← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

النَّجَاسَةُ وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالمَسْحِ. (وَإِنْ أَصَابَتِ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا وفي الحلية: ذكر القاضي حسين: لو سقى السكين بماء نجس ثم غسل يطهر ظاهره دون باطنه، والحد في تطهيره أن يسقيه بماء طاهر مرة أخرى، وهذا بعيد، ومجرد الغسل يكفي في تطهيره كالذهب والفضة وزبر الحديد (١). هذا عند الشافعي، وعند أبي يوسف يموه السكين بالماء الطاهر ثلاثًا ويجفف يطهر، وعند محمد لا يطهر أبدًا. قوله: (فجفت بالشمس)، الجفاف بالشمس قيد اتفاقي، وأخرج الكلام مخرج العادة لا شرطي، حتى لو جفت بالظل فالحكم كذلك، ولهذا أطلق في المبسوط والإيضاح (٢). وقال الشافعي في القديم: يطهر بالجفاف (٣)، وقال زفر والشافعي في الجديد في الأم: لا يطهر (٤)، وبه قال مالك (٥)، وأحمد (٦). ولو أصابت الأرض نجاسة إن كانت الأرض رخوة تطهر بصب الماء عليها لأنها تتشرب فصار بمنزلة العصر في الثوب، وإن كانت صلبة فاندفع عن موضع النجاسة طهر ذلك المكان، ويتنجس الموضع الذي انتقل الماء إليه، وإن لم ينتقل يحفر، لما روي أن أعرابيا بال في مسجد رسول الله ﷺ فأمر بأن يحفر موضع بوله (٧)، كذا في الإيضاح.

стр. 422

جَازَتِ الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ وعند الشافعي لو كانت النجاسة عذرة وجب إزالتها، ثم غسل موضعها، ولو كانت بولا يصب عليها ذنوب من ماء ويكون ذلك طهارة لها (١)، وقال الإِصْطَخْرِي من أصحابه: يجب في بول الأنثى ذنوبان، والمذهب الأول لما روي أن أعرابيًا بال في مسجد رسول الله ﷺ فأمر أن يصب عليه ذنوب من ماء (٢). وقلنا: إنما أمر بالصب لأنه كان مفروشا بالحصى كما هو العادة في تلك الديار، فبالصب نزلت النجاسة إلى القرار وطهر ظاهر الحصى للصلاة، أما إذا كانت الأرض صلبة فلا يزيدها الماء إلا نجاسة؛ لأن أجزاءها تنبسط بصب الماء عليه، ولأنه جاء فيه الحفر والصب فيحتمل أن يكون الصب إزالة النتن. ثم في قوله: (جازت الصلاة على مكانها)، يشير إلى أنه لا يجوز التيمم به، وهو ظاهر الرواية، وروى ابن كاس النخعي عن أصحابنا أنه يجوز به التيمم؛ لأنه حكم بطهارته، كذا في المبسوط (٣). وفي الأسرار والحديث المذكور موقوف على عائشة، والذي روي عنه ﵇: «أيما أرضِ جَفَّت فقَدْ ذَكَتْ»، وروى أبو داود، وابن خزيمة في صحيحهما عن ابن عمر أنه قال: كنت فتى عزبًا أي شابا أبيت في المسجد، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر فيه، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك (٤)، فدل على أن الشمس إذا أشرقت على الأرض النجسة حتى ذهب أثر النجاسة تطهر. وما قال الخطابي في تأويل هذا الحديث: الصحيح أن الكلاب كانت تبول في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد، غير صحيح، صدر من التعصب لأنه

стр. 423

يُوجَد المُزِيلُ (وَ) لِهَذَا (لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ) وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يَبَسُهَا» وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَتْ شَرْطًا بِنَصِّ الكِتَابِ فَلَا تَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِالحَدِيثِ. حينئذ لم تبق فائدة قوله: (وكانوا لا يرشون شيئًا). والحديث المذكور في الكتاب لم يوجد في كتب الحديث، وهذا لا يضر لأنه ثبت بنقل العدل (١)، أو يكون ذلك النقل بالمعنى عند من جوزه. وفي مبسوط شيخ الإسلام: الزكاة عبارة عن الطهارة. وفي الْمُجْتَبى: في طبع الأرض إحالة الأشياء إلى طبعها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ [الكهف: ٨] الآية، وللإحالة أثر في التطهير، كالخمر إذا تخللت (٢). قوله: (بنص الكتاب)، أي بعبارة قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] فلا يتأدى لما ثبت طهارته بخبر الواحد، وهذا كالتوجه إلى الحطيم فإن التوجه إلى البيت ثبت بالكتاب، وكون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد، بخلاف اشتراط طهارة المكان فإن ذلك ثبت بدلالة النص، فحينئذ يعارضه ما ثبت خبر الواحد؛ لأن العبارة فوق الدلالة فلا يلزم من عدم تأدي ما ثبت بها عدم تأدي ما ثبت بالدلالة. فإن قيل: الثابت بها قطعي كالثابت بالعبارة، فكيف يجوز معارضة خبر الواحد للدلالة؟ قلنا: النص الوارد في طهارة المكان مخصوص؛ لأنه خص منه النجاسة القليلة بالإجماع فيكون طيبًا فيعارضه خبر الواحد، بخلاف النص الوارد في التيمم فإنه قطعي فلا يعارضه خبر الواحد. وفي البدرية: خص من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] غير حالة الصلاة، والنجاسة القليلة، والثياب التي أعدت للدخول والبروز، والعام

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المخصوص ظني فيجوز تخصيصه بخبر الواحد (١). وفي الكافي: فيه إشكال لأن النص لا عموم له في الأحوال؛ لأنها غير داخلة فيه، وإنما ثبتت ضرورةً، ولا عموم لما ثبت بالضرورة، والتخصيص يقتضي سبق العموم، وفيه تأمل. ولأن الطيب يحتمل الطاهر والمنبت، وعلى الثاني حمله أبو يوسف والشافعي، فلا يجوز أن يكونا مرادين لعدم العموم للمشترك فيكون مؤولًا، وهو من الحجج المجوزة كالعام المخصوص فينبغي أن يجوز التيمم أيضًا. قال شيخي ﵀: هذا الإشكال إنما يتحقق إذا ثبت أن الاحتمال متطرق إلى الآية منه لا غير، وذلك غير مُسلَّم؛ لأن الاحتمال يتطرق إليها من اختلاف المفسرين في تفسيرها، فقيل: المراد تطهير الثوب. وقيل: تقصيره للمنع عن التكبر والخيلاء؛ فإن العرب كانوا يجرُّون أذيالهم تكبرًا. وقيل: المراد تطهير النفس عن المعايب والأخلاق الرديئة، فإذا كان كذلك كانت الآية من الدلائل المجوزة، ولهذا لم يكفر من أنكر اشتراط طهارة الثوب وهو عطاء فتكون دلالتها كذلك. وقوله: الطيب يحتمل كذا، مُسلَّم، لكن الظاهر مراد بالإجماع، إنما الخلاف في اشتراط الإنبات فيكون اشتراط الطهارة قطعيًا فلا يتأدى بالطهارة الثانية بخبر الواحد. وقيل: في الفرق أن الأرض تنشف والهواء يجذب فتقل النجاسة، وقليلها لا يمنع جواز الصلاة ومنع التطهير به؛ فإن قطرة الدم لو أصابت الثوب، أو المكان لا يمنع جواز الصلاة، ولو وقع في الماء يتنجس ولا يجوز التوضؤ به، إلا أنهم جعلوا الفاصل بين القليل والكثير بقاء الأثر وذهابه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.

стр. 425

(وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنْ النَّجِسِ المُغَلَّظِ كَالدَّمِ وَالبَوْلِ وَالخَمْرِ وَخُرْءِ وفي الأسرار: الطهورية صفة زائدة على الطهارة فإن الخل طاهر غير طهور، وكذا سؤر الحمار، فكذلك هذه الأرض عندنا فالموضع موضع إشكال فأثبتنا الطهارة بما قلنا حتى جازت الصلاة عليها، وأزلنا الطهورية بما قاله الشافعي عملا بالدليلين. وفي فتاوى قاضي خان: أصابت الخشب نجاسة ثم أصابه المطر بعد ذلك كان ذلك بمنزلة الغسل كالأرض، وإن لم يصب المطر فالأرض تطهر بالجفاف إذا لم يبق أثر النجاسة، واختلفوا في الشجر والكلأ ما دام قائما عليها يطهر بالجفاف، وبعد ما قطع يجب الغسل. وكذا الحصى حكمه حكم الأرض، وأما الآجرة إن كانت مفروشة فحكمها حكم الأرض، وإن كانت موضوعة تنقل وتحوّل إن كانت النجاسة على الجانب الذي يلي الأرض جازت الصلاة عليها، وإن كانت على الجانب الذي قام عليه المصلي لم تجز، وجاز أن يكون المراد بالأثر ريح النجاسة ولونها؛ لأنه ذكر في الخلاصة لو أصابت الأرض نجاسة وهي رطبة إذا صب عليها ماء كثير حتى زالت النجاسة ولا يوجد في ذلك لون، ولا ريح كان طاهرًا، ثم إذا أصابها الماء هل يعود نجسًا؟ فيه روايتان، والصحيح أنه لا يعود لأنه محكوم بطهارته بالاتفاق، وملاقاة الماء الطاهر لا ينجسه، كذا في التتمة، وفتاوى قاضي خان (١). وفي الثوب المفروك عن المني إذا أصابه الماء بعد الفرك روايتان، والصحيح أنه يعود نجسًا. وفي الْمُجْتَبى: أصابت الأرض نجاسة وفيها إذخر فيبست، قال الفضلي: لا يجوز الصلاة عليها؛ لأنه كاللبد وقال أبو بكر بن حامد: يجوز لأنه تابع لها، وله حكم السطح (٢). قوله: (قدر الدرهم)، في الأسرار: ما دون الدرهم لا يمنع جواز الصلاة،

