وَالمُرَادُ بَيَانُ الحُكْمِ دُونَ الخِلْقَةِ. قَالَ: (وَتَخْلِيلُ اللَّحْيَةِ)، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊
جديداً (١)، وقال أحمد: هما من الرأس فيمسحان مع الرأس على رواية الاستيعاب، ويجزئ مسحهما بما مسح به الرأس (٢)، وقال الشعبي والحسن بن صالح: ما أقبل منهما من الوجه فيغسل معه وما أدير منهما من الرأس فيمسح معه (٣)، وعن ابن شريح أنه كان يغسلهما مع الوجه ويمسحهما مع الرأس احتياطا.
وفي المبسوط: الأفضل أن يمسح ما أقبل من أذنيه مع الرأس، وإن غسل ما أقبل منهما معه جاز؛ لأنه مسح مع زيادة ولا يأخذ لهما جديداً (٤)، وقال إسحاق: مسحهما واجب، كذا في الحلية، وعندنا يمسحان بماء الرأس.
وللشافعي ما روى أبو أمامة الباهلي أنه ﵇ أخذ لأذنيه ماءً جديداً (٥)؛ ولأن الأذن مع الرأس كالفم والأنف مع الوجه، ثم يأخذ لهما ماءً جديدا فهذا مثله.
ولنا حديث ابن عباس أنه ﵇: مسح برأسه وأذنيه بماء واحد، وقال: " الأذنان من الرأس (٦).
وقال الإمام بدر الدين خواهر زاده: الرأس من الحلقوم إلى فوق إلا أنه تعالى بعضه في الأحكام، فجعل وظيفة الغسل منه الوجه، ووظيفة الرأس بعد الوجه المسح فأشبه الأذنان أن وظيفتهما من أيهما فبين ﵇ بقوله:
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الأذنان من الرأس» أن وظيفتهما المسح؛ لأنه ﵇ قال: «إنما بُعِثْتُ لبيان الحقائق» (١).
ووجه آخر من الاستدلال أن كلمة (من) للتبعيض فوجب أن يكون بعض الرأس حقيقة وحكماً، أو حكماً لا حقيقةً، وحكم الرأس المسح فكذا حكمهما.
وذكر شمس الأئمة وجهًا آخر فيه، فقال: لا يخلو من أن يكون المراد منه بيان الخلقة وهو مشاهد لا يحتاج إلى البيان، أو يكون المراد أنهما ممسوحان كالرأس أو أنهما ممسوحان بالماء الذي يمسح به الرأس أو بالماء الذي يغسل به الوجه، وعلى التقديرين فهو إخبار من الشارع فصار كأمره وللأمر بمسحهما بماء الرأس أمر بمسحهما نصفه فيكون مسحهما سنة لا واجبًا؛ لأن الزيادة بخبر الواحد على الكتاب لا تجوز، أو أنه ﵇ ألحقهما لكل الرأس، ومسح كله سنة في الصحيح من الرواية، وتأويل ما وراءه أنه لم يبق في كفه ﵇ بللاً فلهذا أخذ ماء جديداً كذا في مبسوطه (٢).
وفي جامع الإسبيجابي: روى حديثه جدعان رواية مرسلًا، والمراسيل ليس بحجة على ظنه مع أنه غريب في أمر عام فلا يكون حجة، ولأنه احتمل أنه ﵇ نسي المسح عليهما ثم تذكر، وفي هذه الحالة يأخذ لهما ماءً جديدًا عندنا أيضًا.
وفي الخبازية: ولا يسن تجديد الماء في كل بعض من أبعاض الرأس فلا يسن في الأذنين بل أولى لأنه تابع (٣).
فإن قيل: يشكل بالمضمضة والاستنشاق حيث لم يُسَنَّا بماء الوجه إلا على رواية البيهقي، وإن كانا سنتين في الوضوء لأنهما كانا من الوجه من وجه.
стр. 73
أَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (*)، لِأَنَّ السُّنَّةَ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ، … ... … ..
قلنا: إنما كان كذلك ليحصل الامتياز لسنة المسح عن سنة الغسل بضرب خفه كما حصل الامتياز لفرض المسح عن فرض الغسل بضرب خفه، ولهذا لا يقام التثليث فيهما إلا بماء جديد.
فإن قيل: كيف يصح إلحاق الأذنين بكل الرأس، والفرض يتأذى بمسح كل طرف ولا يتأذى بمسحهما؟
قلنا: فرضية المسح ثبتت بالكتاب، وكونهما من الرأس ثبت بخبر الواحد، وما ثبت بالكتاب لا يتأدى بما ثبت بخبر الواحد؛ كفرضية التوجه إلى الكعبة لا تتأدى بالتوجه إلى الحطيم وإن ثبت كونه من البيت بخبر الواحد، كذا ذكره بدر الدين خواهر زاده.
وفي الخبازية: كانا من الرأس وليسا برأس كالتمرة من الشجرة وليست من الشجرة، نقله من المبسوط (١)، وفيه تأمل.
فإن قيل: السنة إكمال الفرض في محله، وهما ليس بمحل الفرض لأن بمسحهما لا يتأدى الفرض.
قلنا: لا يشترط لإقامة السنة محل الفرض كالمضمضة والاستنشاق، وفيه تأمل.
وفي المُجْتَبَى: يمسحهما بالسبابتين داخلهما وبالإبهام من خارجهما، وفي الأصل: يمسح داخلهما مع الوجه، وفوقهما مع الرأس. والمختار هو الأول، وعن الحلواني وشيخ الإسلام جواهر زاده يدخل الخنصر في صماخ أذنه ويحركهما كذا فعل النبي ﷺ وأبو هريرة (٢).
قوله: (أمره جبريل ﵇: الأمر هاهنا لا يقتضي الإيجاب لاستلزام الزيادة على النص بخبر الواحد.
стр. 74
وَالدَّاخِلُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الفَرْضِ.
قَالَ: (وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ كَيْ لَا
وفي مبسوط فخر الإسلام، وفتاوى قاضي خان: تخليل اللحية مستحب (١). وعند أبي يوسف ومحمد: سنة، وبه قال الشافعي (٢)؛ فإنه صح أنه ﵇ أخذ كفا من ماء فخلل به لحيته، وقال: «بهذا أمرنِي رَبِّي» (٣). وفي المبسوط: وهو الأصح، وأبو حنيفة يقول: لم يثبت هذا الأمر، فلا يطلق عليه اسم السنة (٤).
وفي المحيط، والإيضاح، والفتاوى البديعية: التخليل ليس بسنة عندنا خلافًا لأبي يوسف (٥)، وقال مالك: لا يستحب (٦). وقال سعيد بن جبير، وعبد الحكم من المالكية: واجب (٧)؛ لظاهر قوله: «أمرني ربي»، جائز أي لا يبدع تاركه كما يبدع ماسح الحلقوم.
وفي الكافي: أي ليس بسنة أصلية، ولو فعل لا بتدع ولا يكره لأنه ﵇ فعله مرةً فدل على الجواز لا على السنة.
(والداخل): أي داخل اللحية ليس بمحل الفرض لعدم وجوب إيصال الماء إلى باطن الشعر، ويشكل هذا بالمضمضة والاستنشاق فإنهما سنتان مع أنهما ليسا في محل الفرض. وقال الكاثي في جوابه أنهما في الوجه، والوجه محل الفرض إذ لهما حكم الخارج من وجه كما ذكرنا.
قوله: (وتخليل الأصابع): أي أصابع اليد والرجل لأنه جاء في جامع الترمذي عن ابن عباس: أنه ﵇ قال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ يَدَيْكَ
стр. 75
تَتَخَلَّلُهَا نَارُ جَهَنَّمَ»، وَلِأَنَّهُ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ.
«وَرِجْلَيْكَ» (١) كذا في شرح الوجيز، ولإطلاق ما ذكر في الكتاب والوعيد المذكور في الحديث يتعلق بترك إيصال الماء.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: التخليل سنة بعد وصول الماء، فأما قبل الوصول ففرض (٢).
وفي المحيط: الأصابع إذا كانت مضمومة وتوضأ من الإناء فتخليلها فرض إجماعًا، وإن كانت مفتوحة أو مضمومة لكن أدخل رجليه في الماء الجاري وترك التخليل جاز (٣).
وفي القنية: تخليل أصابع الرجل سنة مع وصول الماء إلى باطنها، فيخلل بخنصر يده اليسرى فيبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر رجله اليسرى، كذا ورد الخبر (٤).
فإن قيل: ينبغي أن يكون التخليل واجبًا نظرًا إلى الأمر كما قال مالك في اليدين. وأحمد وإسحاق فيهما، وفي الرجلين أيضًا مع كونه مقرونا بالوعيد لتاركه.
قلنا: هذا لا يفيد الفرضية لكونه من الأحاد، ولا الوجوب لأنه لا مدخل للوجوب في الوضوء لأنه شرط الصلاة فيكون تبعًا لها، ولهذا يسقط بسقوطها، ويجب بوجوبها، فلو قلنا بالوجوب كما في الصلاة لساوَى التبع الأصل كذا في الكافي وغيره لكن هذا ضعيف وقد بينا وجه الضعف في بيان الوصول في شرح الأصول وجامع الأسرار في شرح المنار.
بل الجواب القوي أن الأمر الثابت بخبر الواحد إنما يفيد الوجوب إذا لم يمنعه مانع ولم توجد قرينة صارفة غير ظاهرة كخبر صدقة الفطر والأضحية، وخبر الفاتحة، أما إذا وجد لا يمكن القول بالوجوب، وهاهنا عارض هذا الأمر
стр. 76
قَالَ: (وَتَكْرَارُ الغَسْلِ إِلَى الثَّلَاثِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ»، وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الأَجْرَ مَرَّتَيْنِ»، وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى
من تعليم الأعرابي.
