصابه عذرة رطبة، وإن كانت العذرة يابسة يطهر بالحت عند أبي حنيفة وأبي يوسف (٤)، وبه قال مالك (٥)، وعند محمد لا يطهر إلا بالغسل (٦)، وبه قال زفر، والشافعي (٧)، وأحمد (٨)، وقاسوه على الثوب، والفرق ظاهر.
وفي الإيضاح: السيف يطهر بالمسح من غير فصل بين الرطب واليابس والعذرة وغيره، وفي الفتاوى: يطهر كلاهما بالمسح؛ لأن الصحابة كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم، ثم يمسحونها ويصلون معها، ولأن الغسل يفسدها فكان في تركه ضرورة.
وفي جامع الكردري: الشرط أن يمسح مجففا غير مبق للرطوبة، كذا ذكر في بعض النسخ.
وعن أبي القاسم: ذبح شاة ومسح السكين على صوفها، أو بما يزيل تظهر.
стр. 421
النَّجَاسَةُ وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالمَسْحِ.
(وَإِنْ أَصَابَتِ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا
وفي الحلية: ذكر القاضي حسين: لو سقى السكين بماء نجس ثم غسل يطهر ظاهره دون باطنه، والحد في تطهيره أن يسقيه بماء طاهر مرة أخرى، وهذا بعيد، ومجرد الغسل يكفي في تطهيره كالذهب والفضة وزبر الحديد (١). هذا عند الشافعي، وعند أبي يوسف يموه السكين بالماء الطاهر ثلاثًا ويجفف يطهر، وعند محمد لا يطهر أبدًا.
قوله: (فجفت بالشمس)، الجفاف بالشمس قيد اتفاقي، وأخرج الكلام مخرج العادة لا شرطي، حتى لو جفت بالظل فالحكم كذلك، ولهذا أطلق في المبسوط والإيضاح (٢).
وقال الشافعي في القديم: يطهر بالجفاف (٣)، وقال زفر والشافعي في الجديد في الأم: لا يطهر (٤)، وبه قال مالك (٥)، وأحمد (٦).
ولو أصابت الأرض نجاسة إن كانت الأرض رخوة تطهر بصب الماء عليها لأنها تتشرب فصار بمنزلة العصر في الثوب، وإن كانت صلبة فاندفع عن موضع النجاسة طهر ذلك المكان، ويتنجس الموضع الذي انتقل الماء إليه، وإن لم ينتقل يحفر، لما روي أن أعرابيا بال في مسجد رسول الله ﷺ فأمر بأن يحفر موضع بوله (٧)، كذا في الإيضاح.
стр. 422
جَازَتِ الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ
وعند الشافعي لو كانت النجاسة عذرة وجب إزالتها، ثم غسل موضعها، ولو كانت بولا يصب عليها ذنوب من ماء ويكون ذلك طهارة لها (١)، وقال الإِصْطَخْرِي من أصحابه: يجب في بول الأنثى ذنوبان، والمذهب الأول لما روي أن أعرابيًا بال في مسجد رسول الله ﷺ فأمر أن يصب عليه ذنوب من ماء (٢).
وقلنا: إنما أمر بالصب لأنه كان مفروشا بالحصى كما هو العادة في تلك الديار، فبالصب نزلت النجاسة إلى القرار وطهر ظاهر الحصى للصلاة، أما إذا كانت الأرض صلبة فلا يزيدها الماء إلا نجاسة؛ لأن أجزاءها تنبسط بصب الماء عليه، ولأنه جاء فيه الحفر والصب فيحتمل أن يكون الصب إزالة النتن.
ثم في قوله: (جازت الصلاة على مكانها)، يشير إلى أنه لا يجوز التيمم به، وهو ظاهر الرواية، وروى ابن كاس النخعي عن أصحابنا أنه يجوز به التيمم؛ لأنه حكم بطهارته، كذا في المبسوط (٣).
وفي الأسرار والحديث المذكور موقوف على عائشة، والذي روي عنه ﵇: «أيما أرضِ جَفَّت فقَدْ ذَكَتْ»، وروى أبو داود، وابن خزيمة في صحيحهما عن ابن عمر أنه قال: كنت فتى عزبًا أي شابا أبيت في المسجد، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر فيه، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك (٤)، فدل على أن الشمس إذا أشرقت على الأرض النجسة حتى ذهب أثر النجاسة تطهر. وما قال الخطابي في تأويل هذا الحديث: الصحيح أن الكلاب كانت تبول في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد، غير صحيح، صدر من التعصب لأنه
стр. 423
يُوجَد المُزِيلُ (وَ) لِهَذَا (لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ) وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يَبَسُهَا» وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَتْ شَرْطًا بِنَصِّ الكِتَابِ فَلَا تَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِالحَدِيثِ.
حينئذ لم تبق فائدة قوله: (وكانوا لا يرشون شيئًا).
والحديث المذكور في الكتاب لم يوجد في كتب الحديث، وهذا لا يضر لأنه ثبت بنقل العدل (١)، أو يكون ذلك النقل بالمعنى عند من جوزه.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: الزكاة عبارة عن الطهارة.
وفي الْمُجْتَبى: في طبع الأرض إحالة الأشياء إلى طبعها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ [الكهف: ٨] الآية، وللإحالة أثر في التطهير، كالخمر إذا تخللت (٢).