стр. 426

الدُّجَاجِ وَبَوْلِ الحِمَارِ جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَهُ، وَإِنْ زَادَ لَمْ تَجُزْ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّ النَّصَّ المُوجِبَ لِلتَّطْهِيرِ لَمْ يُفَصِّلْ. وَلَنَا: أَنَّ القَلِيلَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَيُجْعَلُ عَفْوًا، وَقَدَّرْنَاهُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ أَخْذًا عَنْ مَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ. ولكن تكره الصلاة معها. وفي المبسوط: وقال الشافعي: إذا كانت النجاسة بحيث يقع البصر عليها يمنعه (١). وفي الحلية: النجاسة دم وغير دم، فغير الدم إذا لم يدركه البصر فيه ثلاثة طرق، أحدها: يعفى عنه، والثاني: لا يعفى، والثالث: قولان. أما الدم فيعفى عن القليل من دم القمل والبراغيث، وفي كثيره وجهان، أصحهما أنه يعفى عنه. وقال الإِصْطخري: لا يعفى، وفي دم غيرهما ثلاثة أقوال، أصحها قوله في الأم أنه يعفى عن القدر الذي يتعافاه الناس بينهم، والثاني: لا يعفى عن شيء منه، وفي القديم: يعفى عما دون الكف، وعن مالك: يعفى عن يسير الدم، ولا يعفى عما تفاحش، وعنه في دم الحيض روايتان أحدهما: أنه كغيره، والثانية: أنه يستوي فيه كثيره وقليله، وحكي عن أحمد أنه قال: الشبر متفاحش، وحكي عنه أيضًا يعفى عن النقطة والنقطتين، واختلف عنه فيما بين ذلك (٢). لأن النص الموجب وهو قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقوله ﵇: «حُتّيهِ، ثم اقرصِيهِ، ثم اغسليه بالماء» (٣)، لا يفصل بين القليل والكثير. ولنا: ما روى أبو هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال في الدم: «إذا كان أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة»، فشرط إعادتها في الزيادة على مقدار الدرهم، وما روى أبو سعيد الخدري أنه ﵇ أتم الصلاة بعد العلم

стр. 427

ثُمَّ يُرْوَى اعْتِبَارُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ المِسَاحَةُ، وَهُوَ قَدْرُ عَرْضِ الكَفِّ فِي الصَّحِيحِ، وَيُرْوَى مِنْ حَيْثُ الوَزْنُ وَهُوَ الدِّرْهَمُ الكَبِيرُ المِثْقَالِ، وَهُوَ مَا يَبْلُغُ وَزْنُهُ مِثْقَالًا. بالنجاسة (١)، وما روي أنه ﵇ صلى الغداة في كساء فيه لمعة من دم ولم يعد (٢)، وعن ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري مثله، وروي عن عمر ﵁ أنه سئل عن قليلها في الثوب؟ قال: إذا كان مثل ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة. ولأن القليل لا يمكن التحرز عنها فإن الذباب يقعن على النجاسات، ثم يقعن على الثياب، ولابد أن تكون على أرجلهن وأجنحتهن نجاسة، فجعل القليل عفوًا للبلوي، لهذا يعفى دم القمل، والبراغيث بالإجماع. ثم جعلنا القليل قدر الدرهم أخذا عن موضع خروج الحدث، كذا قال النخعي فإن الصحابة كانوا يكتفون بالاستنجاء بالأحجار، والاستنجاء بها لا يزيل النجاسة بالكلية، حتى لو جلس في الماء القليل نجسه، واتفاقهم به دليل على أن القليل منها عفو، وقال النخعي: أرادوا أن يقولوا مقدار المقعد فاستقبحوا ذلك فقالوا: مقدار الدرهم، فإذا عفي مقدار الدرهم في موضع الاستنجاء للضرورة فيعفى في سائر البدن لشمولها (٣). وعنه أيضًا مقدار الدرهم يمنع جواز الصلاة، وقال الشعبي: لا يمنع حتى يكون أكثر من الدرهم، وبه نأخذ لأنه أوسع. وعن ابن عباس أنه قال: ليس على الثوب نجاسة، وعن ابن مسعود أنه نحر جذورًا فأصابه من فرثه ودمه وصلى ولم يغسله، وعن سعيد بن جبير أنه سئل عن رجل صلى وفي ثوبه أذى؟ فقال: اقرأ عليَّ الآية التي فيها غسل، وقال مالك: لو صلى معها أعاد في الوقت، ولا يعيد بعد فواته، وحكي عنه

стр. 428

وَقِيلَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا: إِنَّ الأُولَى فِي الرَّقِيقِ، وَالثَّانِيَةَ فِي الكَثِيفِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ نَجَاسَةُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ مُغَلَّظَةٌ، لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ إن إزالة النجاسة واجبة إلا يسير الدم كما قلنا (١). (وقيل: في التوفيق)، وقائل التوفيق أبو جعفر، وإنما احتاج إلى ذكره لأن محمدًا اعتبر الدرهم الكبير في النوادر من حيث العرض، أي عرض الكف، وفي كتاب الصلاة اعتبره من حيث الوزن فقال أبو جعفر: نوفق بين ألفاظ محمد فنقول أن في الرقيقة يعتبر من حيث العرض، وفي الغليظة من حيث الوزن. وفي الْمُجْتَبى: قيل والأصح قول أبي جعفر (٢)، وذكر في جامع الكردري هو المختار. وفي المبسوط والخلاصة: الدرهم أكثر ما يكون من النقد المعروف في البلد، وأما النقود المنقطع كالشهليلي وغيره فقد قيل يعتبر وهو ضعيف (٣). قوله: (بدلل مقطوع به)، وفي الكافي: أوَّلوا المقطوع به بالمنصوص بلا تعارض، وهو صحيح بلا تأويل؛ لأنه إن ورد في نجاستها نص قطعي فظاهر، وكذا إن لم يَرِدْ لأن الإجماع منعقد على نجاستها وهو حجة قطعية، فكان أقوى من خبر الواحد. وفي الخبازية والمراد بكونه قطعيًا أن يكون سالمًا عن الأسباب الموجبة للتخفيف من تعارض النصين، ونجاذب الاجتهاد والضرورات المخففة، وإنما أولوه بذلك لأن قوله ﵇: «إنما يُغسَلُ الثوب من خمس» (٤)، الحديث

стр. 429

(وَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ رُبُعَ الثَّوْبِ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (*) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِالكَثِيرِ الفَاحِشِ، وَالرُّبُعُ مُلْحَقٌ بِالكُلِّ فِي حَقِّ بَعْضِ الأَحْكَامِ، وَعَنْهُ رُبُعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالمِثْزَرِ، وَقِيلَ: رُبُعُ المَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ خبر الواحد، وهو غير قطعي، وفي الكل تأمل. قوله: (في حق بعض الأحكام)، كما في مسح الرأس، وحلقه في الإحرام، وانكشاف العورة. وفي الْمُجْتَبى: في بحر المحيط: كره أبو حنيفة أن يحد الكثير الفاحش، وقال: الفاحش ما يستفحشه الناس، وقال أبو علي الدقاق: هو عند أبي حنيفة ومحمد ربع الثوب، وعنه (١): قدر القدمين، وعنه: في الخف أكثر الخف، وعنه: ربع ما تحت الساق، وقيل: ما بين القدمين إلى الساق. وعن أبي يوسف: ذراع في ذراع - وعنه: شبر في شبر، أي شبر طولا، وشبر عرضًا، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة -، والأصح هو الربع (٢). وقال الحاكم: الصحيح من قول أبي حنيفة ومحمد الربع؛ لأنهما قالا فيمن معه ثوب وربعه طاهر: يجب عليه أن يصلي فيه، وإن كان أقل من الربع طاهرا فهو مخير إن شاء صلى فيه، وإن شاء صلى عريانا، فهذا دليل على الربع عندهما في حد الكثير (٣). واختلف في الربع، فقيل: ربع جميع الثوب، وعن أبي بكر الرازي: ربع السراويل. وفي التحفة: قيل: جميع الثوب والبدن، وقيل: ربع كل عضو وطرف؛ كاليد، والرجل، والكم، وهو الأصح (٤).

стр. 430

كَالذَّيْلِ وَالدِّخْرِيصِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُخَفَّفَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ، أَوْ لِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ (كالذيل)، في فوائد الظهيرية: المراد القدر الذي يفهم من قولهم فلان شمر الذيل. وفي مبسوط شيخ الإسلام: وكأنه قدَّر شبرًا في شبر اعتبارًا بباطن الخف، إذ المراد به ما يلي الأرض منه؛ لأن حكم النجاسة التي لها جرم ساقط الاعتبار في حق الخفاف، بدليل أنه يطهر بالمسح على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي رواية محمد يطهر به إن زال العين، ولما سقط في حق الخف وباطنه يبلغ شبرا في شبر قدرنا الكثير الفاحش به كما قدرنا الدرهم بموضع الاستنجاء، ومحمد يعتبر ربع الثوب نظرًا إلى هذا المعنى. قوله: (على اختلاف الأصلين)، الأصل الأول: اختلاف العلماء في نجاسته وهو أصل أبي يوسف ومحمد، والأصل الثاني: تعارض النصين، وهو أصل أبي حنيفة، وإنما أخر أصله رعاية لفواصل الألفاظ. وثمرة الاختلاف تظهر في الأرواث، والأخثاء، وبعر الإبل والغنم، فعندهما خفيفة لاختلاف العلماء؛ فإن مالكًا يقول: الروث، والبعرة، وخثي البقر طاهر (١)، وبه قال أحمد (٢)، والزهري، والثوري، وقال ابن أبي ليلي: السرقين طاهر قليله وكثيره لا يمنع. واحتجوا فيه بأنه وقود أهل الحرمين؛ فإنهم يجمعونها ويطبخون بها الطعام، والخبز، ولو كان نجساً لما استعملوها. وكذا روي أن شبان الصحابة إذا نزلوا موضعًا في الغزو، وكانوا يترامون بالخلة بالفتح أي، البعرة وما فعلوا ذلك بالعذرة، وعن النبي ﷺ أنه رمى بالروثة، وروي أنه ﵇ طلب أحجار الاستنجاء ليلة الجن من ابن مسعود