وللأخبار التي حكي فيها وضوء رسول الله بأن التخليل لم يذكر فيها فحمل على الندب أو على السنة التي دون الوجوب عملا بالدليل بقدر الإمكان، وهكذا جميع الدلائل التي تدل ظواهرها عليه في الوضوء معارض بما يمنع القول به إذا تأملت فيها.
وقال شيخي العلامة: في قوله ﵇: «خَلَّلوا» الحديث، دليل على أن وظيفة الرِّجْلِ الغَسلُ لا المسح فكان حجة على الروافض.
قوله: (توضأ مرة) أي غسل كل عضو مرة، والمراد بالقبول الجواز.
(«ووضوء الأنبياء قبلي»، «ووضوء الخليل إبراهيم ﵇») في رواية فمن زاد على هذا أي على أعضاء الوضوء أو على الحد المحدود أو على الثلاث معتقدًا أن كمال السنة لا يحصل بالثلاث فأما إذا زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو بنيته وضوءًا آخر فلا بأس به؛ لأنه نور على نور، وقد أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، كذا في المبسوط (١).
ويرد التأويل الثاني قوله ﵇: «من استطاع منكم أن يُطيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (٢)، والحديث في المصابيح.
والتعدي يرجع إلى الزيادة لأنه مجاوزة عن الحد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ
стр. 77
وَظَلَمَ». وَالوَعيِدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ.
[مُسْتَحَبَاتُ الوُضُوءِ]
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّيءِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ).
حدُودُ الآية [البقرة ٢٢٩]، والظلم يرجع إلى النقصان، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي لم تنقص.
وقوله: (لعدم رؤيته سُنَّة): يدل على أن اختياره التأويل الثالث، وقال بعضهم: إنه محمول على نفس الفعل؛ فإن الزيادة على الثلاث لا تقع طهارة، ولا يصير الماء به مستعملا إلا إذا قصد به الوضوء على الوضوء (١)، وعن الحلواني: الأولى فرض والثانية فضل، والثالثة سنة.
وفي المحيط: الثانية سنة، والثالثة إكمالها (٢).
وفي المبسوط، وصلاة المروزي: الأولى فرض، والثانية والثالثة سنة، ولو توضأ مرة مرة لعزة الماء أو للبرد أو لحاجة لا يكره ولا يأثم، وإلا فيأثم (٣).
وقيل: إذ اعتاد يكره، وإلا فلا، وفي شرح المجمع: عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر: أنه ﵇ توضأ ثلاثا ثلاثا (٤).
قوله: (ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة): المستحب ما يثاب على فعله، ولا يلام على تركه، قال فخر الإسلام النية إرادة استباحة الصلاة أو عبادة لا يستغنى عن الطهارة أو قصد امتثال الأمر (٥)، وفي القدوري: أن ينوي بالقلب، ويقول باللسان (٦).
وفي الكافي: أن ينوي بالقلب.
стр. 78
فَالنِّيَّةُ فِي الوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا تَصِحُ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ. وَلَنَا: أَنَّهُ لَا يَقَعُ قُرْبَةٌ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ لِوُقُوعِهِ طَهَارَةٌ
ثم الخلاف فيما لو نسي المسح فأصابه المطر، أو جرى الماء أو المطر على أعضاء وضوئه، أو علم الوضوء إنسانًا، أو توضأ تبردا فعندنا يجوز، وبه قال الثوري، والأوزاعي، ومالك في قول (١)، وعند الشافعي: لا يجوز فالنية عنده فرض (٢). وبه قال أحمد (٣)، ومالك، وداود (٤)، وأبو ثور لقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات» (٥)، ولفظ «إنما» لحصر الحكم في الذكور فيجب أن يكون الوضوء الشرعي منحصرًا فيه، ولأنه محض تعبد، ولأنه ليس على أعضاء الوضوء نجاسة حقيقية، وفيه معنى قربة لقوله ﵇: «الوضوء على الوضوء نور على نورٍ» (٦)، فيشترط فيه النية كما في التيمم بخلاف إزالة النجاسة الحقيقية فإنه أمر معقول فلا يحتاج إلى النية بالإجماع.
قيل: لم يذكر في كتب الحديث هذا اللفظ، وهو قوله ﵇: «الوضوء على الوضوء نور على نورٍ»، بل مشهور في كتب الفقه، فقد روى ابن ماجه، وأبو داود عن ابن عمر: أنه ﵇ قال: «مَنْ توضأ على ظهرٍ كتب الله له عشر حسنات» (٧).
стр. 79
بِاسْتِعْمَالِ المُطَهِّرِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، لِأَنَّ التَّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إِلَّا فِي حَالِ إِرَادَةِ
وعن ابن شريح والصعلوكي من أصحاب الشافعي: يشترط النية فيها أيضًا، ولأن العبادة فعل العبد باختياره على خلاف هوى النفس تعظيما لله تعالى، وثبات على فعله وإزالة النجاسة الحقيقية من التروك؛ فالمقصود هجران النجاسة، والتروك لا تعتبر فيها النية كترك الشرب والزنا وغيرهما.
ولنا أنه لا يقع، هذا قول بموجب العلة، يعني عدم وقوعها قربة بدون النية مُسلَّم، لكن الكلام فيما رواه وهو أن استعمال الماء الطاهر هل يوجب الطهارة أم لا؟
فقلنا يوجب؛ لأن الماء طهور بطبعه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨] ليطهركم، فإذا لاقى النجاسة طَهَّرَهُ سواء قصد استعمال الطهارة أم لا؛ كالماء للإرواء، والطعام للإشباع.
فإذا ثبتت الطهارة بهذا الطريق كان مفتاحًا للصلاة كسائر الشروط، إذ الشرط يراعي وجوده لا وجوده قصدًا.
وقال ﵇: «الطهور مفتاحُ الصَّلاةِ» (١)، وروى البخاري ومسلم أنه ﵇ علم الأعرابي الوضوء ولم يذكر له النية (٢)، فلو كانت شرطا لصحته لبينها في وقت الحاجة إذ الأعرابي كان جاهلا بأحواله، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولأنه غير مقصود بنفسه بل للصلاة، ولهذا لم يصح النذر به بخلاف التراب فإنه لم يعقل مطهرًا في حال إرادة الصلاة فلا يصح بدونها.
ولأن الله تعالى أمر بالغسل والمسح مطلقًا فكان اشتراط النية فيهما زيادة على النص بخبر الواحد بخلاف التيمم فإنه عبارة عن القصد لغةً فكان اشتراط النية فيه بالنص، كما يجيء.
стр. 80
الصَّلَاةِ، أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنِ القَصْدِ.
فإن قيل: خرج وجوب الغسل والمسح مخرج الجزاء للشرط، قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦] تقديرها: فاغسلوا هذه الأعضاء للقيام إليها كما يقال: جاء الشتاء فتأهب، ولا يعني بالنية سوى هذا.
قلنا: هذا مُسلَّم فيما إذا كان ذلك حكما غير شرط لحكم آخر، أما إذا كان فلا يشترط فيه ذلك لأن الشرط يراعي وجوده لا وجوده قصداً كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] فإنه خرج مخرج الجزاء للشرط، لكن لما كان شرطًا لحكم آخر لا يشترط فيه النية حتى لو سعى لغير أداء الجمعة فأدى به الجمعة يجوز بالإجماع.
وحديثه حجة لنا لأن ظاهره يقتضي أن تكون جميع الأعمال ملصقا بالنية إما حقيقة أو حكمًا، والأول غير مراد [لوجودها] (١) حسا بدون النية فيكون المراد حكم الأعمال بالنيات.
والحكم نوعان مختلفان فيكون مشتركًا ولا عموم له، أو مقتضى ولا عموم له، وقد عرف هذا البحث في الأصول (٢).
فإن قيل: الوضوء طهارة شرعية لعدم النجاسة على الأعضاء حقيقة وحكما فلا يحصل بدون النية كالتيمم.
قلنا: الأعضاء محكومة بكونها نجسة لأنه أمر بتطهيرها، وهو لا يتحقق بدون النجاسة، والماء مطهر بطبعه فإذا لاقى النجس طهره قصد به أو لا كما بينا، فالشافعي نظر إلى المحل، وقال: النية شرطت في الخلف لأنه لم يعقل إنصاف المحل بها فتشترط في الأصل.
ونظرنا إلى الأدلة وقلنا: إنما شرطت في الخلف لأن الآلة ما أعدت للتطهير فلا يتعدى إلى الأصل إذ الماء يعد للتطهير، وفيه بحث ذكرناه في شرح المنار في دفع المناقضة.
стр. 81
(وَيَسْتَوْعِبَ رَأْسَهُ بِالمَسْحِ) وَهُوَ سُنَّةٌ بماءٍ واحدٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهِ
ولأن الذمية لو كانت تحت مسلم فاغتسلت فيما دون العشرة يحل وطئها بالإجماع، ولو شرطت النية لما جاز غسلها لأنها ليست من أهل النية.
وقيل: في جوابه تصحيح غسلها للضرورة أو النية عبارة عن رفع الحدث فيصح من الكافر باعتباره لا باعتبار التقرب، ولكن يلزم عليهم أن لو أسلمت لم يجب عليها إعادة الغسل وحيث يجب في رواية أو يصح وضوء الكافر وغسله، وقياسهم الوضوء على التيمم ضعيف؛ لأن شرط صحة القياس أن لا يكون الأصل متأخرًا، والتيمم شرع بعد الهجرة والوضوء قبلها، وأن لا يكون الأصل على خلاف القياس وهو كذلك لما ذكرنا أنه ملوث.
قوله: (ويستوعب رأسه): لا خلاف بيننا وبين الشافعي في أن الاستيعاب سنة، إنما خلاف في التثليث، وفي القنية: تركه وداوم عليه يأثم.