قوله: (بنص الكتاب)، أي بعبارة قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] فلا يتأدى لما ثبت طهارته بخبر الواحد، وهذا كالتوجه إلى الحطيم فإن التوجه إلى البيت ثبت بالكتاب، وكون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد، بخلاف اشتراط طهارة المكان فإن ذلك ثبت بدلالة النص، فحينئذ يعارضه ما ثبت خبر الواحد؛ لأن العبارة فوق الدلالة فلا يلزم من عدم تأدي ما ثبت بها عدم تأدي ما ثبت بالدلالة.
فإن قيل: الثابت بها قطعي كالثابت بالعبارة، فكيف يجوز معارضة خبر الواحد للدلالة؟
قلنا: النص الوارد في طهارة المكان مخصوص؛ لأنه خص منه النجاسة القليلة بالإجماع فيكون طيبًا فيعارضه خبر الواحد، بخلاف النص الوارد في التيمم فإنه قطعي فلا يعارضه خبر الواحد.
وفي البدرية: خص من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] غير حالة الصلاة، والنجاسة القليلة، والثياب التي أعدت للدخول والبروز، والعام
стр. 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المخصوص ظني فيجوز تخصيصه بخبر الواحد (١).
وفي الكافي: فيه إشكال لأن النص لا عموم له في الأحوال؛ لأنها غير داخلة فيه، وإنما ثبتت ضرورةً، ولا عموم لما ثبت بالضرورة، والتخصيص يقتضي سبق العموم، وفيه تأمل.
ولأن الطيب يحتمل الطاهر والمنبت، وعلى الثاني حمله أبو يوسف والشافعي، فلا يجوز أن يكونا مرادين لعدم العموم للمشترك فيكون مؤولًا، وهو من الحجج المجوزة كالعام المخصوص فينبغي أن يجوز التيمم أيضًا.
قال شيخي ﵀: هذا الإشكال إنما يتحقق إذا ثبت أن الاحتمال متطرق إلى الآية منه لا غير، وذلك غير مُسلَّم؛ لأن الاحتمال يتطرق إليها من اختلاف المفسرين في تفسيرها، فقيل: المراد تطهير الثوب.
وقيل: تقصيره للمنع عن التكبر والخيلاء؛ فإن العرب كانوا يجرُّون أذيالهم تكبرًا.
وقيل: المراد تطهير النفس عن المعايب والأخلاق الرديئة، فإذا كان كذلك كانت الآية من الدلائل المجوزة، ولهذا لم يكفر من أنكر اشتراط طهارة الثوب وهو عطاء فتكون دلالتها كذلك.
وقوله: الطيب يحتمل كذا، مُسلَّم، لكن الظاهر مراد بالإجماع، إنما الخلاف في اشتراط الإنبات فيكون اشتراط الطهارة قطعيًا فلا يتأدى بالطهارة الثانية بخبر الواحد.
وقيل: في الفرق أن الأرض تنشف والهواء يجذب فتقل النجاسة، وقليلها لا يمنع جواز الصلاة ومنع التطهير به؛ فإن قطرة الدم لو أصابت الثوب، أو المكان لا يمنع جواز الصلاة، ولو وقع في الماء يتنجس ولا يجوز التوضؤ به، إلا أنهم جعلوا الفاصل بين القليل والكثير بقاء الأثر وذهابه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
стр. 425
(وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنْ النَّجِسِ المُغَلَّظِ كَالدَّمِ وَالبَوْلِ وَالخَمْرِ وَخُرْءِ
وفي الأسرار: الطهورية صفة زائدة على الطهارة فإن الخل طاهر غير طهور، وكذا سؤر الحمار، فكذلك هذه الأرض عندنا فالموضع موضع إشكال فأثبتنا الطهارة بما قلنا حتى جازت الصلاة عليها، وأزلنا الطهورية بما قاله الشافعي عملا بالدليلين.
وفي فتاوى قاضي خان: أصابت الخشب نجاسة ثم أصابه المطر بعد ذلك كان ذلك بمنزلة الغسل كالأرض، وإن لم يصب المطر فالأرض تطهر بالجفاف إذا لم يبق أثر النجاسة، واختلفوا في الشجر والكلأ ما دام قائما عليها يطهر بالجفاف، وبعد ما قطع يجب الغسل.
وكذا الحصى حكمه حكم الأرض، وأما الآجرة إن كانت مفروشة فحكمها حكم الأرض، وإن كانت موضوعة تنقل وتحوّل إن كانت النجاسة على الجانب الذي يلي الأرض جازت الصلاة عليها، وإن كانت على الجانب الذي قام عليه المصلي لم تجز، وجاز أن يكون المراد بالأثر ريح النجاسة ولونها؛ لأنه ذكر في الخلاصة لو أصابت الأرض نجاسة وهي رطبة إذا صب عليها ماء كثير حتى زالت النجاسة ولا يوجد في ذلك لون، ولا ريح كان طاهرًا، ثم إذا أصابها الماء هل يعود نجسًا؟ فيه روايتان، والصحيح أنه لا يعود لأنه محكوم بطهارته بالاتفاق، وملاقاة الماء الطاهر لا ينجسه، كذا في التتمة، وفتاوى قاضي خان (١).
وفي الثوب المفروك عن المني إذا أصابه الماء بعد الفرك روايتان، والصحيح أنه يعود نجسًا.
وفي الْمُجْتَبى: أصابت الأرض نجاسة وفيها إذخر فيبست، قال الفضلي: لا يجوز الصلاة عليها؛ لأنه كاللبد وقال أبو بكر بن حامد: يجوز لأنه تابع لها، وله حكم السطح (٢).
قوله: (قدر الدرهم)، في الأسرار: ما دون الدرهم لا يمنع جواز الصلاة،