стр. 431

(وَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ الرَّوْثِ أَوْ مِنْ أَخْثَاءِ البَقَرِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، لَمْ تَجُز الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ النَّصَّ الوَارِدَ فِي نَجَاسَتِهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ رَمَى بِالرَّوْثَةِ وَقَالَ: هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ لَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ، وَبِهَذَا يَثْبُتُ التَّغْلِيظُ عِنْدَهُ وَالتَّخْفِيفُ بِالتَّعَارُضِ وَقَالَا: يُجْزِئُهُ حَتَّى يَفْحُشَ) (*) لِأَنَّ لِلاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاعًا، وَلِهَذَا يَثْبُتُ التَّخْفِيفُ عِنْدَهُمَا، وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لِامْتِلَاءِ الطُّرُقِ بِهَا، وَهِيَ مُؤَثَّرَةٌ فِي التَّخْفِيفِ، فأتاه بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى الروثة وقال: «إنها ركس» (١)، أي نجس، ولم يعارضه نص آخر فتتغلظ نجاسته، والبلوى لا تعتبر في موضع النص. ألا ترى في بول الحمار، وبول الآدمي أكثر ومع ذلك لا يعفى عنهما أكثر من قدر الدرهم، وأيضًا اختلاف العلماء لا يخرجها عن كونها غليظة؛ لأن الرأي لا يعارض النص، بخلاف بول ما يؤكل لحمه فإن حديث العرنيين عارض قوله ﵇: «استَنْزِهُوا البول» (٢). قوله: (مَسَاغًا)، أي جوازًا كما قلنا من قول مالك وغيره. ولأن فيه أي في الروث، أو الخثي (ضرورة لامتلاء الطرق بها)، أي بالأرواث خصوصًا لسائر الدواب. (وهي)، أي الضرورة مؤثرة في التخفيف ألا ترى أنها مؤثرة في سقوط النجاسة كما في الهرة إلا أن الضرورة هاهنا دون الضرورة في الهرة فأوجبنا التخفيف دون الإسقاط، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٣)

стр. 432

بِخِلَافِ بَوْلِ الحِمَارِ، لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ. قُلْنَا: الضَّرُورَةُ فِي النِّعَالِ قَدْ أَثَّرَتْ فِي التَّخْفِيفِ مَرَّةً حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَسْحِ فَتَكْفِي مُؤْنَتُهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَاكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، ثم إنهما فرقا بين بول ما يؤكل لحمه، وبين روثه، ولم يثبتا الخفة في حق البول لعدم الضرورة فيه، وذلك لأن صاحب الدابة متى سيرها ربما يغفل عنها فيصيبه روثها من حيث لا يمكنه دفعه، وهذا معدوم في البول؛ لأن الأرض تنشفه. وفي الصحاح: نشف الحوض الماء نشفًا شربه (١). ولأن اختلاط الناس في الروث أكثر لأنهم يتخذونه وقودًا، ويعالجونه في إصلاح الأراضي. (بخلاف بول الحمار)، يعني أنه نجس نجاسة غليظة لعدم الضرورة؛ (لأن الأرض تنشفه). (وقد أثرت)، أي الضرورة، في تخفيف الأرواث مرة حتى طهر الخف عنها بمجرد المسح، فكفيت مؤونة الضرورة بتلك التخفيف فلا يؤثر في تخفيف نجاستها ثانيًا إلحاقا للروثة بالعذرة. فإن قيل: هذا مخالف لما ذكره في تخفيف القراءة في السفر، وهو قوله: (لأن السفر أثر في إسقاط شطر الصلاة) إلى آخره كما يجيء (٢)، فاستدل بوجود التخفيف مرةً على التخفيف ثانيًا هناك، وأباه هاهنا. قلنا: لا مخالفة بينهما من حيث المعنى، بل كل واحد في مجره، وذلك لأن سقوطه في السفر رخصة إسقاط، والحكم فيها أن لا تبقى العزيمة مشروعة أصلا لما عرف، فلما كان كذلك كان الساقط كأنه لم يكن؛ فكان التخفيف بالقراءة حينئذ ابتداءً لا ثانيًا، ألا ترى كيف راعى لفظ الإسقاط في الركعتين والتخفيف في القراءة، أما هاهنا يعمل بالضرورة، والثابت بها يتعدد بقدرها

стр. 433

وَزُفَرُ ﵀ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَوَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ فِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، وَوَافَقَهُمَا فِي المَأْكُولِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الرَّيَّ وَرَأَى البَلْوَى أَفْتَى بِأَنَّ الكَثِيرَ الفَاحِشَ لَا يَمْنَعُ أَيْضًا، وَقَاسُوا عَلَيْهِ طِينَ بُخَارَى، وَعِنْدَ ذَلِكَ رُجُوعُهُ فِي الخُفْ يُرْوَى. فكيف مؤونة الضرورة. ولأن العمل بتخفيف القراءة هناك عمل بالطريق الأولى؛ لأن كل شيء ظهر تأثيره في الأصل كان إظهار تأثيره في الوصف بالطريق الأولى؛ لأنه تابع الأصل. (وزفر فرق بينهما)، أي بين مأكول اللحم وغيره، وقاس الخارج من أحد السبيلين على الخارج من السبيل الآخر وهو البول؛ حيث يختلف باختلاف كونه مأكول اللحم وغيره، وكذا الخارج من هذا السبيل، كذا في الفوائد الظهيرية (١). (وعند ذلك)، أي عند دخوله الذي رجوعه في الخف (يُرْوَى)، روي عن محمد لما دخل الري رأى كثرة السرقين في طرقه أفتى بأن الكثير الفاحش لا يمنع، ورجع عن القياس في الروث أنه لا يطهر بالدلك، وقال: يطهر للضرورة. قال الصدر الشهيد: وعلى هذا قال مشايخنا: طين بخاري لا يمنع جواز الصلاة وإن فحش (٢). وفي الْمُجْتَبى والبلوى في طين خوارزم أغلب؛ لأن أصلها أصلب فالفتوى بالجواز هاهنا أولى، وهذا ينزع إلى مسألة معروفة وهي أن الماء والتراب إذا اختلطا وصارا طينًا وأحدهما نجس، فقيل: العبرة فيه للماء. وقيل: للتراب، وقيل: للغالب، وقيل: أيهما كان طاهرا فالطين طاهر، وبه قال الأكثر، وقيل: إن كانا نجسين فالطين طاهر؛ لأنه صار شيئًا آخر كالخمر إذا تخللت، والكلب والخنزير إذا صار ملحًا في المملحة (٣).

стр. 434

(وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الفَرَسِ لَمْ يُفْسِدْهُ حَتَّى يَفْحُشَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ) (*) لِأَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، مُخَفَّفٌ نَجَاسَتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَلَحْمُهُ مَأكُولٌ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ التَّخْفِيفُ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ. قوله: (لتعارض الآثار)، في أي بول ما يؤكل لحمه، وحرم الفرس عنده لا للنجاسة بل للكرامة تحاميًا عن تقليل مادة الجهاد فكان الفرس طاهر اللحم عنده حتى إن سؤره طاهر بالاتفاق، فيتحقق التعارض في بوله بخلاف الآدمي؛ فإن حرمة لحمه لكرامته، ومع ذلك لا يكون بوله مخففا لعدم تعارض الآثار، كذا في الفوائد الظهيرية. وذكر فخر الإسلام لحم الفرس مأكول عنده، وإنما كره للتنزه وهو التحامي عن قطع مادة الجهاد، والكراهة لا تمنع الإباحة كأكل لحم البقرة الجلالة قبل التنقية، فكان بوله كبول مأكول اللحم. وقيل: أراد به التعارض في لحمه؛ فإنه روي أنه ﵇ نهى عن لحوم الخيل والبغال (١)، وروي أنه ﵇ أذن في لحم الخيل (٢)، فهذا يوجب تخفيفًا في بوله لأنه مأكول من وجه فلا يكون كبول الكلب، والحمار. فإن قيل: مثل هذا التعارض قد وجد في الحمار ولم يوجب خفة في بوله لترجح الحرمة، وهاهنا ترجحت الحرمة أيضًا حتى حرم أكل لحم الفرس في الأصح، فكيف يوجب الخفة؟ قلنا: الحرمة الثابتة في الحمار توجب نجاسة لحمه؛ لأن الحرمة مع

стр. 435

(وَإِنْ أَصَابَهُ خُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ جَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَجُوزُ) (*) فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ صلاحية الغذاء لا للكرامة، واستحباب الطبع يوجب النجاسة على ما مر، وقد ترجحت جهة هذه الحرمة في الحمار حتى لم يبق مأكولا بوجه فتتغلظ نجاسة بوله كبول الكلب. أما حرمة لحم الفرس لا تدل على نجاسة لحمه؛ لأنه ثبت بالدليل أن الحرمة فيه للتنزه عن قطع مادة الجهاد لا لمعنى في اللحم، فكانت مثل حرمة مال الغير، فيبقى اللحم طاهرًا فيكون بوله كبول مأكول اللحم، ولا يلزم عليه الآدمي فإن حرمته لكرامته، وبوله مغلظ؛ لأن كرامته ثبتت بأصل الخلقة لا تعارض؛ فإنه خلق مكرما فلم يكن في حكم الانفصال بوجه، فلا يمكن إلحاقه بمأكول اللحم؛ لأن ذلك مستلزم إهانته النافية لتكريمه، ولهذا لم يحل قتله للاضطرار، ولا أكل لحم الميت عند المخمصية. فأما كرامة الفرس في حكم الانفصال لأنها ثبتت بعارض شرعية الجهاد، ولهذا حل ميتته عند المخمصة (١)، وقتله عن الاضطرار، فيمكن إلحاقه بمأكول اللحم، كذا قرره شيخي ﵀. فإن قيل: تعارض الآثار إنما يتحقق إذا جهل التاريخ، وقد قيل إن في حديث العرنيين دلالة التقديم لأن فيه المثلة وهي منسوخة. قلنا: الدلالة دون العبارة، وفي عبارته تعارض، وفيه تأمل. أو نقول: انتساخ المثلة لا يدل على انتساخ طهارة بول ما يؤكل لحمه، كما في صوم يوم عاشوراء، وتكرار صلاة الجنازة على حمزة على قول الشافعي، وفيه تأمل؛ لأن نسخ المثلة دلالة تقديم، وانتساخها بعموم قوله ﵇: «اسْتَنزهوا من البول» كما ذكره في الأصول. وفي الخبازية: إنما قال أبو حنيفة بنسخ حديث العرنيين بغالب الرأي