قيل: لو داوم بغير عذر يأثم.
وكيفية الاستيعاب أن يبل كفيه وأصابع يديه، ويضع بطول ثلاث أصابع من كل كف على مقدم الرأس ويعزل السبابتين والإبهامين، ويجافي الكفين ويجرهما إلى مؤخر الرأس ثم يمسح الْفَوْدَيْن (١) بالكفين ويجريهما إلى مقدم الرأس، ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين، وباطن الأذنين بباطن السبابتين، ويمسح رقبته بظهر اليدين حتى يصير ماسحًا ببلل لم يصر مستعملا، هكذا روت عائشة مسح رسول الله صلى الله عليه وهكذا المنقول عن السلف (٢).
وعن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أنه يبدأ من أعلى رأسه إلى جبينه ثم إلى قفاه. وعن الصفار عكسه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٣).
وفي المحيط: مسح الأذنين سنة. وقيل: أدب لأنه اختلف للأثر فيه.
وفي الْمُجْتَبى: ثم التكرار بالمسح ليس بسنة عندنا وعند مالك (٤)،
стр. 82
مُخْتَلِفَةٍ اعْتِبَارًا بِالمَغْسُولِ. وَلَنَا: أَنَّ أَنَسًا ﵁ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
وَالَّذِي يُرْوَى مِنْ التَّثْلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّ المَفْرُوضَ هُوَ المَسْحُ وَبِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غَسْلاً، وَلَا
وأحمد (١)، وأبي ثور، خلافًا للشافعي (٢)، وقال ابن سيرين: يمسح مرتين لأنه روى أنه ﵇ مسح مرتين وعند الشافعي يستحب لمن على رأسه عمامة أن يمسح على ناصيته ويتمم المسح على العمامة ولو اقتصر على مسحها لا يجوز. وعند أحمد والثوري وداود يجوز المسح عليها لدفع الحرج واعتبر أن يكون قد تعمم على طهر. وشرط بعض أصحابه أن يكون تحت الحنك.
واحتج الشافعي بحديث مر في تكرار الغسل وقال: لا فرق بين المغسول والممسوح، ولفظ الخبر مطلق يتناولهما. وعن عثمان وعلي: أنه ﵇ توضأ ومسح رأسه ثلاثًا (٣).
ولنا: أن أنساً إلى آخره، روى عثمان وعلي، ومعاذ، وابن عباس، والبراء، والربيع بنت [معوذ] (٤)، وأبو أمامة الباهلي أنه ﵇ مسح مرةً، قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم (٥).
وقال أبو عمر بن عبد البر: كلهم يقول: مسح الرأس مسحة واحدة (٦). والذي يروي ما رواه عثمان وعلي وعبد الله بن أوفي غير مشهور وقد ضعفه الثقات.
стр. 83
يَكُونُ مَسْئُونًا، فَصَارَ كَمَسْحِ الخُفْ، بِخِلَافِ الغَسْلِ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّكْرَارُ.
قَالَ: (وَيُرَتِّبَ الوُضُوءَ، فَيَبْدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَبِالْمَيَامِنِ)، فَالتَّرْتِيبُ
ولئن ثبت فمحمول عليه بماء واحد لأن المشهور عنهم أنه ﵇ مسح مرةً واحدة كما روينا فيوفق بينهما كذا في مبسوط شيخ الإسلام، على ما روى الحسن وهو ما روى عن أبي حنيفة أنه إذا مسح ثلاثا بماء واحد كان مسنونا، كذا في المجرد. وفي مبسوط بكر: لا بأس به وبمياه مختلفة بدعة (١).
فإن قيل: قد صار البلل مستعملاً بالمرة الأولى فكيف يسن إمراره ثانية وثالثا قلنا: بلى، يأخذ حكم الاستعمال لإقامة فرضا آخر لا لإقامة السنة لأنها تبع للفرض كما بينا ألا ترى أنه يسن الاستيعاب بماء واحد واعتبار الشافعي الممسوح بالمغسول غير قوي كما ذكر في الأصول فلا يكون مسنوناً لأن السنة لإكمال الفرض لا لإخراجه عن حقيقته فيكون إكماله بالإطالة وهو الاستيعاب كإكمال أركان الصلاة يحصل بها حتى لو كرر آية واحدة لا يكون متمماً للفرض بل يكره في المبسوط وصار كمسح الخف حيث لا يسن فيه التكرار بالإجماع.
وفي قوله: بخلاف الغسل إشارة إلى فساد اعتبار الشافعي الممسوح بالمغسول.
قوله: (ويرتب): بالنصب، أي يستحب أن يرتب، ثم الترتيب واجب عند الشافعي. وفي تركه بالنسيان له قولان في القديم يقدر به، وبالجديد لا بل تركه به ككتركه ذاكرًا وهو الأصح عنده (٢)، وبه قال أحمد (٣)، وأبو ثور (٤). وعندنا ومالك (٥)، والليث (٦)، وبعض أصحاب الشافعي (٧)، والزهري، والمزني، وداود: لا يجب، بل هو سنة، ويكره تركه للشافعي.
стр. 84
في الوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ، وَالفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. وَلَنَا: أَنَّ المَذْكُورَ فِيهَا حَرْفُ الوَاءِ، وَهِيَ لِمُطْلَقِ
(قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، والفاء للتعقيب) أي مع الوصل فإذا كان كذلك اقتضى وصل الغسل بالقيام إلى الصلاة فلو قدم غير الوجه عليه يبطل الوصل فلا يجوز التقديم فإذا ثبت تقديم الوجه على الباقي يلزم ترتيب غيره عليه لأن غيره معطوف عليه بحرف الواو وهو للترتيب كما في قوله تعالى: ﴿أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ لعدم القائل بالفصل.
وقوله ﵇: «لا يقبلُ الله صلاة امرئ حتى يضع الظهور مواضِعَهُ، فيغسل وجهه، ثم يغسل يديه، ثم يَمْسَحَ رأسَهُ، ثم يغسِلَ رِجلَيْهِ» (١)، وكلمة " ثم " للترتيب، ونقل أنه ﵇ كان يواظب على الترتيب، ولأن من علم وضوء رسول الله ﷺ كعثمان وعلي والبراء وغيرهم علمه مرتبا.
وقلنا: الفاء دخل في الغسل وهو في هذه الأعضاء، والأعضاء معطوفة بعضها على بعض بحرف الواو وهو لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة فصار كأنه قال - والله أعلم -: فاغسلوا هذه الأعضاء، فعلمنا بحرف الفاء والواو فقلنا الفاء دخل في الفعل لا في المحل فوجب الترتيب في فعل المجموع لا في المحل، ولأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة وهذه ليست عاطفة بل لجواب الشرط، ولو كانت للتعقيب فهي لتعقيب الجملة بواسطة الواو كما ذكرنا.
قال إمام الحرمين: تكلف أصحابنا في نقل أن الواو للترتيب واستشهدوا بأمثلة فاسدة، والحال أنها لا تقتضي ترتيبا، ومن ادعاه فهو مكابر (٢)، قال
стр. 85
الجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَتَقْتَضِي إِعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ. وَالبُدَاءَةُ بِالمَيَامِنِ
النووي: وهو الصواب (١).
فإن قيل: لما كانت الفاء داخلة في الغسل مقدماً على المسح فيجب الغسل مقدما عليه، والقائل به قائل بالترتيب.
قلنا: لا نسلم ذلك لأن فعل الغسل لما كان مقدما يلزم منه تقديم جنس الغسل على المسح، ويلزم منه تقديم غسل الرجل على المسح، ومن قال بتقديم غسله لا يقول بالترتيب، ولأن ميمونة روت أنه ﵇ نسي المسح وغسل رجليه، ثم ذكر فمسح بها ولم يغسل رجليه (٢).
وفي الخبازية: والمعنى في مسألة النية، والترتيب، والموالاة أن العمل في حصول الطهارة للماء لا للفعل، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، ولهذا لو أصاب المطر على أعضاء وضوئه، أو سال الميزاب ونوى بلا عمل تحصل الطهارة بالإجماع؛ لأن العبرة عندنا للماء لا للفعل، فكان الفعل زائدا في الباب فاعتبر الفعل لوصول الماء إلى المحل فلا يتوقف الماء على وجود النية التي اعتبرت لإخلاص الفعل أو الترتيب، أو الموالاة التي من صفات الفعل.
وأما كلمة: (ثم) للترتيب، لكن لا نقول بوجوبه لأنه يلزم الزيادة على النص بخبر الواحد مع أنه متروك الظاهر فإنها للتراخي، ولا يجب التراخي بالإجماع.
ولو بدأ بوجهه قبل يديه جاز بالإجماع، ولأنه قد ضعفه أبو بكر الرازي.
стр. 86
فَضِيلَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَوُّلِ وَالتَّرَجُلِ».
وقال النواوي: هو ضعيف غير معروف.
أما مواظبته ﵇ ثبت مع الترك فتثبت السنة لا الوجوب.
وأما قوله: الواو للترتيب، قلنا: لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة فإنهم وضعوا لكل حرف معنى مخصوص، على ما بين في الأصول (١).
وأما قوله: ﴿أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فالترتيب فيه ما عرف بسبب الواو إذ النصوص فيه متعارضة؛ لأنه في موضع آخر ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]، بل عرف بفعله ﵇ إذ الصلاة مجملة فصار فعله بيانًا.
فإن قيل: قد نقل عن بعضهم خلاف ذلك حتى قيل: أنها للترتيب وللمقاربة، فكيف تصح دعوى الإجماع؟
قلنا: ذكر في أكثر كتب النحو أنه لمطلق الجمع ولم يذكر خلافًا، وصرح في بعضه بلفظ الإجماع فاعتبر المصنف ذلك، أو أنه لم يثبت عنده قول البعض بنقل صحيح فلم يلتفت إليه، أو لأن خلاف القليل لا يمنع انعقاد الإجماع عند البعض فسلك المصنف طريقهم، أو أراد به اتفاق الجمهور فسماه إجماعا تسمية للبعض باسم الكل.
ثم عد القدوري النية، والترتيب، والاستيعاب من المسحات، وعد صاحب الهداية، والمحيط، والتحفة، والإيضاح، والوافي من السنن، وهو الأصح لمواظبة النبي ﷺ عليها، ولم يتركها إلا نادرًا كذا في الْمُجْتَبى (٢)، وفيه عد المصنف السنن تسعًا، والمستحبات أربعًا، وعدَّها في صلاة الحادي خمس عشرة.
وفي التحفة: إحدى وعشرين، هذه الثلاثة عشر، وثمانيا غيرها، وهي: الاستنجاء بالأحجار، وبالماء وهو من سنن الصحابة كالتراويح، والترتيب في
стр. 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما كما ذكرنا، وقيل تحريك الماء ليصل إلى جوانبه، وقيل: إكثاره ليصل إليها حالة الصوم، والبداية من رؤوس الأصابع في غسل اليدين والرجلين. ومن مقدم الرأس في المسح.
ثم الموالاة في الوضوء بأن لا يمكث قدر ما يجف فيه العضو المغسول فرض عند مالك (١)، والشافعي في القديم (٢)، وأحمد في رواية (٣)، والليث بن سعد، لكن عند مالك إن كان ترك الموالاة للعجز عن الماء يبطل الوضوء، فإن كان للنسيان لا يبطل.
وقالوا: التفريق ينافي الجمع المستفاد من حرف الواو، ولأنه ﵇ واظب عليها، ولأنه روى أنه ﵇ توضأ على سبيل الموالاة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به» (٤)، ولأنه عبادة ينقضها الحدث فيعتبر فيها الموالاة كالصلاة.
ولنا ما سبق في الترتيب، ولا تنافي بين الجمع والتفريق، وأنه يصدق مع التعاقب والقران والفصل وقد روي أنه ﵇ رأى رجلا توضأ وترك لمعة في عقبه فأمره بغسلها، ولم يأمره بالاستئناف، والتفحص عن قدر المدة الفاصلة (٥).
وعن ابن عمر أنه كان يتوضأ في سوق المدينة فدعي إلى جنازة وقد بقي من وضوئه فرض الرجل فذهب معهما إلى المصلى، ثم مسح على خفيه، ولأن أفعال الوضوء يجوز أن يتخللها زمان يسير فكذا الكثير بخلاف الصلاة، ولم تثبت مواظبته ﵇ لما ذكرنا من الأخبار في الترتيب، ولئن
стр. 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثبت لا يثبت به الوجوب للزوم الزيادة على النص بخبر الواحد فثبتت السنية.
وعن الحلواني: تجفيف الأعضاء قبل غسل القدمين بالمنديل لا يفعل لأن فيه ترك الولاء، ولا بأس بأن يمسح بالمنديل بعد الوضوء (١). وبه قال مالك (٢)، وأحمد (٣)، وروي عن عثمان، والحسن بن علي، وأنس، ومسروق.
وفي المحيط: آداب الوضوء سبعة عشر: ترك الإسراف، والتقتير، وكلام الناس فيه، وذكر الشهادتين عند كل عضو إلا في المستراح، واستقاء ماء الوضوء بنفسه (٤).
وعن الوبري: لا بأس بصب الخادم الماء على مولاه في الوضوء، وكان يصب الماء على النبي ﷺ فيه والتبادر إلى ستر العورة بعد الاستنجاء والتأهب للوضوء قبل الوقت، فيقول بعد فراغه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ولا يمسح أعضاءه بخرقة مسح بها موضع الاستنجاء ويستقبل القبلة في الوضوء بعده ويقول بعد فراغه أو في أثناءه اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين وأن يشرب فضل وضوءه مستقبل القبلة قائما وخيره الحلواني بين القيام والقعود ويصلي ركعتين بعده ويملأ آنيته ويتوضأ بآنية الخزف ويتوقى التقاطر على الثياب.
وفي شرح الوجيز: من سننه أن لا يستعين بغيره فيه لقوله ﵊ لعمر حين بادر ليصب الماء على يديه: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحد» (٥)، وهل تكره الاستعانة؟ الأظهر أنه لا تكره؛ لما روي أن أسامة،
стр. 89
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والربيع بنت [معوذ] (١) صب الماء على يديه، واستعان بالمغيرة حين لبس جبة ضيقة الكمين وعسر عليه الإسباغ (٢)، وأن لا تنشف الأعضاء على أظهر القولين، والتنشيف غير مكروه على الأظهر؛ لأنه روي عنه ﵇ التنشيف وتركه، وأن لا ينفض يديه لما روي أنه ﵇ قال: «إذا توضأتم لا تنفضوا فإنها مَراوِحُ الشَّيطان» (٣)، وأن نحافظ على الأدعية الواردة في الوضوء لورود الأثر عن السلف الصالح بها.
وله مندوبات منها: أن يقول بعد التسمية: الحمد لله الذي جعل الماء طهورًا، وأن يستصحب النية في جميع الأفعال، وأن يجمع في النية بين القلب واللسان، وأن يتعهد المأقين بالسبابتين، وما تحت الخاتم بالتحريك، وكذلك المواضع الذي يحتاج فيها إلى الاحتياط، وأن يبدأ غسل الوجه من أعلاه، وفي مسح الرأس بمقدمه، وفي اليد والرجل بأطراف الأصابع وأن لا يسرف في صب الماء، وأن لا يزيد على الثلاث، وأن لا يتكلم في أثنائه، ولا يلطم الوجه بالماء، وأن يتوضأ في مكان لا يرجع الرشاش عليه، وأن يمر اليد على الأعضاء المغسولة، وأن يقول بعد فراغه: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني مِنَ التوابين» (٤)، إلى آخره،
стр. 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"سُبحانَكَ اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليكَ" (١).
وزاد في المقدمة الغزنوية: ويغسل عروة الإناء ثلاثًا، ويضعه على يساره، ولو كان إناء يغترف منه يضعه على يمينه ويضع يده حالة الوضوء على عروة الإناء دون رأسه، ويغسل الأعضاء بالرفق ولا يستعجل في الوضوء، ويُدلّك أعضاءه وخصوصًا في زمان الشتاء، ويستقصي في الغسل والتخليل والدلك، ويجاوز حد الوجه في اليدين والرجلين ليتقن بغسل الحدود، ويدخل خنصره في صماخ أذنيه ويحركها، وينزع خاتمه أو يحركه كل مرة عند غسل اليدين، وينزعه حالة الاستنجاء إن كان في يساره وعليه اسم الله أو نبيه (٢).
قوله: (والبداية) وفي المغرب: البداية عامية، والصواب: بداءة وهي فعالة من بدأ كالقراءة من قرأ (٣)، وإن لم يثبت في الأصول فضيلة؛ لأن التيامن ليس من خصائص الوضوء كالتسمية.
التنعل: نعلين درباي كردن، والترجل: شرسانة كردن.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: زعم بعض الناس أن المراد من الترجل نزع الخف، وهو خطأ؛ لأن السنة في النزع أن يبدأ باليسار.
стр. 91
فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الوُضُوءِ
(المَعَانِي النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ: كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ
[فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ]
النواقض: جمع ناقضة، والنقض إذا أضيف إلى الأجسام يراد به إبطال تأليفها، وإذا أضيف إلى غيرها يراد به إخراجه عما هو المطلوب، فالمطلوب من الوضوء استباحة الصلاة، كذا ذكره الإمام ظهير الدين.
الوضاءة: الحسن والنظافة، قال المطرزي: الوضوء بالضم المصدر، وبالفتح الماء الذي يتوضأ به، والمصدر أيضاً، وأنكر بعضهم الضم (١)، وقال الأخفش: بالضم المصدر وبالفتح الماء.
وقوله: (كل ما يخرج) كلمة (كل ما) وضعت لعموم الأفراد فيتناول المعتاد وغيره كالبول، ودم الاستحاضة، والسبيلين: يتناول الدبر والذكر وفرج المرأة، وأراد به خروج ما يخرج ليوافق المبتدأ الخبر؛ لأن المبتدأ لفظ المعاني.
وماء عين ليس بمعنى فلا يكون علة؛ لأن العلة عبارة عن معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل، والمراد بالمعاني العلل، وأطلق لفظ المعاني عليها اقتداء بالنبي ﷺ حيث قال: «لا يَحِلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى معاني ثلاث» (٢)، والمراد العلل.
وقيل: السلف لا يستعملون لفظ العلة لأنه مستعمل الفلاسفة، وهو غير قوي لأن الشيخين فخر الإسلام، وشمس الأئمة وغيرهما ذكروا في أصولهم لفظ العلة كثيرًا، ثم ذكر في المدخل ما هو المخصوص من هذا العموم فقال: كل ما يخرج من السبيلين سوى الريح الخارج من القبل والذكر وهو صحيح (٣)، لأن الوضوء منها غير واجب في أصح الروايتين لأن الريح لا ينبعث من الذكر وإنما هو اختلاج، والفرج محل الوطئ لا النجاسة فلا يجاوز الريح النجاسة، والريح طاهر في نفسه، وهذا اختيار المصنف كما يجيء، لكن كلمة (ما) عامة تتناول المعتاد وغيره لانتقاده.
стр. 92
أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ [المائدة: ٦] وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا الحَدَثُ؟ قَالَ: «مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ» وَكَلِمَةُ «مَا»، عَامَّةٌ فَتَتَنَاوَلُ المُعْتَادَ وَغَيْرَهُ. (وَالدَّمُ وَالقَيْحُ … ... … ... … ... .