стр. 436

الاخْتِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي المِقْدَارِ، وَهُوَ الْأَصَحُ. فيكون نفس التعارض باقِيًا، وفيه تَأَمُّل. وعند الشافعي الأبوال كلها غَلِيظَة، يجب غسل ما يدرك إلا بول صبي لم يطعم؛ فإنه لو نُضِحَ عليه الماء، أي بلَّه به أجزأه وإن لم ينزل عنه، ويغسل من بول الجارية فيصب عليه الماء حتى ينزل عنه كما يجيء (١). قوله: (في المقدار)، يعني في كونه غليظة وخفيفة، وهو الأصح، وهكذا ذكر في جامع قاضي خان (٢)، والمحيط (٣)؛ لأنه مما أحاله طبع الحيوان إلى نتن وفساد، ولكن ذكر في المبسوطين، ومحيط السَّرَخْسِي خلاف هذا فقال فيه: ليس لما ينفصل من الطيور نتن وخبث رائحة، ولا ينحى شيء من الطيور عن المساجد، فعرفنا أن خرء الجميع طاهر، ولأنه لا فرق في الخرء بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل، ثم خرء ما يؤكل طاهر فكذا خرء ما لا يؤكل (٤). وفي المجتبى: قيل: خرء الحمام نجس، إن كانت تثلط لكثرة علفها، وقال الثوري: خرء الدجاج طاهر للبلوى، وخرء دود القز، والفأرة وبولها نجس، وعن محمد: لا بأس ببولها، وبول السنور الذي يعتاد رمي البول على الثياب، لا بأس به للبلوى، وعن محمد بوله طاهر، وبه أخذ أبو نصر، وقيل خفيفة (٥). وفي الإيضاح: وبول الخنافس وخرؤها ليس بشيء؛ لتعذر الاحتراز عنه، وخرء الحمام، والعصفور طاهر ليس بدم على التحقيق، في مبسوط شيخ الإسلام أنه ماء آجن أي متغير، ألا ترى أنه يبيض بالشمس، وسائر الدماء تسود به. وفي الإيضاح: ماء ملون؛ لأن الدموي لا يسكن الماء، ولهذا يباح تناوله، وقال بعضهم: دم لكنه طاهر؛ لأنه لو كان نجسًا لأمر بإنْهَارِهِ فصار حكمه حكم

стр. 437

هُوَ يَقُولُ إِنَّ التَّخْفِيفَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ لِعَدَمِ المُخَالَطَةِ فَلَا يُخَفَّفُ. وَلَهُمَا: أَنَّهَا تَذْرِق مِنْ الهَوَاءِ، وَالتَّحَامِي عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ فَتَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الإِنَاءِ: قِيلَ: يُفْسِدُهُ، وَقِيلَ: لَا يُفْسِدُهُ لِتَعَذَّرِ صَوْنِ الأَوَانِي عَنْهُ (وَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ دَمِ السَّمَكِ أَوْ مِنْ لُعَابِ البَغْلِ أَوْ الحِمَارِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَجْزَأَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ) أَمَّا دَمُ السَّمَكِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ، فَلَا يَكُونُ نَجِسًا، الكبد والطحال، ودم يبقى في العروق، كذا في جامع الإسبيجابي. وقال أبو يوسف، والشافعي في قول: هو نجس، إلحاقا بسائر الدماء (١)، وهو ضعيف لما ذكرنا. ودم البق، والبراغيث فليس بشيء، وبه قال مالك (٢)، وأحمد في رواية أنه ليس بمسفوح، والمحرم الدم المسفوح (٣)، وعند الشافعي نجس (٤). وأما دم الحلمة، والأوزاغ نجس؛ لأنه دم سائل، وأما الكبد والطحال فطاهران؛ لأن إطلاق التناول يدل على الطهارة، وما يبقى في العروق واللحم من الدم طاهر لا يمنع جواز الصلاة وإن كثر؛ لأنه ليس بمسفوح، ولهذا حل تناوله، وعن أبي يوسف أنه معفو في الأكل، غير معفو في الثياب لتعذر الاحتراز فيه دون الثوب (٥).

стр. 438

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِيهِ الكَثِيرَ الفَاحِشَ فَاعْتَبَرَهُ نَجِسًا (*). وَأَمَّا لُعَابُ البَغْلِ وَالحِمَارِ فَلِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهِ الطَّاهِرُ (فَإِنِ انْتَضَحَ عَلَيْهِ البَوْلُ مِثْلَ رُؤُوسِ الإِبْرِ قوله: (وعن أبي يوسف فيه)، أي في ثوب أصابه لعاب البغل والحمار، ودم السمك فإن لعابهما يتولدان من لحمهما فكانا نجسين، كلحمهما لأن حرمة لحمها لا للتكريم، لكن خف حكمه لمكان الضرورة. قوله: (مثل رؤوس الإبر)، وفي الكاثي: أما لو انتضح مثل رؤوس المسلة يمنع لعدم الضرورة، وعن الفقيه أبي جعفر: ما قال محمد في الكتاب مثل رؤوس الإبر دليل على أن الجانب الآخر من الإبر معتبر، وغيره من المشايخ لا يعتبر الجانبان دفعًا للحرج. وفي الخبازية: سئل ابن عباس عن مثل هذا؟ فقال: أرجو من الله ما هو أوسع، وعن محمد بن الباقر، أو علي بن الحسين زين العابدين أنه رأى في الخلاء ذبابًا يقعن على النجاسات فأمر بثوب للخلاء، فمضى زمان على ذلك فقال: أحدثت ذنبًا، وأستغفر، فقيل: ما فعلت؟ قال: فعلت شيئًا لم يفعله الصالحون، ولا خير في البدعة. وسأله رجل عن دم البق؟ فقال: من أين؟ فقال: من الشام؟ قال: انظروا إلى قلة حياء هذا الرجل فإنه من قوم أراقوا دم ابن رسول الله ﷺ ، وجاء يسألني عن دم البق. أصل هذا كله ما قال ﵇: «بُعثتُ بالحَنيفية السَّمحة السهلة، ولم أُبعث بالرهبانية الصعبة» (١). وفي الْمُجْتَبى: في نوادر المعلى: ولو انتحض ويرى أثره لابد من غسله، وإن لم يغسل حتى صلي به وهو بحال لو جمع كان أكثر من الدرهم

стр. 439

فَذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الامْتِنَاعُ عَنْهُ. [بَيَانُ كَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ] قَالَ: (وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ: مَرْثِيَّةٌ، وَغَيْرُ مَرْثِيَّةٍ، فَمَا كَانَ مِنهَا مَرْثِيًّا فَطَهَارَتُهُ زَوَالُ عَيْنِهَا) لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حَلَّت المَحَلَّ بِاعْتِبَارِ العَيْنِ فَتَزُولُ بِزَوَالِهَا (إِلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهَا مَا تَشُقُّ إِزَالَتُهُ) لِأَنَّ الحَرَجَ مَدْفُوعٌ، وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الغَسْلُ بَعْدَ زَوَالِ العَيْنِ وَإِنْ زَالَ بِالغَسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، أعاد، كذا ذكره البقالي والمحبوبي في جامعه، ولو علم قليل النجاسة عليه في صلاته يرفضها إذا لم يخف فوت الوقت أو الجماعة. (بزوالها)، أي بزوال العين، وفي بعض النسخ: (بزواله)، أي العين أيضاً. وقوله: (إلا أن يبقى)، استثناء، والمستثنى منه غير مذكور لفظا؛ لأن استثناء الأثر من العين لا يصح فيضمر، فكان تقديره: فطهارتها زوال عينها وأثرها، إلا أن يبقى من أثرها ما يشق، والدليل على صحة هذا الإضمار ما ذكر شيخ الإسلام في مبسوطه، وإن كانت النجاسة مرئية كالغائط والدم فطهارتها بزوال عينها وأثرها إلا أن تكون نجاسة لا يزول أثرها بالماء فإن ذلك لا يضرها. فإن قيل: حذف المستثنى منه في المثبت غير جائز لا يقال: ضربني إلا زيد. قلنا: إنما لا يجوز ذلك إذا لم يستقم المعنى، أما إذا استقام فيجوز، كقولك: قرأت إلا يوم كذا، فإنه يجوز أن يقرأ كل الأيام، بخلاف قولك: ضربني إلا زيد، فإنه لا يجوز أن يضربه كل أحد، كذا ذكره ابن الحاجب في شرح الكافية. وما نحن فيه من قبيل ما يستقيم المعنى فإنه يجوز أن يقال: طهارته زوال عينها وأثرها في جميع الصور إلا في صورة يشق زواله.