وعن محمد: يجب الوضوء منها لعموم النص؛ ولأنه ينبعث عن محل النجاسة ظاهر، ولهذا لو وصل شيء ثم عاد نحو الحقنة ففيه الوضوء لأنه لا ينفك عن نجاسة، كذا في جامعي قاضي خان، والتمرتاشي (١).
وقوله: (تتناول المعتاد وغيره) نفي لقول مالك فإنه قال: لا وضوء مما يخرج نادرًا كالحصاة، والدود والمذي الدائم، ودم الاستحاضة (٢)، وعند داود لا يجب الوضوء بالدود والدم (٣)، وعندنا والشافعي (٤)، وأحمد (٥) يجب عن غير المعتاد أيضًا، وفي شرح المجمع: قيد بالاعتياد ولم يقل المعتاد لأن خروجه إذا كان على وجه الاعتياد نقض عنده، وإن خرج لا على وجه الاعتياد لا ينقض؛ كسلس البول (٦).
له أنه تعالى كنى بالغائط وهو المكان المطمئن الذي يقصد للحاجة عن قضاء الحاجة المعتاد للمجاورة بالنقل عن أئمة التفسير.
ولنا عموم الآية؛ فإن الله تعالى أمر بالتيمم عند المجيء منه مطلقا.
وقوله ﵇: «لا وُضوءَ إِلَّا عن حَدَثٍ»، فقيل: وما الحدث يا رسول الله؟ قال: «الخارجُ مِنَ السَّبيلين» (٧).
стр. 93
إِذَا خَرَجَا مِنْ البَدَنِ فَتَجَاوَزَا إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَالقَيْءُ مِلْءَ الفَمِ).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأَ وَلِأَنَّ غَسْلَ غَيْرِ مَوْضِعِ الإِصَابَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَهُوَ المَخْرَجُ المُعْتَادُ، وَلَنَا: قَوْلُهُ ﷺ : «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمِ سَائِلِ»، وَقَوْلُهُ ﵊: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّا وَلِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»، وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَكِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا القَدْرُ فِي الأَصْلِ مَعْقُولٌ، وَالاقْتِصَارُ عَلَى الأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي الأَوَّلِ، غَيْرَ أَنَّ الخُرُوجَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالسَّيَلَانِ إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ
وقوله ﵇: «الوضوء مما يخرج» (١).
وقوله ﵇: «المستحاضة تتوضَّأُ لوقتِ كُلِّ صلاةٍ» (٢).
وقوله ﵇ لمقداد حين سأله عن المذي: «إذا وجدت ذلك فانضح فَرْجَكَ بالماء وتوضأ» (٣)، والودي من توابع البول فأخذ حكمه، وكذا الدودة والحصاة لا ينفكان عن بلة معهما، وتلك البلة بانفرادها توجب الوضوء فتكون ناقضا قياساً على المعتاد.
وقيد بقوله: (وخرجا من البدن) إذ نفس النجاسة بلا خروج غير ناقضة وإلا لما حصلت الطهارة من شخص لأن تحت كل جلدة رطوبة ودما، والمراد بدن الحي إذ لو خرجت من بدن الميت بعد غسله يغسل ذلك الموضع فقط، وشرط التجاوز إن كان الخروج لا يتحقق بدونه احترازًا عما يبدو؛ لأن ذلك لا يسمى خارجا عادةً وهو ناقض عند زفر، فذكر أولا ما ذكر بالنص، ثم ذكر ما ثبت بمعنى النص اجتهادا وهو الدم والقيح.
стр. 94
حُكْمُ التَّطْهِيرِ،
(حُكْمُ التَّطْهِيرِ): أي حكم هو تطهير من قبيل إضافة العام إلى الخاص كقولهم: علم الطب، والمراد وجوب تطهير في الجملة كما في الجنابة حتى سال الدم من الرأس إلى قصبة الأنف انتقض بخلاف البول إذا نزل إلى قصبة الذكر ولم يظهر فإنه لم يصل إلى موضع يلحقه التطهير، وفي الأنف وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير فإن الاستنشاق في الجنابة فرض كذا في المبسوط (١).
وعن هذا إذا كانت قرحة في العين ووصل الدم فيها إلى جانب آخر من عينه لا ينقض الوضوء لأنه لم يصل إلى موضع يجب غسله.
ثم اعلم أن ما خرج من بدن الحي نوعان: طاهر بالإجماع كالدمع والعرق، والريق والمخاط وليس بناقض بالإجماع.
ونجس: وهو أربعة أنواع: خارج من السبيلين معتاد كالبول والغائط هو حدث بالإجماع، وخارج منهما غير معتاد فهو حدث عند الكل إلا عند مالك (٢)، وداود (٣)، وخارج من غيرهما كالقيء والرعاف فهي حدث عندنا وأحمد (٤)، وهو مذهب العشرة المبشرة، وابن مسعود، وعن أحمد: إن قطر الدم قطرة لم ينقض (٥).
وعنه إن خرج الدم قدر ما يعفى وهو شيء لم ينقض (٦)، وعن ابن أبي ليلى ينقض قليله وكثيره.
وقال الشافعي (٧)، ومالك (٨)، وداود (٩): الخارج من غير السبيلين لا ينقض
стр. 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مطلقا، وهو مروي عن العبادلة الثلاثة، وأبي أوفى، وأبي هريرة، وعائشة، واحتجوا بما روي أنه ﵇ احتجم وصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل موضع محاجمه (١)، وبما روي أنه ﵇ قاء فلم يتوضأ (٢)، والفاء دخل في الحكم، أي لم يتوضأ حكما للقيء كقول الراوي: سها رسول الله فسجد، أي حكما لذلك السهو، ولم ينقل إلينا توضؤه بعد زمان، ولو توضأ لا يحمل على هذا بل يحمل على ناقض آخر إذ اللائق بحاله ﵇ أن يكون متوضأ دائما.
وبما روي عن ابن عمر أن بوجهه بثرة فقشره فخرج منها الدم فلم يعد الوضوء (٣)، وسئل ابن عباس عن الحجامة؟ فقال: اغسل موضع الحجامة وكفاك (٤)، وعن أبي هريرة أنه أدخل إصبعيه في أنفه وأخرجهما وعليهما دم فمسحهما بالتراب، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ (٥).
وبالقياس على الأشياء الطاهرة الخارجة من البدن كالعرق وغيره لجامع كونهما خارجين من غير السبيلين، وبأن وجوب الوضوء أمر تعبدي، أي كلفنا الله تعالى به من غير أن نعقل معنى إذ لا نجاسة على الأعضاء حقيقة، وقد وجب غسلهما لا غسل ما لاقته النجاسة حقيقة فاقتصرنا في إيجابه على مورد
стр. 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرع، فلا يقاس عليه غيره.
ولنا: قوله ﵇: «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمِ سَائِلٍ» أخرجه الدارقطني (١).
فإن قيل: هذا الحديث [رواه عن تميم الداري: عمر بن عبد العزيز] (٢)، والحال أنه لم يلقه عمر، بل يرويه يزيد بن خالد، ويزيد بن محمد، عن عمر، وهما مجهولان (٣).
قلنا: عدم لقي الداري المروي عنه بمنزلة الإرسال، والمرسل مقبول عندنا، وأحمد، ومالك، والجهالة غير مانعة للقبول على ما عرف.
فإن قيل: المراد من قوله ﵇ «الوضوء من كل دم سائل» الوضوء اللغوي وهو الغسل بدليل ما روى أنس أنه ﵇ احتجم وغسل محاجمه، ولم يتوضأ.
قلنا: المفهوم من إطلاق الوضوء الوضوء الشرعي لا اللغوي.
فإن قيل: قوله الوضوء مبتدأ، وخبره ما اقتضاه الجار والمجرور وهو مستحب، أو سنة أو واجب، فما يعين وجه الواجب؟
قلنا: فيه وجهان:
أحدهما: أنه إخبار وهو أكد من الأمر في اقتضاء الوجوب لأن الإخبار يقتضي وجود المخبر به لا محالة من غير اختيار خصوصًا إخباره ﵇، فعدل عن الوجود إلى الوجوب لئلا يلزم النقض في الخبر، وليكون داعيا إلى الوجود فكان أقوى في اقتضاء الوجوب، وفيه تأمل.
والثاني: أنه وصف الدم بالسيلان، والدم السائل نجس نجاسة غليظة كالغائط فكان ملحقا بدلالة النص لأنهما لا يتفاوتا في أن كل واحد منهما خارج
стр. 97
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نجس من بدن الحي، كذا قيل وفيه تأمل، وقوله ﵇: «من قاء … » الحديث وطعنوا فيه بالإرسال، والمرسل حجة عندنا ومالك، وأحمد.
وقال المطرزي: (رعف) سال رعافه بفتح العين هو الفصيح، والاستدلال به من وجوه:
أحدها: أنه أمر بالبناء، وأدنى درجات الأمر الإباحة والجواز، ولا جواز للبناء إلا بعد الانتقاض، فدل بعبارته على جواز البناء وعلى الانتقاض بمقتضاه.
والثاني: أمر بالوضوء، ومطلق الأمر للوجوب.
والثالث: أنه أباح الانصراف، وهو لا يباح بعد الشروع إلا به.
فإن قيل: جاز أن يكون الأمر بالانصراف واقعا لغسل النجاسة الحقيقية كرعاف أصاب بدنه وثوبه لا للحدث.
قلنا: أخرج عليه بطريق المشاكلة لجواب سائل في قوله: ألا تتوضأ وضوءك للصلاة مع أنه لغسل النجاسة الحقيقية يفسد الصلاة ومانع للبناء بالاتفاق، ألا ترى أن في رواية ابن أبي مليكة عن عائشة: «من قاء أو رعف أو أمذى»، ومن المذي لا يجب إلا الوضوء الشرعي، فكذا بالقيء والرعاف كذا في الأسرار (١).
فإن قيل: البناء معطوف على الانصراف غير واجب فكذا الانصراف والتوضؤ ليناسب أحكام المعطوفات.
قلنا: القران في النظم لا يوجب القران في الحكم لما عرف في الأصول، وجواز البناء موقوف على الانقباض ووجوب الوضوء بالإجماع.
وروى مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا رعف انصرف فتوضأ ثم رجع فبنى ولم يتكلم (٢) مؤثر في زوال الطهارة لأنهما متنافيان، فيؤثر أحدهما في
стр. 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زوال الآخر لاستحالة اجتماعهما.
(وَهَذَا القَدْرُ): أي كون خروج النجاسة مؤثرا في زوال الطهارة واستحالة اجتماعهما في الأصل وهو السبيلين معقول، ثم خروجهما يقتضي وجوب غسل كل الأعضاء بوجهين:
أحدهما: أنها تجاوزت إلى موضع يلحقه حكم التطهير وجب تطهير ذلك بالإجماع، أما عندنا حال ازدياد قدر الدرهم، وأما عنده وإن قلت.
وجوب التطهير في البدن باعتبار ما يكون منه لا يحتمل وصفه كونه محدثا يشمل جميع البدن، وإن قامت بمحل معين كالعلم والعمى فإن كل البدن يتصف بهما وإن قاما بمحل معين وهو الأصح عند أصحاب الشافعي، فكذا موضع الخروج لما اتصف بصفة النجاسة يلزم إيضاف الكل فبعد ذلك الاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول.
وقيل: هو تخفيف ورخصة، لكن تكرار الوضوء في كل يوم وليلة فأقيم غسل الأعضاء مقام غسل جميع البدن نفيا للحرج، ولهذا لما لم يكثر خروج المني، ودم الحيض والنفاس وجب غسل جميع البدن وإن كان خروجها من جزء يسير من البدن.
والثاني: أنه لما وجب غسل ذلك الموضع لما ذكرنا، ولما أن قيام من قام بين يدي من هو واجب التعظيم، ويعلم الظاهر والباطن مستصحبا لما يستقذر قبيح جدا فأوجب غسله وجب غسل الباقي لا لإزالة النجاسة بل باعتبار أن غسل بعض البدن يحل بالزينة وجب غسل الكل تحقيقا لمعنى الزينة.
ثم (الاقتصار) بعد هذا (غير معقول، لكنه) أي الاقتصار الذي هو غير معقول يتعدى ضرورة تعدي الأول وهو القدر المعقول، تشريحه أن الحكم في الأصل وهو الخارج من السبيلين مشتمل على معنيين:
أحدهما: معقول أصالة، وهو زوال الطهارة.
والثاني: غير معقول تبعا، وهو الاقتصار لأنه ثبت مرتبا عليه فكان تبعا، فيجب أن يثبت الحكم في الفرع - وهو الخارج من غير السبيلين - على وفاق
стр. 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك مشتمل على معنيين: معقول، وغير معقول، لئلا يلزم تغير حكم النص في الفرع، فالحاصل أنا نعدي أمرًا معقولا فيتضمن تعدي أمر غير معقول ضرورة تعدي الأول، وهو الأمر المعقول؛ لأن تعديه ما ليس بمعقول غير ممنوع لأنه ثابت في ضمن شيء آخر والعبرة للمتضمّن لا للمتضمن كالوكالة الثابتة في ضمن الرهن، ونظير هذا تعديه استواء الجيد مع الرديء في باب الربا في غير الأشياء الستة، مع أنه غير معقول في ضمن تعديه الكل والجنس فيصير هذا جوابًا عن قول الخصم أنتم عدّيتم أمرًا غير معقول فيقتصر على مورد الشرع.
فإن قيل: لو كانت النجاسة على الوجه الذي ذكرتم منافية للطهارة ينبغي أن ينتقض الوضوء بإصابة نجاسة من الخارج بدنه وإن لم تخرج شيء منه؛ لما أن وجوب الطهارة لا تحتمل الوصف بالتجزؤ.
قلنا: هذا لا يرد نقضا لأنه موضع الإجماع، ولأن الانتقاض عند تحقق كونه محدثًا وذلك باعتبار خروج النجاسة في الأصل منه بالإجماع فلا يثبت الحكم في غيره، فالتعدية كانت في السبب، ونقله الخصاص عن السلف، والإمام ظهير الدين المرغيناني من الخلف.
وفي الأسرار: حكم الانتقاض في السبيلين لا يخلو من أن يكون متعلقا بالخارج المعتاد، أو بالمخرج المعتاد، أو بهما جميعًا، أو بمطلق خروج النجاسة.
ولا سبيل إلى الأول لانتقاض الطهارة بالخارج الغير معتاد، ولا إلى الثاني لأنه يلزم أن يكون الآدمي يحدث دائما لأنه لا يفارقه، ولا إلى الثالث فإنه لو طعن في سرته وخرج البول أو العذرة تنتقض الطهارة عندنا، وفي قول عنده، والمخرج معدوم فتعين الرابع وهو الخارج النجس، وفي هذا لا يتفاوت حكم الخارج من السبيلين وغيرهما، ولكن يأبى الإمام السَّرَخْسِي هذا الوجه (١)، فإن عند الشافعي في هذه المسألة يفصل فقال: لو انفتح مخرج دون المعدة فخرج
стр. 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منه فلو انسد المخرج المعتاد ينتقض لقيامه مقام المعتاد للحاجة، وإن انفتح فوق المعدة وانسد المعتاد لم ينتقض في قول، وهو اختيار المزني؛ لأن من طبع الإنسان دفع الفضلة إلى أسفل المعدة لا فوقها، ولو ينسد المخرج المعتاد، وانفتح دون المعدة وخرج لم ينتقض في أصح قوليه، ولو انفتح فوق المعدة مع انسداد المعتاد لم ينتقض قولا واحدا (١).
وفي شرح المجمع: في طريقة مشايخنا من إثبات النجاسة الحكمية وكونها معقولة لانتقال النجاسة من الباطن إلى الظاهر تعسف، وعلى ما سلكناه من الطريقة لا يحتاج إلى إثبات التعدي فإنا جعلنا الآية كناية عن نفس الخارج من بدن الحي منها أخذا بالاحتياط كما ذكرنا، إلا أنا عدينا حكم المعتاد إلى غيره وقد ذكرنا، فيه تأمل.
وأما الجواب عما رواه الخصم أنه نقل عدمي فلا يعارض ما روينا لأنه وجودي، إذ المثبت أولى من النافي، أو يجهل على القيء القليل دفعاً للتعارض بين الحديثين مع أن الكثير منه لا يليق بحاله ﵇ إذ هو ينشأ من كثرة الأكل، وكيف نظن به مع أن أغلب أحواله الجوع، ولأنه حكاية حال فلا عموم له.
وما روي عن ابن عمر يحتمل أنه خرج ولم يسل بدليل ما روى عنه أنه قال: أربع تنقض الوضوء: القيء، والرعاف، والضحك، والحدث.
ومعنى ما روي عن ابن عباس: (كفاك) أي كفاك عن الاغتسال؛ لأن من الناس من يوجب الاغتسال في الحجامة فقال ذلك ردًّا عليه، على أنه روى عنه خلاف ذلك فتعارضت الروايات عنه فحمل على ما قلنا جمعًا بينهما.
وما روي عن أبي هريرة احتمل أنه لم يَسِل، وأما اعتباره الكثير بالقليل كما في الأصل غير قوي لما ذكرنا من الفرق وبين المسلكين، كذا في جامع
стр. 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الاسبيجابي (١).
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ الْخُرُوجَ) استثناء من النكتة الأولى جوابًا لسؤال مقدر بأن قيل: ألحقتم الخارج من غير السبيلين بالخارج منهما مع المفارقة بينهما، ولا يصح القياس معها؛ فإن القليل الظاهر ناقض في السبيلين، غير ناقض في غيرهما.
فأجاب عنه وقال: نعم، إلا أن القليل الظاهر فيهما موصوف بالخروج لأنه هو الانتقال من الباطن إلى الظاهر، فاستدللنا بالظهور على الخروج في السبيلين لا من موضع الظهور ليس بمحل النجاسة، فبالظهور يعلم أنه قد انتقل عن محلها إلى محل آخر ما في غيرهما فلا يعلم بمجرد الظهور الخروج لأن تحت كل جلدة رطوبة ودمًا، فإذا زايلت ظهرت غير منتقلة عن مكانها فلا تنتقض الطهارة ما لم يوجد السيلان الذي هو تحقق الخروج، كذا في الأسرار (٢).
وفي المحيط: حد السيلان أن يعلو فيتحدر عن رأس الجرح، كذا فسره أبو يوسف (٣)، وفي مبسوط شيخ الإسلام: تورم رأس الجرح فظهر به قيح أو نحوه لا ينتقض ما لم يجاوز الورم؛ لأنه لا يجب غسل موضع الورم فلم يجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير. وعن محمد: لو صار أكبر من رأس الجرح نقض، والصحيح الأول لأنه بادلاً خارج ولو نزل الدم إلى ما لان من الأنف أو إلى صماخ الأذن نقض (٤).
قال الحسن بن زياد: الماء والقيح والصديد طاهر بمنزلة الريق والعرق والدمع والمخاط والنخامة واللبن فلا ينقض الوضوء، والصحيح أن ذلك بمنزلة الدم لأنه دم رقيق لم يتم نضجه وكان لونه لون الماء (٥).