стр. 440

وَفِيهِ كَلَامٌ (وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِي فَطَهَارَتُهُ أَنْ يُغْسَلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الغَاسِلِ أَنَّهُ قَدْ ثم قيل في تفسير المشقة أن يحتاج في قلعه إلى شيء آخر نحو الصابون والحرض وغيرهما، وفي مبسوط شيخ الإسلام: عدم إزالة أثرها بالماء لا يضر لما روي عن خولة بنت يسار أنها قالت: يا رسول الله إني لي ثوبًا واحدًا، وإني أحيض فيه، فقال ﵇: «رُشّيهِ فَاقْرُصِيهِ، ثم اغسليه بالماء»، فقالت: يا رسول الله، يبقى له أثر، فقال ﵇: «يكفيك الماء، فلا يضرُّكِ أثره» (١)، ولأنه إذا لم يزل كان ذلك في ضرورة ويسقط حكم النجاسة بالضرورة، ولأن الأثر عبارة عن اللون والنجاسة ما كانت باعتبار اللون، بل باعتبار النتن والعين، فكلاهما قد زالا. قوله: (وفيه)، أي في الغسل بعد زوال العين (كلام)، أي اختلاف المشايخ. فقال الهندواني، والطحاوي: يغسل مرتين بعد زوال العين؛ لأنه التحق بغير مرئية غسلت مرة، وقال بعضهم: يطهر، وإن كان بمرة واحدة لتيقنا بزوال العين فنحكم بطهارته، كذا في المبسوط (٢). وفي الجامع الكبير للبزدوي: يغسل ثلاثًا بعده. وفي الْمُجْتَبى: طهارته زوال عينها لقوله ﵇ لفاطمة بنت حبيش في دم الحيض: «حتّيهِ، ثم اقرصِيهِ، ثم اغسليه بالماء» (٣). وفي المحيط: قال أبو إسحاق الحافظ: غسل الثوب المصبوغ أو المنقوش بنجس، أو اليد المخضوبة بحناء نجس إلى أن صفا الماء وحال تلونه (٤)، ثم

стр. 441

طَهُرَ) لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنهُ لِلاسْتِخْرَاجِ، وَلَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ، فَاعْتُبِرَ غَالِبُ الظَّنِّ كَمَا فِي أَمْرِ القِبْلَةِ، وَإِنَّمَا قَدَّرُوا بِالثَّلَاثِ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ، فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ. يغسل بعد ذلك ثلاثا يطهر (١). وفي جامع العالمي: يطهر بالثلاث، وهو الأصح، وعن محمد لا يطهر أصلا، ولو غسل يده من دهن نجس طهرت، ولا يضره أثر الدهن على الأصح، ولو تنجس العسل يلقى في طنجير ويصب عليه الماء ويغلى حتى يعود إلى المقدار الأول، هكذا يفعل ثلاثًا فيطهر، وعلى هذا الدبس (٢). وفي الكافي: المراد (من غير مرئية) ما أصابت النجاسة، ثم جفت ولا يدري بعد ذلك؛ لأن جميع النجاسات الحقيقية مرئية. قوله: (ولا يقطع بزواله)، أي بزوال غير المرئية، يعني لا يعلم قطعًا بالغسل مرة. قوله: (ويتأيد ذلك بحديث المستيقظ)، يعني لما أمر ﵇ بالغسل ثلاثا في النجاسة الموهومة، ففي النجاسة المحققة أولى. واعتبر الشافعي غلبة الظن فيما سوى ولوغ الكلب، وهو ظاهر الرواية عندنا، رواه الكرخي، حتى لو غلب على ظنه أنه طهر بالمرة الواحدة يكفيه، ولكن المشايخ قدَّروا بالثلاث لأن غلبة الظن في العام الغالب لا تحصل إلا بالغسل ثلاثًا، وذلك تختلف قلوب الناس فيه فأقمنا السبب الظاهر - وهو الثلاث - مقام غلبة الظن تيسيرًا، كذا في المبسوط (٣). فإن قيل: هذا بدل البدل وهو لا يجوز. قلنا: غلبة الظن تقوم مقام حقيقة إزالة النجاسة؛ لأنه لو توقف الحكم على حقيقة الإزالة يلزم الحرج، فلا يكون بدلًا عن الإزالة، فلا يلزم بدل البدل، كذا

стр. 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في الكاثي. وفي جامع الكردري: وقال الشافعي: الغسل مرة يكفي في غير المرئية قياسًا على الطهارة الحكمية؛ فإن العدد فيها غير شرط بالإجماع. وقلنا: النجاسة الحكمية ليست لها عين قائمة في المحل حتى يحتاج إلى إزالتها، وهاهنا في المحل عين قائمة، فلابد من إزالتها في المرئية، فلا بد من زوال عينها، وفي غير المرئية حتى يغلب على الظن طهارتها في رواية الكرخي. وفي الحلية: يجزئ في بول صبي لم يطعم النضح، وهو أن يبله بالماء وإن لم ينزل عنه - للحديث، وهو ما روي أنه ﵇ أجلس في حجره صبيا لم يأكل الطعام فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (١) -. ويغسل من بول الجارية فيصب عليه الماء حتى ينزل عنه، وبه قال أحمد لما روي أنه ﵇ قال في حديث لبابة: «إنما يُغسَلُ الثوب من بول الأنثى، ويُنضَحُ من بول الذكر» (٢) -، وقال الأوزاعي: يطهر بولها بالرش عليه (٣)، وقال أبو حنيفة ومالك: يجب عليه غسل بول الصبي (٤)، لعمومات النصوص فإن البول نجس بالإجماع. وأما الجواب عن حديثه أنه أراد بالنضح الغسل قاله ابن عبد البر (٥)، يؤيده ما رواه مسلم في المذي: «تَوَضَّأْ وانضَحْ فَرْجَكَ» (٦)، ولا يجزئه إلا غسله

стр. 443

مِنْ مَنَامِهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ العَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَخْرَجُ. اتفاقا، يدل عليه رواية البخاري: «اغسل ذكرك وتوضأ» (١)، وفي البخاري: (فدعا بماء فأتبعه إياه) (٢)، قال الطحاوي: وإتباعه إياه حكمه حكم الغسل (٣). وقال المهلب: النضح كثرة الصب، ومنه الناضح للجمل الذي سيخرج به الماء، ولا فرق بين بول الرجل والمرأة، فكذا في بول الصبي والصبية، ولم يرد النبي ﵇ بقوله: «إنما يُغسَلُ من بول الأنثى، ويُنضَحُ من بولِ الذَّكرِ» أنه لا يغسل، وإنما أراد التفرقة بين الغسلين، فعبر عن أحدهما بالنضح، فاستدل بذلك المبالغة في الغسل في بول الأنثى. ولئن كان النضح بمعنى الرش فيمكن أن يكون ثوبه صلبًا لا ينشف الماء، والضمير في: (ثوبه) يرجع إلى الصبي. فأما سائر النجاسات فالواجب فيها أن يتكاثر الماء حتى يستهلك به، وتزول صفتها ولا يتغير الماء بها، فإن حصل ذلك بمرة واحدة أجزأه، ويستحب غسله ثلاثًا، وقال أحمد: يجب غسل سائر النجاسات سبعًا إلا الأرض لو أصابتها نجاسة، واختلف أصحابه في ضم التراب إليه (٤). ولو كانت النجاسة في الثوب خمرًا فغسلها وبقيت رائحتها يطهر في أحد القولين، ولا يطهر في الأصح، ولا يعتبر الحتُّ والقرص في غسل الثوب من الدم وغيره إذا زال وإن بقي الأثر، وقال داود يجب الحَبُّ والقرص في غسل الدم من الثوب بظاهر الحديث. قوله: (لابد من العصر)، أي فيما يقبل العصر كالثوب، أما فيما لا يقبله كالحزق، والحصير لا يطهر أبدًا عند محمد، ويطهر بالغسل والتجفيف ثلاث مرات عند أبي يوسف، وعند محمد في غير رواية الأصول إذا غسل ثلاث مرات.

стр. 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَعَصْرٌ في الثالثة يَطْهُر، وعنه أيضًا يكفي بالغسل مرة (١). وفي صلاة المستغنى: عن الحلواني أن النجاسة لو كانت دمًا، أو بولًا وصُبَّ عليه الماء كفاه ذلك على قياس قول أبي يوسف؛ فإنه روي عنه أن الجُنُبَ إذا اتَّزَرَ في الحمام وصب الماء على جسده حتى خرج من الجنابة، ثم صب الماء على الإزار يحكم بطهارة الإزار وإن لم يعصره. وقال في رواية أخرى: لو صب الماء على الإزار وأَمَرَّ الماء عليه يكفيه فهو أحسن، وإن لم يفعل يجزيه، كذا في المحيط، وجامع التمرتاشي (٢). وفي الْمُجْتَبى: في بحر المحيط: في الأصل غسلها ثلاثًا وعصرها في كل مرة، وعن أبي يوسف: إذا غسله مرةً سابغة طهر، وبه قال الشافعي، ورواه الكرخي من أصحابنا. ثم شرط العصر يعتبر فيه قوة كل غاسل، حتى لو عصره ثلاثًا، ثم عصر يتقاطر منه الماء، فإن كان بحال لو عصره غاسله لا يسيل يطهر الثوب، واليد والبلة، وإلا فالكل نجس. وفي غنية الفتاوى: العصر المعتبر في الثوب أن لا يبقى متقاطرا به. وفي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ: تطهر النجاسات بعشر معان، أحدها: بالغسل، وثانيها: بالمسح في الأشياء المصقولة، وثالثها: الفرك في المني، ورابعها: الحَتُّ والدَّلْكُ في الخف، وخامسها: الإحراق؛ فإن الأرواث إذا أحرقت وصارت رمادًا طهرت عند محمد، وعلى هذا صار الكلب والخنزير ملحًا في المملحة يطهر عند محمد، وعليه الفتوى كذا في الخلاصة، وعند أبي يوسف، والشافعي (٣)، وأحمد (٤) لا يطهر.

стр. 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولو أحرق موضع الدم من رأس الشاة طهر، والتنور إذا رش بماء نجس لا بأس بالخبز به، وسادسها: الاستحالة؛ كالخمر إذا تخللت بعلاج وغيره، واختلف في خمر صب عليها ماء ثم تخللت، فعندنا تطهر، وعند الشافعي (١)، وأحمد (٢): لو تخللت بطرح شيء لا تطهر، ولمالك ثلاث روايات أصحها: أن التخليل حرام، وتطهر، والثانية: حلال وتطهر، والثالثة: حرام ولا تطهر (٣)، وسابعها: الجفاف وزوال الأثر؛ كالأرض إذا يبست وثامنها: الدباغ كما مر، وتاسعها: الذكاة فكل حيوان يطهر جلده به يطهر لحمه بالذكاة، وعاشرها: النزح. مسائل مختلفة بين أبي يوسف ومحمد: كوز جديد، أو أجرة جديدة، أو خشب جديد، أو حصير، أو بردي أصابته نجاسة، أو جلد دبغ بسمن نجس، أو حنطة انتفخت من النجاسة، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يغسل ثلاثًا ويجفف في كل مرة يطهر، والتجفيف انقطاع التقاطر، وذهاب الندوة لا اليبس، وقيل: يجفف في المرة الأخيرة. وكذا السكين إذا موّه بماء نجس، ثم موّه بماء طاهر ثلاثًا يطهر، وكذا مرقة وقعت فيها نجاسة حال غليانها يغسل اللحم ثلاثا يطهر - وبقوله قال الشافعي - وقال محمد: لا يطهر الكل أبدا. ولو ألقيت دجاجة حال الغليان في الماء قبل أن يشق بطنها لتنتف، أو كرش قبل الغسل لا يطهران أبدًا، ويجب أن يحتاط فيهما. قال شرف الأئمة: على ما ذكره البزدوي في المرقة أنه يغسل اللحم ثلاثًا بثلاث مياه يطهر عند أبي يوسف يجب أن يكون في الدجاجة والكرش كذلك. ولو لم يعلم موضع النجاسة من الثوب فغسل طرفاه حكم بطهارته لوقوع

стр. 446

فَصْلٌ فِي الاسْتِنْجَاءِ الشك في الباقي، وكذا الحمر لو بالت في الكرش فغسل بعضها، أو أكل الكلب بعض العنقود يغسل الباقي ثلاثًا يطهر. ولو عصر عنبا فأدمى رجله وصار إلى العصير ولا يظهر أثر الدم لا يتنجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف كالماء الجاري، ولو ألقى الدهن النجس في خابية ثم يصب فيه مثله ماء ويحرك، ثم يترك حتى يعلو الدهن فيؤخذ، أو يثقب في أسفل الخابية حتى يخرج، هكذا يفعل ثلاثًا يطهر، ولو جعل الدهن النجس في الصابون يفتي بطهارته؛ لأنه تغير، والتغير مطهر عند محمد ففت به للبلوى، الكل في الْمُجْتَبى (١). وفي القنية: دبغ الجلد بودك الميتة، أو الكيمخت (٢) بدهن الخنزير ثم غسل يطهر، ولا يضر بقاء الأثر. وفي التحفة: أصاب الجلد نجاسة فغسلها ثلاثا بلا تجفيف يطهر (٣). وفي صَلَاةِ الْجَلَّابِيِّ: وكذا الخف، والمكعب، والجرموق إذا أمر الماء عليه ثلاثا يطهر بلا تجفيف. وفي فتاوى قاضي بديع: والمختار أنه يغسل ثلاثًا، ويترك في كل مرة حتى تذهب الندوة، ولا يشترط اليبس. [فَصْلٌ فِي الاسْتِنْجَاءِ] اتبع المصنف القدوري، وهو اتبع محمدًا في أنه لم يورد ذكره (٤) عند ذكر سنن الوضوء، قال بعض المشايخ: ذكر الاستنجاء عند ختم الطهارة إشارة إلى أنه ضابط لتصنيفه، ومتيقظ في تأليفه، حيث ختمها بما بدأ بها، وإعلاما بأن

стр. 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المقصود الطهارة الصغرى؛ إذ هي مفتاح الدرجات الكبرى، وفيه ضعف. وفي المغرب: نَجَا، وَأَنْجَى: أحدث، وأصله من النُّجْوَةِ، وهي المكان المرتفع؛ لأنه يستتر بها وقت قضاء الحاجة، ثم قالوا: اسْتَنْجَى إذا مسح موضع النَّجْوِ، وهو ما يخرج من البطن، أو غسله، وقيل: من نجاء الجلد إذا قشره (١). وجاز أن يكون السين للطلب يعني طلب النجو ليزيله، والاستطابة، والاستجمار بمعناه. وقيل: الاستجمار يختص بالحجر، بخلاف الاستنجاء، والاستطابة. وفي مبسوط شيخ الإسلام: الاستنجاء نوعان نوع بالحجر والمدر، ونوع بالماء، والاستنجاء بالحجر، أو بما يقوم مقامه كالأعيان الطاهرة والعود والخرقة سنة، وبه قال المزني (٢)، ومالك في رواية (٣)؛ لأنه ﵇ فعله على سبيل المواظبة، وكذلك الصحابة، وإتباع الماء أدب؛ لأنه ﵇ كان يستنجي بالماء مرةً، وتركه أخرى، وهو حد الأدب، وهكذا روي عن بعض الصحابة. قال مشايخنا: إنما كان ذلك أدبًا في الزمن الأول، فأما في زماننا سنة، حتى قيل للحسن البصري كيف يكون سنة وقد فعله النبي ﵇ مرةً، وتركه أخرى، وكذا اختيار الصحابة؟ فقال: إنهم كانوا يبعرون بعرًا، وأنتم تثلطون ثلطًا، ولا خلاف في الأفضلية (٤). وقال الشافعي: الاستنجاء من البول والغائط فريضة (٥)، وبه قال أحمد (٦)،

стр. 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومالك في رواية (١)، وداود (٢)، وأبو ثور، والمسألة في الحاصل فرع لمسألة أخرى، وهي أن النجاسة إذا كانت قدر الدرهم أو أقل هل يفترض إزالتها؟ فعندنا لا، وعنده يفترض؛ لجواز الصلاة، إلا أن في هذا الموضع تطهر بالحجر، وما يقوم مقامه، وفي سائر المواضع لا تطهر إلا بالماء. واحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أي النجاسة، ولم يفصل بين القليل والكثير، وكذا في حديث أبي أيوب الأنصاري، أنه ﵇ قال: «لِيَسْتَنْجِ بثلاثة أحجار» (٣)، والأمر للوجوب وبما روي أنه ﵇ قال: «إذا جلس أحدُكُم لِحَاجَتِهِ فَلْيمسَحْ ثلاث مسحات»، وبما روى سلمان: أنه ﵇ أمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار (٤)، والأمر للوجوب، ولأن هذه نجاسة قليلة كانت أو كثيرة فيجب إزالتها كما في الحكمية بل أولى؛ لأنها فوق الحكمية إلا أن ترى أن الحكمي يزول بالتراب والحقيقي لا. ولنا ما روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فليوتر، من فعل فحَسَنٌ، ومَن لا فَلَا حَرجَ» (٥)، فقد نفى الحرج عن تاركه فدل أنه غير واجب. وأما الآية فمحمولة على أكثر من قدر الدرهم. وأما الحديث فمحمول على الاستحباب؛ لأن حديث أبي هريرة محكم في

стр. 449

(الِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ (وَيَجُوزُ فِيهِ التخيير، وما رواه محتمل، فيحمل على المحكم، أو محمول على ما إذا لم يحصل الإنقاء بما دونه، لكن لما كان في الأغلب حصول التنقية بالثلاث قيد به. وأما قوله: إن هذه نجاسة فيمنع كما في الحكمية يشكل باليسير من الدم كدم البراغيث فإنه لا يمنع، وليس هذا كالطهارة الحكمية؛ لأنه لا ضرورة فيها في القليل كما لا ضرورة في الكثير؛ فإن اتصال الماء إلى جميع الأعضاء ممكن، ألا ترى لو ترك قدر ما لا يأخذه البصر إلا بتكلف لا يجزيه، وهاهنا لو كان مثل ذلك يجزيه، فدل أن الفرق ثابت بالإجماع. ثم الكلام في العدد، فعندنا (١)، وداود (٢): لو استنجى بحجر وحصل الإنقاء يكون مقيمًا للسنة، وتجوز الصلاة، وقال الشافعي: الاستنجاء بثلاثة أحجار، أو بحجر له ثلاثة أحرف فرض، حتى لو تركه لم تجز صلاته (٣)، وبه قال أحمد (٤) وإن حصلت التنقية بالواحد بما روي من الأحاديث، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. قال شيخ شيخي: لما نفى الشارع الحرج عن تاركه فدل أنه ليس بواجب، وتركه لا يضر، فترك وصفه أولى، فدل الحديث على انتفاء المجموع. قوله: (واظب عليه ﵇، فإن قيل: المواظبة من غير ترك دليل الوجوب، ولم ينقل الترك عنه ﵇. قلنا: دل الدليل على أن المراد عدم الوجوب؛ لأن قدر الدرهم معفو، فعلم أن الاستنجاء ليس بواجب، كذا في الكاثي، وفيه تأمل فإن عند الخصم قدر الدرهم غير معفو، بل نقول: نفس المواظبة دليل السنة، والترك لم يثبت فلا

стр. 450

الحَجَرُ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ، يَمْسَحُهُ حَتَّى يُنْقِيَهُ) لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الْإِنْقَاءُ فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ المَقْصُودُ (وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا بُدَّ مِنْ الثَّلَاثِ لِقَوْلِهِ ﵊: «وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ»، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ»، وَالإِيتَارُ يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ، وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، فَإِنَّهُ لَو اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ جَازَ بِالإِجْمَاعِ. (وَغَسْلُهُ بِالمَاءِ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ كَانُوا يُتْبِعُونَ الحِجَارَةَ المَاءَ. ثُمَّ هُوَ أَدَبٌ، وَقِيلَ: هُوَ يدل على الوجوب، وعدم نقل الترك لا يدل على عدمه. وفي الكافي: المراد من قوله: (حتى ينقيه) تقليل النجاسة لا حقيقة الطهارة، وغسله بالماء أفضل، يعني إذا أتبع الحجارة بالماء فهو أفضل بالإجماع. وفي الحلية: الأفضل الجمع بينهما، فإن اقتصر على أحدهما فالماء أولى، وإن اقتصر على الحجر جاز (١). وفي شرح الوجيز: لو كان الخارج من السبيلين نادرًا كالدم، والقيح ففيه قولان، أحدهما: أنه يتعين إزالته بالماء؛ لأن الاقتصار على الحجر تخفيف على خلاف القياس فيقتصر فيما تعم به البلوى فلا يلحق به غيره، والثاني: أنه يجوز فيه الاقتصار على الحجر، وهو الأصح نظرًا إلى المخرج (٢). وفي المبسوط: يستنجى من الغائط، والبول، والمذي، والودي، والمني، والدم الخارج من السبيلين دون سائر الأحداث. وفي البدرية: كون الغسل أفضل وإذا نقاه بالأحجار؛ لأن النص ورد على هذا الوجه. (نزلت في أقوام)، وهم أهل قباء، والقباء بالضم والمد من قرى المدينة. روي لما نزلت الآية مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقفوا على

стр. 451

سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا، وَيَسْتَعْمِلُ المَاءَ إِلَى أَنْ يَقَعَ فِي غَالِبِ ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ، وَلَا يُقَدَّرُ بِالمَرَّاتِ إِلَّا إِذَا كَانَ مُوَسْوِسًا باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس، فقال: «أَمُؤمنون أنتم؟» فسكت القوم، ثم أعادها، فقال عمر ﵁: إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال ﵇: «أترضون بالقضاء؟ قالوا: نعم، قال: أَتَصْبِرُونَ على البلاء؟» قالوا: نعم، قال: «أتشكرون في الرخاء؟» قالوا: نعم، قال ﵇: «مُؤمِنونَ وربّ الكعبة»، فجلس، ثم قال: «يا مَعْشَرَ الأنصار، إنهُ تعالى أثنى عليكم، فما الذي تصنعونَ عِنْدَ الغائِطِ؟» فقالوا: يا رسول الله، نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فَتَلَا النبي ﵇ الآية (١)، فهذا التخصيص يشير إلى أن الغسل بالماء أفضل، ولأن الماء يزيل النجاسة والاستنجاء بها يخففها، وإزالتها أفضل من تخفيفها. قوله: (موسوس) بالكسر، ولا يقال بالفتح، ولكن يقال: موسوس إليه، أو له، أي تلقى إليه الوسوسة، قال الليث: الوسوسة حديث النفس، وإنما قال: (موسوس)؛ لأنه يحدث ما في ضميره، كذا في المغرب (٢).

стр. 452

فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي حَقِّهِ، وَقِيلَ: بِالسَّبْعِ (وَلَوْ جَاوَزَت النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إِلَّا المَاءُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: إِلَّا المَائِعُ، وَهَذَا يُحَقِّقُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَطْهِيرِ وفي الكاثي: الوسوسة لغة الحس الذي يوجد من خلخال المرأة، فإيقاع الشيطان شيئًا في قلب المؤمن يسمى وسوسة؛ لأنهما يوجدان على سبيل الوقار والخفة. (فيقدر بالثلاث في حقه)، أي في حق الموسوس كما في نجاسة غير مرئية؛ لأن البول غير مرئي، والغائط وإن كان مرئيا فالمستنجي لا يراه فكانت بمنزلته. وقيل: بالسبع بالحديث الذي ورد في ولوغ الكلب، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. وفي الْمُجْتَبى: عدد الصبات مفوض إلى رأي المبتلى به، وقيل: بثلاث، وقيل: بتسع، وقيل: بعشرة، وقيل: للإحليل بثلاث، وللمقعد بخمس، وذلك بعد ما خطا خطوات (١). (وهذا)، أي قوله: (إلا المائع) يدل على أن إزالة النجاسة الحقيقة من البدن يجوز بالمائع. وقوله: (إلا الماء) يدل على أن إزالتها من البدن لا يجوز إلا بالماء. وفي الْمُجْتَبى: قالوا أراد بالمخرج نفسه وما حوله من موضع الشرج؛ فإنما يجب الغسل عندهما إذا تجاوز موضع الشرج أكثر من قدر الدرهم (٢). وعند الشافعي إن عدا المخرج وما حوله ولم يجاوز باطن الإليتين ففيه قولان، في قول: لا يجوز فيه إلا الماء؛ لأنه انتشار لا يعم ولا يغلب، فإذا اتفق وجب غسله كسائر النجاسات، وفي أظهر قوليه: يجزي فيه الحجر؛ لأنه لم يزل من زمان النبي ﵇ إلى اليوم رقة البطون، وكان أكثر أقواتهم التمر وهو مما يريق البطن ومن رق بطنه انتشر خلافه عن المخرج وما حوله، ومع ذلك أمروا بالاستجمار. ولو جاوزت الغائط الإليتين والبول الحشفة تعين الغسل بالماء كسائر

стр. 453

العُضْوِ لِغَيْرِ المَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهَذَا لِأَنَّ المَسْحَ غَيْرُ مُزِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِهِ فِي مَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ، ثُمَّ يُعْتَبَرُ المِقْدَارُ المَائِعُ وَرَاءَ مَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، وَعِنْدَ النجاسات لأنه نادر بمرة، كذا في شرح الوجيز (١). وفي الْمُجْتَبى: وأما كيفية الاستنجاء هو أن يأخذ الذكر بشماله ويمره على جدار، أو حجر، أو مدر ناتئ من الأرض، ولا يأخذ الحجر بيمينه، ولا الذكر به والحجر بشماله؛ لأنه ﵇ نهى عن الاستنجاء باليمين، ومس الذكر به، وإن اضطر يمسك مدرا بين عقبيه ويمر الذكر بشماله، فإن تعذر ذلك أمسك الحجر بيمينه ولا يحركه لأنه أهون من العكس (٢). وفي النظم، والخلاصة: يدبر الرجل في الصيف بالحجر الأول، ويقبل بالثاني، ويدبر بالثالث، وكذا المرأة صيفا وشتاء (٣). وفي فتاوى قاضي خان يقبل الرجل بالحجر الأول في الشتاء، ويدبر بالثاني، ويقبل بالثالث؛ لأن في الصيف خصيتاه متدليتان، فلو أقبل بالأول تتلوث خصيتاه، ولا كذلك في الشتاء (٤). قال صاحب الْمُجْتَبى: المقصود هو الإنقاء فيختار ما هو الأبلغ والأسلم عن زيادة التلويث، وأما كيفيته بالماء فيرخي جالسًا كل الإرخاء ليظهر ما بداخله من النجاسة إلا الصائم مخافة فساد صومه بوصول الماء باطنه، حتى قالوا: لا يتنفس حال الاستنجاء، ولا يقوم حتى ينشفه بخرقة. وفي النظم: يستنجي بيساره فيصعد إصبعه الوسطى على غيرها قليلا، ويغسل موضعه، ثم بَنْصَرَهُ، ثم خَنْصَرَهُ، ثم سبّابته، ويغسل حتى يطمئن قلبه، والمرأة تصعد بنصرها ووسطاها أولا معًا دون الواحدة كيلا يقع في قلبها فتنزل

стр. 454

مُحَمَّدٍ ﵀ مَعَ مَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ المَوَاضِعِ (*) (وَلَا يَسْتَنْجِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فيجب الغسل (١). وفي الجامع الأصغر: يكفيها أن تغسل ما وقع من فرجها على راحتها، قاله أبو مطيع، وقيل: تدير أصبعها في فرجها. قال محمد بن سلمة: قول أبي مطيع أحب إليَّ (٢). ولو جرى ماء الاستنجاء على الخف يحكم بطهارته تبعًا، وكذا لو دخل من جانب وخرج من جانب آخر وفي موضع احتاج إلى كشف العورة يستنجي بالحجر لا الماء، ولو كشف العورة للاستنجاء صار فاسقا. وكيفيته عن الشافعي وجهان، قال علي بن أبي هريرة: يضع حجرًا على مقدم الصفحة اليمنى ويمره إلى مؤخرها، ثم يديره إلى الصفحة اليسرى ويمره عليها إلى الموضع الذي بدأ منه، ويأخذ الثاني فيمره من مقدم صفحة اليسرى ويمرها إلى مؤخرها، ويديره إلى اليمنى على ما ذكرنا، ويأخذ الثالث فيمره على الصفحتين والمسربة. وقال أبو إسحاق: يأخذ حجرين للصفحتين وحجرًا للمسربة، والأول أصح. وينبغي أن يضع الحجر على موضع طاهر بالقرب من النجاسة، وإن كان يستنجي من البول أمسك ذكره باليسار ومسحه على الحجر، والثيب والبكر سواء وهو الصحيح، والواجب أن تغسل ما ظهر من فرجها عند جلوسها وذلك دون البكارة، كذا في الحلية (٣). وأما حكمه، فقيل: الاستنجاء بالماء على سبعة أوجه، في وجهين فرض:

стр. 455

وَلَوْ فَعَلَ يُجْزِيهِ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وَمَعْنَى النَّهْيِ فِي الرَّوْثِ لِلنَّجَاسَةِ، وَفِي العَظْمِ كَوْنُهُ زَادَ الجِنِّ. (وَلَا) يَسْتَنْجِي (بِطَعَامِ) لِأَنَّهُ إِضَاعَةٌ وَإِسْرَافٌ. (وَلَا بِيَمِينِهِ إِلَّا إِذا كَانَ بِشمَالِهِ عِلَّةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِاليَمِينِ. في الغسل عن الجنابة، وفيما زاد على قدر الدرهم، وفي قدر الدرهم واجب، وفيما دونه سُنة، وفيما لم يجاوز المخرج والإحليل يستحب. وفي البعر أدب (١)، وفي الريح بدعة. (ولو فعل يجزيه)، مع الكراهة، وبه قال مالك إذا كان العظم طاهرا (٢)، وقال الشافعي: لا يجزيه بالعظم والروث للنهي، وبالأشياء المحترمة، وجزء من الحيوان (٣). وفي مبسوط بكر: يكره الاستنجاء بالآجر، والخذف، والفحم، وبشيء له قيمة أو حرمة كخرقة الديباج، أو القرطاس. وفي النظم: ويستنجي بثلاثة أمداد، فإن لم يجد فبالأحجار، فإن لم يجد فبثلاث أكف من التراب، ولا يستنجي بما سواها من الخرقة، والقطن ونحوهما؛ لأنه روي في الحديث أنه يورث الفقر. وعند الشافعي يجوز الاستنجاء بالقطعة من الخشبة، ومن الذهب والفضة في أظهر الوجهين، كما يجوز بالقطعة من الديباج عنده، ومعنى النهي في الروث النجاسة. وقيل: معنى النهي فيه أنه علف دواب الجن، ويكره الاستنجاء بعلف الدواب.

стр. 456

كِتَابُ الصَّلَاةِ كِتَابُ الصَّلَاةِ الصلاة ثالثة بالإيمان، وهي الأصل في هذا الكتاب، إلا أنه قدمت الطهارة لأنها شرطها. ثم الصلاة فعلة من تحريك الصلوين لغة، وهما العظمان الناتئان عند العجيزة. وشرعًا: الأفعال المعهودة، والأذكار المعلومة، فهي من الأسماء المُغيّرة شرعًا. وقيل: إنها دعاء لغةً، قال الشاعر (١): وصَلَّى عَلَى دَنْها وارْتَسَمْ فعلى هذا من الأسماء المنقولة شرعًا لوجود المعنى اللغوي مع زيادة فيها شرعًا، وفي النقل المعنى اللغوي مرعي، وفي التغيير يكون باقيًا، ولكنه زيد

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عليها شيء آخر. ثم ثبت فرضيتها بالكتاب والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي فرضًا موقتا، وأما فرضية الخمس بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآية، وهذه الآية قاطعة الدلالة على فرضية الخمس؛ لأنه تعالى فرض جمعًا من الصلوات، والصلاة الوسطى معها، وأقل جمع صحيح معه وسطي وهو الأربع دون الثلاث. وما قيل إن اللام إذا دخل على الجمع يراد به الجنس لا يستقيم هاهنا؛ لأنه إنما يراد به الجنس إذا لم يكن ثمة معهود بقرينة، وهاهنا يرجع إلى المفروضات في الشرع، ولئن سلم حمله على الجنس فلا يمكن حمله على أقل الجنس هاهنا بالإجماع، ولا على كله أيضًا بالإجماع، فعلم أن المراد أقل الجمع، وأقل الجمع الذي تصح به الوسطى خمس، على أن عند أكثر أهل اللغة لا يصير للجنس بدخول اللام يبقى جمعًا عاما في أنواع الجموع، وهو اختيار صاحب الكشاف، والمفتاح، فحينئذ لا يرد الإشكال. وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] أراد المغرب، والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] أراد به الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] الظهر، كذا في التفسير (١). وأما السنة: فقوله ﵇: «إنَّ اللهَ تعالى فرضَ عَلَى كُلِّ مُسْلم وَمُسِلمَةٍ في كلِّ يوم وليلة خمس صلوات» (٢)، وأنه من جملة الأخبار المتواترة أو المشهورة، وقوله ﵇: «من حافظ على الصلواتِ الخَمْسِ في

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مواقيتها كان له عهد عند الله تعالى أن يغفر له يوم القيامة»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] (١)، كذا في المبسوط (٢). وفي الروضة: سأل الفقيه أبو الليث ابن عينية فقال: لم وجبت الصلوات الخمس في الأوقات المختلفة؟ فقال ابن عينية: لأنه تعالى أظهر في كل وقت قدرة جديدة فأوجب على العبد خدمة جديدة، فعند الفجر يذهب بظلمة الليل ويحدث ضوء النهار، وعند الزوال يتم ضياء الشمس وتكثر حرارتها ليطبخ به الثمار، وعند العصر يقلل ذلك لئلا يفسد عليهم، وعند المغرب يذهب بنور النهار ويأتي بظلمة الليل، وعند العتمة يذهب بالشفق. قال الفقيه: سألت أبا الفضل فقلت: لم كانت صلاة الفجر ركعتين، والظهر والعصر والعشاء أربعًا، والمغرب ثلاثا؟ فقال: الشرع، فقلت: زدني، فقال: لأن كل صلاة صلاها نبي، فصلى الفجر آدم ﵇ حين خرج من الجنة وأظلمت (٣) عليه الدنيا وجن الليل، فلم يكن يرى قبل ذلك فخاف خوفًا شديدًا، فلما انشق الفجر صلى ركعتين شكرًا لله تعالى، الأولى شكرًا للنجاة من ظلمة الليل، والثانية شكرًا لرجوع النهار، فكان ذلك منه تطوعًا فأمرنا بذلك ليذهب عنا ظلمة المعاصي، وينور علينا نور الطاعات. وأول من صلى بعد الزوال إبراهيم ﵇ حين أمر بذبح الولد وذلك عند الزوال، فالأول شكرًا لذهاب غم الولد، والثاني لمجيء الفداء، والثالث لرضى الله تعالى حتى نودي بأن قد صدقت الرؤيا، والرابع شكرًا لصبر ولده.

стр. 459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على الذبح، وكان ذلك منه تطوعًا فأمرنا بذلك؛ لأنه وفقنا على إبليس كما وفقه بذبح الولد، وأنجينا من الغم كما أنجاه، وأفدينا من النار كما فداه، وأرضي عنا كما رضي عنه. وأول من صلى العصر يونس ﵇ حين أنجاه الله من أربع ظلمات وقت العصر ظلمة الزلة وظلمة الليل وظلمة الماء وظلمة بطن الحوت شكرًا، وكان ذلك منه تطوعًا فأمرنا بذلك لينجينا الله تعالى من أربع ظلمات، ظلمة الذنب كما أنجاه من ظلمة الزلة وظلمة القيامة، وظلمة القبر، وظلمة جهنم. وأول من صلى المغرب تطوعًا شكرًا عيسى ﵇ حين خاطبه الله تعالى: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وكان ذلك بعد غروب الشمس، فالأولى لنفي الإلوهية عن نفسه، والثانية لنفيها عن والدته، والثالثة لإثباتها الله تعالى، فأمرنا بذلك ليهون علينا الحساب يوم القيامة، وينجينا من النار، ويؤمنا من الفزع الأكبر. وأول من صلى العشاء موسى ﵇ حين خرج من المدائن وضل الطريق، وكان في غم المرأة وغم أخيه هارون، وغم عدوه فرعون، وغم أولاده، فلما أنجاه الله تعالى من ذلك كله ونودي من شاطئ الوادي صلى أربعًا شكرًا تطوعًا، فأمرنا بذلك ليهدينا كما هداه، ويكفينا كما كفاه، ويجمع بيننا وبين الأنبياء كما جمع بينه وبين أولاده وأخيه، ويعطينا الظفر على عدونا كما أعطاه، فلذلك كانت خمس صلوات في الأوقات المختلفة. وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على فرضية الصلوات الخمس، وأعداد ركعاتها، عرف ذلك بالتواتر، ولهذا من تركها مستحلا يكفر بالإجماع، ولو تركها كسلا مع اعتقاد وجوبها يحبس حتى يصلي لو أصر على تركها عندنا. وعن مولانا حميد الدين أنه يحكى عن المحبوبي: يضرب ضربًا شديدًا حتى يسيل الدم منه، كذا في المستصفى.

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعند الشافعي (١)، ومالك (٢): يقتل، وقال المزني: يضرب ولا يقتل (٣)، وقال أحمد: يكفر تاركها (٤)، وهو قول بعض أصحاب الشافعي؛ لظاهر قوله ﵇: «من ترك الصلاة عمدًا فقد كَفَرَ» (٥). ثم هل تجب استتابته؟ عند الشافعي فيه قولان، ثم تضرب عنقه. واختلف أصحابه في الوقت الذي يقتل فيه، قال الإِصْطَخْرِي: يقتل إذا خاف فوت الصلاة الرابعة، وقال علي بن أبي هريرة: يقتل إذا ضاق وقت الصلاة الأولى، وهو ظاهر كلام الشافعي، وقال أبو إسحاق: يقتل إذا خاف فوت وقت الصلاة الثانية (٦). وفي شرح المجمع: للشافعي في تارك الصلاة قولان: أحدهما: أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل حدا، وفي القديم قتل كفرًا لقوله ﵇: «من ترك الصلاة عمدًا فقد كفر» (٧)، ووجه الأول أن الصلاة دعائم الإسلام لا يدخلها النيابة بنفس، أو مال فيقتل بتركها كالشهادتين، وإنما يقتل بعد أن يؤمر بالقضاء، ويقال له: هذا عمل لا يعمله غيرك، فإن صليت وإلا استتبناك، فإن تبت وإلا قتلناك، فإن امتنع عن قضائها قتل. قال بعض أصحاب الشافعي: وفيه إشكال؛ فإن القضاء لا يجب على الفور عندهم على الأصح فلا يوجب تركه القتل، والصحيح أن يقتل بترك الصلاة الرابعة، لأن ما دون ذلك لا يعلم أن تركه للتهاون.
следующие страницы →