стр. 102
وَبِمِلْءِ الفَمِ فِي القَيْءِ، لِأَنَّ بِزَوَالِ القِشْرَةِ تَظْهَرُ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا، فَتَكُونُ بَادِيَةٌ لَا
وفي الْمُجْتَبى: الدم والقيح والصديد وماء الجرح والنفطة وماء السرة والبدن والعين والأذن لعله سواء على الأصح (١)، وهذا يدل على أن من رمدت عينه وسال منها الماء يجب الوضوء، والناس عنها غافلون، ويؤمر به لوقت كل صلاة لاحتمال أن يكون من جرح في الجفون.
وعن الحسن أن ماء النفطة لا ينقض، قال الحلواني: وفيه توسعة لمن به جرب، أو جدري، أو محلت يده، والدم إذا أخذ من غرز الإبرة أو قطع السكين أكثر من الثقبة حدث على الصحيح (٢).
وذكر الحسن فيه عن محمد أنه ينقض، وعن أبي يوسف أنه لا ينقض، وبه أَخَذَ السَّرَخْسِيُّ (٣).
وفي المحيط: مص القراد عضواً فامتلأ، إن كان صغيرا لا ينقض كما لو مص الذباب والبعوض وإن كان كبيراً ينقض، كما لو مصت العلقة (٤).
وقوله: (وَبِمِلْءِ الفَمِ): عطف على قوله (بالسيلان)، وإنما اختلف الحكم في القيء بين القليل والكثير لأن الفم طاهر من وجه حقيقة؛ فإنه لو فتح فاه يظهر ولو ضمه يبطنه، وحكما فلأن الصائم إذا أخذ الماء بفيه، ثم مجه لا يفسد صومه، كما لو سال على ظاهر جلده، وباطن من وجه حقيقة فإنه لو ضمه يبطن حقيقة وحكما؛ فإنه لو ابتلع ريقه لا يفسد صومه كما لو انتقل ماء أو طعام من زاوية بطنه إلى زاوية أخرى، فعملنا بالشبهين فقلنا: إذا كثر انتقض، وإذا قل فلا.
وفي المبسوط: في القياس ينبغي أن لا يكون القيء حدثًا لأن الحدث خارج نجس يخرج بقوة نفسه، والقيء مخرج فإن من طبع السيالة أنها لا تسيل إلى فوق إلا بدافع يدفعها، أو جاذب يجذبها كالدم الظاهر على رأس الجرح
стр. 103
خَارِجَةٌ، بِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الموَضْعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الانْتِقَالِ وَالخُرُوجِ، وَمِلْءُ الفَمِ: أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إِلَّا بِتَكَلَّفٍ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَ خَارِجًا.
وَقَالَ زُفَرُ ﵀: قَلِيلُ القَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ، وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ السَّيَلَانُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالمَخْرَجِ المُعْتَادِ، وَلِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊: «القَلْسُ حَدَثٌ». وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: لَيْسَ فِي القَطْرَةِ وَالقَطْرَتَيْنِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَائِلًا وَقَوْلُ عَلِيٌّ ﵁ حِينَ عَدَّ الأَحْدَاثَ جُمْلَةٌ: «أَوْ دَسْعَةً تَمْلَأُ الفَمَ». وَإِذَا
فمسحه بخرقة، لكنا تركنا القياس بالآثار، ولأن في القليل بلوى فإن من يملأ معدته من الطعام يعلو شيء إلى حلقه إذا ركع فجعل عفوا (١).
وقيل: حد ملء الفم أن يمنعه من الكلام، وقيل: أن يزيد على نصف الفم، وقيل: أن يعجز عن إمساكه، وقيل: أن يعجز عن تغطية الفم، وقيل ما جاوز الفم والأصح ما فسره في الكتاب القطرة عبارة عن قلة الدم الذي لم يوجد منه السيلان والدليل قوله: (إلا أن يكون سائلا)، والاستثناء بمنزلة الغاية فلا يجوز تقديمها على المغيا.
وفي الخبازية: المراد من القطرة هاهنا ما يكون بعرضية التقاطر دل عليه الاستثناء (٢).
فإن قيل: جاز أن يكون المراد منه قطر الدم من رأس الجرح بلا سيلانه إلى موضع يلحقه حكم التطهير.
قلنا: هذا قول خارج عن الإجماع فإن عند الخصم لا ينقض السيلان ولا القطرة أيضًا، وعندنا لو ظهر الدم على رأس الجرح فمسحه قبل السيلان وهو بحال لو تركه سال ينقض.
(دسعة) دفعة، الدسع (سخوار بداورن شير)، والظاهر أنه قال سماعًا من النبي ﷺ فصار قوله كقوله، وعن ابن عباس: إذا كان القيء يملأ الفم وجب الوضوء، وروى البيهقي، وصاحب المحيط عن النبي ﵇ أنه قال:
стр. 104
تَعَارَضَت الأَخْبَارُ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى القَلِيلِ، وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ ﵀ عَلَى الكَثِيرِ، وَالفَرْقُ بَيْنَ المَسْلَكَيْنِ قَدْ بَيَّنَّاهُ.
وَلَوْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا، بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ يَمْلَأُ الفَمَ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ المَجْلِسِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ السَّبَبِ (*)، وَهُوَ الغَثَيَانُ، … ... … ... …
«يُعادُ الوضوء من سبع من نوم غالب، وقيء دارع، وتقطار بول، ودم سائل، وتسعة تملأ الفم، والقهقهة في الصلاة» (١).
قوله: (يحمل): وإنما يحمل لأن الأصل في الدلائل الإعمال لا الإهمال.
(المسلكين): السبيلين وغيرهما، أو الفم والسبيلين.
(قد بيناه): أي ذكرناه في مسألة الدم أن القليل ناقض في السبيلين؛ لأن بالظهور يستدل على الخروج، وفي غيرهما لا يستدل يعتبر اتحاد المجلس؛ لأن لاتحاده أثر في جمع المتفرقات، ولهذا تتحد الأقوال المتفرقة في البيع والنكاح، وسائر العقود والإقرار عند اتحاد المجلس، وكذا التلاوات المتعددة لآية السجدة، ويعتبر اتحاد السبب لأن الحكم يثبت على حسب ثبوت السبب من الصحة والفساد فتتحد المسببات نظرًا إلى اتحاد سببها، كما لو صح العبد ظاهرا فمرض عند المشتري بالسبب الأول يثبت له خيار الرد لكون المرض الثاني عين الأول حكمًا لاتحاد سببه، وكذا لو غصب جارية محمومة فزالت حماها ثم حُمَّتْ فَردَّها، إن قال أهل الطب: الثاني عين الأول لقيام السبب الداعي إليه لم يضمن، وإن قالوا غير الأول ضمن النقصان.
وقوله: (هو الصحيح) (٢): احتراز عن قول محمد فإن عنده نجس حقيقةً، وبعض مشايخنا أخذ بقوله احتياطا، وكان أبو بكر الإسكاف وأبو جعفر الهندواني يفتيان بقوله، وبعضهم أخذ بقول أبي يوسف وهو اختيار المصنف رفقا بالناس خصوصا في حق أصحاب القروح والجدري، حتى لو أصاب
стр. 105
ثُمَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀
الثوب منه كثيرا لا يمنع جواز الصلاة.
وفي جامع الكردري: هذا مروي عن ابن عمر محكي عن أبي يوسف، ولم يحك عن غيرهما خلاف.
وفي الخبازية: ذكر في مختصر العصام أن على قول محمد نجس حتى لو أخذها بقطنة وألقاها في الماء القليل يفسد الماء عنده، ولو أصاب ثوبه منه قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة لأنه دم وإن قل، وعند أبي يوسف النجس: الدم المسفوح فصار هذا كدم البرغوث والبعوض والدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح وعليه الفتوي (١).
قوله: (ما لا يكون حدثًا): إلى آخره لا ينعكس، فلا يقال ما لا يكون نجسا لا يكون حدثًا؛ فإن النوم والجنون والإغماء وغيرها حدث وليست بنجسة.
فإن قيل: الاستدلال بعدم انتقاض الطهارة على عدم النجاسة غير مستقيم؛ فإن الانتقاض متعلق بوصفي النجاسة والخروج فيلزم من انتفاء أحدهما وهو الخروج هنا انتفاء الانتقاض، لكن لا يلزم منه انتفاء الوصف الآخر وهو النجاسة، ألا ترى أنه يلزم من انتفاء النجاسة انتفاء الانتقاض كخروج الدمع والعرق، ولا يلزم منه انتفاء الخروج، فكذا عكسه.
قلنا: هذا إذا لم يكن أحدهما مبنيًا على الآخر، فأما إذا كان فيلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر، فإن العين لا يعطى لها حكم النجاسة في محلها بدليل أنه لو صلى حامل حيوان غير نجس، أو صلى مع بَيْضَة حال مَحْهَا دَمًا تجوز صلاته فاعتبر وصف الخروج أيضًا ليتحقق وصف النجاسة، وإذا انتفى وصفه حكما لعدم الانتقاض هاهنا انتفى وصف النجاسة لبقائها في محلها تقديرًا كما كانت، وإذا كان كذلك صح الاستدلال.
стр. 106
وَهُوَ الصَّحِيحُ (*)، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا، حَيْثُ لَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الطَّهَارَةُ. (وَهَذَا إِذَا قَاءَ مِرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً، فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا فَغَيْرُ نَاقِضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو
قوله: (فإن قاء بلغماً) إلى آخره، وفي جامع المحبوبي: هذا الاختلاف راجع إلى اختلافهم البلغم طاهر أو نجس فعند أبي يوسف نجس، وعندهما لا (١).
قال أبو منصور الماتريدي (٢): ليس هذا اختلاف حجة بل اختلاف صورة فتصور لهما أن البلغم يهيج من الرأس فأجابا أنه طاهر، وتصور لأبي يوسف أنه يهيج من البطن فأجاب أنه نجس (٣).
وفي المبسوط: فأبو يوسف يقول البلغم إحدى الطبائع الأربع فكان نجسا كالمرة والصفراء، وقالا: البلغم بزاق والبزاق طاهر؛ فإن الرطوبة في أعلى الحلق ترق فتصير بزاقًا، وفي أسفله تثخن فيكون بلغما، وبهذا تبين أن خروجه ليس من المعدة بل من أسفل الحلق، وهو ليس بموضع النجاسة، هذا الاختلاف إذا كان البلغم خالصًا، فأما إن كان مختلطا بالطعام فينقض إذا ملأ الفم بالإجماع (٤).
وفي جامع الكردري: وهذا محمول فيما إذا كان الطعام غالبًا لأن المغلوب يأخذ حكم الغالب كالدم إذا خرج مع البصاق، فإن كان الدم غالبا ينقض، وإن كان مغلوبًا لا، وإن استويا يتوضأ احتياطا أخذا بالثقة، كذا ذكر في الأصل، والتمرتاشي (٥).
стр. 107
يُوسُفَ نَاقِضُ إِذَا كَانَ مِلْءَ الفَمِ) (*)، وَالخِلَافُ فِي المُرْتَقِي مِنْ الجَوْفِ. أَمَّا النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَغَيْرُ نَاقِضِ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ.
لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ نَجِسٌ بِالمُجَاوَرَةِ، وَلَهُمَا. أَنَّهُ لَزِجٌ لَا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ، وَالقَلِيلُ فِي القَيْءِ غَيْرُ نَاقِضِ. (وَلَوْ قَاءَ دَمًا وَهُوَ عَلَقٌ، يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الفَمِ) لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ
وذكر الإمام علاء الدين: من أكل خبزًا أو فاكهة وتراآى أثر الدم فيه من أصول أسنانه ينبغي أن يضع أصبعه أو طرف كمه على ذلك الموضع، فإن وجد فيه أثر الدم انتقض وضوءه وإلا فلا، ولأنه إذا كان طعامًا خالصا لا ينتقض ما لا يملأ الفم، فإذا كان مع غيره أولى لا تتخلله النجاسة لأن البلغم لزج ثقيل كالسيف فلا يحتمل النجاسة إلا القليل، والقليل غير ناقض فيه فإنه لا يحمل السيلان، والسيلان في غير السبيلين أقيم مقام الخروج ولم يوجد (١).
فإن قيل: ينتقض هذا ببلغم يقع في النجاسة ثم يرفع نحكم بنجاسته.
قلنا: لا رواية في هذا المسألة، ولئن سلّم فالفرق أنه ما دام في الباطن يزداد ثخانة فيزداد لزجة فإذا انفصل عن الباطن يقلُّ لزجه لقلة ثخانته، وإذا قل لزجه ازداد رقته فلوقته جاز أن يقبل النجاسة، وكان الطحاوي يميل إلى قول أبي يوسف حتى روى عنه أنه يكره الإنسان أن يأخذ بلغمه بطرف ردائه ويصلي معه، كذا في الفوائد الظهرية (٢).
(سوداء محترقة) وهي تخرج من المعدة، وما يخرج منها لا يكون حدثًا ما لم يكن ملأ الفم بسائر أنواعه وأنواعه خمسة: الطعام، والماء، والمرة، والصفراء، والسوداء، كذا ذكره المحبوبي (٣).
وفي المبسوط: أن أبا يوسف مضطرب في هذه المسألة، فمحمد يقول بأن الفم له حكم الباطن فيما بينه وبين الباطن فلا يكون الخارج إليه خارجًا، وقالا:
стр. 108
أَنْوَاعِهِ، وَعِنْدَهُمَا: إِنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا (*)، لِأَنَّ المَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الدَّمِ، فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الجَوْفِ (وَلَوْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ إِلَى مَا
إِنما جعل هكذا في حق ما يخرج من المعدة، والظاهر أن هذا شيء خرج من قرحة في الباطن فيتعلق الحكم بسيلانه كما لو خرج الدم من قرحة في الفم فسال تكون حدثًا فكذا هذا.
فإن قيل: لما اختص هذا الحكم بما خرج من المعدة فينبغي أن يكون عامًا ولا ينتقض الوضوء بخروج دم من قرحة في الفم ما لم يملأ الفم كالقيء.
قلنا: إنما اختص بالقيء لأن النص متعارض في القيء فإنه روى أنه ﵇ «قاءَ ولم يتوضأ»، وروى الترمذي من طريق حسين المعلم، عن أبي الدرداء: أنه ﵇ «قاء فتوضأ» (١) والمفهوم من إطلاق الوضوء الشرعي لا غسل الفم منه لأن ذلك يسمى مضمضة.
وروي أنه قال: «القَلَسُ حدثٌ» (٢)، فتعرفنا ذلك أن للفم حكم الباقي في قليل القيء، وحكم الظاهر في كثيره، فأما في حق الدم فلم يوجد دليل يدل على ذلك بل دل على أن المعتبر فيه التجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير، ولأن الفم له تعلق بالمعدة من حيث إن الوصول إليها منه فكان منها لاتصاله بها فيجوز أن يلحق بها في حق ما يخرج منها إذا كان قليلا بخلاف الدم لأن المعدة ليست بموضعه، ولا ضرورة في حق الدم فيكون له حكم الظاهر من كل وجه.
وفي الْمُجْتَبى عن الحسن إن تناول طعاماً أو ماء ثم قاء من ساعته لا ينقض لأنه ظاهر، وكذا الصبي إذا ارتضع ثم قاء من ساعته، قال الصباغي هو
стр. 109
لِاَنَّ مِنَ الأَنْفِ نَقَضَ بِالاتِّفَاقِ)، لِوُصُولِهِ إِلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَيَتَحَقَّقُ الخُرُوجُ. (وَالنَّوْمُ … ... … ... … ...
المختار (١).
وفي صلاة المحسن: قاء شيئين مختلفين دما وطعاما أو غيره ملأ الفم فالعبرة للغالب، ولو استويا تعتبر كل واحدة على حدة.
وقال بكر: إن غلب الطعام بحيث لو انفرد كان ملأ الفم نقض، وإلا فلا.
وعن أبي نصر: ماء فم النائم نزل من الرأس أو تحلب من اللهوات طاهر، وإن صعد من الجوف بأن كان أصفرا أو منتنا فكالقيء، وعن أبي الليث وهو كالبلغم.
وقيل: نجس عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وعن أبي حنيفة قاء طعاما أو ماء فأصاب إنسانا شبرا في شبر لا يمنع، قال الحسن: الأصح أنه لا يمنع ما لم يفحش (٢).
وفي القنية: قاء دودا كثيرا لا ينقض، وكذا لو قاء حية ملأت فاه.
وفي المحيط: الخنثى إن تبين أنه رجل أو امرأة فالفرج للآخر بمنزلة الجرح وإلا لا، حشى إحليله بقطنة أو تربط الجراحة إن نفذ البلل إلى خارجها نقض وإلا فلا، ولو نفذ إلى طاق ولم ينفذ إلى الآخر نقض.
احتشت المرأة فانبل خارجها إن كانت القطنة في الشفتين نقض، وإن كانت داخل الفرج لا ينقض، أخرجت القطنة وعليها بلة فهي محدث ساعة إخراج القطنة (٣).
ولو أدخلت إصبعها في فرجها انتقض وضوءها لأنها لا تخلو عن بلة.
قوله: (والنوم)، حكي عن أبي موسى الأشعري، وعمرو بن دينار،
стр. 110
مُضْطَجِعًا …
والإمامية: النوم ليس بحدث، وعن أحمد: النوم اليسير في حال القيام والقعود والركوع والسجود لا ينتقض، كذا في الحلية (١).
وفي القنية: ونوم النبي ﷺ ليس بحدث وهو من خصائصه، وفي السهيلي: النوم متكئاً ومضطجعاً ناقض في المذهبين والنوم قاعداً غير ناقض في المذهبين، ونوم القاعد والراكع والساجد في الصلاة عند أبي حنيفة وأصحابه ليس بحدث (٢)، وللشافعي قولان: لا ينقض في القديم، وينقض في الجديد، ولا فرق عنده بين أن يكون مستندًا أو غيره إذا كان المقعد متمكنا من الأرض، ولا فرق بين أن يكون المسند لو سُلَّ لتيقظ (٣).
وقال مالك: نوم القاعد إذا طال نقض وإلا فلا؛ لأن طوله مظنة الاسترخاء غالباً فأدير الحكم عليه لحق السبب، وأما الاضطجاع فمدار الانتقاض فيه عنده على كونه مستثقلا سواء أطال أو قصر (٤).
واختلف أصحابه في الاستناد فقيل هو كالجلوس.
وقيل: كالاضطجاع، واختلفوا في السجود في اعتبار الطول أو الاستثقال وأجمعوا على أن نوم القائم غير ناقض واختلفوا في الركوع فقيل هو كالقيام.
وقيل: كالسجود وقال بعض أصحابه إن كان على هيئة يتهيأ معه الطول وخروج الحدث فكالساجد نقض، وإن كان بالعكس فهما كالقائم والمحتبي فلم يؤثر، وإن انقسم الأمر فكان إمكان الطول مع عدم إمكان خروج الحدث غالبًا كالجالس مستندًا وعكسه كالراكع ففي كل منهما قولان بينهما تعارض موجب ومسقط، فالخلاف ينتصب مع أحد القولين في الطول مع الجلوس مستثقلا طويلا فإنه ناقض عنده بكل حال، وإنما كان الطول موجبا للانتقاض لما ذكرنا.
وفي المبسوط في كون نوم المضطجع ناقضا طريقان: